Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
المسلك الثالث
قال الرازي: قوله تعالى:﴾ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴿[آل عمران: ١١٠] ولام الجنس تقتضي الاستغراق؛ فدل على أنهم أمروا بكل معروف، ونهوا عن كل منكرٍ، فلو أجمعوا على خطأ قولا، لكان قد أجمعوا على منكر قولا، ولو كانوا كذلك، لكانوا آمرين بالمنكر، ناهين عن المعروف، وهو يناقض مدلول الآية.
فإن قيل: الآية متروكة الظاهر؛ لأن قوله:﴾ كنتم خير أمة ﴿خطاب معهم، وهو يقتضي اتصاف كل واحد منهم بهذا الوصف، والمعلوم خلافه؛ فثبت أنه لا يمكن إجراؤها على ظاهرها، فنحملها على أن المراد من الأمة بعضهم، وعندنا أن ذلك البعض هو الإمام المعصوم.
سلمنا: أنه يمكن إجراء الآية على ظاهرها؛ لكن لا نسلم أنهم كانوا يأمرون بكل معروفٍ؛ لما مر في باب العموم: أن المفرد المعرف لا يفيد الاستغراق.
سلمنا العموم؛ لكن الآية تقتضي اتصافهم بالأمر بالمعروف في الماضي، أو الحاضر؟
الأول مسلم، والثاني ممنوع؛ فلم قلتم بأنهم بقوا على هذه الصفة في الحال؟
فإن قلت: لأن هذه الآية خرجت مخرج المدح لهم في الحال، ولا يجوز أن يمدح إنسان في الحال بما فعله من قبل، إذا عدل عنه إلى ضده، فإن الناهي عن المنكر، إذا صار أمرًا به، استحق الذم.
قلت: لا نسلم أن هذه الآية خرجت مخرج المدح؛ ولم لا يجوز أن يقال:
стр. 2522
ليس فيها إلا بيان أن هذه الأمة كانوا قبل ذلك خيرًا من سائر الأمم، ومجرد الإخبار لا يقتضي المدح؟
سلمنا دلالتها على المدح؛ لكن لم لا يجوز أن يمدح الإنسان في الحال؛ بما صدر عنه في الماضي، وإن كان يستحق الذم في الحال؛ بما صدر عنه في الحال؟ فإن عندنا الجمع بين استحقاق الذم والمدح غير ممتنعٍ؛ على ما ثبت في مسألة الاحتياط.
سلمنا دلالة الآية على حصول هذا الوصف في الحال؛ لكن قوله :﴾ كنتم خير أمة ﴿[آل عمران:١١٠] صريح في أن هذا الوصف، إنما حصل لهم في الزمان الماضي، ومفهومه يدل على عدم حصوله في الحال.
سلمنا دلالة الآية على اتصافهم بتلك الصفة في الحال؛ فلم لا يجوز خروجهم عنها بعد ذلك؟ فإنه لا نزاع في أنه يحسن مدح الإنسان بما له من الصفات في الحال، وإن كان يعلم زوالها في المستقبل.
فإن قلت: فيلزم أن يكون إجماعهم حجةً في ذلك الزمان.
قلت: هب أنه كذلك؛ لكنا لا نقطع على شيءٍ من الإجماعات بأنه حصل في ذلك الزمان؛ وإذا وقع الشك في الكل خرج الكل، عن كونه حجةً.
سلمنا اتصافهم بهذا الوصف في الماضي، والحال، والمستقبل؛ لكن الآية خطاب مع الموجودين في ذلك الوقت، فيكون إجماعهم حجةً، أما إجماع غيرهم، فلا يكون حجةً؛ على ما مر من تقرير هذا السؤال في المسلكين الأولين.
والجواب: قوله: (الآية متروكة الظاهر):
стр. 2523
قلنا: لا نسلم.
قوله: (لأنها تقتضي أن يكون كل واحدٍ منهم آمرًا بالمعروف، وليس كذلك):
قلنا: المخاطب بقوله تعالى:﴾ كنتم خير أمةٍ ﴿[آل عمران: ١١٠] ليس كل واحدٍ من الأمة:
أما أولا: فلأنه تعالى - وصف المخاطب بهذا الخطاب بكونه خير أمةٍ، فلو كان المخاطب بهذا الخطاب كل واحدٍ من الأمة، لزم وصف كل واحدٍ من الأمة بأنه خير أمة، وذلك غير جائزٍ؛ لأن الشخص الواحد لا يوصف بأنه أمة إلا على سبيل المجاز؛ كما في قوله تعالى:﴾ إن إبراهيم كان أمةً ﴿[النحل: ١٢٠] بدليل أن المتبادر إلى الفهم من قوله: (حكمت الأمة بكذا) المجموع.
وأما ثانيا: فلأنه يلزم في كل واحد أن يكون خير أمةٍ أخرجت للناس؛ وإذا كان كل واحد خير أمة، وجب أن يكون كل واحد خيرًا من صاحبه، ولما بطل ذلك، ثبت أن المجموع هو المخاطب بهذا الخطاب، وهو يجري مجرى قول الملك لعسكره: (أنتم خير عسكرٍ في الدنيا: تفتحون القلاع، وتكسرون الجيوش) فإن هذا الكلام لا يفهم منه أن الملك وصف كل واحد من آحاد العسكر بذلك، بل إنه وصف المجموع بذلك؛ بمعنى أن في المعسكر من هو كذلك، فكذا هاهنا وصف الله تعالى مجموع الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بمعنى أن منهم من هو كذلك، وحملة على الإمام المعصوم غير جائز؛ لأنه واحد، ولفظ (الأمة) لفظ الجمع.
قوله: (المفرد المعرف لا يفيد الاستغراق):
стр. 2524
قلنا: كثير من الناس ذهب إلى أنه يقتضيه.
وأيضًا: فلفظ (المعرف) لو لم نحمله على الاستغراق، لوجب حمله على الماهية، ويكفي في العمل به ثبوته في صورةٍ واحدة، فيكون معناه: أنهم أمروا بمعروف واحد، ونهوا عن منكر واحد، وهذا القدر حاصل في سائر الأمم؛ لأن كل واحدٍ منهم قد كان آمرًا بمعروفٍ واحدٍ، وهو الدين الذي قبله، وناهيًا عن منكرٍ واحدٍ، وهو الكفر الذي رده.
وحينئذٍ: لا يثبت بذلك كون هذه الأمة خيرًا من سائر الأمم؛ لكن الله - تعالى - ذكره لبيان ذلك الحكم؛ فعلمنا أنه وجب حمله على الاستغراق؛ تحصيلا للغرض؛ فإنا لو لم نحمله على الاستغراق، ولم نحمله على الماهية كان ذلك مخالفًا للغة.
قوله: (الآية تقتضي الاتصاف بهذا الوصف في الماضي، أو الحاضر)؟:
قلنا: بل في الحاضر؛ لأن قوله:﴾ تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر ﴿[ال عمرن:١١٠] لا يتناول الماضي.
(قوله: لفظة﴾ كنتم ﴿تدل على الماضي).
قلنا: لا نسلم؛ لأن قوله:﴾ كنتم ﴿(إما أن تكون ناقصة، أو زائدةً، أو تامةً، فإن كانت ناقصةً فنقول: إنه، وإن أفاد تقدم كونهم كذلك؛ لكن قوله:﴾ تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر ﴿[آل عمران:١١٠] يقتضي كونهم كذلك في المستقبل، ودلالة قوله تعالى:﴾ كنتم ﴿على تقدم هذا الوصف لا يمنع من حصوله في المستقبل، فتبقي دلالة قوله:﴾ تأمرون بالمعروف ﴿على كونهم كذلك في المستقبل سليمةً عن المعارض، وأما الوجهان الآخران، فالاستدلال معهما ظاهر.
стр. 2525
قوله: (لم قلت: إنهم يكونون في الزمان المستقبل كذلك على هذه الصفة؟):
قلنا: لأن صيغة المضارع بالنسبة إلى الحال، والاستقبال، كاللفظ العام؛ فوجب تناولها لهما معًا.
قوله: (هذه الآية خطاب مع الحاضرين):
قلنا: مر الجواب عنه في المسلك الأول، والله أعلم.
المسلك الثالث
قال القرافي: قوله: (لو أجمعوا على خطأ لكانوا قد أجمعوا على منكر):
قلنا: لا نسلم، بل يؤجرون عليه للحديث المتقدم، والمنكر إنما يكون حيث التحريم، أما مع الاجتهاد فلا.
ثم قوله تعالى:﴾ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴿[آل عمران:١١٠] يقتضي غيرهم لا أنفسهم.
فإن الإنسان إنما يأمر غيره، وينهي غيره.
هذا هو المتبادر من هذا الكلام، وقد يأمر الإنسان بكل معروف، وهو يتركه، وينهي عن كل منكر - وهو يفعله، ولذلك قال الشاعر [الكامل]:
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله .... عار عليك إذا فعلت عظيم
стр. 2526
فليس في ظاهر اللفظ إلا ما يقتضي مدهم بالأمر والنهي لغيرهم، أما في أنفسهم فلا.
قوله: (الآية تقتضي اتصافهم بذلك في الماضي لا في الحاضر):
قلنا: صيغة (كنتم) للماضي، و (تأمرون)، و (تنهون) فعل مضارع للحال والاستقبال.
والظاهر منه - هاهنا - أنه للحال المستمرة
كقولهم: فلان يعطي ويمنع، ويصل ويقطع.
وقول خديجة لرسول الله ﵇: (لن يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل وتكسب المعدوم، وتُعين على نوائب الحق).
أي: هذا شأنك، وسجيتك أبدًا في الماضي، والحال، والمستقبل، كذلك هاهنا.
أي: سجيتكم، وخلقكم أنكم تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، فلا يختص ذلك بالماضي.
стр. 2527
وبهذا نجيب عن قولهم: إن مفهوم الآية يدل على عدم حصوله في الحال؛ لأن مفهوم (كنتم) معارض بظاهر الفعل المضارع.
قوله: (لا نقطع بشيء من الإجماعات بأنه حصل في ذلك الزمان).
قلنا: قد تقدم أن الإجماع في زمانه ﵇ انعقد على أشياء من الأصول والفروع، وذلك معلوم بالضرورة في الصلاة، وتحريم القتل، والزنا ونحو ذلك مما لا يختلف فيه لا قديمًا ولا حديثًا.
قوله: (لا يوصف الشخص الواحد بكونه أمةً إلا مجازًا لقوله تعالى:﴾ إن إبراهيم كان أمةً ﴿[النحل:١٢٠]):
قلنا: قال صاحب كتاب (الزينة): الأمة في اللغة يراد به لغةً: المختص بصفة واحدة، كان واحدًا أو كثيرًا.
فأمة محمد ﷺ أمة لاختصاصهم بتصديقه ﵇ وكذلك جميع الأمم، وإبراهيم ﵇ أمة؛ لأن أحدًا لم يشاركه في أحواله في زمانه.
وقال ﵇ في قس بن ساعدة: (يبعث يوم القيامة أمة واحدةً)؛ لأنه في زمانه انفرد بالتذكير بالوحدانية، والوعظ، فكان إطلاق الأمة على الواحد حقيقة.
стр. 2528
وقال المفسرون: الأمة: الجماعة لقوله تعالى:﴾ وجد عليه أمةً من الناس ﴿[القصص:٣]، والأمة: الزمان لقوله تعالى:﴾ وادكر بعد أمةٍ ﴿[يوسف:٤٥] والأمة: أهل الصفة الواحدة.
قوله: (لفظ الأمة الجمع، فلا تحمل على الواحد):
قلنا: لا نسلم أنه لفظ جمع لما تقدم معناه، ولفظه مفرد إجماعًا.
(سؤال)
قوله: (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) [ آل عمران: ١١٠] صيغة فعل تقتضي حصول فرد من أفراد النهي في كل منكر، فلا يحصل من ذلك دوام الأمر، ودوام النهي، فلا يحصل المقصود، وإن سلم أن (اللام) في (المعروف) للعموم.
* * *
стр. 2529
المسلك الرابع
قال الرازي: التمسك بما روى عن النبي ﷺ : (أن أمته لا تجتمع على خطأ) .
والكلام هاهنا يقع في موضعين: أحدهما: إثبات متن الخبر. والثاني: كيفية الاستدلال به.
أما الأول: فللناس فيه طرق ثلاثة:
الطريق الأول: ادعاء الضرورة في تواتر معنى هذا الخبر؛ قالوا: لأنه نقل هذا المعني بألفاظ مختلفةٍ؛ بلغت حد التواتر:
الأول: روى عنه، ﵊: أنه قال: (أمتي لا تجتمع على خطأ).
الثاني: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن).
الثالث: (لا تجتمع أمتي على ضلالةٍ).
الرابع: (يد الله على الجماعة) رواه ابن عمر، ﵄.
الخامس: (سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على الضلالة، فأعطيتها).
السادس: (لم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة) ألا وروى: (ولا على خطأ). وروى عن الحسن البصري وابن أبي ليلى: أن رسول الله ﷺ قال الخبر، وكان الحسن يقول: إذا حدثني أربعة من الصحابة تركتهم، وقلت: قال رسول الله ﷺ :، وهذا الخبر من مراسيله.
стр. 2530
السابع: (عليكم بالسواد الأعظم) وذلك جماعة الأمة؛ لأن كل من دونهم، فالأمة بأسرها أعظم منه.
الثامن: أبو سعيد مرفوعًا: (يد الله على الجماعة، ولا نبالي بشذوذ من شذ).
التاسع: (من خرج من الجماعة قيد شبرٍ، فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه).
العاشر: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، مات ميتة جاهليةً).
الحادي عشر: أبو أمامة مرفوعًا: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم).
الثاني عشر: عمران بن الحصين مرفوعًا: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يقاتلها الدجال).
الثالث عشر: قام ابن عمر في الناس خطيبًا، وقال: إن نبي الله ﷺ كان يقول: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق، حتى يأتي أمر الله).
الرابع عشر: (ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم) رواه جبير بن مطعمٍ، وجابر.
الخامس عشر: (من سره أن يسكن بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد) خطب به رسول الله ﷺ ، وخطب به أيضًا عمر بن الخطاب ﵁ في جماعة الصحابة، ﵃.
стр. 2531
السادس عشر: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق؛ لا يضرهم من ناوأهم إلى يوم القيامة).
السابع عشر: ثوبان مرفوعًا: (لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله).
الثامن عشر: أنس وقوم آخرون، عنه ﵊: (ستفترق أمتي كذا وكذا فرقةً، كلها في النار إلا فرقةً واحدةً، قيل: ومن تلك الفرقة؟ قال: (هي الجماعة).
وهذه الأخبار كلها مشتركة في الدلالة على معنى واحد، وهو أن الأمة بأسرها لا تتفق على الخطأ، وإذا اشتركت الأخبار الكثيرة في الدلالة على شيءٍ واحد، ثم إن كل واحدٍ من تلك الأخبار يرويه جمع كثير، صار ذلك المعنى مرويا بالتواتر؛ من جهة المعنى.
الطريق الثاني: الاستدلال وهو من وجهين:
أحدهما: أن هذه الأخبار، لو صحت، لثبت بها أصل عظيم مقدم على الكتاب والسنة، وما هذا شأنه كانت الدواعي متوفرةً على البحث عنه بأقصى الوجوه؛ أما الأولياء؛ فلتصحح هذا الأصل العظيم بها، وأما الأعداء؛ فلدفع مثل هذا الأصل العظيم.
فلو كان في متنها خلل، لاستحال ذهولهم عنه، مع شدة بحثهم عنه، وطلبهم له، فلما لم يقدر أحد على الطعن فيها، علمنا صحتها.
وثانيهما: أنه قد ظهر من التابعين إجماعهم على أن الإجماع حجة، وظهر منهم استدلالهم على ذلك بهذه الأخبار، والاستقراء دل على أن أمتنا
стр. 2532
لا يجمعون على موجب خبرٍ؛ لأجل ذلك الخبر، إلا ويكونون قاطعين بصحة ذلك الخبر؛ فهذا يدل على قطعهم بصحة هذا الخبر.
الطريق الثالث: أنا نسلم أن هذه الأخبار من باب الآحاد، وندعى الظن بصحتها، وذلك مما لا يمكن النزاع فيه، ثم نقول: إنها تدل على أن الإجماع حجة؛ فيحصل حينئذٍ ظن أن الإجماع حجة.
وإذا كان كذلك، وجب العمل به؛ لأن دفع الضرر المظنون واجب، وهذا الطريق أجود الطرق.
فنقول: أما الطريق الأول، وهو ادعاء التواتر فبعيد؛ فإنا لا نسلم بلوغ مجموع هذه الأخبار إلى حد التواتر؛ لأن العشرين، بل الألف لا يكون متواترًا؛ لأنه ليس يستبعد في العرف إقدام عشرين إنسانًا على الكذب في واقعةٍ معينة بعباراتٍ مختلفةٍ، وبالجملة فهم مطالبون بإقامة الدلالة على أن مجموع هذه الروايات يستحيل صدوره عن الكذب.
سلمنا حصول القطع بهذه الأخبار في الجملة؛ لكنكم: إما أن تدعوا القطع بلفظها، أو بمعناها: أما القط بلفظها: فهو أن يقال: إنا، وإن جوزنا في كل واحدٍ من هذه الأحاديث أن يكون كذبًا، إلا أنا نقطع بأن مجموعها يستحيل أن يكون كذبًا، بل لابد أن يكون بعضها صحيحًا.
وأما القطع بمعناها: فهو أن يقال: إن هذه الألفاظ على اختلافها مشتركة في إفادة معنى واحدٍ، فذلك المشترك يصير مرويا بكل هذه الألفاظ؛ فيصير ذلك المشترك منقولا بالتواتر.
فنقول: إن أردتم الأول: فهو مسلم؛ لكن المقصود لا يتم إلا إذا بينتم أن كل
стр. 2533
واحد من هذه الألفاظ يدل على أن الإجماع حجة، دلالة قاطعةً؛ إذ لو وجد فيها ما يدل على المطلوب، لا على هذا الوجه، لم يحصل الغرض؛ لأن الذي ثبت عندكم ليس إلا صحة أحد هذه الأخبار، فيحتمل أن يكون الصحيح هو ذلك الخبر الذي لا يدل دلالةً قاطعةً على حقية الإجماع؛ لكنا نرى المستدلين بهذه الأخبار، بعد فراغهم من تصحيح المتن، يتمسكون بواحد منها على التعيين؛ كقوله ﵊: (لا تجتمع أمتي على خطأ) ويبالغون فيه سؤالا وجوابًا، ومعلوم أنه باطل.
وأما إن أردتم الثاني: فنقول: ذلك المعنى المشترك بين الأخبار: إما أن يكون هو أن الإجماع حجة، أو معنى يلزم منه كون الإجماع حجةً:
فإن كان الأول: فقد ادعيتم أنه نقل نقلا متواترًا عن رسول الله ﷺ أن الإجماع حجة، ومعلوم أن ذلك باطل؛ وإلا لكان العلم بكون الإجماع حجةً جاريًا مجرى العلم بغزوة بدرٍ وأحدٍ، ولما وقع الخلاف فيه.
وأيضًا: فإنا نراكم، بعد الفراغ من تصحيح متن هذه الأخبار، تتمسكون بلفظ خبر واحد، وتوردون عليه الأسئلة والأجوبة، ولو كان ذلك منقولا؛ على سبيل التواتر، لكان ذلك الاستدلال عبثًا.
وبهذا: يظهر الفرق بين علمنا بشجاعة على، وسخاوة حاتم؛ بسبب الأخبار المتفرقة، وبين هذه المسألة، فإنا بعد سماع تلك الأخبار المتفرقة، لا نحتاج إلى الاستدلال ببعض تلك الأخبار على شجاعة على؛ بل يحصل العلم الضروري بذلك.
أما هاهنا: فقد سلمتم أن بعد سماع هذه الأخبار، نفتقر إلى الاستدلال
стр. 2534
ببعضها على هذا المطلوب؛ فعلمنا أن كون الإجماع حجةً ليس جزءًا من مفهوم هذه الألفاظ.
وإن ادعيتم أن هذه الأخبار دالة على معنىً مشتركٍ بين كلها، وذلك المعنى يقتضي كون الإجماع حجةً: فلابد من الإشارة إلى ذلك المعنى، ثم من إقامة الدليل على أنه يلزم من ذلك المشترك كون الإجماع حجةً، وأنتم ما فعلتم ذلك.
فإن قلت: (القدر المشترك بين هذه الأخبار تعظيم أمر هذه الأمة، وبعدها عن الخطأ، وما يجرى هذا المجرى):
قلت: تدعون التواتر في مطلق التعظيم، أو في تعظيم، ينافي إقدامهم على الخطأ في شيءٍ ما.
الأول: مسلم، ولا يفيد الغرض.
والثاني: ادعاء للتواتر في نفس كون الإجماع حجةً، وقد تقدم إبطاله.
وأما الطريق الثاني، وهو الاستدلال: فضعيف.
قوله: (لو كانت هذه الأحاديث ضعيفةً لطعنوا فيها):
قلت: وقد طعنوا فيها بأنها من الآحاد.
فإن قلت: (إن أحدًا من الصحابة والتابعين لم يقل: إنها من الآحاد، بل اتفقوا على أنها متواترة).
سلمنا أنهم طعنوا فيها من هذا الوجه، لكن كان يجب أن يطعنوا فيها على سبيل التفصيل.
стр. 2535
قلت: الجواب عن الأول: أن النقل عن المؤمنين؛ أنهم جعلوها من باب التواتر، ثبت بالتواتر، أو بالآحاد؟
الأول: يقتضي كونها متواترةً عندنا؛ لأنه متى كان الخبر متواترًا، وصح عندكم بالتواتر كونها متواترة عندهم، لزم كونها متواترةً عندكم؛ لكنكم في هذا المقام سلمتم أنها ليست كذلك.
والثاني: يقتضي أن تكون هذه الأخبار من الآحاد؛ لأن كونها متواترة عن الصحابة والتابعين، لما لم يثبت عندنا إلا بالآحاد، كانت عندنا من باب الآحاد؛ لأن استواء الطرفين والواسطة معتبر في التواتر.
وعن الثاني: أن نقول: ليس كل من لا يعلم صحته وجب أن يعلم فساده؛ فالصحابة والتابعون ما عرفوا صحة هذه الأخبار، ولا فسادها، بل ظنوا صحتها؛ فلا يجب عليهم في هذه الحالة أن يطعنوا فيها على سبيل التفصيل.
وأما الوجه الثاني في الاستدلال وهو قوله: (الصحابة والتابعون أجمعوا على صحة الإجماع، وإنما أجمعوا على صحته لهذه الأخبار، وعادة أمتنا أنهم لا يجمعون على موجب خبرٍ؛ لأجل ذلك الخبر إلا وكان الخبر مقطوعًا به):
قلنا: المقدمات الثلاثة ممنوعة؛ فلا نسلم إجماع الصحابة والتابعين على صحة الإجماع.
سلمناه، لكن لا نسلم أنهم إنما ذهبوا إلى ذلك لأجل هذه الأخبار، بل إنما قالوا به لأجل الآيات.
فإن ادعوا التواتر في هذين المقامين، كان ذلك مكابرةً؛ فإن تلك الأخبار
стр. 2536
أظهر بكثيرٍ من ادعاء هذين المقامين، ولما لم يدعوا التواتر في تلك الأخبار، فلأن لا يجوز ادعاؤه في هذين المقامين كان أولى.
سلمنا هما، لكن لا نسلم أن عادتهم جارية بأنهم لا يجمعون على موجب خبر؛ لأجل ذلك الخبر، إلا وقد قطعوا بصحته؛ ألا ترى أن الصحابة أجمعوا على حكم المجوس؛ بخبر عبد الرحمن، وأجمعوا على أن المرأة لا تنكح على عمتها، ولا خالتها؛ بخبر واحد؟!. وبالجملة: فهم مطالبون بالدلالة على هذه العادة التي ادعوها.
فثبت بما ذكرنا ضعف هذه الوجوه، وثبت أن الصحيح هو الطريق الثالث؛ وهو أن نجعلها من أخبار الآحاد؛ وعلى هذا لا نحتاج إلى تكثيرها، بل كل واحد منها يكفي في الاستدلال.
المقام الثاني: في كيفية الاستدلال: التمسك بقوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على خطأ) فإن قيل: إن كان المراد بقوله: (أمتي) - كل من يؤمن به إلى يوم القيامة، خرج الإجماع عن كونه حجةً.
وإن كان المراد به الموجودين وقت نزول ذلك الخبر، دل ذلك على أن إجماعهم حجة؛ لكنا إنما نعرف إجماعهم، إذا عرفناهم بأعيانهم، وعرفنا بقاءهم إلى ما بعد وفاة الرسول ﷺ ، وذلك غير معلومٍ؛ فحينئذٍ يخرج الإجماع عن كونه حجةً.
سلمنا أن المراد بالأمة أهل كل عصر؛ لكن لم قلت: إن هذه اللفظة تدل على نفي الخطأ عنهم؟ لاحتمال أن قوله: (لا تجتمع أمتي على خطأٍ) جاء بسكون
стр. 2537
العين؛ على أن يكون ذلك نهيًا منه ﷺ لأمته عن أن يجتمعوا على خطأٍ، فاشتبه ذلك على الراوي، فنقله مرفوعًا؛ على أن يكون خبرًا.
سلمنا كونه خبرًا؛ لكن لم قلت: إنه يدل على نفي الخطأ بأسره عنهم، ولا نسلم أن النكرة في النفي تعم؟!
وإذا كان كذلك، فإما أن نحمله على نفي السهو، أو نفي الكفر؛ جمعًا بينه وبين الحديث المروى في هذا الباب، وهو قوله ﷺ : (أمتي لا تجتمع على ضلالة).
سلمنا كون الأمة مصيبين في كل أقوالهم وأفعالهم؛ فلم لا تجوز مخالفتهم؟ فإن المجتهد قد يكون مصيبًا، مع أن المجتهد الآخر يكون متمكنًا من مخالفته.
والجواب: أما السؤال الأول فمدفوع بسائر الأحاديث الواردة في هذا الباب، وهي قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) وقوله: (ما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن). وقوله: (من فارق الجماعة قيد شبرٍ فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه).
قوله: (لعل هذا الحديث ورد على صيغة النهي):
قلنا: عدالة الراوي تفيد ظن صحة تلك الرواية، ومطلوبنا هاهنا الظن، وإلا لو فتحنا هذا الباب لا نسد باب الاستدلال بأكثر النصوص.
ثم أنه مدفوع بسائر الأحاديث، وأما أن النكرة في النفي تعم، فقد تقدم بيانه في باب العموم.
قوله: (نحمله على نفي السهو):
стр. 2538
قلنا: اجتماع الجمع العظيم على عدم السهو ممتنع، فلا يمكن ذكره في معرض التعظيم، ولأنه لا يكون في تخصيص أمته بذلك فضيلة.
قوله: (نحمله على نفي الكفر؛ كقوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة):
قلنا: كل حديث مستقل بنفسه، ولأن الضلال لا يقتضي الكفر؛ قال الله تعالى:﴾ ووجدك ضالا فهدى ﴿[الضحى:٧] وقال:﴾ فغلتها إذن وأنا من الضالين ﴿[الشعراء: ٢٠].
قوله: (هب أن الأمة مصيبون في إجماعهم؛ فلم لا تجوز مخالفتهم)؟
قلت: لأن الأمة على قولين: منهم من قال: إن الإجماع حجة؛ لا تجوز مخالفته.
ومنهم من قال: إنه ليس بحجة، فلو قلنا: إنه حجة، تجوز مخالفتها، لكان قولا خارجًا عن أقوال الأمة، فلو كان الحق، ذلك لكانت الأمة متفقين على الخطأ، وذلك باطل بالحديث.
المسلك الرابع
(فائدة)
الربقة
قال القرافي: قال صاحب (المجمل): الربقة: قلادة كالخيط.
قوله في الطريق الثالث: (الناس يتمسكون بواحد من هذه الأخبار على التعيين) كقوله ﵇: (لا تجتمع أمتي على خطأٍ)، ويبالغون فيه سؤالا وجوابًا، ومعلوم أنه لا يفيد القطع).
стр. 2539
قلنا: قد تقدم كلام التبريزي في المسلك الأول - أن معنى تمسك العلماء في هذه المسائل القطعية بالظاهر الواحد أن المقصود به دلالته بقيد ما يضاف إليه من السنة والكتاب، وقرائن الأحوال الحالية، والمقالية، فهو مقيد بقيد يقبل القطع معه.
وكذلك القول في كل ظاهرٍ، المراد به ما هو معه من العواضد والمبهمات، وليس المقصود الاقتصار عليه وحده.
стр. 2540
فهذا هو المحسن لتمسك العلماء بالظواهر في الأدلة القطعية، وهو جواب سعيد سديد.
стр. 2541
(سؤال)
قوله ﵇: (لا تزال طائفة من أمتي) ونحوه من النصوص - إن أريد بالأمة - هاهنا - أهل العقد والحل الذين هم مجتهدون، فقد انقطعوا من بعد ثلاثمائة، ولم يبق إلا المقلدون .
فالواقع يمنع التمسك بهذا الخبر.
وإن ادعيتم غيرهم، فهو غر مقصود، كما هو المراد لا يمكن حمل النص عليه، وما يحمل النص عليه غير مراد لكم.
قوله: (لو كان الإجماع منقولا بالتواتر لحصل العلم الضروري به؛ لضرورة (بدر) وغيرها): قلنا: المتواترات تشترك في التواتر، ويختلف انتشار العلم الحاصل فيها، وعمومه للخلق.
فالمؤذن إذا سقط يوم الجمعة من منار الجامع تواتر ذلك عند أهل الجامع، وبقية البلد لا علم عندهم من ذلك.
ورب شيء متواتر في بلد دون غيره، وفي إقليم دون غيره من الأقاليم، فلا يلزم من حصول أصل التواتر عموم العلم به لجميع الخلائق، بل قد يخص ذلك قواعد أصول الفقه، فالقطع، والتواتر المعنوي حاصل بها لمن كثر
стр. 2542
استقراؤه، وتوفر حفظه، واشتد اطلاعه، وهو قليل في الناس جدًا، فلا جرم لم يحصل العلم به لعموم الناس، بخلاف (بغداد)، ووقعة (بدر) وغيرها اتفق أن تواترت، وعم التواتر أكثر [على] المعموم، فلا يحصل التواتر ملزومًا لعموم العلم بذلك المتواتر لكل أحد.
قوله: (يحتاجون في هذه الظواهر إلى بيان الاستدلال، ودفع الأسئلة عنها، ولو كان متواترًا لما احتاجوا إلى ذلك؛ لأنه عبث، كما أنا إذا ذكرنا شجاعة على، وسخاء حاتم لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه عبث).
قلنا: نحن في أدلة الإجماع، إذا تمسكنا منها بظاهر، فنحن ندعى أنه له دلالة ظنية مضافة إلى غيره مما تقدم ذكره، فيكون باعتبار ذاته مفيدًا للظن، وباعتبار ما يضاف إليه مفيدا للقطع.
فنحن في المقام الأول نبين أنه يفيد الظن، وأنه صالح للدلالة من حيث الجملة، فلذلك نورد عليه الأسئلة والأجوبة، حتى يتقرر فيه الظن السالم عن المعارض، فلا نلاحظه مضافًا لتلك الأمور، فيحصل القطع، ونظيره التواتر، كل واحد من المخيرين بالنظر إلى ذاته يفيد الظن، ومضاف لغيره يفيد القطع، فلابد أن يتقرر عندنا أولا أنه يفيد الظن؛ إذ لولا ذلك لاستحال وصولنا للعلم بإخبارات لا تفيد آحادها الظنون، فتأمل ذلك، أما شجاعة على ونحوها، فقد تقررت للضرورة تقررًا عامًا أغنت عن ذلك، بخلاف الضرورة - هاهنا - هي مخصوصة بمن كثر اطلاعه كما تقدم، فاحتجنا لتأسيس الظن، ثم نحيل على كثرة الاطلاع، فهذا هو الفرق.
قال التبريزي: التفطن للمشترك في إخبار الشجاعة لا يفتقر إلى نظر وفكر، بخلاف قوله ﵇: (لا تجتمع أمتي على خطأ)، (وعليكم
стр. 2543
بالسواد الأعظم)، فلذلك احتجنا للنظر لبيان المشترك بينهما وغيرهما.
قوله: (إذا صح بالتواتر عندكم أنها متواترة عندهم، لزم كونها متواترة عندكم).
قلنا: لا نسلم هذه الملازمة؛ لأن كون تلك الألفاظ متواترةً معنية عن كون الإجماع حجة.
وكون التواتر متواترًا عندنا معنى آخر غير كون الإجماع حجة، فلا يلزم من تواتر الثاني تواتر الأول.
وهذا كما يعلم بالضرورة أن كثيرًا من معجزاته ﵇ وأحاديثه كانت متواترة عند الصحابة، ونحن نعلم ذلك بالضرورة، وما لزم من
стр. 2544
حصول العلم الضروري لكونها كانت ضرورية عندهم - كونها ضرورية عندنا نحن، ولأن تلك المعجزات التي صارت اليوم تروى بأخبار الآحاد لم تصر ضرورية عندنا.
وما سببه أن متعلق أحد الاعتقادين غير متعلق الآخر، فجاز أن يكون أحدهما ظنًا، والآخر علمًا، ولا يلزم أن يصير الأول معلومًا لنا، كما كان معلومًا لهم.
قوله: (قد يكون المجتهد مصيبًا، والآخر متمكنًا من مخالفته):
تقريره: أن المجتهد يجتهد في القبلة، فيصادفها، والآخر تعرض له شبهة تصرفه عنها، وفيجب عليه الصلاة للجهة التي دلت عليها الشبهة، فيتمكن من مخالفة المصيب، وكذلك في الأحكام الشرعية، ويرد عليه أن للمجتهد مخالفة المجتهد إذا لم يعلم أنه مصيب، وهاهنا إصابة الأمة معلومة بخلاف المجتهد، وهذا فرق حسن.
* * *
стр. 2545
المسلك الخامس
قال الرازي: دليل العقل: وهو الذي عول عليه إمام الحرمين، رحمه ال له، فقال: (إجماع الخلق العظيم على الحكم الواحد يستحيل أن يكون، إلا لدلالة، أو أمارة: فإن كان لدلالة فقد كشف الإجماع عن وجود تلك الدلالة، فيكون خلاف الإجماع خلافًا لتلك الدلالة، وإن كان لأمارةٍ فقد رأينا التابعين قاطعين بالمنع عن مخالفة هذا الإجماع، فلولا اطلاعهم على دلالة قاطعةٍ مانعةٍ من مخالفة هذا الإجماع، وإلا لاستحال اتفاقهم على المنع من مخالفته).
وهذه الدلالة ضعيفة جدًا؛ لاحتمال أن يقال: إنهم قد اتفقوا على الحكم لا لدلالة، ولا لأمارة، بل لشبهة، وكم من المبطلين مع كثرتهم وتفرقهم في الشرق والغرب قد اتفقت كلمتهم لأجل الشبهة.
سلمنا الحصر؛ فلم لا يجوز أن يكون لأمارةٍ تفيد الظن؟
قوله: (رأينا الصحابة مجمعين على المنع من مخالفة هذا الإجماع، وذلك يدل على إطلاعهم على دليل قاطعٍ مانعٍ من مخالفة هذا الإجماع):
قلنا: لا نسلم اتفاق الصحابة على ذلك.
سلمناه؛ لكنك لما جوزت حصول الإجماع لأجل الأمارة، فلعلهم أجمعوا على المنع من مخالفة الإجماع الصادر عن الأمارة؛ لأمارةٍ أخرى.
فإن قلت: إنهم لا يتعصبون في الإجماع الصادر عن الأمارة، وقد تعصبوا في هذا الإجماع؛ فدل على أن هذا الإجماع ما كان عن أمارةٍ.
стр. 2546
قلت: إذا سلمت أنهم لا يتعصبون في الإجماع الصادر عن الأمارة، فقد بطل قولك: (إنهم منعوا من مخالفة هذا الإجماع).
المسلك الخامس
قال القرافي: قوله: (لم لا يكون التابعون أجمعوا على المنع من مخالفة الإجماع لأمارة؟):
قلنا: الخصم ادعى أن التابعين كانوا قاطعين بالمنع، وعلمنا بالضرورة أن التابعين كانوا قاطعين بالضرورة من مخالفة الإجماع، يمنع من كون المستند أمارة؛ فإن الأمارة لا تفيد إلا الظن، والتقدير: أنا قاطعون بأنهم كانوا قاطعين، فلا يتم هذا السؤال.
(سؤال)
قوله: (إطباق الجمع العظيم إما أن يكون لدلالة، أو لأمارة):
قلنا: نختار الدلالة، ولا يحصل المطلوب؛ لأن كون حكمهم لدلالة تقتضي كون ذلك الحكم حقًا لا يجوز مخالفته لأجل ذلك الدليل؛
وكونه حقًا في نفسه، والمطلوب المنع من مخالفة ذلك الحكم؛ لكونهم أفتوا به، لا لأجل دليل الحكم، فلا يحصل المطلوب.
(سؤال)
قال التبريزي: الاتفاق على العمل بخبر عبد الرحمن، وأمثاله ليس نقضًا على هذه القاعدة ؛ لأنهم لو خالفهم واحد قبل الاتفاق لم يفسقوه.
ولأن علمهم به استند إلى ما علموه على القطع من وجوب العمل بخبر
стр. 2547
الواحد، كالعلم الحاصل لوجوب العمل بشهادة العدلين مع تجويز الخطأ عليهما؛ ولأنهم إذا اتفقوا على العمل به قطعنا بصدقه، وأنهم عرفوا صدقه قطعًا، ولا يلزم من كونه خبر واحدٍ ألا يفيد اليقين.
(سؤال)
قال التبريزي: قوله: (دفع الضرر المظنون واجب) - ممنوع من حيث هو ضرر ، ولو كان مقطوعًا به دنيويًا أو أخرويًا.
أما الدنيوي: فإن السكوت عن دفع البهيمة يتلف ماله، أو نارٍ تحرق داره مع القدرة عليه ليس بحرام، بل الاستسلام للصائل المسلم جائز على قول. وإن كان أخرويًا أدى إلى التسلسل.
فإنه كما يعاقب على ترك الصلاة نظرًا إلى كونها صلاة، يجب أن يعاقب أيضًا نظرًا على أنه ترك دفع ضرر العقاب اللازم عن تركها؛ فإنه غير ترك الصلاة، وهكذا إلى ما لا يتناهي.
ولا يمكن أن يقال: يعاقب عقابًا واحدًا عليها؛ لأنه تعليل للحكم بعلتين، وهو عنده محال.
ولأنه لا يعقل أن يعاقب على ترك دفع العقاب المقام بعينه، فإن الكلام فيه كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل؛ ولأنه لا نسلم له أنه إذا ظن كونه حجةً، ولم يقطع به يتوقع للضرر من ترك العلم به؛ فإن لحوق الضرر بترك العمل به فرع ثبوت التكليف بالعمل به، وهو صورة النزاع.
بل الخصم يقول: الضرر على التحقيق في العمل به، وترك النظر في الدليل.
ولأنا نطالبه بالدليل على ذلك؛ فإنه ليس من القضايا الضرورية، ولا مجال للعقل في الأحكام الشرعية.
стр. 2548
وأدلة الشرع: إما نص، أو إجماع، أو قياس، وهي منتفية هاهنا، ولا مطمع في نص قاطع.
والمظنونات تحتاج إلى دليلٍ، وتمسكنا فيه بالإجماع ونظرنا الآن فيه، وكذلك القياس إن استند فيه إليه، وفيه إثبات للشيء بما لا يثبت إلا به، وهو دور مع أن ما ذكره منقوض بالطم والرم، كدعوى المدعى سكوت المدعى عليه، أو يمينه مع حسن حاله، واليمين على المبالغة.
ورواية الفاسق والكافر، وشهادتهما وشهادة العدل الواحد، والنساء، والعبيد، والمراهقين، واتفاق معظم الأئمة على العقلاء من أهل الملل بأنه لا ينظر بالأمارات المغلبة على الظن صدق المتحدي بالنبوة، ولا يقال: إنا إذا لم نعلم صدقه بالمعجزة قطعنا بكذبه؛ لأن هذا إنما يصح أن لو انحصرت الدلالة في المعجزة.
أما إذا ثبت وجوب العمل بالأمارة، فأي حاجة إلى المعجزة؟
* * *
стр. 2549
المسألة الرابعة
قال الرازي: أما الشيعة فقد استدلوا على أن الإجماع حجة؛ بأن زمان التكليف لا يخلو عن الإمام المعصوم ، ومتى كان كذلك، كان الإجماع حجةً.
بيان الأول يتوقف على إثبات أمرين:
الأول: أنه لابد من الإمام؛ والدليل عليه: أن الإمام لطف، وكل لطف واجب، فالإمام واجب، وإنما قلنا: إن الإمام لطف؛ لأنا نعلم أن الخلق، إذا كان لهم رئيس قاهر يمنعهم عن القبائح، ويحثهم على الواجبات، كان حالهم في الإتيان بالواجب، والاجتناب عن القبيح أتم من حالهم، إذا لم يكن لهم هذا الرئيس، والعلم بذلك بعد استقراء العادة ضروري.
وإنما قلنا: إن اللطف واجب؛ لوجهين:
الأول: أن اللطف كالتمكين؛ في كونه إزاحةً لعذر المكلف، فإذا كان التمكين واجبًا، فكذا اللطف، إنما قلنا: إن اللطف كالتمكين؛ لأنه يثبت في الشاهد أن أحدنا، إذا دعا غيره إلى طعام، وكان غرضه نفع ذلك الغير، وبقي على ذلك الغرض إلى وقت التناول ولم يبدله، وعلم أنه متى تواضع له، فغنه يتناول طعامه، ومتى لم يفعل ذلك، لم يتناوله، فإن تركه التواضع في هذه الحال، يجرى مجرى رد الباب عليه، والعلم به ضروري.
الثاني: أن المكلف، لو لم يجب عليه فعل اللطف، لم يقبح منه فعل المفسدة أيضًا؛ لأنه لا فرق في العقل بين فعل ما يختار المكلف عنده القبيح، وبين ترك ما يخل المكلف عنده بالواجب.
стр. 2550
فثبت أن اللطف واجب، وثبت أنه لابد في زمان التكليف من الإمام.
الثاني: أن ذلك الإمام يجب أن يكون معصومًا، والدليل عليه أنه إنما احتاج الخلق إلى الإمام؛ لصحة القبيح عليهم، فلو تحققت هذه الصحة في الإمام، لافتقر الإمام إلى إمامٍ آخر، ولزم التسلسل، وهو محال.
فثبت أنه يجب أن يكون معصومًا، وثبت أنه لابد في زمان التكليف من إمام معصومٍ، وإذا ثبت هذا، وجب كون الإجماع حجةً؛ لأنه مهما اتفق العلماء على حكمٍ، فلابد، وأن يوجد في أثناء قولهم قول ذلك المعصوم؛ لأنه أحد العلماء، بل هو سيدهم وإلا لم يكن ذلك قولا لكل الأمة، وقول المعصوم حق، فإذن: إجماع الأمة يكشف عن قول المعصوم الذي هو حق؛ فلا جرم؛ قلنا: الإجماع حجة.
والسؤال عليه: أنا لا نسلم أنه لابد من إمامٍ، ولا نسلم أنه لفظ، ولا نسلم أن الخلق، إذا كان لهم رئيس يمنعهم عن القبائح، ويحثهم على الطاعات، كانوا أقرب إليها مما إذا لم يكن لهم هذا الرئيس.
بيانه: أنكم تزعمون أن الله ما أخلى العالم قط من رئيسٍ، فقولكم: (وجدنا، متى خلا عن الرئيس، حصلت المفاسد) باطل؛ لأنكم إذا لم تجدوا العالم خاليًا عنه قط، فكيف يمكنكم أن تقولوا: إنا وجدنا العالم، متى خلا عن الإمام، حصلت المفاسد؟ بل الذي جربناه أنه متى كان الإمام في الخوف والتقية، حصلت المفاسد؛ لكنكم لا توجبون ظهوره وقوته، فالذي
стр. 2551
تريدونه من أن ظهور المفسدة عند عدمه أزيد مما وجدتموه عند خوفه وتستره - شيء ما جربتموه، والذي جربتموه وهو ظهور المفسدة عند ضعفه وخوفه، فأنتم لا تقولون به؛ فظهر فساد قولكم.
سلمنا إمكان هذه التجربة؛ لكنا نقول: تدعون اندفاع هذه المفاسد بوجود الرئيس - كيف كان - أو بوجود الرئيس القاهر؟
الأول ممنوع؛ فلابد من الدلالة، واستقراء العرف لا يشهد لهم ألبتة؛ لأن الخلق إنما ينزجرون من السلطان القاهر، فأما السلطان الضعيف، فلا، بل الشخص الذي لا يرى، ولا يعرف، ولا يظهر منه في الدنيا أثر، ولا خبر، فإنه لا يحصل بسببه انزجار عن القبائح، ولا رغبة في الطاعات؛ فلم قلتم: إن مثل هذا الإمام يكون لطفًا؟.
وإن أردتم الثاني، فهو مسلم؛ لكنكم لا توجبونه.
فالحاصل: أن الذي عرف بالاستقراء كونه لطفًا، أنتم لا توجبونه، والذي توجبونه، لا يعرف بالاستقراء كونه لطفًا.
فإن قلت: نحن الآن في إثبات وجوب أصل الإمام، فأما البحث عن كيفية، فذاك يتعلق بالفضل، ونحن الآن لا نتكلم فيه.
ثم السبب في تستره ظاهر، وهو أن الإمام، لو أزيل عنه الخوف، لظهر، ولزجر الناس عن القبائح، ورغبهم في الطاعات، فحيث أخافوه، كان الذنب من قبلهم.
قلت: إنكم ادعيتم وجوب نصب الإمام، كيف كان، سواء كان ظاهرًا، أو
стр. 2552
مخفيًا، ودللتم على وجوبه بكونه لطفًا، ودللتم على كونه لطفًا بتفاوت حال الخلق معه في الطاعات والمعاصي، فلابد من إثبات هذه المقدمة عند وجود الإمام؛ كيف كان الإمام حتى يمكن الاستدلال به على وجود الإمام، كيف كان ونحن نمنع ذلك؛ فإن تمسكتم باستقراء أحوال العالم:
قلنا: ذلك التفاوت إنما يحصل من الإمام القاهر، وأنت محتاج إلى بيان حصول التفاوت من وجود الإمام، كيف كان، فما لم تشتغلوا بإثبات هذه المقدمة، لا يتم دليلكم، فأي نفعٍ لكن هاهنا في أن تذكروا السبب في غيبته وخوفه؟
سلمنا: أن نصب الإمام يقتضي تفاوت حال الخلق، من الوجه الذي ذكرتموه، لكنه متى يجب نصبه؟! إذا خلال عن جميع جهات القبح، أو إذا لم يخل؟
الأول: مسلم؛ ولكن دليلكم لا يتم إلا إذا أقمتم الدلالة على خلوه عن جميع جهات المفسدة، وأنتم ما فعلتم ذلك.
والثاني: ممنوع؛ لأن بتقدير اشتماله على جهة واحدة من جهات القبح لا يجوز نصبه؛ لأنه يكفي في كون الشيء قبيحًا اشتماله على جهة من جهات القبح، ولا يكفي في حسنه اشتماله على جهةٍ واحدةٍ من جهات الحسن، ما لم يعرف انفكاكه عن كل جهات القبح.
فإن قلت: ما ذكرته مدفوع من أربعة أوجهٍ:
أحدها: أنه لو جاز القدح في كون الإمام لطفًا بما ذكرته، جاز القدح في كون معرفة الله تعالى لطفًا بذلك؛ لأن الذي يمكننا في بيان أن معرفة الله تعالى لطف هو أنها باعثة على أداء الواجبات، والاحتراز عن القبائح العقلية.
стр. 2553
فأما بيان خلوها عن جميع جهات القبح، فمما لم يوجبه أحد، فلو قدح هذا في كون الإمامة لطفًا، لقدح في كون معرفة الله تعالى لطفًا.
وثانيها: أن ما ذكرته يفضي إلى تعذر القطع بوجوب شيء على الله تعالى؛ لكونه لطفًا؛ لأنه لا شيء يدعى كونه لطفًا إلا، والاحتمال المذكور قائم فيه.
وثالثها: أنه لا دليل على اشتمال الإمامة على جهة قبحٍ، وما لا دليل عليه، وجب نفيه.
ورابعها: أن جهات القبح محصورة، وهي: كون الفعل كذبًا، وظلمًا، وجهلا، وغيرها من الجهات، وهي بأسرها زائلة عن الإمامة؛ فوجب القطع بنفي اشتمالها على جهةٍ من جهات القبح.
قلنا: أما الأول فغير لازمٍ؛ لأن هذا الاحتمال الذي ذكرناه في الإمامة، إن كان بعينه قائمًا في المعرفة من غير فرقٍ، وجب الجواب عنه في الموضعين، ولا يلزم من تعذر الجواب عنه في الصورتين الحكم بسقوطه من غير جوابٍ.
وإن حصل الفرق بين الصورتين، بطل ما ذكرتموه.
ثم إن الفرق أن معرفة الله، عز وجلن من الألطاف التي يجب علينا فعلها، فإذا علمنا اشتمال المعرفة على جهة مصلحة، ولم نعلم اشتمالها على جهة مفسدة، غلب على ظننا كونها لطفًا، والظن في حقنًا قائم مقام العلم، في اقتضاء العمل؛ فإنه كما يقبح الجلوس تحت الجدار المائل الذي يعلم سقوطه، كذلك يقبح إذا ظن ذلك؛ فلا جرم وجب علينا فعل المعرفة.
أما الإمامة: فهي من الألطاف التي توجبونها على الله ولا يكفي
стр. 2554
في الإيجاب على الله تعالى ظن كونها لطفًا؛ لأنه، ، عالم بجميع المعلومات، فما لم يثبت خلو الفعل عن جميع جهات القبح لا يمكن إيجابه على الله، ، فظهر الفرق.
وعن الثاني: أنا لا نقول في فعلٍ معينٍ: إنه لطف، فيكون واجبًا على الله، ؛ لأن الاحتمال المذكور قائم فيه؛ بل نقول: الذي يكون لطفًا في نفسه، فإنه يجب فعله على الله وذلك لا يقدح فيه الاحتمال المذكور.
وعن الثالث: أن نقول: ما المراد من قولك: (ما لا دليل عليه، وجب نفيه)؟.
إن عنيت به: أن ما لا يعلم عليه دليل، وجب نفيه، فهذا باطل؛ وإلا وجب على العوام نفي أكثر الأشياء؛ لعدم علمهم بأدلتها، وإن عنيت: أن ما لا يوجد دليل عليه في نفس الأمر، وجب نفيه، فهذا أيضًا ممنوع، وبتقدير التسليم؛ لكن لا نسلم أنه لم يوجد عليه دليل، فعله وجد، وأنتم لا تعلمونه!!
فإن قلت: (سبرت، وبحثت؛ فما وجدت):
قلت: أقم الدلالة على أن عدم الوجدان يدل على عدم الوجود.
وعن الرابع: أن صوم أول يوم من شوالٍ لم يشتمل على كونه ظلمًا، وجهلا، وكذبًا، مع أنه قبيح، فجوز هاهنا مثله، وبالجملة، فالتقسيم الذي يكون حجةً هو المنحصر، أما غيره فلا.
سلمنا أنه لابد في القدح في كونه لطفًا، من تعيين جهة المفسدة؛ لكن هاهنا جهتان:
إحداهما: أن نصب الإمام يقتضي كون المكلف تاركًا للقبيح، لا لكونه قبيحًا؛
стр. 2555
بل للخوف من الإمام، وأما عند عدم الإمام، فالمكلف إنما يتركه؛ لقبحه، لا للخوف من الإمام.
فإن قلت: هذا باطل بترتب العقاب على فعل القبيح؛ فإنه يقتضي أن يكون المكلف تاركًا للقبيح، لا لقبحه، بل للخوف من العقاب.
قلت: أنا سائل، فيكفيني أن أقول: لم لا يجوز أن تكون هذه الجهة مفسدةً مانعةً؟ وعليك الدلالة على أنها ليست كذلك.
ولا يلزم من قولنا: (ترتيب العقاب عليه لا يقتضي هذه الجهة من المفسدة) أن يكون نصب الإمام غير مقتضٍ لها؛ لاحتمال أن يكون حال كل واحدةٍ منهما بخلاف حال الآخر.
والذي يحقق ذلك أن ترتيب العقاب على فعل القبيح لا يعلم إلا بالشرع، فقبل ورود الشرع يجوز أن تكون فيه مفسدة من هذه الجهة، فلما ورد الشرع به، علمنا أنه لا مفسدة فيه من هذه الجهة؛ لأن الشرع لا يأتي بالمفسدة، فنظيره في مسألتنا أن تقولوا: يجوز قبل ورود الشرع أن يكون نصب الإمام مفسدةً من هذه الجهة، فلما ورد الشرع به، علمنا أنه لم يكن مفسدةً من هذه الجهة؛ لكن على هذا التقدير يصير وجوب الإمامة شرعيا.
وثانيهما: أن يقال: فعل الطاعة، وترك المعصية عند عدم الإمام أشق منهما عند وجوده، فيكون نصب الإمام سببًا لنقصان الثواب من هذا الوجه، وبتقدير هذا الاحتمال، فلا نسلم أنه يحسن نصب الإمام، فضلا عن وجوبه.
سلمنا أن الإمام لطف؛ لكن في كل الأزمنة، أو في بعشها؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم.
стр. 2556
بيانه: أن من الجائز أن يتفق في بعض الأزمنة وجود قوم يستنكفون عن طاعة الغير، ويعلم الله تعالى منهم أنه متى نصب لهم رئيسًا، قصدوه بالقتل، وإثارة الفتن العظيمة، وإذا لم ينصب لهم رئيسًا، فإنهم لا يقدمون على القبائح، ولا يتركون الواجبات، فيكون نصب الرئيس في ذلك الوقت مفسدةً، ثم هذا، وإن كان نادرًا، إلا أنه لا زمان إلا ويجوز أن يكون هو ذلك الزمان النادر؛ وحينئذٍ لا يمكن الجزم بوجوب نصب الإمام في شيءٍ من الأزمنة.
فإن قلت: هذا مدفوع من وجهين:
الأول: أن الاستنكاف إنما يكون عن الرئيس المعين، وليس الكلام الآن فيه، بل في مطلق الرئيس.
الثاني: أن هذه مفسدة نادرة، والمفاسد الحاصلة عند عدم الإمام غالبة، وإذا تعارض الغالب والنادر، كان الغالب أولى بالدفع.
قلت: الجواب عن الأول: أنه كما يتفق الاستنكاف عن طاعة رئيسٍ معين، فقد يتفق الاستنكاف عن طاعة مطلق الرئيس، وأيضًا: فإذا سلمتم أن الاستنكاف قد يقع عن طاعة الرئيس المعين، فيكون نصب ذلك المعين مفسدةً، ثم إذا لم يمكن تحصيل المطلق، إلا في ذلك المعين، كما هو قولكم في الإمامة في أشخاص معينين، كان ذلك المطلق أيضًا مفسدةً.
وعن الثاني: هب أن الزمان الذي يقع فيه ذلك الاحتمال نادر، إلا أن كل زمانٍ، لما احتمل أن يكون هو ذلك النادر، لم يمكنا القطع بوجوب نصبه في شيءٍ من الأزمنة.
стр. 2557
سلمنا أن الإمامة لطف في كل الأزمنة؛ لكنها لطف يقوم غيرها مقامها، أو لا يقوم؟
الأول: مسلم؛ ولكن لما قام غيرها مقامها، لم يمكن الجزم بوجوبها على التعين.
والثاني ممنوع، فلابد من الدلالة عليه.
ثم إنا نبين إمكان البدل على الإجمال؛ تبرعًا؛ فنقول: إنكم توجبون عصمة الإمام، وليست عصمة الإمام بإمامٍ آخر معصومٍ، وإلا وقع التسلسل.
فإذن: له شيء سوى الإمام وقع لطفًا في الاحتراز عن القبائح، وأداء الواجبات.
وإذا ثبت ذلك في الجملة، فلم لا يجوز أن يحصل للأمة لطف قائم مقام الإمام؟ وحينئذٍ لا يكون نصب الإمام واجبًا عينًا.
سلمنا كون الإمام لطفًا على التعين؛ لكن في المصالح الدنيوية، أو الدينية؟
الأول مسلم، والثاني ممنوع.
بيانه: أن ما ذكرتموه من منفعة وجود الإمام ليس إلا في حصول نظام العالم، واندفاع الهرج والمرج، وذلك كله مصلحة دنيوية، وتحصيل الأصلح في الدنيا غير واجب على الله تعالى، فما يكون لطفًا فيه أولى ألا يجب.
أو في إقامة الصلوات، وأخذ الزكوات، وذلك كله مصالح شرعية، فما يكون لطفًا فيه، لا يجب وجوده عقلا، وإن ادعيتم كونه لطفًا في شيءٍ آخر وراء ذلك، فهو ممنوع.
стр. 2558
فإن قلت: الإمام لطف في المصالح الدينية العقلية؛ لأنه إذا زجرهم عن القبائح، وأمرهم بالواجبات العقلية مرةً بعد أخرى، تمرنت نفوسهم عليها، وإذا تمرنت نفوسهم عليها، تركوا القبائح؛ لقبحها، وأتوا بالواجبات؛ لوجه وجوبها، وذلك مصلحة دينية.
قلت: لا نسلم تفاوت حال الخلق بسبب وجود الإمام في هذا المعنى؛ فإن بوجود الإمام ربما وقعت أحوال القلوب؛ على ما ذكرتموه، وربما صارت بالضد من ذلك؛ لأنهم إذا أبغضوه بقلوبهم، وعاندته نفوسهم، ازدادت المفسدة، وربما أقدموا على الأفعال والتروك؛ لمحض الخوف منه.
وبالجملة: فالتفاوت الحاصل في أحوال الخلق، إنما يظهر فيما عددناه من المصالح الدنيوية، أو فيما عددناه من المصالح الشرعية.
فأما فيما تعدونه من المصالح الدينية العقلية فهذا التفاوت ممنوع فيه، فإن الاحتمالات متعارضة فيها.
سلمنا أنه لفظ؛ فلم قلت: إن كل لطف واجب؟
قوله في الوجه الأول: (فعل اللطف جار مجرى التمكين):
قلنا: هذا قياس، وقد بينا أنه لا يفيد اليقين، ثم نقول: لا نسلم أن فعل اللطف جارٍ مجرى التمكين.
قوله: (من قدم الطعام إلى إنسان، وأراد منه تناوله .....) إلى آخره:
قلنا: لا نسلم أن ترك التواضع في تلك الحالة يقدح في تلك الإرادة على الإطلاق.
стр. 2559
بيانه: أن الإرادات مختلفة، فقد يريد الإنسان من غيره أن يتناول طعامه إرادةً في الغاية، حتى يقرر مع نفسه أنه يفعل كل ما يعلم أن ذلك الضيف لا يتناول طعامه إلا عند فعله.
وقد تكون الإرادة لا إلى ذلك الحد؛ كمن يقول: (أريد أن تأكل طعامي؛ لكن لا إلى حيث إنك لو لم تأكل طعامي، إلا عند تقبيلي رجلك، فعلته، بل إرادةً دون ذلك).
إذا ثبت هذا، فنقول: إلاراد: إن كانت على الوجه الأول، كان ترك التواضع قادحًا في تحققها؛ لكن لو كانت على الوجه الثاني، لم يلزم من عدم التواضع عدمها.
إذا ثبت هذا، فتقول: لم قلت: إن الله، ، أراد من المكلفين فعل الطاعات، والاجتناب عن القبائح إرادةً على الوجه؛ حتى يلزمه فعل اللطف؟.
بيانه: أن التكليف تفضل وإحسان، والمتفضل لا يجب عليه أن يأتي بجميع مراتب التفضل.
قوله في الوجه الثاني: (إن ترك اللطف كفعل المفسدة).
قلنا: إنه قياس؛ فلا يفيد اليقين؛ لاحتمال أن ما به وقع التغاير يكون شرطًا، أو مانعًا.
ثم نقول: الفرق أن فعل المفسدة إضرار، وترك اللطف ترك للإنفاع، وليس يلزم من قبح الإضرار قبح ترك الإنفاع؛ فإنه يقبح منا الإضرار بالغير، ولا يقبح ترك إنفاعه.
стр. 2560
سلمنا أنه يجب فعل اللطف؛ لكن يجب فعل اللطف المحصل، أو فعل اللطف المقرب؟.
الأول مسلم، والثاني ممنوع؛ فلم قلتم: إن الإمام لطف محصل؟.
بيانه: أنه لا يمكن القطع بأنه عند وجود الإمام يقدم الإنسان على الطاعة، ويحترز عن المعصية لا محالة؛ بل الذي يمكن ادعاؤه: أن الإنسان عند وجود الإمام يكون أقرب إلى الطاعة، وأبعد عن المعصية؛ فيكون الإمام لطفًا مقربًا.
وإذا كان كذلك؛ فلم قلت بوجوبه على الله تعالى؟ وخرج على هذه المسألة مسألة الضيف؛ فإن المضيف إنما يجب عليه التواضع للضيف، إذا علم أنه لو تواضع له، لأجابه إلى المقصود، أو ظن ذلك؟ فأما إذا علم قطعًا أنه لا يجيب به إليه، فلا نسلم أنه يحسن منه فعل ذلك التواضع، فضلا عن الوجوب.
وعلى هذا: لا يبعد أن يوجد زمان علم الله أن نصب الإمام في ذلك الزمان لا يكون لهم لطفًا محصلا؛ فلم قلت: يجب على الله نصب الإمام في ذلك الزمان؟.
سلمنا أن اللطف واجب مطلقًا؛ لكن متى؟ إذا أمكن فعله، أو إذا لم يمكن؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع.
بيانه: إذا علم الله، ، أن كل من خلقه في ذلك الزمان، فإنه يكون كافرًا؛ أو فاسقًا، فحينئذ لا يكون خلق المعصوم في ذلك الزمان مقدورًا له، وإذا كان كذلك، فلم قلت: (إنه لا يحسن التكليف في هذه الحالة) وإذا حسن هذا التكليف، جوزنا في كل زمانٍ أن يكون هو ذلك الزمان؛ فلا يمكننا القطع بوجوب الإمام في شيءٍ من الأزمنة.
следующие страницы →