← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

التقسيم السادس قال الرازي: الفعل الذي يجوز للمكلف الإتيان به: إما أن يكون عزيمة أو رخصة؛ وذلك لأن ما جاز فعله إما أن يجوز مع قيام المقتضى للمنع أو لا يكون كذلك. فالأول: الرخصة، والثاني: العزيمة. فما أباحه الله تعالى في الأصل من الأكل والشرب لا يسمى رخصة، ويسمى تناول الميتة رخصة، وسقوط رمضان عن المسافر رخصة. ثم الذي يجوز فعله مع قيام المقتضى للمنع، قد يكون واجبا، كأكل الميتة، والافطار عند خوف الهلاك من الجوع، وقد لا يكون واجبا كالافطار؛ والقصر في السفر، وقول كلمة الكفر عند الإكراه. ولما تكلمنا في الحكم الشرعي وأقسامه، فلنبين أنه ثابت بالعقل أو بالشرع. قال القرافي: قوله: ((ما جاز الإتيان به إما أن يكون عزيمة أو رخصة ...)) إلى آخر التقسيم يرد عليه أربعة أسئلة: الأول: أن تحديده الرخصة بما جاز فعله من قيام المقتضى لملنع يقتضي أن الحدود، والتعازير، والجهاد، والحج، والصلوات الخمس، والطهارات في شدة البرد، والصوم في الهواجر، ونحو ذلك من كل ما فيه مشقة أن يكون رخصة، وهو خلافا لإجماع؛ لأن الإنسان مكرم معظم لقوله تعالى: ((ولقد كرمنا بني آدم)) [الإسراء: ٧٠] ولقوله: ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)) [التين: ٤]، ووصف التكريم يأبى الإهانة، ويمنع من

стр. 247

إلزام المشاق، والإهانة بالحدود، وغيرها، وفي الجهاد التعريض لهدم البنية الشريفة الحسنة التقيوم الدالة على قدرة الله - تعالى - وجميل اختراعه، وهذه كلها يجوز الإقادم عليها مع قيام هذا المانع، فيلزم على قوله أن تكون رخصا، وليست رخصا إجماعا، ويلزم أن يكون النكاح رخصة، فإنه إهانة للموطوءات بصب الفضلات فيهن، وأن تكون الذبائح رخصة؛ لأن فيه هدم بنية الحيوان الشريفة المتقنة الدالة على كمال القدرة، وبديع الصنعة بل تحريم الخمر رخصة؛ لأنه ثبت مع وجود المنافع الجسمية لقوله تعالى: ((وإثمهما أكبر من نفعهما)) [البقرة: ٢١٩] بل كل حكم ثبت لمصلحة معها أيسر مفسدة، أو لمفسدة معها أيسر مصلحة رخصة؛ لأن تلك المفسدة المرجوحة تقتضي المنع إذا تفردت، وهو إنما يريد ذلك، لأنه لو أراد السالم عن المعارض لم تكن المية رخصة، لأن مقتضى المنع فيها لم يسلم عن معارضة الضرورة، فتكون الشريعة كلها رخصة. الثاني: يلزمه أن كل واجب في الشريعة رخصة؛ لأن النصوص النافية للتكليف تنفيه كقوله تعالى: ((وما جعلنا عليكم في الدين من حرج)) [الحج: ٧٨]، ((ويريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)) [البقرة: ١٨٥]، و ((ما على المحسنين من سبيل)) [التوبة: ٩١]، وقوله ﵇ "لا ضرر ولا ضرار " بل البراءة الأصلية تقتضي عدم الأحكام مطلقا، فتكون المباحات كلها، والمندوبات، والمكروهات التي يجوز الإقدام عليها رخصا، وهو خلاف الإجماع. الثالث: تحديده العزيمة بما يجوز الإقدام عليه مع عدم قيام المانع إذا تخيل أن المانع غير ما ذكرته، يلزمه أن أكل الطيبات، ولبس الثياب، والتأنق في المراكب، والمساكن، والموطآت من العزائم، فإنه يجوز الإقدام عليها من غير مانع من الموانع التي تشير إليها بما هو موجود في الميتة للمضطر وغيرها، وهذه لا يصدق عليها أنها عزائم؛ لأن العزائم ما فيه عزم، وتأكيد في

стр. 248

اصطلاح العلماء، وهو مقتضى اللغة، وهذه الأمور لم يؤكد صاحب الشرع في فعلها، بل الأمر بضد ذلك، كما قال الله تعالى ذاما لم يكثر من ذلك ((أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون)) الآية [الأحقاف: ٢٠]، ونحو ذلك من الكتاب والسنة نحو قوله تعالى: ((إنهم كانوا قبل ذلك متردفين)) الواقعة:٤٥، "إلا قال مترفوها " [سبأ: ٣٤]. الرابع: أن قوله: ما جاز فعله يوجب انحصار الرخصة في جواز الإقدام والرخصة كما تكون في الفعل، كأكل الميتة تكون في الترك كالفطر في رمضان، فلا يكون تفسيره جامعا، وبهذه الأسئلة يظهر أن حد الرخصة في غاية الصعوبة. وكنت في كتاب ((تنقيح الفصول)) حددت العزيمة بانها طلب الفعل السالم عن المانع المشتهر ليخرج بقيد الطلب أكل الطيبات ونحوها، ويندرج فيه المندوبات كسجود القرآن، لأن الفقهاء قالوا: عزائم القرآن إحدى

стр. 249

عشرة سجدة، وتندرج الواجبات، وحددت الرخصة بأنها جواز الفعل مع المانع المشتهر، ونعني بالإشتهار ما تنفر عنه النفوس المتقية، فإنها إذا سمعت أن فلانا غص فشرب الخمر، أو أكل الميتة للجوع استصعبت ذلك ونفرت

стр. 250

.......................................................................

стр. 251

عنه، وقالت: دعت الضرورة إلى عظيم، بخلاف إذا سمعت أن أحدا أقيم عليه الحد، أو مات في الجهاد، أو داوم على الصلوات لا تنفر من ذلك، فلا تكون رخصا، فتندفع أكثر الأسئلة بهذا القيد الذي هوا لمانع الذي تنفر عنه، ثم ظهر لي بعد ذلك أن السلم رخصة، والجعالة رخصة، والقراض رخصة، والمساقاة، والصيد الذي يكتفي فيه بالجرح بدلا عن الذب، إلى غير ذلك من موارد الشريعة التي هي رخص إجماعا مع سكون النفوس عند سماعها، فبقيت بعد ذلك واستصعب تحديدها، فمن انضبط له ذلك فليفعله، فقد ظهرت الأشياء التي يحترز منها بالأسئلة السابقة.

стр. 252

الفصل السابع في أن حسن الأشياء وقبحها لا يثبت إلا بالشرع الحسن والقبح قد يعنى بهما: كون الشيء ملائما للطبع أو منافرا، وبهذا التفسير لا نزاع في كونهما عقليين. وقد يراد بهما كون الشيء صفة كمال أو صفة نقص كقولنا العلم حسن والجهل قبيح ولا نزاع أيضا في كونهما عقليين بهذا التفسير. وإنما النزاع في كون الفعل متعلق الذم عاجلا وعقابه آجلا فعندنا أن ذلك لا يثبت إلا بالشرع، وعند المعتزلة: ليس ذلك إلا لكون الفعل واقعا على وجه مخصوص؛ لأجله يستحق فاعله الذم قالوا وذلك الوجه قد يستقل العقل بإدراكه وقد لا يستقل. أما الذي يستقل، فقد يعلمه العقل ضرورة كالعلم بحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار وقد يعلمه نظرا كالعلم بحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع. والذي لا يستقل العقل بمعرفته، فكحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم الذي بعده فإن العقل لا طريق له إلى العلم بذلك لكن الشرع لما ورده به علمنا أنه لولا اختصاص كل واحد منهما بما لأجله حسن وقبح وإلا لامتنع ورود الشرع به.

стр. 253

لنا أن دخول هذه القبائح في الوجود إما أن يكون على سبيل الاضطرار أو على سبيل الاتفاق وعلى التقديرين فالقول بالقبح العقلي باطل. بيان الأول: أن فاعل القبيح، إما أن يكون متمكنا من الترك، أولا يكون، فإن لم يتمكن من الترك، فقد ثبت الاضطرار، وإن تمكن من الترك، فإما أن يتوقف رجحان الفاعلية على التاركية على مرجح، أو لا يتوقف، فإن توقف فذلك المرجح إما أن يكون من العبد، أو من غيره أو لا منه ولا من غيره: أما القسم الأول، وهو: أن يكون من العبد فهو محال لأن الكلام فيه كما في الأول فيلزم التسلسل. وأما القسم الثاني، وهو: أن يكون من غير العبد فنقول عند حصوله ذلك المرجح إما أن يجب وقوع الأثر أو لا يجب: فإن وجب، فقد ثبت الاضطرار، لأن قبل وجود هذا المرجح كان الفعل ممتنع الوقوع، وعند وجوده صار واجب الوقوع، وليس وقوع هذا المرجح بالعبد ألبتة فلم يكن للعبد تمكن في شيء من الأحوال من الفعل والترك ولا معنى للاضطرار إلا ذلك. وإن لم يجب، فعند حصول هذا المرجح لا يمتنع وجود الفعل تارة وعدمه أخرى فترجح جانب الوجود على جانب العدم، أما أن يتوقف على انضمام مرجح إليه أو لا يتوقف فإن توقف لم يكن الحاصل قبل ذلك مرجحا تاما وكنا قد فرضناه مرجحا تاما هذا خلف. وأيضا: فالكلام في هذه الضميمة كما في الأول فيلزم التسلسل وهو محال.

стр. 254

وأما إن لم يتوقف على انضمام قيد إليه، فمع ذلك المرجح تارة يوجد الأثر، وتارة لا يوجد، ولم يكن رجحان جانب الوجود على جانب العدم موقوفا على قصد من جهته ولا على ترجيح ألبتة وإلا لعاد إلى القسم الأول وقد أبطلناه. فحينئذ يكون دخول الفعل في الوجود اتفاقيا لا اختياريا فقد ثبت الإتفاق. وأما القسم الثالث، وهو أن يكون حصول ذلك المرجح لا من العبد ولا من غيره فحينئذ يكون واقعا لا لمؤثر فيكون حصوله اتفاقيا لا اختياريا. وأما لو قلنا: إن المتمكن من الفعل متمكن من الترك لكن لا يتوقف رجحان الفاعلية على التاركية على مرجح، فعلى هذا التقدير يكون رجحان الفاعلية على التاركية اتفاقيا أيضا، لأن تلك القادرية لما كانت نسبتها إلى الأمرين على السوية ثم حصلت الفاعلية في أحد الوقتين دون التاركية من غير مرجح ألبتة، كان رجحان الفاعلية منه على التاركية اتفاقيا، فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال القادر يرجح الفاعلية على التاركية من غير مرجح، قلت: هل لقولك يرجح مفهوم زائد على كونه قادرا أو ليس له مفهوم زائد عليه؟! فإن كان ذلك مفهوما زائدا على كونه قادرا، كان ذلك قولا بأن رجحان الفاعلية على التاركية لا يمكن إلا عند انضمام قيد آخر إلى القادرية فيصير هذا هو القسم الأول الذي تكلمنا فيه. وإن لم يكن ذلك مفهوما زائدا لم يبق لقولكم:"القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجح" إلا أن صفة القادرية مستمرة في الأزمان كلها.

стр. 255

ثم إنه يوجد الأثر في بعض تلك الأزمنة دون بعض، من غير أن يكون ذلك القادر قد رجحه أو قصد ايقاعه، ولا معنى للاتفاق إلا ذلك فثبت بهذا البرهان القاطع أن دخول هذه القبائح في الوجود إما أن يكون على سبيل الاضطرار أو على سبيل الاتفاق. وإذا ثبت ذلك، امتنع القول القبع العقلي بالإتفاق. أما على قولنا فظاهر. وأما عند الخصم، فلأنه لا يجوز ورود التكليف بذلك؛ فضلا عن أن يقال: إن حسنه معلوم بضرورة العقل. فثبت بما ذكرنا أن القول ب القبح العقلي باطل. أما الخصم، فقد ادعى العلم الضروري بقبح الظلم والكذب والجهل وبحسن الانصاف والصدق والعلم. ثم قالوا هذا العلم غير مستفاد من الشرع لأن البراهمة مع انكارهم الشرائع عالمون بهذه الأشياء؟ ثم زعموا بعد ذلك أن المقتضي لقبح الظلم مثلا هو كونه ظلما لأنا عند العلم بكونه ظلما نعلم قبحه وإن لم نعلم شيئا آخر وعند الغفلة عن كونه ظلما لا نعلم قبحه وإن علمنا سائر الأشياء، فثبت أن المقتضي لقبحه ليس إلا هذا الوجه. ومنهم من حاول الاستدلال بأمور: أحدها أن الفعل الذي حكم فيه بالوجوب مثلا لم يختص بما لأجله

стр. 256

استحق ثبوت ذلك الحكم، وإلا كان تخصيصه بالوجوب دون سائر الأحكام ودون سائر الأفعال ترجيحا لأحد طرفي الجائز على الآخر لا لمرجح. وثانيها: أنه لو لم يكن الحسن والقبح إلا بالشرع، لحسن من الله تعالى كل شيء، ولو حسن منه كل شيء، لحسن منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، ولو حسن منه ذلك لما أمكننا أن نميز بين النبي والمتنبيء وذلك يفضي إلى بطلان الشرائع. وثالثها: لو حسن من الله تعالى كل شيء لما قبح منه الكذب وعلى هذا فلا يبقى اعتماد على وعده ووعيده، فإن قلت الكلام الأزلي يستحيل أن يكون كذبا. قلت هب أن الأمر كذلك لكن لم لا يجوز أن تكون هذه الكلمات التي نسمعها مخالفة لما عليه الشيء في نفسه وحينئذ يعود الإشكال. ورابعها: أن العاقل إذا قيل له إن صدقت أعطيناك دينارا وإن كذبت أعطيناك أيضا دينارا واستوى عنده الصدق والكذب في جميع الأمور إلا في كونه صدقا وكذبا فإنا نعلم بالضرورة أن العاقل يختار الصدق. ولولا أن الصدق لكونه صدقا حسن وإلا لما كان كذلك. وخامسها: أن الحسن والقبح لو لم يكونا معلومين قبل الشرع لاستحال أن يعلما عند ورود الشرع بهما؛ لأنهما إذا لم يكونا معلومين قبل ذلك فعند ورود الشرع بهما يكون واردا بما لا يعقله السامع ولا يتصوره وذلك محال، فوجب أن يكونا معلومين قبل ورود الشرع.

стр. 257

والجواب عن دعوى الضرورة: أنها مسلمة ولكن لا في محل النزاع فإن كل ما كان ملائما للطبع حكموا بحسنه وما كان منافرا للطبع حكموا بقبحه، فهذا القدر مسلم فإن ادعيتم أمرا زائدا عليه فلا بد من افادة تصوره ثم اقامة الدلالة على التصديق به فإن كل ذلك غير مساعد عليه فضلا عن ادعاء العلم الضروري فيه. فإن قلت: الظلم ملائم لطبع الظالم، ومع ذلك فإنه يجد في صريح العقل قبحه ولأن من خاطب الجماد بالأمر والنهي، فإنه لا ينفر طبعه عنه مع أن قبحه معلوم بالضرورة، ولأن من أنشأنا قصيدة غراء في شتم الملائكة والأنبياء وكتبها بخط حسن وقرأها بصوت طيب حزين؛ فإنه يميل الطبع إليه وينفر العقل عنه فعلمنا أن نفرة العقل مغايرة لنفرة الطبع. قلت: الجواب عن الأول أن الظالم لا يميل طبعه إلى الظلم لأنه لو حكم بحسنه لما، قدر على دفع الظلم عن نفسه فالنفرة عن الظلم متمكنة في طبع الظالم والمظلوم إلا أنه إنما رغب فيه لعارض يختص به وهو أخذ المال منه والحكم بحسن الإحسان إنما كان لأن الحكم بحسنه قد يفضي إلى وقوعه، وهو ملائم لطبع كل أحد والحكم بقبح الكذب إنما كان لكونه على خلاف مصلحة العالم وبحسن الصدق لكونه على وفق مصلحة العالم وبحسن انقاذ الغريق لأنه يتضمن حسن الذكر وإن لم يوجد ذلك فلأن من شاهد شخصا من أبناء جنسه في الألم تألم قلبه فإنقاذه منه يستلزم دفع ذلك الألم عن القلب، وذلك مما يميل إليه الطبع. وأما مخاطبة الجماد فلا نسلم أن استقباحها يجري مجرى استقباح الظلم.

стр. 258

والقدر الذي فيه من الاستقباح إنما كان لاتفاق أهل العلم على أن الإنسان لا يجب أن يشتغل إلا بما يفيده فائدة إما عاجلة وإما آجلة. وأما القصيدة المشتملة على الشتم فإنما تستقبح لإفضائها إلى مقابلة أرباب الفضائل بالشتم والاستخفاف وهو على مضادة مصلحة العالم. فظهر أن المرجع في هذه الأشياء إلى ملائمة الطبع ومنافرته، ونحن قد ساعدنا على أن الحسن والقبح بهذا المعنى معلوم بالعقل والنزاع في غيره. سلمنا تحقق الحسن والقبح لكن لا نسلم أن المقتضى لقبح الظلم هو كونه ظلما ولم لا يجوز أن يكون المقتضى لقبحه أمرا آخر؟ قوله العلم بالقبح دائر مع العلم بكونه ظلما وجودا وعدما. قلنا: لم قلت إن الدوران العقلي دليل العلية عليه وما الدليل عليه؟! ثم إنه منقوض بالمضافين فإن العلم بكل واحد من المضافين دائر مع العلم بالآخر وجودا وعدما مع أنه يمتنع كون أحدهما علة للآخر وتمام تقرير هذا السؤال سيأتي إن شاء الله في كتاب القياس. سلمنا أن الدليل الذي ذكرتموه يقتضي أن يكون قبح الظلم لكونه ظلما لكن معنا ما يدل على فساده وهو أن المفهوم من الظلم اضرار غير مستحق وكونه غير مستحق قيد عدمي والقيد العدمي لا يصلح أن يكون علة للحكم الثابت ولا أن يكون جزءا للعلة إذ لو جاز استناد الأمر الثبوتي إلى الأمر العدمي لجاز استناد خلق العالم إلى مؤثر عدمي وحينئذ ينسد علينا باب معرفة كون الله تعالى موجدا لأن العدم نفي محض فيستحيل أن يكون مؤثراً.

стр. 259

فإن قلت لم لا يجوز أن يكون العدم شرطا لتأثير العلة في المعلول؟! قلت: لأنه إذا فقد هذا العدم لم تكن العلة مؤثرة في المعلول وعند وجوده تصير مؤثرة فيه فكون العلة بحيث تستلزم المعلول وتستعقبه أمر حدث مع حدوث هذا العدم وليس له سبب آخر سواه فوجب تعليله به فيعود الأمر إلى تعليل الأمر الثبوتي بالأمر العدمي وهو محال. وأما الجواب عما احتجوا به أولا فهو أن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر إن افتقر إلى المرجح توقف رجحان فاعلية العبد على تاركيته على مرجح غير صادر من جهته وإلا وقع التسلسل ويكون رجحان الفاعلية على التاركية عند حصول ذلك المرجح واجبا وإلا لزم الرجحان لا لمرجح. وإذا كان كذلك لزم الجبر ويلزم من لزوم الجبر القطع ببطلان القبح العقلي. وإن لم يفتقر الرجحان إلى المرجح أصلا فقد اندفعت هذه الشبهة بالكلية والجواب عما احتجوا به ثانيا أن الاستدلال بالمعجزة على الصدق مبني على مقامين: أحدهما: أن الله تعالى إنما خلق ذلك المعجز لأجل التصديق والثاني: أن كل من صدقه الله تعالى فهو صادق، والقول بالحسن والقبح إنما ينفع في المقام الثاني، لا في المقام الأول فلم قلتم إن الله تعالى ما خلق هذا الفعل إلا لغرض التصديق؟! وتحقيقه: أن لو توقف الرجحان على المرجح لزم الجبر وإذا لزم الجبر، لزم بطلان القبيح العقلي لزم بطلان القبح العقلي.

стр. 260

ولو لم يتوقف على المرجح، لجاز أن يقال أن الله تعالى خلق ذلك المعجز لا لغرض أصلا. ثم إن كان ذلك لغرض فلم قلتم: إنه لا غرض سوى التصديق؟ فإن قلت القول بالقبح العقلي يمنع من خلق المعجز على يد الكاذب مطلقا، لأن خلقه عند الدعوى يوهم أن المقصود منه التصديق فلو كان المدعي كاذبا لكان ذلك ايهاما لتصديق الكاذب وإنه قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح. قلت: لم قلت: إن الفعل الذي يوهم القبيح ولم يكن موجبا له قبيح؟ وذلك لأن المكلف لما علم أن خلق المعجز عند الدعوى يحتمل أن يكون للتصديق ويحتمل أن يكون لغيره، فلو حمله على التصديق قطعا لكان التقصير من المكلف حيث قطع لا في موضع القطع، وهذا كإنزال المتشابهات في القرآن فإنه يوهم القبيح ولكنه لما احتمل سائر الوجوه لم يقبح شيء منها من الله تعالى. فثبت أن الإلزام الذي أوردوه علينا في إحدى المقدمتين وارد عليهم في المقدمة الأخرى وكل ما يجعلونه جوابا عنه في تقرير إحدى المقدمتين فهو جوابنا في تقرير المقدمة الأخر. ى والجواب عما ذكروه ثالثا: أنه وارد عليهم أيضا، لأن الكذب قد يكون حسنا وذلك في صورتين إحداهما أن الكافر إذا قصد قتل النبي فاختفي النبي في دار انسان فجاء الكافر وسأل صاحب الدار عن ذلك النبي وعلم صاحب الدار أنه لو أخبره عن مكان النبي أو سكت أو اشتغل بالتعريض لقتله قطعا فها هنا الصدق قبيح والكذب حسن.

стр. 261

ثانيتهما أن من توعد غيره ظلما وقال: إني سأقتلك غدا فلا شك أنه متى لم يفعل ذلك صار هذا الخير كذبا فلو كان الكذب قبيحا لكان ترك هذه الأشياء مستلزما للقبيح ومستلزم القبيح قبيح فيجب أن يكون ترك هذه الأشياء قبيحا فيكون فعلها حسنا لا محالة وذلك باطل بالاتفاق. فإن قلت الجواب عن الصورة الأولى من وجهين: الأول: أنا لا نسلم أنه يحسن الكذب هناك ويقبح الصدق فإن الواجب أن يأتي فيه بالمعاريض وإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب سلمنا أنه يحسن ذلك ولكن كونه كذبا يقتضي القبح والحكم قد يتخلف عن المقتضى لمانع إلا أن الأصل حصول الحكم عند حصول العلة وهذا هو الجواب أيضا عن الصورة الثانية. قلت الجواب عن الأول أن الخبر إنما يصير من باب المعاريض بإضمار أمر وراء ما دل الظاهر عليه إما بزيادة أو نقصان أو تقييد مطلق أو تخصيص عام مع أنه لا ينبه السامع على أنه نوى ذلك لأنه لو نبهه عليه لما حصل المقصود وإذا جوزتم حسن ذلك لأجل مصلحة تقتضي ذلك لم يمكنكم اجراء خطاب الله تعالى على ظاهره وذلك لا سبيل إليه إلا بأن يقال لا يعرف هذا المعارض لكن عدم العلم بالشيء لا يدل على عدم الشيء. وعن الثاني أن تخلف الأثر العقلي عن المؤثر العقلي محال وإلا كان عدم المانع جزءا من العلة وهو محال ثم إن سلمناه، لكن الإلزام عائد عليكم لأنكم لما جوزتم في الجملة تخلف الحكم عن المؤثر لمانع جاز في كل خبر كاذب أن لا يكون قبيحا لأجل أنه وجد مانع يمنع من قبحه وحينئذ لا يحصل القطع بكونه قبيحا بل غاية ما في الباب أن يحصل الظن بقبحه فقط.

стр. 262

والجواب عما ذكروه رابعا أنه: إنما ترجح الصدق على الكذب في تلك الصورة لما أن أهل العلم قد اتفقوا على قبح الكذب وحسين الصدق لما أن نظام العالم لا يحصل إلا بذلك والإنسان لما نشأ على هذا الاعتقاد واستمر عليه لا جزم ترجح الصدق عنده على الكذب. فإن قلت أنا أفرض نفسي خالية عن الإلف والعادة والمذهب والاعتقاد ثم أعرض على نفسي عند هذا الفرض هذه القضية فأجدها جازمة بترجيح الصدق على الكذب قلت هب أنك فرضت نفسك خالية عن هذه العوارض لكن فرض الخلو عن العوارض لا يوجب حصول الخلو عن العوارض بل لو أني خلقت خاليا عن العوارض ففي ذلك الوقت لا أدري هل كنت أحكم بهذا الحكم أم لا؟ والجواب عما ذكروه خامسا أن عندنا الموقوف على الشرع ليس هو تصور الحسن والقبح فإني قبل الشرع أتصور ماهية ترتب العقاب والذم على الفعل وعدم هذا الترتب فتصور الحسن والقبح لا يتوقف على الشرع وإنما الموقوف على الشرع هو التصديق به فأين أحدهما من الآخر والله أعلم. وقد جرت عادة أصحابنا أن يتكلموا بعد هذه المسألة في مسألتين أخريين: أحدهما: أن شكر المنعم لا يجب عقلا. والثانية: أنه لا حكم قبل ورود الشرع. واعلم أنا متى بينا فساد القول بالحسن والقبح العقليين فقد صح مذهبنا في هاتين المسألتين لا محالة

стр. 263

لكن الأصحاب سلموا القول بالحسن والقبح العقليين ثم بينوا أنه بعد تسليم هذين الأصلين لا يصح قول المعتزلة في هاتين المسألتين. قال القرافي: قال سيف الدين: أكثر العقلاء على مذهب أصحابنا، ووافق المعتزلة الكرامية والخوارج.

стр. 264

..........................................................................

стр. 265

والبرَاهمة، والثنوية، وغيرهم، ورأيت أنا ذلك لليهود والنصارى في كتبهم، ومعتقداتهم، وهو مذهبهم أعني اليهود والنصارى.

стр. 266

قال سيف الدين: اختلف المعتزلة فقال أوائلهم: الصفات لاتوجب الحسن والقبح، ومنهم من أوجب ذلك، ومنهم من أوجبه في القبح دون الحسن، وورد على كلام الإمام ستة عشر سؤالا: الأول: على قوله: إنما النزاع في كون الفعل متعلق الذم عاجلا والعقاب آجلا، فإنه يشعر بأن هذا الترتيب فيه النزاع، وليس كذلك عندنا، وعند المعتزلة يجوز أن يحرم الله تعالى، ويوجب ولا يجعل ذما أصلا، بل بحصول المقصود بالوعيد من غير ذم، فلا يصح أن تعجيل الذم متنازع فيه، وكذلك يكلف الله - تعالى- فلا يعاقب آجلا، بل يعجل العقوبة عقيب الذنب، ولا ينازع المعتزلة ولا أهل السنة في جواز ذلك، بل الله تعالى قدر بإرادته تعجيل الذم، وتأجيل العقاب الأعظم، وغيره ممكن عند الفريقين، فما قال أحد: إن في العقل ما يقتضي تأخير العقاب عن الجاني، فقد أهلك الله كثيرا من المجرمين عقيب ذنوبهم، ولا استحالة في ذلك، إنما النزاع في كون الفعل متعلق المؤاخذة الشرعية كيف كانت هل يستقل العقل بذلك أم لا؟ كانت ذما أو غيره معجلة أو مؤجلة. الثاني: على قوله: وعند المعتزلة لكون الفعل واقعا على وجه مخصوص، ولم يبين ذلك الوجه، فبقي الكلام مجملا، واقتضاؤه على ذكر الصدق والكذب، وهما مثالان لا يفيدان القاعدة الكلية، ولعله يتخيل متخيل أن خصوصهما مراد، والمشترك بينهما وبين غيرهما، وإذا كان المشترك المراد فهل هو ذلك كله؟ لم يتعرض لتخصيصه بل ينبغي أن يقال: متى اشتمل الفعل على مصلحة خالصة أو راجحة اقتضى العقل عندهم أن الله - تعالى - طلبه، وإن اشتمل على المفسدة الخالصة أو الراجحة قضى العقل بأن الله - تعالى - طلب تركه، وإن عرى عنهما، إما لعروه عن المصلحة والمفسدة، أو لتساويهما كان مباحا، ومتى اشتمل على المصلحة الخالصة أو الراجحة،

стр. 267

وهي في المرتبة الدنيا فالواقع الندب، وكلما عظمت عظم الطلب، وإن كانت في المرتبة العليا فالواقع الوجوب، حتى يكون أعلى مراتب الندب، يليه أدنى مراتب الوجوب، وإذا كانت المفسدة الخالصة أو الراجحة في أدنى المراتب كانت الكراهة، أو في أعلى المراتب كان التحريم، حتى يكون أعلى مراتب الكراهة يليها أدنى مراتب التحريم، وبهذا الطريق تتحرر عندهم الأحكام الخمسة بالعقل، وعندنا نحن أيضا الواقع بالشرع كذلك، وغير أنا لانوجبه، وهم يوجوبنه على الله - تعالى - فهذا تلخيص مذهب الفريقين، غير ان هاهنا عقبة صعبة على الفريقين قطعها، وهي المراد بالمصلحة أو المفسدة، إن كان مسماهما كيف كانا، فما من مباح إلا وفيه في الغالب مصالح ومفاسد، فإن أكل الطيبات ولبس الثياب اللينات فيها مصالح الأجساد ولذات النفوس، وآلام ومفاسد في تحصيها، وكسبها وتناولها، وطبخها وإحكامها، وإجادتها بالمضغ، وتلويث الأيدي إلى غير ذلك مما لو خير العاقل بين وجوده وعدمه اختار عدمه، فمن يؤثر وقيد النيران وملابسة الدخان وزفر الأدهان، فيلزم ألا يبقى مباح ألبتة، وإن أراد ما هو اخص من مطلقهما، مع أن مراتب الخصوص متعددة، وليس بعضها أولى من البعض، ولأن العدول عن أصل المصحة والمفسدة تأباه قاعدة الاعتزال، فإنه سفه ولا يمكنهم أن يقولوا: إن ذابط ذلك أن كل مصلحة توعد الله على تركها، أو مفسدة توعد الله تعالى على فعلها هي المقصودة هاهنا، وما أهمله الله تعالى فليس دالخا في مقصودنا، ونحن حينئذ نريد ملطق المعتبر من غير تخصيص، فيندفع الإشكال، لأنا نقول: الوعيد عندكم، والتكليف تابع للمصلحة والمفسدة، ويجب عندكم بالعقل، فإنه - تعالى - يتوعد على ترك المصالح، وفعل المفاسد، فلو استفدتم المصالح والمفاسد المعتبرة من الوعيد لزم الدور، ولو صحت الاستفادة في المصالح والمفاسد من الوعيد للزمكم أن تجوزوا أن يرد التكليف بفعل المفاسد، وترك المصالح، وتنعكس

стр. 268

الحقائق حينئذ، فإن المفيد هو التكليف، وأي شيء كلف الله - تعالى - به كان مصلحة، وهذا يبطل أصلكم، وأما حظ أصحابنا من هذا الإشكال، فهو أنه يتعذر عليهم أن يقولوا: إن الله - تعالى - راعى مطلق المصلحة، ومطلق المفسدة على سبيل التفضل؛ لأن المباحات فيها ذلك، ولم يراع، بل يقولون: إن الله - تعالى - ألغى بعضها في المباحات، واعتبر بعضها، وإذا سئلوا عن ضابط المعتبر مما ينبغي ألا يعتبر عسر الجواب، بل سبيلهم استقراء الواقع فقط، وهذا وإن كان يخل بنمط من الاطلاع على بعض أسرار الفقه، غير أنهم يقولون: ((يفعل الله ما يشاء)) [إبراهيم:٢٧]، و "يحكم ما يريد " [المائدة: ١]، "لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون " [الأنبياء:٢٣]، ويعتبر الله - تعالى - ما يشاء لا غرو في ذلك. وأما المعتزلة الذين يوجبون ذلك عقلا يكون هذا الأمر عندهم في غاية الصعوبة، لأنهم إذا فتحوا هذا الباب تزلزلت قواعد الاعتزال. ((تنبيه)) نعني بالخالصة من المصالح ما لا مفسدة فيه ألبتة ، وهو عزيز في الواقع وبالراجحة ما فيه مفسدة مرجوحة، كالقود والحدود فإن فيه آلام الجناة غير أن مفسدة مصلحة الزجر أجرح، وكذلك المفسدة الراجحة كالإسكار معه مصلحة في الخمر من إثارة الحرارة الغريزية، والبلاغم والسوداء إلى غير ذلك مما ذكره أهل الطب غير أن ذلك مرجوح بالنسبة إلى مفسدة إفساد العقول، والمفسدة الخالصة نادرة كالمصلحة الخالصة. ((تنبيه)) ليس مراد المعتزلة بأن الأحكام عقلية أن الأوصاف مستقلة بالأحكام، ولا

стр. 269

أن العقل هو الموجب أو المحرم، بل معناه أن العقل عندهم أدرك أن الله - تعالى - لحكمته البالغة يكلف بترك المفاسد، وتحصيل المصالح، فالعقل أدرك أن الله - تعالى - أجب وحرم، لا أن العقل أوجب وحرم، ويكون النزاع معهم في أن العقل لأدرك ذلك أم لا؟ فنحن نقول: الذي ادركه العقل أن ذلك جائز على الله تعالى، ولا يلزم من الجواز الوقوع، وهم يقولون: بل هو عند العقل من قبيل الواجبات، لا من قبيل الجائزات، فكما يوجب العقل أن الله - تعالى - يجب أن يكون عليما قديرا متصفا بصفات الكمال، فكذلك أدرك وجوب مراعاة الله - تعالى - للمصالح، والمفاسد، فهذا هو موطن نزاع الفريقين فاعلمه، فأكثر الفقهاء ما يفهم إلا أن العقل عند المعتزلة هوا لموجب وليس كذلك. الثالث: على قوله: ((وقد يعلم نظرا كالصدق الضار، والكذب النافع)) لم يبين ما الذي يعلمه العقل من ذلك، وإذا تبين فهل هو حكم واحد في جميع هذا القسم أو أحكامه مختلفة؟ ذلك كله لم يتعرض لتلخيصه، مع أنه قصد التلخيص وتحقيقه أن الكذب الضار مفسدة مطلقا لكونه كذبا، ولكونه صارا، فيكون قبيحا، ومراتبه في القبح على قدر مرتبته بما حصل من الضرر، ولاصدق النافع مصلحة مطلقا، لأن كونه صدقا مصلحة، وسجية كريمة، وكونه نافعا مصلحة للغير، فيكون حسنا من غير نظر، ومرتبته في الحسن على قدر ماحصل للغير من النفع. أما الصدق الضار فاجتمع فيه مصلحة الصدق ومفسدة الضرر، فيحتاج العقل بنظر أيهما راجح أو هما مستويان؟ فقد يكون الضرر لا يقدح في الحسن، كصدق الشهود الموجب للقصاص وغيره، فإنه ضار بمن عليه الحق، وقد يكون قادحا كمن صدق ظالما في إخباره عن مالم معصوم، فأخذه الظالم، ثم في هذا المقام يختلف الحال

стр. 270

فليس صدق قاضي الإقليم المقتضي لضياع فليس على اليتيم بقبيح، بل لو كذب ليحفظ ذلك كان قبيحا، فإن كذب العظيم الذي هو قدوة الإسلام لا يباح بمثل هذا، وصدقه لضياع الأموال العظيمة قبيح، وصدق الرجل الحقير المضيع للمال المتوسط قبيح، فحينئذ يتعين النظر في كل صورة على حيالها بحسب حال الصادق، أو الكاذب، وبحسب حال المترتب على ذلك الصدق أو الكذب، وتعبر المفاسد والمصالح، وما يعارضها في كل صورة بحسبها، فإن رجح جانب القبح قضينا به، أو جانب الحسن قضينا به، وإن استوى الأمران، وفسرنا الحسن بما ليس فيه مفسدة خالصة، ولا راجحة كان موطن التساوي حسنا، فعلى هذا تخلتف الأحكام في هذا القسم اختلافا كثيرا، ولا يكون حكمه واحدا، وهو مرادهم بأنه مدرك العقل بالنظر، لأنه أدرك بالنظر حكما واحدا في الجميع. الرابع: على قوله: إن لم يتمكن من الترك، فقد ثبت الاضطرار، ولأن غير المتمكن له معنيان: أحدهما: المكره كالذي يحمل ويدخل به الدار. والثاني: الفاعل المختار المتمكن من الفعل والترك إذا استجمع لكل ما لا بدل له منه في التأثير، فإن أثره حينئذ يصير واجب الوقوع، وما كان واجب الوقوع لا يتمكن أحد من تركه، وكذلك إذا استجمع لله - تعالى - جميع ما يتوقف على تأثيره من تعلق قدرته وعلمه، وحضور زمان مراد إرادته، وجميع الشروط الواجبة في ذلك الأثر وجب ذلك الأثر من الله تعالى، فهذه قاعدة عقلية لا يستثنى منها شيء، وعدم التمكين بهذا التفسير لا ينافي الحسن والقبح، لأن الفعل إنما وقع باختيار الفاعل حينئذ وإيثاره، فأمكن مدحه وذمه، فهو حينئذ إن فسر عدم التمكن بهذا القسم منعناه عدم

стр. 271

الحسن والقبح، وإن فسره بالقسم الآخر منعنا الحصر في الاضطراري والاتفاقي لبقاء هذا القسم. الخامس: على قوله: المرجح إما أن يكون من العبد، أو من غيره، أو لا منه ولا من غيره، فإنه غير حاصر، وبقي أن يقول: البعض منه والبعض الآخر من غيره، أوبعضه منه، وبعضه الآخر لا من غيره، او بعضه من غيره، والبعض الآخر لا من العبد، وهذه الأقسام لم يتعرض لها من أن الواقع عند المعتزلة هو القسم الأول أن البعض من العبد، والبعض من غيره. وتقريره عندهم: أن الله - تعالى - خلق النساء الجميلة، وخلق الإدراك في البصر لذلك وخلق مزاج الشاب ولذة الجماع، ولما حصل ذلك وأدرك الشاب الجميلة أحدث من قبل نفسه عندهم عزما وإرادة وأفعالا بها كمل المرجح لوقوع الزنا، وكذلك جميع الصور فالقسم المقصود بالبحث لم يذكره. السادس: على قوله: إذا كن المرجح من العبد يلزم التسلسل فنقول: لم لايمجوز أن يكون من العبد وتنتهي المرجحات إلى مرجح لا مرجح له، فيكون ذلك المرجح اتفاقيا، ولا يكون القبيح الذي وقع الكلام فيه اتفاقيا ولا اضطراريا؟ أما أنه ليس اتفاقيا، فلأنه لمرجح، وأما أنه غير اضطراري فبتمكنه من الترك، والاتفاق إنما وقع في مرجح بعيد لم يدع فيه الحصر والإضطرار والاتفاق، فلا يحصل مقصود المستدل من أن السرقة نفسها التي الكلام فيها منحصرة في الأمرين، ثم نقول: التسلسل يلزم فيها إذا كان المرجح من الغير بعين ما نقوله فيها إذا كان المرجح من العبد. السابع: على هذا المقام أيضا أن التسلسل غير لازم، وإن لم تكن بعض المرجحات اتفاقيا، فإن لقائل أن يقول: يتوقف المرجح العاشر على الأول مثلا، فيكون اللازم الدور، فلا تتم دعوى لزوم التسلسل، وإن ادعى الدور

стр. 272

بقول السائل لا يلزم، بل يذهب لغير النهاية، فيتعين أن يدعى أحد الأمرين إما الدور او التسلسل، لا أحدهما بعينه، وإذا كان أحدهما هو اللازم الذي هو أعم من احدهما عينا لا يكون أحدهما عينا هو اللازم؛ فإنه لا يلزم من لزوم الأعم لزوم الاخص لعدم لزوم الأخص للأعم. الثامن: على قوله: إن توقف المرجح من الغير على ضميمة يعود الكلام فيها ويلزم التسلسل. يرد عليه أن اللازم أحد الأمرين كما تقدم، لا التسلسل عينا. التاسع: على قوله: لم لا يجوز أن يكون المرجح من الغير، ويجوز معه الفعل والترك؟ ولا يكون الفعل اتفاقيا بأن يكون ذلك المرجح هو الإرادة القديمة، والإرادة إنما هي إرادة كانت قديمة، أو حادثة تقبل في ذاتها الذي لها في ذاتها، وصحة تعلقها بكل واحد من النقيضين بدلا عن الآخر تتعلق باحدهما عينا من غير احتياج لمرجح يرجح أحدهما بها، وهذا هو خاصيتها إن ترجح من غير مرجح، كما أن من خاصية العلم الكشف لذاته، وخاصية الحياة تصحيح المحل لقبول الإدراكات والإرادات وغيرها لذاتها، فكل معنى له خصوص لذاته غير معلل، بل يقتضي ذلك لذاته، كذلك الإرادة تقتضي الترجيح من غير مرجح لذاتها، وكذلك إرادة الله - تعالى - كما يصح تلعقها بوجود العالم بدلا عن عدمه يصح تعلقها بعدمه بدلا عن وجوده، وقد تعلقت بوجوده بدلا عن عدمه لا لمرجح آخر. فإذا قيل: لم يرجح وجود العالم بالزمن المعين، وجميع الأقوال الواقعة له دون أضدادها الجائزة عليه قبل الإرادة. فإذا قيل: لم تعلقت الإرادة بهذه الأحوال دون أضدادها؟ قيل: ذلك لذات الإرادة، وكذلك الإرادة الحادثة لازما للشيء لذاته لا

стр. 273

تختلف باختلاف القدم والحدوث، كالعلم له الكشف حادثا وقديما، وكذلك الحياة وجميع المعاني. وبرهان تصحيح كون الإرادة لاتفتقر إلى مرجح أن الترجيح من غير مرجح، كما هو محال فهو واجب، إذ لو لم يكن واجبا وافتقر كل مرجح إلى مرجح استحال أصل الترجيح للزوم التسلسل حينئذ أو الدور، فيكون أصل الترجيح موقوفا على المحال فيكون محالا، فحينئذ يجب أن يكون مرجح لا مرجح له، وذلك هو الإرادة بشهادة العقل أن ذلك لها لذاتها، كما شهد العقل أن الكشف لذات العلم من غير مرجح، والمصحح لقيام العلوم الحياة، فظهر حينئذ أن المرجح قد يكون من الغير، ويجوز معه لاوجود والعدم، ويقع الوجود دون العدم، ولايلزم الإتفاق، ولذلك يقول: لم لا يجوز أن يكون مرجح العبد هو إرادته، وهي مستغينة عن المرجح فلا يلزم التسلسل. العاشر: أن جميع ما ذكره لازم في حق الله تعالى، بأن يقال: إما أن يمكن الترك في فعل الله - تعالى - أو لايمكن إلى آخر التقسيم، فيلزم أن أفعال الله - تعالى - إما اتفاقية لا مدخل له فيها، فلا توصف بالحسن، وهو خلاف إجماع الفيقين، أو اضطراريه فيكون الله مجبورا على أفعاله، أو يكون موجبا بالذات، وهو خلاف إجماع الفريقين، ومن أراد الجواب عن هذا فهو ببعض الأسئلة المتقدمة، إما سؤال الإرادة وهو السؤال السابع، أو بالسؤال الرابع، وهو تفسير غير المتمكن بالمستجمع لكل ما لا بد له من في التأثير. الحادي عشر: أن يعلم بالضرورة أن الحيوانات لها أفعال اختيارية، بل ذلك هو حد لاحيوان في قولنا: هو الجسم الحساس المتحرك بالإرادة، فصار التحرك

стр. 274

بالإرادة والاختيار هو فصله، وفصل الجنس يجب الاشتراك فيه بين جميع أنواعه، وأشخاص أنواعه، فالأفعال الاختيارية يشترك فيها بين جميع الحيوانات

стр. 275

بالضرورة، فيكون هذا الاستدلال على خلاف الضرورة، فلا يسمع كذبة السوفسطائية المشككة في الضرورة.

стр. 276

الثاني عشر: أن دليله وإن سلم له جميع دعواه، ولا يمكن أن ينتجه. أما أنه ما أنتج جميع دعواه، فلأنه ادعى أول الفصل أن حسن الأشياء وقبحها لا يثبت إلا بالشرع، ثم كان نتيجة دليله أن القبح العقلي باطل. ولم يتعرض للحسن، فصارت الدعوى عامة والدليل خاص، فلا يسمع. وأما أنه لا يمكن أن ينتج دعواه؛ فلأن الحسن عند المعتزلة ما للمتمكن منه العالم بحالة أن يفعله، وهذا يندرج فيه أفعال الله تعالى، ولا خلاف أن حسن أفعال الله - تعالى - وخلقه للعالم لا يتوقف على وورد النص، بل يدرك العقل، ولذلك عندنا الحسن ما ليس منهيا عنه، وماليس منها يندرج

стр. 277

فيه فعل الله - تعالى - وهو حسن عقلا، لا يتوقف عاقل في ذلك، فظهر حينئذ أن الحسن العقلي بتفسيرهم وبتفسيرنا لا يتوقف على السمع، فلا يصح أن يدعى في أصل المسألة، نعم إذا فسر الحسن بكون الفعل متعلق المدح أو الجزاء الشرعي كان محل النزاع، واندرج في دليله، لكنه لم ينقله عنهم ولا عنا، فلا ينتظم كلامه في نصب هذا الدليل على القسمين، وكان اللائق أن يقسم الحسن ثلاثة أقسام: ما يتعقل بفعل الله تعالى، وما يتعلق بفعل المكلفين، وما يتعلق بالساهي والنائم والبهائم ونحوها. كما فسر عمومه في أول الكتاب، وقال: إن هذه الأقسام الثلاثة تندرج فيه، ثم نقول: فعل الله - تعالى - حسن عقلا بالإجماع، والقسمان الآخران هما محل النزاع، فإن أهل السنة يجوزون تكليف البهائم والنائم والمجنون وغيرهم، بناء على جواز تكليف ما لا يطاق، وإنما عملوا عدم التكليف في هذه المواطن بالسمع، فهذا تلخيص كون الحسن عقليا أو غير عقلي. ((تنبيه)) ذكر مقدمة ونتيجة ، ولا بد في الدليل من مقدمتين، لأنه قال: أفعال العباد منحصرة في الاضطرار والاتفاق، وعلى التقديرين فالقول بالحسن والقبح العقليين باطل. فقوله: وعلى التقديرين إن كان نتيجة فأين المقدمة الثانية؟ أو مقدمة فأين النتيجة؟ وظاهر كلامه أنها نتيجة، لأنها نفس الدعوى، فينبغي أن يعلم أن إحدى المقدمتين قد يحدث العلم بها، وها هنا كذلك، وأصل الدليل أن يقول: الأفعال منحصرة في الإتفاق والإضطرار، وكل منحصر في هذين لا حسن فيه ولا قبح عقلي، فأفعال العباد يستحيل فيها الحسن والقبح العقليان، فذكر معنى النتيجة أن القول بها باطل.

стр. 278

((تنبيه)) خالفه صاحب ((المنتخب)) فقال: إذا ثبت الحصر في الاضطرار والاتفاق ثبت المقام الثاني، فإن الخصم يمنع ورود التكليف به، فضلا عن ادعاء كونه حسنا، فجعل النتيجة الحسن، وليس في ((المحصول)) إلا القبح، فيكون السؤال الأخير له الذم من جهة أنه جعل الحسن عقليا، وليس كذلك بل قد يكون، وقد لا يكون كما تقدم تفصيله، وكذلك ((الحاصل)) قال: وقد يراد بالحسن ولاقبح كون الفعل متعلق المدح والذم عاجلا، والثواب والعقاب آجلا، فهما شرعيان عندنا، والذي في ((المحصول)) إنما هو ذكر تفسير القبيح فقط لم يفسر غيره، ولم يستقبح إلا هو، ولم يذكره إلا في فهرست الفصل، ولم يعده بعد ذلك، فكان كلامه أقرب إلى الصواب من كلامها على ما فيه. قال سراجُ الدِّينِ: ولقائل أن يقول: وجوب الشيء بشرط غيره لا ينافي إمكانه، وقدرة الغير عليه، وإلا لزم نفي قدرة الله تعالى، وهو إشارة لما تقدم من الاستجماع في السؤال الرابع. ثم قال: فإن قلت: الفرق أن مرجح فاعلية الله - تعالى - يحصل باختياره. قلت: الكلام في فاعليته لذلك المرجح، كما في الأول، ويلزم التسلسل في أفعاله تعالى، والاعتراف بالمنع المذكور، ويرد عليه أن فاعلية الله تعالى لمرجح الفاعلية قد ينتهى لترجيح الإرادة التي تقدم أ، ها ترجح لذاتها، ولا تحتاج لمرجح، فلا يلزم التسلت، ثم نقول: التسلسل عينا غير لازم، بل أحد الأمرين إما الدور، وإما التسلسل؛ لأنا إذا رجعنا إلى بعض ما فارقناه لزم الدور، أو ذهبنا إلى غير النهاية، ولم نرجع إلى بعض ما فارقناه لزم التسلسل.

стр. 279

الثالث عشر: قال التبريزي: أجمعنا على حسن تكليف الإنسان، وقبحه في البهائم والجماد، ولا فرق إلا ما ذكره المعتزلة، فما الدليل على امتناعه؟ جوابه: امتناعه ما تقدم من الخبر والاتفاق، فيتعين صرفه؛ لأن الإنسان مدرك مصنور لورود الخطاب، وهذا فرق مقصود هنالك. الرابع عشر: قال: لو سلب العباد القدر لأدرك العقل هذا التمييز، ووجوب الإيثار، والاختيار على من كان ممكنا منه، فلا يلزم الخطأ في هذه المسألة. جوابه: فرض إمكانه محال، فمتى فرض وقوعه أمكن أن يلزمه محالان، لأن المحال يجوز أن يلزمه المحال، ومن جملته عدم الخطأ في هذه المسألة. الخامس عشر: قال: توقيفه الفاعلية على أمر مع فرض التمكن من الترك جمع بين النقيضين؛ لأن الفاعلية إذا توقفت على مرجّح كانت بعده واجبة، وقبله ممتنعة، فلا مكنة حينئذ. جوابه: أن المكنة إن فسرت بالإمكان الخاص والتخيير لزم السؤال، وله أن يفسرها بالإمكان العام، فلا يلزم السؤال لصدقه على الواجب والممتنع والممكن الخاص، وهو سلب الضرورة عن أحد نقيضي المحمول كما تقرر في المنطق. السادس عشر: قال التبريزي: ((قول الإمام: إذا لم يتوقف عل مرجح كان اتفاقيا)) باطل؛ لأنه لو كان اتفاقيا لم يتمكن من الترك؛ لأن الإتفاقي ما لم يكن بمؤثر، والتقرير أنه فاعل متمكن. جوابه: أنه يتمكن من الترك، وهو ملابس للفعل، بمعنى أنه لا مرجح له من قبله، ويجوز عليه فعله وتركه، ويكفي هذا في الإتفاق المانع من التكليف، والمدح، والذم الشرعيين، فإنه إنما يمدح أو يذم على ما له فيه مدخل، والمكنة ليست مدخلا يوجب المدح؛ والذم؛ لأن الإنسان متمكن

стр. 280

من فعل كل محرم، وإلا لما حرم عليه، ومع ذلك فلا يذم عليه حتى يكون له في فعله مدخل. قوله: " فإن قلت: للقادر أن يرجح الفاعلية على التاركية من غير مرجح إلى حجج الخصوم " يندفع بأن مفهوم الترجحي غير القادر، ولا يتم مطلوبه؛ لأنه يمكن تفسيره بتفسير التأثير للقادر أن يريده دون نقيضه، ولا يلزم الجبر، لأنه أثره بإرادته ولا الاتفاق؛ لأن له فيه مدخلا وإرادة حينئذ. ((سؤال)) قال التبريزي: يعارضه في مكنته فيقول: فعل القبيح إن لم يكن مقدورا، فهو إما اضطراري أو اتفاقي، والاتفاقي محال؛ إذ لو كان ممكنا لتعذر استناد العالم لصانعه، والاضطرار باطل؛ لأنه إما من علة موجبة أو فاعل مختار، والفاعل محال؛ لانه إما أن يتمكن من الترك أو لا التقسيم إلى آخره، والعلة باطلة، لأنها إن كانت قديمة لزم قدم الأثر، أو حادثة تسلسلت العلة. جوابه: أن أهل الحق يمنعون في هذا المقام أن القبيح ممكن للعبد لا مطلقا، بل يقولون: الجيمع واقع بقدرة الله تعالى، والعبد في المعنى مضطر، فيكون فاعله مختارا والعبد مضطرا، والإمام إنما ردد باعتبار العبد لا باعتبار كل فاعل، بل الفاعل عنده هو الله تعالى بالاختيار، والعبد مجبور وهوغير معذور، فاندفعت المعارضة ألبتة. قوله: ((أما الخصم فقد ادعى العلم الضروري إلى آخر الفصل)). يرد على قولهم: إن العلم بالقبح دائر مع العلم بالظن أن الدوران ظني، وهم يدعون القطع، فما ينتجه دليلهم لا يقولون به. وما يقولون به لا ينتجه دليلهم.

стр. 281

وعلى قولهم: "لولا الاختصاص ما حكم فيه بالوجوب بما لأجله استحق ذلك لزم الترجيح من غير مرجح" ثلاثة أسئلة: الأول: أن قاعدة مذهبهم تقتضي أن المصالح والمفاسد تتبعها الأحكام، وأن الأحكام لوازم الاوصاف، ونتيجة هذه المقدمات صدق قولنا: لو حكم تعالى بالوجوب لكان لمرجح هو المصلحة، فتكون المصالح والمفاسد لوازم، والمطلوب أن تكون ملزومات، واللازم لا يجب أن يكون ملزوما، ولم يثبتوا هذا اللازم مما ينعكس ملزوما، فلا تنتج قاعدتهم. الثاني: أنا لا نسلم أن ثم مرجحا، وهو المصلاح والمفاسد، ولكن ربط هذه الأحكام بها هل هوعلى سبيل الوجوب كما يقولون؟ أو التفضل كما تقوله نحن؟ الأول: ممنوع. والثاني: مسلم، ولا يحصل مقصودكمن؛ فإن التفضل لا يعلم إلا بالسمع دون العقل، وأنتم تدعون ثبوت هذه المراعاة بالعقل. الثالث: أنه لا يلزم من عدم الترجيح بالمصالح والمفاسد نفي أصل المرجح، فلم قلتم: إنه يلزم الترجيح من غير مرجح، ثم إنا ننازع بإبداء مرجح على هذا التقدير؟ فنقول: لم لا يجوز أن يكون هو الإرادة، كما يختص وجود العالم لوقت المعين دون غيره، وكذلك سائر أجزاءه وأحواله التي هي قابلة لأضدادها؟ وعلى قولهم: لو حسن من الله تعالى كل شيء لحسن منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، أن حاصل تجويز عدم مراعاة الله تعالى للمصالح يلزم منه تجويز إضلال الحلق بعدم معرفة أوصفا الأنبياء وتمييزهم عن غيرهم، وهذا إذا سلم هو عين مذهبنا، فإنا نجوز على الله تعالى

стр. 282

أن يضل الخلق أجمعين، وأن يهديهم أجمعين، فهذه النكتة لا أثر لها ألبتة، مع أن النقشواني، وغيره اعتقدوا أنها في غاية القوة لا جواب عنها، مع أنها لا تستحق جوابا، بل هي مذهبنا بعينه، وليس اللازم عن هذه النكتة وقوع ذلك حتى يقال: يلزم خلاف الواقع، بل تجويز ذلك ليس إلا، وكذلك اللازم عن الوجه الثاث تجويز أن الله - تعالى - يخلق أصواتا في بعض مخلوقاته تدل على أمر غير واقع، كما يجوز أن يخلق في حجر من الحجارة أصواتا قائلة: الواحد نصف العشرة، وهذا نحن نجوزه، وعدنا كل كذب في العالم، وكل كفر ومعصية، الله تعالى خالقها، وليس مقصود الخصم الكذب في الكلام النفساني، فإن النزاع إنما وقع في مراعاته تعالى المصالح في أفعاله، وأما صفاته تعالى، فاتفق الفرق كلها على أنها في غاية الكمال، ولا يلزمنا من ذلك عدم الإعتماد على وعده تعالى، فإنه لا يلزم من التجويز على الله تعالى ألا يجزم بعدمالوقوع، فكم من شيء اتفق العقلاء على تجويزه، وقطعوا بعدم وقوعه، كما يجوز على الله تعالى أن تكون الأنهار الغائبة عنا زيتا أو عسلا، ونقطع بأن ذلك ما وقع، وأن هذه المشايخ التي نراها ولدت شيوخا كذلك، ونقطع بأنها ما ولدت أطفالا، ونظائره كثيرة، وكذلك نقطع بأن الله تعالى ما خلق هذه الأصوات في جبريل ﵇ في الرسائل الربانية إلا مشتملة على المصالح، مطابقة لمدلولاتها بقرائن الأحوال من عوائد الله تعالى، لا من جهة العقل، فكذلك يجوز ذلك عقلا، ونقطع بأنه ما وقع، ونجزم بوعده تعالى ووعيده، وجميع أخباره. وعلى قوله في الجواب: أن العدمي لايكون علة الحكم، وإلا لجاز إسناد العالم إلى مؤثر عدمي، أن القوم لم يجعلوا المصالح والمفاسد موجودة لأحكام الله تعالى كما توجد العلة معلولها، وتنقله من العدم إلى الوجود، بل حكم الله تعالى تعلق إرادته بالإقتضاء، أو التخيير، كما

стр. 283

أنه عندنا تعلق كلامه النفسي بذلك، والتعلق عدمي، فالحاكم الشرعي عدمي، لأن الكلام من حيث هو كلام ليس بحكم، بل قد يكون حبرا أو حكما، فلا يتعين الحكم حتى يوجد بغير تعلق مخصوص، والتعلقات عدميات لرجوعها إلى النسبة بين المتعلقات والمتعلقات، والنسب عدمية، والعدمي يجوز أن يؤثر فيه العدمي، كما أن عدم العلة علة لعدم المعلول، وعدم اسبب سبب لعدم السبب، فهذا فرق عظيم بين هذا، وبين إسناد العالم لمؤثر عدمي. وفرق آخر، وهو أن هذه الأوصاف عندهم توجب عقلا أن الله - تعالى - يربط بها الأحكام، لا أنها هي الرابطة للأحكام بأنفسها، فهذا فرق آخر وبينه سراج الدين على معنى آخر، فقال: هو قد فسر القبح بمعنى عدمي بقوله: ليس لفاعله أن يفعله، فيصح تعليله بالعدم، ويرد على قوله عند حصول العدم: تصير العلة مؤثرة في معلولها، فاستلزام العلة أمر حدث مع حدوث هذا العدم، فيكون العدم علة هذا الاستلزام. قلنا: لا نسلم، بل لم لا يجوز أن يكون الاستلزام ناشئا عن ذات العلة، وحدوث هذا العدم شرط؟ ((تنبيه)) اللازم عن جوابه عن الحجة الأولى: أن الخصم شرع يثبت مذهبه بهذه الحجة، فبين الإمام أنها لا تثبته، بل إما أن تبطله، أو تبطل هي في نفسها، وعلى التقديرين لا يثبت مذهبهم، لأن الترجيح من غير مرجح إن لم يكن محالا بطلت الحجة في نفسها، لأن من ألزم خصمه لازما ليس بمحال لم يلزمه شيئا، وإن كان الترجيح من غير مرجح حالا لزم الجبر، فيبطل مذهبهم، فظهر لزوم أحد الأمرين، وعدم إنتاجها لمذهبهم. قوله: "الاستدلال بالمعجز بمبني على مقامين:

стр. 284

أحدهما: أن الله تعالى إنما خلق ذلك المعجز لأجل التصديق. الثاني: أن كل من صدقه الله تعالى فهو صادق، والحسن والقبح إنما يقع في المقام الثاني دون الأول ". وتقريره: أن الحسن والقبح يقتضي أن الله تعالى لا يتصرف إلا لمصلحة، أما تعيين مصلحة معينة لا يقتضيها الحسن والقبح، فلعل خلق المعجز لغرض آخر، فلا ينتقض الحسن والقبح، وأما الثاني وهومن صدقه الله فهو صادق، فلو لم يكن صادقا كان قبيحا، كيف يصدق الله من ليس بصادق على أصولهم؟ فلا أثر له إلا في المقام الثاني، وإذا كان المعجز لا لغرض التصديق لا يوهم تصديق الكاذب، كما أن المؤذن إذا أذن في غير الوقت أوهم دخول الوقت، لأن الأذان لا يكون إلا لغرض إفهام دخول الوقت، أما مشي المؤذن على السطح لا يوهم دخول الوقت، لانه ليس لغرض إفهام دخول الوقت، كذلك هاهنا قوله، فثبت أن الإلزام الذي اورده علينا في إحدى المقدمتين وارد عليهم في المقدمة الأخرى، وكل ما هو جوابهم عن تقرر إحدى المقدمتين فهو جوابنا في تقرير المقدمة الأخرى. معناه: أن البحث في المقدمة الأولى التي هي أن المعجز ليس لغرض التصديق، أو هي لغرض التصديق كما قالوه، وقلنا: أدى إلى إيرادهم أن الإيهام على الله تعالى محال لقبح، فأوردنا عليهم المتشابهات، وهي إنزال أمر يوهم التحسين، وهو ليس بمراد، ولم يقبح ذلك لاحتماله وجوها أخر من المصالح، فلما تقرر لنا في هذا المقام هذا البحث نفعنا في المقام الثاني، وهو أن من صدقه هل يجب أن يكون صادقا؟ لأن غاية هذا التصديق من الله تعالى له إن أظهر على يديه ما يدل على صدقه دلالة لا يحصل الجزم بالنبوة منها إلا بعد النظر الصحيح المحصل للعلم وبعد النظر الصحيح لا يقع لبس؛ فإن اللبس إنما يكون قبل ذلك.

стр. 285

أما نظرنا في معجزة المدعي وقرائن أحواله وسجاياه هل تقبل الكذب أم لا؟ وهل غرضه الدنيا أم لا؟ إلى غير ذلك من جميع ما يتوهم أنه باعث على الكذب، فحينئذ يحصل العلم ويقع الفرق بينه وبين الكذابين بالضروة، بحيث لا يبقى لبس، فمجرد إظهار المعجز ليس كافيا في حصول العلم بالنبوة حتى ينظر في جميع الأحوال، فما يجيبون به عن المتشابهات التي أوردناها عليهم في البحث عن المقدمة الأولى، نحن نجيب به عن المقدمة الثانية، وهي تصديق الله تعالى بالمعجز، لأنه عند عدم النظر كالمتشابهات عند عدم النظر، فلا يصح حينئذ إظهار المعجز على يد الكاذب، فإن النظر يفضحه، ويبين أنه كاذب ليس بنبي، فلا يكون ذلك قبيحا، كما أن النظر بين الآيات المتشابهات بين أنها ليست لما دل عليه ظاهرها، بل معنى آخر، فبطل المقام الأول؛ لأن غرض التصديق لا يتعين، وبطل المقام الثاني، لأنا قلنا: إنه كالمتشابهات، وأن جوابهما واحد، فبطل المقامان، فاندفعت الشبهة. وقوله في الجواب عن إظهار المعجز على يد الكاذب: "لو كان الفعل يتوقف على الغرض لزم الجبر" ممنوع، لجواز أن يكون متوقفا عليه، وهو بعض ما يتوقف عليه، فيلزم من عدمه العدم، ولا يجب الوجود عند حضوره، ويصدق التوقف. وقوله: "المعاريض لا بد فيها من زيادة أو نقصان، أوتقييد أو تخصيص ". مثال الزيادة: أن يسألك الظالم عن زيد، من عند؟ فتقول: حيوان، وتزيد في نفسك ناطق، ولا تظهره له، وتفهمه هو أنه حيوان بهيم. ومثال النقصان: أن تقول: هو ولدي، وتريد في نفسك أنك تعامله معالمة الأبناء، فينقص وصف البنوة، ويبقى زيد وحده، كما قال الخليل
следующие страницы →