Полный текст (4 032 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وعلى قولهم: "لولا الاختصاص ما حكم فيه بالوجوب بما لأجله استحق ذلك لزم الترجيح من غير مرجح" ثلاثة أسئلة:
الأول: أن قاعدة مذهبهم تقتضي أن المصالح والمفاسد تتبعها الأحكام، وأن الأحكام لوازم الاوصاف، ونتيجة هذه المقدمات صدق قولنا: لو حكم تعالى بالوجوب لكان لمرجح هو المصلحة، فتكون المصالح والمفاسد لوازم، والمطلوب أن تكون ملزومات، واللازم لا يجب أن يكون ملزوما، ولم يثبتوا هذا اللازم مما ينعكس ملزوما، فلا تنتج قاعدتهم.
الثاني: أنا لا نسلم أن ثم مرجحا، وهو المصلاح والمفاسد، ولكن ربط هذه الأحكام بها هل هوعلى سبيل الوجوب كما يقولون؟ أو التفضل كما تقوله نحن؟
الأول: ممنوع.
والثاني: مسلم، ولا يحصل مقصودكمن؛ فإن التفضل لا يعلم إلا بالسمع دون العقل، وأنتم تدعون ثبوت هذه المراعاة بالعقل.
الثالث: أنه لا يلزم من عدم الترجيح بالمصالح والمفاسد نفي أصل المرجح، فلم قلتم: إنه يلزم الترجيح من غير مرجح، ثم إنا ننازع بإبداء مرجح على هذا التقدير؟ فنقول: لم لا يجوز أن يكون هو الإرادة، كما يختص وجود العالم لوقت المعين دون غيره، وكذلك سائر أجزاءه وأحواله التي هي قابلة لأضدادها؟
وعلى قولهم: لو حسن من الله تعالى كل شيء لحسن منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، أن حاصل تجويز عدم مراعاة الله تعالى للمصالح يلزم منه تجويز إضلال الحلق بعدم معرفة أوصفا الأنبياء وتمييزهم عن غيرهم، وهذا إذا سلم هو عين مذهبنا، فإنا نجوز على الله تعالى
стр. 282
أن يضل الخلق أجمعين، وأن يهديهم أجمعين، فهذه النكتة لا أثر لها ألبتة، مع أن النقشواني، وغيره اعتقدوا أنها في غاية القوة لا جواب عنها، مع أنها لا تستحق جوابا، بل هي مذهبنا بعينه، وليس اللازم عن هذه النكتة وقوع ذلك حتى يقال: يلزم خلاف الواقع، بل تجويز ذلك ليس إلا، وكذلك اللازم عن الوجه الثاث تجويز أن الله - تعالى - يخلق أصواتا في بعض مخلوقاته تدل على أمر غير واقع، كما يجوز أن يخلق في حجر من الحجارة أصواتا قائلة: الواحد نصف العشرة، وهذا نحن نجوزه، وعدنا كل كذب في العالم، وكل كفر ومعصية، الله تعالى خالقها، وليس مقصود الخصم الكذب في الكلام النفساني، فإن النزاع إنما وقع في مراعاته تعالى المصالح في أفعاله، وأما صفاته تعالى، فاتفق الفرق كلها على أنها في غاية الكمال، ولا يلزمنا من ذلك عدم الإعتماد على وعده تعالى، فإنه لا يلزم من التجويز على الله تعالى ألا يجزم بعدمالوقوع، فكم من شيء اتفق العقلاء على تجويزه، وقطعوا بعدم وقوعه، كما يجوز على الله تعالى أن تكون الأنهار الغائبة عنا زيتا أو عسلا، ونقطع بأن ذلك ما وقع، وأن هذه المشايخ التي نراها ولدت شيوخا كذلك، ونقطع بأنها ما ولدت أطفالا، ونظائره كثيرة، وكذلك نقطع بأن الله تعالى ما خلق هذه الأصوات في جبريل ﵇ في الرسائل الربانية إلا مشتملة على المصالح، مطابقة لمدلولاتها بقرائن الأحوال من عوائد الله تعالى، لا من جهة العقل، فكذلك يجوز ذلك عقلا، ونقطع بأنه ما وقع، ونجزم بوعده تعالى ووعيده، وجميع أخباره.
وعلى قوله في الجواب: أن العدمي لايكون علة الحكم، وإلا لجاز إسناد العالم إلى مؤثر عدمي، أن القوم لم يجعلوا المصالح والمفاسد موجودة لأحكام الله تعالى كما توجد العلة معلولها، وتنقله من العدم إلى الوجود، بل حكم الله تعالى تعلق إرادته بالإقتضاء، أو التخيير، كما
стр. 283
أنه عندنا تعلق كلامه النفسي بذلك، والتعلق عدمي، فالحاكم الشرعي عدمي، لأن الكلام من حيث هو كلام ليس بحكم، بل قد يكون حبرا أو حكما، فلا يتعين الحكم حتى يوجد بغير تعلق مخصوص، والتعلقات عدميات لرجوعها إلى النسبة بين المتعلقات والمتعلقات، والنسب عدمية، والعدمي يجوز أن يؤثر فيه العدمي، كما أن عدم العلة علة لعدم المعلول، وعدم اسبب سبب لعدم السبب، فهذا فرق عظيم بين هذا، وبين إسناد العالم لمؤثر عدمي.
وفرق آخر، وهو أن هذه الأوصاف عندهم توجب عقلا أن الله - تعالى - يربط بها الأحكام، لا أنها هي الرابطة للأحكام بأنفسها، فهذا فرق آخر وبينه سراج الدين على معنى آخر، فقال: هو قد فسر القبح بمعنى عدمي بقوله: ليس لفاعله أن يفعله، فيصح تعليله بالعدم، ويرد على قوله عند حصول العدم: تصير العلة مؤثرة في معلولها، فاستلزام العلة أمر حدث مع حدوث هذا العدم، فيكون العدم علة هذا الاستلزام.
قلنا: لا نسلم، بل لم لا يجوز أن يكون الاستلزام ناشئا عن ذات العلة، وحدوث هذا العدم شرط؟
((تنبيه))
اللازم عن جوابه عن الحجة الأولى: أن الخصم شرع يثبت مذهبه بهذه الحجة، فبين الإمام أنها لا تثبته، بل إما أن تبطله، أو تبطل هي في نفسها، وعلى التقديرين لا يثبت مذهبهم، لأن الترجيح من غير مرجح إن لم يكن محالا بطلت الحجة في نفسها، لأن من ألزم خصمه لازما ليس بمحال لم يلزمه شيئا، وإن كان الترجيح من غير مرجح حالا لزم الجبر، فيبطل مذهبهم، فظهر لزوم أحد الأمرين، وعدم إنتاجها لمذهبهم.
قوله: "الاستدلال بالمعجز بمبني على مقامين:
стр. 284
أحدهما: أن الله تعالى إنما خلق ذلك المعجز لأجل التصديق.
الثاني: أن كل من صدقه الله تعالى فهو صادق، والحسن والقبح إنما يقع في المقام الثاني دون الأول ".
وتقريره: أن الحسن والقبح يقتضي أن الله تعالى لا يتصرف إلا لمصلحة، أما تعيين مصلحة معينة لا يقتضيها الحسن والقبح، فلعل خلق المعجز لغرض آخر، فلا ينتقض الحسن والقبح، وأما الثاني وهومن صدقه الله فهو صادق، فلو لم يكن صادقا كان قبيحا، كيف يصدق الله من ليس بصادق على أصولهم؟ فلا أثر له إلا في المقام الثاني، وإذا كان المعجز لا لغرض التصديق لا يوهم تصديق الكاذب، كما أن المؤذن إذا أذن في غير الوقت أوهم دخول الوقت، لأن الأذان لا يكون إلا لغرض إفهام دخول الوقت، أما مشي المؤذن على السطح لا يوهم دخول الوقت، لانه ليس لغرض إفهام دخول الوقت، كذلك هاهنا قوله، فثبت أن الإلزام الذي اورده علينا في إحدى المقدمتين وارد عليهم في المقدمة الأخرى، وكل ما هو جوابهم عن تقرر إحدى المقدمتين فهو جوابنا في تقرير المقدمة الأخرى.
معناه: أن البحث في المقدمة الأولى التي هي أن المعجز ليس لغرض التصديق، أو هي لغرض التصديق كما قالوه، وقلنا: أدى إلى إيرادهم أن الإيهام على الله تعالى محال لقبح، فأوردنا عليهم المتشابهات، وهي إنزال أمر يوهم التحسين، وهو ليس بمراد، ولم يقبح ذلك لاحتماله وجوها أخر من المصالح، فلما تقرر لنا في هذا المقام هذا البحث نفعنا في المقام الثاني، وهو أن من صدقه هل يجب أن يكون صادقا؟ لأن غاية هذا التصديق من الله تعالى له إن أظهر على يديه ما يدل على صدقه دلالة لا يحصل الجزم بالنبوة منها إلا بعد النظر الصحيح المحصل للعلم وبعد النظر الصحيح لا يقع لبس؛ فإن اللبس إنما يكون قبل ذلك.
стр. 285
أما نظرنا في معجزة المدعي وقرائن أحواله وسجاياه هل تقبل الكذب أم لا؟
وهل غرضه الدنيا أم لا؟ إلى غير ذلك من جميع ما يتوهم أنه باعث على الكذب، فحينئذ يحصل العلم ويقع الفرق بينه وبين الكذابين بالضروة، بحيث لا يبقى لبس، فمجرد إظهار المعجز ليس كافيا في حصول العلم بالنبوة حتى ينظر في جميع الأحوال، فما يجيبون به عن المتشابهات التي أوردناها عليهم في البحث عن المقدمة الأولى، نحن نجيب به عن المقدمة الثانية، وهي تصديق الله تعالى بالمعجز، لأنه عند عدم النظر كالمتشابهات عند عدم النظر، فلا يصح حينئذ إظهار المعجز على يد الكاذب، فإن النظر يفضحه، ويبين أنه كاذب ليس بنبي، فلا يكون ذلك قبيحا، كما أن النظر بين الآيات المتشابهات بين أنها ليست لما دل عليه ظاهرها، بل معنى آخر، فبطل المقام الأول؛ لأن غرض التصديق لا يتعين، وبطل المقام الثاني، لأنا قلنا: إنه كالمتشابهات، وأن جوابهما واحد، فبطل المقامان، فاندفعت الشبهة.
وقوله في الجواب عن إظهار المعجز على يد الكاذب: "لو كان الفعل يتوقف على الغرض لزم الجبر" ممنوع، لجواز أن يكون متوقفا عليه، وهو بعض ما يتوقف عليه، فيلزم من عدمه العدم، ولا يجب الوجود عند حضوره، ويصدق التوقف.
وقوله: "المعاريض لا بد فيها من زيادة أو نقصان، أوتقييد أو تخصيص ".
مثال الزيادة: أن يسألك الظالم عن زيد، من عند؟ فتقول: حيوان، وتزيد في نفسك ناطق، ولا تظهره له، وتفهمه هو أنه حيوان بهيم.
ومثال النقصان: أن تقول: هو ولدي، وتريد في نفسك أنك تعامله معالمة الأبناء، فينقص وصف البنوة، ويبقى زيد وحده، كما قال الخليل
стр. 286
صلوات الله عليه في امراته، هي أختي يريد في الإسلام، فنقص من اللفظ وصف الأخوة.
ومثال تقيد المطلق: أن تقول: هو الذي في عينه بياض، وتريد البياض المحيط بالسواد، وهو بياض خاص مقيد.
ومثال تخصيص العام قولك للظالم: ليس في الدار أحد، وتريد بهذا النفي غير من يريد الظالم، وأكثر ما تقع المعاريض في الاستعمال بالمجاز والمشترك، ولم يذكرها، فالمجاز كقول الصديق ﵁ في رسول الله ﷺ : ((هو رجل يهديني السبيل))، يوهم أنه
стр. 287
خفير الطريق، ومراده سبيل الآخرة، وهومجاز عن الطريق الحس ليوهم الرجل بذلك فلا يعرفه، وكان ذلك حين خروجهم للمدينة في الهجرة، والاشتراك كقول رسول الله ﷺ للذي سأله من أنتم؟
وكان ﵇ يجب إيهامه أنهم غير المسلمين لئلا يعرف به عدوه، فقال له: "نحن من ماء"، وماء قبيلة في اليمن، وأراد ﵇ "من ماء مهين" [المرسلات: ٢٠].
وتقرير قوله: الموقوف على الشرع، إنما هو التصديق بالحسن والقبح لا تصورهما أنا نجور أن الله تعالى يبتع الأحكام المصالح والمفاسد، فإنا لا
стр. 288
نحيل مذهب المعتزلة بل نحيل وجوب ذلك. فنحن متصورون حينئذ لذلك لرابط قبل الشرع، فإذا ورد الشرع به جزمنا حينئذ به وحكمنا، فهذا هو التصديق، وقد تقدم في النظر اشتقاق التصور والتصديق وحيقيتهما.
((تنبيه))
لما تقدم كثرة القوادح في دليل الإمام، حسن ذكر غيره من المدارك لئلا تبقى المسألة بغير مدرك.
قال سيف الدين: قال أصحابنا مدارك:
الأول: لو كان الكذب قبيحا لذاته، لكان القائل إذا قال: إن بقيت ساعة أخرى كذبت، فبقي ساعة أخرى إن قالوا: صدقه حسن، يلزم حسن الكذب، حتى يصدق، أو كذبه حسن لزم حسن الكذب، وهو المطلوب.
الثاني: لو قبح الظلم لكونه ظلما لتقدمت العلة على معلولها، لأن الظلم إنما يكون بأخذ المال بغير حقه، وأنتم قبل الأخذ تفضون فيه بالقبح ولذلك ليس له أن يفعله، فيلزم تقدم القبح قبل الظالم، وهو تقدم المعلوم العقلي على علته.
الثالث: قال سيف الدين: لنفسه، وقال: هو العمدة أن الحسن والقبح غير الأفعال، لإمكان الذهول عنها، مع العلم بالفعل وهما ثبوتيان، لأن نقيضهما لا حسن ولا قبح الذي يوصف به العدم، وصفة العدم عدم، فهما ثبوتيان، وهما صفة الفعل عندهم، فيلزم قيام العرض بالعرض، لكن قيام العرض بالعرض محال؛ لأن العرض الذي هو المحل لا بد وأن يقوم بالجوهر لا معنى له إلا أن وجوده في حيز الجوهر تبعا له فيه، وقيام أحد العرضين لآخر لا معنى له إلا قيامه بالجوهر في حيزه تبعا له، فيكون قائما
стр. 289
بالجواهر، فلا يكون صفة للفعل وهو المطلوب، ولا يرد عليه وصفنا الفعل بكونه ممكنا، ومعلوما، ومقدروا، لأن هذه أمور سلبية لصدقها على العدم، فإنه معلوم وممكن، أما المقدورية فإنها نسبة بين القدرة ولاممكن، فإن قالوا الحسن والقبح نسبي، فهذا هو مذهبنا، أنه يختلف بحسب ما يتعلق به خطاب الله تعالى.
قلت: هذه الوجوه عليها مباحث، فيرد على الأول أن قوله الأول "أكذب إن بقيت " قبيح، لانه وعد بالقبيح، وصدقه ثاينا حسن، ولايزلمه حسن الكذب؛ لأنا لم نحس بالأول.
وعلى الثاني، أنا إنما قضينا بالقبح على تقدير الوقوع فمنعناه الآن، لأنه مما يقع على تقدير وقوعه القبيح.
وعلى الثالث: أنه ينقض بالحسن والقبح العقليين في ملاءمة الطبع، ومنافرته وصفات الكمال وصفات النقص، ثم قول: الحسن والقبح ذاتيان للفعل وهما حكمان، والأحكام الذاتية ليست أعراضا قائمة بمحالها، كما نقول السواد سواد لذاته، والبياض بياض لذاته، وكذلك سائر الأعراض، وما لزم قيام الرعض بالعرض، لأنها أحكام للمعاني لا أنها معان في أنفسها، فكذلك هاهنا، بل أقول في إبطال الحسن والقبح، رعاية المصالح غير واجبة على الله تعالى عقلا، فالحسن والقبح العقليان باطلان.
بيان الأول: أن الله تعالى خلق العالم في وقت معين مع إمكان خلقه فيما قبله بمائة ألف سنة، أو بعده بمائة ألف سنة، ضرورة استواء إيجاده بالنسبة إلى الأزمنة المتخيلة، والله تعالى عالم بما يترتب في خلق العالم من المصالح، فتأخيره يقتضي عدم رعاية حصول المصالح، لأن الله تركها في مائة ألف سنة، لم يحصلها فيها، بل ... في تلك المدة، فلا تكون غاية حصول المصالح واجبة في حق الله تعالى.
стр. 290
أو تقول: خلق العالم إما أن يكون مصلحة، وإما ألا يكون، فإن كان يلزم تفويت المصالح، وإن لم يكن كان خلقه عريا عن المصالح، فالله تعالى، لا يجب أن يكون تصرفه ملزوما للمصالح، ولا تكون راعيتها واجبة، إذا تقرر عدم وجوب رعاية المصالح، فلا يجب في العقل أن الله تعالى يربط أحكامه بها، بل يجوز ذلك ونقيضه، فتبطل قاعدة الحسن والقبح العقليين، وغلط من فسره بالعقاب أو الذم أو غير ذلك، فإن المثوبات والعقوبات فرع ربط الأحكام بالمصالح والمفاسد، إذ العقوبات فرع العصيان، والعصيان فرع الأحكام، فافهم هذا الموضع، فأكثر الجماعة كإمام الحرمين في "البرهان" وغيره اعتمد على أن الحسن والقبح يرجع إلى تصرف الله تعالى في أمر مغيب عنا من الثواب والعقاب لا مدخل له في المصالح والمفاسد المتعلقة بنا، وليس كذلك، بل هم يقولون: إنما ترتب ذلك للمفاسد والمصالح، وذلك غيب عندهم، لأنه معلوم عندهم بالعقل وجوبه منجهة أنهم إذا علموا أن الفعل مشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة علموا أن اللهتعالى أناط بها المنع، ونفي عنها العقوبة، كل ذلك معلوم عندهم بالعقل، فتسقط كلمات الجماعة في الرد عليهم، وظهر أن ما ذكرته برهان على إبطال قولهم، وهو من قول الشافعي ﵁ إذا سلم القدرية العلم خصموا، أي: خصموا في جيمع هذه المسائل، ولذلك هذه الحجة ما نشأت إلا عن كون الله تعالى عالما بما في العالم من المصالح والحكم، ومع ذلك أخر خلقه آلافا من السنين.
وقوله: "إذا بينا فساد الحسن والقبح العقليين، فقد صح مذهبنا في أن شكر المنعم غير واجب عقلا، ولا حكم قبل الشرع، لكن أصحابنا سلموا الحسن والقبح العقليين، وأبطلوا المسألتين بعد التسليم".
стр. 291
يرد عليه أن هذا الكلام غير معقول من وجهين:
أحدهما: أن إذا سلمنا قاعدة الحسن والقبح، فقد سلمنا أن الأحكام مرتبطة بالمصالح الخالصة أو الراجحة، والمفاسد الخالصة أو الراجحة، وعلى هذا تكون الأحكام واقعة قبل الشرع ضرورة، ضرورة وقووع تلك المصالح والمفاسد قبل الشرع، وإذا كانت الاحكام واقعة قبل الشرع كان وجوب شكر المنعم ثابتا قبل الشرع، لأنه من جملة الأحكام، فعلم أنه متى سلمنا قاعدة الحسن والقبح فقد سلمنا المسألتين، فنزاعنا بعد ذلك في المسألتين نزاع فيما سلمناه، وذلك باطل، وإنما يحسن النزاع بعد التسليم في غير المسلم، وهذا بعضه بل كله، لأنا إذا قلنا: لا حكم للأشياء قبل الشرع لم يخل حكما من الاحكام، فلم يخل من الحسن والقبخ شيئا، والتقدير أنا سلمناه كله، فهذا من أفحش التناقض.
وثانيهما: أنا إذا بينا أنه لا حكم للأشياء قبل الشرع، فقد نفينا جميع الوجوبات، والتحريمات، والمندوبات، والمكروهات، والإباحات، ووجوب شكر المنعم من جملة الوجوبات، فيندرج في تلك المسألة، فلا معنى لجعلها مسألة أخرى، إذ هي فرد من أفرادها، وما بالنا حينئذ إذا جوزنا مثل هذا ألا نبين عدم وجوب اصلاة، مسألة أخرى، وكذلك وجوب الصوم وغير ذلك، فما وجه الاقتصار على نفي هذا الوجوب وحده؟
والجواب عن الأول: أنه النزاع من المعتزلة في قاعدة الحسن والقبح، في أن العقل هل له ولاية على أن يحكم بأن الله تعالى حكم بربط الأحكام بالمصالح والمفاسد أم لا؟ فنحن نمنع ذلك، ونقول: لم يحكم العقل إلا بجواز الربط، لا بالربط نفسه بناء على جواز تكليف ما لا يطالق، فيجوز أن يوجب الله تعالى علينا ويحرم من غير بعثة، وهم يقولون: بل أدركنا بالعقل أن الله تعالى يجب له لحكمته البالغة ألا يدع مفسدة في وقت من
стр. 292
الأوقات إلا حرمها، ويعاقب عليها، ولا مصلحة في وقت من الأوقات إلا أوجبها ويثبت عليها تحقيقا لكونه حكيما، ولوا ذلك لفاتت الحكمة من جانب الربوبية، وهو باطل، لاتفاق المسلمين على أن الله تعالى حكيم، فنحن حينئذ نسلم لهم أن العقل مولى على ذلك، ولا يلزم من تسليم الولاية على الحكم وقوع الحكم، لتوقف الحكم على مدرك يستنقد إليه، فنحن ننازع في المسألتين في وجود المستند، فلا يقع حكم قبل الشرع، لعدم المستند الذي لأجله يحكم العقل، لا لعدم ولايته على الحكم، ولذلك قلنا: لو وجب الشكر لوجب، إما لمصلحة أو لمفسدة إلى آخر التقسيم والاستدلال، فلم يبين إلا عدم المدرك، ولم ينازع في الولاية، فظهر حينئذ أن المسلم غير المتنازع فيه.
وعن الثاني: أن المسألة الثانية لم تتناول شكر المنعم.
وبيانه: أن معنى قولنا وقولهم في الأحكام قبل ورود الشرائع أن الأحكام تتبع المصالح، والمفاسد الكائنة في أنفس الأفعال، وذلك متحقق في كل فعل على حدثته وإن لم يلاحظ فيه غيره، وشكر المنعم الوجوب فيه بالنسبة إلى مناسبة وملاءمة بين فعل الشكر، وبين فعل المشكرو الذي هو الإحسان السابق في حق الشاكر فأحدهما غير الآخر.
وبيانه بالمثال: أنك إذا أنقضت غريقا من البحر كان تعيين الإنقاذ متضمنا لمصلحته، وهي حفظ حياته عليه، ثم إن كان الغريق أحسن إليك قبل ذلك حصلت ملاءمة أخرى بين الإنقاذ، وبين إحسانه السابق، ومن هذا الوجه كان الإنقاذ شكرا، وهذه الملاءمة الحاصلة بين الفعلين غير المصلحة التي هي في نفس الإنقاذ وهي حفظ حياته عليه، ولذلك أمكن وقوعها منفكة عن الشكر في حق من لم يحسن إليك، وقد يوجد الشكر منفكا عن المصلحة في نفس الفعل في حق من طلب منك فعلا عاريا عن المصلحة والمفسدة.
стр. 293
لاعتقاده أنه فيه مصلحة ومفسدة، فإنك إذا أطعته بفعل ذلك كان ذلك شكرا، وحصلت فيه الملاءمة بين إحسانه إليك، وبين ذلك الفعل مع عروه في نفسه عن المصالح، عكس الإنقاذ المتضمن للحياة في حق من لم يحسن إليك، وإذا أمكن انفكاك الشكر عن المصلحة في نفس الفعل، وانفكاك المصلحة في نفس الفعل عن الشكر، كان ضربين قطعا.
فقولنا: "لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع".
معناه: تابعة للمصالح والمفاسد في أنفس الأفعال، وبقيت الملاءمة التي هي الشكر الخارجة عن الفعل لم يتعرض لها، فيتعين أن يكونا مسألتين، واندفع الإشكالان بفضل الله تعالى وإلهامه لمقاصد العلماء وتحرير أقوالهم.
стр. 294
الفصل الثامن
في أن شكر المنعم غير واجب عقلا
وقالت المعتزلة بوجوبه عقلا.
لنا: النص والمعقول:
أما النص فقوله تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" [الإسراء: ١٥]
وقوله تعالى "رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" [النساء:١٦٥]
وأما المعقول، فهو أنه لو وجب، لوجب: إما لفائدة أو لا لفائدة، والقسمان باطلان فالقول بالوجوب باطل.
إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون لفائدة؛ لأن تلك الفائدة: إما أن تكون عائدة إلى المشكور، أو إلى غيره:
والأول باطل: لأن الله تعالى منزه عن جلب المنافع ودفع المضار.
والثاني باطل لأن الفائدة العائدة إلى الغير إما جلب المنفعة أو دفع المضرة لا جائز أن يكون ذلك لجلب المنفعة لثلاثة أوجه:
الأول أن جلب النفع غير واجب في العقل، فما يفضي إليه أولى ألا يجب.
الثاني أنه يمكن خلو الشكر عن جلب النفع لأن الشكر لما كان واجبا فإذن الواجب لا يقتضي شيئا آخر.
стр. 295
الثالث: أن الله تعالى قادر على إيصال كل المنافع بدون عمل الشكر فيكون توسيط هذا الشكر غير واجب عقلا.
ولا جائز أن يكون لدفع المضرة، لأنه إما أن يكون لدفع مضرة عاجلة، وهو باطل لأن الاشتغال بالشكر مضرة عاجلة فكيف يكون دفعا للمضرة العاجلة؟
وأما أن يكون لدفع مضرة آجلة، وهو باطل أيضا لأن القطع بحصول المضرة عند عدم الشكر إنما يمكن إذا كان المشكور يسره الشكر ويسوءه الكفران فأما من كان منزها عنهما فاستوى الشكر والكفران بالنسبة إليه فلا يمكن القطع بحصول العقاب على ترك الشكر بل احتمال العقاب على الشكر قائم من وجوه:
أحدها: أن الشاكر ملك المشكور فإقدامه على تصرف الشكر بغير إذنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه من غير ضرورة وهذا لا يجوز.
وثانيها: أن العبد إذا حاول مجازاة المولى على إنعامه عليه استحق التأديب والاشتغال بالشكر اشتغال المجازاة فوجب أن لا يجوز.
وثالثها: أن من أعطاه الملك العظيم كسرة من الخبز أو قطرة من الماء فاشتغل المنعم عليه في المحافل العظيمة يذكر تلك النعمة وشكرها استحق التأديب وكل نعم الدنيا بالقياس إلى خزانة الله تعالى أقل من تلك الكسرة بالقياس إلى خزانة ذلك الملك فلعل الشاكر يستحق العقاب بسبب شكره.
ورابعها: لعله لا يهتدي إلى الشكر اللائق فيأتي بغير اللائق فيستحق العقاب.
стр. 296
وإنما قلنا: إنه لا يمكن أن يجب لا لفائدة لوجهين:
الأول: أن ذلك عبث وأنه قبيح.
والثاني: أن المعقول من الوجوب ترتب الذم والعقاب على الترك فإذا فقد ذلك امتنع تحقق الوجوب.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال وجب الشكر لمجرد كونه شكرا وذلك لأن وجوب كل شيء لو كان لأجل شيء آخر لزم التسلسل فثبت أنه لا بد وأن ينتهي إلى ما يكون واجبا لذاته.
وعندنا الشكر واجب لنفس كونه شكرا كنا أن دفع الضرر عن النفس واجب لنفس كونه دفعا للضرر ولذلك فإن العقلاء يعلمون وجوبه عندما يعلمون كونه شكرا للنعمة وإن لم يعلموا جهة أخرى من جهات الوجوب.
نزلنا عن هذا المقام فلم لا يجوز أن يقال وجب الشكر عليه لدفع ضرر الخوف وذلك لأنه لا يجوز أن يكون خالقه طلب منه الشكر على ما أنعم به عليه فلو لم يقدم على الشكر كان مستوجبا للذم والعقاب.
أقصى ما في الباب أن يقال: كما يجوز هذا يجوز أيضا أن يكون قد منعه من الشكر لتلك الوجوه الأربعة المذكورة في الاستدلال لكن الظن الأول أغلب لأن المشتغل بالخدمة والمواظب على الشكر احسن حالا من المعرض عن الخدمة والمتغافل عن الشكر.
وأما تمثيل نعم الله بكسرة الخبز فليس بجيد لأن خلقه العبد واحياءه واقداره وما منحه من كمال العقل وتمكينه من أنواع النعم أعظم من جميع خزائن ملوك الدنيا ثم ما أكرمهم به بعد تمام هذه النعمة من بعثة الرسل اليهم وانزال كتبه عليهم.
стр. 297
وقد صرح داود وسليمان ﵉ بالشكر في قوله تعالى: "وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين" [النمل:١٥] وليس يجب إذا كان تعالى قادرا على أضعاف ما منحه عبيده من النعم أن يستحقر ما منحه إياهم كما أن الملك إذا أعطى قناطير ذهب فإنه لا يستحقر ذلك لأجل أن خزائنه بقيت مشتملة على أضعاف مضاعفة على ما أعطى.
سلمنا أن وجوبه ليس لفائدة زائدة فلم لا يجوز ذلك؟
قوله أنه عبث والعبث قبيح قلنا إنكم تنكرون القبح العقلي فكيف تمسكتم به في هذا الموضع؟
سلمنا أن ما ذكرتموه يوجب أن لا يجب الشكر عقلا لكنه يوجب أيضا أن لا يجب شرعا فإنه يقال إنه تعالى لو أوجبه لأوجبه إما لفائدة أو لا لفائدة ...
إلى آخر التقسيم ولما كان ذلك باطلا بالاتفاق فكذا ما ذكرتموه.
سلمنا صحة دليلكم ولكنه معارض بوجوه الأول أن وجوب شكر المنعم مقرر في بدائه العقول وما كان كذلك لم يكن الاستدلال على نقيضه قادحا فيه.
الثاني: هو أن من وصل إلى طريقين، وكان أحدهما آمنا، والآخر مخوفا، فإن العقل يقضي بسلوك الطريق الآمن دون المخوف، وها هنا الاشتغال بالشكر طريق آمن والاعراض عنه مخوف فكان الاشتغال بالشكر أولى.
الثالث: أنه لو لم يجب الشكر في العقل لم يجب طلب معرفة الله تعالى أيضا لأنه لا فرق في العقل بين البابين.
ولو لم يجب طلب معرفة الله تعالى في العقول لزم افحام الرسل والأنبياء،
стр. 298
لأنهم إذا أظهروا المعجزة، قال المدعوون لهم: لا يجب علينا النظر في معجزتكم إلا بالشرع ولا يستقر الشرع إلا بنظرنا في معجزتكم فإذا لم ننظر في معجزتكم ف لا نعرف وجوب ذلك علينا وذلك يقتضي إفحام الرسل.
والجواب: قولهم لم لا يجوز أن يجب لنفس كونه شكرا؟
قلنا: قولنا: " لو وجب الشكر لوجب إما لفائدة أولا لفائدة" تقسيم دائر بين النفي والاثبات فلا يحتمل الثالث ألبتة.
وأيضاف قولكم: "إنه وجب لكونه شكرا" معناه: أن كونه شكرا يقتضي ترتب الذم والعقاب على تركه وهذا داخل فيما ذكرناه، فلا يكون هذا قسما زائدا على ما ذكرناه.
قوله: إنه إنما يجب عليه دفعا لضرر الخوف:
قلنا: قد بينا أن الخوف حاصل في فعل الشكر، كما أنه حاصل في تركه، فإذا احتمل الخوف على الأمرين، كان البقاء على الترك بحكم استصحاب الحال أولى، فإن لم تثبت أولوية الترك فلا أقل من أن لا يثبت القطع بوجوب الفعل.
قوله: الاشتغال بالخدمة أولى:
قلنا: هذا مسلم في حق من يفرح بالخدمة، ويتأذى بالإعراض، أما في حق من لا يجوز الفرح والغم عليه فمحال وأيضا فمثل هذا الترجيح لا يفيد إلا الظن.
قوله: لا يجوز تشبيه نعم الله تعالى بكسرة الخبز:
стр. 299
قلنا التشبيه واقع في النسبة لا في المقدار ونحن لا نشك أن جميع نعم الدنيا بالإضافة إلى خزائن الله تعالى أقل من الكسرة بالإضافة إلى ملوك الدنيا.
قوله الحكم بكون العبث قبيحا لا يصح إلا مع القول بالقبح العقلي وأنت لا تقول به؟
قلنا قد ذكرنا أصحابنا إنما تكلموا في هذه المسألة بعد تسليم القبح العقلي ليثبتوا أن كلام المعتزلة ساقط في هذا الفرع مع تسليم ذلك الأصل وإذا كان المقصود ذلك لم يكن ما قالوه قادحا في كلامنا.
قوله هذا يقتضي أن لا يحسن ايجاب الشكر من الله تعالى:
قلنا: غرضنا من الدليل الذي ذكرناه بيان أنه لو صح التحسين والتقبيح العقلي لما أمكن القول بايجاب الشكر لا عقلا ولا شرعا وقد ثبت لنا ذلك.
بقي أن يقال فأنتم كيف أوجبتموه شرعا؟
قلنا: لأن من مذهبنا أن أحكام الله تعالى وأفعاله لا تعلل بالأغراض فله بحكم المالكية أن يوجب ما شاء على من شاء من غير فائدة ومنفعة أصلا
وهذا مما لا يتمكن الخصم من القول به فسقط السؤال.
أما قوله: وجوب الشكر معلوم بالضرورة:
قلنا: في حق من يسره الشكر ويسوءه الكفران أما في حق من لا يكون كذلك فلا نسلم.
فإن قلت بل وجوبه على الاطلاق معلوم بالضرورة وأنت مكابر في ذلك الإنكار:
стр. 300
قلت أحلف بالله تعالى وبالايمان التي لا مخارج منها أني راجعت عقلي وذهني وطرحت الهوى والتعصب فلم أجد عقلي قاطعا بذلك في حق من لا يصح عليه النفع والضرر بل ولا ظانا فإن كذبتمونا في ذلك كان ذلك لجاجا ولم تسلموا من المقابلة بمثله أيضا.
وأما قوله: ترجيح الطريق الآمن على المخوف من لوازم العقل:
قلنا: نعم لكنا بينا أن كلا الطرفين مخوف فوجب التوقف.
قوله إنه يفضي إلى إفحام الأنبياء:
قلنا العلم بوجوب الفكر والنظر ليس ضروريا بل نظريا فللمدعو أن يقول إنما يجب علي النظر في معجزتك لو نظرت فعرفت وجوب النظر لكني لا أنظر في أنه هل يجب النظر علي وإذا لم أنظر فيه لا أعرف وجوب النظر في معجزتك فيلزم الإفحام.
فإن قلت بل أعرف بضرورة العقل وجوب النظر عليَّ:
قلت: هذا مكابرة لأن العلم بوجوب النظر علي يتوقف على العلم بأن النظر في هذه الأمور الإلهية يفيد العلم وذلك ليس بضروري بل نظري خفي فإن كثيرا من الفلاسفة قالوا إن فكرة العقل تفيد اليقين في الهندسيات والحسابيات فأما في الأمور الإلهية فلا تفيد إلا الظن.
ثم بتقدير أن يثبت كونه مفيدا للعلم فإنما يجب الإتيان به لو عرف أن غيره لا يقوم مقامه في إفادة العلم وذلك ما لا سبيل إليه إلا بالنظر الدقيق وإذا كان العلم بوجوب النظر موقوفا على ذينك المقامين النظريين فالموقوف
стр. 301
على النظري أولي أن يكون نظريا وإذا كان كذلك كان العلم بوجوب النظر نظريا لا ضروريا وحينئذ يتحقق الإلزام فكل ما يجعله الخصم جوابا عن ذلك فهو جوابنا عما ذكروه وبالله التوفيق.
قال القرافي: قوله: ((الفصل الثامن شكر المنعم غير واجب ...)) إلى آخر الفصل، ولنقدم أبحاثا ثلاثة:
المبحث الأول
في بيان حقيقة الشكر ما هو؟ فإن التصديق فرع التصور، فأقول: شكر الله تعالى طاعته بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ولذلك لما يقيل لرسول الله ﷺ لما قام حتى تورمت قدما:"أفتفعل ذلك وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ألا أكون عبدا شكورا "، فسمى صلاته شكرا، وهي قول، وفعل، واعتقاد، وقال الله تعالى:"اعملوا آل داود شكرا " [سبأ:١٣] فجعل جملة شريعتم شكرا، وقال الشاعر: [الطويل]:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
إشارة إلى الثلاثة القول باللسان والفعل باليد والولاء والوداد والاعتقاد بالضمير وهو القلب، فكل ما لله تعالى فيه طلب، ففعله طاعة إن طلب فعله أو تركه طاعة إن طلب تركه، لأن العبد مطيع بجميع ذلك،
стр. 302
ومتقرب به إلى الله تعالى، فيكون فعل جميع الواجبات والمندوبات، وترك جميع المحرمات والمكروهات شكرا لله تعالى كانت في الأفعال، والأقوال أو الاعتقادات، لكن أعظم مراتب الشكر الإيمان، ومعرفة الله تعالى، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، كما قال ﵇: "الإيمان خمس وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ".
ويظهر بهذا أن الشكر أعم من الحمد من وجه، وأخص من وجه، لأن الحمد هو الثناء بالقول الجميل، فقد يوجد ولا شكر إذا فعلته في حق من لم يحسن إليك، ويوجد الشكر بدون الحمد إذا وقع بالفعل والاعتقاد، ويجتمعان معا إذا أثنيت على المحسن إليك.
المبحث الثاني
إذا تقرر هذا، فظهر أن شكر الله تعالى غير واجب بالإجماع، لأن المركب من الواجبات والمندوبات غير واجب، بل الواجب جزء هذا المجموع لا كله، فعلى هذا إذا قيل: الشرك غير واجب إجماعا صح باعتبار
стр. 303
المجموع لا باعتبار كل فرد من أفراده، فيتعين تحرير الدعوى، ولا يؤتى بلفظ يوهم إيجاب المجموع من حيث هو مجموع.
المبحث الثالث
في تحقيق المتنازع فيه بيننا وبينهم ، وهو قبل الشرع وبعده، أما قبل اشرع فننازعهم في الحكم والمدرك، فلا وجوب عندنا، ولا العقل يقضي ولا شرع حينئذ.
وأما بعد الشرع فنساعد على الحكم، ونسلم أن المدرك الشرع، وننازع أنه رادف العقل بل انفرد بنفسه، وهم يقولون: اجتمع بعد ورود الشرع السمع والعقل، ولم يختص السمع بذلك.
وننازعهم بعد الشرع في طرف آخر، وهو أن إيجابه عندهم بعد الشرع، وقبله عقلى واجب لازم في حق الله تعالى، وعندنا إنما أوجبه على سبيل التفضل منه ، فهذه ثلاثة أطراف وقع فيها النزاع، طرف قبل الشرع وطرفان بعد الشرع.
ثم يقول: استدلاله بالنص غير متجه، فإنه لا يلزم من سلب التعذيب عدم التكليف، فجاز أن يكون التكليف ثابتا قبل البعثة، وقد اطاعوا بفعل المكلف به، أو لم يفعلوا، وتأخر العذاب إلى بعد البعثة كما يتأخر بعد البعثة إلى يوم القيامة، فلا يلزم من عدم الغذاب عدم التكيلف بوجوب الشكر، بل يحتاج في تقرير النص إلى مقدمتين:
إحداهما: أن يقول: لو وقع الوجوب قبل البعثة لتركوا عملا بالغالب.
стр. 304
فإن الغالب على الناس المخالفة بشهادة الاستقراء بعد البعثة، قال الله تعالى: ((وما وجدنا لأكثرهم من عهد))، و ((إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله))، ((وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)).
وثانيهما: أنهم لو تركوا لعوقبوا عملا بالأصل؛ لأن ترك الواجب سبب العقوبة، والأصل ترتب المسببات على أسبابها، فينتظم هذا القياس لو كلفوا لتركوا، ولو تركوا لعوبقوا، لكنهم لم يعاقبوا لقوله تعالى: ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا))، فيكون لازم اللازم للتكليف منفيا، فيكون التكليف منفيا، ومتى أهملت هاتان المقدمتان، أو إحداهما لم يتجه الاستدلال بالنص، فيرد عليه خمسة أسئلة:
الأول: أن الفعل حقيقة في حق مباشر الفعل، ومجازا في نسبته للآمر به، نحو: قطع السلطان اللص، وبني القلعة، أي: أمر بذلك، وهو مجاز بالنص، وكذلك في مورد النفي إنما يحمل على نفي الحقيقة، فإذا قلنا: ما قام زيد، فمحمله على نفي القيام الحقيقي، فيحمل نفي العذاب في الآية على نفي التعذيب الذي صدر عن مجرد قدرته - تعالى - من غير أن يأمر به ملكا أو غيره؛ لأنه المباشرة في حقه تعالى، فينفي من العذاب ما يقطع بطريق أمره به تعالى، كخسف مدائن لوط وغير ذلك، كما أمر الله تعالى به الملائكة أو غيرهم، فلا يكون مطلق العذاب منفيا، فلا يلزم نفي التكليف.
الثاني: سلمنا سموله للنوعين، لكن لا نسلم أن النكرة إذا كانت في سياق النفي تعم مطلقا، وإنما تعم إذا كانت في أسماء خاصة، فقد قال الجرجاني في أول ((شرح الإيضاح)): إذا قلت: ما جاءني رجل، لا
стр. 305
يعم ذلك حتى تقول: ما جاءني من رجل، بخلاف قوله: ما جاءني أحد، يعم من غير من.
وقال صاحب الكشاف في قوله تعالى: ((ما لكم نم إله إيره)) وفي قوله تعالى "وما تأتيهم من آية نم آيات ربهم" أن العموم لم يحصل إلا من صيغة "من".
стр. 306
ولو قال مالكم إله أو ما تأيتهم آية لم تعم، فعلمنا حينئذ ان النكرة لا تعم كيف كانت، فلم قلتم: إن "معذبين" من الصيغ التي تعم نكراتها في النفي؟
الثثالث: "ما"موضوعة لنفي الحال مع "ليس"كما أن "لم، ولما" موضوعان لنفي الماصي، و"لا" و"لن"لنفي المستقبل، وكان صيغة مضى، فيتعين أن يكون هذا لالفظ حكاية حال ماصية، وزمن هذه الحال لم يتعين، فلا يتعين هذا السلب العام من هذا الوجه أيضا.
الرابع: سلمنا العموم مطلقا، لكن العام في أفراد ماهية المطلق في أحوالها وزمانها، وبقاعها ومتعلقاتها، فإذا قال الإنسان: لا علم لي، هذا عام في نفي جميع أفراد علمه، غير أنه يحسن تقييده بمجيء زيد فلو قلال: أردت ذلك، لم يصر لفظه مجازا بهذا التقييد، بخلاف لو قال: أردت نفي بعض أفراد العلم دون بعض، كان من مجاز التخصيص، فتكون الصغية عامة في نفي افراد التعذيب مطلقة في متعلق التعذيب، فلعله على شيء معين، فما تعين نفي التعذيب على كل شيء، فلا يلزم نفي التكليف.
الخامس: سلمنا عمومه في أفراد التعذيب، وفي متعلقه لكن قوله تعالى: "حتى نبعث رسلوا" يقتضي مفهمه أنه يعذب حينئذ، لأن ما بعد الغاية يقتضي أن يثبت فيه نقيض ما قبلها، فنجزم بوقوع التعذيب بعد البعثة، لكن لم تصرح الآية بأن هذا التعذيب لما سبق، ولا لما يأتي، ولا لما هو خاضر فلعله للماضي، فلا يلزم نفي التكليف في الماضي، بل نقول: اللفظ يقتضي أن التعذيب لأجل الماضي، لأن المفهوم هو نقيض
стр. 307
المنطوق، والمنطوق عند الخصم هو سلب التعذيب في الماضي، ونقيض قولنا: ما نعذب عن الماضي نعذب على الماضي، لأنه لا تناقض بين عدم التعذيب في الماضي، والتعذيب في المستقبل، ولما كان المفعوهم نقيض المنطوق تعين صرفه للماضي عملا بالتناقض، فتصير الآية دالة على وجوب شكر المنعم قبل الشرائع، والخصم يريد أن يستدل بها على عدمه، بل هي مقتضية لنقيض مطلوبه، فتأمل ذلك، وكذلك قوله تعالى: "لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل".
معناه: أن حجة الخلق تنتفي بعد البعثة، ولكن هل باعتبار ما مضى أو باعتبار المستقبل، فلعل المعتزلي يقول: إذا حصلت البعثة تأكد أن العقل على الصواب في رعاية المصالح، والمفاسد لورود السمع بها، فقامت الحجة لله تعالى وسقطت حجة الخلق، فإن تضافر الأدلة من المعقول والمنقول مما يقطع العذر، ويحسم المادة.
وقوله في المعقول: لا تعود الفائدة على المشكور لتنزه الله تعالى عن جلب المنافع، لا يتم مع المعتزلة، فإن عدتهم تقتضي أن الله تعالى حكيم، وحكمته البالغة تقتضي أن من كماله رعاية المصالح، وأن عندم مراعاتها مخل بالكمال الإلهي، وإذا راعاها حصل الكمال الإلهي، ولا شك أن كمال الله تعالى عائد لجلاله وذاته، ولا يمكن أن يقال: هو منزه عنه، بل ثبوت هذا له عندهم كثبوت العلم، والقدرة وغيرهما من صفات الكمال، وترك هذا التنزيه عندهم تنزيه.
وقوله: "جلب المنفعة غير واجب في العقل " ممنوع، بل المنافع منها ضروري كحفظ الأعراض عن الثلم الفاحش، والنفس عن الهلاك، والعافية عن العذاب، وتحصيل أسباب البغال الكثيرة والمنازل العالبية، والثياب اللينة والزوجات الجميلة، هذا لا يوجبه العقل، فظهر أن ما ذكره ليس على عمومه، فلعل المنفعة التي جيب الشكر لها من قبل ما يوجبه العقل.
стр. 308
وقوله: "أداء الواجب لا يقتضي شيئ آخر " ممنوع عندهم، لأن الآتي بالواجب محقق لمصلحته، والمحقق للمصالح تجب مكافأته، ولذلك يوجبون على الله تعالى مجازاة المحسنين.
وقوله: " الله تعالى قادر على إيصال كل المنافع بدون هذا الشكر " ممنوع عندهم، فإن من قواعدهم الفاسدة أن الإحسان لغير المحسن محال على الله تعالى؛ لأنه سبقه فيستحيل تعلق القدرة به، فيمنعون أنه تعالى قادر على خلق ما علم عدمه، أو قدره أو أخبر عن عدمه، لأنه ممتنع لغيره، وإن كان ممكنا في ذاته، وكذلك المانع عندهم ممكنة لذاتها، ممتنعة عند عدم سبب استحقاقها من جهة العبد.
وقوله: "الإشتغال بالشكر مضرة عاجلة، فلا يكون دافعا للمضرة العاجلة " باطل قطعا، فإن قطع الأيدي المتآكلة، وسقى الأدوية الكريهة، والبط والحجامة، وغير ذلك مضرات عاجلة، وهي دافعة لمضرات عاجلة، لكنها لما كانت أعظم من الدافعة لها حسن فعل الدافعة الدنيا لدفع المدفعوعة العليا.
وقوله: القط بالمضرة الآجلة أنها تكون عند من يسره الشكر، ويسوؤه الكفران هم يمنعون هذا الحصر، ويقولون لوجوب الشكر سببان:
أحدهما: ما ذكره من المسرة والمساءة.
والثاني: كون المشكور ملكا حكيما مبالغا في الحكمة يرى في حكمته ألا يتصف عباده بترك الأدب والشكر، وإن كان ذلك الملك لا يلتذ بذلك، بل يفعله؛ لأنها صفة كمال، حتى أن الحكماء يفعلون ما يؤلم طباعهم،
стр. 309
ويسوؤها لاشتمالها على الحكمة لا للذة، فكثير من الحكماء يترك ملاذ النساء، وفضول الكلام وكثيرا مما يميل إليه طبعه، ويلتزم في ذلك مشاقا طبعية ليس إلا للحكمة ليوفيها حقها، والله تعالى عندهم في أقضى الغايات من الحكمة، فهو أولى بأن يوجب مكافأة المحسن على إحسانه لما فيه من الحكمة، لا ليوقع لذة ولا نفرة، فالحصر غير ثابت.
قوله: "قلنا غرضنا من الدليل أنه لو صح الحسن والقبح العقليان لما أمكن القول بإيجاب الشكر من الله تعالى لا عقلا، ولا سمعا ".
هذا الموضوع في غاية الإشكال، وعسر التقرير وبان المراد منه، ظاهره يقتضي أنه ادعى بطلان مذهبه، على تقرير صحة مذهبهم في الحسن والقبح، فيكون معنى كلامه لو صح مذهبكم لبطل مذهبنا بالوجبوب في الشرع، وهذا لا يسوء الخصم بل يسره، ثم إن الخصم التزم وجوب عدم وجوب الشكر شرعا لعدم وجوبه عقلا، وهو جعل عدم وجوب الشكر عقلا، وشرعا لازما للحسن والقبح، فلم يظهر أنه وارد على الكلام الأول.
ووجه تقرير كلامه: أنه قال في أصل دليله: لو وجب الشكر لوجوب إما لفائدة، أو لا لفائدة، والقسمان باطلان، فلا يجب، والمقدر وجوبه، فيلزم ألا لا يجب على تقدير وجوبه، فيجتمع النقيضان على هذا التقدير، وهو تقدير الوجوب عالعقلي، فيكون الواجوب العقلي ملزما لاجتماع النقيضين، وهو الوجوب العقلي محالا، وهو مقصوده، وهكذا ينبغي لك أن تفهم، حيث سمعمت في مسألة لو كان لما كان أن معناه أن هذا المذهب في تلك المسألة متى فرض واقعا اجتمع النقيضان، من لزوم عدم وقوعه على تقدير فرض وقوعه، وكذلك إذا قال القائل: لو صح بيع الغائب على الصفة لما صح؛ لأنه لو صح لكان مساويا للمرئي في مصلحة
стр. 310
الصحة، لكنه غير مساو، فلا يصح على تقدير صحته، فيجمتع النقيضان على تقدير القول بصحته، وتتبين المقدمات بطرقها الفقهية، وكذلك في كل مسألة من هذا النمط، هذا هو المتحصل من هذا الاستدلال فيها على هذا الوجه، فهو -أعني الإمام- بين أن مذهب المعتزلة ملزو لاجتمع النقيضين من جهة وقوع عدم الوجوب على تقدير الوجوب جاء السائ من جهة المعتزلة.
قال: ويلزم أيضا على هذا التقدير اجتماع النقيضين من جهة عدم الوجوب بالسمع، مع أن الواقع الوجوب السمعي، فجعل هذا لازما آخر لذلك التقدير، فقال له الإمام: هذا هو غرضنا أن يكون هذا التقدير الذي هو الوجوب العقلي ملزما لألف محال أنا بينت محالا لازما له، وأنت بينت محالا آخر، فلا يقدح ذلك في غرضي، فإنه كلما كثرت اللوازم المحالة للتقدير كان ذلك أبلغ في بطلانه، فالمعتزلة ساعدونا بهذا السؤال، ولم يقدحوا في غرضنا فلذلك قال: مرادي أنه لا يثبت الوجوب العقلي، ولا السمعي على هذا التقدير، فيجتمع النقيضان في العقلي، وفي السمعي معا، لان السمعي واقع إجماعا، والعقلي واقع بالفرض، فعدم الوقوع فيهما يقتضي إجتماع النقيضين في كل واحد منهما، وهذا التقدير مبني على قاعدة ينبغي أن يتفطن لها، وهو أنه متى فرض تقدير، وذكر دليل، فهو على ذلك التقدير، وجميع ما يرد عليه سؤال وجواب هو على ذلك التقدير إلى أن ينفصل البحث في ذلك الدليل، فلهذه القاعدة كان النقيضان مجتمعين في العقلي والشرعي على هذا التقدير، وكان هذا ملزوما للمحالين، فلا جرم لم يخل ذلك بغرض المستدل الأول، وكذلك في جميع مسائل الخلاف في الفقه والأصول، فاعلم ذلك.
فإن قلت: إن فرضنا الخصم ردد في نفس الأمر لا على هذا التقدير، فما يكون جوابنا عن النكتة التي ذكرها المستدل؟ وأي الأقسام يلتزم، وكيف يظهر الفرق؟
стр. 311
قلت: نحن كنا نبحث مع المعتزلة على تقديرين:
أولهما: تسليم قاعدة الحسن والقبح قبل الشروع في هذه المسألة.
وثاثنهما: تقدير الوجوب في شكر المنعم عقلا، فلا جزم ألزمنا في التقدير الثاني العبث على تقدير الوجوب لا لفائده، لأن التقديرين اللذين كنا نبحث عليهما أحدهما مصحة الحسن والقبح العقليين، أما إذا ردد السائل في نفس الأمر، فقد خلصنا عمن التقديرين، ولمن نكن حينئذ معتزلة، بسبب تسليم قاعدة الحسن والقبح، ونكون حينئذ اشعرية أهل سنة، لأن حاصله أنه مفسر بعدم رعاية المصالح، وهذا هو عين مذهبنا، فيثبت الوجوب الشرعي ولا يثبت الوجوب العقلي، واستقام قول الإمام: لو ثبت الحسن والقبح العقليان لما ثبت الوجوب العقلي، ولا الشرعي في الشكر، وذكر الحسن والقبح، ولم يذكر وجوب الشكر عقلا، لأن كليهما مقدر الحسن مقدر التسليم، والشرك مقدم الوجوب، فلما كان يحبث على التقديرين صح ان يذكر أحدهما وسكت عن الآخر؛ لان جميع ما يلزم يلزم التقديرين، فلا فرق بين ذكرهما وذكر أحدهما، وظهر بهذا التقدير بطلان قول من يقول: إن الإمام غير دعواه، وأنه انتقل إلى تفسر آخر لم يتعرض له في أصل الديل، بل الإمام لم يتغير بحث ألبتة، وما برح على نمط واحد.
قوله: "العلم بوجوب النظر ليس ضروريا ".
تقريره: أن العقل إذا أوجب النظر إنما يوجبه إيجاب الوسائل لا إيجاب المقاصد، لأن النظر إنا هو وسيلة لتحصيل العلم، وا, الظن بالمنظور فيه، فلا بد أن يثبت عند العقل أنه وسيلة لذلك، فقد قال السمنية: إنه لا يفيد أصلا في الإلهيات، فلا بد من النظر في تحقيق كونه وسيلة في الجواب عن شبههم، وهومقام نظري، وإذا ثبت أنه وسيلة فلا بد أن يثبت انحصار
стр. 312
الوسائل فيه، لا، المقصد متى كان له وسيلتان فأكثر لم تجب أحدهما عينا، لا عقلا ولا شرعا، كما لو كان للجامع طريقان مستويان لا جيب سلوك أحدهما عينا وقد قال أرباب الرياضيات: إن تصفية الباطن، لزوم الخلوات وإصلاح الأغذية وإخلاء البواطن من الفكر يوجب حصول العلم بطريق الشطح وغيره، فهذا طريق آخر، ووسيلة ثانية لتحصيل العلوم، فلا يتمكن العقل من وجوب النظر عينا حتى يثبت عنده إبطال هذه الوسيلة، وهو عسر، فحينئذ بإيجب العقل للنظر وسيلة تتوقف على أنظر في هذين المقامين النظريين، فيقول العقل: لا أنظر حتى يجب علي النظر، ولا يجب علي النظر حتى أنظر في هذين المقامين، ولا أنظر فيهما حتى يجب علي النظر فيلزما لدور، وإقحام الرسل إذا أوجبنا النظر عقلا
стр. 313
كما ألزمتمونا إياه في إيجابه سمعا، فهذا جواب إلزامي، وللأصحاب جوابان آخران صحيحان:
стр. 314
أحدهما: أن الوجوب السمعي عند القائلين به، وهم أهل الحق لم يوقفوه على ثبوت النبوة، بل على مجرد التمكن من النظر في لمعجزة فقط، وكذلك وجوب النظر المقضي إلىمعرفي الله تعلى [لا يتوقف عل معرفة الله تعالى] بل التمكن من ذلك كاف كما نقله صاحب
стр. 315
البرهان، وصاحب المستصفى، وصاحب "الأحكام" عن أهل السنة، فتوقف وجوب النظر على ثبوت النبوة لم يقل به أحد من الفرق.
أما عند المعتزلة فسابق على ذلك لثبوته بالعقل، وأما عندنا فيكفي التمكن، حتى لو أعرض الناس عن الأنبياء، وقالوا: لاننظر حتى ماتوا على ذلك، ماتوا كفارا يتسحقون الخلود في النيران وغضب الديان، وكذلك أجمع المسلمون على تكفير من لم يؤمن برسول الله ﷺ وإن كان أكثرهم لم يقصد النظر في معجزته ﵇، ولا خطر بباله ذلك، لا سيما عوام الكافر وجهالهم من النسوان، ولابلهان وغيرهم، وهم كفرة إجماعا ما سببه إلا أنهم متمكنون من النظر، فتركوا مع الإمكان.
وثانيهما: أن الإفحام غير لازم على تقدير انحصار المدرك في السمع، بل ولو انتقى المدرك سمعا وعقلا، لأن الله تعالى طبع البشر على النظر في الغرائب، وخوارق العادات، سواء حثهم العقل او السمع عليه أم لا، بل لونهاهم العقل والسمع لعصوهما، وذهبت منهم طائفة لقضاء شهواتهم في الاطلاع على ذلك المستغرب، كما عملوا ذلك في كثير من أهويتهم التي نهى الشرع عنها، والعقل عند المعتزلة، فلو ظهرت امرأة لها عشرة رؤوس، ومائة عين، وهي تظهر العجائب من الخوارق، ونادى ملك المدينة لا يجتمع أحد لذهب جماعة من أهل الجسارة والجهلة إليها، واجتمعوا بها، واطلعوا عى عجائبها، مع أنها أجنبية عنهم، فهذا منهي عنه شرعا وعقلا
стр. 316
وسلطنة، ومع ذلك فلا بد وأن يقع إجراء الله تعالى العادة بذلك في خلقه، فظهر أن الإفحام غير لازم على كل تقدير ألبتة، مع أن هذه النكتة نحن نلتزم بجملتها، فإن اللازم عن جواز الإفحام إضلال الخلق وتعب خواطر الأنبياء، وذلك نحن نجوزه كله، فيجوز على الله تعالى أن يضل الخلق أجمعين، وأن يهديهم أجمعين، وأن يعذبهم أجمعين، وأ، ينعمهم أجميعن: "لايُسأل عما يفعل وهم يسألون "، فهذه النكتة ليس فيها حاصل ألبتة للمعتزلة، "وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا".
زاد صاحب ((الحاصل)) أن الشكر، ومعرفة الله - تعالى - متلازمان إجماعا.
وقال الإمام في "المحصول": "لافرق بينهما في العقل "، ولم يذكر الإجماع.
ووجه الإجماع في التلازم أن من قال بوجوب الشكر عقلا قال بوجوب المعرفة عقلا، ومن قال بعدم وجوبه قال بعدم وجوب الآخر، فلم يفرق أحد بينهما، فحصلت الملازمة بالإجماع، وهو معنى قول "المحصول ":
"لافرق بينهما في العقل " أي عند الفريقين.
وزاد ((الحاصل)) لفظة أخرى، ويه قوله: فيلزم إفحام العقل، ولم يقله في "المحصول"، وهو غير سديد، لأن العقل لا ينفحم حينئذ، بل إذا قال: لا يجب علي النظر حتى أنظر، ولا نظر حتى يجب علي النظر للازم عن هذا أن العقل لا يقضي بوجبوب النظر، وكونه لا يقضي بوجبو النظر ليس بإفحام له، ولا يتأذى بذلك بخلاف الرسل ينفحمون بعدم حصول مطلوبهم من أممهم، وله توجيه، وهو أن البحث في الدور العقلي وقع على تقدير أن وجوب النظر عقلي، فيلزم صدق قولنا لو وجب عقلا لما وجب
стр. 317
عقلا للزوم الدور، فيلزم اجتماع النقيضين في العقل، فعبر عن هذا الدقر من المحال العقلي بالإفحام هذا غايته.
وزاد التبريزي: فإن ألزمونا عدم وجوب الشكر شرعا بمقتضى المجازاة قلنا: هو غير لازم؛ لأن الشرع يستقل بما لا يستقل به العقل، فيجب التوقف إلى ورود الشرع، كما في آحاد الشكر، ومعناه إن ألزمونا ذلك على تقدير تسليمنا لهم الحسن والقبح.
قلنا على هذا التقدير: الشرع يحيط بجزئيات من المصالح لايحيط بها العقل، كما في أنواع العبادات ومقاديراها، وتنوع أسبابها، فإن العقل لم يهتد لجملة ذلك، فيجب التوقف حتى يردا لمطلع الأعظم، فعلعه يرد بما لم يدركه العقل.
وهذا الكلام مندفع عن المعتزلة من جهة أنهم لا يسلمون التوقف إلا فيما لم يشد العقل فيه بشيء، أما أصل الشكر فقضى فيه العقل بمصالح ضرورية عندهم والشرع من المستحيل عند الكل أن يرد بما يخالف العقل، فلا معنى للتوقف، بخلاف آحاد الشكر، فلا يتم جوابه، بل جواب المحصول كما تقدم تقريره هو الصواب على هذا التقدير.
((فائدة))
قال سيف الدين: الشرك عند الخصوم ليس معرفة الله تعالى ؛ لأن الشكر فرعها، بل إتعاب النفس بفعل المستحسنات العقلية، وترك المستقبحات العقلية.
قال صاحب "البرهان": وهو عندهم ليس من الضروريات، بل النظريات.
стр. 318
الفصل التاسع
في حكم الأشياء قبل الشرع
انتفاع المكلف بما ينتفع به إما أن يكون اضطراريا كالتنفس في الهواء وغيره وذلك لا بد من القطع بأنه غير ممنوع عنه إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق
وإما أن لا يكون اضطراريا كأكل الفواكه وغيرها
فعند المعتزلة البصرية وطائفة من فقهاء الشافعية والحنفية أنها على الإباحة
وعند المعتزلة البغدادية وطائفة من الإمامية وأبي علي بن أبي هريرة من فقهاء الشافعية أنها على الحظر
وعند أبي الحسن الأشعري وأبي بكر الصيرفي وطائفة من الفقهاء أنها على الوقف
وهذا الوقف تارة يفسر بأنه لا حكم وهذا لا يكون وقفا بل قطعا بعدم الحكم
وتارة بأنا لا ندري هل هناك حكم أم لا وإن كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر
لنا
أن قبل الشرع ما ورد خطاب الشرع فوجب أن لا يثبت شيء من الأحكام لما ثبت أن هذه الأحكام لا تثبت إلا بالشرع
أما القائلون بالاباحة فقد تمسكوا بأمور ثلاثة
الأول ما اعتمد عليه أبو الحسين البصري وهو أن تناول الفاكهة مثلا منفعة خالية عن أمارات المفسدة ولا مضرة فيه على المالك فوجب القطع
стр. 319
بحسنه، أما أنه منفعة فلا شك فيه وأما أنه خال عن امارات المفسدة فلأن الكلام فيما إذا كان كذلك
وأما أنه لا ضرر فيه على المالك فظاهر وأما أنه متى كان كذلك حسن الانتفاع به فلأنه يحسن منا الاستظلال بحائط غيرنا والنظر في مرآته والتقاط ما تناثر من حب غلته من غير إذنه إذا خلا عن أمارات المفسدة وإنما حسن ذلك لكونه منفعة خالية عن أمارات المفسدة غير مضرة بالمالك لأن العلم بالحسن دائر مع العلم بهذه الأوصاف وجودا وعدما وذلك دليل العلية
وهذه المعاني قائمة في مسألتنا فوجد الجزم بالحسن
فإن قلت هب أنكم لم تعلموا فيه مفسدة ولكن احتمال مفسدة لا تعلمونها قائم فلم لا يكون ذلك كافيا في القبح قلت هذا مدفوع من وجهين
الأول أن العبرة في قبح التصرف بالمفسدة المستندة إلى الأمارة فأما المفسدة الخالية عن الأمارة فلا عبرة بها ألا تراهم يلومون من قام من تحت حائط لا ميل فيه لجواز سقوطه ولا يلومونه إذا كان الجدار مائلا ويلومون من امتنع عن أكل طعام شهي لتجويز كونه مسموما من غير أمارة ولا يلومونه على الامتناع عند قيام أمارة فعلمنا أن مجرد الاحتمال لا يمنع
الثاني لو قبح الإقدام لتجويز كونه مفسدة لقبح الاحجام عنه لتجويد كونه مصلحة وفيه وجوب الانفكاك عن كل واحد منهما وهو تكليف ما لا يطاق
الوجه الثاني في أصل المسألة أن الله تعالى خلق الطعوم في الأجسام مع إمكان أن لا يخلقها فيها وذلك يقتضي أن يكون له تعالى فيها غرض يخصها،
стр. 320
وإلا كان عبثا ويستحيل أن يعود الغرض إلى الله تعالى لامتناع ذلك عليه فلا بد وأن يكون الغرض عائدا إلى غيره
فأما أن يكون الغرض هو الإضرار أو الإنفاع أو لا هذا ولا ذلك
والأول باطل أما أولا فباتفاق العقلاء وأما ثانيا فلأنه لا يحصل الضرر إلا بإدراكها فإذا كان الضرر مقصودا والإدراك من لوازم الضرر كان مأذونا فيه لأن لازم المطلوب مطلوب
ولا يجوز أن يكون الغرض أمرا وراء الإضرار والإنفاع لأنه باطل بالاتفاق
فثبت أن الغرض هو الإنفاع وذلك الإنفاع لا يعقل إلا على أحد ثلاثة أوجه
إما بأن يدركها وإما بأن يجتنبها لكون تناولها مفسدة يستحق الثواب باجتنابها وإما بأن يستدل بها
وفي كل ذلك إباحة إدراكها لأنه إنما يستحق الثواب بتجنبها إذا دعت النفس إلى إدراكها وفيه تقدم إدراكها وإنما يستدل بها إذا عرفت والمعرفة بها موقوفة على إدراكها لأن الله تعالى لم يخلق فينا المعرفة بها من دون الإدراك
فصح أنه لا فائدة بها إلا إباحة الانتفاع بها الوجه الثالث أنه يحسن من العقلاء التنفس في الهواء وأن يدخلوا منه أكثر مما تحتاج إليه الحياة ومن رام أن لا يزيد على قدر ما يحتاج إليه عده العقلاء من المجانين والعلة في حسنه أنه انتفاع لا نعلم فيه مفسدة وهي قائمة في مسألتنا وهذه الدلالة هي عين الدلالة الأولى واستنشاق الهواء مثال ذلك.
следующие страницы →