← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

بيانه: أن من الجائز أن يتفق في بعض الأزمنة وجود قوم يستنكفون عن طاعة الغير، ويعلم الله تعالى منهم أنه متى نصب لهم رئيسًا، قصدوه بالقتل، وإثارة الفتن العظيمة، وإذا لم ينصب لهم رئيسًا، فإنهم لا يقدمون على القبائح، ولا يتركون الواجبات، فيكون نصب الرئيس في ذلك الوقت مفسدةً، ثم هذا، وإن كان نادرًا، إلا أنه لا زمان إلا ويجوز أن يكون هو ذلك الزمان النادر؛ وحينئذٍ لا يمكن الجزم بوجوب نصب الإمام في شيءٍ من الأزمنة. فإن قلت: هذا مدفوع من وجهين: الأول: أن الاستنكاف إنما يكون عن الرئيس المعين، وليس الكلام الآن فيه، بل في مطلق الرئيس. الثاني: أن هذه مفسدة نادرة، والمفاسد الحاصلة عند عدم الإمام غالبة، وإذا تعارض الغالب والنادر، كان الغالب أولى بالدفع. قلت: الجواب عن الأول: أنه كما يتفق الاستنكاف عن طاعة رئيسٍ معين، فقد يتفق الاستنكاف عن طاعة مطلق الرئيس، وأيضًا: فإذا سلمتم أن الاستنكاف قد يقع عن طاعة الرئيس المعين، فيكون نصب ذلك المعين مفسدةً، ثم إذا لم يمكن تحصيل المطلق، إلا في ذلك المعين، كما هو قولكم في الإمامة في أشخاص معينين، كان ذلك المطلق أيضًا مفسدةً. وعن الثاني: هب أن الزمان الذي يقع فيه ذلك الاحتمال نادر، إلا أن كل زمانٍ، لما احتمل أن يكون هو ذلك النادر، لم يمكنا القطع بوجوب نصبه في شيءٍ من الأزمنة.

стр. 2557

سلمنا أن الإمامة لطف في كل الأزمنة؛ لكنها لطف يقوم غيرها مقامها، أو لا يقوم؟ الأول: مسلم؛ ولكن لما قام غيرها مقامها، لم يمكن الجزم بوجوبها على التعين. والثاني ممنوع، فلابد من الدلالة عليه. ثم إنا نبين إمكان البدل على الإجمال؛ تبرعًا؛ فنقول: إنكم توجبون عصمة الإمام، وليست عصمة الإمام بإمامٍ آخر معصومٍ، وإلا وقع التسلسل. فإذن: له شيء سوى الإمام وقع لطفًا في الاحتراز عن القبائح، وأداء الواجبات. وإذا ثبت ذلك في الجملة، فلم لا يجوز أن يحصل للأمة لطف قائم مقام الإمام؟ وحينئذٍ لا يكون نصب الإمام واجبًا عينًا. سلمنا كون الإمام لطفًا على التعين؛ لكن في المصالح الدنيوية، أو الدينية؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. بيانه: أن ما ذكرتموه من منفعة وجود الإمام ليس إلا في حصول نظام العالم، واندفاع الهرج والمرج، وذلك كله مصلحة دنيوية، وتحصيل الأصلح في الدنيا غير واجب على الله تعالى، فما يكون لطفًا فيه أولى ألا يجب. أو في إقامة الصلوات، وأخذ الزكوات، وذلك كله مصالح شرعية، فما يكون لطفًا فيه، لا يجب وجوده عقلا، وإن ادعيتم كونه لطفًا في شيءٍ آخر وراء ذلك، فهو ممنوع.

стр. 2558

فإن قلت: الإمام لطف في المصالح الدينية العقلية؛ لأنه إذا زجرهم عن القبائح، وأمرهم بالواجبات العقلية مرةً بعد أخرى، تمرنت نفوسهم عليها، وإذا تمرنت نفوسهم عليها، تركوا القبائح؛ لقبحها، وأتوا بالواجبات؛ لوجه وجوبها، وذلك مصلحة دينية. قلت: لا نسلم تفاوت حال الخلق بسبب وجود الإمام في هذا المعنى؛ فإن بوجود الإمام ربما وقعت أحوال القلوب؛ على ما ذكرتموه، وربما صارت بالضد من ذلك؛ لأنهم إذا أبغضوه بقلوبهم، وعاندته نفوسهم، ازدادت المفسدة، وربما أقدموا على الأفعال والتروك؛ لمحض الخوف منه. وبالجملة: فالتفاوت الحاصل في أحوال الخلق، إنما يظهر فيما عددناه من المصالح الدنيوية، أو فيما عددناه من المصالح الشرعية. فأما فيما تعدونه من المصالح الدينية العقلية فهذا التفاوت ممنوع فيه، فإن الاحتمالات متعارضة فيها. سلمنا أنه لفظ؛ فلم قلت: إن كل لطف واجب؟ قوله في الوجه الأول: (فعل اللطف جار مجرى التمكين): قلنا: هذا قياس، وقد بينا أنه لا يفيد اليقين، ثم نقول: لا نسلم أن فعل اللطف جارٍ مجرى التمكين. قوله: (من قدم الطعام إلى إنسان، وأراد منه تناوله .....) إلى آخره: قلنا: لا نسلم أن ترك التواضع في تلك الحالة يقدح في تلك الإرادة على الإطلاق.

стр. 2559

بيانه: أن الإرادات مختلفة، فقد يريد الإنسان من غيره أن يتناول طعامه إرادةً في الغاية، حتى يقرر مع نفسه أنه يفعل كل ما يعلم أن ذلك الضيف لا يتناول طعامه إلا عند فعله. وقد تكون الإرادة لا إلى ذلك الحد؛ كمن يقول: (أريد أن تأكل طعامي؛ لكن لا إلى حيث إنك لو لم تأكل طعامي، إلا عند تقبيلي رجلك، فعلته، بل إرادةً دون ذلك). إذا ثبت هذا، فنقول: إلاراد: إن كانت على الوجه الأول، كان ترك التواضع قادحًا في تحققها؛ لكن لو كانت على الوجه الثاني، لم يلزم من عدم التواضع عدمها. إذا ثبت هذا، فتقول: لم قلت: إن الله، ، أراد من المكلفين فعل الطاعات، والاجتناب عن القبائح إرادةً على الوجه؛ حتى يلزمه فعل اللطف؟. بيانه: أن التكليف تفضل وإحسان، والمتفضل لا يجب عليه أن يأتي بجميع مراتب التفضل. قوله في الوجه الثاني: (إن ترك اللطف كفعل المفسدة). قلنا: إنه قياس؛ فلا يفيد اليقين؛ لاحتمال أن ما به وقع التغاير يكون شرطًا، أو مانعًا. ثم نقول: الفرق أن فعل المفسدة إضرار، وترك اللطف ترك للإنفاع، وليس يلزم من قبح الإضرار قبح ترك الإنفاع؛ فإنه يقبح منا الإضرار بالغير، ولا يقبح ترك إنفاعه.

стр. 2560

سلمنا أنه يجب فعل اللطف؛ لكن يجب فعل اللطف المحصل، أو فعل اللطف المقرب؟. الأول مسلم، والثاني ممنوع؛ فلم قلتم: إن الإمام لطف محصل؟. بيانه: أنه لا يمكن القطع بأنه عند وجود الإمام يقدم الإنسان على الطاعة، ويحترز عن المعصية لا محالة؛ بل الذي يمكن ادعاؤه: أن الإنسان عند وجود الإمام يكون أقرب إلى الطاعة، وأبعد عن المعصية؛ فيكون الإمام لطفًا مقربًا. وإذا كان كذلك؛ فلم قلت بوجوبه على الله تعالى؟ وخرج على هذه المسألة مسألة الضيف؛ فإن المضيف إنما يجب عليه التواضع للضيف، إذا علم أنه لو تواضع له، لأجابه إلى المقصود، أو ظن ذلك؟ فأما إذا علم قطعًا أنه لا يجيب به إليه، فلا نسلم أنه يحسن منه فعل ذلك التواضع، فضلا عن الوجوب. وعلى هذا: لا يبعد أن يوجد زمان علم الله أن نصب الإمام في ذلك الزمان لا يكون لهم لطفًا محصلا؛ فلم قلت: يجب على الله نصب الإمام في ذلك الزمان؟. سلمنا أن اللطف واجب مطلقًا؛ لكن متى؟ إذا أمكن فعله، أو إذا لم يمكن؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. بيانه: إذا علم الله، ، أن كل من خلقه في ذلك الزمان، فإنه يكون كافرًا؛ أو فاسقًا، فحينئذ لا يكون خلق المعصوم في ذلك الزمان مقدورًا له، وإذا كان كذلك، فلم قلت: (إنه لا يحسن التكليف في هذه الحالة) وإذا حسن هذا التكليف، جوزنا في كل زمانٍ أن يكون هو ذلك الزمان؛ فلا يمكننا القطع بوجوب الإمام في شيءٍ من الأزمنة.

стр. 2561

وخرج عليه مسألة الضيف؛ فإن هناك إنما يجب عليه التواضع، إذا كان ذلك التواضع مقدورًا له، فأما إذا لم يكن مقدورًا له، لم يتوقف التماس المضيف تناول الطعام على فعل التواضع، بل حسن ذلك الالتماس بدون التواضع. سلمنا كل ما ذكرتموه؛ ولكنه بناء على التحسين والتقبيح العقليين، وإنه باطل؛ على ما ثبت في الكتب الكلامية، فهذا هو الاعتراض على مقدمات دليلهم على الترتيب. ثم نقول: دليلكم منقوض بصورٍ: إحداها: أنه لو كان القضاة والأمراء والجيوش معصومين، لكان حال الخلق في الاجتناب عن القبائح أقرب مما إذا لم يكن كذلك. وثانيتها: أنه لو وجد في كل بلدٍ إمام معصوم. وثالثتها: لو كان الإمام عالمًا بالغيوب، وقادرًا على التصرف في الشرق والغرب، والسماء والأرض. ورابعتها: لو كان بحيث لو شاء، لاختفى عن الأعين، ولطار مع الملائكة، فإن خوف المكلفين هاهنا يشتد منه؛ لأن كل أحدٍ يقول: (لعله معي، وإن كنت لا أراه) فكان انزجاره عن القبيح أشد. ولا خلاص عن هذه الإلزامات، إلا بأحد أمرين: الأول: أن يقال: إن هذه الأشياء، وإن حصلت فيها هذه المنافع، لكن علم الله - تعالى - فيها وجه مفسدةٍ، لا نعلمه نحن؛ ولذلك لم يجب على الله تعالى فعلها.

стр. 2562

الثاني: أن يقال: إنها، وإن كانت خاليةً عن جميع جهات المفسدة، لكن لا يجب على الله تعالى فعلها، ثم إن كل واحدٍ من هذين الاحتمالين قائم فيما ذكروه؛ فيبطل به أصل دليلهم. سلمنا أنه لابد من الإمام؛ فلم قلت: إنه معصوم؟. قوله: (ولو لم يكن معصومًا، لافتقر إلى لطفٍ آخر). قلنا: نعم؛ لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك اللطف هو الأمة؟. فإنا قبل قيام الدلالة على أن الإجماع حجةٌ، نجوز كونه حجةً، وذلك التجويز يكفينا في ذلك المقام؛ لأنهم هم المستدلون؛ فيكفينا أن نقول: لم لا يجوز أن يكون الإمام لطفًا لكل واحدٍ من آحاد الأمة، ويكون مجموع الأمة لطفًا للإمام؟ فعليهم إقامة الدليل على أنه لا يجوز أن يكون مجموع الأمة معصومًا. ومعلوم أنه لا يكفي في ذلك قدحهم في أدلتنا على أن الإجماع حجة. سلمنا كونه معصومًا؛ فلم قلت: إن الإجماع يشتمل على قوله؟ وتقريره ما بيناه في أول الباب: أن العلم باتفاق كل الناس بحيث يقطع بأنه لم يشذ واحد منهم في الشرق والغرب - متعذر لا سبيل إليه. سلمنا وجود قوله؛ لكن لا نسلم أن قوله صواب؛ لأن عندهم يجوز أن يفتي الإمام بالكفر، والبدعة؛ على سبيل التقية والخوف، ويحلف بالله تعالى، والأيمان التي لا مخرج منها: أن الأمر كذلك، وإذا كان كذلك، فلعله لما رأي أهل العالم متفقين على ذلك القول، خاف من مخالفتهم، فأظهر الموافقة على ذلك الباطل.

стр. 2563

كيف، وعندهم: قد أظهر علي بن أبي طالبٍ، ﵁، مع جميع رهط الهاشميين، والأمويين، والأنصار التقية؛ خوفًا من أبي بكرٍ، ومن عمر، ﵄، مع قلة أنصارهما، وأعوانهما، فإذا جاز الخوف، والتقية في هذه الصورة، فكيف لا يخاف الرجل الواحد جميع أهل العالم عند اتفاقهم على الباطل؟ سلمنا أنه أفتى به عن اعتقاد؛ فلم لا يجوز أن يكون ذلك خطأ من باب الصغائر، وعند ذلك يحتاجون إلى إقامة الدلالة على أنه لا تجوز الصغيرة على الأئمة، فإن عولوا فيه على حديث التنفير فهو ضعيف؛ لأن العجز الشديد، والفتوى بالكفر، والفسق، وإباحة الدماء، والفروج، مع الأيمان الغليظة - أدخل في باب التنفير من وقوع الصغيرة، فإذا جاز ألا يكون منزهًا عنه؛ فلم لا يجوز أن يكون منزهًا عن الصغيرة؟ فهذا ما على هذه الطريقة من الاعتراضات، ومن أحاط بها، تمكن من القدح في جميع مذاهب الشيعة أصولا وفروعًا؛ لأن أصولهم في الإمامة مبنية على هذه القاعدة، ومذاهبهم في فروع الشريعة مبنية على التمسك بهذا الإجماع، والله أعلم. المسألة الرابعة قال القرافي: قوله: (لا فرق في العقل بين عدم فعل اللطف وبين فعل المفسدة). قلنا: لا نسلم، بل العقلاء أجمعون يفرقون بين من لم يعطهم ماله وبين من سبهم فإنهم لا يتأذون من الأول، ويتأذون من الثاني. قوله: (يكفي في قبح الفعل اشتماله على جهة واحدة من جهات القبح):

стр. 2564

قلنا: لا نسلم، بل القبح لا يثبت إلا للمفسدة الخالصة، أو الراجحة. أما المفسدة المرجوحة فلا، وكذلك الجهاد ليس بقبيح مع اشتماله على مفسدة ذهاب النفوس والأموال، وأذيته للأولياء، وشماتة الأعداء على تقدير الموت، وعدم النصر، ونظائره كثيرة، بل الصلاة كبيرة إلا على الخاشعين. والصوم فيه ترك اللذات، وغير ذلك من النظائر مما لا يحصي كثرةً. * * *

стр. 2565

القسم الثاني قال الرازي: فيما أخرج من الإجماع، وهو منه المسألة الأولي: كل مسألةٍ فالحكم فيها: إما أن يكون بالإيجاب الكلي، أو بالسلب الكلي، أو بالإيجاب في البعض، والسلب في البعض ، فهذه احتمالات ثلاثة لا مزيد عليها. فإذا اختلف أهل العصر الأول على قولين من هذه الثلاثة فهل لمن بعدهم أن يذكروا الثالث؟. الأكثرون منعوه. وأهل الظاهر جوزوه. والحق أن إحداث القول الثالث؛ إما أن يلزم منه الخروج عما أجمعوا عليه، أو لا يلزم: فإن كان الأول: لم يجز إحداث القول الثالث؛ مثاله: الأمة اختلفت في الجد مع الأخذ على قولين: منهم من جعل المال كله للجد، ومنهم من قال: إنه يقاسم الأخ. فالقول الثالث، وهو صرف المال كله إلى الأخ: غير جائزٍ؛ لأن أهل العصر الأول القائلين بالقولين الأولين اتفقوا على أن للجد قسطًا من المال، فالقول بصرف المال كله إلى الأخ يبطل ذلك. وأما الثاني: فإن إحداث القول الثالث فيه جائز؛ لأن المحذور مخالفة الإجماع، أو القول بما يلزم منه مخالفته.

стр. 2566

فأما إذا لم يكن إحداث القول كذلك، وجب جوازه. واحتج المانعون بأمرين: أحدهما: أن الأمة لما اختلفت على قولين، فقد أوجب كل واحدٍ من الفريقين الأخذ: إما بقوله، أو بقول صاحبه؛ وتجويز القول الثالث يبطل ذلك. فإن قلت: إنهم إنما أوجبوا ذلك؛ بشرط ألا يظهر وجه ثالث، فإذا ظهر فقد زال شرط ذلك الإجماع. قلت: لو جوزنا هذا الاحتمال، لجوزنا أن يقال: إنما أوجبوا التمسك بالإجماع على القول الواحد؛ بشرط ألا يظهر وجه القول الثاني، فإذا ظهر، فقد زال شرط ذلك الإجماع، فيجوز الخلاف. وثانيهما: أن الذهاب إلى القول الثالث، إنما يجوز، لو أمكن كونه حقًا، ولا يمكن كونه حقًا، إلا عند كون الأولين باطلين؛ ضرورة أن الحق واحد، وحينئذٍ يلزم إجماع الأمة على الباطل. والجواب عن الأول: أن إيجاب الأخذ بأحد ذينك القولين مشروط بألا يظهر الثالث. قوله: (لو جاز ذلك، لجاز مثله في القول الواحد): قلنا: إنه جائز؛ لكنهم منعوا من اعتباره، فليس لنا أن نتحكم عليهم بوجوب التسوية. وعن الثاني: أن هذا الإشكال غير واردٍ على القول بأن كل مجتهدٍ مصيب؛ فإنه لا يلزم من حقية أحد الأقسام فساد الباقي.

стр. 2567

وأما على القول بأن المصيب واحد، فلا يلزم من التمكن من إظهار القول الثالث كونه حقا؛ لأن المجتهد قد تمكن من العمل بالاجتهاد الخطأ، والله أعلم. القسم الثاني فيما أخرج من الإجماع، وهو منه قال القرافي: قوله: (فإذا اختلف أهل العصر الأول على قولين من هذه الثلاثة): تقريره: يقول بعضهم: لا يحل أكل لحوم السباع كلها، ويقول الآخر: تحل كلها، أو يقول: يحل أكل سباع الطير فقط، ويحرم سباع الوحش، ويقول الآخر بالعكس. فهذه صورة الإيجاب الكلي، والسلب الكلي، والإيجاب في البعض، والسلب في البعض. فنقول: يحدث القول الثالث مثلا تحريم البعض إن كان القولان بالإيجاب الكلي، والسلب الكلي. أو نقول: الثالث يحرم نوع من الطيور، ونوع من الوحش فقط. قوله: (لو جاز ألا يجوزوا القول الثالث بشرط ألا يظهر وجهه، لجاز ذلك في القول الواحد): قلنا: الفرق أن الإجماع بعد الخلاف يبين أن الحق في القول الذي أجمعوا

стр. 2568

عليه، وقبل الإجماع كان الحق دائرًا بين القولين ولما كان الحق دائرًا بينهما، اشترطنا في تعينه إجماعهم، ولذلك إذا كانوا في مهلة النظر لم يتعين الحق، فجاز الانتقال إلى حالة أخرى يتعين فيها الحق. أما إذا أجمعوا على قولٍ واحدٍ، فقد تعين الحق، فلا معنى لجعله مشروطًا بظهور وجه آخر؛ لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال. فهذا هو سر الاشتراط في جميع هذه الصور دون الإجماع على القول الواحد. قوله: (هم منعوا من ذلك، وليس لنا أن نحكم عليهم بالتسوية): قلنا: مسلم، وليس لك الحكم عليهم، لكن يلزمكم بيان الفرق، وإلا يلزم الترجيح من غير مرجح، بل الفرق ما تقدم. قوله: (المجتهد قد يتمكن من الاجتهاد الخطأ): تقريره: أن الاجتهاد يقع في القبلة، والمصيب فيها واحد إجماعًا. ومع ذلك كل من اجتهد، وأخطأها وجب عليه أن يصلي بما أدى إليه اجتهاده. فقد تمكن من الخطأ، وكذلك في الأحكام الشرعية يخطئ المصلحة، والحكم الذي عينه الله - تعالى - في نفس الأمر، كما يخطئ الكعبة، ويجب عليه العمل بموجب ظنه. ولذلك قال ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران). (فائدة) قال النقشواني: مثال القول الثالث المستلزم المخالفة أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: إن ملك أخاه عتق عليه، وورثه.

стр. 2569

قال الشافعي وأصحابه: لا يعتق عليه، ولا يرثه. فالقول بأنه يعتق ولا يرث، أو يرث ولا يعتق خلاف الإجماع السابق؛ لأن المدرك في المسألة واحد في الحكمين، والتفريق بينهما يلزم منه مخالفة الحق قطعًا؛ لأن المدرك واحد. أما إذا لم يكن المدرك في المسألتين واحدًا كما قال الحنفية: لا تجب الزكاة في مال الصبيان، ولا في حلى النساء. وقال الشافعية بالوجوب في مال الصبيان، وعدم الوجوب في حلى النساء. فهاهنا لو أدى اجتهاد مجتهد إلى الوجوب فيهما، أو عدم الوجوب فيهما جاز؛ إذ ليس يلزم منهما مخالفة الإجماع، وللعامي المستفتي أن يأخذ بأحد القولين بالوجوب في مال الصبي، وبقول الآخر بعدم الوجوب في الحلي؛ لأنه لا يلزم من القول الثالث بطلان القول الأول؛ لاشتمال الثالث على القولين الأولين. وجاز أن يقال: الحق هو المشتمل على القولين، وليس للعامي، ولا للمجتهد في الصورة الأولي ذلك. وقال أبو الحسين في (المعتمد): إن كان القولان في مسألتين، فإنه يتأني أن يقول بعضهم: لا يفتقر شيء من الطهارات إلى النية. ويقول الآخر: كل طهارة تفتقر إلى النية. فيقول الثالث: بعضها يفتقر، وبعضها لا يفتقر. أو في مسألةٍ واحدة، نحو مسألة الجد مع الأخ امتنع الثالث.

стр. 2570

(تنبيه) قال التبريزي: إجماعهم على عدم حرمان الجد ليس التفاتًا إلى أن القول بأقل ما قيل تمسك بالإجماع ؛ فإن ذلك على خلافه، وإنما هذا لأن اختلافهم في المسألة تنازع في قدر مستحق الجد مع الاتفاق على أصل الاستحقاق، فهو كالنزاع في تنقيح حكم السبب، مع الاتفاق على اعتباره، كما في الغصب والرهن. قال: وكأنها ليست من هذه المسألة. قلت: يريد أن الإجماع على الأخذ بالأقل، كما في دية اليهودي أقل ما قيل فيه الثلث، فالثلث الأقل، وهو مجمع عليه. هذا إجماع على الحكم، فهل يكون مدركًا للمجتهد؟ سيأتي آخر هذا الكتاب إن شاء الله - تعالى - في المدارك المختلف فيها. وهذه المسألة: الإجماع على اعتبار السبب، وإلغاؤه إلغاء المجمع عليه قطعًا، وهو قرابة الجد كما يجمعون على اعتبار أصل الرهن، ويختلفون هل من شرطه دوام الجواز أم لا؟ فالقول بأن أصل الرهن لا يلزم مطلقًا - خلاف الإجماع، ولذلك أجمعوا على أن الغصب يوجب الضمان، واختلفوا في الزوائد، هل هي للغاصب أم لا؟ فالقول بأن الغصب لا يضمن خلاف الإجماع. ثم قال التبريزي: لا نسلم أنهم إذا اختلفوا على قولين أوجب كل واحد الأخذ بمذهبه عينًا - نظر إلى خصوص دليله المعين، بل بما يؤدي إليه اجتهاده، نظرًا إلى الدليل العام، ولا حصر عنده في هذا المقام، بل يقول: الاختلاف دليل فتح باب النظر، وعدم تعين الحق.

стр. 2571

المسألة الثانية قال الرازي: الأمة لم تفصل بين مسألتين، فهل لمن بعدهم أن يفصل بينهما ؟ واعلم أن هذا يقع على وجهين: أحدهما: أن يقولوا: لا فصل بين هاتين المسألتين في كل الأحكام، أو في الحكم الفلاني؟. والآخر: ألا ينصوا على ذلك، لكن ما كان فيهم من فرق بينهما. أما القسم الأول: فإنه لا يجوز الفصل بينهما، ثم إنه على ثلاثة أقسامٍ: أحدها: أن تحكم الأمة في المسألتين بحكمٍ واحدٍ، إما بالتحليل أو بالتحريم. وثانيها: أن يحكم بعض الأمة فيهما بالتحريم، والبعض الآخر بالتحليل. وثالثها: ألا ينقل إلينا عنهم حكم فيهما، ففي هذه الصورة الثالثة، متى دل الدليل في إحدى المسألتين على تحليلٍ، أو تحريمٍ، وجب أن يكون الحال في الأخرى كذلك. وأما القسم الثاني: فقيل فيه: إن علم أن طريقة الحكم في المسألتين واحدة؛ فذلك جار مجرى أن يقولوا: لا فصل بينهما، فمن فصل بينهما، فقد خالف ما اعتقدوه. مثاله: من ورث العمة، ورث الخالة، ومن منع إحداهما منع الأخرى، وإنما جمعوا بينهما من حيث انتظامهما حكم ذوى الأرحام.

стр. 2572

فهذا مما لا يسوغ خلافهم فيه؛ بتفريق ما جمعوا بينهما، إلا أن هذا الإجماع متأخر عن سائر الإجماعات في القوة. وأما إن لم يكن كذلك، فالحق جواز الفرق لمن بعدهم؛ لأنه لا يكون بذلك مخالفًا لما أجمعوا عليه، لا في حكمٍ، ولا في علة حكمٍ؛ ولأنه لو امتنع الفرق، لكان من وافق الشافعي، ﵁، في مسألةٍ؛ لدليلٍ، وجب عليه أن يوافقه في كل المسائل. احتج المانعون من الفصل مطلقًا بوجهين: الأول: أن الأمة إذا قال نصفها بالحرمة في المسألتين، وقال النصف الآخر بالحل فيهما، فقد اتفقوا على أنه لا فصل بين المسألتين، فيكون الفصل بينهما ردا للإجماع. الثاني: أن الأمة إذا اختلفت على قولين في مسألتين، فقد أوجبت كل واحدة من الطائفتين على الأخرى أن تقول بقولها، أو بقول الطائفة الأخرى، وحظرت ما سوى ذلك، وذلك بمنع من الفرق بين المسألتين. والجواب عن الأول: أنكم إن عنيتم بقولكم: (اتفقوا على أنه لا فصل بينهما): أنهم نصوا على استوائهما في الحكم، أو هما مستويان في علة الحكم - فليس كذلك؛ لأن النزاع ليس هاهنا. وإن عنيتم به: أن كل من قال بإحدى المسألتين، فقد قال أيضًا بالأخرى، فلم قلتم: إن ذلك يمنع من الفصل؟ فإن هذا أول المسالة.

стр. 2573

وعن الثاني: أنهم إنما أوجبوا ذلك؛ بشرط ألا يفرق بعض المجتهدين بين المسألتين، فإن ادعوا أنه لا التفات إلى هذا الشرط، فهذا عين المتنازع فيه. ومن الناس من جوز التفصيل مطلقًا؛ استدلالا بعمل ابن سيرين في زوجٍ وأبوين، أن للأم ثلث ما يبقي. وقال في امرأة وأبوين: للأم ثلث المال، فقال في إحداهما بقول ابن عباسٍ، وفي الأخرى بقول عامة الصحابة. والثوري قال: (الجماع ناسيًا يفطر، والأكل ناسيًا لا يفطر) وفرق بين المسألتين، مع أنه جمعتهما طريقة واحدة، والله أعلم. المسألة الثانية إذا لم تفصل الأمة بين مسألتين قال القرافي: الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، وإن كان الفاصل بين المسألتين قائلا بقول ثالث، فهو يعود على المسألة الأولي إذا حدث القول الثالث، قد يكون في فعل واحد، قال نصف الأمة فيه بالتحريم، والنصف الآخر بالإيجاب، فالقول بإباحته قول ثالث، وهو خطأ؛ وإلا لفات الأمة الصواب، وهو يقدح في عصمتهم. والقول الثالث متصور في الفعل الواحد. والمسألة الثانية مختصة بما إذا كان محل الحكم متعددًا، كانقسام الأمة على قولين في توريث ذوى الأرحام، منهم من يورث الخالة والعمة، ومنهم من يحرمهما، فالقائل بعدم توريث الخالة دون العمة خلاف الإجماع في الفعل فيما أجمعوا عليه. قوله: (لو امتنع الفرق لكان من وافق قول الشافعي في مسألة لدليل، وجب عليه موافقته في كل المسائل):

стр. 2574

تقريره: أن مدارك الشافعي يجوز أن تكون صوابًا، وبعضها خطأ، فيجوز أن نوافقه فيما ظننا أنه صواب، ويخالفه في غيره، وليس في ذلك مخالفة الإجماع، ووجه التنظير أنه بعض الأمة. وموافقة بعض الأمة في جميع ما قالوه إنما يلزم إذا كان المدرك في جميع ما قالوه ذلك البعض واحد، كما قلنا في توريث ذوى الأرحام لما قال به بعض الأمة لمدرك واحد. وقال البعض الآخر بعدم التوريث لمدرك آخر. فقد أجمعت الأمة على طرد المدركين في جميع متعلقاتهما، ولم يقل أحد بأن أحد المدركين يتخصص ببعض مدلولاته، فالقائل بذلك يخالف الإجماع. فلو كان مدركهم في ذوى الأرحام متعددًا، جاز أن يورث بعض الأرحام دون بعض؛ بناء على تصحيح بعض تلك المدارك دون بعضها، كما عملنا مع للشافعي لما تعددت مداركه، ولو كان الشافعي لمسائله مدرك واحد، ولغيره من الأمة مدرك واحد فيما خالفوه فيه - لزم من متابعته في مسألة إتباعه في جميع مسائله، أو ابتاع مخالفه في مسألة إتباعه في جميع مسائله. كما قلنا في التوريث المذكور، فيحصل أنه متى تعدد الخلاف والمدارك - جازت المخالفة إجماعًا، ومتى ارتفع الخلاف، واتحد القول والمدرك امتنع الخلاف إجماعًا، ومتى تعدد الخلاف في الحكم، واتحد المدرك نفيًا وإثباتًا امتنع التفريق في تلك الأقوال، كما قلنا في التوريث. قوله: (ومنهم من جوز التفصيل مطلقًا استدلالا بقول ابن سيرين في زوجٍ وأبوين، أن للأم ثلث ما يبقي، وفي امرأة وأبوين: للأم ثلث المال، فقال في إحدى المسألتين بقول ابن عباس، وفي الأخرى بقول عامة الصحابة):

стр. 2575

قلنا: مدرك الجمهور أن للأب والأم ذكرًا وأنثي اجتمعا في درجة، فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين، فيكون لهما ثلث ما يبقي، وللأب ثلثا ما يبقي، ومدرك ابن عباس: التمسك بظاهر قوله تعالى:﴾ فلأمه الثلث ﴿[النساء:١١]، وما ينقصها عنه إلا بالابن أو الإخوة، ولم يوجدوا بقول ابن سيرين وإدخال التخصيص في كلا المدركين مجمل كل مدرك على حالة دون حالة. وهذا التخصيص لم يقل به أحد قبله، فيكون خلاف الإجماع. هذا تقريره، لكن هذا المدرك لم يسلم ابن سيرين أنهم نصوا على أنه لا يجوز تخصيصها. فقال: الفرق من وجهين: الأول: أن مع الزوج يتوفر حظ الذكورية، فيرجح أحد الأبوين بجراء العصوبة إذا اجتمع منهم ذكر وأنثي في طبقة واحدة، فإن للذكر مثل حظ الأنثيين، فجعل للأم ثلث ما يبقي. وفي مسألة امرأة وأبوين نزلت الذكورية بالأنوثة بالمرأة فضعف جهة التعصيب، وقوى جهة الفرض، فأخذت ثلث المال بالنص. الوجه الثاني: أن في زوج وأبوين يحصل للمرأة السدس، وهو فرضها في صورة الإجماع، وهو اجتماعها مع الابن أو أخوين، وفي امرأة وأبوين يحصل لها مع الأب الربع، والأم لا ترث الربع في صورة، فأبطل هذه الصورة بخروجها عن قاعدة الأم، فدفع لها ثلث المال بالنص.

стр. 2576

وكذلك قول الثوري: الجماع ناسيًا يفطر، والأكل ناسيًا لا يفطر. ففرق بين المسألتين؛ لأنه لم يجد من الأمة نصًا في أنه لا يجوز تخصيص هذا المدرك ببعض صوره، فجوز أن يكون الفرق معتبرًا، وهو أن الجماع ناسيًا في غاية الندرة لطول مقامه واحتياجه لاثنين يجتمعان فيه، ويتقدمه أمور تطول، يندر معها نسيان الصوم، والأكل مقدمة واحدة من شخص واحد لا يندر النسيان معه، فكان الأول في معنى العمد فأفطر، بخلاف الثاني. (تنبيه) قال التبريزي: إن اختلفوا في الحكم وقد جمعهما رابطة تجرى مجرى الحكم كالعمة والخالة تجمعهما رابطة المحرمية، فالأظهر أن الفصل بين القولين خرق للإجماع ؛ لإجماع الفريقين على إسقاط الفارق. وإنما اختلفوا في تعيين الحكم، وهذا يشترط أن يكون محل نظر الفريقين توريث المحارم وحرمانهم. أما إن كان النظر في توريث العمة والخالة، فيتجه أن يقال: الإجماع هو الاكتفاء بالقول في الحكم لا بما يلزم من مأخذ علة الحكم المعول، والفاصل بينهما توافق كل فريق في كل صورة حكمًا. وأما إذا لم يجمعهما رابطة، كمصير بعضهم إلى أن المسلم لا يقتل بالذمي، ولا الحر بالعبد، ومصير الباقين إلى أنهما يقتلان بهما، فلا خلاف في جواز الفصل. وأجاب عما نقل عن ابن سيرين والثوري بأن المسألة مجتهد فيها، ولا حجة في قول الآحاد. يريد: أن هذه النقول عن الإجماعات لم تثبت إلا بالآحاد، فلا يمنع ذلك الاجتهاد فيهان بخلاف إذا قطعنا بعدم الفصل.

стр. 2577

المسألة الثالثة قال الرازي: يجوز حصول الاتفاق بعد الخلاف وقال الصيرفي: لا يجوز . لنا: إجماع الصحابة على إمامة أبي بكرٍ، ﵁، بعد اختلافهم فيها، واتفاق التابعين على المنع من بيع أمهات الأولاد، بعد اختلاف الصحابة فيه. احتج الخصم بأن أهل العصر الأول اتفقوا على جواز الأخذ بأي القولين كان، إذا أدى الاجتهاد إليه، فلو أجمعوا على أحد القولين، وجب أن يكون الإجماعات صوابًا، ويكون المتأخر ناسخًا للمتقدم، لكن ذلك باطل؛ على ما مر في باب النسخ. ولأنه لو جاز ذلك، لجاز أن يتفق أهل عصرٍ على قولٍ، ويتفق أهل عصرٍ ثانٍ على خلافه. والجواب: أن الإجماع على الأخذ بأي القولين شاء مشروط بعدم الاتفاق، فإذا حصل الاتفاق، زال شرط الإجماع؛ فزال لزوال شرطه. قوله: لو جاز ذلك، لجاز مثله عند الاتفاق. قلنا: مر الجواب عنه في المسألة الأولين والله أعلم. المسألة الثالثة يجوز حصول الاتفاق بعد الاختلاف

стр. 2578

قد تقدم أن المصلحة إذا تعينت لم يجز أن تجعل مشروطة، وإذا لم تتعين جاز أن يكون نفيها مشروطًا، فكذلك إيجابهم الأخذ بأحد القولين، وجواز الانتقال للآخر مشروط بعدم تعين الحق في أحدهما، وإذا اتفقوا على قول واحد تعين الحق؛ لأنهم لا يفوتهم مأخذ الحق، فلا معنى للاشتراط بعد ذلك، بل يجب موافقة هذا القول إلى قيام الساعة، ولا نقول: (بشرط ألا يظهر مخالف)؛ لأن المخالف مخطئ قطعًا. (تنبيه) قال التبريزي: الإجماع الأول لم ينعقد على كون كل واحد من القولين حقًا ؛ فإن ذلك متناقض على جواز الأخذ بأيهما كان؛ نظرًا إلى احتمال كونه حقًا، كما في القبلة والأواني، فإذا انحصر الحق بموجب الإجماع على أحدهما خرج الآخر عن مورد الإجماع؛ لأن اعتقد اندراجه تحته استند إلى ظن كونه جزئي مورده الكلي. فقد فات ذلك بفوات وصفه المظنون. قلت: يريد بقوله: (في القبلة والأواني): إذا اجتهد اثنان، فأدى كل واحد منهما اجتهاده إلى جهة أنه يجوز للثالث الذي لا يحسن الاجتهاد أن

стр. 2579

يقلد أيهما شاء؛ لأن التخيير للمجتهدين في أنفسهما، بل الثالث في الأواني يقلد الأعمى، وإن لم يعلم حال الماء أحد المجتهدين. ويريد بقوله: (جزئي مورده الكلي)، يريد: أن التشخيص يزيد على المعنى الكلي، ويزيد الكلي هاهنا مفهوم أحد القولين لا بعينه، وكل واحد منهما بعينه جزئي بالنسبة إلى مفهوم أحد القولين. فلما خرج ذلك المعين بالإجماع لم يبق بظن الكل عنده. * * *

стр. 2580

المسألة الرابعة قال الرازي: إذا اتفق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول، كان ذلك إجماعًا، لا تجوز مخالفته ؛ خلافًا لكثيرٍ من المتكلمين، وكثيرٍ من فقهاء الشافعية والحنفية. لنا: أن ما أجمع عليه أهل العصر الثاني سبيل المؤمنين، فيجب إتباعه؛ لقوله :﴾ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴿[النساء:١١٥] ولأنه إجماع حدث بعد ما لم يكن، فيكون حجةً؛ كما إذا حدث بعد تردد أهل الإجماع فيه حال التفكر. واعلم أن هذا المقيس عليه ينقض على المخالف أكثر أدلته. احتجوا بأمورٍ: أحدها: قوله :﴾ فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول ﴿[النساء:٥٩] أوجب الرد إلى كتاب الله تعالى عند التنازع، وهو حاصل؛ لأن حصول الاتفاق في الحال لا ينافي ما تقدم من الاختلاف؛ فوجب فيه الرد إلى كتاب الله تعالى. وثانيها: قوله ﷺ : (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ظاهره يقتضي جواز الأخذ بقول كل واحدٍ من الصحابة، ولم يفصل بين ما يكون بعده إجماع، أو لا يكون. وثالثها: أن في ضمن اختلاف أهل العصر الأول الاتفاق على جواز الأخذ بأيهما أريد، فلو انعقد إجماع في العصر الثاني، لتدافع الإجماعان.

стр. 2581

ورابعها: لو كان قولهم، إذا اتفقوا بعد الاختلاف حجةً، لكان قول إحدى الطائفتين، إذا ماتت الأخرى حجة، وفيه كون قولهم حجةً بالموت. وخامسها: لو كان اتفاق أهل العصر الثاني حجةً، لكانوا قد صاروا إليه؛ لدليلٍ، وذلك باطل؛ لأنه لو وجد ذلك الدليل، لما خفي على أهل العصر الأول. وسادسها: أن أهل العصر الثاني بعض الأمة؛ فلا يكون اتفاقهم وحدهم إجماعًا. وسابعها: أنه قد ثبت أن أهل العصر الأول، إذا اختلفوا على قولين، لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالثٍ؛ وأهل العصر الأول، لما اختلفوا لم يكن القطع بذلك الحكم قولا لواحدٍ منهم؛ فيكون القطع بذلك إحداثًا لقولٍ ثالثٍ، وإنه غير جائزٍ. وثامنها: أن الصحابة - في الحادثة التي اختلفوا فيها - كالأحياء؛ ألا ترى أنه تحفظ في ذلك أقوالهم، ويحتج لها وعليها. وإذا لم ينعقد الإجماع مع تلك الأقوال حال حياة القائلين بها، وجب أيضًا ألا ينعقد حال وفاتهم. وتاسعها: أن هذا الإجماع لو كان حجةً، لوجب ترك القول الآخر، ولكان إذا حكم به حاكم، ثم انعقد الإجماع على خلافه، وجب نقضه؛ لكونه واقعًا على مضادة دليلٍ قاطعٍ، لكن ذلك باطل؛ لأن أهل العصر الأول اتفقوا على نفوذ هذا القضاء، فنقضه يكون على خلاف الإجماع. الجواب عن الأول: أن التعلق بالإجماع رد إلى الله والرسول، ولأن أهل

стр. 2582

العصر الثاني، إذا اتفقوا، فهم ليسوا بمتنازعين، فلم يجب عليهم الرد إلى كتاب الله؟ لأن المعلق بالشرط عدم عند عدم شرطه. وعن الثاني: أنه مخصوص بتوقف الصحابة في الحكم حال الاستدلال، مع أنه لا يجوز الاقتداء به في ذلك بعد انعقاد الإجماع؛ فوجب تخصيص محل النزاع عنه، والجامع ما تقدم. وعن الثالث: ما مر غيره مرةٍ: أن ذلك الإجماع مشروط، ثم أنه منقوض باتفاقهم حال الاستدلال على التوقف، وتجويز الأخذ بأي قولٍ ساق الدليل إليه. ولأنكم إذا جوزتم ألا يكون اتفاق أهل العصر الثاني حجة؛ فلم لا يجوز ألا يكون اتفاق أهل العصر الأول حجةً؟ إذ ليس أحد الاتفاقين أولى من الآخر؟! وإذا لم يكن الاتفاق الأول حجةً، لم يلزم من حصول الاتفاق الثاني ما ذكرتموه من المحذور؛ فثبت أن هذه الحجة متناقضة. وعن الرابع: أنا نتبين بموت إحدى الطائفتين أن قول الطائفة الأخرى حجة؛ لاندراج قولهم تحت أدلة الإجماع، لا أن الموت نفسه هو الحجة. وعن الخامس: أنه لا يجوز أن يخفى ذلك الدليل على كلهم، لكن يجوز حفاؤه على بعضهم. عن السادس: أنه لو كان أهل العصر الثاني بعض الأمة، لوجب ألا يكون اتفاقهم الذي لا يكون مسبوقًا بالخلاف حجةً؛ وهذا يقتضي ألا يكون الحجة إجماع الصحابة فقط، بل إجماع الذين كانوا موجودين عند ظهور أدلة الإجماع، وهذا القائل لا يقول بهذه المذاهب.

стр. 2583

وعن السابع: أنه لا يجوز إحداث قول ثالث، إذا كان الإجماع منعقدًا على عدم جوازه مطلقًا، أما إذا كان مشروطًا بشرطٍ، جاز ذلك عند عدم ذلك الشرط؛ كما ذكرنا أنهم حال الاستدلال مطبقون على جواز التوقف، وعدم القطع، مع أن ذلك لا ينافي اتفاقهم على القطع بعده. وعن الثامن: قوله: (أقوال الصحابة باقية بعد وفاتهم)؛ إن عني بذلك: كونها مانعةً من انعقاد الإجماع، فهذا عين النزاع. وإن عني به: علمنا بأنهم ذكروا هذه الأقوال، فلم قلت: إن ذلك ينفي انعقاد الإجماع؟ وإن عنيتم ثالثًا، فبينوه. وعن التاسع: أنا لا ننقض ذلك الحكم؛ لأنه صار مقطوعًا به في زمان عدم هذا الإجماع، ونحن إنما ننقض الحكم الذي حكم به القاضي، إذا وقع ذلك الحكم في زمن قيام الدلالة القاطعة على فساده، والله أعلم. المسألة الرابعة إذا اتفق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول قال القرافي: قوله: (لأنه إجماع حدث بعد ما لم يكن، فيكون حجةً، كما إذا حدث بعد تردد أهل الإجماع فيه حال التفكر): قلنا: عليه أسئلة: الأول: أن هذا قياس، وهو أضعف من الإجماع، فيلزم إثبات الإجماع بالقياس الأضعف منه.

стр. 2584

الثاني: سلمنا أن القياس ليس أضعف، لكن لا نسلم أن القياس الشبهي شرعه الشرع حجة إلا في الفروع. أما في قواعد أصول الفقه فلم قلتم: إن هذا القياس الشبهي شرعه الشرع حجة فيها؟ الثالث: سلمنا صحة التمسك بالقياس في قواعد الأصول، لكن الفارق أن في هذه المسألة صرح فيها بعض الأئمة، أو سطرها بقول مجزوم به بعد نظر معتبر، وبذلك جهدٍ ممن هو أهل للاجتهاد، فكان ظاهره الحق بخلاف مهلة النظر، لم يصرح فيها أحد بشيء. فلم يتقدم حق نلاحظه بعد ذلك لاسيما إذا قلنا: إن قول الميت معتبر. فالقائل في العصر الأول بالقول المتروك في العصر الثاني في تقدير كونه حيًا موجودًا، ولو كان موجودًا ما انعقد الإجماع بدونه، فكذلك إذا مات. قوله: (حصول الاتفاق في الحال لا ينافي ما تقدم من الاختلاف): تقريره: أن الآية في قوله تعالى:﴾ فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله ﴿[النساء:٥٩]، وهذا الحكم المجمع عليه في العصر الثاني كان متنازعًا فيه

стр. 2585

في العصر الأول، فيرد إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، إن دل منهما شيء عليه، ولا يتعين إتباع العصر الثاني فيه. قوله: (أهل العصر الثاني ليسوا متنازعين حتى يتعين الرد إلى الله - تعالى - وإلى رسوله). قلنا: الشرط في الآية إنما هو حصول المنازعة، وهذا الشرط قد حصل، فيترتب عليه التكليف بالرد إلى الله - تعالى - وإلى رسوله ﷺ وحصول الاتفاق بعد ذلك لا ينافي حصوله بعد ذلك، كما إذا قال السيد لعبده: إن خالفتني فأنت حر، وأمره، فخالف عتق وإن حصلت منه الموافقة بعد ذلك في كثير من الأوامر. قوله: (في قوله ﵇: (أصحابي كالنجوم): خص عنه توقف الصحابة في الحكم حال الاستدلال، مع أنه لا يجوز الاقتداء بهم في ذلك بعد انعقاد الإجماع): قلنا: يرد عليه سؤالان: الأول: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، والتوقف في الاستدلال، وعدم التوقف حالتان لا يعمهما اللفظ، إذا بطل التعميم بطل التخصيص. الثاني: سلمنا العموم، لكن مقصود الخصم حاصل؛ لأنه لا يلزم من تخصيص العموم بصورة ألا يكون حجة في صورة النزاع؛ لأن الأصل التمسك بالعموم بحسب الإمكان. * * *

стр. 2586

المسألة الخامسة قال الرازي: أهل العصر، إذا انقسموا إلى قسمين، ثم مات أحد القسمين، صار قول الباقين إجماعًا ؛ لأن بالموت ظهر اندراج قول ذلك القسم وحده تحت أدلة الإجماع، وكذا القول إذا انقسموا إلى قسمين، ثم كفر أحدهما، فإنه يصير القول الثاني حجةً، والله أعلم المسألة الخامسة إذا انقسم أهل العصر على قسمين، ثم مات أحدهما، صار قول الباقين إجماعًا. قال القرافي: قلنا: ينبغي أن يتخرج على هذا أن قول الميت هل هو معتبر أم لا؟. فإن قلنا: معتبر، لا يكون الثاني إجماعًا. وإن قلنا: غير معتبر، صار إجماعًا. وقد قال الغزالي في (المستصفى): إذا اتفق التابعون على أحد قولي الصحابة ﵃ لم يصر القول الثاني مهجورًا، ولم يكن الذاهب إليه خارقًا للإجماع؛ خلافًا للكرخي، وبعض الحنفية والشافعية والقدرية كالجبائي وابنه؛ لأنه ليس مخالفًا لجميع الأمة.

стр. 2587

فإن الذين ماتوا على ذلك المذهب هم من الأمة، والتابعون في تلك المسألة بعض الأمة، وإن صرحوا بتحريم القول الآخر، فنحن بين أمرين: إما أن نقول: هذا محال؛ لأنه يؤدي لتناقض الإجماعين؛ لأن الصحابة - رضوان الله عليهم - صرحوا بتجويز الخلاف، أو نقول: ممكن، وهم بعض الأمة، فيجوز عليهم الخطأ. وهم كل الأمة في مسألة لم يتحدث الصحابة فيها، وهذا الكلام من الغزالي يؤيد السؤال. * **

стр. 2588

المسألة السادسة قال الرازي: أهل العصر، إذا اختلفوا على قولين، ثم رجعوا إلى أحد ذينك القولين، هل يكون ذلك إجماعًا ؟. أما من قال بانعقاد الإجماع في المسألتين السابقتين، فقوله به هاهنا أولى. ونثبت هذه الأولوية من وجهين: أحدهما: أن في المسألتين السابقتين: لقائل أن يقول: المجمعون ليسوا كل الأمة؛ فلا يكون اتفاقهم قولا لكل الأمة، فلا يكون حجةً. وأما هاهنا فهذه الشبهة زائلة؛ لأن الذين اتفقوا هم بعينهم الذين اختلفوا، فكان المجمعون كل الأمة. وثانيهما: أن في المسألتين السابقتين: ما صار القول الثاني مرجوعًا عنه أصلا، وهاهنا صار كذلك. وأما المنكرون لانعقاد الإجماع هناك، فقد اختلفوا هاهنا، فأما من اعتبر انقراض العصر، فإنه جوز ذلك؛ قال: لأن الانقراض، لما كان شرطًا في الإجماع، وهم لم ينقرضوا على ذلك الخلاف، فلم يحصل الإجماع على جواز الخلاف، فلم يكن الاتفاق حاصلا بعد الإجماع على جواز الخلاف. وأما من لم يعتبر الانقراض، فقد اختلفوا، فمنهم من أحال وقوعه، ومنهم من جوزه، وزعم أنه لا يكون حجةً، ومنهم من جعله إجماعًا يحرم خلافه؛ وهو المختار.

стр. 2589

لنا: ما تقدم من أن الصحابة، رضوان الله عليهم، اختلفوا في الإمامة، ثم اتفقوا بعد ذلك عليها، وإذا ثبت وقوعه، وجب أن يكون حجةً؛ لقوله :﴾ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴿[النساء:١١٥] والشبه التي يذكرونها هاهنا هي التي مرت، والله أعلم. المسألة السادسة إذا اختلف أهل العصر على قولين، ثم رجعوا إلى أحدهما قال القرافي: قال إمام الحرمين: الذي اختاره إن كان الرجوع بقرب الاختلاف، كان إجماعًا، وإن كان بعد تطاول المدة، واستقرار النظر، فلا يكون ذلك إجماعًا. فإن العادة تحيل عدم إدراك الخطأ في القول المرجوع عنه مع طول السنين في النظر فيه، بخلاف القرب؛ فإن ذلك كالخلاف الذي يعرض للرجل الواحد. (سؤال) ما الفرق بين هذه المسألة وبين المسألة الثالثة ، وهي قوله: يجوز الاتفاق بعد الاختلاف؛ لأن رجوعهم إلى أحد قوليهم اتفاق بعد الاختلاف؟ والجواب: أن المراد بالثالثة خلاف غير مستقر، بل على وجه المنازعة، وطلب الدليل، وهو الذي كان بين الصحابة في الإمامة، والمراد هاهنا خلاف مستقر، واعتقد كل واحد من المخالفين صحة دليله، واستمر ذلك الحال، وتقرر الخلاف؛ كبيع أمهات الأولاد.

стр. 2590

قوله: (ومن لم يشترط انقراض العصر فمنهم من أحال وقوع هذا الإجماع، ومنهم من جوزه): تقريره: أن حجة من أحاله أن العادة قاضية بأن الأقوال إذا انتشرت، وشاعت، وانطوت عليها القلوب يعسر الرجوع عنها. وهذه الحجة باطلة، بل هذا إنما يمتنع في غير المنصفين، أما من كان مطلبه الحق في سائر أحواله، فهو على الدوام في الفكر والنظر، فيجوز أن يفتح له اليوم ما خفي عنه أمس. حجة من جوزه قال: إنه ليس بحجة؛ لأن الإجماع إنما يكون حجة على غير أهله، فلو كان هاهنا حجة كان قول: الإجماع حجة على المجمعين أنفسهم؛ لأنا نمنعهم من الخلاف حينئذ. * * *

стр. 2591

المسألة السابعة قال الرازي: انقراض العصر غير معتبرٍ عندنا في الإجماع؛ خلافًا لبعض الفقهاء والمتكلمين، منهم الأستاذ أبو بكر بن فورك . لنا: قوله تعالى:﴾ وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا ﴿[البقرة:١٤٣] وصفهم بالخيرية، وإجماعهم لا على الصواب يقدح في وصفهم بالخيرية. وأيضًا: فقوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على الخطأ) ينافي إجماعهم على الخطأ، ولو في لحظةٍ واحدةٍ. ومما تمسكوا به في المسألة: أنا لو اعتبرنا الانقراض، لم ينعقد إجماع؛ لأنه قد حدث من التابعين في زمن الصحابة قوم من أهل الاجتهاد، فيجوز لهم مخالفة الصحابة؛ لأن العصر لم ينقرض، ثم الكلام في العصر الثاني كالكلام في العصر الأول؛ فوجب ألا يستقر إجماع أبدًا. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المعتبر انقراض عصر من كان مجتهدًا عند حدوث الحادثة، لا من يتجدد بعد ذلك. فلا يلزم اعتبار عصر التابعين، إذا حدث فيهم مجتهد بعد حدوث الحادثة؟ قلت: بتقدير أن يحدث في التابعين واحد من أهل الاجتهاد قبل انقراض عصر من كان مجتهدًا، عند حدوث الحادثة من الصحابة، ففي ذلك الوقت إجماع الصحابة غير منعقد؛ فوجب أن يجوز للتابعي مخالفتهم، وكذلك يحدث في تابعي التابعين قبل انقراض عصر من كان مجتهدًا من التابعين، وهلم جرا إلى زماننا؛ فيلزم ألا ينعقد الإجماع على ذلك التقدير.

стр. 2592

ثم إنا نجوز هذا الاحتمال في كل الإجماعات، ولا نعلم عدمه؛ فوجب ألا ينعقد شيء من الإجماعات. واحتج المخالف بأمورٍ: أحدها: أن عليًا ﵁، سئل عن بيع أمهات الأولاد، فقال: (قد كان، رأيي، ورأي عمر ألا يبعن، ثم رأيت بيعهن). فقال له عبيدة السلماني: (رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك)؛ فدل قول عبيدة على أن الإجماع كان حاصلا، مع أن عليًا ﵁ خالفه. وثانيها: أن الصديق كان يرى التسوية في القسم، ولم يخالفه أحد في زمانه، ثم خالفه عمر بعد ذلك. وثالثها: أن الناس ما داموا في الحياة يكونون في التفحص والتأمل؛ فلا يستقر الإجماع. ورابعها: قوله تعالى:﴾ لتكونوا شهداء على الناس ﴿[البقرة:١٤٣] ومذهبكم يقتضي أن يكونوا شهداء على أنفسهم أيضًا. وخامسها: أن قول المجمعين لا يزيد على قول النبي ﷺ ، فإذا كانت وفاة النبي ﷺ شرطًا في استقرار الحجة من قوله؛ فلأن يعتبر ذلك في قول أهل الإجماع أولى. والجواب عن الأول: أن قول السلماني: (رأيك في الجماعة) دل على أن المنع من بيعهن كان رأي جماعةٍ، ولم يدل على أنه كان رأي كل الأمة، وإنما أراد أن ينضم قول علي إلى قول عمر، ﵄؛ لأنه رجح قول الأكثر على قول الأقل.

стр. 2593

وعن الثاني: أنا لا نسلم انعقاد الإجماع على فعل أبي بكرٍ، ﵁، بل نقل أن عمر ﵁، نازعه فيه. وعن الثالث: أنهم إن أرادوا بنفي الاستقرار أنه لا يحصل الاتفاق، فهو باطل؛ لأن كلامنا في أنه لو حصل، لكان حجةً، وإن أرادوا به أنه بعد حصوله لا يكون حجةً فهو عين النزاع. وعن الرابع: أن كونهم:﴾ شهداء على الناس ﴿[البقرة:١٤٣] لا ينافي شهادتهم على أنفسهم. وعن الخامس: أنه جمع بين الموضعين من غير دليلٍ، وبالله التوفيق. المسألة السابعة انقراض العصر غير معتبرٍ قال القرافي: (فائدة) (فورك) قال المحدثون: الصحيح فيه ضم الفاء. قوله: (وصفهم بالخيرية؛ لقوله تعالى:﴾ وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا ﴿[البقرة:١٤٣] ينافي إجماعهم على الخطأ): قلنا: قد تقدمت الأسئلة عليه، في أن الإجماع حجةً، وتوجيه التمسك بهذه النصوص على عدم اشتراط انقراض العصر. أن اشتراطه إنما كان لاحتمال الرجوع قبل الانقراض عن الخطأ، فإذا كان قولهم صوابًا بظاهر النصوص، استحال الرجوع عنه، فلا معنى لاشتراط الانقراض، والمراد هاهنا بانقراض العصر موت المجمعين، لا انقراض تلك المائة من السنين.

стр. 2594

قوله: (لأنه قد حدث جماعة من التابعين في زمن الصحابة، فيجوز لهم مخالفة الصحابة، فلا يستقر إجماع). قلنا: المرتب على تقديرٍ جائزٍ لا يلزم وقوعه، بل المرتب على الجائز الوقوع يكون جائز الوقوع، لا أنه واقع، وتجويز المخالفة لا يلزم وقوعها. فعلى تقدير وقوعها يلزم ما ذكرتم، وعلى تقدير عدم وقوعها لا يلزم، فلم يصر دليلكم مستلزمًا لمطلوبكم، ثم إنا نتكلم في أن الإجماع إذا حصل وماتوا كان حجة. فإذا لم يقع ذلك لا يصيرنا في غرضنا؛ لأنا لا ندعى وقوع الإجماع جزمًا، وما ادعيناه ليس مُحالا، ويكفي ذلك في صحةً الدعوى، ولو وقع في مسألة واحدة. (فائدة) قال سيف الدين: القائلون بانقراض العصر اختلفوا في إدخال من أدرك المجمعين . قال ابن حنبل: (لا يدخل الشافعي في إجماع ذلك العصر) في إحدى الروايتين عنه. مع أنه يشترط انقراض العصر، وفائدة الاشتراط عنده إمكان رجوع المجمعين أو بعضهم لا وجود مجتهد آخر.

стр. 2595

وعلى هذا يندفع السؤال. قال إمام الحرمين في (البرهان): إن كان مستند الإجماع قطعيًا، فلا نشترط انقراض العصر، أو ظنيًا فلا ينبرم الإجماع حتى يطول الزمان مع اسمرارهم على الفكر، ولم ينقدح لواحد منهم خلاف، فهذا حينئذ يلتحق بالإجماع، مع أن العادة تحيل أن الظنون لا تتعين مع طول الزمان، غير أنه إذا وقع كان إجماعًا، فإن ماتوا على الفور بأن وقع عليهم سقف ونحوه، لم يكن إجماعًا. (فائدة) قال المحدثون: (عبيدة السلماني) من أصحاب علي ﵁ وخواصه ، وهو بفتح العين المهملة وكسر الباء بواحدة من تحتها، وبعدها ياء باثنتين من تحتها قبلها كسرة تحت الياء، ودال مفتوحة، والسلماني: بتشديد السين المهملة وفتحها، وسكون اللام، وفتح الميم، ونون مكسورة وياء مشددة. قال السمعاني في (كتابة ذلك) قال: ومن المحدثين من يفتح اللام و (سلمان): بطن من (مراد)، والمنسوب إليه اسمه: سلمان، وفتح اللام غير صواب. قوله: (دل قول عبيدة على أن الإجماع كان حاصلا مع أن عليًا ﵁ خالفه).
следующие страницы →