← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

المسألة السابعة قال الرازي: انقراض العصر غير معتبرٍ عندنا في الإجماع؛ خلافًا لبعض الفقهاء والمتكلمين، منهم الأستاذ أبو بكر بن فورك . لنا: قوله تعالى:﴾ وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا ﴿[البقرة:١٤٣] وصفهم بالخيرية، وإجماعهم لا على الصواب يقدح في وصفهم بالخيرية. وأيضًا: فقوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على الخطأ) ينافي إجماعهم على الخطأ، ولو في لحظةٍ واحدةٍ. ومما تمسكوا به في المسألة: أنا لو اعتبرنا الانقراض، لم ينعقد إجماع؛ لأنه قد حدث من التابعين في زمن الصحابة قوم من أهل الاجتهاد، فيجوز لهم مخالفة الصحابة؛ لأن العصر لم ينقرض، ثم الكلام في العصر الثاني كالكلام في العصر الأول؛ فوجب ألا يستقر إجماع أبدًا. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المعتبر انقراض عصر من كان مجتهدًا عند حدوث الحادثة، لا من يتجدد بعد ذلك. فلا يلزم اعتبار عصر التابعين، إذا حدث فيهم مجتهد بعد حدوث الحادثة؟ قلت: بتقدير أن يحدث في التابعين واحد من أهل الاجتهاد قبل انقراض عصر من كان مجتهدًا، عند حدوث الحادثة من الصحابة، ففي ذلك الوقت إجماع الصحابة غير منعقد؛ فوجب أن يجوز للتابعي مخالفتهم، وكذلك يحدث في تابعي التابعين قبل انقراض عصر من كان مجتهدًا من التابعين، وهلم جرا إلى زماننا؛ فيلزم ألا ينعقد الإجماع على ذلك التقدير.

стр. 2592

ثم إنا نجوز هذا الاحتمال في كل الإجماعات، ولا نعلم عدمه؛ فوجب ألا ينعقد شيء من الإجماعات. واحتج المخالف بأمورٍ: أحدها: أن عليًا ﵁، سئل عن بيع أمهات الأولاد، فقال: (قد كان، رأيي، ورأي عمر ألا يبعن، ثم رأيت بيعهن). فقال له عبيدة السلماني: (رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك)؛ فدل قول عبيدة على أن الإجماع كان حاصلا، مع أن عليًا ﵁ خالفه. وثانيها: أن الصديق كان يرى التسوية في القسم، ولم يخالفه أحد في زمانه، ثم خالفه عمر بعد ذلك. وثالثها: أن الناس ما داموا في الحياة يكونون في التفحص والتأمل؛ فلا يستقر الإجماع. ورابعها: قوله تعالى:﴾ لتكونوا شهداء على الناس ﴿[البقرة:١٤٣] ومذهبكم يقتضي أن يكونوا شهداء على أنفسهم أيضًا. وخامسها: أن قول المجمعين لا يزيد على قول النبي ﷺ ، فإذا كانت وفاة النبي ﷺ شرطًا في استقرار الحجة من قوله؛ فلأن يعتبر ذلك في قول أهل الإجماع أولى. والجواب عن الأول: أن قول السلماني: (رأيك في الجماعة) دل على أن المنع من بيعهن كان رأي جماعةٍ، ولم يدل على أنه كان رأي كل الأمة، وإنما أراد أن ينضم قول علي إلى قول عمر، ﵄؛ لأنه رجح قول الأكثر على قول الأقل.

стр. 2593

وعن الثاني: أنا لا نسلم انعقاد الإجماع على فعل أبي بكرٍ، ﵁، بل نقل أن عمر ﵁، نازعه فيه. وعن الثالث: أنهم إن أرادوا بنفي الاستقرار أنه لا يحصل الاتفاق، فهو باطل؛ لأن كلامنا في أنه لو حصل، لكان حجةً، وإن أرادوا به أنه بعد حصوله لا يكون حجةً فهو عين النزاع. وعن الرابع: أن كونهم:﴾ شهداء على الناس ﴿[البقرة:١٤٣] لا ينافي شهادتهم على أنفسهم. وعن الخامس: أنه جمع بين الموضعين من غير دليلٍ، وبالله التوفيق. المسألة السابعة انقراض العصر غير معتبرٍ قال القرافي: (فائدة) (فورك) قال المحدثون: الصحيح فيه ضم الفاء. قوله: (وصفهم بالخيرية؛ لقوله تعالى:﴾ وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا ﴿[البقرة:١٤٣] ينافي إجماعهم على الخطأ): قلنا: قد تقدمت الأسئلة عليه، في أن الإجماع حجةً، وتوجيه التمسك بهذه النصوص على عدم اشتراط انقراض العصر. أن اشتراطه إنما كان لاحتمال الرجوع قبل الانقراض عن الخطأ، فإذا كان قولهم صوابًا بظاهر النصوص، استحال الرجوع عنه، فلا معنى لاشتراط الانقراض، والمراد هاهنا بانقراض العصر موت المجمعين، لا انقراض تلك المائة من السنين.

стр. 2594

قوله: (لأنه قد حدث جماعة من التابعين في زمن الصحابة، فيجوز لهم مخالفة الصحابة، فلا يستقر إجماع). قلنا: المرتب على تقديرٍ جائزٍ لا يلزم وقوعه، بل المرتب على الجائز الوقوع يكون جائز الوقوع، لا أنه واقع، وتجويز المخالفة لا يلزم وقوعها. فعلى تقدير وقوعها يلزم ما ذكرتم، وعلى تقدير عدم وقوعها لا يلزم، فلم يصر دليلكم مستلزمًا لمطلوبكم، ثم إنا نتكلم في أن الإجماع إذا حصل وماتوا كان حجة. فإذا لم يقع ذلك لا يصيرنا في غرضنا؛ لأنا لا ندعى وقوع الإجماع جزمًا، وما ادعيناه ليس مُحالا، ويكفي ذلك في صحةً الدعوى، ولو وقع في مسألة واحدة. (فائدة) قال سيف الدين: القائلون بانقراض العصر اختلفوا في إدخال من أدرك المجمعين . قال ابن حنبل: (لا يدخل الشافعي في إجماع ذلك العصر) في إحدى الروايتين عنه. مع أنه يشترط انقراض العصر، وفائدة الاشتراط عنده إمكان رجوع المجمعين أو بعضهم لا وجود مجتهد آخر.

стр. 2595

وعلى هذا يندفع السؤال. قال إمام الحرمين في (البرهان): إن كان مستند الإجماع قطعيًا، فلا نشترط انقراض العصر، أو ظنيًا فلا ينبرم الإجماع حتى يطول الزمان مع اسمرارهم على الفكر، ولم ينقدح لواحد منهم خلاف، فهذا حينئذ يلتحق بالإجماع، مع أن العادة تحيل أن الظنون لا تتعين مع طول الزمان، غير أنه إذا وقع كان إجماعًا، فإن ماتوا على الفور بأن وقع عليهم سقف ونحوه، لم يكن إجماعًا. (فائدة) قال المحدثون: (عبيدة السلماني) من أصحاب علي ﵁ وخواصه ، وهو بفتح العين المهملة وكسر الباء بواحدة من تحتها، وبعدها ياء باثنتين من تحتها قبلها كسرة تحت الياء، ودال مفتوحة، والسلماني: بتشديد السين المهملة وفتحها، وسكون اللام، وفتح الميم، ونون مكسورة وياء مشددة. قال السمعاني في (كتابة ذلك) قال: ومن المحدثين من يفتح اللام و (سلمان): بطن من (مراد)، والمنسوب إليه اسمه: سلمان، وفتح اللام غير صواب. قوله: (دل قول عبيدة على أن الإجماع كان حاصلا مع أن عليًا ﵁ خالفه).

стр. 2596

قلنا: لفظ الجماعة لا يقتضي الإجماع، فقد قال ﵇: (الاثنان فما فوقهما جماعة)؛ ولأنها من الجمع والضم، فيكفي فيه اثنان. قوله: (كان الصديق ﵁ يرى التسوية في القسم): تقريره: أن الظاهر أن مراده بالقسم قسم أموال بيت المال. وكذلك فسره البريزي، فإنه كان يسوى بين أهل الفضائل وغيرهم في القسم، ويقول: سابقة الإسلام وغيرها من الفضائل لها أجور ودرجات عند الله - تعالى - تقابلها، والدنيا ليست جزاء على ذلك، بل هي لسد الخلة وعبور الحياة، وكان يفرق بحسب الحاجة فقط. وكان عمر ﵁ يقدم أهل الفضائل على غيرهم ترغيبًا فيها؛ لأن النفوس جبلت على الاستكثار فيما يظهر لهم جدواه، والإقبال عليه من ولاة الأمور. قوله: (الناس ما داموا في الحياة يكونون في الفحص والنظر): قلنا: لا نسلم أنه يمكن النظر بعد الإجماع؛ لتعين الحق حينئذ، فلا معني للنظر بعد ذلك. قوله: (ورابعها: قوله تعالى:﴾ لتكونوا شهداء على الناس ﴿[البقرة:١٤٣]، ومذهبكم يقتضي أنهم يكونون شهداء على أنفسهم أيضًا): قلنا: معنى قوله تعالى:﴾ شهداء على الناس ﴿أي: على الأمم يوم القيامة، كما جاء في الصحيح: إن نوحًا ﵇ تجحده أمته البعثة إليهم، فيقول الله تعالى: هل لك من يشهد لك؟ فيأتي إلى هذه الملة

стр. 2597

المحمدية، فيشهدون له، فتقول أمته: كيف يشهدون علينا وما رأونا؟ فتقول هذه الأمة: يا ربنا أنزلت علينا:﴾ إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه ﴿[نوح:١]، فتتم شهادتهم عليهم)، وليس المراد كون الإجماع حجة، فلا تناقض بين شهادتهم وهذه المسألة. قول: (قول المجمعين لا يزيد على قول النبي ﷺ - وإذا كانت وفاته ﵇ شرطًا في استقرار الحجة في قوله، فلأن يصير ذلك في قول أهل الإجماع أولى): قلنا: الفرق أن قوله ﵇ قابل النسخ، والإجماع لا يقبله. قوله: (إنه جمع بين الموضعين من غير دليل): قلنا: لا نسلم، بل الجامع بينهما أن رسول الله ﷺ - معصوم، والإجماع معصوم، فالجامع العصمة، وعصمة الأنبياء مقدمة لاتفاق الأمة عليها في الجملة، بخلاف الإجماع؛ ولأن جميع الأنبياء معصومون، ولم يُعصم من الأمم إلا هذه الأمة؛ ولأن قول النبي ﷺ - أصل الإجماع في عصمتها، ودليلها والأصول أقوى من الفروع. فهذا تقرير كون قول الرسول ﵇ أولى. * * *

стр. 2598

المسألة الثامنة قال الرازي: اختلفوا في أنا لو جوزنا انعقاد الإجماع عن السكوت، فهل يعتبر فيه الانقراض ؟. ذهب كثير ممن لم يعتبر الانقراض في الإجماع القولي إلى اعتباره هاهنا؛ لأن سكوته يمكن أن يكون للتفكر في حكم تلك الحادثة، فأما إذا مات عليه، علمنا حينئذ أن سكوته كان رضًا، وهذا ضعيفٌ؛ لأن السكوت إن دل على الرضا، وجب أن يحصل ذلك قبل الموت. وإن لم يدل عليه، لم يحصل ذلك أيضًا بالموت؛ لاحتمال أنه مات على ما كان عليه قبل الموت، والله أعلم. المسألة الثامنة هل يعتبر الانقراض في الإجماع السكوتي؟ قال القرافي: قوله: (السكوت إن دل على الرضا، فلا حاجة للموت، وإن لم يدل، فلا يؤثر الموت): قلنا: مسلم، لكن يمتنع الجزم مع السكوت طمعًا في إبداء ما في النفس. فإذا حصل الموت كان ظاهرًا بحال يقتضي أنه ما في نفسه شيء من المخالفة، وإلا أبداه مع أنه يجوز أن يموت على التوقف؛ لعدم الدليل. * * *

стр. 2599

المسألة التاسعة قال الرازي: الإجماع المروى بطريق الآحاد حجة؛ خلافًا لأكثر الناس . لنا: أن ظن وجوب العمل به حاصل؛ فوجب العمل به؛ دفعًا للضرر المظنون، ولأن الإجماع نوع من الحجة، فيجوز التمسك بمظنونه، كما يجوز بمعلومه؛ قياسًا على السنة، ولأنا بينا أن أصل الإجماع قاعدة ظنية، فكيف القول في تفاصيله؟!. المسألة التاسعة المروى بأخبار الآحاد حجة قال القرافي: قوله: (العمل به يقتضي دفع الضرر بالمظنون). قلنا: قد تقدم أن الضرر المظنون كيف كان لا يجب دفعه، بل الضرر الخاص، فلم قلتم: إن هذا من القسم الذي يجب دفعه؟ وقد تقدم للتبريزي النقض على هذا المدرك بصور كثيرة، منها: شهادة الكفار، والصبيان، والفساق، والواحد العدل. فإن الظن حاصل في هذه الصور، ولا يجب دفعه، فلابد في الظن من مرتبة معينة هي المعتبرة، وغيرها غير معتبر. قوله: (الإجماع نوع من الحجة، فيستوي معلومة ومظنونه، كالسنة): قلنا: ليس العلة في الأصل كونه نوعًا من الحجة، وإلا لا ينقض بالعقليات؛ لأنها حجة في أصول الديانات، ولا يجوز التمسك بمظنونها، ولأنه تمسك بالقياس في إثبات أصل الإجماع، مع أن الإجماع أصل للقياس، فيكون إثبات الأقوى بالأضعف، والأصل بالفرع، فيلزم الدور.

стр. 2600

(تنبيه) قال التبريزي على تمسكه: هذا قياس الإجماع، وليس بحجة في الأصول ، والعمل بالسنة مأخوذ من الإجماع، ولا إجماع هاهنا. قال: والمعتمد أنا إذا ظننا كون الحكم مقولا به من أهل الإجماع، وعلمنا وجوب إتباع قولهم، صار الحكم مظنونًا بالمقدمتين؛ مظنونه ومقطوعة، فيجب العمل به في محل الاجتهاد أخذًا من سيرة الصحابة، ولا يلزم عليه القرآن المنقول على لسان الآحاد؛ لأنه ليس محل الاجتهاد، ولا نسلم حصول الظن بكونه من القرآن إذا كان أحادًا. * * *

стр. 2601

القسم الثالث فيما أدخل في الإجماع، وليس منه قال الرازي المسألة الأولي: إذا قال بعض أهل العصر قولا، وكان الباقون حاضرين، لكنهم سكتوا، وما أنكروه، فمذهب الشافعي ﵁ وهو الحق أنه ليس بإجماع، ولا حجةٍ. وقال الجبائي: إنه إجماع وحجة بعد انقراض العصر. وقال أبو هاشمٍ: ليس بإجماعٍ، ولكنه حجة. وقال أبو علي بن أبي هريرة: إن كان هذا القول من حاكمٍ، لم يكن إجماعًا، ولا حجةً، وإن لم يكن من حاكمٍ، كان إجماعًا، وحجةً. لنا: أن السكوت يحتمل وجوهًا أخر، سوى الرضا، وهي ثمانية: أحدها: أن يكون في باطنه مانع من إظهار القول، وقد تظهر عليه قرائن السخط. وثانيها: ربما رآه قولا سائغًا أدى اجتهاده إليه، وإن لم يكن موافقًا عليه. وثالثها: أن يعتقد أن كل مجتهدٍ مصيب؛ فلا يرى الإنكار فرضًا أصلا. ورابعها: ربما أراد الإنكار، ولكنه ينتهز فرصة التمكن منه، ولا يرى المبادرة إليه مصلحةً. وخامسها: أنه لو أنكر، لم يلتفت إليه، ولحقه بسبب ذلك ذل، كما قال ابن عباسٍ في سكوته عن العول: (هبته، وكان والله مهيبًا).

стр. 2602

وسادسها: ربما في مهلة النظر. وسابعها: ربما سكت؛ لظنه أن غيره يقوم مقامه في ذلك الإنكار، وإن كان قد غلط فيه. وثامنها: ربما رأي ذلك الخطأ من الصغائر، فلم ينكره. وإذا احتمل السكوت هذه الجهات، كما احتمل الرضا، علمنا أنه لا يدل على الرضا، لا قطعًا، ولا ظاهرًا، وهذا معنى قول الشافعي، ﵀: (لا ينسب إلى ساكتٍ قول). واحتج الجبائي: بأن العادة جارية بان الناس، إذا تفكروا في مسألة زمانًا طويلا، واعتقدوا خلاف ما انتشر من القول، أظهروه، إذا لم تكن هناك تقية، ولو كانت هناك تقية، لظهرت واشتهرت فيما بين الناس، فلما لم يظهر سبب التقية، ولم يظهر الخلاف، علمنا حصول الموافقة. وجوابه: ما بينا أن وراء الرضا احتمالات أخرى. واحتج أبو هاشمٍ: بأن الناس في كل عصرٍ يحتجون بالقول المنتشر في الصحابة، إذا لم يعرف له مخالف. وجوابه: أن ذلك ممنوع. واحتج أبو علي بن أبي هريرة: بأن هذا القول، إن كان من حاكمٍ، لم يدل سكوت الباقين على الإجماع؛ لأن الواحد منا قد يحضر مجالس الحكام فيجدهم يحكمون بخلاف مذهبه، وما يعتقده، ثم لا ينكر عليهم، وإن كان من غير الحاكم، كان إجماعًا، وهو ضعيف؛ لأن عدم الإنكار إنما يكون بعد

стр. 2603

استقرار المذهب، وأما حال الطلب، فالخصم لا يسلم جواز السكوت، إلا عن الرضا، سواء كان مع الحاكم، أو مع غيره، والله أعلم. القسم الثالث (فيما أدخل في الإجماع وليس منه) قال القرافي: قوله: (مذهب الشافعي ليس إجماعًا، ولا حجة على آخره): تقريره: أنه لما كان السكوت محتملا للمخالفة وغيرها، لم يبق إلا قول البعض، وهو ليس بإجماع ولا حجة. وقال الجبائي: إجماع وحجة؛ لأن السكوت دليل الرضا، فالمنطوق به قول الكل، فيكون إجماعًا وحجة. وقال أبو هاشمٍ: ليس بإجماع ألبتة، لأن السكوت لا يقوم مقام النطق؛ فلا يكون إجماعًا، وهو يفيد ظنًا قويًا؛ فيكون حجة لذلك. وقال ابن أبي هريرة: إن كان القائل حاكمًا لم يكن إجماعًا ولا حجة، وإلا فإجماع وحجة؛ لأن الحاكم كثير الفحص عن رعيته، فيعلم من الأسباب، والأحوال ما لم يطلع عليه غيره. فربما كان ظاهر حكمه على خلاف الإجماع؛ لأجل ما خفي عن غيره، وهو حق، فهو يعتمد في حكمه أسبابًا وأحوالا، ومدارك شرعية. وربما أداة إلى ترجيح ما هو مرجوح في غير هذه الصورة، وأما غير الحاكم فلا يحكم إلا بالأدلة الشرعية فقط. وغيره يشاركه في ذلك، فلو أخطأ لرد عليه غيره، ويتعدد الرد في حق الحاكم؛ لتعدد جهات حكمه.

стр. 2604

قوله: (ربما رآه قولا سائغًا لمن أداه اجتهاده إليه، وإن لم يوافق عليه): تقريره: أن المصالح قد تتقارب، ولا يتعين الخطأ في أحدها، فلا نقول به لعدم الرجحان عنده، ولا ننكره لعدم تعين مفسدته. قوله: (قد يعتقد أن كل مجتهد مصيب): قلنا: هذا غير مانعٍ من الإنكار؛ لأنه وإن اعتقد ذلك، فهو يعتقد مع ذلك أن القائل وإن اجتهد فقد أخطأ الراجح والدليل بالكلية، فينكر عليه لذلك. وإن كان يعتقد أنه مكلف بما غلب على ظنه، فإنا وإن قلنا: كل مجتهد مصيب، فإنا لم نقل: إن الأدلة مستوية، ولا أن كل أحد لابد أن يصادف في اجتهاده مدركًا صحيحًا، بل قد يتفق خلاف ذلك على هذا التقدير. قوله: (ربما أراد الإنكار، ولكنه ينتظر الفرصة): تقريره: أنه يروى عن جعفر الصادق: (ما كل ما يعلم يقال ولا كل ما يقال حضر رجاله، ولا كل ما حضر رجاله حضر أوانه، ولا كل ما حضر أوانه حضرت أحواله، ولا كل ما حضرت أحواله أمن غوره، فاحذر لسانك ما استطعت، والسلام). قوله: (لو أنكر لحدث بسبب ذلك كما قال ابن عباس في سكوته عن القول: هبته، وكان مهيبًا) يعني: عمر ﵄. قلنا: هذا يتعين حمله على أن الدليل لم يكن في غاية الظهور عند ابن عباس، وكان الظهور في الدليل يحتاج لنظرة وإيضاح، والهيبة تمنع من ذلك، فلم يتعين الإنكار، أما لو ظهر الدليل ظهورًا تامًا، فالمعلوم من أخلاق الصحابة أنهم لا يسكتون على مثل هذا. قوله: (رأي ذلك الخطأ من الصغائر فلم ينكره):

стр. 2605

قلنا: هذا غير متجه فإن الإنكار واجب في الصغائر إجماعًا، وكذلك التعزيز، وإنما لا يفسق بها العدل فقط. قوله: (وإذا احتمل ذلك لم يدل على الرضا قطعًا، ولا ظاهرًا): قلنا: الأول مسلم. وأما الثاني فممنوع، بل الظن حاصل بالسكوت بشهادة العادل، والأصل عدم هذه الاحتمالات، وندرة بعضها يسقطه عن الاعتبار. قوله: ٠يحضر أحدنا مجلس الحاكم، ويجده يحكم بخلاف مذهبه، ولا ينكر عليه): قلنا: هذا إنما يتأتي في المقلدين بعد اختلاف المذاهب، واستقرارها. أما لو كان الحاكم على مذهبنا أنكرنا عليه كونه ما حكم بمذهبنا. وإذا كان الحاكم والحاضر مجتهدين، فهو ينكر أيضًا؛ لأنه لم يتعين للمجتهد، ولا للحاضر مذهب، بل مقصود الجميع الدليل الراجح. فإذا غلب على ظن الحاضر مخالفة الراجح أنكره عليه. (فائدة) قال القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص): هذه المسألة فيها أقسام: الأول: أن ينتشر القول بين الصحابة، ويعلم أنه قول جميعهم بأن يكون بعضهم قائلا به، والبعض الآخر عاملا به، أو راضٍ به على وجهٍ لو استفتي لم يفت إلا به. فهذا إجماع يحرم خلافه.

стр. 2606

الثاني: أن يظهر من الساكتين تصويب القائلين، ولا يفهم رضاهم بأنه قول لهم، ففيه خلاف، وأكثرهم على أنه إجماع، وهو مذهب المالكية، وأكثر الأصوليين على أنه ليس بحجة ولا إجماع. الثالث: إذا لم ينتشر، فأكثر الأصوليين على أنه ليس بإجماع ولا حجة. وقيل: إجماع. الرابع: إذا لم ينتشر عند الصحابة، ثم انتشر في التابعين، أو بعد التابعين. فإن رأي أهل ذلك العصر صحته، فهو إجماع. * * *

стр. 2607

المسألة الثانية قال الرازي: اختلفوا فيما إذا قال بعض الصحابة قولا، ولم يعرف له مخالف ، والحق أن هذا القول: إما أن يكون مما تعم به البلوى، أو لا يكون: فإن كان الأول؛ ولم ينتشر ذلك القول فيهم: فلابد، وأن يكون لهم في تلك المسألة قول: إما موافق، أو مخالف، ولكنه لم يظهر؛ فيجري ذلك مجرى قول البعض بحضرة الباقين، وسكوت الباقين عنه. وإن كان الثاني: لم يكن إجماعًا، ولا حجةً؛ لاحتمال ذهول البعض عنه. وبهذا التقدير: لا يكون للذاهلين فيه قول؛ فلا يكون الإجماع حاصلا. المسألة الثانية (إذا لم يعرف لبعض الصحابة مخالف) قال القرافي: الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها - الساكت حاضر، وهاهنا القائل: لم يبلغنا أنه حضر أحد، غير أنه لم ينقل عن غير القائل فقط.

стр. 2608

فإذا كان مما تعم به البلوى، فالغالب طلب الجمع الكبير له؛ لأجل عموم سبب فيهم. فيكون عندهم قول لم يبلغنا، فيكون كسكوت البعض. وأما إذا لم تعم به البلوى، فلعله لم يبلغ من لم ينقل عنه، بل لم يطرق سمعه ألبتة. * * *

стр. 2609

المسألة الثالثة قال الرازي: إذا استدل أهل العصر بدليلٍ، أو ذكروا تأويلا، ثم استدل أهل العصر الثاني بدليل آخر، أو ذكروا تأويلا آخر، فقد اتفقوا على أنه لا يجوز إبطال التأويل القديم ؛ لأنه لو كان ذلك باطلا، وكانوا ذاهلين عن التأويل الجديد الذي هو الحق، لكانوا مطبقين على الخطأ؛ وهو غير جائزٍ. وأما التأويل الجديد: فإن لزم من ثبوته القدح في التأويل القديم، لم يصح، كما إذا اتفقوا على تفسير اللفظ المشترك بأحد معنييه، ثم جاء من بعدهم، وفسره بمعناه الثاني، لم يجز ذلك؛ لأنا قد دللنا على أن اللفظ الواحد لا يجوز استعماله لإفادة معنييه جميعًا، فصحة هذا التأويل الجديد تقتضي فساد القديم؛ وأنه غير جائزٍ. أو يقال: إنه تعالى تكلم بتلك اللفظة مرتين؛ وهو باطل؛ لانعقاد الإجماع على ضده. وأما إذا لم يلزم من صحة التأويل الجديد فساد التأويل القديم، جاز ذلك، والدليل عليه: أن الناس يستخرجون في كل عصرٍ أدلةً، وتأويلاتٍ جديدة، ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعًا. وللمانع أن يحتج بأمورٍ: أولها: أن الدليل الجديد مغاير لسبيل المؤمنين؛ فوجب أن يكون محظورًا؛ لقوله تعالى:﴾ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴿[النساء:١١٥].

стр. 2610

وثانيها: أن قوله تعالى:﴾ كنتم خير أمةٍ ﴿[آل عمران:١١٠] خطاب مشافهة؛ فلا يتناول إلا أهل العصر الأول. ثم قوله:﴾ تأمرون بالمعروف ﴿[آل عمران:١١٠] يقتضي كونهم آمرين بكل معروفٍ، فكل ما لم يأمروا به، ولم يذكروه، وجب ألا يكون معروفًا؛ فكان منكرًا. وثالثها: أن الدليل الثاني، والتأويل الثاني لو كان صحيحًا لما جاز ذهول الصحابة مع تقدمهم في العلم - عنه. والجواب عن الأول: أن قوله:﴾ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴿[النساء:١١٥] خرج مخرج الذم، فيختص بمن اتبع ما نفاه المؤمنون؛ لأن ما لم يتكلم فيه المؤمنون بنفيٍ، ولا بإثباتٍ، لا يقال فيه: إنه إتباع لغير سبيل المؤمنين. وأيضًا: فالحكم بفساد ذلك الدليل ما كان سبيلا للمؤمنين؛ فوجب كونه باطلا. وعن الثاني: أن قوله:﴾ وتنهون عن المنكر ﴿[آل عمران: ١١٠] يقتضي نهيهم عن كل المنكرات، فكل ما لم ينهوا عنه، وجب ألا يكون منكرًا؛ لكنهم ما نهوا عن هذا الدليل الجديد؛ فوجب ألا يكون منكرًا. وعن الثالث: أنه لا استبعاد في أنهم اكتفوا بالدليل الواحد، والتأويل الواحد، وتركوا طلب الزيادة، والله أعلم. المسألة الثالثة (إذا ذكر أهل العصر تأويلا) قال القرافي: قوله: (قد دللنا على أنه لا يجوز استعمال المشترك في معنييه):

стр. 2611

قلنا: وقد تقدم تقرير ضده أيضًا، وهو مذهب الشافعي ومالكٍ، وجماعة عظيمة من العلماء. فإذا فرعنا عليه جاز أن يفسره العصر الأول بأحد المعنيين المرادين للمتكلم، ولا يخطر لهم الآخر؛ لأنهم لم يكلفوا به لعدم حضور سببه، وإنما حضر سبب ما فسروه به، والأمة يجوز عليها أن تشترك في الجهل فيما لم تكلف به، وإنما المحذور الجهل بما كلفت به، أو تفتى بخلاف الواقع. أما ترك الواقع مع عدم التكليف، فلا يقدح في العصمة؛ فإنه ليس من لوازم العصمة الإحاطة بجميع المعلومات. ولما جاء العصر الثاني حضر سبب المعني الآخر، فألهمه الله - تعالى - للعصر الثاني، وأعرضوا عن الأول، لانعدام سببه. فتتجه حينئذ المسألة، وقد ذكرت آخر كتاب الإجماع مباحث من هذه المسألة عن القاضي عبد الوهاب تناسب هذه المسألة، فلتطالع من هناك. * * *

стр. 2612

المسألة الرابعة قال الرازي: قال مالك: إجماع أهل المدينة وحدها حجة . وقال الباقون: ليس كذلك. حجة مالك: قوله ﷺ : (إن المدينة لتنفي خبثها؛ كما ينفي الكير خبث الحديد) والخطأ خبث؛ فكان منفيًا عنهم. فإن قيل: وجد في الخبر ما يقتضي كونه مردودًا؛ لأن ظاهره أن كل من خرج عنها، فإنه من الخبث الذي تنفيه (المدينة)؛ وذلك باطل؛ لأنه قد خرج منها الطيبون؛ كعلي، وعبد الله، رضي عنهما، بل ذكروا ثلاثمائةٍ ونيفًا من الصحابة الذين انتقلوا إلى (العراق) وهم أمثل من الذين بقوا فيها؛ كأبي هريرة وأمثاله. سلمنا سلامته عن هذا الطعن؛ لكنه من أخبار الآحاد؛ فلا يجوز التمسك به في مسألة علميةٍ. سلمنا صحة متنه؛ لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك محمولا على من خرج منها؛ لكراهية المقام بها، مع أن في المقام بها بركةً عظيمةً؛ بسبب جوار الرسول، وجوار مسجده ﷺ ، ومع ما ورد من الثناء الكثير على المقيمين بها؛ لأن الكاره للمقام بها، مع هذه الأحوال لابد وأن يكون ضعيف الدين، ومن كان كذلك، فهو خبث؟ سلمنا أن المراد كونها نافيةً للقول الباطل؛ لكن قوله: (لتنفي خبثها) ليس فيه صيغة عمومٍ.

стр. 2613

سلمناه؛ لكن لم لا يجوز تخصيص هذا القول بزمانه، ويكون المراد بالخبث الكفار. ثم إنه معارض بأمور ثلاثة: الأول: أن الذي دل على كون الإجماع حجةً وارد بلفظين: لفظ (المؤمنين) في آية المشاقة، ولفظ (الأمة) في غيرها، وهاتان اللفظتان غير مخصوصتين ببلدة، دون بلدةٍ؛ فوجب اعتبار الكل. الثاني: أن الأماكن لا تؤثر في كون الأقوال حجةً. الثالث: أن القول به يؤدي إلى المحال؛ لأن من كان ساكن المدينة، كان قوله حجةً، فإذا خرج منها لا يكون قوله حجةً، ومن كان قوله حجةً في مكانٍ، كان قوله حجةً في كل مكانٍ؛ كالرسول ﷺ . والجواب: قوله: (يقتضي أن كل من خرج من (المدينة)، فهو خبث): قلنا: لا نسلم؛ لأن الخبر يقتضي أن كل ما كان خبثًا، فإن (المدينة)، تخرجه؛ وهذا لا يقتضي أن كل ما تخرجه المدينة، فهو خبث. قوله: (إنه خبر واحدٍ، فلا يجوز التمسك به في العمليات): قلنا: لا نسلم أن هذه المسألة علمية، بل لما ثبت بهذا الخبر ظن أن إجماع أهل المدينة حجة، والعمل بالظن واجب - وجب العمل به. قوله: (نحمله على من كره المقام بالمدينة): قلنا: تقييد المطلق خلاف الأصل؛ ولو جاز ذلك، لجاز في قوله:﴾ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴿[النساء:١١٥]

стр. 2614

وفي قوله، ﵊: (لا تجتمع أمتي على خطأٍ) حمله على بعض الصور، ولما كان جواب الجمهور أن تخصيص العام، وتقييد المطلق خلاف الأصل، وأنه لا يجوز القول به من غير ضرورةٍ، فكذا هاهنا. قوله: (ليس في قوله: لتنفي خبثها صيغة عمومٍ): قلنا: لا نسلم؛ فإن الحقيقة لا تنتفي إلا عند انتفاء جميع أفرادها، فلولا انتفاء جميع أفراد الخبث عن (المدينة)؛ وإلا لما صح القول بأنها تنفي الخبث. قوله: (لم لا يجوز تخصيصه بزمانه؟): قلنا: لأن التخصيص خلاف الأصل. قوله: الأدلة على أن الإجماع حجة غير مختصة يقوم دون قومٍ. قلنا: تلك الأدلة لا تقتضي أن إجماع أهل (المدينة) حجة، ولكنها لا تبطل ذلك، فإذا أثبتناه بدليلٍ منفصلٍ، لم يلزمنا محذور. قوله: لا أثر للمكان. قلنا: لا استبعاد في أن يخص الله تعالى أهل بلدةٍ معينة بالعصمة؛ كما أنه لا استبعاد في أن يخص تعالى أهل زمانٍ معينٍ بالعصمة؛ فإنه تعالى خص أمتنا بالعصمة من بين سائر المم؛ بلي: العقل لا يدل على ذلك، وإنما الرجوع فيه إلى السمع. قوله: (من كان قوله حجة في مكانٍ، كان حجةً في كل مكانٍ؛ كالنبي ﷺ ): قلنا: هذا قياس طردي في مقابلة النص؛ فكان باطلا، والله أعلم.

стр. 2615

فهذا تقرير قول مالك ﵀ وليس بمستبعدٍ؛ كما اعتقده هو، وجمهور أهل الأصول، والله أعلم. المسألة الرابعة (إجماع المدينة حجة) قال القرافي: قوله: (الأماكن لا تؤثر في كون الأقوال حجة): قلنا: لم يقل مالك: إن إجماع (المدينة) حجة؛ لأجل البقعة، إنما اختلف أصحابه في تقرير مذهبه على قولين:

стр. 2616

.........................................................................

стр. 2617

......................................................................

стр. 2618

............................................................................

стр. 2619

.................................................................................

стр. 2620

................................................................................

стр. 2621

...........................................................................

стр. 2622

منهم من يقول: إنما مقصوده تلك الأقوال المنقولة خاصة، إما عن قولٍ سمعوه من رسول الله ﵇، أو عن فعل وضع كما كان في الصاع والمد، فينقل الأبناء عن الآباء، والإخلاف عن الأسلاف أن هذا هو المد الذي كانوا يؤدون به الزكاة إلى رسول الله ﷺ ، وأن الأذان كان على هذه الصورة في زمانه ﵇ كما قاله مالك لأبي يوسف، لما ناظره في الأذان، والصاع. والأوقاف. فسأل أبناء الصحابة، فأخبروه بذلك. فقال له: هذا أذان القوم، وهذا صاعهم، وهذه أوقاف الصحابة رضوان الله عليهم. فرجع أبو يوسف عن مذهب أبي حنيفة إلى ذلك، ومتى كان هذا هو المقصود خرج الحديث المنقول، والواقعة المنقولة عن حيز الظن والتخمين إلى حيز العلم، واليقين. فأقل أحوالها أن يرتقي عن رتبة الآحاد، فلا يختلف في تقديمه على الأحاديث الصحيحة المروية بالآحاد.

стр. 2623

ومنهم من قال: بل المقصود ما هو أعم من هذا وهو أنهم اتفقوا على فعل، أو كانوا في أنفسهم يفعلون فعلا لا يعلم مستندهم فيه، فإنه يكون حجة، ويقدم على الأحاديث؛ لأن الظاهر من حالهم أنهم ما عدلوا عن الحديث مع طلاعهم عليه إلا وقد اطلعوا على ناسخ، وكذلك القول في الترك. كما قال مالك في خيار المجلس أن الساعات مما تتكرر، فلو كان خيار المجلس مشروعًا لكان ذلك متكررًا بـ (المدينة) مشتهرًا، فحيث لم يكن له عندهم أثر دل ذلك على عدم اعتبار بيع الخيار، وأنه نسخ بغيره، وعلى كل تقدير، فلا عبرة بالمكان، بل لو خرجوا من هذا المكان إلى مكان آخر كان الحكم على حاله، فهذا سر هذه المسألة عند مالك، لا خصوص المكان، بل العلماء مطلقًا خصوصًا أهل الحديث يرجحون الأحاديث الحجازية على العراقية، حتى يقول بعض المحدثين: إذا تجاوز الحديث (الحرة) انقطع نخاعه. وسببه أنه مهبط الوحي، فيكون الضبط فيه أيسر وأكثر، وإذا بعدت الشقة كثر الوهم والتخليط، فلو خرج أولئك الرواة بجملتهم وسكنوا غير

стр. 2624

(الحجاز) كان الأمر بحاله لم يحصل فيه، وبذلك يندفع كثير من الأسئلة عن المسألة، كاستشكاله الفرق بينه وبين قوله ﵇ إذا خرج من موضعه، فإنا نلتزم التسوية في أن الأمرين حجة في جميع المواطن. قال القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص): إجماع المدينة: نقل واجتهاد. فالأول: ثلاثة أقسام: نقل شرع مبتدأ بقول، أو فعل، أو إقرار. ونقل ترك كالصاع، والأذان، والأجناس، والمنبر. والثاني: كنقلهم العمل المتصل في عهدة الرقيق. والثالث: كترك أخذ الزكاة من الخضروات مع كثرتها بـ (المدينة)، ولم يأخذ رسول الله ﷺ ولا الخلفاء بعده منها زكاة، فهذه حجة عندنا اتفاقًا، يترك لأجلها الأخبار والقياس والاجتهاد، وإجماعهم بالنظر والاجتهاد. ففيه لأصحابنا ثلاثة أقوال: قال ابن بكير والأبهري، وأبو الفرج، وغيرهم: ليس بحجة، ولا يرجح به أحد الاجتهادين، وأنكروا أن يكون هذا مذهبًا لمالك وأصحابه. وقيل: ليس بحجة، ولا يرجح به أحد الاجتهادين. وقال ابن العدل، وابن بكير وغيرهما: هو حجة كالإجماع في النقل، ووقع لمالك في رسالته لليث بن سعد ما يدل عليه، وهذا مذهب أصحابنا المغاربة، ومتى كان الإجماع عن اجتهاد قوم الخبر عليه عند جمهور أصحابنا. وقال بعض العلماء: إجماع (البصرة) حجة، وكذلك (الكوفة). وقال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع: قيل: إجماع (الكوفة) مع (البصرة) حجة، فيتحصل فيهما ثلاثة أقوال:

стр. 2625

المجموع، كل واحدة على حالها، (الكوفة) وحدها. قوله: (لا يقتضي الخبر أن كل ما خرج من (المدينة) فهو خبث): تقريره: أن الموجبة الكلية لا يجب انعكاسها، فقولنا: (كل خبث خارج من (المدينة)،) لا يقتضي أن كل خارج خبث، كما أنه إذا صدق: (كل إنسان حيوان) لا يلزم: كل حيوان إنسان، بل تنعكس جزئية لا كلية. فيصدق أن بعض الخارج خبث كما يصدق بعض الحيوان إنسان، وهو صحيح نقول به. قوله: (تقييد المطلق خلاف الأصل): قلنا: لا نسلم أنه مطلق، بل عام؛ لأنه اسم جنس أضيف، وقوله ﵇: (خبثها) كقوله ﵇: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) عام في جميع أفراد الماء والميتة. فالجواب المتجه أن نقول: الأصل عدم التخصيص، ولا نقول: الأصل عدم التقييد، وبينهما فرق كبير تقدم، وهو أن التخصيص عكس التقييد، لأن التخصيص تنقيص، والتقييد زيادة على المسمي، ولذلك لا حاجة إلى قولكم: (الحقيقة لا تنتفي إلا عند انتفاء جميع أفرادها)، بل الاستدلال بصيغة العموم أولى. قوله في الجواب عن قول السائل: لم لا يجوز تخصيصه بزمانه ﵇. قال: (التخصيص خلاف الأصل): قلنا: النص عام في جميع أفراد الخبث، مطلق في الأزمنة والأحوال، كما تقدم بيانه في تخصيص العموم، وإذا كان مطلقًا في الزمان لا يثبت التعميم، فلا يلزم التخصيص. قوله: (قياس طردي في مقابلة النص):

стр. 2626

قلنا: ليس قياسًا طرديًا، بل الجامع فيه هو العصمة في الصورتين. (سؤال) لا دلالة في الحديث؛ لأن الخبث في عرف الشرع هو ما نهي عنه كقوله ﵇: (كسب الحجام خبيث). فإنه يكره الكسب به. وقوله ﵇: (الكلب خبيث وخبيث ثمنه). والخطأ والنسيان لا يتعلق بهما نهي، ولا غيره من الأحكام الشرعية، بل هو في الشرع كفعل البهيمة لا يتعلق به ثواب ولا عقاب كقتل الخطأ، وفيه ثواب من غير نهي كخطأ الحاكم لقوله ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر). (فائدة) قال الغزالي في (المستصفى): قال قوم: إجماع الحرمين: (مكة) و (المدينة)، والمصرين: (الكوفة) و (البصرة) حجة . وقال ابن حزم في (مراتب الإجماع): قيل: إجماع أهل (الكوفة) حجة. والمدرك في الكل إجماع الصحابة ﵃ في هذه المواطن. * * *

стр. 2627

المسألة الخامسة قال الرازي: إجماع العترة وحدها ليس بحجةٍ؛ خلافًا للزيدية والإمامية . لنا: أن عليًا ﵁، خالفه الصحابة في كثير من المسائل، ولم يقل لأحد ممن خالفه: (إن قولي حجة، فلا تخالفني). احتجوا بالآية والخبر والمعني: أما الآية: فقوله تعالى:﴾ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرًا ﴿[الأحزاب:٣٣]؛ والخطأ رجس؛ فيجب أن يكونوا مطهرين عنه. وأما الخبر: فقوله ﵊: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به، لن تضلوا: كتاب الله وعترتي). وأما المعنى: فإن أهل البيت مهبط الوحي، والنبي ﷺ منهم وفيهم، فالخطأ عليهم أبعد.

стр. 2628

والجواب عن الأول: أن ظاهر الآية في أزواجه ﷺ لأن ما قبلها، وما بعدها خطاب معهن؛ لأنه تعالى قال:﴾ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولي ﴿[الأحزاب:٣٣] ويجري هذا المجرى قول الواحد لأبنه: (تعلم وأطعني، إنما أريد لك الخير). ومعلوم أن هذا القول لا يتناول إلا ابنه، فكذا هاهنا. فإن قلت: هذا باطل من وجوهٍ: أحدها: أنه لو أرادهن، لقال: إنما يريد الله ليذهب عنكن الرجس. وثانيها: أن أهل البيت على، وفاطمة، والحسن، والحسين، رضوان الله عليهم؛ لأنه لما نزلت هذه الآية، لف الرسول ﷺ عليهم كساء، وقال: (هؤلاء أهل بيتي). وثالثها: أن كلمة (إنما) للحصر، فهي تدل على أنه تعالى ما أراد أن يزيل الرجس عن أحد إلا عن أهل البيت؛ وهذا غير جائزٍ؛ لأنه تعالى أراد زوال الرجل عن الكل، وإذا تعذر حمله على ظاهره، وجب حمله على زوال بعض الرجس عنهم؛ لأن ذكر السبب لإرادة المسبب جائز، وزوال الرجس هو العصمة. فإذن هذه: الآية تدل على عصمة أهل البيت، وكل من قال ذلك، زعم أن المراد به علي، وفاطمة والحسن، والحسين، لا غير، فلو حملناه على غيرهم، كان ذلك قولا ثالثًا. قلت: الجواب عن الأول: أن التذكير لا يمنع من إرادتهن بالخطاب، وإنما يمنع من القصر عليهن. وعن الثاني: أنه معارض بما روى عن أم سلمة؛ أنها قالت لرسول الله ﷺ :

стр. 2629

(ألست من أهل البيت؟ فقال: بلى، إن شاء الله) ولأن لفظ (أهل البيت) حقيقة فيهن لغةً، فكان تخصيصه ببعض الناس خلاف الأصل. وعن الثالث: لا نسلم دلالة الآية على زوال كل رجسٍ؛ لأن المفرد المعرف لا يفيد العموم. والجواب عن التمسك بالخبر: أنه من باب الآحاد؛ وعند الإمامية لا يجوز العمل به؛ فضلا عن العلم. فإن قلت: بل هو صحيح قطعًا؛ لأن الأمة اتفقت على قبوله، بعضهم للاستدلال به على أن إجماع العترة حجة، وبعضهم للاستدلال به على فضيلتهم. قلت: قد تقدم أن هذا لا يفيد القطع بالصحة. سلمنا صحة الخبر؛ لكنه يقتضي وجوب التمسك بالكتاب، والعترة، وذلك مسلم؛ فلم قلتم: إن قول العترة وحدها حجة؟! والجواب عن التمسك بالمعنى: أنه باطل بزوجاته ﷺ ، فإنهن شاهدن أكثر أحواله، مع أن قولهن ليس وحده بحجةٍ. المسألة الخامسة (إجماع العترة) قال القرافي: قوله: (إن عليا خالفه الصحابة): قلنا: المدعى إجماع العترة، وعلى وحده ليس إجماعًا. قوله: (الخطأ رجس): قلنا: لا نسلم؛ لأن الخطأ ليس لله - تعالى - فيه حكم، بل معفو عنه، كفعل البهيمة.

стр. 2630

والرجس في الشرع ما كان مستبعدًا شرعًا، كما تستبعد النجاسة طبعًا، فيكون منهيًا عنه لقوله تعالى:﴾ فأعرضوا عنهم أنهم رجس ﴿[التوبة:٩٥] ونحو ذلك. قوله: (الآية في أزواجه ﵇: قلنا: (الكاف) و (الميم) لا تكون إلا للمذكر لغة وحقيقة، والأصل في الكلام الحقيقة. قال ابن عطية في تفسيره: أهل البيت هاهنا اختلف فيهم، فقال ابن عباس وعكرمة ومقاتل: (هم أزواجه خاصةً لا رجل معهن)، والمراد بالبيت: مساكن النبي ﷺ . وقال الجمهور: أهل البيت: فاطمة، وعلي، والحسن والحسين. قال ﵇: (نزلت هذه الآية في خمسة: في وفي علي، وفاطمة، والحسن، والحسين). قال: وحجة الجمهور أن الضمير ضمير تذكير. وقال الثعلبي: هم بنو هاشم، فيكون المراد بالبيت بيت النسب. وقاله زيد بن أرقم. قوله: (كلمة (إنما) للحصر، فتدل على أنه - تعالى - ما أراد أن يزيل
следующие страницы →