Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
قلنا: ليس قياسًا طرديًا، بل الجامع فيه هو العصمة في الصورتين.
(سؤال)
لا دلالة في الحديث؛ لأن الخبث في عرف الشرع هو ما نهي عنه كقوله ﵇: (كسب الحجام خبيث).
فإنه يكره الكسب به.
وقوله ﵇: (الكلب خبيث وخبيث ثمنه).
والخطأ والنسيان لا يتعلق بهما نهي، ولا غيره من الأحكام الشرعية، بل هو في الشرع كفعل البهيمة لا يتعلق به ثواب ولا عقاب كقتل الخطأ، وفيه ثواب من غير نهي كخطأ الحاكم لقوله ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر).
(فائدة)
قال الغزالي في (المستصفى): قال قوم: إجماع الحرمين: (مكة) و (المدينة)، والمصرين: (الكوفة) و (البصرة) حجة .
وقال ابن حزم في (مراتب الإجماع): قيل: إجماع أهل (الكوفة) حجة.
والمدرك في الكل إجماع الصحابة ﵃ في هذه المواطن.
* * *
стр. 2627
المسألة الخامسة
قال الرازي: إجماع العترة وحدها ليس بحجةٍ؛ خلافًا للزيدية والإمامية .
لنا: أن عليًا ﵁، خالفه الصحابة في كثير من المسائل، ولم يقل لأحد ممن خالفه: (إن قولي حجة، فلا تخالفني).
احتجوا بالآية والخبر والمعني:
أما الآية: فقوله تعالى:﴾ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرًا ﴿[الأحزاب:٣٣]؛ والخطأ رجس؛ فيجب أن يكونوا مطهرين عنه.
وأما الخبر: فقوله ﵊: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به، لن تضلوا: كتاب الله وعترتي).
وأما المعنى: فإن أهل البيت مهبط الوحي، والنبي ﷺ منهم وفيهم، فالخطأ عليهم أبعد.
стр. 2628
والجواب عن الأول: أن ظاهر الآية في أزواجه ﷺ لأن ما قبلها، وما بعدها خطاب معهن؛ لأنه تعالى قال:﴾ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولي ﴿[الأحزاب:٣٣] ويجري هذا المجرى قول الواحد لأبنه: (تعلم وأطعني، إنما أريد لك الخير).
ومعلوم أن هذا القول لا يتناول إلا ابنه، فكذا هاهنا.
فإن قلت: هذا باطل من وجوهٍ:
أحدها: أنه لو أرادهن، لقال: إنما يريد الله ليذهب عنكن الرجس.
وثانيها: أن أهل البيت على، وفاطمة، والحسن، والحسين، رضوان الله عليهم؛ لأنه لما نزلت هذه الآية، لف الرسول ﷺ عليهم كساء، وقال: (هؤلاء أهل بيتي).
وثالثها: أن كلمة (إنما) للحصر، فهي تدل على أنه تعالى ما أراد أن يزيل الرجس عن أحد إلا عن أهل البيت؛ وهذا غير جائزٍ؛ لأنه تعالى أراد زوال الرجل عن الكل، وإذا تعذر حمله على ظاهره، وجب حمله على زوال بعض الرجس عنهم؛ لأن ذكر السبب لإرادة المسبب جائز، وزوال الرجس هو العصمة.
فإذن هذه: الآية تدل على عصمة أهل البيت، وكل من قال ذلك، زعم أن المراد به علي، وفاطمة والحسن، والحسين، لا غير، فلو حملناه على غيرهم، كان ذلك قولا ثالثًا.
قلت: الجواب عن الأول: أن التذكير لا يمنع من إرادتهن بالخطاب، وإنما يمنع من القصر عليهن.
وعن الثاني: أنه معارض بما روى عن أم سلمة؛ أنها قالت لرسول الله ﷺ :
стр. 2629
(ألست من أهل البيت؟ فقال: بلى، إن شاء الله) ولأن لفظ (أهل البيت) حقيقة فيهن لغةً، فكان تخصيصه ببعض الناس خلاف الأصل.
وعن الثالث: لا نسلم دلالة الآية على زوال كل رجسٍ؛ لأن المفرد المعرف لا يفيد العموم.
والجواب عن التمسك بالخبر: أنه من باب الآحاد؛ وعند الإمامية لا يجوز العمل به؛ فضلا عن العلم.
فإن قلت: بل هو صحيح قطعًا؛ لأن الأمة اتفقت على قبوله، بعضهم للاستدلال به على أن إجماع العترة حجة، وبعضهم للاستدلال به على فضيلتهم.
قلت: قد تقدم أن هذا لا يفيد القطع بالصحة.
سلمنا صحة الخبر؛ لكنه يقتضي وجوب التمسك بالكتاب، والعترة، وذلك مسلم؛ فلم قلتم: إن قول العترة وحدها حجة؟!
والجواب عن التمسك بالمعنى: أنه باطل بزوجاته ﷺ ، فإنهن شاهدن أكثر أحواله، مع أن قولهن ليس وحده بحجةٍ.
المسألة الخامسة
(إجماع العترة)
قال القرافي: قوله: (إن عليا خالفه الصحابة):
قلنا: المدعى إجماع العترة، وعلى وحده ليس إجماعًا.
قوله: (الخطأ رجس):
قلنا: لا نسلم؛ لأن الخطأ ليس لله - تعالى - فيه حكم، بل معفو عنه، كفعل البهيمة.
стр. 2630
والرجس في الشرع ما كان مستبعدًا شرعًا، كما تستبعد النجاسة طبعًا، فيكون منهيًا عنه لقوله تعالى:﴾ فأعرضوا عنهم أنهم رجس ﴿[التوبة:٩٥] ونحو ذلك.
قوله: (الآية في أزواجه ﵇:
قلنا: (الكاف) و (الميم) لا تكون إلا للمذكر لغة وحقيقة، والأصل في الكلام الحقيقة.
قال ابن عطية في تفسيره: أهل البيت هاهنا اختلف فيهم، فقال ابن عباس وعكرمة ومقاتل: (هم أزواجه خاصةً لا رجل معهن)، والمراد بالبيت: مساكن النبي ﷺ .
وقال الجمهور: أهل البيت: فاطمة، وعلي، والحسن والحسين.
قال ﵇: (نزلت هذه الآية في خمسة: في وفي علي، وفاطمة، والحسن، والحسين). قال: وحجة الجمهور أن الضمير ضمير تذكير.
وقال الثعلبي: هم بنو هاشم، فيكون المراد بالبيت بيت النسب.
وقاله زيد بن أرقم.
قوله: (كلمة (إنما) للحصر، فتدل على أنه - تعالى - ما أراد أن يزيل
стр. 2631
الرجس عن أحد إلا عن أهل البيت، وذلك غير جائز؛ لأنه أراد أن يزيل الرجس عن الكل، وإذا تعذر حمله على ظاهره حمل على زوال بعض الرجس عنهم؛ لأن ذكر السبب لإرادة المسبب جائز.
وزوال الرجس هو العصمة، وكل من قال بالعصمة قال: المراد على، وفاطمة، والحسن، والحسين فقط):
قلنا: هذه الآية مشكلة، فينبغي بسطها قبل الحديث عليها، ووجه إشكالها أن فعل (أراد) يتعدى بنفسه.
تقول: (أردت الخير)، وهاهنا عدى بـ (اللام) أو يكون المفعول محذوفًا، وكلاهما يحتاج لتقرير.
أما تعديته بـ (اللام) فقد وقع له نظائر في القرآن كثيرة.
منها: قوله تعالى:﴾ يريدون ليطفئوا نور الله ﴿[الصف:٨]،﴾ بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ﴿[القيامة:٥].
قال الزمخشري في (الكشاف): دخلت (اللام) للتأكيد؛ لأن اللام إنما تكون في اللغة للغرض.
والغرض الإرادة، فصار بينهما وبين الإرادة مناسبة، فدخلت تأكيدًا للإرادة؛ لأنها في معناها.
والأصل: يريدون أن يطفئوا نور الله.
فحذفت (أن) لأنها لا تثبت مع لام (كي) ونظيرها دخول (اللام) في الإضافة نحو: [الطويل]:
..................... ......... لا أبالك ............
стр. 2632
لأن (اللام) في معنى الإضافة، فدخلت تأكيدًا للإضافة، وذلك يتجه هاهنا، ويتجه هاهنا أن يكون المفعول محذوفًا، وتكون (اللام) لام (كي) على بابها من غير تأكيد.
تقديره: إنما يريد الله ذلك.
إشارة إلى ما تقدم من قرارهن في بيوتهن، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وعدم التبرج.
ويكون المراد بالإرادة الشرعية تقديره: إنما شرع لكم هذه المحاسن ليذهب عنكم العيوب، والإرادة تطلق للشرعية كما في قوله تعالى:﴾ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴿[البقرة:١٨٥]، أي يسر لكم ما تطيقون دون المعجوز عنه، كما عبر عن التكليف بالرضا بقوله تعالى:﴾ ولا يرضى لعباده الكفر ﴿[الزمر:٧]، أي: لا يشرعه دينًا، وذلك من مجاز الملازمة؛ لأن من شرع شيئًا، فقد أراده ورضيه في العادة، فصار الرضا والإرادة لازمين للشرعية، فعبر بهما عن الشرعية، وكذلك صرح ابن عطية في (تفسيره) بحذف المفعول من قوله تعالى:﴾ بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ﴿[القيامة:٥]، وبالجملة الآية محتملة للوجهين، إذا تقرر هذا فعلى تقدير أن يكون المفعول محذوفًا، لا تدل الآية على أنه - تعالى - ما أراد إزالة الرجس عن أحد إلا عن أهل البيت، بل تدل على أنه - تعالى - إنما أراد شرعية تلك المحاسن لهذه الحكمة، وأنت إذا قلت: (إنما أعطيتك هذا المال ليتسع حالك) لا تدل على أنك لا توسع على غيره، بل على حصر غرضك في التوسعة عليه، لا أنك لا توسع على غيره، وكذلك إذا قلت: إنما اشتريت هذه السلعة لأربح فيها، لا تدل على أنك تقصد الربح في غيرها، وإن قلنا: (اللام) للتأكيد نقول: تقدير الكلام: إنما يريد الله أن يذهب الرجس عنكم، و (أن) مع الفعل بتأويل المصدر، فيصير التقدير:
стр. 2633
إنما يريد الله إذهاب الرجس عنكم، فتدل على حصر إرادته - تعالى - في إذهاب الرجس عنهم لا على حصر زوال الرجس عنهم، لكن يلزمكم منه أنه لو أراد إزالة الرجس عن غيرهم، لكان مريدًا لذلك فلا تنحصر الإرادة في المذكور، والمقدر انحصارها، هذا خلف نتيجة المنع حينئذٍ، وللخصم أن يجيب عن المنع بالتزام حذف المفعول كما تقدم، وعبارة الكتاب نكرة؛ فإن قوله: ٠إن أراد أن يزيل الرجس عن الكل) يحتمل كل المؤمنين، وهو الظاهر، ويحتمل كل الناس؛ فإن ما من أحد إلا وقد أزيل عنه عيب، ولقي معصية ونوعًا من الكفر والآثام، ولم يجتمع الجميع لأحد.
وقوله (يحمل على زوال الرجس عنهم) أتي بالضمير، فصار ملبسًا في احتمال عوده على الكل، أو أهل البيت، والمراد به أهل البيت، فكان ينبغي له التصريح به، فيقول: فتحمل على العصمة، بل تلكلكت العبارة، واضطربت، ولابد لكل مصنف من وقت يكون فيه مغير الخاطر، فتتغير عبارته لذلك، ومن اعتبر تصانيف الناس وجد ذلك كثيرًا فيها.
(سؤال)
تقدم في (باب الأفعال) الكلام على عصمة الأنبياء ﵈ وتحقيق معنى العصمة ، وأنها مختلفة الحقائق، وأنها في حق الأنبياء ﵈، وتحقيق معنى العصمة، وأنها مختلفة، وأنها في حق الملائكة ومجموع الأمة واحدة، وهي ترجع إلى إخبار الله - تعالى - عن المعصوم بأنه قدر له الاستمرار على الاستقامة، واختبار الخطأ، وأنه علم ذلك، وأراده، وأنها ليست مفسرة بمطلق عدم العصمة، وإلا لكان كل أحد معصومًا؛ لأن ما من أحد إلا وقد عدمت منه معاصٍ، وعصمة الأنبياء
стр. 2634
ومجموع الأمة هو المراد في عصمة أهل البيت، وعلى هذا التقدير يكون ذهاب الرجس مسببًا للعصمة لا سببًا لهأ، فلا يستقيم قوله في الكتاب: (إنه من باب إطلاق السبب لإرادة المسبب)، بل هو العكس.
(سؤال)
إذا تعذر حمل العموم على ظاهره، يحمل على التخصيص ، وهو زوال الرجس عن أهل البيت خاصة، والتخصيص من حمله على العصمة؛ لأنه من باب مجاز الملازمة، والتخصيص مقدم على المجاز كما تقدم في (اللغات).
قوله: (التذكير لا يمنعهن بالخطاب).
قلنا: استعمال المذكر في المؤنث، أو فيهما مجاز، الأصل عدمه، فهو يمنع بهذا الطريق.
أو نقول: بل يمنعه بلفظه من جهة مفهومه؛ فإن مفهوم التذكير يمنع التأنيث.
قوله: (نعارضهم بأن رسول الله - جعل أم سلمة من أهل البيت).
قلنا: ليس في هذا معارضة؛ فإن لفظ الأهل مشترك.
تقول العرب: تأهل الرجل إذا تزوج، وأهل الرجل امرأته، وأهل الرجل أيضًا: رهطه وأقاربه، وكذلك البيت مشترك بين بيت السكن، وبيت النسب، وإذا تقرر الاشتراك، فجاز أن تكون الآية نزلت في أحد المعنيين من المشترك، والحديث ورد في الآخر، ولا يلزم من استعمال المشترك في أحد معانيه ألا يستعمل مرة أخرى في معنى آخر.
قوله: (لا تدل الآية على زوال الرجس).
стр. 2635
قلنا: وإن سلم الخصم أن المفرد المعرف بـ (اللام) لا يعم، مع أنه له أن يمنعه؛ بناء على ما تقدم في العموم من أنه مذهب الفقهاء، فلا يرد عليه؛ لأن الرجس إن لم يرد به العموم يكون المراد به الماهية الكلية، ومعلوم بالضرورة أن الله - تعالى - لم تنحصر إرادته في إزالة مطلق الرجس عن أهل البيت خاصة، بمعنى أن ما من أحد إلا وقد أزال عنه فردًا من أفراد الرجس وإزالة الماهية التي يلزم من زوالها زوال كل فرد، فما حصل هذا لأهل البيت، ولا لغيرهم من المؤمنين، بمعنى أن الله - تعالى - لم تنحصر إرادته في هذا، بل إرادته - تعالى - تعلقت بأمور كثيرة غير هذا، فلا يتجه الجواب على كل تقدير.
قوله: (تقدم أن هذا لا يفيد القطع بصحة الخبر).
تقريره: أن الأمة إذا أجمعت على الاستدلال بالخبر، قد يكون ذلك لأنه مفيد للظن، ولا يتوقف استدلالهم به على إفادته للقطع، فلا يدل إجماعًا على الاستدلال به أنه قطعي.
(سؤال في الآية)
إن قوله تعالى:﴾ ليذهب ﴿[الأحزاب:٣٣] لفظ مستقبل لا يختص بزمان ، وليس فيه دلالة على عموم الأزمان، فلعل هذا في الدار الآخرة؛ فإن الرجس يطلق على العذاب لقوله:﴾ رجزًا من السماء ﴿[البقرة:٥٩] أو في غير الآخرة، فلا يتعين محل النزاع.
(سؤال)
إذا كان لفظ (الأهل) مشتركًا، فلعل رسول الله ﷺ فهم منه أنه استعمل في مفهوميه، وهو الراجح؛ لأنه جمع بين الأحاديث .
стр. 2636
فقد قال لأم سلمة: (أنت من أهل البيت) إن شاء الله تعالى، وعلى هذا التقدير تكون الأزواج مع العترة حجة، ولا يلزم منه أن العترة وحدها حجة لبعض الأمة.
(تنبيه)
غير سراج الدين فقال في الجواب: ظاهر الآية يقتضي حصر إرادة إزالة الرجس في أهل البيت، وهو غير مراد ، فيحمل على زوال الرجس حملا للسبب على المسبب، وإذا زال كل رجس عنهم لزمت عصمتهم.
(فائدة)
(عترة الرجل) بالتاء اليابسة: أقاربه الأدنون، وعشيرته الأخصون به .
* * *
стр. 2637
المسألة السادسة
قال الرازي: إجماع الأئمة الأربعة وحدهم ليس بحجةٍ .
وحكي أبو بكر الرازي: أن أبا خازمٍ القاضي كان يقول: إجماع الخلفاء الأربعة حجة، ولهذا لم يعتد بخلاف زيد بن ثابتٍ في توريث ذوى الأرحام، وحكم برد أموالٍ حصلت في بيت مال المعتضد إلى ذوى الأرحام، وقبل المعتضد فتياه، وأنفذ قضاءه، وكتب به إلى الآفاق، ومن الناس من جعل إجماع الشيخين حجةً.
واحتج: أبو خازمٍ بقوله ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ).
واحتج الباقون: بقوله ﵊: (اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر) ولما لم يمكن الاقتداء بهما حال اختلافهما، وجب ذلك حال اتفاقهما.
والجواب: أنه معارض بقوله ﷺ : (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) مع أن قول كل واحدٍ من الصحابةٍ وحده ليس بحجةً.
المسألة السادسة
إجماع الأربعة
قال القرافي: قوله: (في الاستدلال بقوله ﵇: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي):
قلنا: الخلفاء بـ (لام التعريف) تعم كل خليفة رشيد؛ فإن كل المراد
стр. 2638
حقيقة اللغة من الكلية دون الكل؛ لأنه مدلول صيغة العموم، فيكون كل واحد وحده حجة، والخصم لا يقول به.
وإن كان المراد الكل، فيكون المراد هو المجموع، وذلك يدل بمفهومه على أن البعض من الخلفاء ليس بحجة، فلا يكون الأربعة حجة.
قوله: (نعارضه بقوله ﵇: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم).
تقريره: أن الخصم يقول: إذا عارض أحد الصحابة قول هؤلاء الجماعة لا يصح الاقتداء بذلك وحده، والحديث يرد عليه.
* * *
стр. 2639
المسألة السابعة
قال الرازي: إجماع الصحابة مع مخالفة من أدركهم من التابعين ليس بحجةٍ خلافًا لبعضهم .
لنا: لو كان قول التابعي باطلا، لما جاز رجوع الصحابة إليه؛ لكنهم قد رجعوا إليه.
عن ابن عمر، ﵄؛ أنه سئل عن فريضةٍ، فقال: (سلوها سعيد ابن جبيرٍ؛ فإنه أعلم بها).
وعن أنسٍ، ﵁: ربما سئل عن شيءٍ، فقال: (سلوا مولانا الحسن؛ فإنه سمع وسمعنا، وحفظ ونسينا).
وسئل ابن عباسٍ عن (النذر بذبح الولد) فأشار إلى مسروقٍ، فأتاه السائل بجوابه، فتابعه عليه، وفي أمثال هذه الروايات كثرة.
واحتج المخالف بالآية، والخبر، والأثر:
أما الآية: فقوله تعالى:﴾ لقد رضي الله عن المؤمنين؛ إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴿[البقرة:١٨] ولن يرضي عنهم، إلا إذا كانوا غير مقدمين على فعل شيءٍ من المحظورات، ومتى كان كذلك، كان قولهم حجةً.
أما الخبر: فقوله ﵊: (لو أنفق غيرهم ملْ الأرض ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصفيه) وذلك يدل على أن التابعي، إذا خالف، فالحق ليس مع التابعي، بل معهم.
стр. 2640
وأما الأثر: فهو أن عائشة ﵂ أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن خلافه علي ابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها، وهي حامل، وقالت: (فروج يصيح مع الديكة).
والجواب عن الأول: أن الآية مختصة بأهل بيعة الرضوان، وبالاتفاق لا اختصاص لهم بالإجماع.
وعن الخبر: أنه يلزم منه أن الصحابي الواحد، إذا قال نقيض قول التابعي أن نقطع بأن الحق قول الصحابي.
وعن الأثر: أن إنكارها على أبي سلمة، لعله كان لأنه خالف بعد الإجماع، أو في مسألة قطعية، أو لأنه خالف قبل أن كان أهلا للاجتهاد، أو لأنه أساء الأدب في المناظرة، ولأن قول عائشة، ﵂، ليس بحجةٍ.
المسألة السابعة
إجماع الصحابة مع مخالفة من أدركهم من التابعين ليس بحجة.
قال القرافي: قوله: (احتجوا بقوله تعالى:﴾ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴿[الفتح:١٨]):
стр. 2641
قلنا: هذه الآية على الخصم لا له؛ لأن لفظ (إذا) ظرف، وهو يدل بمفهومه على سلب الرضا في غير ذلك الزمان، كما إذا قلت: (رضيت عن زيد يوم الجمعة) مفهومه من جهة تخصيص الشيء بالذكر يدل على سلبه عن غير ذلك الزمان، ثم إن رضا الله - تعالى - عبارة عن معاملتهم معاملة الراضي، واللفظ لفظ المضي، فتكون الآية إخبارًا عن وقوع ذلك في الزمان الماضي؛ إذ لا يلزم من ذلك معاملتهم بذلك بعد ذلك.
فلا حجة فيه، ولو عاملهم قد لا يمنع ذلك مباشرتهم الخطأ؛ فإن الله - تعالى - يثيب على الخطأ؛ لقوله ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر)، بل قد يعامل الله - تعالى - عبده معاملة الراضي، وهو على المعصية استدراجًا له؛ لقوله تعالى:﴾ إنما نملى لهم ليزدادوا إيمًا ﴿[آل عمران:١٧٨]،﴾ أيحسبون أنما نمدهم به من مالٍ وبنين نسارع لهم في الخيرات ﴿[المؤمنون:٥٥، ٥٦].
قوله ﷺ : (لو أنفق أحدكم ملْ الأرض ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفيه).
стр. 2642
قلت: هذا الحديث يقتضي أن مواهب الله - تعالى - وثوابه للسابقين أكثر، ولا يقتضي أنه معصوم من الخطأ، بدليل أن عوام الناس لم يبلغ أحدهم نصف حال مالك والشافعي ونحوهما.
ومع ذلك فليس قول كل واحد منهم حجة.
قوله: (إن عائشة ﵂ أنكرت على أبي سلمة):
قلنا: لعل إنكارها كان لاطلاعها على مخالفة نص، أو قاعدة، لا لأن قول ابن عباس في نفسه حجة، بل المعلوم من حالها إنكارها على جماعة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - عدة من الفروع، وذلك معلوم في السنن، وما ذلك إلا لاعتقادها مخالفتهم للدليل الشرعي، فهاهنا كذلك.
قوله: (قول عائشة ليس بحجة):
قلنا: مذهب مالك وجماعة من العلماء أن قول كل صحابي وحده حجة، لاسيما عائشة التي قال فيها ﵇: (خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء).
(سؤال)
ما الفرق بين هذه المسألة، وبين مسألة اشتراط انقراض العصر ، فإنه قد قال فيها: (إن حدوث التابعين في زمان الصحابة لا يقدح في إجماع الصحابة)؟.
جوابه: أن هذه المسألة خلاف التابعي موجود عند فتوى الصحابة، فلم توجد الفتوى لكل الأمة؛ لأن التابعي من الأمة، ثم لم يوجد مخالف حالة
стр. 2643
الفتوى، فكان المعني بها كل الأمة، فلا يصير خلافه بعد ذلك؛ لأن خلافه باطل.
(سؤال)
على قوله: (رجع ابن عمر لسعيد بن جبير وغيره)، فإنه غير متجه ؛ لأن الدعوى أن إجماع الصحابة حجة، وإن خالفهم التابعون، وهذه المسألة ليس فيها إجماعهم، بل واحد منهم، فلا يتم المقصود.
* * *
стр. 2644
المسألة الثامنة
قال الرازي: اختلفوا في انعقاد الإجماع، مع مخالفة المخطئين من أهل القبلة في مسائل الأصول ، فإن لم نكفرهم اعتبرنا قولهم؛ لأنهم إذا كانوا من المؤمنين، ومن الأمة، كان قول من عداهم قول بعض المؤمنين؛ فلا يكون حجةً، وإذا كفرناهم، انعقد الإجماع بدونهم؛ لكن لا يجوز التمسك بإجماعنا على كفرهم في تلك المسائل؛ لأنه إنما ثبت خروجهم عن الإجماع بعد ثبوت كفرهم في تلك المسائل، فلو أثبتنا كفرهم فيها بإجماعنا وحدنا، لزم الدور.
واعلم أن قول العصاة من أهل القبلة معتبر في الإجماع؛ لأن من مذهبنا أن المعصية لا تزيل اسم الإيمان؛ فيكون قول من عداهم قول بعض المؤمنين؛ فلا يكون حجةً.
المسألة الثامنة
اختلفوا في انعقاد الإجماع مع
مخالفة المخطئ من أهل القبلة
قال القرافي: قوله: (يثبت كفرهم بإجماعنا، وإلا لزم الدور):
تقريره: أن تكفيرهم بإجماعنا فرع لكون إجماعنا حجة، وإنما يكون حجة إذا كفروا حتى ننفي نحن كل الأمة، فيلزم الدور.
* * *
стр. 2645
المسألة التاسعة
قال الرازي: الإجماع لا يتم مع مخالفة الواحد والاثنين؛ خلافًا لأبي الحسين الخياط من المعتزلة، ومحمد بن جرير الطبري، وأبي بكر الرازي .
لنا: أن جميع الصحابة أجمعوا على ترك قتال مانعي الزكاة، وخالفهم فيه أبو بكر، ﵁، وحده فيه، ولم يقل أحد: (إن خلافه غير معتد به)، بل لما ناظروه، رجعوا إلى قوله، وكذلك ابن عباسٍ، وابن مسعودٍ خالفا كل الصحابة في مسائل الفرائض، وخلافهما باقٍ إلى الآن.
واحتج المخالف بأمورٍ:
أحدها: أن لفظي (المؤمنين) و (الأمة) يتناولهم، مع خروج الواحد، والاثنين منهم؛ كما يقال في البقرة: (إنها سوداء)، وإن كانت فيها شعرات بيض، وكما يقال للزنجي: (إنه أسود) مع بياض حدقته وأسنانه.
وثانيها: قوله ﵊: (عليكم بالسواد الأعظم) وقوله: (الشيطان مع الواحد) وهذا يقتضي أن الواحد المنفرد بقوله مخطئ.
وثالثها: أن الإجماع حجة على المخالف، فلو لم يكن في العصر مخالف، لم يتحقق هذا المعني.
ورابعها: أن الصحابة أنكرت على ابن عباسٍ خلافه للباقين في الصرف.
وخامسها: أن المسلمين اعتمدوا في خلافه أبي بكرٍ ﵁ على الإجماع، مع مخالفة سعدٍ، وعلي بن أبي طالبٍ، ﵃.
стр. 2646
وسادسها: أن في رواية الأخبار يحصل الترجيح بكثرة العدد، فكذا في أقوال المجتهدين.
وسابعها: أن اتفاق الجمع على الكذب ممتنع عادةً، واتفاق الجمع القليل على ذلك غير ممتنعٍ، فإذا اتفقت الأمة على الحكم الواحد، إلا الواحد منهم أو الاثنين، كان ذلك الجمع العظيم قد أخبروا عن أنفسهم بكونهم مؤمنين، وذلك لا يحتمل الكذب.
وأما الواحد، والاثنان، لما أخبروا عن أنفسهم بكونهم مؤمنين، فذلك يحتمل الكذب، وإذا كان كذلك، كان ما اتفق عليه الكل سوى الواحد، والاثنين هو سبيل المؤمنين قطعًا؛ فوجب أن يكون حجةً.
وثامنها: لو اعتبرنا مخالفة الواحد، والاثنين، لم ينعقد الإجماع قطعًا؛ لأنه لا يمكننا أن ندعى في شيءٍ من الإجماعات أنه ليس هناك واحد، أو اثنان يخالفون فيه.
والجواب عن الأول: أن ألفاظ العموم لا تتناول الأكثر؛ على سبيل الحقيقة في اللغة؛ لأنه يجوز أن يقال لما عدا الواحد من الأمة: (ليسوا كل الأمة) ويصح استثناؤه عنهم.
وعن الثاني: أن السواد الأعظم كل الأمة؛ لأن من عدا الكل، فالكل أعظم منه، ولولا ما ذكرناه، لدخل تحته النصف من الأمة، إذا زاد على النصف الآخر بواحدٍ.
وأما قوله ﵊: (الشيطان مع الواحد) فذلك لا يقتضي أن يكون مع كل واحدٍ، وإلا لم يكن قول الرسول ﷺ وحده حجةً.
стр. 2647
وعن الثالث: أنه حجة على المخالف الذي يوجد بعد ذلك، ولو كان الأمر كما ذكرتم، لوجب في كل إجماعٍ أن يكون فيه مخالف شاذ.
وعن الرابع: أن الصحابة ما أنكروا علي ابن عباسٍ مخالفته للإجماع؛ بل مخالفته خبر أبي سعيدٍ، ﵄.
وعن الخامس: أن الإمامة لا يعتبر في انعقادها حصول الإجماع؛ بل البيعة كافية.
وعن السادس: لم قلتم: إن الحال في الإجماع كالحال في الرواية؟ فلو كان كذلك، لحصل الإجماع بقول الواحد، والاثنين؛ كالرواية.
وعن السابع: أنا وإن عرفنا في ذلك الجمع كونهم مؤمنين، لكنا لا ندرى أنهم كل المؤمنين؛ فلا جرم لم يجب علينا أن نحكم بقولهم.
وعن الثامن: أنا إنما نتمسك بالإجماع؛ حيث يمكننا العلم بذلك، كما في زمان الصحابة؛ ﵃.
* * *
стр. 2648
المسألة التاسعة
لا يتم الإجماع بمخالفة الواحد وأو الاثنين
المسألة العاشرة
قال الرازي: الإجماع إذا لم يحصل فيه قول من كان متمكنًا من الاجتهاد، وإن لم يكن مشهورًا، به لم يكن حجةً؛ لأن قول من عداه قول بعض المؤمنين؛ فلا يندرج تحت أدلة الإجماع، والله أعلم.
قال القرافي: قلت: لم يفهرس سيف الدين هكذا، بل قال: اختلفوا في انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل.
قال الأكثرون: لا ينعقد.
وقال ابن جرير، وأبو بكر الرازي، وأبو الحسين الخياط من المعتزلة، وابن حنبل في إحدى الروايتين عنه: ينعقد.
وقال قوم: إن بلغ الأقل عدد التواتر لم يعتد بالإجماع، وإلا اعتد به.
وقال أبو عبد الله الجرجاني: إن استوعب الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف، فخلافه معتد به، وإلا فلا، كخلاف ابن عباس الجماعة في مسألة العول؛ فإنها محل اجتهاد.
стр. 2649
وأنكر الناس الاجتهاد في خلاف ابن عباس في المتعة وربا الفضل، فلا يعتد به هاهنا.
وقيل: الأكثر حجة لا إجماع.
وقيل: إتباع الأكثر أولى، وإن جاز خلافه. فهذه خمسة مذاهب لم يحك الإمام منها إلا مذهبين.
قوله: (في قوله ﵇: (عليكم بالسواد الأعظم):
قلنا: هذا لنا؛ لأن مجموع الأمة هو الذي يصدق عليه الأعظم على الإطلاق، فيكون هو المراد، ويدل بمفهومه على عدم اعتبار غيره.
* * *
стр. 2650
القسم الرابع
فيما يصدر عنه الإجماع
قال الرازي: المسألة الأولي: لا يجوز حصول الإجماع إلا عن دلالةٍ، أو أمارةٍ، وقال قوم: يجوز صدوره عن التبخيت .
لنا: أن القول في الدين بغير دلالةٍ، أو أمارةٍ خطأ؛ فلو اتفقوا عليه، لكانوا مجمعين على الخطأ؛ وذلك يقدح في الإجماع.
احتج المخالف بأمرين:
الأول: أنه لو لم ينعقد الإجماع إلا عن دليلٍ، لكان ذلك الدليل هو الحجة، ولا يبقي في الإجماع فائدة.
الثاني: أن الإجماع لا عن الدلالة، ولا عن الأمارة قد وقع؛ كإجماعهم على بيع المراضاة وأجرة الحمام.
والجواب عن الأول: أن ذلك يقتضي ألا يصدر الإجماع عن دلالةٍ، لا عن أمارةٍ ألبتة، وأنتم لا تقولون به.
ولأن فائدة الإجماع: أنه يكشف عن وجود دليلٍ في المسألة، من غير حاجةٍ إلى معرفة ذلك الدليل، والبحث عن كيفية دلالته على المدلول.
وعن الثاني: أن الصور التي ذكرتموها، غايتكم أن تقولوا: لم ينقل إلينا فيها دليل، ولا أمارة، ولا يمكنكم القطع بأنهما ما كانا موجودين؛ فلعلهما كانا موجودين، لكن تركوا نقلهما للاستغناء بالإجماع عنهما.
стр. 2651
القسم الرابع
فيما عنه يصدر الإجماع
قال القرافي: قوله: (يجوز صدوره عن التبخيت):
قلت: هذه اللفظة اختلفت تأويلات الناس لها، ونقلتها في أنواع التصحيف.
فقال سراج الدين: (لا يجوز صدور الإجماع عن الشبهة)، ففسرها بالشبهة، كأنه رأي أن معناها (التبحيت) بالحاء المهملة، ولا شك أن هذا مشكل؛ لأن الأمارة تصيب وتخطئ، وهو قد قال: لا يجوز صدور الإجماع عن غير دلالة وأمارة، فجعل محل النزاع فيما عدا الأمارة، مع أن الشبهة هي أمارة تحتمل الصواب والخطأ.
هذا ما على هذا التفسير، ويعضد هذا التفسير قول المصنف بعد هذا في الجواب: (يلزم صدور الإجماع لا عن دلالة، ولا عن أمارة، وأنتم لا تقولون به)، فجعل قولهم لا يخرج عن الأمارة، وهو مناقض لما قاله في أول المسالة.
وقال سيف الدين في (الإحكام): اتفق الكل على أن الأمة لا تجمع إلا عن مأخذ يوجب اجتماعهم خلافًا لمن شذ.
فقال: يجوز الإجماع توفيق لا توقيف، بأن يوفقهم الله - تعالى - لاختيار الصواب من غير مستند، فصرح بما تقتضي الحاء المعجمة.
وقال أبو الحسين في (المعتمد): (لا تجتمع الأمة تبخيتًا) كلفظ
стр. 2652
المصنف، غير أنه قال بعده: (وأجازه قوم بالتوفيق لا بالتوقيف)، فكان المصنف، والله أعلم اقتصر على لفظه الأول دون الثاني، فدخله التصحيف والتحريف، وكذلك اقتصر عليه القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص).
وقال: (لا يجوز إجماعهم لغير مدرك شرعي بالتبخيت)، وقال ابن برهان في (الأوسط): قال: جماعة من المتكلمين: يجوز أن يجمعوا لغير مستندٍ، بل يوفقهم الله - تعالى - للصدق والصواب.
قوله: (القول في الدين بغير دلالة، أو أمارة خطأ٩:
قلنا: لا نسلم؛ لأن مذهب الخصم أن الله - تعالى - وفقهم للصواب، فلا خطأ حينئذ.
قوله: (لو كان الإجماع عن دليل لم يبق فيه فائدة):
قلنا: لا نسلم، بل الإجماع يكون قطعيًا، والمستند الذي لهم لا يفيد القطع، فحصلت الفائدة؛ ولأن الناس لم يزالوا يستدلون على المطلب الواحد بعدة أدلة، كان عقليًا، أو نقليًا، فلا يلزم من حصول دليل امتناع دليل آخر، هو الإجماع أو غيره، ثم إنه منقوض بقول الرسول ﵇؛ فإنه لا يقول ما نقوله إلا عن دليل، وهو حجة بالاتفاق.
قوله: (ولأنهم أجمعوا لا عن دليل كبيع المراضاة، وأجرة الحمام):
وزاد سيف الدين في هذه الحجة: ناصب الحباب على الطريق، وأجره الحلاق، وأخذ الخراج، ولم يذكر بيع المرضاة.
وقال أبو الحسين في (المعتمد): أجمعوا على بيع المراضاة من غير عقد، والاستبضاع، وأجره الحمام، وأخذ الخراج، وأخذ زكاة من الخيل.
стр. 2653
ثم قال: والجواب أن كل ذلك ما وقع إلا عن دليل، وإن لم ينقل، وأما الاستبضاع فقد كان على عهد رسول الله ﷺ ولم ينكره، وتقريره ﵇ دليل، وبيع المراضاة جرت العادة به في الأخذ والإعطاء، وذلك يجري مجرى القول، وكذلك أجرة الحمام مقدرة بالعادة.
وأما قسمة أراضي (العراق) فللإمام التصرف بحسب المصلحة، ولهذا لم يقسم ﵇ منازل (مكة)، ولا آبار (هوازن)، وأما أخذ الزكاة من الخيل فغير مجمع عليه؛ ولأن من أوجبها بلغة حديث فيها.
قلت: بيع المراضاة لا إجماع فيه؛ لأنه بيع المعاطاة، والشافعي وجماعة من العلماء يمنعونه، فلا إجماع حينئذ، ونصب الحباب من المعروف، فيدل عليه قوله تعالى:﴾ وافعلوا الخير ﴿[الحج:٧٧]، ونحوه، وهو كثير في الكتاب والسنة.
* * *
стр. 2654
............................................................................
стр. 2655
المسألة الثانية
قال الرازي: القائلون بأنه لا ينعقد الإجماع إلا عن طريق اتفقوا على جواز وقوعه عن الدلالة .
والحق عندنا: جواز وقوعه عن الأمارة أيضا، وقال ابن جرير الطبري: ذلك غير ممكن، ومنهم: من سلم الإمكان، ومنع الوقوع، ومنهم: من قال: الأمارة إن كانت جلية، جاز، وإلا، فلا.
لنا: أن ذلك قد وقع؛ روي عن عمر، ﵁؛ أنه شاور الصحابة في حد الشارب، فقال علي، ﵁: (إذا شرب، سكر، وإذا سكر، هذى، وإذا هذى، افترى، وحد المفتري ثمانون).
وقال عبد الرحمن بن عوف، رصي الله عنه" (هذا حد، وأقل الحد ثمانون).
فإن قلت: لعلهم أجمعوا على تبليغ الحد ثمانين لنص، استغنوا بالإجماع عن نقله.
قلت: هذا جائز، لو لم ينصوا على فزعهم إلى الاجتهاد في هذه المسألة.
وأيضا: أثبتوا إمامة أبي بكر- ﵁ بالقياس على تقديم النبي ﷺ إياه في الصلاة، ثم أجمعوا عليها.
واحتج المخالف بأمور:
أحدها: أن الأمة، على كثرتها، واختلاف دواعيها لا يجوز أن تجمعها
стр. 2656
الأمارة مع خفائها؛ كما لا يجوز اتفاقهم في الساعة الواحدة على أكل الزبيب الأسود، والتكلم باللفظة الواحدة، وهذا بخلاف إجماعهم على مقتضى الدليل والشبهة؛ لأن الدلالة قوية، والشبهة تجري مجرى الدلالة عند من صار إليها، وبخلاف اجتماع الخلق العظيم في الأعياد؛ لأن الداعي إليه ظاهر.
وثانيها: من الأمة من يعتقد بطلان الحكم بالأمارة، وذلك يصرفه عن الحكم بها.
وثالثها: أن ذلك يفضي إلى اجتماع أحكام متنافية؛ لأن الحكم الصادر عن الاجتهاد لا يفسق مخالفه، وتجوز مخالفته، ولا يقطع عليه، ولا على تعلقه بالأمارة.
والحكم المجمع عليه بالعكس في هذه الأمور، فلو صدر الإجماع عن الاجتهاد، لاجتمع النقيضان فيه.
والجواب عن الأول: أنه منقوض باتفاق أصحاب الشافعي، وأبي حنيفة، رحمهما الله، على قوليهما.
وعن الثاني: أن الخلاف في صحة القياس حادث؛ ولأنه يجوز أن تشتبه الأمارة بالدلالة، فيثبت الحكم بالأمارة على اعتقاد أنه أثبته بالدلالة؛ ولأنه ينتقض بالعموم وخبر الواحد؛ فإنه يجوز صدور الإجماع عنهما، مع وقوع الخلاف فيهما.
وعن الثالث: أن تلك الأحكام المرتبة على الاجتهاد مشروطة بألا تصير المسألة إجماعية، فإذا صارت إجماعية، فقد زال الشرط، فتزول تلك الأحكام، والله أعلم.
стр. 2657
المسألة الثانية
يجوز الإجماع عن الأمارة
قال القرافي: قوله: (قال ابن جرير: ذلك غير ممكن): يعني عادة؛ فإن الناس إنما يجمعهم أمر قاهر، والأمارة تختلف الظنون فيها، ويختلف اعتبارها، فلا يحصل الإجماع.
قوله: (ومنهم من سلم الإمكان، ومنع الوقوع): أي: أنه استقرأ فلم يجد ذلك وقع.
قوله: (قال علي- ﵁: (إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون):
قلنا: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: هذا الأثر مشكل؛ لأن القاعدة أن المظنة إذا قطعنا بعراها عن الحكمة لا نعتبرها، وإنما نعتبرها أو نحوها إذا لم نقطع، وهاهنا أوجب الحد على من سكر، مع أنه لم يقذف أحدا، ونقطع بأن القذف لم يصدر منه.
قوله: (أثبتوا إمامة الصديق- ﵁ بالقياس على تقديم النبي ﷺ إياه في الصلاة):
قلنا: لا نسلم الإجماع على إمامته؛ فإن الإمامة لا يشترط فيها الإجماع، فقد تأخر علي، وفاطمة، وجماعة من الصحابة، ورجع علي بعد ذلك، وما حصل العلم برجوع غيره من الأنصار الذين نازعوا، لاسيما من بويع له بالإمامة منهم، وسبق ذلك عليه.
سلمنا حصول الإجماع، لكن لا نسلم أن مدركهم القياس، وإنما ذكر عمر- ﵁ ذلك تنبيها على أنه المتعين في القوم لجميع الأمور المهمة، وإلا فأين الصلاة من الإمامة؟.
стр. 2658
فإنه يشترط في الإمامة أمور عظيمة لا تشترط في إمامة الصلاة، ومع الاختلاف يكون القياس باطلا بالإجماع.
قوله: (لا يجمعون على الأمارة كما لا يتفقون على الكلمة الواحدة):
قلنا: قد تقدم الجواب في أول الكتاب في إمكان الإجماع.
قوله: (من الناس من لا يرى بالأمارة):
قلنا: هو مسبوق بالإجماع، فيمكن انعقاد الإجماع على الأمارة قبل طروء هذا المخالف، أو يكون قد مات، وبقى الفريق الآخر، فينعقد الإجماع عن الفريق الآخر.
(تنبيه)
تقدم أول الكتاب الفرق بين: الدليل، والأمارة، والطريق .
* * *
стр. 2659
المسألة الثالثة
قال الرازي: قال أبو عبد الله البصري: (الإجماع الموافق لمقتضى خبر يدل على أن ذلك الإجماع؛ لأجل ذلك الخبر) .
والحق أنه غير واجب؛ لأن قيام الدلائل الكثيرة على المدلول الواحد جائز؛ فلعلهم أثبتوا مقتضى الخبر؛ بدليل آخر سواه، والله أعلم.
المسألة الثالثة
الإجماع الموافق لمقتضى خبر لا يدل على أن ذلك الإجماع لأجله
قال القرافي: قوله: (اجتماع الأدلة على المدلول الواحد جائز):
قلنا: الأصل عدم دليل غير الحديث.
(فائدة)
قال القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص): في المسألة تفصيل: إن كان الخبر متواترا، فهو مستندهم، كما يجب إجماعهم على العمل بموجب النص، وكذلك تصرف الرسول- ﵇ بما يقتضيه النص يكون امتثالا، والخلاف في المسألة إنما هو في أخبار الآحاد، وهي أقسام: إن علم ظهور الخبر فيهم، وأنهم عملوا بموجبه، ولأجله، جزمنا بذلك، أو نعلم ظهوره فيهم، وعملهم عند ظهوره، ولا نعلم أن عملهم لأجله.
والثالث: ألا يكون ظاهرا فيهم إلا أنهم عملوا بالحكم الذي يتضمنه، ففي القسم الثاني ثلاثة مذاهب:
ثالثها: إن كان على خلاف القياس، فهو مستندهم.
стр. 2660
وأما الثالث فلا يدل على أنهم عملوا لأجله، وهل يدل إجماعهم على موجب الخبر على صحته؟ خلاف، والصحيح دلالته؛ لئلا يجمعوا على الخطأ.
وقيل: لا يدل، كحكم الحاكم لا يدل على صدق الشهود، والفرق أن السمع دل على عصمتها.
* * *
стр. 2661
القسم الخامس
في المجمعين
قال الرازي: قبل الخوض في المسائل لابد من مقدمة، وهي أن الخطأ جائز؛ عقلا، على هذه الأمة؛ كجوازه على سائر الأمم، لكن الأدلة السمعية منعت منه. وهي واردة بلفظين:
أحدها: لفظ (المؤمنين) في آية المشاقة.
والآخر: لفظ (الأمة) في سائر الآيات والخبر.
فأما لفظ (المؤمنين) فقد مر في باب العموم: أنه للاستغراق.
وأما لفظ (الأمة) فإنه يتناول كافة الأمة.
فعلى هذا يجب أن يكون المعتبر قول كل المؤمنين، وقول كل الأمة؛ فإن خرج البعض، فلابد من دليل منفصل.
وإن اكتفينا بالبعض، لم يمكن إثباته بهذه الأدلة؛ بل لابد من دليل آخر، إلا أن هذه الأدلة كما لا تقتضي ذلك الحكم في البعض لا تمنع من ثبوته في البعض؛ لأن ما يدل على ثبوت حكم في الكل، لا يمنع من ثبوته في البعض، ولا يلزم من انتفاء دليل معين انتفاء المدلول.
المسألة الأولى: لا يعتبر في الإجماع اتفاق الأمة من وقت الرسول ﷺ إلى يوم القيامة؛ لأن الذي دل على الإجماع دل على وجوب الاستدلال به، وذلك الاستدلال: إما أن يكون قبل يوم القيامة، وهو محال على التقدير الذي قالوه، لجواز أن يحدث بعد ذلك قوم آخرون، أو بعده، وهو باطل؛ لأنه لا حاجة في ذلك الوقت إلى الاستدلال.
стр. 2662
المسألة الثانية
لا عبرة في الإجماع بقول الخارجين عن الملة؛ لأن آية المشاقة دالة على وجوب اتباع المؤمنين، وسائر الأدلة دالة على وجوب اتباع الأمة، والمفهوم من الأمة- في عرف شرعنا- الذين قبلوا دين الرسول ﷺ .
стр. 2663
المسألة الثالثة
لا عبرة بقول العوام، خلافا للقاضي أبي بكر، ﵀.
لنا وجوه:
أحدها: أن العالم، إذا قال قولا، وخالفه العامي، فلا شك أن قول العامي حكم في الدين، بغير دلالة، ولا أمارة، فيكون خطأ، فلو كان قول العالم أيضا خطأ، لكانت الأمة بأسرها مخطئة في مسألة واحدة، وإن كان ذلك الخطأ من وجهين، ولكنه غير جائز.
وثانيها: أن العصمة من الخطأ لا تتصور إلا في حق من تتصور في حقه الإصابة، والعامي لا يتصور في حقه ذلك؛ لأن القول في الدين- بغير طريق- غير صواب.
وثالثها: أن خواص الصحابة- ﵃ وعوامهم أجمعوا على أنه لا عبرة بقول العوام في هذا الباب.
ورابعها: أن العامي ليس من أهل الاجتهاد؛ فلا عبرة بقوله، كالصبي، والمجنون.
احتج المخالف: بأن أدلة الإجماع تقتضي متابعة الكل.
والجواب: إيجاب متابعة الكل لا يقتضي ألا يجب إلا متابعة الكل، والأدلة التي ذكرناها تقتضي وجوب متابعة العلماء؛ فوجب القول به.
стр. 2664
القسم الخامس
في المجمعين
قال القرافي: قوله: (لفظ الأمة يتناول كافة الأمة):
قلنا: على العبارة مناقشة لغوية، وهي أن النحاة قالوا: إن (كافة) و (قاطبة) لا يجوز إضافتها، بل لا يكونان إلا تابعين.
نقول: (جاء الناس كافة وقاطبة)، وأنكروا على (الحريري) قاطبة الكتاب في (المقامات)، وعلى صاحب (المفصل) كافة الأبواب.
قوله: (لفظ (المؤمنين) مر في باب العموم أنه للاستغراق، فعلى هذا يجب أن يكون المعتبر كل المؤمنين):
قلنا: لا نسلم، بل يلزم من هذا أن يكون المعتبر قول واحد واحد لا المجموع، لما تقدم في باب العموم أنه كلية لا كلي.
قوله: (لا يعتبر العوام في الإجماع):
قلنا: قال القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص): في المسألة ثلاثة أقوال: ثالثها: الفرق بين المسائل المشهورة نحو كون الطلاق يحرم، ونحو ذلك، فيعتبرون، وبين دقائق المسائل، فلا يعتبرون.
стр. 2665
وحكى في المجتهدين المشاركين لأهل الاجتهاد في النظر والعلم، غير أنهم لم يشتهروا به ولا تظاهروا به- قولين، وأنه لا عبرة بغير الفقيه الذي لم يتوسم بالفقه، وإن شارك الفقهاء في النظر ووجوه الاجتهاد، ولكنهم علماء بغير الفقه.
قال: وقال قوم: لا عبرة بمن لا يقول بالقياس؛ لأنه أكثر مجال الفقه
قال: وهو غير صحيح؛ فإنه إنما أهمل مدركا واحدا، ولو صح ذلك لم يعتبر قول منكري العموم والمراسيل، وصيغة الأمر، وغير ذلك.
قوله: (قول العامي بغير مدرك خطأ؛ فيلزم اجتماع الأمة على الخطأ):
قلنا: لا نسلم أنه خطأ؛ لأن الأمة معصومة لا يفوتها الحق، فمن قال بقولهم كان قوله صوابا، كما أن من قال بقول الأمة بعد تقرر الإجماع كان قوله صوابا، وإن جهل هو مدرك الأمة، كذلك العامي يقول بقول الأمة جاهلا للمدرك، وقوله صواب.
سلمنا أن قوله خطأ، لكن لا نسلم الإجماع على الخطأ؛ لأن هاهنا أمرين: أحدهما الحكم، ومن عدى العامي قد حكم به لمستند صحيح، والآخر المدرك، وقد ظفر به العلماء ما عدا العامي، فالعلماء مصيبون في حكمهم، ومدركهم، فلم يوجد خطأ بالنسبة إلى كل واحد من أفراد الأمة حتى يحصل الإجماع على الخطأ.
قوله: (أجمع الصحابة خواصهم وعوامهم على عدم اعتبار العوام):
قلنا: لا نسلم هذا الإجماع، غايته أنهم أفتوا بما عندهم، ولم ينقل عنهم أنهم قالوا: قولنا بمفرده إجماع دون عوامنا.
قوله: (لا عبرة بقول العامي كالمجنون):
قلنا: إن الصبيان والمجانين كالبهائم لا يتصفون بالإيمان والإسلام الفعليين
следующие страницы →