← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

اختلف العلماء فيها على قولين: أحدهما: أن المراد أن الفرقة النافرة هي المتفقة، وأن الله-تعالى- أمر أن يخرج من كل قبيلة من الأعراب، وأحياء العرب طائفة ليتفقهوا عند رسول الله ﷺ ، ويرجعون إلى قومهم ينذرونهم، ويعلمونهم، وهو مقصود صاحب الكتاب. وقيل: بل المراد أن الفرق التي عند رسول الله ﷺ من كل فرقة طائفة إلى الجهاد، ويبقى بقيتهم عند رسول الله ﷺ يتفقهون ف الدين؛ لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم منا لجهاد، فعلى هذه، الطائفة النافرة ليست هي المتفقهة، بل المنذرة، عكس القول الأول. قوله: (الترجي على الله-تعالى- محال، وكل مترج طالب، فيحمل على الطلب مجازًا). قلنا: قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿فقولا له قولًا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤]. معناه: (اذهبا أنتما في رجائكما) رجائك يريد أن الترجي أصله للمتكلم، فيصرف للمخاطب مجازًا؛ لأنه من لوازم المتكلم بالرجاء مع من يخاطبه، ويصير المعنى فعلًا معه فعل الراجي ليذكره؛ فإن من وعظ وهو آيس قصر بخلاف من وعظ من يرجوه، فإنه يبالغ في موعظته، فيصير المعنى بالغًا في الموعظة، فيكون أمرًا بالمبالغة في ذلك المعنى المذكور، وهذا الذي قاله سيبويه، إنما يتأتى إذا كان الفعل للسامع، فإن كان الله-تعالى- كقوله تعالى: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾ [البقرة: ٥٦] ونحوه مما هو فعل الله-تعالى- فيكون معناه: بالغنا في ذلك الفعل مبالغة الراجي، فيكون إخبارًا صرفًا عن المبالغة، فإن أمر الله-تعالى- نفسه

стр. 2837

سيبويه، وما ينبغي فيها من التفصيل، وأما طريقة المصنف، فإنها للأمر مطلقًا، فهذا تقرير المجاز في هذه اللفظة حيث وقعت في القرآن مضافة إلى الله-تعالى- وكذلك (عسى) كقوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] إخبار من الله-تعالى- عن وقوع الخير، ويمكن صرفه للأمر بتوقع الخير في المكروه كما قاله المصنف. قوله: (والطائفة واحد أو اثنان، فلا يفيد خبرهم العلم): قلنا: هذا بناء على أن النافرة هي المتفقهة. وقلنا: منعه على القول الآخر أن النافرة هي النافية، وعددها غير معلوم، فلعله يحصل العمل بالخارجة للجهاد إذا عادت إليهم. قوله: (رتب وجوب الحذر على مسمى الإنذار الذي هو القدر المشترك، فوجب كون القدر المشترك علة، فيثبت الحكم حيث يثبت المشترك). قلنا: هذا تمسك بالقياس، وهو باطل لوجهين: الأول: أنكم شرعتم في التمسك بالنص، والعدول عنه للقياس انقطاع. الثاني: أن القياس أضعف من خبر الواحد، فيلزم إثبات الأقوى بالأضعف، بل هذا من أضعف أنواع الأقيسة؛ لأن علته بالإيماء لا بالنص؛ لا ترتيب الحكم على الوصف إيماء للعلة لا تصريح بها، بل احلق في هذا المقام أن قوله تعالى: ﴿ولينذروا قومهم﴾ [التوبة:١٢٢] (فعل) في سياق الإثبات، فيكون مطلقًا، والمطلق يكفى في العمل به صورة واحدة، فلا يتعين تناوله لصورة النزاع. قوله: (إن لم يحمل على الفتوى والرواية يتطرق الإجمال للآية، وهو خلاف الأصل). قلنا: لا نسلم؛ لأن المطلقات كلها لا تحمل على جميع صورها التي فيها

стр. 2838

ذلك المشترك الذي هو ذلك المطلق، وما لزم الإجمال، بل يخرج المكلف عن العهدة بفرد منها، كقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢] ما لزم من عدم تعميمه إجماله، ولذلك أيضًا لا تتناول الآية أخبار هذه الشرائع، بل تصدق بأخبار الأولين؛ لأنه من جملة أفراد المشترك. قوله: (إن الله-تعالى- قابل مجموع الطوائف لمجموع القوم). تقريره: أن (الواو) في قوله تعالى: ﴿لينذروا﴾ [التوبة:١٢٢] راجعة إلى مجموع المنذرين، لا بمعنى أنهم بمجموعهم ينذرون كل فرد، بل بمعنى أن ما أشتمل عليه (الواو) من العدد يتوزع على الفرق، فتذهب لكل فرقة طائفة، ونظيره قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة:٣٨] فتوزع الأيدي على السارقين، وإن كانت صيغة الأيدي صيغة جمع، وكذلك قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ...﴾ [المائدة: ٦] صيغة الوجوه والأيدي، والمراد التوزيع، أي: ليغسل كل منكم وجهه ويديه، فكذلك هاهنا. ***

стр. 2839

المسلك الثالث قال الرازي: السنة المتواترة وهو ما روى أنه ﷺ كان يبعث رسله إلى القبائل؛ لتعليم الأحكام مع أن كل واحد من أولئك الرسل ما كانوا بالغين حد التواتر. واعترض أبو الحسين البصري على هذه الدلالة بسؤال واقع، فقال: كان يبعثهم إلى القبائل للفتوى، أو لرواية الخبر؟. الأول مسلم، والثاني ممنوع: بيانه: أن العوام في القبائل، كانوا أكثر من المجتهدين، فكانت حاجتهم إلى الفتوى أشد من حاجتهم إلى من يروى لهم الخبر؛ ليحتجوا به. وبالجملة: هب أن هذا الاحتمال ليس أظهر؛ لكن لا بد من قيام الدلالة على قطع هذا الاحتمال، ليتم الاستدلال. (المسلك الثالث) قال القرافي: قوله: (كان ﵇ يبعث رسله إلى القبائل، ولم يبلغوا حد التواتر): قلنا: تقدم للتبريزي سؤال في غير هذا الموضع، وهو أنه-﵇ إنما كان يقتصر على ذلك للضرورة؛ لأنه لو بعث لكل طائفة من يحصل بخبرهم العلم لم يجده، ولم يبق عنده أحد. قال: ولذلك كانت رسله-﵇ تبلغهم العقائد التي يشترط فيها العلم في زماننا، فعملنا أن تلك الحالة مستثناه للضرورة، بخلاف زماننا هذا.

стр. 2840

المسلك الرابع قال الرازي: الإجماع: العمل بخبر الواحد الذي لا يقطع بصحته مجمع عليه بين الصحابة؛ فيكون العمل به حقًا . إنما قلنا: (إنه مجمع عليه بين الصحابة) لأن بعض الصحابة عمل بالخبر الذي لا يقطع بصحته، ولم ينقل عن أحد منهم إنكار على فاعله، وذلك يقتضى حصول الإجماع. وإنما قلنا: (إن بعض الصحابة عمل به) لوجهين: الأول: وهو أنه روى بالتواتر: أن يوم السقيفة، لما احتج أبو بكر-﵁ على الأنصار بقوله-﵊: (الأئمة من قريش) مع أنه مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]. قبلوه: ولم ينكر عليه أحد، ولم يقل له أحد: (كيف تحتج علينا بخبر لا نقطع بصحته) فلما لم يقل أحد منهم ذلك، علمنا أن ذلك كان كالأصل المقرر عندهم. الثاني: الاستدلال بأمور لا ندعى التواتر في كل واحد منها؛ بل في مجموعها، وتقريره: أن نبين أن الصحابة عملوا على وفق خبر الواحد، ثم نبين أنهم إنما عملوا به، لا بغيره. أما المقام الأول، فبيانه من وجوه:

стр. 2841

الأول: رجوع الصحابة إلى خبر الصديق في قول-﵊: (الأنبياء يدفنون حيث يموتون) وفي قوله: (الأئمة من قريش) وفي قوله: (نحن-معاشر الأنبياء لا نورث). وإلى كتابه في معرفة نصب الزكوات ومقاديرها. الثاني: روى أن أبا بكر-﵁: (رجع في توريث الجدة إلى خبر المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة). ونقل عنه أيضًا: أنه قضى بقضية بين اثنين، فأخبره بلال: أنه-﵊ قضى فيها بخلاف قضائه- فرجع إليه. الثالث: روى أن عمر ﵁-كان يجعل في الأصابع نصف الدية، ويفصل بينها، فيجعل في الخنصر ستة، وفي البنصر تسعة، وفي الوسطى والسبابة عشرة عشرة، وفي الإبهام خمسة عشر) فلما روى له في كتاب عمرو ابن حزم: أن في كل أصبع عشرة، رجع عن رأيه. الرابع: وقال في الجنين: (رحم الله امرًا سمع عن رسول الله ﷺ في الجنين شيئًا) فقام إليه حمل بن مالك، فأخبره بأن الرسول-﵊ قضى فيه بغرة، فقال عمر: (لو لم نسمع هذا، لقضينا فيه بغيره). الخامس: أنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها؛ فأخبره الضحاك: أنه-﵊ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع إليه. السادس: تظاهرت الرواية أن عمر قال في المجوس: (ما أدرى، ما أصنع

стр. 2842

بهم) فقال عبد الرحمن بن عوف: (أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) فأخذ منهم الجزية، وأقرهم على دينهم. السابع: أنه ترك العمل برأيه في بلاد الطاعون؛ بخبر عبد الرحمن. الثامن: روى عن عثمان: أنه رجع إلى قول فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري حين قالت: جئت إلى رسول الله ﷺ أستأذنه بعد وفاة زوجي في موضع العدة؟ فقال ﷺ : (امكثي في بيتك حتى تنقضي عدتك)، ولم ينك عليها الخروج للاستفتاء؛ فأخذ عثمان بروايتها في الحال، وفي أن المتوفى عنها زوجها تعتد في منزل الزوج، ولا تخرج ليلًا، وتخرج نهارًا، إن لم يكن لها من يقوم بأحوالها. التاسع: اشتهر عن علي-﵁: (أنه كان يحلف الراوي) و (قبل رواية أبي بكر-﵁ من غير حلف). وأيضًا: (قبل رواية المقداد ابن الأسود في حكم المذى). العاشر: رجوع الجماهير إلى قول-عائشة رضي الله-عنها في وجوب الغسل من التقاء الختانين. الحادي عشر: رجوع الصحابة في الربا إلى خبر أبي سعيد. الثاني عشر: قال ابن عمر: (كنا نخابر أربعين سنة، ولا نرى به بأسًا) حتى روى لنا رافع بن خديج نهيه-﵊ عن المخابرة. الثالث عشر: قال أنس: (كنت أسقى أبا عبيدة، وأبا طلحة، وأبي بن كعب؛

стр. 2843

إذ أتانا آت، فقال: حرمت الخمر، فقال أبو طلحة: (قم، يا أنس، إلى هذه الجرار، فاكسرها) فقمت فكسرتها. الرابع عشر: اشتهر عمل أهل قباء في التحول عن القبلة بخبر الواحد. الخامس عشر: قبل لابن عباس-﵄: إن فلانا يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: (كذب عدو الله، أخبرني أبي بن كعب، قال: خطب بنا رسول الله ﷺ ، وذكر موسى والخضر بشيء يدل على أن موسى صاحب الخضر هو موسى بني إسرائيل). السادس عشر: عن أبي الدرداء: أنه لما باع معاوية شيئًا من أواني الذهب والفضة بأكثر من وزنها، قال أبو الدرداء: (سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنه) فقال معاوية: (لا أرى به بأسًا) فقال أبو الدرداء: (من يعذرني من معاوية؟ أخبره عن الرسول-﵊ وهو يخبرني عن رأيه؛ لا أساكنك بأرض أبدًا). فهذه الأخبار قطرة من بحر هذا الباب، ومن طالع كتب الأخبار، وجد فيها من هذا الجنس ما لا حد له، ولا حصر، وكل واحد منها، وإن لم يكن متواترًا، لكن القدر المشترك فيه بين الكل، وهو العمل على وفق الخبر الذي لا تعلم صحته-معلوم؛ فصار ذلك متواترًا في المعنى. وأما المقام الثاني: وهو أنهم إنما عملوا على وفق هذه الأخبار؛ لأجلها: فبيانه من وجهين: الأول: لو لم يعملوا، لأجلها؛ بل لأمر آخر: إما لاجتهاد تجدد لهم، أو

стр. 2844

ذكروا شيئًا سمعوه من الرسول-﵊ لوجب من جهة العادة والدين: أن يظهروا ذلك. أما العادة: فلأن الجمع العظيم، إذ اشتد اهتمامهم بأمر قد التبس، ثم زال اللبس عنهم فيه؛ لدليل سمعوه، أو لرأى حدث لهم فيه فإنه لا بد لهم من إظهار ذلك الدليل، والاستبشار بسبب الظفر به، والتعجب من ذهاب ذلك عليهم، فإن جاز في الواحد ألا يظهر له ذلك، لم يجز في الكل. أما الدين: فلأن سكوتهم عن ذكر ذلك الدليل، وعملهم عند الخبر، بموجبه-يوهم أنهم عملوا؛ لأجله؛ كما يدل عليه عملهم بموجب آية سمعوها؛ على أنهم عملوا لأجلها؛ وإبهام الباطل غير جائز. كما أنه لو، قال لهم قائل: (احكموا في هذه المسألة بمجرد شهوتي)، فتذكروا عند ذلك خبرًا سمعوه من الرسول ﷺ ، فإنه لا يحسن من جهة الدين ألا يبينوا أنهم إنما حكموا؛ لذلك الدليل، لا لشهوة ذلك القائل. الثاني: أن طلب أبي بكر من المغيرة-﵄ شاهدًا في إرث الجدة دليل على أنه كان يرى أن الحكم متعلق بروايتهما، ولأن عمر-﵁-قال في الجنين: (لولا هذا، لقضينا فيه برأينا) وترك رأيه في دية الأصابع؛ بالخبر الذي سمعه، وصرح ابن عمر برجوعهم عن المخابرة بخبر رافع، وصرحوا بأنهم رجعوا إلى وجوب الغسل بالتقاء الختانين؛ لأجل قول عائشة-﵂ فثبت بمجموع هذين المقامين: أن بعض الصحابة عمل بالخبر الذي لم يعلم صدقه.

стр. 2845

وأما بيان المقدمتين الباقيتين: وهو أنه لم يظهر من أحد منهم الإنكار، وأنه متى كان كذلك، انعقد الإجماع: فتقريره سيأتي-إن شاء الله تعالى (القياس). في مسألة القياس. فإن قيل: لا نسلم عمل بعض الصحابة على وفق الخبر الذي لم تعلم صحته. أما دعوى الضرورة، فممنوعة؛ قال المرتضى: إن الضرورة لا يختص بها البعض، مع المشاركة في طريقها. والإمامية، وكل مخالف في خبر الواحد-من النظام وجماعة من شيوخ المتكلمين- يخالفونهم فيما ادعوا فيه الضرورة، مع الاختلاط بأهل الأخبار، ويقسمون على أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يظنونه، فإن كذبتموهم، فعلتم ما لا يحسن، وكلموكم بمثله. وأما الاستدلال: فضعيف؛ لأن الروايات التي ذكرتموها، وإن بلغت المائة والمائتين، فهي غير بالغة إلى حد التواتر، فلا تفيد العلم، ويرجع حاصله إلى إثبات خبر الواحد؛ بخبر الواحد. سلمنا صحة هذه الروايات؛ لكن لا نسلم أنهم عملوا بتلك الأخبار؛ ولم لا يجوز أن يقال: إنهم لما سمعوا تلك الأخبار، تذكروا دليلًا دلهم على تلك الأحكام؟. قوله: (لو كان كذلك، لوجب إظهاره من جهة الدين والعادة). قلنا: لا نزاع في أن ما ذكرتموه هـ الاحتمال الأظهر؛ لكن القطع بوجوبه على كل حال ممنوع، والمسألة قطعية؛ فلا يجوز بناؤها على مقدمة ظنية.

стр. 2846

سلمنا عمل بعض الصحابة بهده الأخبار؛ لكن لا نسلم سكوت الكل عن الإنكار؛ فما الدليل عليه؟ ثم نقول: إنهم أنكروه في صور: إحداها: (توقف رسول الله ﷺ عن قبول خبر ذي اليدين؛ إلى أن شهد له أبو بكر، وعمر- ﵄). وثانيتها: رد أبي بكر خبر المغيرة في توريث الجدة؛ حتى أخبره محمد بن مسلمة. وثالثتها: رد أبي بكر وعمر خبر عثمان فيما رواه؛ من إذن رسول الله ﷺ في رد الحكم بن أبي العاص؛ حتى طالباه بمن يشهد معه به. ورابعتها: رد عمر-﵁ خبر أبي موسى الأشعري؛ حتى شهد له أبو سعيد الخدري. وخامستها: رد عمر خبر فاطمة بنت قيس. وسادستها: رد على خبر أبي سنان الأشجعي في قصة بروع بنت واشق، وأيضًا: فقد ظهر عنه تحليف الرواة. وسابعتها: رد عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. وثامنتها: أن عمر منع أبا هريرة من الرواية. سلمنا سكوتهم عن الإنكار؛ لكن السكوت إنما يدل على الإجماع، إذا صدر عن الرضا؛ فلم قلت: إن الأمر كذلك؟ بل هاهنا احتمالات أخر سوى الرضا؛ من التقية والخوف.

стр. 2847

سلمنا إجماعهم على قبول الخبر الذي لا يعلم صحته؛ لكن دل على أنهم قبلوا جميع أنواع الخبر الذي يكون كذلك، أو على أنهم قبلوه في الجملة؟!. والأول: ظاهر الفساد، والثاني: يقدح في غرضكم؛ لأنهم لما اتفقوا على قبول نوع من أنواع الخبر الذي لا تعلم صحته، لم يلزم من إجماعهم على قبول ذلك النوع إجماعهم على قبول سائر الأنواع؛ لاحتمال أن يأمر الله تعالى بالعمل بذلك النوع، دون النوع الآخر. ثم إنه لما لم ينقل إلينا ذلك النوع الذي أجمعوا على قبوله، لم يعرف ذلك النوع. فإذن: لا نوع من أنواع خبر الواحد إلا ولا يدرى أنه، هل هو ذلك النوع الذي أجمعوا على قبوله، أو غيره؛ وإذا كان كذلك، وجب التوقف في الكل. سلمنا أن النوع الذي أجمعوا على العمل به معلوم؛ فلم قلت: إنه لما جاز لهم العمل بخبر الواحد، جاز لنا؟ بيانه: أن الصحابة كانوا قد شاهدوا الرسول-﵊ وعرفوا مجارى كلامه، ومناهج أموره، وإشاراته، وعرفوا أحوال أولئك الرواة؛ في العدالة، وعدمها؛ في الأفعال الموجبة للعدالة، والأفعال المنافية لها. وإذا كان كذلك، كان ظنهم بصدق تلك الأخبار، وعدالة الرواة-أقوى من ظن من لم يشاهد النبي ﷺ ألبته، ولا سمع كلامه، ولم يشاهد حال أولئك الرواة، فلم يعرف عدالتهم، ولا فسقهم إلا بالروايات المتباعدة، والوسائط الكثيرة، وإذا كان كذلك؛ فلم قلت: إن انعقاد الإجماع على قبول الخبر الذي

стр. 2848

لا يقطع بصحته عند حصول الظن القوي في صحته، يوجب قبوله عندما لا يحصل ذلك الظن القوي!؟. فإن قلت: (إن كل من قال بقبول بعض هذه الأنواع في بعض الأزمنة، قال: بقبوله في كل نوع، وفي كل زمان): قلت: هذه الحجة إنما تنفع في زمان التابعين، وقد بينا في أول (باب الإجماع) أنه لا سبيل إلى القطع بهذا الإجماع؛ لكثرة المسلمين وتفرقهم في الشرق والغرب. والجواب: أما دعوى الضرورة: فلما مر تقريرها من أنه نقل إلينا بالتواتر حضور أبي بكر مع الأنصار يوم السقيفة، وتمسكه عليهم بقوله-﵊:- (الأئمة من قريش) ولم ينكر عليه أحد. فأما قول المرتضى: إن النظام، وجمعًا من شيوخ المعتزلة، والقاشاني، والإمامية ينكرون ذلك؛ يقسمون بالله: إنهم لا يجدون علمًا، ولا ظنًا): قلنا: رواية المذاهب لا تجوز بالتشهي واليمين، والنظام ما أنكر ذلك، بل سلم، إلا أنه قال: إجماع الصحابة ليس بحجة؛ على ما حكيناه قبل ذلك، وكذا قول سائر شيوخ المعتزلة. وأما الإمامية: فالأخباريون منهم-مع أن كثرة الشيعة في قديم الزمان ما كانت إلا منهم- فهم لا يعولون في أصول الدين؛ فضلًا عن فروعه إلا على الأخبار التي يروونها عن أئمتهم. وأما الأصوليون: فأبو جعفر الطوسي وافقنا على ذلك؛ فلم يبق ممن ينكر

стр. 2849

العلم هذا إلا المرتضى، مع قليل من أتباعه؛ فلا يستبعد اتفاق مثل هذا الجمع على المكابرة في الضروريات. ومما يحقق ذلك: أنه قال: إنهم يقسمون بالله على أنهم لا يعلمون؛ بل لا يظنون، ونحن نعلم بالضرورة أن هذه الروايات، وإن تقاصرت عن العلم، إلا أنها ما تقاصرت عن الظن، فعلمنا أن غرض المرتضى مما ذكر محض المكابرة. قوله: (لم لا يجوز أن يقال: (إنهم عند سماع هذه الأخبار تذكروا دليلًا آخر؟): قلنا: لما ذكرنا: أن الدين والعادة يوجبان إظهار ذلك الدليل. قوله: (ما الدليل عليه)؟. قلنا: الرجوع فيه إلى العرف؛ فإنا نعلم بالضرورة أن الجمع العظيم، إذا اشتبه عليهم أمر منا لأمور، ثم إنهم عند سماع شيء يوهم أنه هو الدليل، تذكروا شيئًا آخر هو الدليل حقيقة؛ فإنه يستحيل اتفاقهم بأسرهم على السكوت عن ذكر ذلك الدليل، ورفع ذلك الوهم الباطل. قوله: (من الصحابة من رد خبر الواحد): قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن الذين نقلتم عنهم: أنهم لم يقبلوا خبر الواحد، هم الذين نقلنا عنهم أنهم قبلوه، فلا بد من التوفيق، وما ذاك إلا أن يقال: إنهم قبلوا خبر الواحد، إذا كان مع شرائط مخصوصة، وردوها عند عدم تلك الشرائط. الثاني: أن الروايات التي ذكرتموها، كما دلت على ردهم خبر الواحد، دلت

стр. 2850

على قبولهم خبر الاثنين والثلاثة، ونحن لم ندع في هذا المقام إلا قبول الخبر الذي لا يقطع بصحته. فأما الأسئلة الثلاثة الأخيرة: فالجواب عنها سيأتي في (مسألة القياس) إن شاء الله تعالى. (المسلك الرابع) قال القرافي: قوله: (هذه الحجة إنما تعتبر في زمان التابعين): تقريره: أن قولنا: لا قائل بالفرق بين الخبر الذي روى الصحابة وبين ما روى لغيرهم إنما يتأتى في زمن التابعين، ومن بعدهم؛ لأن الإجماع على عدم الفرق بين النوعين إنما يكون إذا وجد النوعان وأمكنا، والوجدان في زمن التابعين؛ لأن حينئذ يحدد النوع التالي. أما في زمان الصحابة، فليس إلا نوع واحد، فلا يتأتى قولنا: لا قائل بالفرق. قوله: (النظام سلم إجماع الصحابة على قبول هذه الرواية، وإنما هو يقول: إجماع الصحابة ليس بحجة، وكذلك شيوخ المعتزلة): قلنا: لم ينقل عن أحد من المعتزلة إنكار الإجماع، وإنما نقل عن الشيعة والخوارج والنظام. ***

стр. 2851

المسلك الخامس (القياس) قال الرازي: أجمعوا على أن الخبر الذي لا يقطع بصحته مقبول في الفتوى، والشهادات؛ فوجب أن يكون مقبولًا في الروايات، والجامع تحصيل المصلحة المظنونة، أو دفع المفسدة المظنونة، بل الروايات أولى بالقبول من الفتوى؛ لأن الفتوى لا تجوز إلا إذا سمع المفتي دليل ذلك الحكم، وعرفت كيفية الاستدلال به، وذلك دقيق صعب يغلط فيه الأكثرون. أما الرواية: فلا يحتاج فيها إلا إلى السماع، فإذن الرواية أحد أجزاء الفتوى، فإذا كانت الفتوى مقبولة من الواحد؛ فلأن تكون الرواية مقبولة كان أولى. فإن قيل: هذا قياس؛ وإنه لا يفيد اليقين؛ على ما تقدم. ثم نقول: الفرق بين الفتوى، والشهادة، وقبول خبر الواحد من وجهين: الأول: وهو أن العمل بخبر الواحد يقتضى صيرورة ذلك الحكم شرعًا عامًا في حق كل الناس، والعمل بالشهادة والفتوى ليس كذلك. ولا يلزم من تجويز العمل بالظن الذي قد يخطئ وقد يصيب في حق الواحد-تجويز العمل به في حق عامة الخلق. الثاني: العمل بالفتوى ضروري؛ لأنه لا يمكن تكليف كل واحد في كل واقعة بالاجتهاد، وكذا الشهادة ضرورية في الشرع؛ لأجل تمييز المحق عن

стр. 2852

المبطل، أما العمل بخبر الواحد، فغير ضروري؛ لأنا إن وجدنا في المسألة دليلًا قاطعًا، عملنا بهن وإلا رجعنا إلى البراءة الأصلية. ولا يلزم من جواز العمل بالظن عند الضرورة جواز العمل به لا عند الضرورة؛ وإنه قياس فاسد. والجواب: أما السؤال الأول، فحق، وأما الفرق الأول، فملغي بشرعية أصل الفتوى؛ فإنه أمر لكل بإتباع الظن، وأما الفرق الثاني، فضعيف؛ لأنه لا ضرورة في الرجوع إلى الشهادة، والفتوى؛ لإمكان الرجوع إلى البراءة الأصلية. (المسلك الخامس) قال القرافي: (قوله: الفرق الأول ملغي؛ لأنه ينتقض بأصل الفتوى؛ لأنه أمر لجميع الخلق بإتباع الظن): قلنا: الفرق بني النقض وصورة النزاع أن أصل الفتوى عام لكل أحد في أمر غير عام، بل يختص بصورة جزئية، فهو عام في جزئيات فروعيت ثمرته وغايته، وهي الجزئيات المختصة، بخلاف الرواية أصل عام في أمور عامة. فالأصل العام وفروعه عامة، فكان الحظر فيه أكثر. قوله: (لا ضرورة في الرجوع الشهادة والفتوى لإمكان الرجوع إلى البراءة الأصلية): قلنا: لو فتح باب الرجوع إلى البراءة الأصلية في الحقوق التي تثبت بالشهادات ضاعت الأموال، وكثرت الغصوب، وضاعت الدماء والأموال، والأعراض، وذلك خلاف المعلوم بالضرورة من الملة المحمدية، واشتمالها على تكميل المصالح، ودرء المفاسد، ولولا الفتوى لضاع أمر العباد، ومتى

стр. 2853

رجع إلى البراءة الأصلية بطلت الشريعة بجملتها؛ لأنها كلها على خلاف البراءة الأصلية، فلو صح ما ذكرتموه فسد المعاش والمعاد، وذلك في غاية البعد. ... المسلك السادس (دليل العقل) قال الرازي: وهو أن العمل بخبر الواحد يقتضى دفع ضرر مظنون؛ فكان العمل به واجبًا. بيان المقدمة الأولى: أن الراوي العدل، إذا أخبر عن الرسول ﷺ أنه أمر بهذا الفعل، حصل ظن أنه وجد الأمر؛ وعندنا مقدمة يقينية: أن مخالفة الأمر سبب لاستحقاق العقاب؛ فحينئذ يحصل من ذلك الظن، وذلك العلم ظن أنا لو تركنا قوله، لصرنا مستحقين للعقاب؛ فوجب أن يجب العمل به؛ لأنه إذا حصل الظن الراجح، والتجويز المرجوح: فإما أن يجب العمل بهما؛ وهو محال، أو يجب تركهما؛ وهو محال، أو يجب ترجح المرجوح على الراجل؛ وهو باطل بضرورة العقل، أو ترجيع الراجح على المرجوح؛ وحينئذ يكون العمل بمقتضى خبر الواحد واجبًا. واعلم أن هذه الطريقة يتمسك بها في مسألة القياس ونستقضى الكلام فيها سؤالاً وجوابًا-إن شاء الله تعالى-. وأما المنكرون، فمنهم: من عول على العقل، ومنهم: من عول على النقل.

стр. 2854

أما العقل فمن وجوه: أحدها: لو جاز أن يقول الله تعالى: (مهما غلب على ظنكم صدق الراوي، فاعملوا بمقتضى خبره) جاز أن يقول الله تعالى أيضًا: (مهما غلب على ظنكم صدق المدعى للرسالة، فاقبلوا شرعه وأحكامه) لأنا في كلتا الصورتين نكون عاملين بدليل قاطع؛ وهو إيجاب الله تعالى علينا العمل بالظن، أو إيجاب العقل علينا ذلك، ولما لم يجز ذلك هناك، فكذا هاهنا. وثانيها: لو جاز التعبد بأخبار الآحاد في الفروع، لجاز التعبد بها في الأصول حتى يكتفي في معرفة الله تعالى بالظن. وثالثها: الشرعيات مصالح، والخبر الذي يجوز كذبه لا يمكن التعويل عليه في تحصيل المصالح. فإن قلت: (لم لا يجو أن تكون المصلحة هي إيقاع ذلك الفعل المظنون): قلت: كون الفعل مصلحة: إما أن يكون بسبب ذلك الظن، أو لا بسببه: والأول: باطل؛ لأنه لو جاز أن يؤثر ظننا في صيرورة ما ليس بمصلحة مصلحة، لجاز أن يؤثر ظننا بمجرد التشهي في ذلك؛ حتى يحسن من الله تعالى أن يقول: (أطلقت لك في أن تحكم بمجد التشهي، من غير دليل ولا أمارة) ومعلوم أنه باطل. وأما الثاني: فنقول: إذا كان كون الفعل مصلحة ليس تابعًا لظننا، فيجوز أن يكون الظن مطابقًا، وألا يكون فيكون، الإذن في العمل بالظن إذنًا في فعل ما لا يجوز فعله؛ وإنه غير جائز.

стр. 2855

وأما المعولون على النقل: فقد تمسكوا بقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ١٦٩] ﴿إن الظن لا يغنى من الحق شيئًا﴾ [النجم: ٢٨]. والجواب عن الوجوه العقلية: أنها منقوضة بالعمل بالظن في الفتوى، والشهادة والأمور الدنيوية؛ فإن من أخبر أن هذا الطعام مسموم، وحصل ظن صدقه؛ فإنه لا يجوز تناوله، ثم إنا نطالبهم فيها بالجامع العقلي اليقيني، ثم ببيان امتناع الجامع. وأيضًا: ينتقض بتعويل أهل العالم على الظن في أمر الأغذية، والأشربة، والعلاجات، والأسفار، والأرباح، وأما التمسك بالآيات فسيأتي الجواب عنها في القياس-إن شاء الله-. المسلك السادس قال القرافي: (قوله: العمل بخبر الواحد يفضى إلى دفع ضرر مظنون، فكان العمل به واجبًا): قلنا: ليس مطلق الظن معتبرٌا في الشرع؛ بدليل إخبار الفسقة والكفرة، وجماعة الصبيان، ونحو ذلك؛ فإنه ملغى مع الظن فيه، فحينئذ لا بد من مرتبة خاصة من الظن، وإذا خرج مطلق الظن عن الاعتبار، فلم قلتم: إن تلك المرتبة المعتبرة من الظن وجدت في صورة النزاع؟. قوله: (ترك العمل بالراجح والمرجوح): قلنا: لا نسلم؛ فإن العدل الواحد، وجماعة النساء في إثبات الدماء، والكفر، أو غيرهم يغلب على الظن صدقهم، ولا نقضى بالراجل من صدقهم، ولا بالمرجوح من كذبهم، بل يعرض عنهم، ولم يلزم محال،

стр. 2856

فكذلك هاهنا. وإنما يلزم ما ذكرتموه أن لو كان ترك العمل بهما معسرًا بالقضاء باعتبار الراجح والمرجوح، فيقضى بالصدق والكذب معًا، أو يعدم ويحجم، أما الإهمال مطلقًا فلا يلزم بحال، وهو الذي ادعاه الخصم. قوله: (لو اعتبر ظن صدق الراوي لاعتبر صدق المدعى للرسالة): قلنا: الفرق أن المعجزة أصل الدين كله، فأشبه قواعد العقائد، فاشترط فيه اليقين، بخلاف فروع الدين أمرها أخف، فاكتفى فيها بالظن. قوله: (لو اكتفى بالظن في الفروع لاكتفى به في الأصول): قلنا: الفرق أن الظان في الفروع على تقدير خطئه، فهو ينسب إلى الله-تعالى- ما هو جائز عليه، فإن جميع الأحكام الشرعية ونقائضها، وأضدادها جائزة على الله-تعالى- ولوجود الظن في أصول الدينات، فعلى تقدير خطئه يكون الظان نسب إلى الله-تعالى- ما هو كفر، وما هو مستحيل عليه- فلذلك لم نجز الظن في العقائد، بل ولا التقليد أيضًا لهذا السر، وهذا فرق عظيم بين البابين سمعته من الشيخ عز الدين بن عبد السلام. قوله: (لو كان الظن مؤثرًا في المصلحة، لجاز أن يعمل بجرد التشهي): قلنا: الفرق أن الظن إصابته غالبة، وخطؤه نادر، والعقلاء وصحاب الشرع يغلبون الغالب على النادر. قوله: (احتجوا بقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦] ونحوه). قلنا: هذه الآيات ظواهر وعمومات عارضتها عمومات أخر نحو قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ ....﴾ [الحجرات: ٦]، وما تقدم معه من العمومات، وإذا حصل التعارض وجب التوفيق بحمل آيات العلم على

стр. 2857

قواعد الديانات، وأصول العقائد، وآيات الظن على الفروع لاسيما ما تقدم من عمل الصحابة، وإجماعهم على ذلك، هذا من حيث الإجمال، ونجيب من حيث التفصيل، فنقول: قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم ....﴾ [الإسراء: ٣٦] خطاب لرسول الله ﷺ وحده لغة، فلا يتناول غيره، ولا يلزم من إجماعنا على أن حكمه-﵇ حكمنا في غير هذه الصورة-أن نوافق هاهنا؛ ولأن ثبوت المجاز في غير هذه الصورة في استعمال لفظ المفرد في الجمع هاهنا- المجاز فهذه الآية لا حجة فيها. وقوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾ [يونس: ٣٦] عام في الظن، مطلق في أحواله، فيحمل على الظن الكاذب جمعًا بين الأدلة، والطلق إذا عمل به في صورة سقط الاستدلال به في غيرها، وقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلموان﴾ [الأعراف: ٣٣] عام في الأقوال، مطلق في متعلقها، فنحمله على القول في أصول الديانات؛ فإنا لا يجوز عندنا القول فيها بغير علم، فتكون الفروع داخلة في هذا النص. (أسئلة) قال النقشواني في قوله تعالى: ﴿يحذرون ...﴾ (سلمنا حمله على الأمر، لكن لا نسلم أنه الطلب الجازم ، ولا يمكن حمله عليه لئلا يترك مقتضى اللفظ بالكلية) يريد أن المتراخي غير جازم. قال: سلمنا حملة على أنه الجازم، لكن الطائفة تحتف بها القرائن، فيحصل العلم بخبرها، فإنهم إذا اتفقوا أقاموا البراهين على صدقهم، وظهر من قرائن أحوالهم لأجل فقههم وتدينهم ما يوجب العمل. وقال على المسلك الثاني: لم لا يجوز أن تكون الوحدة والفسوق سببين كل واحد منهما مستقل، فإذا فقد أحدهما أوجب الآخر التثبت إلى حيث

стр. 2858

تحصل من القرائن أو العدد ما يفيد العلم؟ وهذا بخلاف ما ذكره المصنف من التمثيل بالموت، والرواة بالنسبة إلى الكتابة؛ فإن الموت أمر يقطع معه بعدم أهلية الكتابة، لاسيما والمصنف يعتقد أن العلل الشرعية معرفات تخلف بعضها بعضًا، وتجمع على المعلول الواحد. وقال على المسلك الثالث: الذي كان يبعثه رسول الله ﷺ للقبائل كانت القرائن محتفة به عند القبائل أن رسول الله ﷺ لا يبعث إلا من لا يخترع الشرع، فإنه في عامة الصدق والجلالة والتحري والتوقي والديانة، وأمور كثيرة كانت من أحوال الصحابة لا يمكن أن تحيط بها العبارة، فمجموع هذه القرائن تفيدهم العلم. وقال على المسلك الرابع: لا نسلم إجماع الصحابة يوم السقيفة، لأنه غاب منهم العباس وعلي-﵄ وهما من أجل الصحابة سوى من كان بـ (المدينة)، ومن كان بعثه رسول الله ﷺ إلى القبائل قبل موته للفتاوى والتعليم فلا إجماع، أو نقول: حصل لهم العلم بقرائن أحوال احتفت بذلك الخبر من جهة أنهم فهموا أن الحاضرين من المهاجرين أيضًا كانوا سمعوا ذلك الخبر، غير أنهم اشتغلوا بوفاة رسول الله ﷺ أو بقرائن أحوال أبي بكر، ووفور صدقه، وديانته، وفرط نصحه لمحمد ﷺ وأمته، وما تقدم عندهم من أحواله، وظاهر بذلك على رءوس الأشهاد، فيحصل العلم فيما حكموا إلا بخبر مقطوع به. (تنبيه) قال التبريزي: سؤال أبي الحسين في أنهم كانوا محتاجين؛ ليس كذلك ؛ لأن الذين كان يبعثهم رسول الله ﷺ لم يكونوا يبلغوا رتبة الاجتهاد، وربما كانوا حديثي عهد بالإسلام، ووفدوا عليه- ﷺ فحملهم-﵇ صحف الوصايا، وكتب المناهي، وكتاب

стр. 2859

الصدقات، وكتاب الأشربة، وكتاب الديات، وما لا مجال للاجتهاد فيه، ولذلك حرضهم على مراعاة اللفظ، فقال ﵇: (رحم الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه). ولأنه لا بد من تبليغ المجتهد أعيان النصوص وإن كانوا هم. ونعلم أنه-﵇ ما كان يخص بإرسال عدد التواتر إلى رسله بالفقهاء. قال: وحديث السقيفة لا حجة فيه؛ لاحتمال كونهم نسوه، فذكرهم أبو بكر كما ذكرهم: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [ل عمران: ١٤٤]. وحديث (قباء) احتفت قرائن كون المخبر بحضره-النبي ﷺ فيعظم افتراؤه عليه. وأجاب عن أسئلتهم في المسلك السابع بالجواب عنه إجمالًا وتفصيلًا. أما إجمالًا، فلأن قبول خبر الواحد مرة يدل على جواز العمل بجنس الآحاد، وعدم قبولها مائة مرة لا يدل على امتناع العمل بجنسه، كرد شهادة مائة شخص لا يدل على عدم جواز العمل بقول الشاهد، ومن يوجب العمل بخبر الواحد لا يوجبه بكل خبر. وأما التفصيل فمن وجهين: أحدهما: أن ما نقلوه ليس برد، بل عمل بعد التثبت والاستظهار، فيدل على منع المبادرة لا على منع العمل؛ فإن النبي ﷺ عمل بخبر ذي اليدين بعد موافقة غيره.

стр. 2860

وكذلك تلك الأخبار، فعمل بخبر المغيرة لموافقة محمد بن مسلمة، وخبر أبي موسى لموافقة أبي سعيد. وثانيهما: أن لموجب التوقف أسبابًا ظاهرة، فخبر ذي اليدين فلأن غيره كان شاركه لحضوره، فسكوته يوجب التوقف. وخبر عثمان بن عفان-﵁ كان في معرض الاحتجاج لنفسه بعد المعاتبة، والاتهام لشغفه بأقاربه، وكان بينه وبين الحكم قرابة، وأراد أبو بكر وعمر الاستبراء، ونفى التهمة. وخبر أبي موسى ذكره في معرض الاحتجاج بعد التعرض لسخط عمر.

стр. 2861

وخبر فاطمة بنت قيس صرح عمر بموجب رده من عدم الثقة؛ ومخالفته لكتاب الله-تعالى- وهو يدل على القبول لينتظم التعليل. وخبر أبي سنان مردود بتهمة الكذب، وكونه خبر أعرابي جلف بوال على عقبيه كما قال علي ﵁. وردت عائشة خبر ابن عمر؛ لأنها عرفت توهمه فيه، ومنع عمر أبا هريرة عن الرواية، فلا يجوز أن يحمل على عدم جواز العمل؛ فإنه قد صح منه العمل بخر الواحد، ولو لم يجز لوجبت الرواية لتكميل عدد التواتر، وللمنع أسباب، ولو لم تظهر لوجت تقديرها جمعًا بين النقلين. قال: وقولهم: النوع الذي عملوا به غير معلوم. قال: قلنا: خبر العدل هو الضابط، وهو المخبر، فيجب اطراده. قال: وشبهة القائل بالتعبد به من جهة العقل اثنتان: إحداهما: أن تبليغ الشرع واجب، وإرسال عدد التواتر لكل مستمع متعذر، فيجب التعبد بأخبار الآحاد. وثانيتهما: إذا تحققنا ظن الصدق في خبر العدل، فيجب العمل به؛ دفعًا للضرر المظنون. قال: والجواب عن الأولى لا نسلم أن تعميم الشرع واجب، بل حيث يمكن، سلمناه لكن ما لم يقم عليه دليل قاطع، فهو شرع. وعن الثانية: لا نسلم دفع الضرر؛ لأنه ليس مناط وجوب العمل به كونه صادقًا في نفسه؛ بدليل شهادة الفاسق والمرأة الواحدة، بل المناط ثبوت الصدق بدليل قاطع. فإذا لم يثبت كان العمل التزام ضرر مقطوع به لا دفع ضرر مظنون. ولو سلمنا فما الدليل على وجوبه؟.

стр. 2862

الباب الثاني (في شرائط العمل بهذه الأخبار) قال الرازي: وهذه الشرائط: إما أن تكون معتبرة في المخبر، أو المخبر عنه، أو الخبر: القسم الأول (في المخبر) وهو مرتب على فصول ثلاثة: الفصل الأول في الأمور التي يجب وجودها؛ حتى يحل للسامع أن يقبل روايته. والضابط فيه: كونه بحيث يكون اعتقاد صدقه راجحًا على اعتقاد كذبة، ثم نقول: تلك الأمور خمسة: الأول: أن يكون عاقلًا؛ فإن المجنون والصبي غير المميز لا يمكنه الضبط، والاحتراز عن الخلل. والثاني: أن يكون مكلفًا، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: رواية الصبي غير مقبولة لثلاثة أوجه: الأول: أن رواية الفاسق لا تقبل؛ فأولى ألا تقبل رواية الصبي؛ فإن الفاسق يخاف الله تعالى، والصبي لا يخاف الله تعالى ألبته.

стр. 2863

الثاني: أنه لا يحصل الظن بقوله؛ لا يجوز العمل به؛ كالخبر عنا لأمور الدنيوية. الثالث: الصبي، إن لم يكن مميزًا، لا يمكنه الاحتراز عن الخلل، وإن كان مميزًا، علم أنه غير مكلف؛ فلا يحترز عن الكذب. فإن قلت: (أليس يقبل قوله في إخباره عن كونه متطهرًا؛ حتى يجوز الإقتداء به في الصلاة؟): قلت: ذلك لأن صحة صلاة المأموم غير موقوفة على صحة صلاة الإمام. المسألة الثانية: إذا كان صبيًا عند التحمل، بالغًا عند الرواية، قبلت روايته؛ لوجوه أربعة: الأول: إجماع الصحابة؛ فإنهم قبلوا رواية ابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير-﵃ من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ أو بعده. الثاني: إجماع الكل على إحضار الصبيان مجالس الرواية. الثالث: أن إقدامه على الرواية عند الكبر يدل ظاهرًا على ضبطه للحديث الذي سمعه حال الصغر. الرابع: أجمعنا: على أنه تقبل منه الشهادة التي تحملها حال الصغر؛ فكذا الرواية. والجامع: أنه حال الأداء مسلم عاقل بالغ، يحترز من الكذب. الشرط الثالث: أن يكون مسلمًا، فيه مسألتان:

стр. 2864

المسألة الأولى: الكافر الذي لا يكون من أهل القبلة: أجمعت الأمة على أنه لا تقبل روايته، سواء علم من دينه المبالغة في الاحتراز عن الكذب، أو لم يعلم. المسألة الثانية: المخالف من أهبل القبلة، إذا كفرناه؛ كالمجسم وغيره، هل تقبل روايته أم لا؟! الحق أنه: إن كان مذهبه جواز الكذب، لم تقبل روايته؛ وإلا قبلناها، وهو قول أبي الحسين البصري. وقال القاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار: لا تقبل روايتهم. لنا: أن المقتضى للعمل به قائم، ولا معارض؛ فوجب العمل به. بيان أن المقتضى قائم: أن اعتقاده تحريم الكذب يزجره عن الإقدام عليه؛ فيحصل ظن صدقه، فيجب العمل به؛ على ما بيناه. وبيان أنه لا معارض: أنهم أجمعوا على أن الكافر الذي ليس من أهل القبلة لا تقبل روايته، وذلك الكفر منتف هاهنا. واحتج أبو الحسين: بأن كثيرًا من أصحاب الحديث قبلوا أخبار سلفنا؛ كالحسن، وقتادة، وعمرو بن عبيد مع علمهم بمذهبهم، وإكفارهم من يقول بقولهم. واحتج المخالف بالنص، والقياس: أما النص: فقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦] أمر بالتثبت عند نبأ الفاسق، وهذا كافر، فوجب التثبت عند خبره. وأما القياس: فقد أجمعنا على أن الكافر الذي لا يكون من أهل القبلة لا تقبل روايته؛ فكذا هذا الكافر.

стр. 2865

والجامع: أن قبول الرواية تنفيذ لقوله على كل المسلمين، وهو منصب شريف، والكفر يقتضى الإذلال، وبينهما منافاة. أقصى ما في الباب أن يقال: هذا الكافر جاهل بكونه كافرًا؛ لكنه لا يصلح عذرًا؛ لأنه ضم إلى كفره جهلًا آخر، وذلك لا يوجب رجحان حاله على الكافر الأصلي. والجواب عن الأول: أن اسم الفاسق في عرف الشرع مختص بالمسلم المقدم على الكبيرة. وعن الثاني: الفرق بين الموضعين: أن كفر الخراج عن الملة أعظم من كفر صاحب التأويل، فقد رأينا الشرع فرق بينهما في أمور كثيرة، [و] مع ظهور الفرق لا يجوز الجمع. الباب الثاني في شرائط العمل بهذه الأخبار قوله: قال القرافي: (رواية الصبي والمجنون لا تفيد الظن، فلا يجور العمل بهما كالخبر في أمور الدنيا): وقوله: تقبل شهادته إذا تحملها في صغره، فكذلك روايته). قلنا: المقدمتان باطلتان؛ لأنه يفيد الظن، لكن ظن ألغاه الشرع. وقوله مقبول في الاستئذان، وقبول الهدية إذا حملها، وهما من الأمور الدنيوية، غير أن بعض العلماء قال: إنما جاز ذلك؛ لاحتفاف القرائن في تلك الصور. (فائدة) قال إمام الحرمين في (البرهان):

стр. 2866

اختلف الأصوليون في اشتراط البلوغ، والفقهاء أيضًا، وعليه بنوا اختلافهم المشهور في قبوله في رؤية الهلال. واشترطه القاضي، وهو المختار؛ لأن الصحابة لم يراجعوا الصبيان فيما دعت ضرورتهم إليه من الأحكام، ولا دون رواة الحديث عن صبي حديثًا. قال المازري في (شرح البرهان): اختلف المصنفون في اشتراط البلوغ فرآها القاضي أبو الطيب مسألة إجماع، وإمام الحرمين رآها مسألة خلاف. المسألة الثانية قوله: (تقبل شهادته إذا تحملها في صغره، فكذلك روايته): قلنا: تقدم الفرق أن ضرر الشهادة خاص، وضرر الرواية عام؛ لكونها شرعًا عامًا ليوم القيامة. الشرط الثالث: الإسلام. قوله: (اعتقاد المخالف في العقائد من أهل القبلة تحريم الكذب يمنعه من الإقدام عليه): قلنا: وكذلك الكافر الحربي المجمع على عدم قبوله؛ فإن من أهل الكتاب من يستقبح الكذب غاية الاستقباح، ومع ذلك فلا تقبل روايته إجماعًا. قوله: (الكافر الذي ليس من أهل القبلة أجمعوا على أنه لا تقبل روايته، وذلك الكفر منتف هاهنا). قلنا: نحن فرعنا البحث في هذه المسألة على أنهم كفار، فالاختلاف بعد ذلك في أنواع الكفر لا أثر له. ألا ترى أن كفر اليهود أخف من كفر النصارى، وكفر الفريقين أخف من كفر الوثنيين، مع أن الكل سواء إجماعًا.

стр. 2867

قوله: كثير من أصحاب الحديث قبلوا أخبار سلفة المعتزلة مع اعتقادهم بكفرهم). قلنا: قول بعض المحدثين ليس بحجة إجماعًا. قوله: (لا تقبل رواية الكافر الأصلي، فكذلك هذا الكافر): قلنا: الكافر بالبدعة معظم للشريعة المحمدية، والقرآن الكريم، مؤمن بموسى وعيسى، وجميع الرسل، وهو من أشد الناس تعظيمًا لمحمد بن عبد الله-﵇ وهذه مزايا توجب القرق والاختلاف في الأحكام، ألا ترى أن أهل الكتاب لما خالفوا الوثنيين في تعظيم الكتاب والرسل، خالف الله-تعالى- بينهم، وبين الوثنيين والمجوس في ذبائحهم، ونكاح نسائهم، فجعل نساء الوثنيين كالبهائم لا تنكح، وجعل ذبائحهم كالميتة، وهذا شاهد قوي بالاعتبار على الفرق. قوله: (اسم الفسق يختص بالمسلم): قلنا: يلزم عليه قبول الكافر بطريق الأولى، فتكون الآية دلت على صورة النزاع من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. ***

стр. 2868

الشرط الرابع قال الرازي: العدالة وهي: هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا حتى تحصل ثقة النفس بصدقه . ويعتبر فيها الاجتناب عن الكبائر، وعن بعض الصغائر؛ كالتطفيف في الحبة، وسرقة باقة من البقل-وعن المباحات القادحة في المروءة؛ كالأكل في الطريق، والبول في الشارع، وصحبة الأراذل، والإفراط في المزاح. والضابط فيه: أن كل ما لا يؤمن معه جرأته على الكذب، ترد به الرواية، وما لا فلا. ويتفرع على هذا نوعان من الكلام: النوع الأول في أحكام العدالة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: الفاسق، إذا أقدم على الفسق: فإن على كونه فسق لم تقبل روايته بالإجماع، وإن لم يعلم كونه فسقًا، فكونه فاسقًا إما أن يكون مظنونًا، أو مقطوعًا، فإن كان مظنونًا، قبلت روايته بالاتفاق. قال الشافعي-﵁: (أقبل شهادة الحنفي، وأحده إذا شرب النبيذ) وإن كان مقطوعًا به، قبلت روايته أيضًا؛ قال الشافعي-﵁ (أقبل رواية أهل الأهواء، إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم).

стр. 2869

وقال القاضي أبو بكر: لا تقبل. لنا: أن ظن صدقه راجح، والعمل بهذا الظن واجب، والمعارض المجمع عليه منتف؛ فوجب العمل به. واحتج الخصم: بأن منصب الرواية لا يليق بالفاسق، أقصى ما في الباب أنه جعل فسقه؛ ولكن جهله بفسقه فسق آخر؛ فإذا منع أحد الفسقين من قبول الرواية، فالفسقان أولى بذلك المنع. والجواب: أنه إذا علم كونه فسقًا، دل إقدامه عليه على اجترائه على المعصية؛ بخلاف ما إذا لم يعلم ذلك. المسألة الثانية: المخالف الذي لا نكفره-ولكن ظهر عناده- لا تقبل روايته؛ لأن المعاند يكذب مع علمه بكونه كذبًا، وذلك يقتضى جرأته على الكذب، فوجب ألا تقبل روايته. المسألة الثالثة: قال الشافعي-﵁: (رواية المجهول غير مقبولة بل لابد فيه من خبرة ظاهرة، والبحث عن سيرته وسريرته) وقال أبو حنيفة-﵀ وأصحابه: (يكفي في قبول الرواية الإسلام، بشرط سلامة الظاهر عن الفسق). لنا أوجه: الأول: الدليل ينفى العمل بخبر الواحد؛ لقوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغنى من الحق شيئًا﴾ [النجم: ٢٨] خالفناه في حق من اختبرناه؛ لأن الظن هناك أقوى، فيبقى في المجهول على الأصل.

стр. 2870

الثاني: الدليل ينفى جواز العمل بخبر الواحد، إلا إذا قطعنا بأن الراوى ليس بفاسق؛ ترك العمل به فيما غلب على ظننا: أنه ليس بفاسق؛ بسبب كثرة الاختبار؛ فيبقى فيما عداه على الأصل. بيان الثاني: أن عدم الفسق شرط جواز الرواية؛ فوجب أن يكون العلم به شرطًا لجواز الرواية. وإنما قلنا: (إن عدم الفسق شرط جواز الرواية) لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦] وهو صريح في المنع من قبول رواية الفاسق. وإنما قلنا: (إن عدم الفسق، لما كان شرطًا لجواز الرواية، وجب أن يكون العلم به شرطًا لجواز الرواية) لأن الجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط. وبيان الفارق: أن العدالة أم كامن في الباطن، لا إطلاع عليه حقيقة بل الممكن فيه الاستدلال بالأفعال الظاهرة، وذلك، وإن لم يفد العلم؛ لكنه يفيد الظن، ثم الظن الحاصل بعد طول الاختبار أقوى من الظن الحاصل قبله، وإذا كان كذلك، لم يلزم من مخالفة الدليل عند وجود المعارض القوي-مخالفته عند وجود المعارض الضعيف. الثالث: أجمعنا: على أنه لما كان الصبا، والرق، والكفر، وكونه محدودً في القذف- مانعًا من الشهادة: لا جرم اعتبر في قبول الشهادة العلم بعدم هذه الأشياء ظاهرًا؛ فوجب أن يكون الأمر كذلك في العدالة، والجامع الاحتراز عن المفسدة المحتملة. الرابع: إجماع الصحابة-﵃ على رد رواية المجهول: رد عمر

стр. 2871

-﵁ خبر فاطمة بنت قيس؛ وقال: (كيف نقبل قول امرأة؛ لا ندري، أصدقت أم كذبت)؟!! ورد علي-﵁ خبر الأشجعي في المفوضة، وكان علي بن أبي طالب-رضي الله- عنه يحلف الراوي، ثم إن أحدًا من الصحابة ما أظهر الإنكار على ردهم؛ وذلك يقتضى حصول الإجماع. واحتج المخالف بأمور أحدها: أنه يقبل قول المسلم في كون اللحم لحم المذكي، وفي كون الماء في الحمام طاهرًا، وفي كون الجارية المبيعة رقيقة، وفي كون المرأة غير مزوجة، ولا معتدة، وفي كونه على الوضوء، إذا أم الناس، وفي إخباره للأعمى عن القبلة، فكذا هاهنا. وثانيها: أن الصحابة قبلت قول العبيد والصبيان والنسوان؛ لأنهم عرفوهم بالإسلام، وما عرفوهم بالفسق. وثالثها: أنه-﵊ قبل شهادة الأعرابي على رؤية الهلال، مع أنه لم يظهر منه إلا الإسلام. ورابعها: قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦] والمعلق على شرط عدم عند عدم الشرط، فما لم يعلم فسقه، لم يجب التثبت. والجواب عن الأول: لم قلتم: إنه لما قبل قول المجهول في تلك الصور، قبل قول الرواية؟ والفرق أن منصب الرواية أعلى من تلك المناصب، فإن ألغوا هذه الزيادة بإيماء قوله-﵊: (نحن نحكم بالظاهر) قلنا: ترك العمل بهذا الإيماء في الكفر والحرية؛ فكذا هاهنا.

стр. 2872

وعن الثاني: لا نسلم أن الصحابة قبلت قول المجاهيل؛ فإن هذا هو نفس المسألة. وعن الثالث: لا نسلم: أنه-﵊ ما كان يعرف من حال ذلك الأعرابي إلا مجرد الإسلام. وعن الرابع: لما وجب التوقف عند قيام المفسق، وجب أن نعرف أنه في نفسه، هل هو فاسق أم لا؛ حتى يمكننا أن نعرف أنه، هل يجب التوقف في قوله، أم لا!؟. الشرط الرابع العدالة قال القرافي: قوله: (المعتبر اجتناب الكبائر، وبعض الصغائر، كالتطفيف في الحبة، وسرقة باقة بقل): تقريره: أن من العلماء من يقول: كل معصية كبيرة، قال إمام الحرمين في (الإرشاد): وغيره مع موافقة هذا القائل على التفرقة في أمر العدالة بين أنواع المعاصي، وإنما ظاهر حاله أنه إنما منع تعظيمًا أن يقال لمخالفة الله تعالى: صغيرة، وإذا تقرر أنه لا بد من الفرق، فالجمهور على تسمية ما يسقط العدالة كبيرة. يؤيده قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تتهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١]، فأثبت الله-تعالى- السيئات. وقوله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧]، فجعل الله-تعالى- الفسوق رتبة بين اثنتين. وقال ﵇: (الكبائر تسع: الشرك بالله-تعالى- وقتل النفس المؤمنة، وقذف المحصنة والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل

стр. 2873

مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا). وفي بعض الطرق: والانقلاب إلى الأعراب بعد هجرة، والسرقة، وشرب الخمر). ولم يقل: كل معصية كبيرة. (قاعدة) قال جماعة من العلماء: فالفرق بين الصغيرة والكبيرة يرجع إلى عظم المفسدة وصغرها ، فعظم المفسدة كبيرة، والآخر صغيرة، غير أن هذه الرتبة من العظم غير معلومة الحد، والحقيقة في المقدار. قالوا: فالطريق إلى ضبط ذلك أن كل ما نص الله- عليه، ورتب فيه حدًا من الحدود، أو تهديدًا، أو وعيدًا فهو كبيرة، ويقاس ما لم يذكر على ما ذكر. فإن وجدت مفسدته كمفسدته لحق به، وإلا فلا، وكذلك يلاحظ ما ورد في السنة مما نص على أنه كبيرة، فما كان في معناه لحق به، وإلا فلا.

стр. 2874

وكذلك يلاحظ ما جعله رسول الله-﵇ صغيرة، وقبل الشهادة معه، فما كان في معناه لحق به، وإلا فلا. فقد روى عنه-﵇ أنه قبل الشهادة ممن علم منه تقبيل امرأة أجنبية، فتكون مقدمات النكاح صغائر. (سؤال) الإصرار على الصغيرة والكبيرة، فما ضابط الإصرار الذي يوصل للكبيرة ؟ (جوابه) إن داوم على الصغيرة مداومة تخل بالثقة به كما تخل به بالكبيرة كان كبيرة، وإلا فلا . وكذلك يقال: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، هذا كله سمعته من الشيخ عز الدين بن عبد السلام. (تنبيه) وسمعته يقول: أجمعوا على أن غصب الحبة كبيرة، وسرقة الحبة كبيرة، وشهادة الزور كبيرة، وإن كان الضيع بها حقيرًا ، فلوحظ في هذه الأبواب مفاسد الهيئات من غصب، وسرقة، وغيرها دون مفاسد الأفعال من تضييع المال العظيم وغيره، فلو كذب كذبة يضيع بها ما يضيعه شاهد الزور مع حقارته لم تسقط عدالته؛ لعظم مفسدة الباب لا لمفسدة المال. قوله: (الفاسق إذا أقدم على الفسق، فإن علم به فسق لا تقبل روايته): تقريره: أنه إذا كان يعلم أنه على معصية، فقد أقدم وهو بجرأة عظيمة تخل بالثقة به، بخلاف الذي لا يعتقد أنه على معصية لا جرأة عنده تخل به.

стр. 2875

قوله: (قال الشافعي: أقبل شهادة الحنفي، واحده على شرب النبيذ): تقريره: أن الشافعي يقول: التأديبات تعتمد المفاسد لا المعصية؛ بدليل تأديب الصبيان، والمجانين، والبهائم استصلاحًا لهم لا لعصيانهم. فكذلك الحنفي هو غير عاص؛ لصحة تقليده، وهو موقع لمفسدة التوسل إلى إتلاف عقله؛ فإن القليل قد يؤدي إلى الكثير، فيسكر، فأحده لذلك، غير أنه وإن كان هذا مدركًا حسنًا سمعت الشيخ عز الدين يذكره، غير أنه يرد عليه أن التأديب المعهود في الشرح للاستصلاح مع عدم الذنب غير محدود بعدد، وما عهدنا في الشرع حدًا على مباح، وهذا حد عنده، فيتعين إما ألا يحده، أو يعصيه، ويحده كما قال مالك: أحده، وأرد شهادته، ومنشؤ الخلاف بين الإمامين أن الفتاوى قسمان: منها ما يجوز التقليد فيه، ومنها ما لا يجوز، وهو ما كان على خلاف أحد أربعة: الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي إذا سلمنا هذه الثلاثة عن المعارض؛ لأن الحاكم لو حكم بما هو على خلاف هذه الثلاثة نقض حكمه، فما لا نقره شرعًا إذا تقرر بحكم الحاكم أولى ألا نقره إذا لم يتصل بما يؤكده. ثم يختلف بعد ذلك في بعض المسائل، هل هي من القسم الأول أو من الثاني؟. فالشافعي يرى مسألة النبيذ من الأول. ومالك يراها من الثاني؛ لتضافر النصوص في الباب من السنة بتحريم قليل ما أسكر كثيره، ولا معارض لها، والقياس على الخمر جلي؛ ولأن القواعد تقتضى سد الذرائع في مثل هذا. فهذه الصورة على خلاف الثلاثة، وواحد منها كاف في إبطال التقليد منها، فكيف بها كلها؟.
следующие страницы →