Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
-﵁ خبر فاطمة بنت قيس؛ وقال: (كيف نقبل قول امرأة؛ لا ندري، أصدقت أم كذبت)؟!! ورد علي-﵁ خبر الأشجعي في المفوضة، وكان علي بن أبي طالب-رضي الله- عنه يحلف الراوي، ثم إن أحدًا من الصحابة ما أظهر الإنكار على ردهم؛ وذلك يقتضى حصول الإجماع.
واحتج المخالف بأمور أحدها: أنه يقبل قول المسلم في كون اللحم لحم المذكي، وفي كون الماء في الحمام طاهرًا، وفي كون الجارية المبيعة رقيقة، وفي كون المرأة غير مزوجة، ولا معتدة، وفي كونه على الوضوء، إذا أم الناس، وفي إخباره للأعمى عن القبلة، فكذا هاهنا.
وثانيها: أن الصحابة قبلت قول العبيد والصبيان والنسوان؛ لأنهم عرفوهم بالإسلام، وما عرفوهم بالفسق.
وثالثها: أنه-﵊ قبل شهادة الأعرابي على رؤية الهلال، مع أنه لم يظهر منه إلا الإسلام.
ورابعها: قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦] والمعلق على شرط عدم عند عدم الشرط، فما لم يعلم فسقه، لم يجب التثبت.
والجواب عن الأول: لم قلتم: إنه لما قبل قول المجهول في تلك الصور، قبل قول الرواية؟ والفرق أن منصب الرواية أعلى من تلك المناصب، فإن ألغوا هذه الزيادة بإيماء قوله-﵊: (نحن نحكم بالظاهر) قلنا: ترك العمل بهذا الإيماء في الكفر والحرية؛ فكذا هاهنا.
стр. 2872
وعن الثاني: لا نسلم أن الصحابة قبلت قول المجاهيل؛ فإن هذا هو نفس المسألة.
وعن الثالث: لا نسلم: أنه-﵊ ما كان يعرف من حال ذلك الأعرابي إلا مجرد الإسلام.
وعن الرابع: لما وجب التوقف عند قيام المفسق، وجب أن نعرف أنه في نفسه، هل هو فاسق أم لا؛ حتى يمكننا أن نعرف أنه، هل يجب التوقف في قوله، أم لا!؟.
الشرط الرابع
العدالة
قال القرافي: قوله: (المعتبر اجتناب الكبائر، وبعض الصغائر، كالتطفيف في الحبة، وسرقة باقة بقل):
تقريره: أن من العلماء من يقول: كل معصية كبيرة، قال إمام الحرمين في (الإرشاد): وغيره مع موافقة هذا القائل على التفرقة في أمر العدالة بين أنواع المعاصي، وإنما ظاهر حاله أنه إنما منع تعظيمًا أن يقال لمخالفة الله تعالى: صغيرة، وإذا تقرر أنه لا بد من الفرق، فالجمهور على تسمية ما يسقط العدالة كبيرة.
يؤيده قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تتهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء: ٣١]، فأثبت الله-تعالى- السيئات.
وقوله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧]، فجعل الله-تعالى- الفسوق رتبة بين اثنتين.
وقال ﵇: (الكبائر تسع: الشرك بالله-تعالى- وقتل النفس المؤمنة، وقذف المحصنة والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل
стр. 2873
مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا). وفي بعض الطرق: والانقلاب إلى الأعراب بعد هجرة، والسرقة، وشرب الخمر).
ولم يقل: كل معصية كبيرة.
(قاعدة)
قال جماعة من العلماء: فالفرق بين الصغيرة والكبيرة يرجع إلى عظم المفسدة وصغرها ، فعظم المفسدة كبيرة، والآخر صغيرة، غير أن هذه الرتبة من العظم غير معلومة الحد، والحقيقة في المقدار.
قالوا: فالطريق إلى ضبط ذلك أن كل ما نص الله- عليه، ورتب فيه حدًا من الحدود، أو تهديدًا، أو وعيدًا فهو كبيرة، ويقاس ما لم يذكر على ما ذكر.
فإن وجدت مفسدته كمفسدته لحق به، وإلا فلا، وكذلك يلاحظ ما ورد في السنة مما نص على أنه كبيرة، فما كان في معناه لحق به، وإلا فلا.
стр. 2874
وكذلك يلاحظ ما جعله رسول الله-﵇ صغيرة، وقبل الشهادة معه، فما كان في معناه لحق به، وإلا فلا.
فقد روى عنه-﵇ أنه قبل الشهادة ممن علم منه تقبيل امرأة أجنبية، فتكون مقدمات النكاح صغائر.
(سؤال)
الإصرار على الصغيرة والكبيرة، فما ضابط الإصرار الذي يوصل للكبيرة ؟
(جوابه)
إن داوم على الصغيرة مداومة تخل بالثقة به كما تخل به بالكبيرة كان كبيرة، وإلا فلا .
وكذلك يقال: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، هذا كله سمعته من الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
(تنبيه)
وسمعته يقول: أجمعوا على أن غصب الحبة كبيرة، وسرقة الحبة كبيرة، وشهادة الزور كبيرة، وإن كان الضيع بها حقيرًا ، فلوحظ في هذه الأبواب مفاسد الهيئات من غصب، وسرقة، وغيرها دون مفاسد الأفعال من تضييع المال العظيم وغيره، فلو كذب كذبة يضيع بها ما يضيعه شاهد الزور مع حقارته لم تسقط عدالته؛ لعظم مفسدة الباب لا لمفسدة المال.
قوله: (الفاسق إذا أقدم على الفسق، فإن علم به فسق لا تقبل روايته): تقريره: أنه إذا كان يعلم أنه على معصية، فقد أقدم وهو بجرأة عظيمة تخل بالثقة به، بخلاف الذي لا يعتقد أنه على معصية لا جرأة عنده تخل به.
стр. 2875
قوله: (قال الشافعي: أقبل شهادة الحنفي، واحده على شرب النبيذ): تقريره: أن الشافعي يقول: التأديبات تعتمد المفاسد لا المعصية؛ بدليل تأديب الصبيان، والمجانين، والبهائم استصلاحًا لهم لا لعصيانهم.
فكذلك الحنفي هو غير عاص؛ لصحة تقليده، وهو موقع لمفسدة التوسل إلى إتلاف عقله؛ فإن القليل قد يؤدي إلى الكثير، فيسكر، فأحده لذلك، غير أنه وإن كان هذا مدركًا حسنًا سمعت الشيخ عز الدين يذكره، غير أنه يرد عليه أن التأديب المعهود في الشرح للاستصلاح مع عدم الذنب غير محدود بعدد، وما عهدنا في الشرع حدًا على مباح، وهذا حد عنده، فيتعين إما ألا يحده، أو يعصيه، ويحده كما قال مالك: أحده، وأرد شهادته، ومنشؤ الخلاف بين الإمامين أن الفتاوى قسمان: منها ما يجوز التقليد فيه، ومنها ما لا يجوز، وهو ما كان على خلاف أحد أربعة: الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي إذا سلمنا هذه الثلاثة عن المعارض؛ لأن الحاكم لو حكم بما هو على خلاف هذه الثلاثة نقض حكمه، فما لا نقره شرعًا إذا تقرر بحكم الحاكم أولى ألا نقره إذا لم يتصل بما يؤكده.
ثم يختلف بعد ذلك في بعض المسائل، هل هي من القسم الأول أو من الثاني؟.
فالشافعي يرى مسألة النبيذ من الأول.
ومالك يراها من الثاني؛ لتضافر النصوص في الباب من السنة بتحريم قليل ما أسكر كثيره، ولا معارض لها، والقياس على الخمر جلي؛ ولأن القواعد تقتضى سد الذرائع في مثل هذا.
فهذه الصورة على خلاف الثلاثة، وواحد منها كاف في إبطال التقليد منها، فكيف بها كلها؟.
стр. 2876
قوله في المعلوم الفسق: (إن ظن صدقه راجح، والعمل بالراجح واجب).
قلنا: قد تقدم مرارًا أن مطلق الظن والراجح غير معتبر، بل لم يعتبر صاحب الشرع إلا مراتب معينة من الظن، فلم قلتم: إن هذه الرتبة منها؟
(فائدة)
قال المازري في (شرح البرهان): المعتزلة نفاة العلم، والخوارج وغيرهم إذا لم نقل بتكفيرهم فسقناهم .
قوله: (قال الحنفية: تقبل رواية المجهول؛ بشرط سلامة الظاهر من الفسق).
تقريره: أني اجتمعت بأعيان الحنفية، فقالوا في هذه المسألة: التزكية عندنا في الشهادة وغيرها إنما تقع حقًا للعبد لا لله-تعالى- فإن طلب الخصم التزكية من الحاكم وجب عليه إجابته لذلك، وإلا فلا.
وعند غير الحنفية ثبوت العدالة حق الله-تعالى- فلا يجوز قبول شهادة ولا رواية إلا من عدل، ورأيت متأخريهم يقولون: إنما قال أبو حنيفة ذلك في صدر الإسلام حيث كان الغالب على الناس العدالة، فألحق النادر بالغالب، ولما كثر الفساد، وقل الرشاد، ألحق الغالب بالنادر، فتكون العدالة شرطًا، ولا بد من التزكية.
ومثل هذا روى عن عمرو بن شعيب، فروى عنه أنه قال: (المسلمون كلهم عدول بعضهم على بعض)، واستدل به الحنفية، ثم قال بعد ذلك لما اطلع على كثرة المفاسد: (لا يوثق أحد في الإسلام بغير العدول).
стр. 2877
قال إمام الحرمين في (البرهان): الحنفية وإن باحوا بقبول شهادة الفاسق لم يجروا أن يبوحوا بقبول روايته.
قال المازري: اضطرب النقل عنهم في قبول شهادته، غير أنهم أجازوا النكاح بشهادة فاسقين.
وبعضهم منع ذلك، وقال: إنما يقضى بهما، عند التجاحد فيجب القضاء بما حينئذ.
وقال أبو المعالي: المتحصل من مذهبهم أن قبول شهادة الفاسق موكول إلى اجتهاد الإمام إن غلب على ظنه صدقه أمضى شهادته، وإلا فلا.
وسلموا أن حد الزنا لا يقام بالفساق، ولا تقبل روايتهم، ومن أثبت به النكاح عند التجاحد، فقد أبعد؛ لأنه قضاء صرف، بخلاف انعقاد النكاح بهم.
قال الغزالي في (المستصفى): مذهب أبي حنيفة: أن الكفر والفسق لا يسلبان الأهلية، بل يوجبان التهمة، وقبل شهادة الذمي بعضهم على بعض.
стр. 2878
قال القاضي: كلاهما يسلب الأهلية.
وقال الشافعي: الكفر يسلب، والفسق يوجب الرد للتهمة.
قال الغزالي: وهو ظاهر.
قوله: (الدليل ينفى جواز العمل بخبر الواحد إلا إذا قطعنا بأن الرواي ليس بفاسق).
يريد بالقطع: غلبه الظن، وإلا فالقطع ليس شرطًا إجماعًا.
قوله: (إن عدم الفسق شرط جواز الرواية؛ لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ [الحجرات: ٦]):
قلنا: بل لعل الفسق مانع.
(قاعدة)
عدم المانع ليس بشرط، وعدم الشرط ليس بمانع، خلافًا لما يتخيله كثير من الفقهاء ؛ لأن الشك في عدم الشرط يمنع ترتب الحكم، والشك في المانع لا يمنع ترتب الحكم؛ لأن القاعدة أن المشكوكات كالمعدومات، فكل شيء شككنا في وجوده، أو عدمه جعلناه معدومًا، وكذلك إذا شككنا في السبب لا نرتب الحكم؛ لأنا نصيره معدومًا، فلو كان عدم الشرط مانعًا، أو عدم المنع شرطًا للزم من الشك فيه أن يرتب الحكم؛ لأن مانع، وألا يرتبه؛ لأنه شرط، فيرتبه ولا يرتبه، وهو جمع بين النقيضين.
فإن قلت: ما مقتضى لفظ الآية؟ هل هو مانع أو شرط؟
قلت: ليس مقتضاها أن يكون واحدًا منهما، بل مقتضاها أن يكون سببًا؛ لأن القاعدة أن التعاليق اللغوية أسباب.
стр. 2879
وقد علق علم التثبيت، وإذا كان سببًا، فنقول أيضًا: عدم السبب ليس شرطًا؛ لأن عدم السبب المعين لا يلزم من عدمه العدم، لجواز أن يخلفه سبب آخر، ولو كان شرطًا لترتب ضد الحكم وللزم من الشك فيه ألا نرتب ضد الحكم.
لكنا عند الشك فيه نرتب ضد الحكم؛ لأن سبب الضد يجري مجرى المانع، وقد تقدم أن الشك في المانع لا يمنع، فتأمل هذه المواضع؛ فإنها تلتبس على كثير من الفقهاء.
قوله: (لما وجب التوقف عند قيام المفسق وجب أن يعرف أنه في نفسه هل هو فاسق أم لا؟):
قلنا: قد تقدم أن الحكم بقوله ضد التثبت فيه، وأن انتفاء سبب الضد مانع، والمانع يكفي الشك فيه، ويرتب الحكم عكس الشرط والسبب، لأن المشكوك فيه كالمعدوم، كما تقدم تقريره، والمجهول مشكوك في فسقه، فتقبل روايته، ولا نتثبت.
(المسألة الثانية)
رواية المجهول غير مقبولة عند الشافعي، خلافًا للحنفية .
قال المازري في (شرح البرهان): قبلت الحنفية روايته، وقبلت شهادته أيضًا في الأموال دون الحدود والفروج، وخرج بعضهم من قول الشافعي: (إن النكاح ينعقد بالمستورين) قبول رواية المجهولين، فهو مذهب الشافعي حينئذ؛ لأجل هذا التخريج.
وأنكر بعضهم ذلك، وقال: إنما وزان الرواية إثبات النكاح بالمجهول، وهو لم يقل به.
* * *
стр. 2880
النوع الثاني
قال الرازي: في طريق معرفة العدالة والجرح وهو أمران: أحدهما: الاختبار.
وثانيهما: التزكية، والمقصود هاهنا بيان أحكام التزكية والجرح، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: شرط بعض المحدثين العدد في المزكى والجارح؛ في الرواية، والشهادة.
وقال القاضي أبو بكر: لا يشترط العدد في تزكية الشاهد، ولا في تزكية الراوي، وإن كان الأحوط في الشهادة الاستظهار بعدد المزكى.
وقال قوم: يشترط في الشهادة، دون الرواية، وهو الأظهر؛ لأن العدالة التي تثبت بها الرواية لا تزيد على نفس الرواية، وشرط الشيء لا يزيد على أصله؛ فالإحصان يثبت بقول اثنين؛ وإن لم يثبت الزنا إلا بقول أربعة، وكذلك نقولك تقبل تزكية العبد والمرأة في الرواية؛ كما يقبل قولهما.
المسألة الثانية: قال الشافعي- ﵁: يجب ذكر سبب الجرح، دون التعديل؛ لأنه قد يجرح بما لا يكون جارحًا؛ لاختلاف المذاهب فيه، وأما العدالة، فليس لها إلا سبب واحد.
وقال قوم: يجب ذكر سبب التعديل، دون الجرح؛ لأن مطلق الجرح يبطل الثقة، ومطلق التعديل لا يحصل الثقة؛ لتسارع الناس إلى الثناء على الظاهر؛ فلا بد من سبب.
стр. 2881
وقال قوم: لابد من السبب فيهما جميعًا؛ أخذًا بمجامع كلام الفريقين.
وقال القاضي أبو بكر: لا يجب ذكر السبب فيهما جميعًا؛ لأنه إن لم يكن بصيرًا بهذا الشأن، لم تصح تزكيته، وإن كان بصيرًا، فلا معنى للسؤال.
والحق: أن هذا يختلف باختلاف أحوال المزكي، فإن علمنا كونه عالمًا بأسباب الجرح والتعديل، اكتفينا بإطلاقه.
وإن علمنا عدالته في نفسه، ولم نعرف إطلاعه على شرائط الجرح والتعديل، استخبرناه عن أسباب الجرح والتعديل.
المسألة الثالثة: إذا تعارض الجرح والتعديل، قدمنا الجرح؛ لأنه اطلاع على زيادة، لم يطلع عليها المعدل، ولا نفاها، فإن نفاها، بطلت عدالة المزكي؛ إذ النفي لا يعلم؛ اللهم إلا إذا جرحه بقتل إنسان، فقال المعدل: (رأيته حيًا) فهاهنا يتعارضان، وعدد المعدل، إذا زاد، قيل: إنه يقدم على الجارح، وهو ضعيف؛ لأن سبب تقديم الجرح اطلاع الجارح على زيادة؛ فلا ينتفي ذلك بكثرة العدد.
المسألة الرابعة: للتزكية مراتب أربعة:: أعلاها: أن يحكم بشهادته، والثانية: أن يقول: هو عدل؛ لأني عرفت منه كيت وكيت، فإن لم يذكر السبب، وكان عارفًا بشروط العدالة، كفى.
والثالثة: أن يروي عنه خبرًا، واختلفوا في كونه تعديلًا.
والحق: أنه إن عرف من عادته، أو بصريح قوله: أنه لا يستجيز الرواية إلا عن عدل، كانت الرواية تعديلًا، وإلا فلا؛ إذ من عادة أكثرهم الرواية عن كل من سمعوه، ولو كلفوا الثناء عليهم، سكتوا.
стр. 2882
فإن قلت: (لو عرفه بالفسق، ثم روى عنه، كان غاشًا في الدين):
قلت: إنه لم يوجب على غيره العمل به، بل قال: (سمعت فلانًا يقول كذا) وصدق فيه، ثم لعله لم يعرفه بالفسق، ولا بالعدالة؛ فروى، ووكل البحث إلى من أراد القبول.
والرابعة: العمل بالخبر: إن أمكن حمله على الاحتياط، أو على العمل بدليل آخر، وافق الخبر- فليس بتعديل، وإن عرف يقينًا: أنه عمل بالخبر- فهو تعديل؛ إذ لو عمل بخبر غير العدل، لفسق.
المسألة الخامسة: ترك الحكم بشهادته لا يكون جرحًا في روايته؛ وذلك لأن الرواية والشهادة مشتركان في هذه الشرائط الأربعة، أعني: العقل، والتكليف، والإسلام، والعدالة، واختصت الشهادة بأمور ستة؛ هي غير معتبرة في الرواية وهي: عدم القرابة، والحرية، والذكورة، والبصر، والعدد، والعداوة، والصداقة.
فهذه الستة تؤثر في الشهادة، لا في الرواية؛ لأن الولد له أن يروي عن والده بالإجماع، والعبد له أن يروي أيضًا، والضرير له أن يروي أيضًا، ذلك لأن الصحابة رووا عن زوجات النبي ﷺ ، مع أنهم في حقهن كالضرير.
(لنوع الثاني
في العدالة)
قال القرافي: قوله: (شرط بعضهم العدد في المزكي والجارح في الرواية، والشهادة).
قلت: هذا الكلام فرع تصور حقيقة الشهادة والرواية؛ فإن الحكم على
стр. 2883
الشيء فرع تصوره، ولقد أقمت ثماني سنين، وأنا أجد في فروع الفقه، أن منشأ الخلاف في هذه المسألة دورانها بين الشهادة والرواية، واسأل من أجده من الفضلاء يقول: الفرق بينهما أن الشهادة يشترط فيها العدد، والحرية، والذكورة في بعض الصور، والرواية ليست كذلك في الجميع، فأقول لهم: التزام هذه الشروط فيها فرع تصورهما؟ فكيف يستفاد تصورهما من فروعهما، فلا يحصل في ذلك تصورهما، ولم ازل كذلك حتى وجدته في شرح المازري لـ (البرهان)، فقال: "قاعدة": الخبر يعم الشهادة والرواية، فمتعلق ذلك الخبر وفائدته إن كان عامًا في الأمصار، والأعصار إلى يوم القيامة، فهو الرواية، وغن كان خاصًا بشخص معين، فهو الشهادة، وبهذا السر يظهر اشتراط العدد؛ لأن الشاهد إذا أخبر عن ضرر شخص معين احتمل أن يكون عدوًا له، وما شعرنا به، فاستظهرنا بالعدد لتبعد التهمة، ففي الرواية لا يعادي العدل الخلائق إلى يوم القيامة، فلام نشترط العدد، وبه ظهر اشتراط الحرية؛ فإن إثبات سلطان العبيد على الشخص المعين يتضرر به ذلك المعين، وحكم يعم الخلق أجمعين لا يتضرر به أحد؛ لأنه لم يستشعر أن العبد قصده، والمعين مقصود، فيتألم، ثم المواطن ثلاثة أقسام:
قسم اتفق على أنه من باب العموم الصرف، فهو رواية اتفاقًا، كقوله ﵇: (الأعمال بالنيات).
وقسم خصوص صرف، فهو شهادة اتفاقًا، كإخبار العدل من ثبوت الدين على زيد.
وقسم اختلف العلماء فيه، لتردده بين العموم والخصوص، هل هو شهادة أو رواية؟
كشهادة هلال رمضان من جهة أنه يخص هذا العام، فيشبه الشهادة، ومن جهة أنه لا يختص ببلد معين عموم، فيشبه الرواية، ففيه لأجل الشائبة قولان.
стр. 2884
وكذلك القائف، والمقوم، والترجمان عند الحاكم، ونحوهم، من جهة أن الحاكم نصبهم نصبًا عامًا للناس شائبة عموم، ومن جهة أن أقضيتهم إنما تقع في جزء معين، فهو جهة خصوص، لا جرم كان في اشتراط العدد في تلك المواطن للعلماء قولان.
وكذلك المزكي كونه بخبر عن أمر يتعلق بالمزكي، ويثبت له أمرًا في نفسه كنسبه وحريته، أشبه بالشهادة، ومن جهة انه إذا زكى صارت شهادة عامة على الناس لا تختص بأحد- أشبهت الرواية.
وكذلك جميع الصور التي يختلف فيها العلماء، هل هي رواية أو شهادة؟ تخرج بهذا السر وتقريره.
فهذا تلخيص قاعدة الشهادة والرواية، فرحم الله- تعالى- العلماء أجمعين.
والله لقد سررت بها سرورًا كثيرًا لما وجدتها بعد تعب شديد، فتأملها أنت؛ فإنها حسنة، والموضع صعب، وقل من يتعرض له.
(فائدة)
رأيت لبعض المشايخ الذين اجتمعت بهم أن العبد لو روى حديثًا يتضمن عتقه قبلت روايته، ولا يكون ذلك تهمة توجب رده .
ولو شهد شهادة تتضمن عتق نفسه ردت شهادته، وما ذلك إلا لفرط العموم في الرواية، فتبعد التهمة بأنه يترتب شرعًا عامًا، ويضر بالخلق إلى يوم القيامة لأجله هو.
* * *
стр. 2885
الشرط الخامس
قال الرازي: أن يكون الراوي بحيث لا يقع له الكذب والخطأ ؛ وذلك يستدعى حصول أمرين: أحدهما: أن يكون ضابطًا.
والآخر: ألا يكون سهوه أكثر من ذكره، ولا مساويًا له.
أما ضبطه: فلأنه إذا عرف بقلة الضبط، لم تؤمن الزيادة والنقصان في حديثه، ثم هذا على قسمين:
أحدهما: أن يكون مختل الطبع جدًا، غير قادر على الحفظ أصلًا، ومثل هذا الإنسان لا يقبل خبره البتة.
والثاني: أن يقدر على ضبط قصار الأحاديث، دون طوالها، وهذا الإنسان يقبل منه ما عرف كونه قادرًا على ضبطه، دون ما لا يكون قادرًا عليه.
أما إذا كان السهو غالبًا عليه ما لم يقبل حديثه؛ لأنه يترجح أنه سها في حديثه، وأما إذا استوى الذكر والسهو، لم يترجح أنه ما سها، والفرق بين ألا يكون ضابطًا، وبين أن يعرض له السهو، أن من لا يضبط لا يحصل الحديث حال سماعه، ومن يعرض له السهو قد يضبط الحديث حال سماعه وتحصيله، إلا أنه قد يشذ عنه بعارض السهو.
فإن قلت: (لم لا يجوز أن يقبل حديثه؟ لأنه لو لم يكن ضبطه، أو ضبطه، ثم سها عنه، لم يروه مع عدالته):
قلت: عدالته تمنع من الكذب والخطأ عمدًا، لا سهوًا، فجاز أن يتصور مع
стр. 2886
عدالته فيما لم يضبطه: أنه ضبطه، وانه لم يسه فيما سها عنه؛ فوجب ألا يقبل حديثه.
الفصل الثاني
(في الأمور التي يجب ثبوتها؛ حتى يحل للراوي أن يروي الخبر).
اعلم أن لذلك مراتب:
فأعلاها: أن يعلم أنه قرأه على شيخه، أو حدثه به، ويتذكر ألفاظ قراءته، ووقت ذلك- فلا شبهة في أنه يجوز له روايته، والأخذ به.
وثانيها: أن يعلم انه قرأ جميع ما في الكتاب، أو حدثه به، ولا يتذكر ألفاظ قراءته، ولا وقت ذلك- فيجوز له روايته؛ لأنه عالم في الحال: أنه سمعه.
وثالثهما: أن يعلم أنه لم يسمع ذلك الكتاب، ولا يظن أيضًا أنه سمعه، أو يجوز الأمرين تجويزًا على السوية- فلا تجوز له روايته؛ لأنه لا يجوز له أن يخبر بما يعلم أنه كاذب فيه، أو ظان، أو شاك فيه.
ورابعها: ألا يتذكر سماعه، ولا قراءته لما فيه لكنه يظن ذلك، لما يرى منه خطه.
وهاهنا اختلفوا فيه: فعند الشافعي- ﵁ تجوز له روايته، وهو قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله-.
وقال أبو حنيفة- ﵀: لا تجوز.
لنا الإجماع، والمعقول:
أما الإجماع: فهو أن الصحابة- ﵃ كانت تعمل على كتب
стр. 2887
رسول الله ﷺ ؛ نحو كتابه لعمرو بن حزم، من غير أن يقال: إن راويًا روى ذلك الكتاب لهم، وإنما علموا ذلك؛ لأجل الخط، وأنه منسوب إلى رسول الله ﷺ ؛ فجاز مثله في سائر الروايات.
وأما المعقول: فلأن الظن حاصل هاهنا، والعمل بالظن واجب.
احتج أبو حنيفة- ﵀: بأنه إذا لم يعلم السامع، لم يؤمن الكذب.
جوابه: أنه يروى بحسب الظن؛ وذلك يكفي في وجوب العمل.
(الشرط الخامس)
قال القرافي: قوله: (لم يذكر سماعه، ولا رأى خطه، فعند الشافعي: تجوز روايته):
قلت: الفرق عنده في الاعتماد على الخطوط في الرواية، مع أنه لا يجيز الشهادة على الخطوط؛ لأن الشهادة مظنة التزوير؛ لأنها موطن المقاصد الدنيوية من الأموال والأعراض والنفوس، وتراحم الرغيات.
والرواية بعيدة عن ذلك، فإنها لا تحصل للمزور شيئًا من هذه المقاصد.
قوله: (كانت الصحابة يعتمدون على كتب رسول الله ﷺ بمجرد الخط).
قلنا: الكتاب المنسوب إلى رسول الله ﷺ فيه من الهيبة المانعة من التزوير، وقرائن الأحوال المحصلة للعلم، أو الظن القريب من العلم ما ليس في كتب غيره.
ومع الفرق بطل الاعتبار.
* * *
стр. 2888
الفصل الثالث
قال الرازي: (فيما جعل شرطًا في الراوي، مع أنه غير معتبر):
والضابط في هذا الباب: كل خصلة لا تقدح في غالب الظن بصحة الرواية، ولم يعتبر الشرع تحقيقها تعبدًا؛ فإنها لا تمنع من قبول الخبر، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: رواية العدل الواحد مقبولة؛ خلافًا للجبائي؛ فإنه قال: (رواية العدلين مقبولة، وأما خبر العدل الواحد، فلا يكون مقبولًا إلا إذا عضده ظاهر، أو عمل بعض الصحابة، أو اجتهاد، أو يكون منتشرًا فيهم) وحكى عنه القاضي عبد الجبار: أنه لم يقبل في الزنا إلا خبر أربعة؛ كالشهادة عليه.
لنا وجهان:
الأول: إجماع الصحابة: عمل أبو بكر على خبر بلال، وعمل عمر على خبر حمل بن مالك، وعلى خبر عبد الرحمن في المجوس، وعمل على خبر المقداد، وعملت الصحابة على خبر أبي سعيد في الربان وعملت على خبر رافع بن خديج في المخابرة، وعلى خبر عائشة في التقاء الختانين، وكان على يقبل خبر أبي بكر- ﵃ أجمعين-.
فإن قلت: (لعلهم قبلوا ما قبلوه؛ لأن الاجتهاد عضده):
قلت: إنهم كانوا يتركون اجتهادهم بهذه الأخبار، وكانوا لا يرون بالمخابرة بأسًا؛ حتى روى لهم رافع بن خديج نهى رسول الله ﷺ عنها.
стр. 2889
الثاني: أن العمل بخبر الواحد العدل يتضمن دفع ضرر مظنون؛ فيكون واجبًا.
احتج الخصم بأمور:
أحدها: أنته- ﵊ لم يقبل خبر ذي اليدين؛ حتى شهد له أبو بكر وعمر- ﵃.
وثانيهما: أن الصحابة اعتبرت العددة فإن أبا بكر لم يقبل خبر المغيرة في الجدة حتى رواه معه محمد بن مسلمة، ولم يعمل عمر على خبر أبي موسى في الاستئذان؛ حتى رواه أبو سعيد الخدري، ورد خبر فاطمة بنت قيس، ورد أبو بكر وعمر خبر عثمان ﵃ أجمعين في رد الحكم بن العاص.
وثالثهما: قياس الرواية على الشهادة، بل أولى؛ لأن الرواية تقتضي شرعًا عامًا، والشهادة شرعًا خاصًا؛ فإذا لم تقبل رواية الواحد في حق الإنسان الواحد، فلأن لا تقبل في حق كل الأمة كان أولى.
ورابعها: الدليل ينفي العمل بالخبر المظنون؛ لقوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾ ترك العمل به في خبر العدلين؛ والعدل الواحد ليس في معناه؛ لأن الظن هناك أقوى مما هاهنا؛ فوجب أن يبقى على الأصل.
والجواب عن الأول: أن ذلك، إن دل، فإنما يدل على اعتبار ثلاثة، أبي بكر، وعمر، وذي اليدين- ﵃؛ ولأن التهمة كانت قائمة هناك؛ لأنها كانت واقعة في محفل عظيم، والواجب فيها الاشتهار.
стр. 2890
وعن الثاني: أنا بينا أنهم قبلوا خبر الواحد، وهاهنا اعتبروا العدد؛ فلابد من التوفيق، فنقول ما ذكرناه من الروايات يدل على أن العدد ليس بشرط في أصل الرواية، وما ذكروه دل على أنهم طلبوا العدد؛ لقيام تهمة في تلك الصور.
وعن الثالث: أنه منقوض بسائر الأمور التي هي معتبرة في الشهادة لا في الرواية كالحرية، والذكورة، والبصر، وعدم القرابة.
وعن الرابع: لا نسلم: أن قول الله تعالى: ﴿إن الظن لا يغنى من الحق شيئًا﴾ يمنع من التعلق بخبر الواحد؛ فإنا لما علمنا أن الله تعالى أمرنا بالتمسك، كان تمسكنا به معلومًا، لا مظنونًا.
المسألة الثانية: زعم أكثر الحنفية: أن راوي الأصل إذا لم يقبل الحديث، قدح ذلك في رواية الفرع.
والمختار أن نقول: راوي الفرع: إما أن يكون جازمًا بالرواية، أو لا يكون: فإن كان جازمًا، فالأصل: إما أن يكون جازمًا بفساد الحديث، أو بصحته، أو لا يجزم بواحد منهما:
فإن كان الأول: فقد تعارضا؛ فلا يقبل الحديث؛ ولأن قبول الحديث من الفرع لا يمكن إلا بالقدح في الأصل وذلك يوجب القدح في الحديث.
وأما الثاني: فلا نزاع في صحته.
وأما الثالث: فإما أن يقول: الأغلب على ظني: أني ما رويته، أو الأغلب: أني رويته، أو الأمران على السواء، أو لا يقول شيئًا من ذلك؛ ويشبه أن يكون الخبر في كل هذه الأقسام مقبولًا؛ لأن الفرع جازم، ولم يوجد في مقابلته جزم يعارضه؛ فلا يسقط به الاستدلال.
стр. 2891
وأما إذا لم يكن الفرع جازمًا، بل يقول: (أظن أني سمعته منك) فإن جزم الأصل بـ (أني ما رويته لك) تعين الرد.
وإن قال: (أظن أني ما رويته لك) تعارضًا، والأصل العدم.
وغن ذهب إلى سائر الأقسام، فالأشبه قبوله.
والضابط: أنه حيث يكون قول الأصل معادلًا بقول الفرع، تعارضًا؛ وحيث ترجع أحدهما على الآخر، فالمعتبر هو الراجح.
واحتج المانعون مطلقًا: بأن الدليل ينفي قبول خبر الواحد؛ سلمناه فيما إذا لم يوجد هذا المعنى؛ لأن الظن- هناك؛ فيبقى فيما عداه على الأصل.
والجواب: ما تقدم.
المسألة الثالثة: لا يشترط كون الراوي فقيهًا، سواء كانت روايته موافقة للقياس، أو مخالفة له؛ خلافًا لأبي حنيفة ﵀ فيما يخالف القياس.
لنا: الكتاب، والسنة، والعقل:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ فوجب ألا يجب التبين في غير الفاسق، سواء كان عالمًا، أو جاهلًا.
أما السنة: ﷺ : (نضر الله امرءًا سمع مقالتي، فوعاها ...) إلى قوله: (فرب حامل فقه ليس بفقيه).
وأما العقل: فهو أن خبر العدل يفيد ظن الصدق؛ فوجب العمل به؛ لما تقدم من أن العمل بالظن واجب.
واحتج الخصم بوجهين:
стр. 2892
الأول: أن الدليل ينفي جواز العمل بخبر الواحد، خالفناه إذا كان الراوي فقيهًا؛ لان الاعتماد على روايته أوثق.
الثاني: أن الأصل ألا يرد الخبر على مخالفة القياس، والأصل أيضًا صدق الراوي، فإذا تعارضا، تساقطا، ولم يجز التمسك بواحد منهما.
وأيضًا: فبتقدير صدق الراوي: لا يلزم القطع بكون ذلك الخبر حجة؛ لأنه إذا جرى حديث منافق عند الرسول ﷺ ، فإذا جاء ذلك الرجل، فقال الرسول ﷺ : (اقتلوا الرجل) علم الفقيه أن الألف واللام هاهنا ينصرف إلى المعهود، والعامي ربما ظن أن المراد منه الاستغراق.
والجواب عن الأول: ما مر.
وعن الثاني: أن في التعارض تسليمًا بصحة أصل الخبر.
قوله: "يجوز أن يشتبه عليه المعهود بالاستغراق.
قلنا: التمييز بين الأمرين لا يتوقف على الفقه، بل كل من كانت له فطنة سليمة أمكنه التمييز بين الأمرين.
وأيضًا: فإن ذلك يقتضي اعتبار الفقه في رواة خبر التواتر.
المسألة الرابعة: إذا عرف منه التساهل في أمر حديث رسول الله ﷺ فلا خلاف في أنه لا بقبل خبره.
وأما إذا عرف التساهل في غير حديث رسول الله ﷺ وعرف منه الاحتياط جدًا في حديث رسول الله ﷺ ، وجب قبول خبره؛ على الرأي الأظهر؛ لأنه يفيد الظن، ولا معارض؛ فوجب العمل به.
стр. 2893
المسألة الخامسة: لا يعتبر في الراوي أن يكون عالمًا بالعربية، وبمعنى الخبر؛ لأن الحجة في لفظ الرسول ﷺ ، والأعجمي والعامي يمكنهما حفظ اللفظ، وكذلك يمكنهما حفظ القرآن، ولا يعتبر أيضًا أن يكون ذكرًا، أو حرًا أو بصيرًا، وهو مجمع عليه.
المسألة السادسة: تقبل رواية من لم يرو إلا خبرًا واحدًا.
فأما إذا أكثر من الروايات، مع قلة مخالطته لأهل الحديث، فإن أمكن تحصيل ذلك القدر من الأخبار في ذلك القدر من الزمان، قبلت أخباره، وإلا توجه الطعن في الكل.
المسألة السابعة: لا يجب كون الراوي معروف النسب، بل إذا حصلت الشرائط المعتبرة المذكورة فيه، قبل خبره، وإن لم يعرف نسبه، وأما إذا كان له اسمان، وهو بأحدهما أشهر، جازت الرواية عنه.
وأما إذا كان مترددًا بينهما، وهو بأحدهما مجروح، وبالآخر معدل، لم يقبل؛ لأجل التردد.
الفصل الثالث
(فيما جعل شرطًا في الراوي مع أنه غير معتبر).
(فائدة)
قال القرافي: قال ابن العربي في (المحصول) له: اشترط الجبائي في قبول الخبر اثنين، وشرط على الاثنين اثنين إلى أن ينتهي الخبر إلى التاسع، وهذا التقيد لم يتعرض له المصنف.
قوله: (العمل بخبر الواحد العدل يتضمن رفع ضرر متوهم، فيكون واجبًا):
стр. 2894
قلنا: قد تقدم أن مطلق الظن غير معتبر شرعًا، وإنما يعتبر مرتبة معينة بدليل أن الفاسق والكافر والصبيان تفيد رواياتهم وشهاداتهم الظن، وهي ملغاة اتفاقًا.
قوله: (إذا علمنا أن الله - تعالى - أمرنا بالتمسك بخبر الواحد كان تمسكنا به معلومًا لا مظنونًا):
قلنا: كون الله- تعالى- أمر بالتمسك به هو موضع النزاع.
قوله: "إذا كان له اسمان هو معدل بأحدهما، مجروح بالآخر لم تقبل روايته.
تقريره: أنه يكون له اسمان: أحدهما اسم لرجل فاسق، والآخر اسم لرجل عدل، أو له خاصة فلا تقبل روايته؛ لأنه إن روى عنه بالاسم المجروح، فظاهر أنها ترد؛ لجواز أن يكون ذلك الشخص المجروح.
وإن روى عنه بالاسم المعدل، فلا تقبل؛ لأن الحديث قد يكون مرويًا عن الشخص المجروح، فأسمعه شيخه ذلك بذلك الاسم، فنظر الراوي أنه اسم العدل، فيبدله بالاسم الخاص به؛ لأنهما عند السامع مترادفان، ولا حرج عليه في وضع أحدهما مكان الآخر؛ فلهذا الاحتمال تسقط الرواية مطلقًا.
(سؤال)
على قول الجبائي في اشتراط العدد: فلا يقبل الحديث إلا من اثنين ، ويلزم كل واحد منهما ألا يقبله إلا عن اثنين، فيحتاجان في الرتبة الثانية إلى أربعة، وتحتاج الأربعة إلى ثمانية في الثالثة، وفي الرابعة إلى ستة عشر، ويصعب الحال، فلا يروي من السنة إلا ما كان يرويه من الصحابة الخلق العظيم، وهو خلاف ما علم من الصحابة في حديث المجوس، والتقاء الختانين وغيرهما.
стр. 2895
(سؤال)
على قوله: لا يشترط أن يكون الراوي فقيهًا ، واستدل بقوله تعالى: ﴿إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾.
فعند عدم الفسق لا يجب التثبت، ويرد عليه: ان عدم التثبيت له طريقان:
أحدهما: الجزم بالعمل.
والثاني: الجزم بالرد.
فلا يتعين الأول، فيقول الخصم بموجب الآية، وكذلك يقول بموجب قوله ﵇: (رحم الله امرءًا سمع مقالتي فأداها كما سمعها)؛ لأنه يدل على جواز التحمل لغير الفقيه، لا على جواز قبول الرواية عنه كما يؤمر الصبيان بالتحمل، وحسن الضبط، وإن كانت رواياتهم لا تقبل، وكذلك الفاسق والكافر يصح تحملهما.
(المسألة السادسة)
تقبل رواية من لم يرو إلا خبرًا واحدًا
قال المازري في (شرح البرهان): هذا مذهب المحققين، وربما أنكر بعض المحدثين روايته؛ لأن إقلاله يدل على عدم اهتمامه بدينه، وهو قادح فيه.
* * *
стр. 2896
القسم الثاني
(في البحث عن الأمور العائدة إلى المخبر عنه)
قال الرازي: اعلم أن الشرط العائد إلى المخبر عنه في العمل بالخبر: هو عدم دليل قاطع يعارضه، والمعارض على وجهين:
أحدهما: أن ينفي أحدهما ما أثبته الآخر؛ على الحد الذي أثبته الآخر؛ كما إذا قال في أحدهما: (ليصل فلان في الوقت الفلاني على الوجه الفلاني) وينهي في الثاني عن ذلك الحد، في ذلك الوقت.
وثانيهما: أن يثبت أحدهما ضد ما أثبته الآخر؛ على الحد الذي أثبته الآخر؛ مثل ان يوجب عليه صلاة أخرى، في عين ذلك الوقت، في غير ذلك المكان.
والدليل القاطع ضربان: عقلي، وسمعي: فإن كان المعارض عقليًا: نظرنا: فإن كان خبر الواحد قابلاً للتأويل، كيف كان، أولناه، فلم نحكم برده، وإن لم يقبل التأويل، قطعنا بفساده، لأن الدلالة العقلية غير محتملة للنقيض.
فإذا كان خبر الواحد غير محتمل للنقيض في دلالته، وهو محتمل للنقيض في متنه- قطعنا بوقوع ذلك المحتمل، وإلا فقد وقع الكذب من الشرع؛ وإنه غير جائز.
وأما أدلة السمع: فثلاثة: الكتاب، والسنة المتواترة، والإجماع.
واعلم أنه لا يستحيل عقلًا: أن يقول الله تعالى: (أمرتكم بأن تعملوا
стр. 2897
بالكتاب) والسنة المتواترة، والإجماع؛ بشرط أن لا يرد خبر واحد على مناقضته، فإذا ورد ذلك، فيكفيكم أن تعملوا بخبر الواحد، لا بهذه الأدلة).
لكن الإجماع عرفنا أن هذا المحتمل لم يقع؛ لأن الإجماع منعقد على أن الدليلين، إذا استويا، ثم اختص أحدهما بنوع قوة غير حاصل في الثاني- فإنه يجب تقديم الراجح.
فهاهنا: هذه الأدلة الثلاثة لما كانت مساوية لخبر الواحد في الدلالة، واختصت هذه الأدلة الثلاثة بمزيد قوة، وهي بكونها قاطعة في متنها- لا جرم: وجب تقديمها على خبر الواحد، وأما أن خبر الواحد، هل يقتضي تخصيص عموم الكتاب، والسنة المتواترة، فقد تقدم القول فيه.
* * *
стр. 2898
(القول فيما ظن أنه شرط في هذا الباب وليس بشرط)
المسألة الأولى: خبر الواحد، إذا عارضه: القياس فإما أن يكون خبر الواحد يقتضي تخصيص القياس، أو القياس يقتضي تخصيص خبر الواحد ، وإما أن يتنافيا بالكلية:
فإن كان الأول: فمن يجيز تخصيص العلة، يجمع بينهما، ومن لا يجيزه، يجرى هذا القسم مجرى ما إذا تنافيا بالكلية.
وإن كان الثاني: كان ذلك تخصيصًا لعموم خبر الواحد بالقياس؛ وإنه جائز؛ لان تخصيص عموم الكتاب، والسنة المتواترة بالقياس، لما كان جائزًا، فهاهنا أولى.
وأما الثالث: وهو ما إذا كان كل واحد منهما مبطلًا لكل مقتضيات الآخر: فنقول: ذلك القياس لابد وان يكون أصله قد ثبت بدليل، وذلك الدليل: إما أن يكون هو ذلك الخبر، أو غيره:
فإن كان الأول: فلا نزاع أن الخبر مقدم على القياس.
وإن كان الثاني: فهذا يحتمل وجوهًا ثلاثة؛ وذلك أن القياس يستدعي أمورًا ثلاثة:
أحدها: ثبوت حكم الأصل.
وثانيها: كونه معللاً بالعلة الفلانية.
وثالثها: حصول تلك العلة في الفرع.
ثم لا يخلو كل واحد من هذه الثلاثة: إما أن تكون قطعية، أو ظنية، أو بعضها قطعي، وبعضها ظني:
стр. 2899
فإن كان الأول: كان القياس مقدمًا على خبر الواحد؛ لا محالة؛ لأن هذا القياس يقتضي القطع، وخبر الواحد يقتضي الظن، ومقتضى القطع مقدم على مقتضى الظن.
وإن كان الثاني: كان الخبر؛ لا محالة، مقدمًا على القياس؛ لان الظن، كلما كان أقل، كان بالاعتبار أولى.
وإن كان الثالث: فهذا يحتمل أقسامًا كثيرة، ونحن نعين منها صورة واحدة؛ وهي: أن يكون دليل ثبوت الحكم في الأصل قطعيًا، إلا أن كونه معللًا بالعلة المعينة، ووجود تلك العلى في الفرع ظنيًا، فها هنا اختلفوا: فعند الشافعي- ﵁: الخبر راجح، وعند مالك- ﵀ القياس راجح.
وقال عيسى بن أبان: إن كان راوي الخبر ضابطًا، عالمًا- وجب تقديم خبره على القياس؛ وإلا كان في محل الاجتهاد.
وقال أبو الحسين البصري: طريق ترجيح أحدهما على الآخر الاجتهاد؛ فإن كانت أمارة القياس أقوى عنده من عدالة الراوي، وجب المصير إليها؛ وإلا فبالعكس، ومن الناس من توقف فيه.
لنا وجوه:
الأول: أن الصحابة كانوا يتركون اجتهادهم لخبر الواحد: من ذلك: قصة عمر- ﵁ في الجنين؛ حتى قال: "كدنا نقضي فيه برأينا، وفيه سنة عن رسول الله ﷺ " وأيضًا: ترك اجتهاده في المنع من توريث المرأة من دية زوجها.
وأيضًا قال: (أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها؛ فقالوا بالرأي؛ فضلوا وأضلوا).
стр. 2900
وأيضًا: فإن أبا بكر- ﵁ نقض حكمًا حكم فيه برأيه؛ لحديث سمعه من بلال.
فإن قلت: (إن ابن عباس رد خبر أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : أنه قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه ...) حتى قال: (فما نصنع بمهراسنا؟!):
قلت: ظاهر هذا القول لا يقتضي رد الخبر، وإنما هو وصف للمشقة في العمل بموجبه؛ مع عظم المهراس.
سلمنا أنه ترك هذا الحديث؛ لكن إنما تركه؛ لأنه لا يمكن الأخذ به، من حيث لا يمكن قلب المهراس على اليد.
فإن قلت: (ليس فيه تكليف ما لا يطاق؛ لأنه كان يمكنهم غسل أيديهم من إناء آخر، ثم إدخالها في المهراس):
قلت: ومن أين يعلم أن قياس الأصول يقتضي غسل اليدين من ذلك الإناء؛ حتى يكون قد رد الخبر لذلك القياس.
الثاني: أن قصة معاذ تقتضي تقديم الخبر على القياس.
الثالث: أن التمسك بالخبر لا يتم إلا بثلاث مقدمات:
إحداها: ثبوته عن رسول الله ﷺ .
وثانيتها: دلالته على الحكم.
وثالثتها: وجوب العمل به.
والمقدمة الأولى: ظنية، والثانية والثالثة: يقينية.
وأما التمسك بالقياس: فلا يتم إلا بخمس مقدمات:
стр. 2901
إحداها: ثبوت حكم الأصل.
وثانيتها: كونه معللاً بالعلة الفلانية.
وثالثتها: حصول تلك العلة في الفرع.
ورابعتها: عدم المانع في الفرع عند من يجيز تخصيص العلة.
وخامستها: وجوب العمل بمثل هذه الدلالة.
والمقدمة الأولى والخامسة: يقينية، وأما الثانية والثالثة والرابعة: فظنية؛ وإذا كان كذلك، كان العمل بالخبر أقل ظنًا من العمل بالقياس؛ فوجب أن يكون الخبر راجحًا.
فإن قلت: (إذا كانت الأمارة الدالة على ثبوت الخبر عن الرسول ﷺ ضعيفة، والأمارات الدالة على المقدمات الثلاثة الظنية في جانب القياس- قوية؛ بحيث يتعارض ما فر احد الجانبين من الكمية، بما في الجانب الآخر من الكيفية -فها هنا يتعين الاجتهاد، والرجوع غلى الترجيح):
قلت: لو خلينا والعقل، لكان الأمر كما ذكرت، إلا أن الدليلين الأولين منعا منه.
القسم الثاني
في البحث عن الأمور العائدة إلى المخبر عنه
ثم انتهى الكلام إلى قوله: (القول فيما ظن أنه شرط في هذا المعنى، وليس شرطًا).
قوله: قال القرافي: (من قال بتخصيص العلة قال بتقديم الخبر على القياس):
стр. 2902
تقريره: أن تخصيص العلة عبارة عن وجودها بدون حكمها، وهو النقض على العلة، فيبطل الحكم عنها في الصور التي يتناولها الخبر، فيحصل تخصيصها.
قوله: (إن كان أصل القياس هو ذلك الخبر قدم الخبر على القياس).
تقريره: أن القياس إذا نافى أصله بالكلية، فقد بطل أصله إن اعتبرناه، وإذا بطل أصله بطل القياس في نفسه، فإذا عاد على نفسه ببطلان صار باطلًا على كل تقدير، فتعين عدم اعتباره.
قال سيف الدين: قال أبو الحسين البصري: إن كانت على القياس منصوصة بنص مقطوع عمل بالعلة؛ لأن النص على العلة نص على حكمها، والنص مقدم على خبر الواحد؛ لأنه مظنون، وإن كان نص العلة غير مقطوع، وحكم الأصل غير مقطوع وجب الرجوع لخبر الواحد؛ لاستواء النصين في الظن، واختصاص خبر الواحد بالدلالة على الحكم بصريحه من غير واسطة، بخلاف النص الدال على العلة يدل على الحكم بواسطة العلة، فإن كان حكمها ثابتًا قاطعًا، فذلك موضع الاجتهاد.
فإن كانت العلة مستنبطة، وحكمها ثابت بخبر الواحد قدم الخبر، وإن كان ثابتًا قطعًا، فينبغي أن يكون هذا موضع الاختلاف بين الناس، فيكون محل الاجتهاد.
قال سيف الدين: والمختار أن متن خبر الواحد إن كان قطعيًا، والعلة منصوصة، وقلنا: إن التنصيص على علة القياس لا يخرجه عن القياس، فالنص الدال عليها إما أن يكون مساويًا في الدلالة بخبر الواحد، أو راجحًا
стр. 2903
عليه، فإن ساواه فالخبر أولى لدلالته من غير واسطة، وإن كان راجحًا، فوجود العلة في الفرع إن كان مقطوعًا به قدم القياس، أو مظنونًا فالوقف.
قوله: (إذا كانت مقدمات القياس ظنية، وهي ثبوت الحكم في الأصل، وكونه معللًا، وجود تلك العلة في الفرع كان الخبر مقدمًا عليه).
قلنا: مالك وأبو حنيفة قالا بتقديم القياس مطلقًا في أحد القولين لهما.
وتقريره: أن النصوص إنما ترد تابعة لاقتضاء الحكم والمصالح، وإذا تعارض النص والقياس كانت المسلحة مع القياس؛ لأنه لابد فيه من المناسبة، وإن كانت الحكمة والمصلحة في القياس وجب ألا يكون في الخبر؛ لأن المصلحة الخالصة، أو الراجحة يستحيل أن تكون في الطرفين، فتعين تقديم القياس على الخبر.
قوله: (من أين يعلم أن قياس الأصول يقتضي غسل اليدين من ذلك الإناء حتى يكون) قد رد الخبر لذلك القياس؟).
تقريره: أن السائل قال: ابن عباس يقدم القياس على خبر الواحد، قال له المستدل: إنما رده؛ لأن قلب المهراس على اليد متعذر، فما رد الخبر لمظنون، بل لمقطوع، والنزاع إنما وقع في الأول.
أما ترك الخبر للقطع، فلا نزاع فيه.
قال السائل: ليس ما ذكرته من باب التعذر، بل بغسل اليد من إناء آخر.
فقال له المستدل: فحينئذ عندك ترك الخبر لا لأجل ترك الغسل من الإناء؛ لأنه متعذر كما سلمته، بل لأنه يغسلها من إناء آخر، فإنك لم تجب عن القطع إلا بهذا الجواب، فيصير الخبر إنما ترك للغسل من إناء آخر، والغسل من إناء آخر ليس هو قياسًا؛ لعدم أصل يقتضي ذلك، فكأنه يلزم الخصم أحد الأمرين على تقدير ترك الخبر.
стр. 2904
إما أن يكون ترك الغسل من الإناء، وهو متعذر، فما ترك الخبر إلا لتعذر امتثاله قطعًا، أو لا ينكر الخصم، بل الغسل من إناء آخر.
وذلك ليس قياسًا جليًا يشهد له أصل حتى يكون ترك الخبر لأجله، ويصير أيضًا السائل قد التزم أن ابن عباس قد ترك الخبر مع إمكان تحصيل مقتضاه من إناء آخر غير المهراس، فعلى هذا لا يكون ترك الخبر، وهو متناقض، وإنما ترك الخبر باعتبار خصوص المهراس لا باعتبار أصل غسل اليد من إناء في الجملة.
وهذا هو المحسن لإيراد السائل هذا السؤال، وإلا فكيف يتجه أن يقول: إنه ترك الخبر، وهو يقول: إنه يغسل اليدين من الإناء الآخر؟ بل إنما مقصوده في ترك الخبر باعتبار خصوص المهراس، فألزمه الإمام أن الترك حينئذ إنما كان لتركه مع الغسل من إناء آخر، وهذا ليس لنا أصل نقيس عليه قياسًا، يترك هذا الخبر لأجله.
واعلم أن هذا الموضع من المواضع النكرة التوجيه في (المحصول)، وقد بسطت لك القول فيه كذلك.
(فائدة)
المهراس: إناء تهرس فيه الحبوب حتى يزول قشرها ونحو ذلك ، ثم إنه عمل للوضوء، يملأ ماء، ويجتمع الناس حوله فيتوضئون، فلذلك قال: ما يصنع بمهراسنا؟ أي كيف تستطيع أن تقلبه وهو كبير على ذلك.
قوله: (التمسك بالخبر لابد فيه من ثلاث مقدمات: سنده، ودلالته، ووجوب العمل به، والأخيران يقينان):
تقريره: أن الدلالة هي الفهم من اللفظ، أو إفهام اللفظ، وأيما كان، فنحن نقطع في اللفظ الذي يدل بظهوره أن له ظهورًا، وهذا هو مراده باليقين؛ لأن دلالته يقينية، وأن اللفظ يفيد القطع.
стр. 2905
وأما وجوب العمل فمجمع عليه، فحصل القطع فيه، فإن قلت: فنحن نقطع أيضًا بالمقدمة الأولى؛ لأنا نقطع بأنه روى.
قلت: ليس المقصود أنه روى، إنما مقصوده بأنها ظنية، نسبتها إلى رسول الله ﷺ وهي مظنونة من رواية الآحاد.
قوله: (التمسك بالقياس يتوقف التمسك به على خمس مقدمات: ثبوت حكم الأصل، وكونه معللًا بكذا، وحصول تلك العلة في الفرع، وعدم المانع فيه، ووجوب العمل بمثل هذه الدلالة، والأولى والخامسة يقينية، والثاني ظني):
تقريره: أننا نفرض الحكم مجمعًا عليه، أو ثابتًا بنص معلوم؛ لأنه إذا كان ثابتًا بخبر الواحد كان مرجوحًا، ووجوب العمل بمثل هذا معلوم عندنا بالإجماع، فهما معلومان.
وكون الحكم معللًا إنما يعلم بالمناسبة ونحوها، وذلك لا يفيد الظن.
هذا هو الغالب، غير انه قد تكون العلة منصوصًا عليه نصًا قطعيًا، وعلى تخصيصها بأنها هي العلة، فيرد سؤالًا على المصنف، فلا تكون العلة بما هي علة حاصلة في الفرع، بل بعضها، أو يكون لها شرط في الأصل موجود في الفرع، إما لعدم الشرط أو لقيام المانع، وكذلك عدم المانع ظني؛ لأنه لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود.
* * *
стр. 2906
المسألة الثانية
قال الرازي: إذا روى عن رسول الله ﷺ : أنه عمل بخلاف موجب الخبر ، فالخبر: إما أن يكون متناولاً للرسول ﷺ ، أو غير متناول له، فإن لم يتناوله، لم يخل: من أن يكون قد قامت الدلالة على أن حكمنا وحكمه ﷺ فيه سواء، أو لم تقم الدلالة على ذلك، فإن لم يقم عليه دليل، جاز أن يكون النبي ﷺ مخصوصًا بذلك الحكم؛ وعلى هذا التقدير: لا يكون بين فعله، وبين الخبر تناف فلا يرد الخبر لأجله، وإن قامت الدلالة على أن حكمه ﷺ وحكمنا فيه سواء: نظر في الخبرين؛ فإن أمكن تخصيص أحدهما بالآخر، فعل، وإن لم يمكن كان احدهما متواترًا- عمل بالتواتر.
وإن لم يكونا متواترين، عمل فيهما بالترجيح.
* * *
стр. 2907
المسألة الثالثة
عمل أكثر الأمة بخلاف الخبر لا يوجب رده ، وعمل أكثر الأمة بموجب الخبر لا يوجب قبوله؛ لان أكثر الأمة بعض الأمة، وقول بعض الأمة ليس بحجة؛ إلا أن ذلك، وإن لم يكن حجة، فإنه من المرجحات.
* * *
стр. 2908
المسألة الرابعة
الحفاظ، إذا خالفوا الراوي في بعض ذلك الخبر، فقد اتفقوا على أن ذلك لا يقتضي المنع من قبول ما لم يخالفوه فيه ؛ لان ظاهر حالة الصدق، ولم يوجد معارض؛ فوجب قبوله.
وأما القدر الذي خالفوه فيه، فالأولى ألا يقبل؛ لأنه وإن جاز أن يكونوا سهوا، وحفظ هو؛ لكن الأقوى أنه سها، وحفظوا هم؛ لأن السهو على الواحد أجوز منه على الجماعة.
* * *
стр. 2909
المسألة الخامسة
خبر الواحد، إذا تكاملت شروط صحته، هل يجب عرضه على الكتاب ؟ قال الشافعي- ﵁: لا يجب؛ لأنه لا تتكامل شروطه، إلا وهو غير مخالف للكتاب.
وعند عيسى بن أبان: يجب عرضه عليه؛ لقوله ﷺ : (إذا روى لكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاقبلوه؛ وإلا فردوه).
* * *
стр. 2910
المسألة السادسة
لا شبهة في أن الناسخ يجب أن يكون غير مقارن للكتاب ، فإن علم أن خبر الواحد غير مقارن للكتاب، لم يقبل؛ لما ثبت أن نسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز.
وإن شك فيه، قبل عند القاضي عبد الجبار؛ قال: لأن الصحابة رفعت بعض أحكام القرآن لأخبار الآحاد، ولم تسأل، هل كانت مقارنة أم لا!!.
(المسألة الثانية)
إذا روى عنه- ﵇ أنه عمل بخلاف موجب الخبر).
قال القرافي: هذه المسألة تقدم بسط الكلام عليها في أفعاله- ﵇ إذا عارض قوله فعله.
فلتنظر من هناك.
* * *
следующие страницы →