← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وسلطنة، ومع ذلك فلا بد وأن يقع إجراء الله تعالى العادة بذلك في خلقه، فظهر أن الإفحام غير لازم على كل تقدير ألبتة، مع أن هذه النكتة نحن نلتزم بجملتها، فإن اللازم عن جواز الإفحام إضلال الخلق وتعب خواطر الأنبياء، وذلك نحن نجوزه كله، فيجوز على الله تعالى أن يضل الخلق أجمعين، وأن يهديهم أجمعين، وأن يعذبهم أجمعين، وأ، ينعمهم أجميعن: "لايُسأل عما يفعل وهم يسألون "، فهذه النكتة ليس فيها حاصل ألبتة للمعتزلة، "وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا". زاد صاحب ((الحاصل)) أن الشكر، ومعرفة الله - تعالى - متلازمان إجماعا. وقال الإمام في "المحصول": "لافرق بينهما في العقل "، ولم يذكر الإجماع. ووجه الإجماع في التلازم أن من قال بوجوب الشكر عقلا قال بوجوب المعرفة عقلا، ومن قال بعدم وجوبه قال بعدم وجوب الآخر، فلم يفرق أحد بينهما، فحصلت الملازمة بالإجماع، وهو معنى قول "المحصول ": "لافرق بينهما في العقل " أي عند الفريقين. وزاد ((الحاصل)) لفظة أخرى، ويه قوله: فيلزم إفحام العقل، ولم يقله في "المحصول"، وهو غير سديد، لأن العقل لا ينفحم حينئذ، بل إذا قال: لا يجب علي النظر حتى أنظر، ولا نظر حتى يجب علي النظر للازم عن هذا أن العقل لا يقضي بوجبوب النظر، وكونه لا يقضي بوجبو النظر ليس بإفحام له، ولا يتأذى بذلك بخلاف الرسل ينفحمون بعدم حصول مطلوبهم من أممهم، وله توجيه، وهو أن البحث في الدور العقلي وقع على تقدير أن وجوب النظر عقلي، فيلزم صدق قولنا لو وجب عقلا لما وجب

стр. 317

عقلا للزوم الدور، فيلزم اجتماع النقيضين في العقل، فعبر عن هذا الدقر من المحال العقلي بالإفحام هذا غايته. وزاد التبريزي: فإن ألزمونا عدم وجوب الشكر شرعا بمقتضى المجازاة قلنا: هو غير لازم؛ لأن الشرع يستقل بما لا يستقل به العقل، فيجب التوقف إلى ورود الشرع، كما في آحاد الشكر، ومعناه إن ألزمونا ذلك على تقدير تسليمنا لهم الحسن والقبح. قلنا على هذا التقدير: الشرع يحيط بجزئيات من المصالح لايحيط بها العقل، كما في أنواع العبادات ومقاديراها، وتنوع أسبابها، فإن العقل لم يهتد لجملة ذلك، فيجب التوقف حتى يردا لمطلع الأعظم، فعلعه يرد بما لم يدركه العقل. وهذا الكلام مندفع عن المعتزلة من جهة أنهم لا يسلمون التوقف إلا فيما لم يشد العقل فيه بشيء، أما أصل الشكر فقضى فيه العقل بمصالح ضرورية عندهم والشرع من المستحيل عند الكل أن يرد بما يخالف العقل، فلا معنى للتوقف، بخلاف آحاد الشكر، فلا يتم جوابه، بل جواب المحصول كما تقدم تقريره هو الصواب على هذا التقدير. ((فائدة)) قال سيف الدين: الشرك عند الخصوم ليس معرفة الله تعالى ؛ لأن الشكر فرعها، بل إتعاب النفس بفعل المستحسنات العقلية، وترك المستقبحات العقلية. قال صاحب "البرهان": وهو عندهم ليس من الضروريات، بل النظريات.

стр. 318

الفصل التاسع في حكم الأشياء قبل الشرع انتفاع المكلف بما ينتفع به إما أن يكون اضطراريا كالتنفس في الهواء وغيره وذلك لا بد من القطع بأنه غير ممنوع عنه إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق وإما أن لا يكون اضطراريا كأكل الفواكه وغيرها فعند المعتزلة البصرية وطائفة من فقهاء الشافعية والحنفية أنها على الإباحة وعند المعتزلة البغدادية وطائفة من الإمامية وأبي علي بن أبي هريرة من فقهاء الشافعية أنها على الحظر وعند أبي الحسن الأشعري وأبي بكر الصيرفي وطائفة من الفقهاء أنها على الوقف وهذا الوقف تارة يفسر بأنه لا حكم وهذا لا يكون وقفا بل قطعا بعدم الحكم وتارة بأنا لا ندري هل هناك حكم أم لا وإن كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر لنا أن قبل الشرع ما ورد خطاب الشرع فوجب أن لا يثبت شيء من الأحكام لما ثبت أن هذه الأحكام لا تثبت إلا بالشرع أما القائلون بالاباحة فقد تمسكوا بأمور ثلاثة الأول ما اعتمد عليه أبو الحسين البصري وهو أن تناول الفاكهة مثلا منفعة خالية عن أمارات المفسدة ولا مضرة فيه على المالك فوجب القطع

стр. 319

بحسنه، أما أنه منفعة فلا شك فيه وأما أنه خال عن امارات المفسدة فلأن الكلام فيما إذا كان كذلك وأما أنه لا ضرر فيه على المالك فظاهر وأما أنه متى كان كذلك حسن الانتفاع به فلأنه يحسن منا الاستظلال بحائط غيرنا والنظر في مرآته والتقاط ما تناثر من حب غلته من غير إذنه إذا خلا عن أمارات المفسدة وإنما حسن ذلك لكونه منفعة خالية عن أمارات المفسدة غير مضرة بالمالك لأن العلم بالحسن دائر مع العلم بهذه الأوصاف وجودا وعدما وذلك دليل العلية وهذه المعاني قائمة في مسألتنا فوجد الجزم بالحسن فإن قلت هب أنكم لم تعلموا فيه مفسدة ولكن احتمال مفسدة لا تعلمونها قائم فلم لا يكون ذلك كافيا في القبح قلت هذا مدفوع من وجهين الأول أن العبرة في قبح التصرف بالمفسدة المستندة إلى الأمارة فأما المفسدة الخالية عن الأمارة فلا عبرة بها ألا تراهم يلومون من قام من تحت حائط لا ميل فيه لجواز سقوطه ولا يلومونه إذا كان الجدار مائلا ويلومون من امتنع عن أكل طعام شهي لتجويز كونه مسموما من غير أمارة ولا يلومونه على الامتناع عند قيام أمارة فعلمنا أن مجرد الاحتمال لا يمنع الثاني لو قبح الإقدام لتجويز كونه مفسدة لقبح الاحجام عنه لتجويد كونه مصلحة وفيه وجوب الانفكاك عن كل واحد منهما وهو تكليف ما لا يطاق الوجه الثاني في أصل المسألة أن الله تعالى خلق الطعوم في الأجسام مع إمكان أن لا يخلقها فيها وذلك يقتضي أن يكون له تعالى فيها غرض يخصها،

стр. 320

وإلا كان عبثا ويستحيل أن يعود الغرض إلى الله تعالى لامتناع ذلك عليه فلا بد وأن يكون الغرض عائدا إلى غيره فأما أن يكون الغرض هو الإضرار أو الإنفاع أو لا هذا ولا ذلك والأول باطل أما أولا فباتفاق العقلاء وأما ثانيا فلأنه لا يحصل الضرر إلا بإدراكها فإذا كان الضرر مقصودا والإدراك من لوازم الضرر كان مأذونا فيه لأن لازم المطلوب مطلوب ولا يجوز أن يكون الغرض أمرا وراء الإضرار والإنفاع لأنه باطل بالاتفاق فثبت أن الغرض هو الإنفاع وذلك الإنفاع لا يعقل إلا على أحد ثلاثة أوجه إما بأن يدركها وإما بأن يجتنبها لكون تناولها مفسدة يستحق الثواب باجتنابها وإما بأن يستدل بها وفي كل ذلك إباحة إدراكها لأنه إنما يستحق الثواب بتجنبها إذا دعت النفس إلى إدراكها وفيه تقدم إدراكها وإنما يستدل بها إذا عرفت والمعرفة بها موقوفة على إدراكها لأن الله تعالى لم يخلق فينا المعرفة بها من دون الإدراك فصح أنه لا فائدة بها إلا إباحة الانتفاع بها الوجه الثالث أنه يحسن من العقلاء التنفس في الهواء وأن يدخلوا منه أكثر مما تحتاج إليه الحياة ومن رام أن لا يزيد على قدر ما يحتاج إليه عده العقلاء من المجانين والعلة في حسنه أنه انتفاع لا نعلم فيه مفسدة وهي قائمة في مسألتنا وهذه الدلالة هي عين الدلالة الأولى واستنشاق الهواء مثال ذلك.

стр. 321

أما القائلون بالحظر فقد احتجوا بأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فوجب أن لا يجوز قياسا على الشاهد واحتج الفريقان على فساد قولنا إنه لا حكم بوجهين الأول إن قولكم لا حكم هذا حكم بعدم الحكم والجمع بين إثبات الحكم وعدمه تناقض والثاني أن هذه التصرفات إما أن تكون ممنوعا عنها فتكون على الحظر أو لا تكون فتكون على الإباحة ولا واسطة بين النفي والإثبات والجواب عن الأول أن الحكم العقلي في الأصل ممنوع سلمناه لكن لا نسلم كونه معللا بالوصف المذكور والاعتماد في اثبات العلية على الدوران العقلي قد أبطلناه وعن الثاني بالقدح فيما ذكروه من التقسيم ثم بالنقض بالمطعومات الموذية المهلكة وعن حجة أصحاب الحظر بأن الإذن معلوم بدليل العقل كالاستظلال بحائط الغير فلم قلتم إن هذا القياس لا يدل عليه؟ وعن التناقض بأن نقول أي تناقض في الإخبار عن عدم الإباحة والحظر؟ وعن الأخير أن مرادنا بالوقف أنا لا نعلم أن الحكم هو الحظر أو الإباحة وإن فسرناه بالعلم بعدم الحكم قلنا هذا القدر ليس إباحة، بدليل أنه حاصل في فعل البهيمة مع أنه لا يسمى مباحا بل المباح هو الذي أعلم فاعله أو دل

стр. 322

على أنه لا حرج عليه في الفعل والترك وإذا بينا أنه لم يوجد هذا الإعلام لا عقلا ولا شرعا لم يكن مباحا والله أعلم. قال القرافي: الفصل التاسع في حكم الأشياء قبل ورود الشرع إلى آخره، فحكى الخلاف فيما لا يكون العبد مضطرا إليه، كأكل الفاكهة، وحكاية الحظر عن بعض المعتزلة في الأفعال مطلقا يلزم منه تحريم إنقاذ الغرقى، وإطعام الجوعان، وكسوة العريان، ونصر المظلوم، وجميع المصالح تكون حينئذ محرمة عندهم، وهذا مما تأباه قواعد الاعتزال إباء شديدا، فأين هذا من وجوب رعاية المصالح عقلا؟ وإيجاب الإثابة عليها عقلا في حق الله تعالى، بحيث إنهم يحيلون على الله تعالى عدم الإثابة، وكذلك حكايته عن بعضهم الإباحة مطلقا يقتضي إباحة القتل، وإفساد العقول، والأعراض، وأخذ الأموال، وجميع أنواع الظلم والفساد، وهذا تأباه قاعدة الإعتزال، لأن المعتزلة جزم العقل عندهم بأن الله تعالى أناط التحريم بالمفاسد، ورد السمع أم لا، ويجوبن ذلك في حق الله تعالى، فبين إباحة المفاسد ومذهبهم بعد شديد. وأما سيف الدين وإمام الحرمين في "البرهان"، والأبياري والمازري وغيرهم، فجزموا بان هذه المذاهب إنما هي في القسم الثالث من الأقاسم عند المعتزلة، وهو ما لم يقض العقل فيه بتحسين ولا بتقبيح، كمقادير العبادات، وتخصيصها ببعض الأزمة ونحو ذلك. وأما صاحب "المستصفى" فقال ولم يجزم: يحتمل أن يكون ذلك فيما لم يجزم العقل فيه بتحسين ولا تقبيح. والصواب قول إمام الحرمين ومن وافقه لما تقدم، وحكى القاضي عبد

стр. 323

الوهاب المالكي في ((الملخص)) هذ المسألة، كما حكاها "المحصول" وقال: ذهب أبوالفرج المالكي وكثر من أصحاب الشافعي وحكى في كتاب "الإفادة" الحظر عن الشيخ أبي بكر الأبهري من الماليكة، وحكي الوقف عن ابن المنتاب المالكي فوافق جماعة من أهل السنة المعتزلة، وخالفوهم في المستند بمستندهم السمع لا العقل، كما عند المعتزلة، فتمسكوا على الإباحة في كل شيء قبل الشرائع بقوله تعالى: ((خلق لكم ما في الأرض جميعا))، وبقوله تعالى: "أعطى كل شيء خلقه " وبقوله تعالى: "قل: من حرم زينة الله التي

стр. 324

أخرج لعباده والطيبات من الزرق "، وتمسكوا على التحريم بقوله تعالى:"يحل لهم الطيبات " دل على أنها قبل ذلك غير محللة وبقوله تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " دل ذلك على أن ما لم يأتنا لا نباشره، وذلك هو التحريم، وبقوله تعالى: "يسألونك ماذا أحل لهم" دل ذلك على أن الأصل التحريم، ويسألون ما أبيح منه، ولأن قاعدة الشرع إذا دار الفعل بين الإباحة والتحريم حرم، كالأجنبية مع الأخت الملتبسة، وكالمذكاة مع الميتة، فكل فريق يقول: إذا فقد دليل خاص حمل على الحظر إن كان القائل به، أو على الإباحة إن كان القائل به، فتظهر فائدة ذلك عند تعارض الأدلة، أو عند عدمها، فهاذ نوع آخر من الخلاف غير المحكى عن المعتزلة. وقال أبوالحسين في ((المعتمد)): المآكل والمشارب على الإباحة. وقال معتزلة ((بغداد)) وطائقة من الإمامية وبعض الفقهاء وأبي علي بن

стр. 325

أبي هريرة من فقهاء الشافعية: محظورة، وتوقف قوم في حظرها، وهذا مغاير للمصنف وسيف الدين، فهذا تلخيص محل الخلاف في هذ المسألة. وقوله: الوقف يفسر تارة بأنه لا حكم وحسن تسمية هذا وقفا بأن الجازم بمذهب يتوقف على الفتيا بضده، ولذلك نقول: المتقي يتوقف عن حدود الله، بمعنى يمتنع من الدخول فيها ولم يبين أن المذهبيين للأشعري، وحكى سيف الدين وغيره مذهب الأشعري الجزم بعدم الحكم. وقوله: ((لنا أن هذه الأحكام لا تثبت إلا بالشرع)). قال كثير من الفضلاء:

стр. 326

هذا رجوع منه عن قاعدة الحسن والقبح التي سلمها، وبحث على فرضها وتقديرها، فإنها تقتضي ثبوت الأحكام بالعقل، فدعواه الحصر في السمع رجوع عما سلمه، وليس كما قالوا؛ لأنه قد تقدم أن المسلم إنما هو ولاية العقل على الحكم، ولا يلزم من تسليم كون العقل بحيث يحكم أن يكون حكم لجواز تعذر المدرك، كما أن العقل له أن يحكم في علم الحساب بالإجماع، ولا يتوقف على السمع، ولكن إذا اشتد عليه المدرك في تلك المسألة الحسابية لا يحكم اتافقا، وقد نص الحساب على أن المسائل الحسابية ثلاثة أقسام: منها ما يخرج بالحساب المفتوح وبحساب الجبر، ومنها ما لا يخرج إلا بحساب الجبر، ومنها ما لا يخرج أبدا، فكذلك ها هنا، نسلم لهم أن العقل يستقل بربط الأحكام الإلهية بالمدارك، ولكن إذا تعذر عليه وقف، ولم يحكم كذلك هاهنا لما بين في مسألة شكر المنعم أن المدرك إما لفائدة أو عدمها، والقسمان باطلان، فبطل المدرك، فلا جزم قال بعدها هاهنا لما بينت أن هذه الأحكام لا تثبت إلا بالشرع مع أنه لو لم يقتدم منه استدلال لما كان قوله رجوعا عما سلم لعدم التناقض بين تسليم الولاية على الحكم، واستحقاقه عقلا، وبين منع المدرك العقلي، بل لو منع المدارك مطلقا لم يلزم ذلك فاعلمه. وقوله: "خلق الطعوم في الأجسام مع إمكان ألا يخلقها، فلا بد من عرض، ويستحيل عوده إلى الله تعالى ". يرد عليه ما تقدم في شكر المنعم أن مذهبهم أن حكمة الله تعالى تقضتي له لذاته أن يظهر الإحسان والفضل، وأنواع البدائع في الإيجاد وغيره، وأن هذا من صفات كماله، وصفات كماله عائدة إليه تعالى، فلهم منع هذا المقام بناء على هذا الأصل

стр. 327

وقوله: ((غرض الإضرار باطل باتفاق العقلاء)). يريد أن القائل قائلان: قائل بعدم الغرض ألبتة، وهم السنية، وقائل

стр. 328

بغرض هو الإحسان، وهو مذهب المعتزلة، فرغض الإضرار لم يقل به أحد. قوله: ((وأما ثانيا فلأن الضرر لا يحصل إلا بإدراكها)) ويرد بالإدراك المباشرة بالعقل؛ لقوله: فيكون مأذونا فيه، وعلى هذا نمنع توقف الضرر على الإدراك مطلقا لجواز أن يتضرر الإنسان بما لا يدركه، كما تتأذى الناس بريح الوباء، وغيره من مجاورة الجبال، والسباخ، والبحار، ومواضع القتال عن بعد، والأكثر لا يعلم أن ذلك سبب الضرر بالأمراض، والأسقام، وغيرها، ولأن القائلين بأحكام النجوم قالوا: إن منها ما يضر الضرر العظيم؛ لأن الله تعالى خلقه كذلك كالعقاقير، ومع ذلك فلا يتناولها أحد، ولا يباشرها، بل ولا يعتقد ذلك فيها، ونحن وإن لمن نعتقد ذلك فيها، فذلك لعدم دلالة العادة في استقرائها على ذلك، فلو دل الاستقراء على أن ذلك منها أكثرى كالعقاقير الطبية اعتقدنا ما قالوه، كما اعقتدنا ذلك

стр. 329

في العقاقير مع تجويزنا ذلك قطعا، وإذا كان من الجائزات فعلى تقدير وقوعه لا يتوقف الضرر على الإدراك، بل الشمس والقمر مؤثران بإذن الله تعالى في العالم من غير إدراك اتفاقا بتغيير الفصول الأربعة، وإنضاج الثمار، وتجفيف الحبوب، والمقطوع من الخشب في ليالي الظلام لا يسوس بخلاف المقمرة. وقوله: "الانتفاع لا يكون إلا بثلاثة أوجه " الحصر ممنوع لجواز أن ينتفع بها بوجه رابع؛ كما ينتفع بالجبال بإرساء الأرض ولمجاورة البحر الملح لإصلاح أجساد الحيوانات، حتى قيل: إن البلد البعيد عن البحر الملح أكثر من نصف شهر يضعف حاله، لأن هواه يملح الأجساد، ويذهب عنها العفن كالملح في لحوم الذبائح إذا رفع، قالوا: وهذا حكمة من حكمة خلق الله تعالى له، وبالجملة فأنواع الانتفاع بالمخلوقات كثيرة في باطن الإنسان وظاهره، وقريبة وبعيدة، بغير ما ذكره فالحصر ممنوع. وقوله: "وفي كله إباحة إداركها" ويريد بالإدراك المباشرة حتى تشتهيها نفسه عند الإجتناب ممنوع، فإن الإنسان قد يشتاق لاشيء بالأخبار وقرائن الأحوال، ولذلك إن العميان يحبون على السماع، ونحوه كثير في العالم، والالتذاذ أيضا لا يتوقف على الإدراك، بل يلتذ الإنسان أيضا بالسماع، والاستدلال وغيره، ودلالة الصنعة على صانعها غير متوقفة على المباشرة، لأنا نستدل بالكواكب وأفلاكها، وغير ذلك من أجزاء العالم ولم نباشرها. وقوله في الجواب عن الأول: ((إن الحكم العقلي في الأصل ممنوع)). معناه: أن القياس من شرطه أن يكون من باب واحد، فتقاس العاديات على العاديات، والعقليات على العقليات، والشرعيات على الشرعيات، لأن القياس لا بد فيه من جامع هو مدرك الحكم في الأصل، والفرع مساوٍ له فيه، فثبت ذلك الحكم في الفرع، هذا يقتضي اشتراكهما في موجبات

стр. 330

الأحكام، وهذه الثالثة لا يشترك منها اثنان في موجب واحد، فلا يقاس أحدهما على الآخر، فالخصم إن ادعى أن الحكم في الاصل عقلي منعناه، أو شرعي منعنا صحة القياس لتغاير البابين. ((سؤال)) إذا كنا نبحث في المسألتين على تقدير تسليم القاعدة في الحسن والقبح ، فعلى تقدير تسليمها يكون كل ما هو ثابت بعد الشرع ثابت قبله بالعقل، وبعده بالعقل والسمع معا، كما هو مذهب المعتزلة، فالحكم حينئذ في الأصل كما هو شرعي هو عقلي، فكيف يستقيم أن نمنع أنه عقلي، بل هو عقلي جزما على هذا التقدير. جوابه: أنا نسلم أنا معتزلة حقيقة، والباحث في هذا المقام معتزلي، فهو لا يستدل على من ينازعه إما تحقيقا أو تخيلا، كما أن كل أحد إذا ارد تحقيق الحق لنفسه في أي مسألة أراد، فإنه يورد على نفسه كل ما يمكن إيراده عليه من جهة أي خصم فرض، ويتولى هو ذلك من نفسه لنفسه، فيقول المعتزلي المحقق: أنا إذا فرضت نفسي باحثا في هذا المقام وقائسا على غيري، فلذلك الغير منع الحكم في الأصل. فإن قلت: بل الإنسان يفرع على ما يثبت عنده من القواعد وإذا تخيل أن مانعا يمنعه أحال نمعه على الدليل الدال عنده على تلك القاعدة، فلا يتوجه المنع على تقدير تسليم القاعدة المذكورة أصلا. قالت: قد تقدم أن المسلم في القاعدة إنما هو تمكن العقل من الحكم لا وقوع الحكم، فعلى هذا أمكن أن يكون الحكم في الأصل عقليا وغير عقلي، فأمكن المنع فتفطن لهذا الموضع ونظائره في هذه المسائل، فهي غوامض كما تقدم في قوله: إن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع. وقوله: "قد أبطلنا الدوران العقلي"غير متجه، لأنه إنما تقدم منه الوعد

стр. 331

بإبطاله في كتاب القياس، حيث قال: العلم بالقبح دار مع العلم بالظلم وجود وعدما، ثم للخصم أن يقول: الدوران الذي سيبطله في القياس إنما هو الدوران الظني، ومن الدوران ما هو قطعي، كدوران العلم مع الحياىة، والإرادة مع العلم في العقليات، ودوران الموت مع قطع الرأس، والتوسيط، ونحوهما من العاديات، فلم قلتم: إن هذا الدوران ظني كالذي أبطلتموه؟ وقوله: وعن حجة الحظر أن الإذن معلوم بالعقل كالاستظلال بحائط الغير، فلم قلتم: إن هذا القياس لا يدل عليه؟ وقد يقول قائل: إنه أبطل هذا القياس، فكيف جعله مستندا له هاهنا في دعواه ثبوت الإذن عقلا؟ فيقال له: هو في هذا المقام سائل معترض على أرباب الحظر، والمعترض إنما وظيفته أن يبين وجود احتمال قادح فهو أورد هذا الاحتمال ليطالب المستدل ببطلانه، لا أنه يعتقده، وذلك منتجه من كل معترض على كل مستدل، ومن الإنسان على نفسه إذا حاول الاستدلال، وإن كان يمكنه هاهنا مع الحكم في الاصل كما قاله في الإباحة، غير أنه أراد أن ينوع البحوث في الموضعين. وقوله: "أي تناقض في الأخبار عن عدم الإباحة والحظر". معناه: أن الاتفاق حاصل على ثبوت الأحكام العقلية قبل الشرع، إنما النزاع في الشرعية، فالحساب والهندسة وغيرهما ثابتة قبل الشرع اتفاقا، فنحن حكما بعقولنا حكما عقليا كما حكمنا بانتفاء الأحكام الشرعية، قبل البعثة، فلا تناقض بين ثبوت الحكم العقلي واتفقاء الحكم الشرعي، وسمي الحكم العقلي إخبارا، لأنه تصديق، وكل حكم تصديقي إخبارا، لأنه يقال لقائله: صدقت أو كذبت، فالخبر لازم لإدراك التصديق فعبر به عنه.

стр. 332

وقوله: "مرادنا أنا لا نعلم الحكم والحظر، أو الإباحة ". معناه: أن نسلم أن الإباحة نقيض الحظر، وأن عدم الحظر هو الإباحة، وأن النقيضين لا واسطة بينهما، وأن القضاء بانتفائهما قبل الشرع أو في أي زمان كان محال، غير أ، عدم العلم بأيهما الواقع ممكن لا محظور فيه، فنحن لا ندري ما الواقع من ذينك النقيضين، كما أنا لا نعلم هل زيد في الدار أم لا؟ مع أن الواقع أحدهما بالضرورة، ولا يكون ذلك قضاء بارتفاع النقيضين، بل قضاء بعدم العلم بالواقع منهما، والفرق بين البابين ظاهر، وهذا على مذهب غير الشيخ أبي الحسن الأشعري، أما على رأيه فيتعين الوجه الثاني، وهو منع أن الإباحة عدم الحظر، بل ضده، والأحكام الرعية كلها أضداد، وليس فيها شيء نقض شيء، ورفعها كلها ممكن، وقد تقدم بيان أن كلام الله تعالى لا يجب أن يكون فيه حكم، بل اللازم له الخبر فقط، وقد تقدم بسطه. ((تنبيه)) ينبغي أن تعلم أن المعتزلة حكمت عقولها بحسب الإمكان، فلما وجدت المصالح والمفاسد رطبت بها الأحكام الربانية، ولما فقدتها فيما لم يطلع العقل عليه بمفسدة، ولا مصلحة اعتدموا على أقيسة عادية غير المفاسد والمصالح، وهو دأبهم أبدا في جعل الأمور العادية أحكاما إلهية، ومنه نشأ الفساد في قاعدة الحسن والقبح في جميع الفروع المتفرعة منها من خلق الأفعال وإرادة الكائنات، فهم في هذه المسألة جروا على ذلك، وعدوا إلى علة أخرى، ومدرك آخر، لما تعذر الأول، فلا تعتقد أن المردك واحد. ((تنبيه)) الاستدلال بالفواكه وافق "المحصول" فيه "المستصفى"و"الإحكام "، والأبياري والمازري مع أن الفواكه من قسم ما يدرك العقل مصلحته في الأجسام بالدواء، والغذاء، والالتذاذ وغير ذلك، فنقل الاستدلال به عن

стр. 333

المعتزلة، وتظافر هؤلاء الجماعة على نقله عنهم يدل على أن فهرسة "المحصول"هي مقصودهم، لا ما لايدرك العقل مصلحته، غير أن هذا يعارضه أن فيه نقض قواعدهم كما تقدم، فتأمل الأمرين كما ترى. ((تنبيه)) زاد التبريزي في الجواب عن شبهة الإباحة بابا يمنع الأمرين المفسدة في آحاد الأعيان، وامتناع بناء القطع بناء على الظاهر، ولا نسلم عدم الضرر في الحب المتناثر، وإنما يترك لمفسدة الإلتقاط أو لأنه يتغير بذلك؛ ولأن الإذن معلوم في الاصل بظاهر الحال، حتى لو صرح بالمنع حرم الإلتقاط، وبه يبطل الدوران، والإستظلال، والنظر في المرآة ليس تصرفا في ملك الغير، ولهذا يقبح من المالك المنع منه، وهو ممنوع حسبة. وقال سراجُ الدِّينِ: يمنع النقض بالطعوم المؤذية، لأنه يمكن الإنتفاع بها بالتركيب مع ما يصلح، ويمنع توقف المعرفة على التناول حالة التكليف، فإنا لا نسمي فعل غير الملكف مباحا، معناه أن التناول قد يحصل حالة الجنون أو غيره من الأ؛ وال التي لا تكليف فيها، ولاخطاب، فلا تصدق إباحة التناول، ويحصل من ذلك التناول المقاصد الثلاثة من الإلتذاذ، والترك بعد ذلك مع الشهور والإستدلال. ((فائدة)) قال إمام الحرمين في "البرهان": يلزم القائلين بالحظر الأضداد التي لا انفكاك عن جميعها ، فإن الحظروا ذلك لزم تكليف ما لا يطاق، أو خصصوا بعض الأفعال انتقض دليلهم.

стр. 334

قال: وأصحاب الإباحة لا خلف بيننا وبنهم في الحقيقة؛ لأنم أرادوا استواء الأمر في الفعل والترك دون ورود النص، وهو كذلك، وافقه سيف الدين والغزالي في المستصفى. قلت: وليس كما قال لا يا أيها الأشاعرة، يجوز تكليف ما لا يطاق، ويجوز تحريم الجمع، بمعنى أن الله تعالى يربط لاترحيم بجميع الأفعال، ويعاقب كل ملابس لفعل، ويجوز أن يطلق الجميع لعباده، فجزمهم بالإباحة مضافة لديلل العقل خلاف مذهبنا، بل من جز منا بالإباحة إنما جزم بناء على أدلة السمع لا بالعقل، وهم جزموا بناء على المناسبة العقلية الحاصلة من أقيستهم كما تقدم. ((فائدة)) في "المستصفى" قال: مذهب الأشعرية امتناع تعري الجواهر عن جميع الطعوم ، وكذلك جميع الأعراض لا ينفك الجوهر عن الشيء وعن ضده، فقولهم: خلق الطعو مع إمكان ألا يخلقها ممنوع، بل يجب خلق بعضها قطعا عندنا. ((تنبيه)) عند المعتزلة الأدلة السمعية مؤكدة لما علمه العقل ضرورة أو نظرا، ومظهرة للحكم المتقدم الثابت بالعقل، وأنه ما زال كذلك، وعندنا الأدلة السمعية منشيئة في الجميع؛ لأنها لم تجتمع مع أدلة العقل لا أولا ولا آخرا، وعندهم اجتمعت آخرا، وانفرد العقل بها أولا. ((تنبيه)) قوله في أول المسألة: ما يضطر إليه كالتنفس في الهواء، ونحوه لا بد من القطع بأنه غير ممنوع منه.

стр. 335

مفهومه: أنه يجوز أن يكون مباحا، وليس كذلك، بل لا يجوز أن يتعلق به حكم شرعي ألبتة، فالنازل من الشاهق لا يباح له النزول، ولا يتعلق به حكم شرعي، بسبب أن القاعدة أن الأحكام الشرعية لا تتعلق إلا بما يجوز أن يفعله الإنسان، ويتركه أما ما يتعين فيه الفعل أو الترك فلا، فاعلم ذلك، هذا كله بناء على اقتناع تكليف ما لا يطاق، أما إذا جوزناه جوزنا في ذلك جميع الأحكام الشرعية الخمسة. ((تنبيه)) نحن قائلون بأن الأحكام نفية قبل الشرائع ، وبأنها قديمة، وظاهره التناقض، فإن القديم لا يكون منفيا قبل الشرائع، ولا في وقت، ووجه الجمع بين المثالين أنها قديمة متعلقة بالأفعال على تقدير ورود الرسائل، كما كانت متعلقة على تقدير وجود الأساب من أوقات الصلوات وغيرها، فنيها قبل الشرائع إنما هو نفي لتعلقها في تلك الحالة لا نفي لذواتها، كما نقول: إن الشريعة تقررت بعد موته ﷺ . ونقول: إن الظهر لا يجب قبل الزوال إشارة إلى التعلق، ونفيه قبل الزوال، وهو ثابت في اأزل متعلق بما بعد الزوال، وهي ثلاثة مسائل بقصد الجمع بينهما هاتان المسألتان، ومسألة المأمور إنما يصير مأمورا حالة الملابسة لا قبله، وستأتي تكملة هذا البحث إن شاء الله تعالى في الأوامر. ((تنبيه)) حيث نفينا الأحكام قبل الرسل ، فلا نرد أن ننفي من جملتها الحسن الذي هو مفسر بعدم النهي، بل لا تعد إلا الأحكام الخمسة التي لا تعلم إلا من قبل الشرع، والحسن والقبح، وإن تقدم أ، هما قسمان من الحكم الشرعي، فالحسن أعم من الحكم الشرعي، لما قتدم أن المقسم قد يكون أعم من المقسم إليه من وجه، فيصدق المقسم إليه بدون المقسم، كالحويان المقسم إلى الأبيض والأسود، وصدق الحيوان بدون الأبيض؛ والأبيض بدون الحيوان.

стр. 336

الفصل العاشر في ضبط أبواب أصول الفقه قد عرفت أن أصول الفقه عبارة عن مجموع طرق الفقه وكيفية الاستدلال بها وكيفية حال المستدل بها أما الطرق فإما أن تكون عقلية أو سمعية أما العقلية فلا مجال لها عندنا في الأحكام لما بينا أنها لا تثبت إلا بالشرع وأما عند المعتزلة فلها مجال لأن حكم العقل في المنافع الإباحة وفي المضار الحظر وأما السمعية فإما أن تكون منصوصة أو مستنبطة أما المنصوص فهو إما قول أو فعل يصدر عمن لا يجوز الخطأ عليه والذي لا يجوز الخطأ عليه هو الله تعالى ورسوله ﷺ ومجموع الأمة والصادر عن الرسول وعن الأمة إما قول أو فعل والفعل لا يدل إلا مع القول فتكون الدلالة القولية مقدمة على الدلالة الفعلية والدلالة القولية إما أن يكون النظر في ذاتها وهي الأوامر والنواهي وإما في عوارضها إما بحسب متعلقاتها وهي العموم والخصوص أو بحسب كيفية دلالتها وهي المجمل والمبين والنظر في الذات مقدم على النظر في العوارض فلا جرم باب الأمر والنهي مقدم على باب العموم والخصوص.

стр. 337

ثم النظر في العموم والخصوص نظر في متعلق الأمر والنهي والنظر في المجمل والمبين نظر في كيفية تعلق الأمر والنهي بتلك المتعلقات ومتعلق الشيء متقدم على النسبة العارضة بين الشيء وبين متعلقه فلا جرم قدمنا باب العموم والخصوص على باب المجمل والمبين وبعد الفراغ منه لا بد من باب الأفعال ثم هذه الدلائل قد ترد تارة لإثبات الحكم وأخرى لرفعه فلا بد من باب النسخ وإنما قدمناه على باب الإجماع والقياس لأن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به وكذا القياس ثم ذكرنا بعده باب الإجماع ثم هذه الأقوال والأفعال قد يحتاج إلى التمسك بها من لم يشاهد الرسول ﷺ ولا أهل الإجماع فلا تصل إليه هذه الأدلة إلا بالنقل فلا بد من البحث عن النقل الذي يفيد العلم والنقل الذي يفيد الظن وهو باب الأخبار فهذه جملة أبواب أصول الفقه بحسب الدلائل المنصوصة ولما كان التمسك بالمنصوصات إنما يمكن بواسطة اللغات فلا بد من تقديم باب اللغات على الكل وأما الدليل المستنبط فهو القياس فهذه أبواب طرق الفقه وأما باب كيفية الاستدلال بها فهو باب التراجيح وأما باب كيفية حال المستدل بها فالذي ينزل حكم الله تعالى به إن كان

стр. 338

عالما فلا بد له من الاجتهاد وهو باب شرائط الاجتهاد وأحكام المجتهدين وإن كان عاميا فلا بد له من الاستفتاء وهو باب المفتي والمستفتي ثم نختم الأبواب بذكر أمور اختلف المجتهدون في كونها طرقا إلى الأحكام الشرعية فهذه أبواب أصول الفقه أولها اللغات وثانيها الأمر والنهي وثالثها العموم والخصوص ورابعها المجمل والمبين وخامسها الأفعال وسادسها الناسخ والمنسوخ وسابعها الإجماع وثامنها الأخبار وتاسعها القياس وعاشرها التراجيح وحادي عشرها الاجتهاد وثاني عشرها الاستفتاء وثالث عشرها الأمور التي اختلف المجتهدون في أنها هل هي طرق للأحكام الشرعية أم لا حكم تعلم أصول الفقه ولنختم هذا الفصل بذكر بحثين الأول أن تحصيل هذا العلم فرض والدليل عليه أن معرفة حكم الله تعالى في الوقائع النازلة بالمكلفين واجبة ولا طريق إلى تحصيلها إلا بهذا العلم وما لا يتأدى الواجب المطلق إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب وإنما قلنا إن معرفة حكم الله تعالى واجبة للإجماع على أن المكلف غير مخير بين النفي والإثبات في الوقائع النازلة بل لله تعالى في كل واقعة أو في أكثر الوقائع أحكام معينة على المكلف.

стр. 339

وإنما قلنا إنه لا طريق إلى معرفة حكم الله تعالى إلا بهذا العلم لأن المكلف إما أن يكون عاميا أو لا يكون فإن كان عاميا ففرضه السؤال لقوله فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون لكن لا بد من انتهاء السائلين إلى عالم وإلا لزم الدور أو التسلسل وعلى جميع التقادير فحكم الله تعالى لا يصير معلوما وإن كان عالما فالعالم لا يمكنه أن يعرف حكم الله تعالى إلا بطريق لانعقاد الإجماع على أن الحكم بمجرد التشهي غير جائز ولا معنى لأصول الفقه إلا تلك الطرق فثبت أنه لا سبيل إلى معرفة حكم الله تعالى إلا بأصول الفقه وأما بيان أن ما لا يتأدى الواجب المطلق إلا به وكان مقدورا للمكلف كان واجبا فسيأتي تقريره في باب الأمر إن شاء الله تعالى البحث الثاني: أنه من فروض الكفايات لأنا سنقيم الدلالة إن شاء الله تعالى في باب المفتي والمستفتي على أنه لا يجب على الناس بأسرهم طلب الأحكام بالدلائل المفصلة بل يجوز الاستفتاء وذلك يدل على أن تحصيل هذا العلم ليس من فروض الأعيان بل من فروض الكفايات والله تعالى أعلم بالصواب. قال القرافي: قوله "والفعل لا يدل إلا مع القول ". يريد بالقول نحو قوله تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه " ونحوه، فلولا ذلك لم يكن دليلا علينا، ولا لنا حجة بصورة الفعل. قوله:"الدلالة القولية إما أن يكون النظر في ذواتها، وهي الأوامر

стр. 340

والنواهي، أو عوارضها بحسب متعلقاتها، وهيا لعموم والخصوص، أو بحسب كيفية دلالتها، وهي المجمل والمبين " عليه أسئلة ثلاثة: الاول: أنه جعل مورد التقسيم الدلالة، والدلالة لا يقال لها: أمر، ولا نهي، بل الذي هو أمر ونهي الأدلة الا الدلالة، فإن الأدلة هي الأفاظ والدلالة إشعارها بمدولاتها. الثاني: قوله: إن كان النظر في ذاتها، فهي الأوامر والنواهي يتخيل في ذلك نحو قوله تعالى: ((فاقتلوا المشركين)) فإن الدليل الاول بالذات هو قوله: "اقتلوا" وهو متعلق بعموم المشركين، وهذا لا يتم به المقصود، لأن الذوات ليس المقصود بها ذات اللفظة من حيث هي لفظة، فإن الألفاظ بما تدل بالوضع لا بالذات، وكما أن الأمر يدل بالذات، فصيغة العموم، وجميع الصيغ تدل بالوضع، فلا فرق. فإن قلت: العموم لا يكون دليلا يفيد حكما شرعيا، بلا يقع إلا متعلق الدليل، وكلامه ليس في الألفاظ من حيث هي ألفاظ، بل في الأدلة الشرعية. قلت: قد يكون الديل في نفس العموم مثل قوله تعال: "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار" فإنه ديل على تحريم النفاق بما فيه من الوعيد، وليس ثم أمر ولا نهي، وقوله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه)) الآية، يدل بعموم صيغة ((ما)) على عموم الحل في جميع الذي الي أوحي من غير أمر ولا نهي، وقوله تعالى ((خلقك لكم ما في الأرض جميعا)) يدل بعمومه على الإباحة، وذلك كثير، فيست الأدلة الشرعية منحصرة في الأمر والنهي. الثالث: على قوله: ((كيفية دلالتها وهو المجمل والمبين)).

стр. 341

يرد عليه أن المجمل هو عديم الدلالة، وإذا عدمت الدلالة امتنع اتصافها بالكيفية، لأن الكيفية صفة، والصفة متعذرة عند عدم الموصوف، والعدم لا يسمى كيفية. قوله: ((والنظر في العلموم والخصوص نظر في متعلق الأمر والنهي)). قلت: قد تقدم أن العموم نفسه قد يكون دليلا شرعاي، ولا يكون متعلق الأمر والنهي. قوله: النظر في المجمل والمبين نظر في كفيية الأمر والنيه، مع أنه جعل المجمل والمبين نظرا في كيفية الدلالة، فيلزم أن تكون دلالة الأمر هي نفس الأمر، ودلالة الأمر غيره، لأنها كيفية بينه وبين مدلوله، فيتنافر قوله بسبب ذلك. قوله: "تأخر الإجماع والقسا عن السنخ؛ لا، هما لا ينسخان ". معانه: أن السنخ إنما ورد بعد الأوامر والنواهي والأفعال، لأنها ترد لرفع الحكم وثبوته، فالنسخ عارض من عوارضها يحسن ذكره بعدهما؛ لأن عارض الشيء متأخر عنه، ولما لم يكن النسخ يدخل في هذين لم يكن عارضا لهما فلم يذكر بعدهما، فهذا وجه تأخيرهما عن النسخ، ويرد عليه أنه ذكر في "باب النسخ" أن القياس يتصور فيه النسخ. وقوله: "وما لايتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب " يحترز بقوله: "المطلق" عن الواجب الذي قيد في أصل التكليف به بوجود سبب، أو شرط، أو انتفاء مانع؛ فإن أسباب التكليف وشروطه، وانتفاء موانعه لا تجب إجماعا، فلا يجب تحصيل ملك النصاب لتجب الزكاة، ولا الإقامة ليجب الصوم، ولا دفع الدين لتجب الزكاة، إنما اختلف العلماء فيما

стр. 342

يتوقف عليه إيقاع الملكف به على الوجه المعتبر، بعد تقرر التكليف يفرق بين قول السيد لعبده: إن نصبت السلم فاصعد السطح، وبين قوله: اصعد السطح، ولم يذكر شيئا آخر، فيجب عليه النصب في الثاني دون الأول. وقوله: لله تعالى في كل واقعة أو في أكثرها حكم معين حسن الترديد، باق لا ختلاف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: لا تخلو واقعة من حكمن، ومنهم من قال: تخلوا، ومثلوا ذلك بالمتوسط مزرعة لغيره إن قعد فيها أفسد أو خرج منها أفسد، فهل يرتفع الحكم الشرعي عنه لتعذره؟ إذ يقال: حرم الله تعالى البقاء ترجيحا بالاستصحب، حكاه الغزالي في "المستصفى"، وكذلك إذا سقط في بشر على صبية، إن بقى قتل بعضهم، وإن انتقل قبل بعضهم، ومن هذه النظائر، فهذا سبب ترديده بصيغة "أو". ((سؤال)) قال النَّقْشّوَانِيُّ: لايصح قوله: إن الفعل لا يدرك إلا بالقول ؛ فإن الأفعال قد تستقل بالدلالة إما في حق الله تعالى كما يدل فعله على صفات التأثير، وإبقائه على العلم، وإما في حق رسول الله ﷺ ، فلأنه ﵇، إذا قام وترك التشهد دل على عدم وجوبه، وإن مسح بعض راسه دل على عدم وجوب جميعه، وإن صلى الوتر على الراحلة دل على عدم وجوبه، ونظائره كثيرة. جوابه: أما في حق الله تعالى فلا يرد؛ لأنه لم تبق داللاة الفعل مطلقا، بل باعتبار الأحكام الشرعية، وأما في حق رسوله ﷺ فلأن الدلالة في تلك الصور لم تكن من الفعل، بل من الترك؛ لأن الترك يدل على عدم وجوب المتروك، فما استدللنا إلا بعدم الرجوع إلى التشهد، وعدم الاستيعاب في الرأس، وعدم التوجه إلى الكعبة والنزول إلى الأرض. فإن قلت: الترك كما يدل على عدم الوجوب، فالفعل يدل على عدم التحريم، فكلاهما دال، فلا نخلص عن السؤال.

стр. 343

قلت: الدلالة في الموضعين إنما جاءت من جهة أنه ﷺ معصوم، والمعصوم لا يتصور منه فعل المحرم، ولا ترك الواجب، وأدلة العصمة سمعية، فما دل الفعل إلا بالقول فاندفع السؤال عن الفعل والترك. فإن قلت: استوى الفعل والقول في أنهما لا يدلان على الأحكام الشرعية بذاتيهما، بل لابد للقول من الوضع، ولا بد للفعل من القول، فكلاهما محتاج لغيره، فلم يجعل أحدهما مقدما على الآخر هاهنا، وفي باب التعارض والترجيح. قلت: مسّلم أن كليهما مفتقر إلى غيره، لكن القول لا يحتاج للفعل، بل الوضع، والفعل يحتاج للقول، ثم النزاع، والنظر هاهنا إنما هو في كون الفعل دالا على حكم علينا لا على حكم عليه، وعلى كونه يدل على عدم الوجوب، والترك يدل على عدم التحريم، إنما ذلك بالنسبة إلى النبي ﵊، فلا يرد سؤالا علينا. ((تنبيه)) هذا الفصل بينه في كتاب "المعتمد "، لكن بلفظ أقرب من هذا للصواب، فقال: ينبغي أن ينظر فائدة الخطاب في نفسه، ثم يتكلم في شمول تلك الفائدة وخصوصها، وإجمالها، وتفصيلها، فيتقدم الأمر على النهي، لتقدم الإثبات على النفي، ثم يقدم الخصوص والعموم على المجمل والمبين؛ لأن الكلام في الظاهر أولى من الخفي، ويقدم المجمل والمبين على الأفعال؛ لأنهما من قبيل الخطاب، وتقدم الأفعال على النسخ؛ لأن النسخ يدخل الأفعال ويقع بها كالخصاب، ويقدم النسخ على الإجماع؛ لأن الخطاب مثبت الإجماع، ويقدم الإجماع على القياس؛ لأنه طريق صحة

стр. 344

القياس، وتقدم هذه الأبواب على المفتي، لأنه إنما يفتي بعد هذه الأبواب، هذا كلام حسن، وقال نحوه في شرح كتاب ((العمد))، وفي ((المعتمد)) أحسن تلخيصا، لأنه صنعه بعده لنفسه، وذلك شرح ((للعمد)) التي هي كلام القاضي شيخه.

стр. 345

الكلام في اللغات وفيه تسعة أبواب الباب الأول في الأحكام الكلية للغات قال الرزاي: اعلم أن البحث إما أن يقع عن ماهية الكلام أو عن كيفية دلالته ولما كانت دلالته وضعية فالبحث إما أن يقع عن الواضع أو عن الموضوع أو عن الموضوع له أو عن الطريق الذي به يعرف الوضع. قال القرافي: الكلام في اللغات: وهي جمع لغة، ولغة القوم: هي ما اصطلحوا عليه من الألفاظ في المقاصد مفردا أو مركبا، وأصل هذه المادة من الطبع، ومنه قوله ﷺ : ((إذا قلت لصاحبك، والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت)).

стр. 346

أي: أتيت بكلام بعيد عن الصلاح، وقال الله تعالى: "ولا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما " أي: كلاما لا منفعة فيه. ومنه قول الشاعر [الوافر]: ويهلك بينها المرئي لغوا ... كما ألغيت في الدية الحوارا أي: الحوار لا يعتد به في إبل الدية.

стр. 347

ولما كانت للألفاظ أصوات تخرج من لافم كأنه يلقيها، ويطرحها، ولذلك سمى الكالم لفظا من قولهم: لفظ البحر كذا إذا طرحه، فكأن الفم يطرح الحروف والأصوات.

стр. 348

النظر الأول في البحث عن ماهية الكلام اعلم أن لفظة الكلام عند المحققين منا تقال بالاشتراك على المعنى القائم بالنفس وعلى الأصوات المتقطعة المسموعة. والمعنى الأول مما لا حاجة في أصول الفقه إلى البحث عنه إنما الذي نتكلم فيه القسم الثاني فقال أبو الحسين الكلام هو المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة المتواضع عليها وربما زيد فيه فقيل إذا صدر عن قادر واحد. أما قولنا المنتظم فاعلم أنه حقيقة في الأجسام لأن النظام هو التأليف وذلك لا يتحقق إلا في الأجسام ولكن الأصوات المتوالية على السمع شبهت بها فأطلق لفظ المولف والمنتظم عليه مجازا. وقولنا من الحروف احترزنا به عن الحرف الواحد فإن أهل اللغة قالوا أقل الكلام حرفان إما ظاهرا وإما في الأصل كقولنا ق، ش، ع، فإنه كان في الأصل قي وشي وعي ولهذا يرجع في التثنية إليه فيقال قيا عيا إلا أنه أسقط الياء للتخفيف. وقولنا المسموعة احتراز عن حروف الكتابة وقولنا المتميزة احتراز عن أصوات كثير من الطيور وقولنا المتواضع عليها احتراز عن المهملات. وقولنا إذا صدر عن قادر واحد احتراز عما إذا صدر كل واحد من

стр. 349

حروف الكلمة عن قادر آخر نحو أن يتكلم أحدهم بالنون من نصر والثاني بالصاد والثالث بالراء فإن ذلك لا يسمى كلاما. واعلم أن هذا الحد يقتضي أمرين: أحدهما: كون الكلمة المفردة كلاما وهو قول الأصوليين. والنحاة أجمعوا على فساد ذلك وقالوا إن لفظ الكلام مخصوص بالجملة المفيدة ونقلوا أيضا فيه نصا عن سيبويه وقول أهل اللغة في المباحث اللغوية راجح على قول غيرهم. الثاني: أن قوله أقل الكلام حرفان إما ظاهرا أو في الأصل يشكل بلام التمليك وباء الالصاق وفاء التعقيب فإنها أنواع الحرف الذي هو قسيم الاسم وكل حرف كلمة وكل كلمة كلام مع أنها غير مركبة. فإن قلت الحركة في الحقيقة حرف فإذا ضمت الحركة إلى الحرف كان المجموع مركبا. قلت هذا على بعده لو قبلناه بقي الإشكال بالياء من غلامي ونون التنوين ولام التعريف فإنها حروف مفردة خالية عن الحركات وهي مفيدة. فالأولى أن نساعد أهل النحو ونقول كل منطوق به دل بالاصطلاح على معنى فهو كلمة. فهذا يتناول الحرف الخالي عن الحركة والحرف المتحرك والمركب من الحروف. وأما الكلام فهو الجملة المفيدة وهي إما الجملة الاسمية كقولنا زيد

стр. 350

قائم أو الفعلية كقولنا قام زيد وإما مركب من جملتين وهي الشرطية كقولك إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. قال ابن جني: الكلام يخرج عن كونه كلاما تارة بالنقصان وتارة بالزيادة: أما بالنقصان فإذا قلت قام زيد ثم أسقطت اسم زيد واقتصرت على مجرد قولك قام لم يبق كلاما. وأما بالزيادة فإنك إذا أدخلت على تلك الجملة صيغة الشرط حتى صارت هكذا إن قام زيد فإنه لأجل هذه الزيادة خرج عن كونه كلاما لأنه لا يكون مفيدا ما لم يضم اليه غيره. قال القرافي: قوله: لفظ الكلام مشترك بين الأصوات والكلام النفساني فيه ثلاثة مذاهب: قيل: حقيقة في اللساني، لأنه المتبادر للفهم عند قولنا: تكلم فلان، أو لم يتكلم، وقيل: في النفساني كقول الأخطل [الكامل]: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا وقل: هو مشترك بينهما، وهو المشهور كما حكاه، وكذلك إمام

стр. 351

الحرمين جمعا بين المدركين، وهذا الخلاف ليس خاصا بلفظ الكلام، بل وكل ما يتعلق به من الأمر والنهي، والخبر والتصديق، والتكذيب ونحو ذلك من عوارض الكلام. وقوله: ((والمعنى الاول يعني النفساني لا حاجة في أضول الفقه للبحث عنه)). معناه: لا حاجة في البحث عن إثباته، وإلا فلا بد منتتصوره حتى يعتقد أن اللفظ موضوع للطلب النفساني، وأن أصول الفقه كله إنما هو أدلة الأحكام كلها من الكلام النفساني، فلا بد من تصوره في جميع هذه المدارك لكن التصديق به إنما يستفاد من علم أصول الدين. قوله: ((وقولنا: من الحروف احترزنا به عن الحرف الواحد)) لا يستقيم؛ لأن الحرف الواحد يصدق عليه أنه من الحروف، بل إنما يستقيم الإحتراز بقوله: المنتظم فإن الانتظام في الحرف الواحد محال أو بغير عبارته، ويقول: هو الحروف المنتظمة. وأما إذا قال: المنتظم من الحروف حصل الإحتراز بالمنتظم لا بقوله من الحروف، ثم استشهاده بقول العرب: ((قِ عِ شِ)) يبطل كلامه، فإن الحروف الأصلية لم ينطق بها، وما لم ينطق به كيف يوصف بأنه منتظم مع المسموع؟ بل ينبغي له على هذا التقدير أن يقول: المنتظم من الحروف إلى آخره، ثم يزيد في الحد ظاهرا أو في الأصل، وقول العرب: وأصله وقَى يقي

стр. 352

حذفت الواو من أوله في المضارع لوقوعها بين ياء وكشرة، وحذفت الياء من آخره علامة الجزم بالأمر، فبقيت القاف وحدها، وكذلك وشي يشي، ووعي يعي من الوعي، ولاوشي الذي هو لارونق، ووشي الثوب علمه، ومنه الواشي؛ لأنه يزين الكلام عند من يشى إليه، ووعى من الوعي، وهو الضبط، ومنه وعيت كلامك إذا فهمته جيدا، وكذلك "فِ) من الوفاء، و"لِ" من الولاء، ومنه قول الحاة في ألغازهم [الوافر]: أقول لِخالدًا يا عمرو لما ... علت نابي السيوف المرهفات فيظهر للسامع في لِ زيدا أنه حرف جر ونصب به فيشكل، ويفهم من قولهم: بالسيوف جارا ومرفوعا، وإنما مرادهم أنه أمر عمرا أن يلى زيدا في صف القتال أي: يكون بجنبه لما علت ناب هذا القائل السيوف أي علت رأسه، وهو كثير في الأفعال المعتلة الأول والآخر، وإنما رجعت الياء في تثنية الفاعل، فقيل: عيا وليا؛ لأن الياء إنما حذفت ليكون حذفها علامة للوقف، فإذا حصلت تثنية الفاعل صار علامة الوقف حذف النون، لأنها علامة الجزم في خمسة أمثلة: تفعلان، ويفعلان، وتفعلون، ويفعلون وتفعلين، وأصل عيا عيان، وكذلك بقيتها. وقوله: "سقطت الياء للتخفيف" عبارة فيها بعد عن اصطلاح النحاة، فإن ما حذفه مقصود للدلاة على الجزم والنصب أول لغيره لا يقال فيه: تخفيف، إنما يقال: حذف للتخفيف إذا حذف الشيء لا لمقصد يخصه، كما حذف التنوين ولانون من اسم الفاعل إذا أضيف لما فيه لام التعريف، نحو: زيد ضارب عمرو غدا، أو الزيدون ضاربو عمرو غدا. وقوهل: "قولنا: المتميزة احترازا عن كثير من أصوات الطيور" لا يتم؛ لأن الطير إنما يفسر الحروف كما يحكي عن "الدرة " وغيرها، أو لا

стр. 353

يفسرها، كما يقال عن الهدهد، يقول في صياحه: كذا سبب، والقمري يقول في صياحه: اذكروا ربكم، وغير ذلك. والأول لا حاجة للاحتراز عنه، فإنه عند العرب متكلم، ونطقه كلام، وأجزاؤه حروف ز والقسم الثاني: لا يصدق أنه نطق بحرف، بل السامع يتوهم في ذلك المسموع أمورا يمكن أن تفسر بحروف لا أنها حروف، ولا يتناولها لفظ الحروف لغة، فلا يحتاج إلى إخراجها بهذا القيد، فيكون هذا القيد حشوا لا يليق بالحدود. وقوله: وقولنا: ((المتواضع عليها)) احترازا من المهلمات في غاية الإشكالات، لأن هذا القيد يخرج الكالم كله من حد الكالم، وذلك أن العرب وضعت "قاف"مثلا للحرف الأول من قال، و"ألفا" للثاني منه، و"لاما" للثالث منه، وكذلك بقية حروف ألف، باؤ، تاء، ثاء، الثمانية والعشرون. قال صاحب "الكشاف": ومن حكمة هذه المواضع أنهم جعلوا مسمى كل اسم في أوله إلا الأل ما أمكن جعله في اول اسمه، لأنه ساكن، والإبتداء بالساكن متعذر، فعوضوه بما يشاكله وهو الهمزة، وقال: ليست مركبة من قاف وألف ولام وإلا كان قال: تسعة أحرف، فإن كل واحد منها ثلاثة أحرف وإنما ركبت العرب "قال" من مسميات هذه الأحرف لا منها، فظهر حينئذ أن الكلام كله إنما هو مركب من مسميات الحروف، وتلك المسيمات لم تضع العرب واحدا منها لشيء بل المجموع. قال: هو الموضوع، أما كل حرف منه فلا، فحينئذ الكلام إنما هو مركب

стр. 354

من الحروف المهلمة لا من الموضوعة، فخرج جيمع الكلام عن حد الكلام، فيبطل الحد ضورة لاشتراطه الوضع وعدم الإهمال والواقع الإهمال، فإن قلت: أحمل وقله: المهملة علىنها أهملت أن توضع لها لا أنها أهملت أن توضع في نفسها، ولا شك أن الحروف منها ما وضع لها كما تقدم، ومنها ما لم يوضع له كالحرف المركب من الباء والفاء في انحو: أغرافيا الذي عرفه الناس، وقالوا: جغرافيا، والمركب من الجيم والشين في نحو: نفشواني، فصيرت السين جيما كما صيرت الفاء في المثال الأول باء ونحو ذلك، وقد انتهت أوضاع العرب كما حكاه الزمخشري في "المفصل" وغيره إلى نيف وثلاثين حرفا وضعت لها، منها مشهور في الإستعمال وهو الثمانية والعشرون، ومنها قليل الاستتعمال نحو: التي بين القاف والكاف، وهو مبسط في كتب النحو. وأخبر بعض المؤرخين أن بعض الطوائف لا يتكلمون إلا بتسعة أحرف فيقولون: خل أخمر بالخاء فيهما، ويسقطون الحاء المهملة، وعلى هذه الطريقة يستقيم كلامه. قلت: المتبادر إلى الفهم من المهملة هو أنها لم توضع، وإرادة مثل هذا في الحد إلغار، وتحديد بما لا يفهم فلا يجوز، سلمنا أنه لا يخفي وأنه يتبادر للفهم، لكن لا نسلم أن تلك الحروف ما وضع لها، بل وضعوا للفاء في المثال الأول باء مشربا فاء، ووضعوا جيما في المثال الثاني مشربا سين، وبالجملة فهذا الموضوع - كما ترى - عويص. قوله: "وقولنا: إذا صدرت عن قادر واحد احتززنا عن صدور كل حرف من قادر))، يرد عليه أن هذا يمنع أن يسمى منتظما، بل هو مفترق، فقد خرج بقيد الإنتظام، ثم اشتراط القادر يصير الحد غير جامع؛ فإن القادر لا يتصور [إلا] في حي له إرادة وقدرة، والكلام قد يحصل من

стр. 355

الجماد، فإن الأصوات والحروف لا يشترط فيها الحياة، فإنها رياح تنضغط في مجار، وهذا المفهوم يتأتي في الجماد. وقد أخبرت عن القاضي الفاضل وزير الملك الناصرصلاح الدين، أنه جاءه رجل فقال له: عندنا صنم يتكلم، فذه ب إلأيه معه، فوجد صنما من رخام أحمر قد أتى عليه الرمل إلا رأسه وهو ساكت. فقال له الفاضل: ما له لا يتكلم؟ فقال له: تريد ذلك؟ فقال: نعم، فوضع الرجل إصبعه على ثقب في وسط رأسه، ولاريح يخرج نمه خروجا شديدا، فمنع الريح من الخروج حتى تغمر باطن الصنم به، ثم فتح ذلك الثقب، فشرع الريح يخرج، وجعل الصنم يقول: هاتان المدينتان كانتا لشداد وشديد ابني عاد، ماتا وصارا إلى التراب، من ذا الذي يبقى على الحدثان؟ وطول في الحدثان تطويلا شديدا حتى فرغ الريح من جوفه، ثم أعاد سد ذلك الثقب، فأعاد القول بعينه مرارا، وهو لا يزيد على ذلك، ولا ينقص، وسر ذلك أن الكلام أصله الريح، الذي هو النفس، فإذا ضغطه الإنسان حدث الصوت منغير حرف، فإن قطع ذلك الصوت في مقطع مخصوص حدث الحرف المناسب لذلك المقطع، فصار الصوت عارضا للنفس، والحرف عارا للصوت، لكن يشترط في المجري ملوسة خاصة وصقال خاص، فإن تغيير بطل الكلام، ألا ترى أن الإنسان إذ خشن حلقه
следующие страницы →