← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

المسألة الثانية قال الرازي: إذا روى عن رسول الله ﷺ : أنه عمل بخلاف موجب الخبر ، فالخبر: إما أن يكون متناولاً للرسول ﷺ ، أو غير متناول له، فإن لم يتناوله، لم يخل: من أن يكون قد قامت الدلالة على أن حكمنا وحكمه ﷺ فيه سواء، أو لم تقم الدلالة على ذلك، فإن لم يقم عليه دليل، جاز أن يكون النبي ﷺ مخصوصًا بذلك الحكم؛ وعلى هذا التقدير: لا يكون بين فعله، وبين الخبر تناف فلا يرد الخبر لأجله، وإن قامت الدلالة على أن حكمه ﷺ وحكمنا فيه سواء: نظر في الخبرين؛ فإن أمكن تخصيص أحدهما بالآخر، فعل، وإن لم يمكن كان احدهما متواترًا- عمل بالتواتر. وإن لم يكونا متواترين، عمل فيهما بالترجيح. * * *

стр. 2907

المسألة الثالثة عمل أكثر الأمة بخلاف الخبر لا يوجب رده ، وعمل أكثر الأمة بموجب الخبر لا يوجب قبوله؛ لان أكثر الأمة بعض الأمة، وقول بعض الأمة ليس بحجة؛ إلا أن ذلك، وإن لم يكن حجة، فإنه من المرجحات. * * *

стр. 2908

المسألة الرابعة الحفاظ، إذا خالفوا الراوي في بعض ذلك الخبر، فقد اتفقوا على أن ذلك لا يقتضي المنع من قبول ما لم يخالفوه فيه ؛ لان ظاهر حالة الصدق، ولم يوجد معارض؛ فوجب قبوله. وأما القدر الذي خالفوه فيه، فالأولى ألا يقبل؛ لأنه وإن جاز أن يكونوا سهوا، وحفظ هو؛ لكن الأقوى أنه سها، وحفظوا هم؛ لأن السهو على الواحد أجوز منه على الجماعة. * * *

стр. 2909

المسألة الخامسة خبر الواحد، إذا تكاملت شروط صحته، هل يجب عرضه على الكتاب ؟ قال الشافعي- ﵁: لا يجب؛ لأنه لا تتكامل شروطه، إلا وهو غير مخالف للكتاب. وعند عيسى بن أبان: يجب عرضه عليه؛ لقوله ﷺ : (إذا روى لكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاقبلوه؛ وإلا فردوه). * * *

стр. 2910

المسألة السادسة لا شبهة في أن الناسخ يجب أن يكون غير مقارن للكتاب ، فإن علم أن خبر الواحد غير مقارن للكتاب، لم يقبل؛ لما ثبت أن نسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز. وإن شك فيه، قبل عند القاضي عبد الجبار؛ قال: لأن الصحابة رفعت بعض أحكام القرآن لأخبار الآحاد، ولم تسأل، هل كانت مقارنة أم لا!!. (المسألة الثانية) إذا روى عنه- ﵇ أنه عمل بخلاف موجب الخبر). قال القرافي: هذه المسألة تقدم بسط الكلام عليها في أفعاله- ﵇ إذا عارض قوله فعله. فلتنظر من هناك. * * *

стр. 2911

المسألة السابعة قال الرازي: اختلفوا فيما إذا كان مذهب الراوي بخلاف روايته: فالأول: هو قول بعض الحنفية: الراوي للحديث العام، إذا خصه رجع إليه؛ لأنه لما شاهد الرسول ﷺ ، كان أعرف بمقاصده، ولذلك حملوا رواية أبي هريرة في ولوغ الكلب: "أنه يغسل سبعًا" على الندب؛ لأن أبا هريرة كان يقتصر على الثلاث. الثاني: وهو قول الكرخي: أن ظاهر الخبر أولى. والثالث: أنه إن كان تأويل الراوي بخلاف ظاهر الحديث، رجع إلى الحديث، وإن كان هو أحد محتملات الظاهر، رجع إلى تأويله. وهو ظاهر مذهب الشافعي- ﵁. والرابع: وهو قول القاضي عبد الجبار: إن لم يكن لمذهبه وتأويله وجه، إلا أنه علم بالضرورة قصد النبي ﷺ إليه- وجب المصير إليه، وإن لم يعلم ذلك؛ بل جوزنا أن يكون قد صار إليه؛ لنص، أو قياس- وجب النظر في ذلك: فإن اقتضى ما ذهب إليه، صير إليه، وإلا فلا، وكذا إن كان الحديث مجملًا، وبينه الراوي، كان بيانه أولى. حجة الشافعي- ﵁: أن المقتضي- وهو ظاهر اللفظ- قائم، والمعارض الموجود- وهو مخالفة الراوي- لا يصلح أن يكون معارضًا؛ لاحتمال أن يكون قد تمسك في تلك المخالفة بما ظنه دليلًا؛ مع أنه لا يكون كذلك.

стр. 2912

فإن قلت: (الظاهر من دينه: أنه لا يخالف إلا لدليل): قلت: دينه يمنعه عن الخطأ عمدًا، لا سهوًا، وغلطًا، وليس هاهنا ظاهر يدل على أنه كان من العلم؛ بحيث لا يعرض له ذلك الخطأ. المسألة السابعة (إذا خالف مذهب الراوي روايته) قال القرافي: قلت: المراد بالراوي المباشر لرسول الله ﷺ خاصة. أما مالك وغيره من التابعين، فلا مدخل له في هذه المسألة. قوله: (إذا خصه رجع إليه عند بعض الحنفية، كما روى عن أبي هريرة أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب سبعًا، ومذهبه أنه يغسل سبعًا على الندب، ويقتصر على ثلاث): قلنا: لفظ السبع من صيغ الأعداد لا من صيغ العموم، وعندكم صيغ الأعداد نصوص لا يدخلها المجاز، فلا يدخلها التخصيص؛ لأنه مجاز، فليس هذا المثال من مادة المسألة. وأما حمله السبع على الندب، فليس من التخصيص في شيء، بل هذا تصرف في صيغة الأمر، وصرفها عن الوجوب للندب لا تصرف في عموم. قوله: قال الشافعي: إن خالف ظاهر الحديث قدم الحديث، أو حمله على أحد محتملاته قبل المذهب): تقريره: أنه إذا خالف الظاهر فمذاهب العلماء ليست حجة، وإنما الحجة في كلام صاحب الشرع، فيقدم الظاهر على مذهب الراوي، وإن كان مذهبه في تعيين التأويل، كما إذا ورد لفظ (القرء) المشترك بين الحيض والطهر، فحمله على الطهر سمع منه؛ لأنه لم يخالف ظاهر الحديث؛ لأنه

стр. 2913

لا ظاهر له، فلم يبق إلا مجرد اجتهاد، وهو أعلم بمقاصد الرسول من غيره. قوله: (دينه يمنعه عن الخطأ عمدًا لا سهوًا): قلنا: ومع ذلك فالمقصود حاصل؛ لأن ظاهر حاله من دينه، واجتهاده، ومكانته من العلم أنه لا يفوته الصواب في نفس الأمر. * * *

стр. 2914

المسألة الثامنة قال الرازي: خبر الواحد: إما أن يقتضي علمًا، أو عمل اً: فإن اقتضى علماً فإما أن يكون في الأدلة القاطعة ما يدل عليه، أو لا يكون: فإن كان الأول: جاز قوله؛ لأنه لا يمتنع أن يكون- ﵊ قاله، واقتصر به على آحاد الناس، واقتصر بغيرهم على الدليل الآخر. وإن كان الثاني: وجب رده، سواء اقتضى مع العلم عملًا، أو لم يقتضه؛ لأنه لما كان التكليف فيه بالعلم، مع أنه ليس له صلاحية إفادة العلم -كان ذلك تكليفًا بما لا يطاق، اللهم إلا أن يقال: لعله- ﵊ أوجب العلم به على من شافهه؛ دون من لم يشافهه؛ فإن ذلك جائز، فأما إذا اقتضى عملًا، وكان البلوى به عامًا، فعندنا: لا يجب رده، وعند الحنفية: يجب رده. لنا وجوه: أحدها: عموم قوله تعالى: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ وقوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾. وثانيها: أن خبر الواحد العدل في هذا الباب يفيد ظن الصدق فيكون العمل به دافعًا لضرر مظنون؛ يكون واجبًا. وثالثها: رجوع الصحابة إلى عائشة- ﵂ في التقاء الختانين، مع أن ذلك مما تعم به البلوى. ورابعها: أن البلوى عام؛ بمعرفة أحكام القئ، والرعاف، والقهقهة في

стр. 2915

الصلاة، ووجوب الوتر، مع أنهم يقبلون خبر الواحد فيه، وليس يعصمهم من ذلك أنه قد تواتر النقل بالوتر؛ لأن وجوبها تعم به البلوى، ولم يتواتر نقله. واحتجوا بالإجماع والمعقول: أما الإجماع: فهو أن أبا بكر رد حديث المغيرة في الجدة، ورد عمر خبر أبي موسى في الاستئذان. وأما المعقول: فهو أنه لو كان صحيحًا، لأشاعه الرسول ﷺ ، ولأوجب نقله على جهة التواتر؛ مخافة ألا يصل إلى من كلف به، فلا يتمكن من العمل به، ولو فعل ذلك، لتوافرت الدواعي إلى نقله، على جهة التواتر. والجواب عن الأول: أنه إنما كان يجب ذلك الذي قلتم، لو لم يقبلوا فيه إلا خبرًا متواترًا؛ فأما إذا لم يقبلوا خبر الواحد، وقبلوا خبر الاثنين- فلا، وقد قبلوا خبر الاثنين في؛ فلم ينفعكم ذلك. وعن الثاني: أن ذلك يجب أن لو كان يتضمن علمًا، أو أوجب العمل به على كل حال. فأما إذا أوجبه؛ بشرط أن يبلغه، فليس فيه تكليف ما لا طريق إليه، ولو وجب ذلك فيما تعم به البلوى لوجب في غيره؛ لجواز ألا يصل إلى من كلف به. فإن قلتم هناك: (إنه كلف العمل به، بشرط أن يبلغه): قيل لكم مثله فيما تعم به البلوى. المسألة الثامنة خبر الواحد إن اقتضى علمًا قال القرافي: قوله: (إن لم يكن في الأدلة القاطعة ما يدل عليه، فيجب رده؛ لئلا يلزم تكليف ما لا يطاق):

стр. 2916

قلنا: تكليف ما لا يطاق جوازه هو الحق. سلمنا امتناعه، لكن يشكل بالتواتر؛ فإن دلالته ظنية لا تحصل العلم، ولا يمكن رده لتواتره. سلمنا أن المتواتر لا يرد، لكن لا سبيل إلى عدم الدليل العقلي إلا بالطلب، وقد علمت أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، فلعل ثم دليلاً عقليًا لم نطلع عليه. قوله: "لنا: قوله تعالى: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾: قلنا: هذا فعل في سياق الإثبات، فيكون مطلقًا لا عموم فيه، فلا يتناول جميع الموارد، فنحمله على ما لا تعم البلوى. وكذلك قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ مطلق؛ لان (جاء) فعل في سياق الإثبات، و (نبأ) نكرة في سياق الإثبات غير أن النكرة إذا وردت مع الشرط فيها الخلاف المتقدم في العموم، فإذا سلم العموم أمكن أن يقال: هو مطلق في الأحوال، فلا يتناول حالة البلوى. قوله: (العلم به يفيد دفع ضرر مظنون). قلنا: قد تقدم أن مطلق الظن لم يعتبره صاحب الشرع، بل مراتب خاصة؛ بدليل شهادة الفاسق، وجماعة الكفار، وإنما اعتبر الشرع مراتب خاصة، فلم قلتم: إن هذا منها محل النزاع؟. قوله: (رجعوا إلى خبر عائشة، وهو ما تعم به البلوى). قلنا: ذلك حين احتفت به قرائن عظيمة، وهو سؤال الصحابة، وعلم عائشة بذلك مع قرائن أحوال عائشة، ومكانتها من الدين.

стр. 2917

وقوله ﵇: (خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء)، والأحوال شواهد لا تفي بها العبارات. فلم قلتم: إنما نحن فيه كله كذلك؟. قوله:؟ (البلوى عامة في القئ، والرعاف، والقهقهة في الصلاة، والوتر، ولم يتواتر نقله، وقالوا بها. قلنا: لا نسلم أن أبا حنيفة لم تكن هذه الأحاديث متواترة في زمانه، ولا يلزم من عدم تواترها عندنا عدم تواترها عنده؛ لأنه أدرك الصدر الأول، وعشرة من الصحابة، وهو المجتهد في هذه الأحكام، وأصحابه بعده مقلدون لا يلزمهم هذا السؤال؛ لأنه لا يلزمهم تصحيح مدرك من قلدوه، بل ذلك يقع منهم مناظرة. وهذا الجواب أمكن أن يقولوه في المناظرة عن إمامهم. والقاعدة: أن التواتر قد يصير آحادًا من غير عكس، فلا يرد عليهم ما قلتموه. قوله: (إنما كان يجب الإشاعة أن لو تضمن علمًا). قلنا: ولو تضمن علمًا لا يلزم حصوله بالإشاعة؛ لأن غايته أن يكون متواترًا كالقرآن، فيبقى يفيد الظن؛ لأجل الدلالة، لا لأجل السند. قوله: (لو وجب ذلك فيما تعم به البلوى لوجب في غيره). قلنا: الملازمة ممنوعة؛ لان ما تعم به البلوى الحاجة من المكلفين إليه أشد،

стр. 2918

فتتوفر دواعيهم على نقله، فيصير متواترًا، أو تكون داعيته- ﵇ أوفر لإلقائه للناس؛ لأن البيان يجب بحسب الحاجة وتتبعها، ولذلك قلنا، إن البيان في وقت الحاجة متعين. وقلنا في المفهوم: لعله بين لمن يحتاج، وسكت عن النوع الآخر من الغنم المعلوفة وغيرها؛ لأن مالكها المحتاج إلى البيان، ولم يحضر. (فرع) قال أبو الحسين في (المعتمد): يقبل خبر الواحد في العمليات، وإن كان عبادة مبتدأة، أو ركنًا، أو حدًا، أو ابتداء نصاب أو تقدير . ومنع أبو عبد الله من قبوله في الحدود؛ لأنها تندفع بالشبهة، وفي ابتداء الحدود، وابتداء النصب، وأن الصلوات بخلاف بواقي النصب، فيقبل في النصاب الزائد على خمسة أوسق؛ لأنه فرع، ولا يقبله في ابتداء العجاجيل والفصلان؛ لأنه أصل عنده، ويقبل في إسقاط الحدود دون ثبوتها. * * *

стр. 2919

القسم الثالث (في الأخبار) وفيه مسائل) المسألة الأولى: في كيفية ألفاظ الصحابة في نقل الأخبار عن رسول الله ﷺ -، وهو على سبع مراتب: المرتبة الأولى: أن يقول الصاحبي: (سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا، أو أخبرني رسول الله ﷺ ، أو حدثني رسول الله ﷺ ، أو شافهني رسول الله ﷺ ). المرتبة الثانية: أن يقول: (قال رسول الله ﷺ كذا) فهذا ظاهره، النقل إذا صدر عن الصحابي، وليس نصا صريحا؛ إذ قد يقول الواحد منا: (قال رسول الله ﷺ ) اعتمادا على ما نقل إليه، وإن لم يسمعه منه ﷺ ، أما إذا صدر عن غير الصحابي، فليس ظاهره ذلك. المرتبة الثالثة: أن يقول: (أمر رسول الله ﷺ بكذا، أو نهى عن كذا (وهذا يتطرق إليه الاحتمال الأول، مع احتمال آخر، وهو أن مذاهب الناس في صيغ الأوامر والنواهي مشهورة، فربما ظن ما ليس بأمر أمرا؛ ولأجله اختلف الناس في أنه، هل هو حجة، أم لا؟ والأكثرون على أنه حجة؛ لأن الظاهر من حال الراوي ألا يطلق هذا اللفظ إلا إذا تيقن مراد الرسول ﷺ . ولقائل أن يقول: (لم لا يكفي فيه الظن؟): فإن قلت: (لأن هذه الصيغة حجة، فلو أطلقه الراوي مع تجويزه خلافه، لكان قد أوجب على الناس ما يجوز واجبا عليهم؛ وذلك يقدح في عدالته):

стр. 2920

فنقول: على هذا؛ لا يمكنكم العلم بأن هذا الراوي ما أطلق هذه اللفظة إلا بعد علمه بمراد الرسول، إلا إذا علمتم أنه حجة، وأنتم إنما أثبتم كونه حجة بذلك؛ فلزم الدور. وفي المسألة احتمال ثالث، وهو أن قول الراوي: (أمر الرسول بكذا) ليس فيه لفظ يدل على أنه أمر الكل، أو البعض، دائما أو غير دائم -فلا يجوز الاستدلال به إلا إذا ضم إليه قوله ﵊: (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة). المرتبة الرابعة: أن يقول الصحابي: (أمرنا بكذا، أو أوجب كذا، ونهينا عن كذا، وأبيح كذا): قال الشافعي ﵁: (إنه يفيد أن الآمر هو الرسول ﵊) والكرخي خالف فيه. لنا وجهان: الأول: إن من التزم طاعة رئيس، فإنه متى قال: (أمرنا بكذا) فهم منه أمر ذلك الرئيس؛ ألا ترى أن الرجل من خدم السلطان، إذا قال في در السلطان: (أمرنا بكذا) فهم كل أحد من كلامه أمر السلطان. الثاني: أن غرض الصحابي: أن يعلمنا الشرع؛ فيجب حمله على من صدر الشرع عنه، دون الأئمة، ودون الولاة؛ فلا يحمل هذا القول على أمر الله تعالى؛ لأن أمره تعالى ظاهر للكل، لا نستفيده من قول الصحابي، ولا على أمر جماعة الأمة؛ لأن ذلك الصحابي من الأمة، وهو لا يأمر نفسه.

стр. 2921

المرتبة الخامسة: أن يقول الصحابي: (من السنة كذا) فهم منه سنة الرسول ﵊ للوجهين المذكورين. فإن قلت: (هذا غير واجب؛ للخبر، والعقل: أما الخبر: فقوله ﵊: (من سن سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها) وعنى به سنة غيره. وأما العقل: فهو أن السنة مأخوذة من الاستنان، وذلك غير مختص بشخص دون شخص): قلت: لا يمتنع ما ذكرتموه بحسب اللغة، ولكن بحسب الشرع يفيد ما قلنا. المرتبة السادسة: أن يقول الصحابي: (عن النبي ﷺ ) فقال قوم يحتمل أن يقال: إنه أخبره إنسان آخر عن الرسول ﷺ ، وهو لم يسمعه منه. وقال آخرون: بل الأظهر أنه سمعه منه. المرتبة السابعة: قول الصحابي: (كنا نفعل كذا) فالظاهر: أنه قصد أن يعلمنا بهذا الكلام شرعا، ولن يكون كذلك، إلا وقد كانوا يفعلونه في عهد النبي، ﷺ مع علمه بذلك، ومع أنه ﷺ ما كان ينكر ذلك عليهم؛ وهذا يقتضى كونه شرعا عاما. فأما إذا قال الصحابي قولا -لا مجال للاجتهاد فيه- فحسن الظن به يقتضي أن يكون قاله عن طريق، فإذا لم يمكن الاجتهاد، فليس إلا السماع من النبي ﷺ . القسم الثالث في الإخبار قال القرافي: قوله: (إذا قال: أمر رسول الله - ﷺ بكذا، فيه

стр. 2922

احتمال، وهو أن مذاهب الناس في صيغ الأوامر مشهورة، فربما ظن ما ليس بأمر أمرا): قلنا: لم يختلف الناس في أن الأمر هل وضعت له هذه الصيغة، أو هذه الصيغة؟ بل اتفق الجميع على أنه لا يسمى أمرا من الألفاظ إلا صيغ مخصوصة نحو: صم، وقم، ونحوه. فإذا قال: ﵇: (صوموا لرؤيته). يقول الناس أجمعون: إن رسول الله ﵇ أمر بالصوم من غير خلاف. إنما يختلفون هل المراد الوجوب أم لا؟ وهذا شيء يرجع إلى المعنى دون اللفظ. والمستفاد من الرواية إنما هو اللفظ، بخلاف الناسي لا تقدح في روايته، غير أنكم إن جوزتم أن يكون سمع لفظ الخبر، فسماه أمرا، أو نحو ذلك. فهذا قدح في الراوي؛ لأن الشرط في الرواية توفية اللفظ، وعدم تبديله إلا بما يراد فيه، ولا يغير معناه، لكن ظاهر العدالة يأبى ذلك. (فائدة) قال القاضي عبد الوهاب في (الملخص): قال جماعة من العلماء: قول الصحابي: أمر رسول الله ﷺ بكذا، أو نهى عن كذا، أو فرض كذا لا يقبل ؛ لأنه رواية بالمعنى، فلا بد من ذكر لفظ رسول الله - ﷺ بعينه. قوله: لو أوجب على الناس ما يجوز ألا يكون واجبا عليهم قدح ذلك في عدالته). قلنا: لا نسلم القدح، بل يكفيه في صحة الإسناد والنسبة إلى رسول الله - ﷺ أن يغلب على ظنه. إنما نسبته إله مرادة ما القطع فليس شرطا، وأين اليقين مع احتمال

стр. 2923

المجاز، والاشتراط والتخصيص، ونحوه من الأمور العشرة التي تقدم ذكرها في الإخلال بالمعنى من اللفظ؟ فاشتراط القطع لا سبيل إليه في الفعل. نعم قد تحصل قرائن تفيد اليقين، لكن لا نسلم أن حصولها شرط. ولذلك قال ﵇: (رحم الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها)، ولم يشترط اليقين. قوله: (لا يمكنكم العلم بأن هذا الراوي ما أطلق هذه اللفظة إلا بعد علمه بمراد الرسول - ﷺ إلا إذا علمتم كونه حجة، وأنتم إنما أثبتم كونه حجة بذلك، فيلزم الدور): تقريره: أن الملجأ لاعتقادنا ذلك في حق الراوي هو اعتقادنا أن روايته حجة، وكونه حجة يتوقف عليه، فيلزم الدور. ويرد عله أنا لم نستفد أنه لم يطلق اللفظ إلا بعد اعتقاده قطعه بمراد الرسول ﵇ من كون روايته حجة، بل من ظاهر حال، فتيقنه مراد الرسول ﵇ مستفاد من ظاهر حاله، ومتوقف على ظاهر الحال، وكون روايته حجة على تيقنه مراد الرسول، فهاهنا ثلاثة أمور ظاهر: متوقف عليه مطلقا، وكونه حجة متوقف مطلقا، وتيقنه مراد الرسول ﵇ متوقف عليه، فلا دور حينئذ. قوله: (عن النبي قال قوم: يحتمل أنه أخبره إنسان): تقريره: أن هذه الصيغة تحتمل في العامل في المجرور أمرين: أحدهما: تقديره: روايته عن النبي مشافهة. وثانيهما: نقل لي عن الني ﵇. والأول ظاهر حال الصحابي؛ لأن النفوس مجبولة على طلب علو السند، ورسول الله - ﷺ بين أظهرهم، والصحابي متمكن من سؤاله، فلا يتركه تحصيلا لزيادة الظن أو اليقين.

стр. 2924

قوله: (قول الصحابي: كنا نفعل كذا، إنما يقصد به أن يعلمنا شرعنا، وليس يكون ذلك إلا وقد كانوا يفعلونه في عهد النبي ﵇. قلنا: يكفي في تنبيهنا على شرعيته أن الرواي رأى السواد الأعظم يفعله، فيغلب على ظنه أنهم على الصواب، فيخربنا بذلك، سواء اطلع على علم النبي ﵇ أم لا. وقد كان مالك وجماعة من العلماء يعتمدون على أقضية الصحابة، وإن صدر ذلك من بعضهم، من غير أن ينضم إليه علم النبي - ﷺ بذلك؛ لقوله ﵇: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، فلعل هذا مدرك الراوي. * * *

стр. 2925

المسألة الثانية (في كيفية رواية غير الصحابي) قال الرازي: وهذا أيضا على سبع مراتب: المرتبة الأولى: أن يقول الراوي: (حدثني فلان، أو أخبرني فلان، أو سمعت فلانا)، فالسامع يلزمه العمل بهذا الخبر، وأما أن السامع كيف يروي؟ فنقول: إن الراوي: إن قصد إسماعه خاصة ذلك الكلام، أو كان هو في جمع، قصد الراوي إسماعهم -فله أن يقول ها هنا: (أخبرني، وسمعته يحدث عن فلان (. أما إن لم يقصد إسماعه، لا على التفصيل، ولا على الجملة -فله أن يقول: (سمعته يحدث عن فلان (لكن ليس له أن يقول: (أخبرني) ولا (حدثني)، لأنه لم يخبره، ولم يحدثه. المرتبة الثانية: أن يقال للراوي: هل سمعت هذا الحديث عن فلان؟ فيقول: (نعم) أو يقول بعد الفراغ من القراءة عليه: (الأمر كما قرئ علي) فها هنا العمل بالخبر لازم على السامع. وله أيضا أن يقول: (حدثني، أو أخبرني، أو سمعت فلانا) ألا ترى أنه لا فرق في الشهادة على البيع بين أن يقول البائع، وبين أن يقرأ عليه كتاب البيع؛ فيقول: (الأمر كما قرئ علي). المرتبة الثالثة: أن يكتب إلى غيره: بـ (إني سمعت كذا من فلان) فللمكتوب

стр. 2926

إليه أن يعمل بكتابه، إذا علم أنه كتابه، وإذا ظن أنه خطه، جاز له ذلك أيضا؛ لكن ليس له أن يقول: (سمعت، أو حدثني) لأنه ما سمع، ولا حدث؛ بل يجوز أن يقول: (أخبرني) لأن من كتب إلى غيره كتابا؛ يعرفه فيه واقعة، جاز له أن يقول: (أخبرني). المرتبة الرابعة: أن يقال له: (هل سمعت هذا الخبر؟ فيشير برأسه، أو بأصبعه) فالإشارة ها هنا كالعبارة في وجوب العمل، ولا يجوز أن يقول: (حدثني، أو أخبرني، أو سمعته) لأنه ما سمع شيئا. المرتبة الخامسة: أن يقرأ عليه: (حدثك فلان) فلا ينكر، ولا يقر بعبارة، ولا بإشارة -فها هنا: إن غلب على الظن: أنه ما سكت؛ إلا لأن الأمر كما قرئ عليه، وإلا كان ينكره- لزم السامع العمل به؛ لأنه حصل ظن أنه قول الرسول عليه -الصلاة والسلام- والعمل بالظن واجب. واختلفوا في جواز الرواية: فعامة الفقهاء والمحدثين جوزوه، والمتكلمون أنكروه. وقال بعض أصحاب الحديث: ليس له إلا أن يقول: (أخبرني قراءة عليه. وكذا الخلاف فيما لو قال القارئ للراوي بعد قراءة الحديث عليه: (أرويه عنك؟) فقال: (نعم). فالمتكلمون قالوا: لا تجوز له الرواية عنه ها هنا أيضا. حجة الفقهاء: أن الإخبار -في أصل اللغة- لإفادة الخبر والعلم، وهذا السكوت قدا أفاد العلم بأن هذا المسموع كلام الرسول ﵊، فوجب أن يكون إخبارا. وأيضا: فلا نزاع في أن لكل قوم من العلماء اصطلاحات مخصوصة

стр. 2927

يستعملونها في معان مخصوصة؛ إما لأنهم نقلوها بحسب عرفهم إلى تلك المعاني، أو لأنهم استعملوها فيها على سبيل التجوز، ثم صار المجاز شائعا، والحقيقة مغلوبة؛ ولفظ (أخبرني، وحدثني) ها هنا كذلك؛ لأن هذا السكوت شابه الإخبار في إفادة الظن؛ والمشابهة إحدى أسباب المجاز. وإذا كان هذا الاستعمال مجازا، ثم استقر عرف المحدثين عليه، صار ذلك كالاسم المنقول بعرف المحدثين، أو كالمجاز الغالب، وإذا ثبت ذلك، وجب جواز استعماله قياسا على سائر الاصطلاحات. حجة المتكلمين: أنه لم يسمع من الراوي شيئا؛ فقوله: (حدثني، وأخبرني، وسمعت) كذب. والجواب: ما تقدم من أنه بعد هذا النقل العرفي، لا نسلم أنه كذب. المرتبة السادسة: المناولة: وهي أن يشير الشيخ إلى كتاب يعرف ما فيه، فيقول: قد سمعت ما في هذا الكتاب؛ فإنه يكون بذلك محدثا، ويكون لغيره أن يروي عنه، سواء قال له: (أروه عني) أو لم يقل له ذلك، فأما إذا قال له: (حدث عني ما في هذا الجزء) ولم يقل له: (قد سمعته) فإنه لا يكون محدثا له؛ وإنما جاز التحدث له، وليس له أن يحدث به عنه؛ لأنه يكون كاذبا. وإذا سمع الشيخ نسخة من كتاب مشهور، فليس له أن يشير إلى نسخة أخرى من ذلك الكتاب، ويقول: (سمعت هذا) لأن النسخ تختلف، إلا أن يعلم أنهما متفقتان. المرتبة السابعة: الإجازة، وهي: أن يقول الشيخ لغيره: (قد أجزت لك أن تروي ما صح عني من أحاديثي).

стр. 2928

واعلم أن ظاهر الإجازة يقتضي أن الشيخ أباح له أن يحدث بما لم يحدثه به، وذلك إباحة الكذب، لكنه في العرف يجري مجرى أن يقول: (ما صح عندك أني سمعته، فاروه عني). المسألة الثالثة ذهب الشافعي ﵁ إلى أن المرسل غير مقبول . وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور المعتزلة: إنه مقبول. لنا: أن عدالة الأصل غير معلومة؛ فلا تكون روايته مقبولة، إنما قلنا: (إن عدالة الأصل غير معلومة) لأنه لم توجد إلا رواية الفرع عنه، ورواية الفرع عنه لا تكون تعديلا له؛ إذ المعدل قد يروي عمن لو سئل عنه، لتوقف فيه، أو لجرحه، وبتقدير أن يكون تعديلا: لا يقتضي كونه عدلا في نفسه؛ لاحتمال أنه لو عينه لنا، لعرفناه بفسق لم يطلع عليه المعدل؛ فثبت أن عدالته غير معلومة، وإذا كان كذلك، وجب ألا تقبل روايته؛ لأن قبول روايته يقتضي وضع شرع عام في حق كل المكلفين من غير رضاهم، وذلك ضرر، والضرر على خلاف الدليل؛ ترك العمل به فيما إذا علمت عدالة الراوي؛ فيبقى في الباقي على الأصل. فإن قيل: (لا نسلم أن عدالته غير معلومة): قوله: (لم يوجد إلا رواية الفرع عنه، ورواية الفرع عنه لا تكون تعديلا له؛ لأنه قد يروي عن العدل وغيره (: قلنا: لا نزاع في جوازه في الجملة؛ لكن لم لا يجوز أن يقال: (روايته عن العدل أرجح من روايته عن غيره؟):

стр. 2929

وبيانه من وجهين: الأول: أن الفرع مع عدالته لا يجتزئ أن يخبر عن الرسول ﷺ إلا وله الإخبار بذلك، ولا يكون له ذلك إلا وهو عالم، أو ظان بكونه قولا للرسول ﷺ ؛ لأنه لو استوى الطرفان، لحرك الإخبار، ولا يكون عالما، ولا ظانا بكونه قولا للرسول، إلا إذا علم، أو ظن عدالة الأصل. الثاني: أن الفرع مع عدالته ليس له أن يوجب شيئا على غيره، أو يطرحه عنه، إلا إذا علم أنه ﵊ أوجب ذلك، أو ظنه؛ فثبت بهذين الدليلين رجحان هذا الاحتمال؛ وهذا يقتضي كون الأصل عدلا ظاهرا؛ فوجب قبول روايته؛ كما في سائر العدول، وهذه هي النكتة التي عولوا عليها في وجوب قبول المرسل. ثم ما ذكرتموه من الدليل معارض بالنص، والإجماع، والقياس: أما النص: فعموم قوله تعالى: ﴿ولينذروا قومهم﴾ (التوبة: ١٢٢) وقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (الحجرات: ٦) فإذا جاء من لا يكون فاسقا، وجب القبول؛ والراوي للفرع ليس بفاسق؛ فوجب قبول خبره. وأما الإجماع: فإن البراء بن عازب قال: (ليس كل ما حدثناكم به عن رسول الله ﷺ سمعناه منه، غير أنا لا نكذب) وروى أبو هريرة عن النبي ﵊: (من أصبح جنبا، فلا صوم له) ثم ذكر أنه أخبره به الفضل ابن عباس. وروى ابن عباس ﵄ عنه ﷺ أنه قال: (لا ربا إلا في

стр. 2930

النسيئة) ثم أسنده إلى أسامة، وروى أيضًا (ما زال رسول الله ﷺ يلبي؛ حتى رمى جمرة العقبة) ثم ذكر أنه أخبره به الفضل بن عباس ﵄، وهذه الروايات تدل على جواز قبول المرسل. وأما القياس: فلأنه لو لم يقبل المرسل، لما قبل ما يجوز كونه مرسلًا، فكان ينبغي إذا قال الراوي: (عن فلان) ألا يقبل؛ لأنه لا يجوز أن يكون أخبر عنه. والجواب: قد بينا أن العدل يروي عن العدل، وعن من لا يكون عدلًا. قوله: (لم لا يجوز أن يقال: (روايته عن العدل أرجح من روايته عمن ليس بعدل؟). قلنا: لأنه إذا ثبت أنه لا منافاة بين كونه عدلًا، وبين روايته عمن ليس بعدل- كان ذلك ممكنًا بالنسبة إليه من حيث هو هو، والممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر، إلا بمرجح منفصل، فقيل حصول ذلك المرجح: لا يبقى إلا أصل الإمكان. قوله أولًا: (الفرع مع عدالته أخبر عن الرسول، ولا يجوز له ذلك الإخبار إلا وقد اعتقد عدالة الراوي): قلنا: الفرع إذا قال: (قال رسول الله ﷺ ) فهذا يقتضي الجزم بأن هذا القول قول رسول الله، والجزم بالشيء مع تجويز نقيضه كذب، وذلك يقدح في عدالة الراوي؛ فإذن: لا بد من صرف هذا اللفظ عن ظاهره؛ فليسوا بأن يقولوا: (المراد منه: أني أظن: أنه قال رسول الله ﷺ ) أولى من أن نقول نحن: (المراد منه: أني سمعت أنه قال رسول الله ﷺ ) ومعلوم أنه لو صرح بهذا القدر، لم يكن فيه تعديل للأصل؛ لأنه لو سمعه من كافر متظاهر بالكفر،

стр. 2931

لحل أن يقول: (سمعت أنه قال رسول الله ﷺ ) فعلمنا سقوط ما ذكروه. قوله ثانيًا: (الفرع مع عدالته ليس يجوز له أن يوجب شيئًا على غيره، إلا إذا علم، أو ظن: أنه- ﵊ أوجبه): قلنا: روايته إنما توجب على الغير شيئًا، لو ثبت كون الراوي عدلًا، فإذا بينتم إثبات كونه عدلًا؛ بأن هذه الرواية توجب على غيره شيئًا- لزم الدور، ثم نقول: ينتقض ما ذكرتموه من الوجهين بشاهد الفرع، إذا لم يذكر شاهد الأصل، فإن ما ذكرتموه قائم فيه، مع أنه لا تقبل شهادته. فإن قلت: (الفرق من وجهين: الأول: أن الشهادة تتضمن إثبات حق على عين، والخير يتضمن إثبات الحق على الجملة من دون تخصيص، ويدخل من التهمة في إثبات الحقوق على الأعيان على ما لا يدخل في إثباتها على الجملة- فجاز أن تؤكد الشهادة بما لا تؤكد به الرواية؛ كما أكدنا باعتبار العدد فيها، دون الرواية. الثاني: أن شهود الأصل لو رجعوا عن شهادتهم، لزمهم الضمان؛ على قول بعض الفقهاء، فإذا لم يؤمن أن يؤدى اجتهاد الحاكم إلى ذلك، لو رجعوا، وجب أن يعرفهم بأعيانهم؛ ليتأتى إلزامهم الضمان، إن هم رجعوا (: قلت: الجواب عن الأول: أن إثبات الحق على الأعيان، لو ترجح على إثبات الحق في الجملة من ذلك الوجه، فهذا يترجح على ذلك من وجه آخر؛ وهو أن الخبر يقتضي شرعًا عامًا في حق جميع المكلفين إلى يوم القيامة، فالاحتياط فيه أولى من الاحتياط في إثبات الحكم في حق مكلف واحد.

стр. 2932

وعن الثاني: أنه ملغي بما إذا كان شاهد الأصل قد مات، ولم يبق له في الدنيا دينار، ولا درهم؛ فكيف يمكن تضمينه؟!. وأما المعارضة الأولى: فجوابها: أن هذه النصوص خصصت في الشهادة؛ فوجب تخصيصها في الرواية؛ والجامع الاحتياط. وعن الثاني: أن هذه المسألة عندنا اجتهادية؛ فلعل بعض الصحابة كان قائلًا به، ومخالفوهم ما أنكروه عليهم؛ لكون المسألة اجتهادية. وأيضًا: فالصحابي الذي رأى الرسول، إذ قال: (قال رسول الله ﷺ ) كان الظاهر منه الإسناد، وإذا كان كذلك، وجب على السامع قبوله، ثم بعد ذلك، إذا بين الصحابي أنه كان مرسلًا، ثم بين إسناده، وجب أيضًا قبوله، ولم يكن قبوله في إحدى الحالتين دليلًا على العمل بالمرسل. وعن الثالث: أن مدار العمل بهذه الأخبار على الظن، فإذا قال الراوي: (قال فلان عن فلان) وقد أطال صحبته؛ كان ذلك دليلًا على أنه سمعه منه، ومتى لم يعلم أنه صحبه، لم يقبل حديثه. فروع: الأول: قال الشافعي- ﵁: لا أقبل المرسل، إلا إذا كان الذي أرسله مرة، أسنده أخرى؛ أقبل مرسله، أو أرسله هو، وأسنده غيره؛ وهذا إذا لم تقم الحجة بإسناده، أو أرسله راو آخر، ويعلم أن رجال أحدهما غير رجال الآخر، أو عضده قول صحابي، أو فتوى أكثر أهل العلم، أو علم أنه لو نص، لم ينص إلا على من يسوغ قبول خبره ... (قال: (وأقبل مراسيل سعيد بن

стр. 2933

المسيب؛ لأني اعتبرتها، فوجدتها بهذه الشرائط) قال: (ومن هذه حاله، أحببت قبول مراسليه، ولا أستطيع أن أقول: إن الحجة تثبت به، كثبوتها بالمتصل). قالت الحنفية: أما قوله: (أقبل مراسيل الراوي، إذا كان أسنده مرة): فبعيد؛ لأنه إذا أسند، قبل لأنه مسند، وليس لإرساله تأثير. وأما قوله: (يقبل مرسل الراوي، إذا كان قد أسنده غيره (فلا يصح؛ لما ذكرنا، ولأن ما ليس بحجة لا يصير حجة، إذا عضدته الحجة. وأما قوله: (أقبل المرسل، إذا كان أرسله اثنان، وشيوخ أحدهما غير شيوخ الآخر): فلا يصح؛ لأن ما ليس بحجة، إذا انضاف إليه ما ليس بحجة لا يصير حجة، إذا كان المانع من كونه حجة عند الانفراد قائمًا عند الاجتماع، وهو الجهل بعدالة راوي الأصل، وهذا بخلاف الشاهد الواحد؛ فإن المانع من قبول شهادته الانفراد، وهو يزول عند انضمام غيره إليه. والجواب: أن غرض الشافعي ﵁ من هذه الأشياء حرف واحد، وهو: أنا إذا جهلنا عدالة راوي الأصل، لم يحصل ظن كون ذلك الخبر صدقًا، فإذا انضمت هذه المقويات إليه، قوي بعض القوة، فحينئذ: يجب العمل به؛ إما دفعًا للضرر المظنون، وإما لقوله ﵊: (أقضي بالظاهر) - فظهر فساد هذا السؤال. الثاني: إذا أرسل الحديث، وأسنده غيره، فلا شبهة في قبوله عند من يقبل المرسل، وكذا عند من لا يقبله؛ لأن إسناد الثقة يقتضي القبول، إذا لم يوجد مانع، ولا يمنع منه إرسال المرسل؛ لأنه يجوز أن يكون أرسله؛ لأنه سمعه

стр. 2934

مرسلًا، أو سمعه متصلًا؛ لكنه نسي شيخ نفسه، وهو يعلم أنه ثقة في الجملة،. وكذا القول فيما إذا أرسله مرة، وأسنده أخرى؛ لأنه يجوز أن يوجد بعض ما ذكرنا. الثالث: إذا ألحق الحديث بالنبي، ووافقه غيره على الصحابي، فهو متصل؛ لأنه يجوز أن يكون الصحابي رواه عن الرسول ﷺ مرة، وذكر عن نفسه على سبيل الفتوى مرة، فرواه كل واحد منهما بحسب ما سمعه، أو سمعه أحدهما يرويه عن النبي ﷺ ، فنسي ذلك، وظن أنه ذكره عن نفسه. الرابع: إذا وصله بالنبي ﷺ مرة، ووقفه على الصحابي أخرى، فإنه يجعل متصلًا؛ لجواز أن يكون سمعه من الصحابي يرويه مرة عنه ﵊ ومرة عن نفسه، أو سمعه وصله بالنبي ﷺ ، فنسي ذلك، وظن أنه ذكره عن نفسه، فأما إذا أرسله، أو أوقفه زمانًا طويلًا، ثم أسنده أو وصله بعد ذلك فإنه لا يبعد أن ينسى ذلك الزمان الطويل، إلا أن يكون له كتاب يرجع إليه، فيذكر ما قد نسيه الزمان الطويل. الخامس: من يرسل الأخبار، إذا أسند خبرًا، هل يقبل أو يرد؟ أما من يقبل المراسيل، فإنه يقبله، وأما من لا يقبلها، فكثير منهم قبله أيضًا؛ لأن إرساله مختص بالمرسل، دون المسند؛ فوجب قبول مسنده. ومنهم من لم يقبله؛ قال: لأن إرساله يدل على أنه إنما لم يذكر الراوي؛ لضعفه؛ فستره له- والحالة هذه- خيانة. واختلف من قبل حديث المرسل، إذا أسنده، كيف يقبل؟ فقال الشافعي-

стр. 2935

رضي الله عنه-: (لا يقبل من حديثه إلا ما قال فيه: (حدثني، أو سمعت فلانًا، ولا يقبل، إذا أتى بلفظ موهم). وقال بعض المحدثين: لا يقبل إلا إذا قال: (سمعت فلانًا). وهؤلاء يفرقون بين أن يقال: (حدثني فلان،) و (أخبرني) فيجعلون الأول دالًا على أنه شافهه بالحديث، ويجعلون الثاني مرددًا بين المشافهة، وبين أن يكون إجازة له، أو كتب إليه، وهذه عادة لهم، وإن لم يكن بينهما فرق في اللغة. المسألة الرابعة (في التدليس) إذا روى الراوي الحديث عن رجل يعرف باسم، فلم يذكره بذلك، وذكره باسم لا يعرف به، فإن فعل ذلك؛ لأن من يروى عنه ليس بأهل أن يقبل حديثه، فقد غش الناس؛ فلا يقبل حديثه، وإن لم يذكر اسمه؛ لصغر سنه، لا لأنه ليس بثقة، فمن يقول: (يكفي ظاهر الإسلام في العدالة) قبل هذا الحديث، ومن يقول: (لا بد من التفحص عن عدالته بعد إسلامه): فمن لا يقبل المراسيل؛ فإنه لا يقبله؛ لأنه لم يتمكن من التفحص عن عدالته؛ حيث لم يذكر اسمه، فهو كالمرسل، ومن يقبل المراسيل، ينبغي أن يقبله؛ لأن عدالته تقتضي أنه لولا أنه ثقة عنده، لما ترك ذكر اسمه؛ فصار كما لو عدله. المسألة الخامسة (يجوز نقل الخبر بالمعنى) وهو مذهب الحسن البصري وأبي حنيفة والشافعي ﵃ خلافًا لابن سيرين وبعض المحدثين؛ ولكن بشرائط ثلاث:

стр. 2936

أحدها: ألا تكون الترجمة قاصرة عن الأصل؛ في إفادة المعنى. وثانيها: ألا تكون فيها زيادة، ولا نقصان. وثالثها: أن تكون الترجمة مساوية للأصل في الجلاء، والخفاء؛ لأن الخطاب تارة: يقع بالمحكم، وتارة: بالمتشابه؛ لحكم وأسرار استأثر الله بعلمها؛ فلا يجوز تغييرها عن وضعها. لنا وجوه: الأول: أن الصحابة نقلوا قصة واحدة، بألفاظ مختلفة مذكورة في مجلس واحد، ولم ينكر بعضهم على بعض فيه؛ وذلك يدل على قولنا. الثاني: أنه يجوز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال العربية بالعجمية، فبأن يجوز إبدالها بعربية أخرى كان أولى، ومن أنصف علم أن التفاوت بين العربية وترجمتها بالعربية أقل مما بينها وبين العجمية. الثالث: روي أنه- ﵊ قال: (إذا أصبتم المعنى، فلا يأس) وعن ابن مسعود: أنه كان إذا حدث قال: قال رسول الله ﷺ كذا، أو نحوه). الرابع؛ وهو الأقوى: أنا نعلم بالضرورة أن الصحابة الذين رووا عن رسول الله ﷺ هذه الأخبار ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، وما كانوا يكررون عليها في ذلك المجلس، بل كما سمعوها تركوها، وما ذكروها إلا بعد الأعصار والسنين؛ وذلك يوجب القطع بتعذر روايتها على تلك الألفاظ. احتج المخالف: بالنص، والمعقول: أما النص: فقوله- ﵊: (رحم الله امرءًا سمع مقالتي،

стр. 2937

فوعاها، ثم أداها كما سمعها (قالوا: وأداؤها كما سمعها: هو أداء اللفظ المسموع، ونقل الفقه إلى من هو أفقه منه معناه، والله أعلم: أن الأفطن ربما فطن؛ بفضل فقهه من فوائد اللفظ لما لم يفطن له الراوي؛ لأنه ربما كان دونه في الفقه. وأما المعقول: فمن وجهين: الأول: أنه لما جربنا، رأينا: أن المتأخر ربما استنبط من فوائد آية أو خبر ما لم يتنبه له أهل الأعصار السالفة من العلماء والمحققين، فعلمنا أنه لا يجب في كل ما كان من فوائد اللفظ: أن يتنبه له السامع في الحال، وإن كان فقيهًا ذكيًا، فلو جوزنا النقل بالمعنى، فربما حصل التفاوت العظيم، مع أن الراوي يظن أنه لا تفاوت. الثاني: أنه لو جاز للراوي تبديل لفظ الرسول ﷺ بلفظ نفسه، كان للراوي الثاني تبديل اللفظ الذي سمعه بلفظ نفسه، بل هذا أولى؛ لأن جواز تبديل لفظ الراوي أولى من جواز تبديل لفظ الشارع، وكذا في الطبقة الثالثة والرابعة، وذلك يفضي إلى سقوط الكلام الأول؛ لأن الإنسان وإن اجتهد في تطبيق الترجمة؛ لكن لا ينفك عن تفاوت، وإن قل، فإذا توالت هذه التفاوتات، كان التفاوت الأخير تفاوتًا فاحشًا؛ بحيث لا يبقى بين الكلام الأخير وبين الأول نوع مناسبة. والجواب عن الأول: أن من أدى تمام معنى كلام الرجل، فإنه يوصف بأنه أدى كما سمع، وإن اختلفت الألفاظ، وهكذا الشاهد والترجمان يقع عليهما الوصف بأنهما أديا كما سمعا، وإن كان لفظ الشاهد خلاف لفظ المشهود عليه، ولغة المترجم غير لغة المترجم عنه.

стр. 2938

وعن الثاني والثالث: ما تقدم من قبل. المسألة السادسة الراويان، إذا اتفقا على رواية خبر، وانفرد أحدهما بزيادة، وهما ممن يقبل حديثهما: فإما أن يكون المجلس واحدًا، أو متغايرًا: فإن كان متغايرًا، قبلت الزيادة؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الرسول- ﵊ ذكر الكلام في أحد المجلسين مع زيادة، وفي المجلس الثاني بدون تلك الزيادة، وإذا كان كذلك فنقول: عدالة الراوي تقتضي قبول قوله، ولم يوجد ما يقدح فيه فوجب قبوله، وإن كان المجلس واحدًا، فالذين لم يرووا الزيادة: إما أن يكونوا عددًا لا يجوز أن يذهلوا عما يضبطه الواحد، أو ليسوا كذلك: فإن كان الأول: لم تقبل الزيادة، وحمل أمر راويها على أنه يجوز مع عدالته: أن يكون قد سمعها من غير النبي ﷺ ، وظن أنه قد سمعها منه. وإن كان للثاني: فتلك الزيادة: إما ألا تكون مغيرة لإعراب الباقي، أو تكون: فإن لم تغير إعراب الباقي، قبلت الزيادة عندنا إلا أن يكون الممسك عنها أضبط من الراوي لها؛ خلافًا لبعض المحدثين. لنا: أن عدالة راوي الزيادة تقتضي قبول خبره، وإمساك الراوي الثاني عن روايتها لا يقدح فيه؛ لاحتمال أن يقال: إنه كان حال ذكر الرسول- ﵊ تلك الزيادة عرض له سهو أو شغل قلب، أو عطاس، أو دخول إنسان أو فكر أهذله عن سماع تلك الزيادة، وإذا وجد المقتضي لقبول الخبر خاليًا عن المعارض، وجب قبوله. فإن قلت: (كما جاز السهو على الممسك، جاز أيضًا على الراوي):

стр. 2939

قلت: لا نزاع في الجواز- على الجملة لكن الأغلب على الظن: أن راوي الزيادة أبعد عن السهو؛ لأن ذهول الإنسان عما سمعه أكثر من توهمه فيما لم يسمع أنه سمعه؛ بلى، لو صرح الممسك بنفي الزيادة، وقال: إنه- ﵊ وقف على قوله: (فيما سقت السماء العشر) فلم يأت بعده بكلام آخر، مع انتظاري له- فها هنا يتعارض القولان؛ ويصار إلى الترجيح. أما إذا كانت الزيادة مغيرة لإعراب الباقي؛ كما إذا روى أحدهما: (أدوا عن كل حر، أو عبد صاعًا من بر) ويروي الآخر: (نصف صاعٍ من بر) فالحق: أنها لا تقبل؛ خلافًا لأبي عبد الله البصري. لنا: أنه حصل التعارض؛ لأن أحدهما، إذا رواه (صاعًا) فقد رواه بالنصب، والآخر، إذا روى (نصف صاع) فقد روى الصاع بالجر، والنصب ضد الجر، فقد حصل التعارض، وإذا كان كذلك، وجب المصير إلى الترجيح. فرع: الراوي الواحد، إذا روى الزيادة مرة، ولم يروها غير تلك المرة: فإن أسندهما إلى مجلسين، قبلت الزيادة، سواء غيرت إعراب الباقي، أو لم تغير، وإن أسندهما إلى مجلس واحد، فالزيادة: إن كانت مغيرة للإعراب، تعارضت روايتاه؛ كما تعارضتا من راويين. وإن لم تغير الإعراب: فإما أن تكون روايته للزيادة مرات أقل من مرات الإمساك، أو بالعكس، أو يتساويان: فإن كانت مرات الزيادة أقل من مرات الإمساك، لم تقبل الزيادة؛ لأن حمل الأقل على السهو أولى من حمل الأكثر عليه، اللهم إلا أن يقول الراوي: إني سهوت في تلك المرات، وتذكرت في هذه المرة، فها هنا: يرجح المرجوح على الراجح؛ لأجل هذا التصريح.

стр. 2940

وإن كانت مرات الزيادة أكثر، قبلت لا محالة؛ لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا: أن حمل الأقل على السهو أولى. والثاني: ما ذكرنا: أن حمل السهو على نسيان ما سمعه أولى من حمله على توهم أنه سمع ما لم يسمعه. وأما إن تساويا: قبلت الزيادة؛ لما بينا: أن هذا السهو أولى من ذلك، والله أعلم. المسألة الثانية (في كيفية رواية غير الصحابي) قال القرافي: قوله: (السكون يفيد العلم): تقريره: أنه يريد بالعلم الظن، كما في قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: ظننتموهن. فإن الإيمان أمر باطن يظن بظاهر الحال، ولا يعلم. قوله: (صار هذا الاصطلاح كالاسم المنقول، أو كالمجار الراجح): قلنا: كل مجاز راجح منقول، كما تقدم في كتاب اللغات، فلا معنى للترديد بينهما، إلا أن يريدوا بالمنقول النقل لأمر لا علاقة فيه، فيكون منقولًا غير مجاز راجح؛ لانتفاء أصل العلاقة، التي هي شرط في المجاز، كما في لفظ الجوهر والذات، وقد تقدم بسطه عند الكلام على المجاز الراجح والمنقول. قال إمام الحرمين في (البرهان): إن كان الشيخ يحيط بما يقوله الراوي، ولو عرض تصحيف، أو غيره لرده، فسكوته كنطقه بالحديث. ويكفي أن يكون عنده نسخة متقنة، ولا يشترط حفظ الأحاديث، وإن كان

стр. 2941

لا ينظر في النسخة، ولو دلس عليه لما شعر، فهو سماع باطل؛ لأنه لا فرق بين سماعه أصواتًا، وبين سماعه أجراسًا. وتردد القاضي فيه إذا كانت النسخة بيد غير الشيخ، والناظر فيها عدل مؤتمن لا يقصر في اجتهاده، والأظهر أنه لا يصح؛ لأن الشيخ لم ينتهض فيهما، والرواية فهم وإفهام، والشيخ هاهنا لم يفهم، ولم يحمل شيئًا، ولم يتحمل عنه. والإجازة مراتب، أعلاها الإشارة إلى الكتاب، وربطه إجازة الرواية به مع الإخبار عن صحة السماع فيه، وقد يؤكد بعض المحدثين هذا القسم بالمناولة للكتاب المتحمل عنه، ويقول: دونك هذا فاروه عني. قال: وليس في ذلك تأكيد. وثانيها: أن يفوض إليه تصحيح المسموعات، ولم ينص عليها، فهذا عسر، ويتطرق إليه في التصحيح احتمالات تحزم الثقة. وثالثها: أن يعول المتلقي على خطوط مشتملة على سماع الشيخ، فلا يكفي ذلك إلا أن يتحقق سماعًا موثوقًا به، وهو بعيد. وإذا روى الذي أجيز، ذكر أن جهة تلقيه الإجازة؛ لأنه أدفع للبس. (مسألة) قال الغزالي في (المستصفى): إذا كان في مسموعاته عن الزهري حديث شك في سماعه عنه ،

стр. 2942

فلا يجوز له نسبته للزهري، وإن اختلط بغيره امتنعت روايته لتلك الأحاديث كلها. (مسألة) قال الغزالي في (المستصفى): إذا غلب على ظنه أن الحديث من مسموعاته من الزهري لم يجز له الرواية بالظن . وقيل: يجوز قياسًا على الشهادة؛ لأنها تجوز بالظن. (مسألة) قوله: (عدالة الأصل غير معلومة): قلنا: إن أردتم العلم على بابه، فهو غير مشترط في العدالة، بل يكفي الظن.

стр. 2943

وإن أردتم الظن، فلا نسلم أنه غير حاصل، بل ظاهر حال الراوي أنه لما روى عنه، وسكت عنه كان ذلك دليل عدالته، وإلا لكان ذلك قدحًا في الدين، ومنافيًا للعدالة. وإذا كان يعتقد عدالة الأصل الذي روى عنه، فالظاهر أنه عدل في نفس الأمر؛ لأن هذا هو غاية اعتقادنا نحن العدالة؛ لأنه فحص كما نفحص نحن عنه. قوله: (المعدل قد يروي عمن لو سئل عنه لتوقف فيه أو جرحه): قلنا: ذلك إذا صرح باسمه، أما إذا سكت عنه فقد التزم عدالته، ولم يفوضها إلينا لننظر فيها، والظاهر أنه إنما يذممه، وقد رضيه. (فائدة) قال إمام الحرمين في (البرهان): (العمدة في قبول المرسل التفصيل)، فحيث حصلت غلبة الظن قبل . فإن قال الراوي: سمعت رجلًا لم نقبل، أو سمعت عدلًا موثوقًا به

стр. 2944

رضا، والراوي ممن يقبل تعديله- قبل هذا المرسل؛ لأنا لا نشترط في الراوي أن يعرفه كل أحد. وكذلك إذا قال الإمام الراوي: قال رسول الله ﷺ فهو بالغ في ثقة من روى عنه (وعلى هذا النحو قال: ورأيت في كلام الشافعي ما يوافق هذا. قال: وقد سمى الأستاذ أبو بكر قول التابعي: قال رسول الله ﵇ (مسندًا (، وقول تابعي التابعي: قال الصحابي (منقطعًا (، وذكر الواسطة إجمالًا (مرسلًا) نحو: سمعت رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ وفي كلام الشافعي إشارة إلى هذا، وهو اصطلاح. قوله: (حجة الخصم قوله تعالى: ﴿ولينذروا قومهم﴾ [التوبة: ١٢٢]): تقريره: أن الله -تعالى- اعتبر في الآية مطلق الإنذار، فيكون هو سبب التكليف حيث وجد، وقد وجد في المرسل، فثبت التكليف. ويرد عليه أن الصيغة مطلقة لا عموم فيها، والمطلق لا عموم فيه، فلا يتناول جميع الصور، فلا يتناول صورة النزاع. قوله: (لا منافاة بين كون الفرع عدلًا، وبين روايته عمن ليس بعدل): قلنا: إن أردتم عدم المنافاة قطعًا فمسلم، لكن تكفي المنافاة ظاهرًا، وأنها حاصلة، فإن ظاهر حاله يقتضي أنه لا يتذمم إلا من هو عدل، فيكون كونه غير عدل منافيًا لظاهر حاله. قوله: (إذا قال الراوي: قال رسول الله ﷺ فذلك يقتضي الجزم على أن معناه: (أني أظن أن رسول الله ﷺ قال (بأولى من حمله على أن معناه: (أني سمعت ذلك عن رسول الله ﷺ ).

стр. 2945

قلنا: لا نسلم أنه ليس أحدهما أولى؛ لأن قوله: قال رسول الله ﷺ يقتضي إسناد القول لرسول الله ﷺ . أما (سمعت) فليس فيه تنقية لاعتقاده ذلك الإسناد؛ فإنه مع هذه العبارة قد يقطع بكذب القائل للمسلمين: سمعت الكافر يقول: إن الله قال كذا؛ لما نقطع بكذبه، وليس في هذه العبارة إلا إسناد سمعه لذلك القائل، فهي أبعد عن المجاز عن الجزم بالإسناد، فكانت أولى. قوله: (رواية الراوي إنما توجب على الغير شيئًا أن لو ثبت كون الراوي الأصل عدلًا، فإذا أثبتم أنه عدل بأن هذه الرواية توجب على الغير شيئًا لزم الدور (. قلنا: لا يلزم الدور؛ لأن الإيجاب على الغير استفدناه من عبارته؛ لأنه أسند الإيجاب علينا إلى رسول الله ﷺ فإسناده هو الموجب لا عدالة الأصل. وهاهنا ثلاثة أمور: أولها: إسناده الإيجاب علينا، المرتب على إسناده. وثانيها: ظاهر الحال الناقل إلينا، وهو المفيد لعدالة الراوي بسبب تذممه له وعدالة الراوي متوقفة عليه. وثالثها: عدالة الراوي، فلا دور. قوله: (شاهد الفرع لا بد أن يذكر شاهد الأصل). قلنا: للفرق بينه وبين الرواية أن شاهد الفرع كالنائب والوكيل في تبليغ تلك الشهادة، ولذلك إذا فسق الأصل بطلت شهادة الفرع، ولا يشهد الفرع حتى يقول له الأصل: اشهد علي؛ فإني أشهد على فلان بكذا، وأذنت لك في النقل، وأما الفرع في الرواية، فليس نائبًا عن أصله؛ لأنه لا يشترط إذنه
следующие страницы →