Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
لا ينظر في النسخة، ولو دلس عليه لما شعر، فهو سماع باطل؛ لأنه لا فرق بين سماعه أصواتًا، وبين سماعه أجراسًا.
وتردد القاضي فيه إذا كانت النسخة بيد غير الشيخ، والناظر فيها عدل مؤتمن لا يقصر في اجتهاده، والأظهر أنه لا يصح؛ لأن الشيخ لم ينتهض فيهما، والرواية فهم وإفهام، والشيخ هاهنا لم يفهم، ولم يحمل شيئًا، ولم يتحمل عنه.
والإجازة مراتب، أعلاها الإشارة إلى الكتاب، وربطه إجازة الرواية به مع الإخبار عن صحة السماع فيه، وقد يؤكد بعض المحدثين هذا القسم بالمناولة للكتاب المتحمل عنه، ويقول: دونك هذا فاروه عني.
قال: وليس في ذلك تأكيد.
وثانيها: أن يفوض إليه تصحيح المسموعات، ولم ينص عليها، فهذا عسر، ويتطرق إليه في التصحيح احتمالات تحزم الثقة.
وثالثها: أن يعول المتلقي على خطوط مشتملة على سماع الشيخ، فلا يكفي ذلك إلا أن يتحقق سماعًا موثوقًا به، وهو بعيد.
وإذا روى الذي أجيز، ذكر أن جهة تلقيه الإجازة؛ لأنه أدفع للبس.
(مسألة)
قال الغزالي في (المستصفى): إذا كان في مسموعاته عن الزهري حديث شك في سماعه عنه ،
стр. 2942
فلا يجوز له نسبته للزهري، وإن اختلط بغيره امتنعت روايته لتلك الأحاديث كلها.
(مسألة)
قال الغزالي في (المستصفى): إذا غلب على ظنه أن الحديث من مسموعاته من الزهري لم يجز له الرواية بالظن .
وقيل: يجوز قياسًا على الشهادة؛ لأنها تجوز بالظن.
(مسألة)
قوله: (عدالة الأصل غير معلومة):
قلنا: إن أردتم العلم على بابه، فهو غير مشترط في العدالة، بل يكفي الظن.
стр. 2943
وإن أردتم الظن، فلا نسلم أنه غير حاصل، بل ظاهر حال الراوي أنه لما روى عنه، وسكت عنه كان ذلك دليل عدالته، وإلا لكان ذلك قدحًا في الدين، ومنافيًا للعدالة.
وإذا كان يعتقد عدالة الأصل الذي روى عنه، فالظاهر أنه عدل في نفس الأمر؛ لأن هذا هو غاية اعتقادنا نحن العدالة؛ لأنه فحص كما نفحص نحن عنه.
قوله: (المعدل قد يروي عمن لو سئل عنه لتوقف فيه أو جرحه):
قلنا: ذلك إذا صرح باسمه، أما إذا سكت عنه فقد التزم عدالته، ولم يفوضها إلينا لننظر فيها، والظاهر أنه إنما يذممه، وقد رضيه.
(فائدة)
قال إمام الحرمين في (البرهان): (العمدة في قبول المرسل التفصيل)، فحيث حصلت غلبة الظن قبل .
فإن قال الراوي: سمعت رجلًا لم نقبل، أو سمعت عدلًا موثوقًا به
стр. 2944
رضا، والراوي ممن يقبل تعديله- قبل هذا المرسل؛ لأنا لا نشترط في الراوي أن يعرفه كل أحد.
وكذلك إذا قال الإمام الراوي: قال رسول الله ﷺ فهو بالغ في ثقة من روى عنه (وعلى هذا النحو قال: ورأيت في كلام الشافعي ما يوافق هذا.
قال: وقد سمى الأستاذ أبو بكر قول التابعي: قال رسول الله ﵇ (مسندًا (، وقول تابعي التابعي: قال الصحابي (منقطعًا (، وذكر الواسطة إجمالًا (مرسلًا) نحو: سمعت رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ وفي كلام الشافعي إشارة إلى هذا، وهو اصطلاح.
قوله: (حجة الخصم قوله تعالى: ﴿ولينذروا قومهم﴾ [التوبة: ١٢٢]):
تقريره: أن الله -تعالى- اعتبر في الآية مطلق الإنذار، فيكون هو سبب التكليف حيث وجد، وقد وجد في المرسل، فثبت التكليف.
ويرد عليه أن الصيغة مطلقة لا عموم فيها، والمطلق لا عموم فيه، فلا يتناول جميع الصور، فلا يتناول صورة النزاع.
قوله: (لا منافاة بين كون الفرع عدلًا، وبين روايته عمن ليس بعدل):
قلنا: إن أردتم عدم المنافاة قطعًا فمسلم، لكن تكفي المنافاة ظاهرًا، وأنها حاصلة، فإن ظاهر حاله يقتضي أنه لا يتذمم إلا من هو عدل، فيكون كونه غير عدل منافيًا لظاهر حاله.
قوله: (إذا قال الراوي: قال رسول الله ﷺ فذلك يقتضي الجزم على أن معناه: (أني أظن أن رسول الله ﷺ قال (بأولى من حمله على أن معناه: (أني سمعت ذلك عن رسول الله ﷺ ).
стр. 2945
قلنا: لا نسلم أنه ليس أحدهما أولى؛ لأن قوله: قال رسول الله ﷺ يقتضي إسناد القول لرسول الله ﷺ .
أما (سمعت) فليس فيه تنقية لاعتقاده ذلك الإسناد؛ فإنه مع هذه العبارة قد يقطع بكذب القائل للمسلمين: سمعت الكافر يقول: إن الله قال كذا؛ لما نقطع بكذبه، وليس في هذه العبارة إلا إسناد سمعه لذلك القائل، فهي أبعد عن المجاز عن الجزم بالإسناد، فكانت أولى.
قوله: (رواية الراوي إنما توجب على الغير شيئًا أن لو ثبت كون الراوي الأصل عدلًا، فإذا أثبتم أنه عدل بأن هذه الرواية توجب على الغير شيئًا لزم الدور (.
قلنا: لا يلزم الدور؛ لأن الإيجاب على الغير استفدناه من عبارته؛ لأنه أسند الإيجاب علينا إلى رسول الله ﷺ فإسناده هو الموجب لا عدالة الأصل.
وهاهنا ثلاثة أمور:
أولها: إسناده الإيجاب علينا، المرتب على إسناده.
وثانيها: ظاهر الحال الناقل إلينا، وهو المفيد لعدالة الراوي بسبب تذممه له وعدالة الراوي متوقفة عليه.
وثالثها: عدالة الراوي، فلا دور.
قوله: (شاهد الفرع لا بد أن يذكر شاهد الأصل).
قلنا: للفرق بينه وبين الرواية أن شاهد الفرع كالنائب والوكيل في تبليغ تلك الشهادة، ولذلك إذا فسق الأصل بطلت شهادة الفرع، ولا يشهد الفرع حتى يقول له الأصل: اشهد علي؛ فإني أشهد على فلان بكذا، وأذنت لك في النقل، وأما الفرع في الرواية، فليس نائبًا عن أصله؛ لأنه لا يشترط إذنه
стр. 2946
في النقل عنه، بل إذا سمعه يحدث نقل عنه، وإن لم يقصده؛ غايته أنه لا يقول: حدثني، لكنه يقول سمعته.
ولو فسق الأصل بعد صحة التحمل جازت الرواية؛ لأن الخلق أجمعين مأمورون بتبليغ الشرائع إلى يوم القيامة، فليس أحد فيها ينوب عن أحد، بل كل واحد يقوم بالواجب عليه.
(سؤال)
المرسل في الاصطلاح هو أن يسقط من السند صحابي، والإرسال خاص بالتابعين .
والقاعدة: أن الصحابة كلهم عدول، فكيف يتأتى على هذا التقدير الخلاف في قبول المرسل؟ لأن المسكوت عنه معلوم العدالة، فلا فرق بين ذكره والسكوت عنه، وإنما يفيد ذكره إذا كان محتملًا لعدم العدالة.
فإن قلت: احتمل أن يروي التابعي عن صحابي، وعن تابعي، فصار في ذكر الراوي الأصل، قلت: هذا هو المنقطع في اصطلاح المحدثين، فينبغي أن تفهرس المسألة بالمنقطع لا بالمرسل.
فإن قلت: الصحابة عدول إلا عند قيام المعارض؛ لأنهم ليسوا بمعصومين، فلعل الذي روى التابعي عنه من الصحابة لو صرح به لوجدناه قد حدث له موجب الرد.
كما اتفق لماعز والغامدية، وسارق رداء صفوان، وقذفة المغيرة.
قلت: هذا وإن كان محتملًا إلا أنه بعيد نادر، والاحتمال النادر لا يوجب رد الحديث، فلا يرد المرسل لهذا الاحتمال النادر.
كما أن العدل إذا ثبت عدالته بالتزكية، أو الإخبار يجوز الاعتماد على
стр. 2947
روايته، مع احتمال أن يكون قد طرأ عليه بعد إخبارنا، أو بعد التزكية سبب الرد لروايته.
لكن ذلك ملغى إجماعًا، فكذلك هاهنا.
وفي آخر الكتاب تتمة هذا البحث، وذكر جمل الاصطلاحات في المرسل، والمنقطع، والمقطوع، والمعضل، وغير ذلك مما يتسعان به على هذه المسألة ونحوها من هذا الكتاب، فيطالع من آخر كتاب الأخبار.
مع أن سيف الدين قال: (صورة المرسل أن من لم يلق النبي ﷺ يقول: قال رسول الله ﷺ ) - فلم يفرق بين المعضل والمرسل، ثم قال: قبله أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماهير المعتزلة.
وقبل ابن أبان مراسيل الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، ومن هو من أئمة النقل مطلقًا دون من عدا هؤلاء.
قال: (والمختار قبول مرسل العدل مطلقًا)، وهذا الكلام يشعر بأن الاصطلاح في هذه المسألة عند الفقهاء والأصوليين غير اصطلاح المحدثين، وأن المرسل لا يختص بالتابعين، فيتأتى الخلاف حينئذ.
حتى قال سيف الدين: إذا أرسل العدل في زماننا قبل.
قال إمام الحرمين في (البرهان): للمرسل صور:
يقول التابعي: قال رسول الله- ﵇، أو بعض الرواة في الأعصار المتأخرة عنه: قال رسول الله ﷺ .
стр. 2948
أو يقول أحد من أهل عصر: قال فلان وما لقيته.
أو يقول الراوي: أخبرني رجل، أو فلان، ولم يسمه، أو أخبرني موثوق به، ولم يسمه.
ومن الصور: الكتب التي كتب بها رسول الله ﷺ للجهل بناقلها.
(مسألة)
يجوز نقل الخبر بالمعنى .
قال سيف الدين: يحرم نقله بالمعنى الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وابن حنبل، والحسن البصري، وأكثر الأئمة [قالوا] إن كان الناقل غير عارف بدلالات الألفاظ، ومواقع دلالتها [فلا].
فإن كان عارفًا بذلك فالأولى له النقل لنفس اللفظ.
وقال ابن سيرين وجماعة من السلف: يجب نقل اللفظ مطلقًا.
وقيل: يجوز إبدال اللفظ بمرادفه، ولا يجوز فيما عدا ذلك.
стр. 2949
قوله: (يجوز بثلاث شرائط: ألا تكون عبارة الراوي قاصرة، ألا يزيد ولا ينقص، وأن يساوي في الجلاء والخفاء).
تقريره: أن هذا الشرط الأخير ينبغي أن يكون أولًا، ويكون التقرير هكذا: أن العبارة النبوية إن كانت مجملة، وجب أن تكون هذه مجملة خفية، أو دالة جلية، وجب أن تكون الأخرى كذلك؛ لئلا يفوت مقصود صاحب الشرع من امتحان المكلفين بالخطاب بالمجمل للتثبيت، وبالواضع للمبادرة لتحصيل مصلحة الفعل، وإذا كانت العبارة الأصلية دالة، فلا تكون الثانية أقل دلالة منها، بل مثلها أو أزيد؛ فإن إحدى العبارتين قد تكون أكثر استعمالًا، فيقوى جلاؤها، وقد تكون أقل استعمالًا، فيقل جلاؤها.
وإذا استويا في الجلاء أو زادت الترجمة، فلا يجوز أن تكون الترجمة أزيد في المعنى، ولا أنقص، فقد تستوي العبارتان في الجلاء، وتكون إحداهما أزيد، أو أنقص كما تقول: إن لفظ العشرة مساو للعشرين في الجلاء؛ لأن ألفاظ الأعداد كلها نصوص جلية، و (العشرون (أزيد معنى، و (العشرة) أنقص، وكما نقول: (المشركون) عام، و (اليهود) عام، وهما لفظان مستويان في الظهور؛ لكون كل واحد منها من صيغ العموم، ومع ذلك لفظ المشركين أزيد، ولفظ الرهبان أنقص، فينبغي أن يكون الثالث أولًا، والأول ثانيًا، والثاني ثالثًا في مقتضى الترتيب الطبيعي في صحة الوضع.
قوله: (يجوز تفسير الشرع للعجمي بالعجمية، فترجمة العربي بالعربية أولى؛ لأن المخالفة أقل).
قلنا: ليس أولى؛ لأن العجم لا يفهمون لسان العرب، كما ينبغي، أو لا يفهمونه البتة، فدعت الضرورة لذلك، ولا ضرورة في تغيير لفظ رسول الله - ﷺ للعرب، فيكون الفرع قاصرًا عن الأصل؛ لأنه أولى بالثبوت.
стр. 2950
قوله: (الصحابة -رضوان الله عليهم- رووا هذه الأخبار بعد السنين والأعصار، فلا يكون اللفظ عندهم، بل المعنى).
قلنا: قد تقدم أن الله -تعالى- جعل من جملة خصائص هذه الأمة المحمدية أن سلفها كانوا يحفظون الكلام الطويل من السماع الواحد، ولا ينسونه مع تطاول الأعصار، حتى كان أبو هريرة ﵁ يسد أذنه إذا مشى في السوق؛ لأنه كان متى سمع شيئًا حفظه، وما يريد أن يعلق بنفسه ما لا يشتهيه، وكان جل الصحابة على ذلك، وبذلك صاروا بحار علوم، وسادات المجتهدين من غير درس، ولا تكرار، ولا مطالعة كتاب حتى قال الحسن البصري، وهو من سادات التابعين علمًا وعملًا: أدركت أقوامًا كانت نسبة أحدنا إليهم كنسبة البقلة إلى النخلة، وكان التابعون على نحو من ذلك، فقد أملى ربيعة على مالك أربعين حديثًا بأسانيدها مرة واحدة، فأعادها عليه مالك، وغلط في (واو (، فقال لربيعة أو قال على وجه الشك، فقال له ربيعة: (دعنا، ساء حفظ الناس اليوم (وأحاديثهم أعظم من ذلك لا يسمح هذا الموضع ذكرها، فلا عجب أن يرووا بعد السنين أن التشبيه بين اللفظ واللفظ أقوى من التشبيه بين اللفظ والمعنى، ويرد عليه أن (المقالة (أصلها أن تكون موضع القول مثل: مسبعة ومذابة مكان السباع والذئاب، يقال ذلك للمكان الذي يكثر فيه ذلك.
وأصلها مقولة، ومكان القول إنما هو المعنى، وإلا لكان اللفظ مكانًا لنفسه، وهو محال.
فيكون التشبيه على هذا أن السامع عند التحمل انطبع في ذهنه من الكلام صورة، فأمر أن يحصل في ذهن السامع منه صورة ذهنية مساوية للصورة التي حصلت له في ذهنه عند التحمل، فيكون المراد بالحديث التشبيه في المعنى
стр. 2951
لا في اللفظ، فعلى الأول يكون معنى قوله ﵇: (..... حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
أن الثاني فهم من اللفظ ما لم يفهمه الأول، وعلى الثاني يكون معناه: الثاني فهم من لوازم ذلك المعنى ما لم يفهمه الأول؛ فإنه قد تستوي الصورتان في ذهن الرجلين، ويكون أحدهما أفهم للوازم ذلك المعنى أكثر من الآخر.
قوله: (المتأخرون ربما استنبطوا من معاني الألفاظ ما لم يخطر للمتقدمين، فلو جوزنا أن يأتي بلفظ بدل ما فهمه من المعنى، لكان قد ترك ما عساه يفهمه المتأخر من اللفظ الأول لو نقله له (.
قلنا: نحن اشترطنا أن يعلم الراوي أنه لا تفاوت بين المعنيين، فيكون النزاع في تحقق الشرط.
هل تحقق أم لا؟.
لا في جواز النقل بالمعنى.
فهذه مسألة أخرى ترجع إلى غير تحقق الشرط في كثير من الصور.
لكن ذلك لا يمنعه في كثير من الصور.
وبه نجيب عن قوله: (إذا تكررت الروايات، وكل منهم ينزل شيئًا يسيرًا، فيبعد الأخير من الأول جدًا).
(فائدة)
قال النقشواني: هذه المسألة مختلفة الوضع ؛ فإن السامع إذا لم يكن عالمًا، وسمعه من غير النبي ﷺ وأراد أن يرويه للمجتهد، فلا يجوز له
стр. 2952
إبدال اللفظ؛ لأنه توقيف له عن دلالات اللفظ، واختلاف وجوه تراكيبها، وإن سمع العالم من النبي ﵇ وذكره للعامي على سبيل الإفتاء، والتعليم، فله أن يشرح ذلك على أي وجه قدر على تفهيمه.
وأما إن ذكره لعالم آخر يرويه، فالأولى ألا يبدل اللفظ؛ لاختلاف الناس في استنباط المعاني، بخلاف الفتيا والتعليم لا يجب اللفظ؛ لأن المقصود إنما هو المعنى، فيوصل لذهن المستفتي بما هو أليق به.
وعلى هذا التفصيل يختلف الحال فيما ذكره من الشروط الثلاثة باعتبار هذه الأحوال.
(فائدة)
قال المازري في (شرح البرهان): إذا اعتقد مراد المتكلم ما اعتقده، لكن من جهة الاستنباط امتنع النقل بالمعنى ، كما إذا سمع: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) فأداه صناعة النحو، وشواهد الحال إلى أن يذكى مثل ذكاة أمه، فيعبر عما اعتقده بعبارة ناصة، فيحرم إجماعًا.
قال: وانفرد القاضي فقال: يجوز النقل بالمعنى في الأحاديث الطوال؛ للضرورة دون القصار.
قال: وفيه تفصيل، وهو أن الحديث الطويل إن أورده غير قاصد نقله عنه؛ لكونه لا يتعلق به حكم كحديث جريج الراهب، أو لا تمس الحاجة لنقله، أو حكمه خاص بالسامعين، فلا يبعد جريان الخلاف في جواز نقله بالمعنى؛ لعدم الحاجة لتعيين اللفظ.
(فرع)
قال المازري: قال أحمد: لا ينقل حديث النبي ﷺ بالمعنى، بخلاف حديث الناس .
стр. 2953
(مسألة (
(إذا انفرد الراوي بزيادة)
قال المازري في (شرح البرهان): إذا انفرد بحديث دون التلامذة، أو بإسناده مرسلًا، أو باتصال موقوف.
قال المحققون: إن ذلك غير قادح.
وقيل: يتوقف عن قبوله، فإن انفرد بزيادة لفظ في حديث دون التلامذة، فخمسة أقوال:
ثالثها: إن لم يتعلق به حكم قبل، وإلا فلا.
ورابعها: إن تعلق به حكم ناسخ لغيره قبل، وإلا فلا.
وخامسها: إن كانت الزيادة من الذي كان رواه ناقصًا لم تقبل الزيادة، وإن كانت غيره قبلت.
(فائدة)
قال القاضي عبد الوهاب في (الملخص): قال جماعة: قول الصحابي: أمر النبي ﵇ بكذا، أو نهى عن كذا، أو فرض كذا، ونحوه لا يقبل ؛ لأنه رواية بالمعنى حتى يذكر لفظه.
(فوائد)
تتعلق بكتاب الأخبار ينبغي أن تكون على خاطر الأصولي، يستعين بها على معرفة المرسل، والتدليس، وغيرها .
الأولى: الموقوف.
стр. 2954
قال الحاكم في كتابه الموسوم بـ (علوم الحديث): الموقوف هو الذي لا يرفع لرسول الله ﷺ بل ينتهي إلى صحابي، ومنه ما حدثناه الزبير بن عبد الواحد الحافظ قال: حدثنا محمد بن أحمد الزبيقي قال: أخبرنا زكريا ابن يحيى المتغربي قال: أخبرنا الأصمعي قال: أخبرنا كيسان مولى هشام بن حسان، عن محمد بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن المغيرة بن شعبة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافير.
فهذا موقوف على صحابي حكى عن أقرانه من الصحابة -رضوان الله عليهم- فضلًا، وليس بمسند، ويتوهمه من لا يدري الحديث أنه مسند لرسول الله ﷺ .
قال غير الحاكم: ومنه ما خرجه مالك أن عمر بن الخطاب قال: (لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها لبول أو غائط)، ولم يقل: قال رسول الله ﷺ مع أنه قد رفع، وأسند من طريق آخر لرسول الله عليه السلاة.
الثانية: قال الحاكم: لا تختلف مشايخ الحديث أن المرسل هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: قال رسول الله ﷺ ويقول الصحابي: قال: وأصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب؛ لأنه من أولاد الصحابة أدرك جماعة منهم.
الثالثة: المنقطع موضع الإرسال.
стр. 2955
الرابعة: المسند.
قال الحاكم: هو المتصل العنعنة برسول الله ﷺ .
الخامسة: المسلسل.
قال الحاكم: هو السماع الظاهر الذي لا غبار عليه، مثل أن يقول: سمعت فلانًا قال: سمعت فلانًا إلى آخر السند، أو يحكي الرواة فعلًا من الأفعال (ما) يذكره كل منهم عن صاحبه بعينه.
كما يقول: قال لي: [أبو منصور] قم فصب علي حتى أريد وضوء منصور، فإن منصورًا قال لي: قم فصب علي حتى أريك وضوء إبراهيم؛ فإن إبراهيم قال لي: قم فصب علي حتى أريك وضوء علقمة؛ فإن علقمة قال لي: قم فصب علي حتى أريك وضوء ابن مسعود؛ فإن ابن مسعود قال لي: قم فصب علي حتى أريك وضوء رسول الله ﷺ ؛ فإن النبي ﷺ قال لي: قم فصب علي حتى أريد وضوء جبريل ﵇ فقلت لأبي جعفر: كيف توضأ؟ فقال: ثلاثًا ثلاثًا.
السادسة: المقطوع.
стр. 2956
قلت: قال لي بعض مشايخي الذين اشتغلت عليهم في علم الحديث: المقطوع في التابعين مثل الموقوف في الصحابة، فالمنتهي إلى صحابي، وينسب إليه في ظاهر اللفظ، كما اتفق في حديث عمر المتقدم يسمى موقوفًا، ومثله مع التابعي مقطوعًا، وهو غير المنقطع.
فإن المنقطع: ما سكت فيه عن راوٍ تابعي، ورأيت بعضهم يقول: المقطوع أعم من المرسل، وهو ما سكت فيه عن راوٍ مطلقًا، فقد يكون مرسلًا إن كان صحابيًا، وإلا فلا.
السابعة: المعضل.
قال الحاكم: قال علي بن عبد الله المديني فمن لمن بعده: المعضل هو الذي يكون المرسل إلى رسول الله ﵇ أكثر من رجل، فلا يختص بالتابعين.
قلت: وأصل هذه اللفظة المنع، ومنه قوله -تعالى-: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ أي: لا تمنعوهن، ومنه الداء العضال: الذي يمنع الأطباء مداواته لعظمه، وهذا الحديث معضل بفتح الصاد. من قولهم: أعضلني الأمر، وأنا معضل، فالراوي أعضل الحديث نحو: أنهكه المرض، فالراوي مال على الحديث ميلًا كثيرًا بسبب ما أسقط منه في السند.
الثامنة: المدرج.
стр. 2957
قال الحاكم: هو أن يدرج في حديث رسول الله ﷺ ما كان من كلام الصحابة، كما روى قتادة عن النبي ﷺ أنه قال: (من أعتق نصيبًا له في عبد أو شقصًا، فخلاصه عليه في ماله، إن كان له مال، وإلا قوم العبد قيمة عدل ثم استسعى في قيمته غير مشفوق عليه)، فذكر الاستسعاء من قول قتادة، ونحو ذلك.
التاسعة: الغريب.
قال الحاكم: وهو ينقسم إلى الغريب في الصحيح، وهو أن يكون الرواة في غاية العدالة إلا أنه معنى غريب، كما روي في حديث (الخندق) أنه وجدت فيه كذانة وهي الجبل، فقيل لرسول الله ﷺ : كذانة، فقال رسول الله ﷺ : (رشوا عليها الماء).
وإلى الغريب في الشيوخ، كمن يروي عن شيخ على خلاف عادته.
وإلى غريب في المتن، مثل أن يكون المتن لذلك الحديث غريبًا.
стр. 2958
العاشرة: التدليس.
قال الحاكم: التدليس ستة أجناس.
الأول: الثقات المدلسون، فيروون عن الثقات، وغرضهم الدعوة إلى الله -تعالى- كما كان سفيان يروي عن جابر، وإنما روايته عن جابر من كتاب سليمان اليشكري.
الثاني: قوم يقولون: قال فلان، وإذا نوقشوا وسئلوا: هل سمعته من فلان؟ قال: لا، ولكن أخرج إلي كتابًا، فدفعه إلي.
الثالث: من المدلسين قوم يحدثون عن قوم مجهولين، كما حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا علي، قال: حدثني حسين الأشقر، قال: حدثني شعيب عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: بت عند علي ... فذكر كلامًا.
قال ابن المديني: فحدثني حسين، فقلت له: ممن سمعته؟ قال: حدثني به شعيب عن أبي عبد الله عن أبي بكر بن عبد الرحمن، فقلت لأبي عبد الله: من حدثك به؟ فقال: أبو عبد الله الجصاص. قلت: عمن؟ قال: عن حماد القصار، فلقيت حمادًا، فقلت: من حدثك بهذا؟ فقال: بلغني عن فرقد السبخي فدلس عن ثلاثة.
والحديث بعد منقطع.
وأبو عبد الله الجصاص مجهول، وكذلك حماد القصار، والذي بلغه مجهول [عن فرقد وفرقد لم يدرك نوفا ولا رآه].
стр. 2959
الرابع: قال الحاكم: دلسوا أحاديث عن المجروحين، فغيروا أسماءهم، وكناهم حتى لا يعرفون.
الخامس: قال الحاكم: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وفاتهم اليسير، فيدلسونه.
السادس: قال الحاكم: قوم رووا عن شيوخ، ولم يروهم قط، ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع.
الحادية عشرة: سمعت من كنت أجتمع به في علم الحديث يقول: الفرق بين الحسن والصحيح أن الصحيح ما كانت رواته في غاية العدالة، والحسن ما كانت رواته في أول رتبها.
فالحسن والصحيح تقوم به الحجة، والصحيح أقوى من الحسن.
(مسألة)
قال سيف الدين: اختلفوا في خبر الواحد العدل هل يفيد العلم؟
فقيل: يفيده من غير قرينة، وهو مطرد في خبر كل واحد.
قاله بعض أهل الظاهر، وهو مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه.
وقيل: في بعض الأخبار فقط. قاله بعض أصحاب الحديث.
ومنهم من قال: يفيده إذا اقترنت به قرينة، قاله النظام وأتباعه.
стр. 2960
وقيل: لا يفيده بقرينة، ولا بغير قرينة.
وقيل: يفيد العلم بمعنى أنه يسمى علمًا.
والمراد: الظن، كما قال الله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ [الممتحنة: ١٠]، أي: ظننتموهن.
(مسألة)
قال سيف الدين: إذا سمع الراوي خبرًا، فأراد نقل بعضه، وحذف بعضه، فلا يخلو إما أن يكون الخبر متضمنًا لأحكام لا يتعلق بعضها ببعض أو ل ا.
فإن كان الأول جاز، كقوله ﵇: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم؛ لأنه بمنزلة أحاديث متعددة.
والأولى نقل الخبر بتمامه، كقوله ﵇: (رحم الله امرءًا سمع مقالتي، فأداها كما سمعها).
وإن كان الثاني نحو كون الخبر مشتملًا على ذكر غاية، كنهيه ﵇ عن بيع الطعام حتى يحوزه التجار إلى رحالهم، وكنهيه -عليه
стр. 2961
السلام- عن بيع الثمار حتى تزهى، أو شرط، كقوله ﵇: (من بال أو رعف أو أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة).
أو استثناء، كقوله ﵇: (لا تبيعوا البر بالبر، إلى قوله ﵇: (إلا سواء بسواء مثلًا بمثل).
فلا يجوز الاقتصار على البعض دون الغاية، والشرط، والاستثناء لما فيه من تغيير الحكم، وتبديل الشرع.
ونقل الإمام في (البرهان) عن بعضهم المنع مطلقًا.
قال المازري في (شرح البرهان): إذا اقتصر على كلام مفيد، فأربعة أقوال:
ثالثها: إن تقدم من الناقل روايته تامًا، أو من غيره جاز، وإلا فلا.
ورابعها: إن كان الباقي في تتمة لما قبله، ومتعلقاته، كالشرط ونحوه امتنع، وإلا فلا.
وهو الذي عليه الخلاف، ويتعين [.......] لأنه يسد باب القياس عليه، فكأنه خصص العام بفساد نقله.
قال: والذي قاله متجه، إذا كان يلزم من ارتفاع العلة ارتفاع الحكم، فلما سكت الراوي عن العلة صار الحكم مؤيدًا.
стр. 2962
(مسألة)
قال سيف الدين: اتفقت الشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف، وأبو بكر الرازي، وأكثر الناس على قبول خبر الواحد فيما يوجب الحد ، وما يدرأ بالشبهة خلافًا لأبي عبد الله البصري، وأبي الحسين الكرخي، فقالا: الاحتمال في خبر الواحد شبهة، فيدرأ بالحد، وهو ينتقض بالشهادة، فإنها محتملة، وليس احتمالها شبهة.
(مسألة)
قال إمام الحرمين في (البرهان): قال الأستاذ أبو إسحاق: المستفيض واسطة بين التوتر والآحاد ، وهو ما أفاد العلم بالنظر، والتواتر يفيد العلم بالضرورة.
قال إمام الحرمين: وهذا لا يصح؛ فإنا لا نجد نظرًا يؤدي إلى القطع بالصدق، بل لظن الصدق.
ومثله الأستاذ بما يتفق عليه أئمة الحديث.
(مسألة)
قال إمام الحرمين في (البرهان): إذا وجد الناظر حديثًا مسندًا في كتاب مصحح، ولم يسترب في ثبوته، وتبين عدم اللبس فيه، وانتفى الريب، ولم يسمع الكتاب من شيخ، فلا يروه .
стр. 2963
قال: وأرى أنه يتعين عليه العمل به، ولا يتوقف وجوب العمل على المجتهدين على انتظام الأسانيد، بل الثقة؛ لأن الذين كانوا يرد عليهم كتب رسول الله ﷺ كانوا يجب عليهم العمل، ومن بلغه ذلك، وإن لم يسمعه من رسول الله ﷺ ولا من مستمعين، ولذلك لو وجد في مسند البخاري حديثًا يثق أنه لم يرتب أنه من النسخة الأصلية؛ لأن المقصود حصول الثقة، وهذا لا يوافق عليه المحدثون؛ فإن فيه سقوط منصب الرواية عند ظهور الثقة، وهم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول.
(مسألة)
قال الإمام في (البرهان): ظاهر مذهب الشافعي أن القراءة الشاذة المنقولة بأخبار الآحاد لا تنزل منزلة خبر الواحد، واحتج به أبو حنيفة .
ولذلك جرى الخلاف بينهم في اشتراط التتابع في كفارة اليمين؛ لأنها قرئت: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات).
فنفى الشافعي التتابع، وأثبته أبو حنيفة بهذه القراءة الشاذة.
لنا: أن مثل هذا تتوفر الدواعي على نقله لو كان صحيحًا لحملة القرآن، وهذا بخلاف القراءات، فإنها متواترة.
قال المازري في (شرح البرهان): أصل المسألة أن القراءة الشاذة هل هي مما يقطع بكذب ناقلها، لكونها تتواتر لتوفر الدواعي على نقلها عادة أم لا؟.
ووقع الاتفاق أنها لا تقرأ في المحاريب، ولا تكتب في المصاحف؛ لأن ذلك عنوان الثقة بها، والقطع عليها.
стр. 2964
وخبر الواحد لا يوجب القطع، وإنما الخلاف فيها بالعمل بها في الحلال والحرام ونحوهما من الأحكام، قال: ونقل الإمام عن الشافعي، وأبي حنيفة فيه نظر؛ لأن الشافعي جاز أن يعتمد على دليل آخر لا سيما، وقد قال بالعدد في خمس رضعات من حديث عائشة: (إن الرضعات المحرمات كن عشرًا، فنحن بخمس (.
فقد عول على قراءة شاذة، وقرآن بأخبار الآحاد.
وأما أبو حنيفة: فيحتمل أن سنده دليل آخر أيضًا، ولم يعرج على قراءة ابن مسعود؛ لأنه قد ورد في القرآن اشتراط التتابع في بعض الكفارات كالظهار، والقتل.
فلعله حمل المطلق على المقيد، أو القياس.
قال الأبياري في (شرح البرهان): القول برد القراءة الشاذة لكذب رواتها لم يقل به أحد، بل أكثر الصحابة نقل القراءة الشاذة غير أنها حروف متباينة.
فلو اجتمع أولئك النقلة على حرف واحد كان متواترًا، ونقل الشواذ في الدين والقرآن كنقل شجاعة علي، وسخاء حاتم.
واتفق الناس على عدم تكذيب رواة القراءة الشاذة.
قال: قال مكي في كتاب (الإبانة):
القراءات ثلاثة أقسام:
قسم نقرأ به، واجتمع فيه ثلاث خلال: النقل عن الثقات إلى رسول الله ﷺ .
стр. 2965
والاتجاه في العربية التي نزل بها القرآن، وموافقته لخط المصحف.
فهذا مقطوع به؛ لأخذه عن الإجماع، ويكفر جاحده.
وقسم صح نقله ووجهه في العربية، وخالف لفظ المصحف، فيقرأ ولا نقرأ به؛ لعدم الإجماع فيه، وهو من أخبار الآحاد، ولا يثبت قرآن بخبر واحد؛ ولأنه مخالف لما أجمع عليه، فلا نقطع على تعينه وصحته، فلا يكفر جاحده.
والقسم الثالث: ما نقله غير ثقة، أو ثقة، ولا وجه له في العربية، فلا يقبل، وإن وافق خط المصحف.
(مسألة)
خبر الواحد إذا خالف الأصول، قال القاضي عبد الوهاب في (الملخص: قبله الحنفية، والشافعية، ومتقدمو المالكية .
وقال أبو الفرج، وأبو بكر الأبهري وغيرهما: قياس الأصول أولى إن تعذر الجمع.
وقال عيسى بن أبان: إن كان الراوي مشهورًا بالضبط قدم الخبر، وإلا فقياس الأصول.
стр. 2966
(مسألة)
قال ابن العربي في (المحصول (: إذا ورد خبر بثبوت مستحيل مضاف إلى الله -تعالى- إن قبل التأويل أول ، كقوله ﵇: (لن تمتلئ جهنم حتى يضع الجبار فيها رجله).
يؤول بـ (الرجل) عن الهوان، وإلا رد، كما يروي أن الله -تعالى- خلق خيلًا، فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من عرقها.
ولا تقدر الملحدة على اختراع كذب إلا قالته.
(مسألة)
قال ابن برهان في كتاب (الأوسط): الرواية في النفي عند الشافعي مقبولة، خلافًا للحنفية ، كقول الراوي: إنه ﵇ لم يفعل كذا، ولم يقل كذا.
قال: ولا بد من تفصيل، فإن كان النفي لا يمكن ضبطه، ومعرفته، كما إذا قال: (ما فعل كذا) لم يقبل، أو يمكن معرفته والإحاطة به قبلت، كما روى أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ دخل البيت، ولم يصل.
فيمكن الإحاطة بهذا، وكذلك رواية ابن عباس أن النبي ﷺ ما صلى على شهداء (أحد)، فيمكن ضبطه؛ لأنه قتل أقاربه فيهم.
وليس من صورة المسألة قوله ﵇: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)، (ولا ربا إلا في النسيئة)، ونحوه.
احتجوا بأن الشهادة على النفي غير مقبولة، فكذا الرواية.
وجوابه: يمنع الحكم في الأصل؛ لأن النفي المنضبط تسمع الشهادة فيه.
قلت: قاعدة النفي ثلاثة أقسام:
стр. 2967
معلوم قطعًا كما يعلم أنه ليس يحضر بنا فيل أو شجرة عظيمة.
ومظنون ظنًا قويًا لانضباطه غالبًا، كالشهادة على التفليس بعدم المال، وعدم وارث مشارك للورثة الموجودين، فإن الخلطة إذا كثرت أفادت ظنًا قويًا بهذا.
والقسم الثالث منتشر لا ضابط له مثل كون زيد لم يبع هذا الدار طول عمره، أو لم يطلق امرأته؛ فإن وقوع ذلك ممكن، من غير أن يطلع عليه الشاهد، فإخباره عن النفي كذب، بخلاف ما إذا أضاف النفي ليوم معين، فإنه يمكن ضبطه بأن يكون عنده، وهو نائم، أو لم يدخل إليه ونحو ذلك.
ففي القسمين الأولين تصح الشهادة، والرواية، والقسم الثالث: لا يصحان فيه، وهو المراد بقول العلماء: الشهادة على النفي تسمع.
(فائدة)
قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في (اللمع): أبو بكرة ومن جلد معه في القذف تقبل رواياتهم؛ لأنهم إنما أخرجوا ألفاظهم مخرج الشهادة، وجلده عمر ﵁ باجتهاده، فلا ترد روايتهم .
(فائدة)
إذا اشترك رجلان في الاسم والنسب، وأحدهما عدل، والآخر فاسق، فإذا روي عن هذا الاسم لم يقبل حتى يعلم أنه عن العدل ؛ لاحتمال كونه عن الرجل الآخر.
* * *
стр. 2968
الكلام في القياس
قال الرازي: وهو مرتب على مقدمة وأربعة أقسام
أما المقدمة: ففيها مسائل:
المسألة الأولى: في حد القياس: أسد ما قيل في هذا الباب؛ تلخيصًا: وجهان:
الأول: ما ذكره القاضي أبو بكر، واختاره جمهور المحققين منا: (أنه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما من إثبات حكم، أو صفة، أو نفيهما عنهما).
وإنما ذكرنا لفظ (المعلوم): ليتناول الموجود، والمعدوم؛ فإن القياس يجري فيهما جميعًا، ولو ذكرنا الشيء، لاختص بالموجود على مذهبنا، ولو ذكرنا الفرع، لكان يوهم اختصاصه بالموجود.
وأيضًا: فلا بد من معلوم ثان يكون أصلًا؛ فإن القياس عبارة عن التسوية، وهي لا تتحقق إلا بين أمرين؛ ولأنه لولا الأصل، لكان ذلك إثباتًا للشرع بالتحكم.
وأيضًا: فالحكم قد يكون نفيًا، وقد يكون إثباتًا، وأيضًا: فالجامع قد يكون أمرًا حقيقيًا، وقد يكون حكمًا شرعيًا: وكل واحد منهما قد يكون نفيًا، وقد يكون إثباتًا.
هذا شرح هذا التعريف.
والاعتراض عليه من وجوهٍ:
стр. 2969
أحدها: أن نقول: إن أردت بحمل أحد المعلومين على الآخر: إثبات مثل حكم أحدهما للآخر، فقولك بعد ذلك: (في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما): إعادة لعين ذلك؛ فيكون ذلك تكريرًا من غير فائدة، وإن كان شيئًا آخر، فلا بد من بيانه.
وأيضًا: فبتقدير أن يكون المراد منه شيئًا آخر؛ لكن لا يجوز ذكره في تعريف القياس؛ لأن ماهية القياس تتم بإثبات مثل معلوم لمعلوم آخر بأمر جامع، وإذا تمت الماهية بهذا القدر، وكان ذلك المعلوم الزائد خارجًا؛ فلا يجوز ذكره.
وثانيها: أن قوله: (في إثبات حكم لهما) مشعر بأن الحكم في الأصل والفرع مثبت بالقياس؛ وهو باطلٌ؛ فإن القياس فرع على ثبوت الحكم في الأصل، فلو كان ثبوت الحكم في الأصل فرعًا على القياس، للزم الدور.
وثالثها: أنه كما يثبت الحكم بالقياس، فقد تثبت الصفة أيضًا بالقياس؛ كقولنا: (الله عالم) فيكون له علمٌ؛ قياسًا على الشاهد، ولا نزاع في أنه قياسٌ؛ لأن القياس أعم من القياس الشرعي، والقياس العقلي، وإذا كان كذلك، فنقول: إما أن تكون الصفة مندرجة في الحكم، أو لا تكون:
فإن كان الأول: كان قوله: (بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما عنه): تكررًا؛ لأن الصفة لما كانت أحد أقسام الحكم، كان ذكر الصفة بعد ذكر الحكم تكرارًا.
وإن كان الثاني: كان التعريف ناقصًا؛ لأنه ذكر ما إذا كان المطلوب ثبوت الحكم، أو عدمه، ولم يذكر ما إذا كان المطلوب وجود الصفة، أو عدمها، فهذا التعريف: إما زائدٌ أو ناقصٌ.
стр. 2970
ورابعها: أن المعتبر في ماهية القياس: (إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر؛ بأمر جامع) فأما أن ذلك الجامع تارة يكون حكمًا، وتارة يكون صفة، وتارة يكون نفيًا للحكم، وتارة يكون نفيًا للصفة - فذاك إشارة إلى ذكر أقسام الجامع؛ والمعتبر في تحقق ماهية القياس الجامع؛ من حيث إنه جامع، لا أقسام الجامع؛ بدليل أمرين:
الأول: أن ماهية القياس قد توجد منفكة عن كل واحد من أقسام الجامع بعينه، وإن كان لا بد لها من قسم ما؛ وما ينفك عن الماهية لا يكون معتبرًا في تحقق الماهية.
الثاني: أن الجامع كما ينقسم إلى الحكم والصفة ونفيهما، فكذا الحكم ينقسم إلى الوجوب والحظر وغيرهما؛ والوجوب ينقسم إلى الموسع والمضيق، والمخير والمعين وغيرها، فلو لزم من اعتبار الجامع في ماهية القياس ذكر أقسامه، لوجب من ذكر كل واحد من تلك الأقسام ذكر ما لكل واحد من الأقسام.
وخامسها: أن كلمة (أو) للإبهام، وماهية كل شيء معينة؛ والإبهام ينافي التعيين.
فإن قلت: (كونه بحيث يلزمه أحد هذه الأمور حكم معين):
قلت: فالمعتبر إذن في الماهية ملزوم هذه الأمور، وهو كونه جامعًا؛ من حيث إنه جامع، فيكون ذكر هذه الزوائد لغوًا.
وسادسها: هو أن القياس الفاسد قياس، وهو خارج عن هذا التعريف:
أما الأول: فلأن القياس الفاسد قياس مع كيفية؛ فيكون قياسًا، وأما الثاني:
стр. 2971
فلأن قوله: (بأمر جامع): دليل على أن هذا القائل يعتبر في حد القياس حصول الجامع، ومتى حصل الجامع، كان القياس صحيحًا، فيكون القياس الفاسد خارجًا عنه؛ وإنه غير جائز، بل يجب أن يقال: بأمر جامع في ظن المجتهد؛ فإن القياس الفاسد حصل فيه الجامع في ظن المجتهد، وإن لم يحصل في نفس الأمر.
التعريف الثاني: ما ذكره أبو الحسين البصري؛ وهو: (أنه تحصيل حكم الأصل في الفرع؛ لاشتباههما في علة الحكم، عند المجتهد) وهو قريب.
وأظهر منه أن يقال: (إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر؛ لأجل اشتباهما في علة الحكم عند المثبت) فلنفسر الألفاظ المستعملة في هذا التعريف.
أما الإثبات: فالمراد منه: القدر المشترك بين العلم، والاعتقاد، والظن، سواء تعلقت هذه الثلاثة بثبوت الحكم، أو بعدمه، وقد يطلق لفظ الإثبات، ويراد به الخبر باللسان؛ لدلالته على الحكم الذهني.
وأما المثل: فتصوره بديهي؛ لأن كل عاقل يعلم بالضرورة كون الحار مثلاً للحار في كونه حارًا ومخالفًا للبارد في كونه باردًا، ولو لم يحصل تصور ماهية التماثل والاختلافإلا بالاكتساب، لكان الخالي عن ذلك الاكتساب خاليًا عن ذلك التصور؛ فكان خاليًا عن هذا التصديق.
ولما علمنا أننا قبل كل اكتساب نعلم بالضرورة هذا التصديق المتوقف على ذلك التصور، علمنا أن حصول ذلك التصور غنى عن الاكتساب.
وأما الحكم: فقد مر في أول الكتاب تعريفه.
стр. 2972
وأما المعلوم: فلسنا نعني به مطلق متعلق العلم فقط، بل: ومتعلق الاعتقاد، والظن؛ لأن الفقهاء يطلقون لفظ المعلوم على هذه الأمور.
وأما العلة: فسيأتي تفسيرها، إن شاء الله تعالى.
وقولنا: (عند المثبت) ذكرناه؛ ليدخل فيه القياس الصحيح والفاسد.
فإن قيل: هذا التعريف ينتقض بقياس العكس، و (قياس التلازم)، والمقدمتين والنتيجة.
أما قياس العكس: فكقولنا: (لو لم يكن الصوم شرطًا لصحة الاعتكاف، لما كان شرطًا له بالنذر؛ قياسًا على الصلاة؛ فإنها لما لم تكن شرطًا لصحة الاعتكاف، لم تكن شرطًا له بالنذر، فالمطلوب في الفرع: إثبات كون الصوم شرطًا لصحة الاعتكاف، والثابت في الأصل: نفى كون الصلاة شرطًا له، فحكم الفرع ليس حكم الأصل، بل نقيضه).
وأما قياس التلازم: فكقولنا: (إن كان هذا إنسانًا، فهو حيوان، لكنه إنسان، فهو حيوان، لكنه ليس بحيوان؛ فليس بإنسان).
وأما المقدمتان: فكقولنا: (كل جسم مؤلف، وكل مؤلف محدث؛ فكل جسم محدث).
فإن قلت: لا أسمي هاتين الصورتين قياسًا؛ لأن القياس عبارة عن التسوية وهي لا تحصل إلا عند تشبيه صورة بصورة، وليس الأمر كذلك في التلازم، وفي المقدمتين والنتيجة.
قلت: بل التسوية حاصلة في هذين الموضعين؛ لأن الحكم في كل واحدة
стр. 2973
من المقدمتين معلوم، والحكم في النتيجة مجهول، فاستلزام المطلوب من هاتين المقدمتين يوجب صيرورة الحكم المطلوب مساويًا للحكم في المقدمتين؛ في صفة المعلومية.
والجواب: أما الشيء الذي سميتموه بـ (قياس العكس) فهو في الحقيقة تمسك بنظم التلازم، وإثبات لإحدى مقدمتي التلازم بالقياس؛ فإنا نقول: (لو لم يكن الصوم شرطًا في صحة الاعتكاف، لما صار شرطًا له بالنذر، لكنه يصير شرطًا له بالنذر، فهو شرط له مطلقًا) فهذا تمسك بنظم التلازم، واستثناء نقيض اللازم لإنتاج نقيض الملزوم، ثم إنا نثبت المقدمة الشرطية بلقياس، وهو أن ما لا يكون شرطًا للشيء في نفسه لم يصر شرطًا له بالنذر؛ كما في الصلاة، وهذا قياس الطرد، لا قياس العكس، وأما الصورتان الباقيتان، فلا نسلم أنه قياس؛ لما بيَّنَّا.
قوله: (معنى التسوية حاصل فيه من الوجه المذكور):
قلنا: لو كفى ذلك الوجه في إطلاق اسم القياس، لوجب أن يسمى كل دليل قياسًا؛ لأن المتمسك بالنص جعل مطلوبه مساويًا لذلك النص في المعلومية، ولو صح ذلك، لامتنع أن يقال: (ثبت الحكم في محل النص بالنص، لا بالقياس).
فإن أردنا أن نذكر عبارة في تعريف القياس؛ بحيث تتناول كل هذه الصور فنقول القياس قول مؤلف من أقوال، إذا سلمت، لزم عنها لذاتها قول آخر.
وتحقيق القول في هذا التعريف مذكور في كتبنا العقلية.
стр. 2974
المسألة الثانية
في الأصل والفرع
إذا قسنا الذرة على البر؛ في تحريم بيعه بجنسه متفاضلاً، فأصل القياس: إما أن يكون هو البر، أو الحكم الثابت فيه، أو على ذلك الحكم، أو النص الدال على ثبوت ذلك الحكم.
فالفقهاء جعلوا الأصل اسمًا لمحل الحكم المنصوص عليه.
والمتكلمون جعلوه اسمًا للنص الدال على ذلك الحكم.
أما قول الفقهاء: فضعيف؛ لأن أصل الشيء ما تفرع عنه غيره، والحكم المطلوب إثباته في الذرة غير متفرع على البر؛ لأن البر، لو لم يوجد فيه ذلك الحكم، وهو حرمة الربا، لم يمكن تفريع حرمة الربا في الذرة عليه.
ولو وجد ذلك الحكم في صورة أخرى، ولم يوجد في البر، أمكن تفريع حكم الربا في الذرة، عليه.
فإذن الحكم المطلوب إثباته غير متفرع أصلاً على البر؛ بل على الحكم الحاصل ف يالبر؛ فالبر إذن لا يكون أصلاً للحكم المطلوب.
وأما قول المتكلمين: فضعيفٌ أيضًا؛ من هذا الوجه؛ لأنا لو قدرنا كوننا عالمين بحرمة الربا في البر بالضرورة، أو بالدليل العقلي، لأمكننا أن نفرع عليه حكم الذرة، فلو قدرنا أن النص على حرمة الربا في صورة خاصة، لم يمكن أن نفرع عليه حكم الذرة تفريعًا قياسيًا، وإن أمكن تفريعًا نصيًا.
وإذا كان كذلك، لم يكن النص أصلاً للقياس، بل أصلاً لحكم محل
стр. 2975
الوفاق؛ ولما فسد هذان القولان، بقى أن يكون أصل القياس هو الحكم الثابت في محل الوفاق، أو علة ذلك الحكم، ولا بد فيه من تفصيل؛ فنقول:
الحكم: أصل في محل الوفاق، فرع في محل الخلاف، والعلة: فرع في محل الوفاق، أصل في محل الخلاف.
وبيانه: أنا ما لم نعلم ثبوت الحكم في محل الوفاق لا نطلب علة، وقد نعلم ذلك الحكم، ولا نطلب علته أصلاً، فلما توقف إثبات علة الحكم في محل الوفاق على إثبات ذلك الحكم، ولم يتوقف إثبات ذلك الحكم على إثبات علة الحكم في محل الوفاق - لا جرم كانت العلة فرعًا على الحكم في محل الوفاق، والحكم أصلاً فيه.
وأما في محل الخلاف: فما لم نعلم حصول العلة فيه، لا يمكننا إثبات الحكم فيه قياسًا، ولا ينعكس؛ فلا جرم كانت العلة أصلاً في محل الخلاف، والحكم فرعًا فيه، وإذا عرفت ذلك، فنقول: إن لقول الفقهاء والمتكلمين وجهًا أيضًا؛ لأنه إذا ثبت أن الحكم الحاصل في محل الوفاق أصل، وثبت أن النص أصل لذلك الحكم، فكان النص أصلاً لأصل الحكم المطلوب، وأصل الأصل أصل، فيجوز تسمية ذلك النص بالأصل على قول المتكلمين.
وأيضًا: فالحكم الذي هو الأصل محتاج إلى محله، فيكون محل الحكم أصلاً للأصل، فتجوز تسميته بالأصل أيضًا على ما هو قول الفقهاء، وهاهنا دقيقة؛ وهي: أن تسمية العلة في محل النزاع أصلاً أولى من تسمية محل الوفاق بذلك؛ لأن العلة مؤثرة في الحكم، والمحل غير مؤثر في الحكم، فجعل علة الحكم أصلاً له أولى من جعل محل الحكم أصلاً له؛ لأن التعلق الأول أقوى من الثاني.
стр. 2976
وأما الفرع: فهو عند الفقهاء عبارة عن محل الخلاف، وعندنا عبارة عن الحكم المطلوب إثباته؛ لأن محل الخلاف غير متفرع على الأصل، بل الحكم المطلوب إثباته فيه هو المتفرع عليه.
وهاهنا دقيقة؛ وهي: أن إطلاق لفظ الأصل على محل الوفاق أولى من إطلاق لفظ الفرع على محل الخلاف؛ لأن محل الوفاق أصل للحكم الحاصل فيه، والحكم الحاصل فيه أصل للقياس؛ فكان محل الوفاق اصل أصل القياس.
وأما هاهنا: فمحل الخلاف أصل للحكم المطلوب إثباته فيه، وذلك الحكم فرع للقياس؛ فيكون محل الخلاف أصل فرع القياس، وإطلاق اسم الأصل على أصل أصل القياس أولى من إطلاق اسم الفرع على أصل الفرع.
واعلم: أنا بعد التنبيه على هذه الدقائق نساعد الفقهاء على مصطلحهم، وهو أن الأصل محل الوفاق، والفرع محل الخلاف؛ لئلا نفتقر إلى تغيير مصطلحهم.
* * *
الكلام في القياس
قال القرافى: قال سيف الدين: القياس في اللغة التقدير، ومنه: قست الأرض بالقصبة، والثوب بالذراع، أي قدرته بذلك، فهو يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بالمساواة، فهو نسبة وإضافة بين شيئين، ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، ولا يقاس بفلان، أي: يساويه.
قال إمام الحرمين في (البرهان): القياس مناط الاجتهاد، وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه، وهو المستقل بتفاصيل أحكام الوقائع التي هي
стр. 2977
غير متناهية؛ لأن نصوص الكتاب والسنة محصورة، ومواقع الإجماع معدودة متناهية، والوقائع لا نهاية لها، والمختار عندنا أنه لا تخلو واقعة عن حكم شرعي، فالمسترسل على جميعها القياس، فهو أحق الأصول باعتناء الطالب، ومن عرف تقاسيمه، وصحيحه، وفاسده، والاعتراضات عليه، مايصح منها وما يفسد، ومراتبها جلاءً وخفاءً، فقد احتوى على مجامع الفقه.
(المسألة الأولى)
(في حد القياس)
قوله: (في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما).
مثالهما: راجح المصلحة، فيباح، راجح المفسدة، فلا يباح.
قوله: (بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة).
مثالهما: نجس، فيحرم، مسكر، فيحرم؛ لأن النجاسة حكم شرعي، والإسكار صفة حقيقية.
قوله: (أو نفيهما عنه).
وقع في بعض النسخ: (أو نفيهما عنه)، وفي بعضها: (نفيه عنهما)، والأول الصحيح.
تقريره: أن الحكم قد يجمع بثبوته كما تقدم، وقد يجمع بنفيه، كقولنا: ليس بنجس، فيباح بيعه، وكذلك الصفة، كقولنا: ليس بمسكر، فيباح تناوله.
قوله: (القياس يجرى ف يالموجود، والمعدوم).
مثالهما: منتفع به، فيباح، ليس بعاقلٍ، فلا يصح تصرفه كالصبي؛ فإن الحكم كما يكون وجوديًا يكون عدميًا، كقولنا: لا يصح تصرفه.
стр. 2978
والجامع قد يكون وجوديًا، وقد يكون عدميًا، صفة أو حكمًا، فتكون الأقسام ثمانية: وجود الصفة مع وجود الحكم أو عدمه.
وعدمها معهما.
ووجود الحكم معهما، وعدمه معهما، ومثلهما كما تقدم.
قوله: (لو ذكرنا الفرع لأوهم اختصاصه بالموجود).
تقريره: أن التفريع أصله من فرع الشجرة، وإنما يتصور ذلك في العالم في شجرة موجودة.
وقد يقال: عدم الملزوم متفرع على عدم اللازم، وعدم المشروط متفرع على عدم الشرط، وهو كثير، غير أنه قليل بالنسبة إلى الموجودات، فلذلك قال: (يوهم اختصاصه بالموجود).
وأيضًا: يلزم من ذلك الدور؛ لأن الصورة إنما تكون فرعًا إذا تعين لها أصل، فالفرع والأصل فرع القياس، فلو عرف بهما القياس لزم الدور.
قوله: (في إثبات حكم لهما).
مشعر بأن الحكم في الأصل والفرع مثبت بالقياس.
تقريره: أن اللغة تقتضي أنا متى حكمنا على تثنيةٍ أو جمعٍ أو ضميرٍ، فإن المحكوم عليه كلية لا كل.
فإذا قلنا: أكرمتهما، معناه: أكرمت كل واحد منهما، وكذلك أكرمتهم، أو أكرمت الرجال، ولا تريد العرب المجموع المركب الذي هو الكل، وقد تقرر ذلك في (باب العموم). وحينئذ تقتضى هذه العبارة أن يكون الحكم ثابتًا لكل واحد منهما، وهو المدعى.
ويرد عليه: أن الكل كما يبطل بعدم الجزء، ويوجد بوجود جميع أجزائه، فكذلك الكلية تعدم بعدم الجزئية، وتوجد عند تكامل جميع الأفراد، فإذا
стр. 2979
كان الحكم ثابتًا في بعض الأفراد تكون جزئية، فإذا ثبت في البعض الآخر حصلت الكلية بالجزئية الأخيرة، فكذلك هاهنا، تكمل الكليةُ في الفردين ثبوت الحكم في الفرد الآخر الذي هو الفرع، وكذلك لو جعلنا أن معنى الضمائر والجموع في لسان العرب كلا لا كلية لم يرد السؤال أيضًا، إنما يتجه إذا جعلناه كلية؛ لأن اتحاد المجموع قد يكون باتحاد جزئه الآخر.
قوله: (هذا التعريف إما زائد أو ناقص)
تقريره: أن الصفة إن أغنى عن ذكرها ذكر الحكم، لزم أن يكون ذكرها في الجامع زيادة في الحد، والحد يصان عن الزيادة؛ لأنها توجب تطويلاً، وقد لا يسع الذهن المعنى الكبير، واللفظ الطويل؛ فيختل الفهم، فيضيع المقصود من الحد.
وإن لم يغن ذكر الحكم عن ذكر الصفة - مع أن القياس يدخل في إثبات الصفة - كان نوعًا من القياس لم يتعرض له الحد، فيكون غير جامع، وهو باطل أشد من بطلان الزيادة.
قوله: (كلمة (أو) للإبهام فتنافى الحدود؛ لأن المراد بها البيان).
قلنا: قد تقدم أول الكتاب في حد الحكم، أن (أو) قد تكون للحكم بالترديد، وقد تكون للترديد في الحكم، والثاني هو المنافى للحدود؛ لأن معناه الشك، بخلاف الأول؛ لأن معناه التنويع، وقد تقدم أن لهذه الكلمة خمسة معان:
стр. 2980
أحدها: التنويع كقولنا: العدد إما زوج أو فرد، فلا شك حينئذ في هذه القضية العددية، بخلاف قولنا: جاءني زيد أو عمرو، فالمراد في الحدود إنما هو الحكم بالترديد، لا الترديد في الحكم.
غير أنه يبقى سؤال: وهو أن اللفظة إذا كانت لخمسة معانٍ، كانت مشتركة، والمشترك مجمل، والمجمل مخل بالحدود، والحدود للبيان.
ويمكن أن يجاب عنه بأن قرينة التحديد تعين التنويع، فلا إجمال مع القرينة، كما نص عليه الغزالي في مقدمة (المستصفى): أن المجاز مع القرينة يجوز في الحدود؛ لحصول المقصود بالقرينة.
قوله: (القياس الفاسد قياس مع كيفية).
قلنا: لا نسلم؛ فإن الفساد إنما يكون لخلل شرط، أو ركن، وكلاهما يخل ثبوت الماهية، وإذا اختلت الماهية كانت معدومة، فيمتنع قولكم: (إنها ثابت مع صفة الفساد)، بل قولنا: قياس فاسد مثل قولنا: صلاة فاسدة، مع أن الصلاة الشرعية التي هي المطلوبة لا تتحقق مع وصف الفساد، وذلك مجاز توسع؛ لحصول الشبه في الصورة، أو إشارة إلى الصلاة اللغوية، كذلك هاهنا، إما مجاز تشبيه لحصول الشبه في الصورة، أو إشارة إلى القياس اللغوي، وليس هو المقصود بالحد هاهنا.
следующие страницы →