← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وأما الفرع: فهو عند الفقهاء عبارة عن محل الخلاف، وعندنا عبارة عن الحكم المطلوب إثباته؛ لأن محل الخلاف غير متفرع على الأصل، بل الحكم المطلوب إثباته فيه هو المتفرع عليه. وهاهنا دقيقة؛ وهي: أن إطلاق لفظ الأصل على محل الوفاق أولى من إطلاق لفظ الفرع على محل الخلاف؛ لأن محل الوفاق أصل للحكم الحاصل فيه، والحكم الحاصل فيه أصل للقياس؛ فكان محل الوفاق اصل أصل القياس. وأما هاهنا: فمحل الخلاف أصل للحكم المطلوب إثباته فيه، وذلك الحكم فرع للقياس؛ فيكون محل الخلاف أصل فرع القياس، وإطلاق اسم الأصل على أصل أصل القياس أولى من إطلاق اسم الفرع على أصل الفرع. واعلم: أنا بعد التنبيه على هذه الدقائق نساعد الفقهاء على مصطلحهم، وهو أن الأصل محل الوفاق، والفرع محل الخلاف؛ لئلا نفتقر إلى تغيير مصطلحهم. * * * الكلام في القياس قال القرافى: قال سيف الدين: القياس في اللغة التقدير، ومنه: قست الأرض بالقصبة، والثوب بالذراع، أي قدرته بذلك، فهو يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بالمساواة، فهو نسبة وإضافة بين شيئين، ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، ولا يقاس بفلان، أي: يساويه. قال إمام الحرمين في (البرهان): القياس مناط الاجتهاد، وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه، وهو المستقل بتفاصيل أحكام الوقائع التي هي

стр. 2977

غير متناهية؛ لأن نصوص الكتاب والسنة محصورة، ومواقع الإجماع معدودة متناهية، والوقائع لا نهاية لها، والمختار عندنا أنه لا تخلو واقعة عن حكم شرعي، فالمسترسل على جميعها القياس، فهو أحق الأصول باعتناء الطالب، ومن عرف تقاسيمه، وصحيحه، وفاسده، والاعتراضات عليه، مايصح منها وما يفسد، ومراتبها جلاءً وخفاءً، فقد احتوى على مجامع الفقه. (المسألة الأولى) (في حد القياس) قوله: (في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما). مثالهما: راجح المصلحة، فيباح، راجح المفسدة، فلا يباح. قوله: (بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة). مثالهما: نجس، فيحرم، مسكر، فيحرم؛ لأن النجاسة حكم شرعي، والإسكار صفة حقيقية. قوله: (أو نفيهما عنه). وقع في بعض النسخ: (أو نفيهما عنه)، وفي بعضها: (نفيه عنهما)، والأول الصحيح. تقريره: أن الحكم قد يجمع بثبوته كما تقدم، وقد يجمع بنفيه، كقولنا: ليس بنجس، فيباح بيعه، وكذلك الصفة، كقولنا: ليس بمسكر، فيباح تناوله. قوله: (القياس يجرى ف يالموجود، والمعدوم). مثالهما: منتفع به، فيباح، ليس بعاقلٍ، فلا يصح تصرفه كالصبي؛ فإن الحكم كما يكون وجوديًا يكون عدميًا، كقولنا: لا يصح تصرفه.

стр. 2978

والجامع قد يكون وجوديًا، وقد يكون عدميًا، صفة أو حكمًا، فتكون الأقسام ثمانية: وجود الصفة مع وجود الحكم أو عدمه. وعدمها معهما. ووجود الحكم معهما، وعدمه معهما، ومثلهما كما تقدم. قوله: (لو ذكرنا الفرع لأوهم اختصاصه بالموجود). تقريره: أن التفريع أصله من فرع الشجرة، وإنما يتصور ذلك في العالم في شجرة موجودة. وقد يقال: عدم الملزوم متفرع على عدم اللازم، وعدم المشروط متفرع على عدم الشرط، وهو كثير، غير أنه قليل بالنسبة إلى الموجودات، فلذلك قال: (يوهم اختصاصه بالموجود). وأيضًا: يلزم من ذلك الدور؛ لأن الصورة إنما تكون فرعًا إذا تعين لها أصل، فالفرع والأصل فرع القياس، فلو عرف بهما القياس لزم الدور. قوله: (في إثبات حكم لهما). مشعر بأن الحكم في الأصل والفرع مثبت بالقياس. تقريره: أن اللغة تقتضي أنا متى حكمنا على تثنيةٍ أو جمعٍ أو ضميرٍ، فإن المحكوم عليه كلية لا كل. فإذا قلنا: أكرمتهما، معناه: أكرمت كل واحد منهما، وكذلك أكرمتهم، أو أكرمت الرجال، ولا تريد العرب المجموع المركب الذي هو الكل، وقد تقرر ذلك في (باب العموم). وحينئذ تقتضى هذه العبارة أن يكون الحكم ثابتًا لكل واحد منهما، وهو المدعى. ويرد عليه: أن الكل كما يبطل بعدم الجزء، ويوجد بوجود جميع أجزائه، فكذلك الكلية تعدم بعدم الجزئية، وتوجد عند تكامل جميع الأفراد، فإذا

стр. 2979

كان الحكم ثابتًا في بعض الأفراد تكون جزئية، فإذا ثبت في البعض الآخر حصلت الكلية بالجزئية الأخيرة، فكذلك هاهنا، تكمل الكليةُ في الفردين ثبوت الحكم في الفرد الآخر الذي هو الفرع، وكذلك لو جعلنا أن معنى الضمائر والجموع في لسان العرب كلا لا كلية لم يرد السؤال أيضًا، إنما يتجه إذا جعلناه كلية؛ لأن اتحاد المجموع قد يكون باتحاد جزئه الآخر. قوله: (هذا التعريف إما زائد أو ناقص) تقريره: أن الصفة إن أغنى عن ذكرها ذكر الحكم، لزم أن يكون ذكرها في الجامع زيادة في الحد، والحد يصان عن الزيادة؛ لأنها توجب تطويلاً، وقد لا يسع الذهن المعنى الكبير، واللفظ الطويل؛ فيختل الفهم، فيضيع المقصود من الحد. وإن لم يغن ذكر الحكم عن ذكر الصفة - مع أن القياس يدخل في إثبات الصفة - كان نوعًا من القياس لم يتعرض له الحد، فيكون غير جامع، وهو باطل أشد من بطلان الزيادة. قوله: (كلمة (أو) للإبهام فتنافى الحدود؛ لأن المراد بها البيان). قلنا: قد تقدم أول الكتاب في حد الحكم، أن (أو) قد تكون للحكم بالترديد، وقد تكون للترديد في الحكم، والثاني هو المنافى للحدود؛ لأن معناه الشك، بخلاف الأول؛ لأن معناه التنويع، وقد تقدم أن لهذه الكلمة خمسة معان:

стр. 2980

أحدها: التنويع كقولنا: العدد إما زوج أو فرد، فلا شك حينئذ في هذه القضية العددية، بخلاف قولنا: جاءني زيد أو عمرو، فالمراد في الحدود إنما هو الحكم بالترديد، لا الترديد في الحكم. غير أنه يبقى سؤال: وهو أن اللفظة إذا كانت لخمسة معانٍ، كانت مشتركة، والمشترك مجمل، والمجمل مخل بالحدود، والحدود للبيان. ويمكن أن يجاب عنه بأن قرينة التحديد تعين التنويع، فلا إجمال مع القرينة، كما نص عليه الغزالي في مقدمة (المستصفى): أن المجاز مع القرينة يجوز في الحدود؛ لحصول المقصود بالقرينة. قوله: (القياس الفاسد قياس مع كيفية). قلنا: لا نسلم؛ فإن الفساد إنما يكون لخلل شرط، أو ركن، وكلاهما يخل ثبوت الماهية، وإذا اختلت الماهية كانت معدومة، فيمتنع قولكم: (إنها ثابت مع صفة الفساد)، بل قولنا: قياس فاسد مثل قولنا: صلاة فاسدة، مع أن الصلاة الشرعية التي هي المطلوبة لا تتحقق مع وصف الفساد، وذلك مجاز توسع؛ لحصول الشبه في الصورة، أو إشارة إلى الصلاة اللغوية، كذلك هاهنا، إما مجاز تشبيه لحصول الشبه في الصورة، أو إشارة إلى القياس اللغوي، وليس هو المقصود بالحد هاهنا.

стр. 2981

قوله: (متى حصل الجامع كان القياس صحيحًا). قلنا: ممنوع؛ لأن الفساد قد يكون مع ثبوت الجامع، لكونه على خلاف الإجماع، أو النصوص القطعية؛ لمناسبة الجامع للعكس في المدعى وأسباب الفساد كثيرة في القياس غير عدم الجامع. قوله: (يجب أن يقال: بأمر جامع في ظن المجتهد؛ لأن القياس الفاسد حصل فيه الجامع في ظن المجتهد). قلنا: هذا إنما يستقيم إذا انحصر الفساد في عدم الجامع، وليس كذلك كما تقدم، بل نقول غير هذا التقرير وهو: أن ربا الفضل اختلف العلماء في علته على مذاهب: الطعم، والكيل، والاقتيات، والمالية، والجنس، وغير ذلك من المذاهب.

стр. 2982

................................................................................................

стр. 2983

.................................................................................................

стр. 2984

...............................................................................................

стр. 2985

واتفق الناس على أنها إذا قيس بها كلها أقيسة، وليس تعيين بعضها للصحة أولى من الآخر، فيتعين أن نقول: (في ظن المجتهد)؛ لندرج فيه هذه الأقيسة. (سؤال) قياس لا فارق يرد على حد القياس؛ فإنه ليس فيه جامع . (سؤال) قال النقشواني: سؤال المصنف الأول غير وارد؛ لأن الحمل كالجنس، فقد يكون في الحكم الثابت الآخر، وقد يكون في غيره، بل الحمل هو التسوية، وقد يكون في حكم شرعي، أو عقلي، أو صفة حسية، أو غير حسية، أو عدم هذه الأشياء، والمطلوب هاهنا إنما هو الحكم الشرعي، فلذلك حسن أن يقال بعد ذكر الحمل: (في إثبات حكم الفرع) حتى يندفع عنه إيهام إثبات الحكم في الأصل بالقياس. وأجاب عنه: بأن المقصود التسوية التي هي معنى القياس، والتسوية إنما تكون بين شيئين؛ فلذلك ذكرهما. (تنبيه) قال التبريزي: المراد بـ (الحمل) اعتقاد استواء أحد المعلومين

стр. 2986

بالآخر في معنى، وهذا إطلاق يحتاج إلى تفصيل، وتفصيله: (في إثبات حكم لهما)، ثم لا يتضمن ذلك ثبوت حكم الأصل بالقياس، بل الحمل في الإثبات غير الإثبات، ويجوز أن يخلو عن الإثبات في نفس الأمر؛ فإن المفهوم منه هو التسوية في استحقاق الثبوت لا غير، ثم إذا دل دليل الإجماع على تحقق الثبوت فيما هو الأصل لزم منه الثبوت فيما هو الفرع؛ وفاءً بمقتضى التسوية، ولفظ الحكم يتناول كل حكم، وإن كان صفةً حقيقية، فكونه صفةً لا يخرجه عن كونه حكمًا عند الإطلاق، فإذا استعمل في المقابلة اختص بأحد القبيلين، كلفظ الفعل، والنص، والمفهوم في تناول القول، والظاهر، والمنطوق، ثم إذا لم يكن تكرارًا فلا شك أنه زيادة على الماهية، لكن قصد به الإيضاح؛ لأنه قد يفهم من الجامع كونه صفة ثبوتية كالعلل العقلية، وبه يندفع الإشكال الخامس. وأما القياس الفاسد فمندرج لأن الجامع أعم من كونه علة، أو دليلاً، أو شرطًا، أو حقيقة، ومهما خرج الجامع عنها فالقياس فاسد، ولا يجوز أن يقال فيه: (في ظن المجتهد)؛ لوجهين: أحدهما: أن كونه جامعًا في نفسه، أو في ظن المجتهد. الثاني: أنه يلزم من هذا التقييد أن يخرج المحقق وجوده، والمحقق انتفاؤه، كما لو قال في الأكل: عبادة مفتقرة إلى النية ككنايات الطلاق، ولفظ القياس يشمله؛ إذ الاعتبار بالصورة والتركيب لا بصحة المواد، وإلا لاختص اسم القياس باسم الصحيح منه. قلت: قوله: (كلفظ الفعل، والنص، والمفهوم). معناه: أن لفظ الفعل يتناول القول؛ لأنه جعل باللسان، فيتناول الظاهر والمنطوق، وكذلك النص مأخوذ من الظهور، فيتناول الظاهر والمنطوق لما

стр. 2987

فيها من الظهور، والمفهوم هو الذي أدركه الفهم، وهو يتناول: القول، والظاهر، والمنطوق؛ لأنها أمور معقولة مفهومة. قوله: (الجامع أعم من كونه علة، أو دليلاً، أو شرطًا، أو حقيقة). معناه: أن هذه هي الجوامع الشرعية والعقلية في أصول الدين. فالجمع بالعلة، كقولنا: علة العالمية في الشاهد العلم، والله - سبحانه - عالم، فيكون له علم؛ عملاً بتحقق المعلوم المستلزم لحصول العلم. وبالدليل، كقولنا: الاتفاق في الشاهد دليل العلم، والله - تعالى - أفعاله متقنة، فيكون عالمًا؛ عملاً بالدليل العقلي. وبالشرط، كقولنا: العلم في الشاهد مشروط بالحياة، والله - تعالى - عالم فيكون حيًا. وبالحقيقة، كقولنا: حقيقة المريد من قامت به الإرادة، والله - تعالى - مريد، فيكون له إرادة. وقوله: (المحقق ثبوته، والمحقق انتفاؤه). يريد: المحقق في نفس الأمر الذي غفل عنه المجتهد، فالمحقق ثبوته، كقولنا في الطلاق: إنه لا يخل بالعصمة، فلا يفتقر إلى النية كالأكل؛ فإن الواقع في نفس الأمر ثبوت كونه مخلاً بالعصمة. وقوله في الأكل الذي مثل به: (الواقع أنه ليس بعبادة، فهو مثل المنفى)، ولم يمثل الثابت. ولقائل أن يمنعه [أن الجامع إذا عرى عن نفس المجتهد أن يكون فيما لا يجوز أن يقال: (في ظن المجتهد)؛ لأن كونه جامعًا أعم من كونه في نفسه أو في ظن المجتهد، ولقائل وأن يمنعه] ذلك؛ لأن القياس إذا عرى عن نفس المجتهد لا يسمى قياسًا في العرف، ونحن إنما حددنا القياس في عرف الأصوليين الذي هو التسوية الخاصة، أما ما لم يتعرض إليه بالتسوية، ولا بالتقدير، فلا نسلم أنه قياس.

стр. 2988

قوله: (ويخرج عنه المحقق أيضًا). معناه: يخرج عنه المعلوم الثبوت؛ فإن الظن لا يتناول العلم، والجامع قد يكون معلومًا، كقولنا في العبد: إنه آدمى؛ فتجب ديته كالحر، أو متمول فتجب قيمته كالفرس. (التعريف الثاني) قوله: (إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر): تقريره: أن حكم الله - تعالى - هو خطابه الذي له تعلق بالفعل، أو الترك، أو التسوية، فلا تتحقق حقيقة الحكم إلا بالتعلق، وهو نسبة بين الفعل والكلام النفسي، فالنسبة بين الكلام والأصل، غير النسبة بين الكلام والفرع، ولذلك نقول: إنَّ علم الله - تعالى - واحد، وله بكل معلوم تعلق خاص، ونسبة خاصة، فإذا كانت النسبة متعددة، فالحكم هو الكلام مع تلك النسبة، والمركب من الحقيقة الواحدة التي هي الكلام، والمتعددات التي هي التعلقات متعددة، فيكون كلام الله - تعالى - بقيد تعلقه بالصورة المعينة غير كلام الله - تعالى - المتعلق بالصورة الأخرى، فصحت النكتة بهذا الطريق. قوله: (ينتقض بقياس العكس):

стр. 2989

تقريره: أنه سمى عكسًا؛ لأنك تقيس فيه نقيض مطلوبك، ومطلوبك الذي هو مناقض لما قسته؛ فإن مطلوبك إثبات شرطية الصوم في الاعتكاف، وأنت تقيس عدمها. ووجه وروده: أن حكم الأصل والفرع يختلف عندك في نفس الأمر،

стр. 2990

وأنت اشترطت التسوية، فقد وجد المحدود بدون الحد، فيكون الحد غير جامع. (فائدة) قال أبو الحسن البصري في كتابه الذي صنفه في القياس خاصة، وسماه كتاب (القياس): قياس العكس هو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع باعتبار على. وقياس الطرد: إثبات حكم الأصل في الفرع؛ لاجتماعهما في علة الحكم.

стр. 2991

قوله: (وقياس التلازم). تقريره: أن كل ما حسن فيه (لو) فهو ملزوم، وما حسن فيه (إلا) فهو لازم، كقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. والملزوم له نقيضان: وجود، وعدم. واللازم له نقيضان: وجود، وعدم، فهي أربعة: اثنان منتجان، واثنان عقيمان. فالمنتجان: وجود الملزوم، وعدم اللازم، كقولنا: لو كان العدد عشرة لكان زوجًا، لكنه ليس بزوج، فلا يكون عشرة. والعقيمان: عدم الملزوم، ووجود اللازم، كقولنا: ليس بعشرة لا يقتضى أنه زوج؛ لاحتمال أن يكون خمسة، ولا غير زوج؛ لاحتمال كونه ثمانية، وكلاهما غير عشرة. ووجود اللازم، كقولنا: لكنه زوج، فلا يفيد أنه عشرة؛ لاحتمال كونه ثمانية، ولا غير عشرة؛ لاحتمال كونه عشرة. فقياس التلازم الصحيح، هو القسمان المنتجان، والفاسد هو العقيمان، أو تكون أصل الملازمة بينهما باطلة. (فائدة) قوله: (ينتقض بالمقدمتين والنتيجة): قال الأدباء: النتيجة لحن، وإنما هي المنتوجة. تقول العرب: نتج الشيء كذا، فهو (كذا) منتوج، ونتجت الناقة ولدها، فالناقة منتوجة، وولدها منتوج، وفعله دائمًا مبنى لما لم يُسم فاعله

стр. 2992

ثلاثيًا، كذلك حكاه ثعلب، في (الفصيح)، وابن قوطية في كتاب (الأفعال) وغيرهما. ونقل ابن قوطية لغة شاذة: (أنتجت الناقة) على البناء للفاعل، فعلى هذا - أيضًا - يكون الولد منتجًا، مثل أكرمه فهو مكرم، و (نتيجة) فعيلة إنما تكون من مفعول كـ (قتيلة) [بمعنى مقتولة، و (جريحة) بمعنى مجروحة]. قوله: (لو لم يكن الصوم شرطًا لصحة الاعتكاف ولا صار شرطًا بالنذر). تقريره: قاعدة: أن الفعلين قد يكونان مطلوبين للشرع في أنفسهما، ولا يكون الجمع بينهما مطلوبًا، وقد يكون الجمع بينهما مطلوبًا. فالأول: كقراءة القرآن، والركوع، مطلوبان في أنفسهما، والجمع بينهما منهى عنه؛ لقوله ﵇: (نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا). والثاني: كالدعاء، والسجود، فإنهما مطلوبان في أنفسهما، والجمع بينهما مطلوب؛ لقوله ﵇: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم). (قاعدة) النذر لا يؤثر إلا في نقل المندوبات إلى الواجبات كما تقرر في الفقه ، فإذا لم يكن الفعل مطلوب الوجود على وجه الندب لا يؤثر النذر فيه.

стр. 2993

إذا تقررت القاعدتان فنقول: لو لم يكن الجمع بين الصوم والاعتكاف مطلوبًا للشارع، لما وجب الجمع بينهما إذا نذر ذلك، كما لو نذر الجمع بين الصلاة والصوم؛ فإنه لا يجب؛ لأن الجمع بين الصلاة والصوم غير مطلوب، بل المطلوب كل واحد منهما من حيث هو هو، فهذا تقرير هذا التلازم وهذا القياس. فجعلنا عدم لزوم الجمع بين الاعتكاف والصوم لازمًا لعدم كونه مطلوبًا في أصل الشرع، وهذا العدم منفى الذي هو اللازم؛ للاتفاق على لزوم الجمع بالنذر في الاعتكاف والصوم، فيبقى ملزومه، وهو عدم كونه مطلوبًا في أصل الشرع حالة عدم النذر، فاللازم والملزوم هاهنا عدميان، والملازمة تقع على أربعة أقسام: اللازم والملزوم عدميان كما تقدم، ووجوديان، كقولنا: (لو كان العدد عشرة لكان زوجًا)، والملزوم وجودىّ واللازم عدمىّ، كقولنا: (لو كان العدد عشرة لم يكن فردًا)، وعكسه كقولنا: (لو لم يكن العدد زوجًا لكان فردًا. هذا تقرير هذا الموضع) ويرد عليه أن إذا سلم هذا البحث ينتج أن الجمع بينهما مطلوب، لكن الطلب قد يكون على وجه الندب، والخصم يقول به، ومقصود المستدل إنما هو الوجوب، وهو غير لازم من هذا البحث، ولا يمكن المستدل أن يقول: إذا ثبت النذر ثبت الوجوب؛ لأنه لا قائل بالفرق؛ لأن الخصم قائل بالفرق، وهو الندب دون الوجوب، ولو أنه إلا للخروج من الخلاف على سبيل الورع. قوله: (ما لا يكون شرطًا للشيء في نفسه لا يصير شرطًا له بالنذر): قلنا: ممنوع، بل يكون مندوبًا ليس بشرط، فإذا نذر انتقل من الندب للوجوب كما تقرر في الفقه. قوله: (وهذا قياس الطرد لا قياس العكس). تقريره: أن مطلوب المستدل في هذا المقام إنما هو عدم لزومه بالندب،

стр. 2994

لتثبت الملازمة، وقد قاسه على العدم في صورة الإجماع، فاستوت الصورتان عنده في مطلوبية العدم، وكان قياس الطرد. قوله: (القياس قول مؤلف من أقوال إذا سلمت لزم عنها قول آخر): تقريره: أن المراد بالأقوال أقل الجمع اثنان؛ لأن القياس، أعنى الدليل، أقل ما يكون من مقدمتين لا يمكن الزيادة عليهما، ولا النقصان عنهما، كما تقرر أول الكتاب في البحث في النظر. والبحث مفرع على أحد المذهبين في أن أقل الجمع اثنان. والمراد بالقول الآخر: النتيجة، كقولنا: (كل إنسان حيوان، وكل حيوان جسم، فكل إنسان جسم)، فالذي تدخل عليه الفاء هو النتيجة، وهو لازم عن المقدمتين الأوليين. وإذا تقرر هذا في القياس المنطقي، اندرج القياس الشرعي؛ فإنه لا بد فيه من ثبوت الثلاثة، فاندرج في هذا الحد جميع صور الأقيسة والأدلة، وهو المطلوب. (سؤال) قال سيف الدين: يرد على الحد إشكال لا محيص عنه، وهو أن الحكم في الفرع نفيًا أو إثباتًا متفرع على القياس إجماعًا ، وليس هو ركنًا في القياس؛ لأن نتيجة الدليل غير الدليل، ولا يكون ركنًا منه لما فيه من الدور، فيلزم من أخذ إثبات الحكم ونفيه في الفرع في حد القياس أن يكون ركنًا في القياس، وهو دور، وقد أخذه في حد القياس، حيث قال: (في إثبات حكم لهما) أو (إثبات حكم معلوم لمعلوم).

стр. 2995

قال (بل المختار أنه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل): قلت: هول سيف الدين في هذا السؤال، وهو غير واردٍ؛ لأن التعريف يكون بالحدود تارة، وبالرسوم أخرى، وهو الغالب في هذه المواطن، والتعريف بالرسم هو التعريف باللوازم الخارجية، وغاية النتيجة والمسبب أن يكون خارجًا لازمًا، فالتعريف بالنتيجة تعريف بما هو لازم، فلا دور، إنما يلزم الدور إذا كان هذا التعريف من باب الحدود؛ فإن التعريف حينئذ يكون بالأركان كما قال، فتكون الحقيقة متوقفة عليه، وهو غير متوقف عليها، والنتيجة إن توقفت على القياس فهي لازم خارجي، واللازم الخارجي يكون متوقفًا على الملزوم، ويصح التعريف به، كما تقول في الإنسان: إنه الضاحك، مع أن قوة الضحك متوقفة على وجود الإنسان، وكذلك الكاتب، وسائر الرسوم من هذا النوع، فسؤاله مبنىُّ على أن التعريف وقع بالحد، لا بالرسم، وهو ممنوع، بل بالرسم، وهو صحيح كما تقرر. قال إمام الحرمين في (البرهان): هذا التعريف رسم، وكيف يستقيم أن يكون حدًا، وقد جمع فيه بين النفي والإثبات، والنفي لا يكون ركنًا، ولا جزءًا من الموجود؟. (المسألة الثانية) (في الأصل والفرع) قوله: (تسمية العلة في محل النزاع أصلاً، أولى من تسمية الحكم في الوفاق أصلاً؛ لأا العلة مؤثرة في الحكم، والمحل غير مؤثر فيه):

стр. 2996

تقريره: أنه قد وقع في بعض النسخ (محل الحكم) قبل ذكر (الحكم)، وهو الذي ينتظم مع تعليله، لقوله: (المحل غير مؤثر). وفي بعض النسخ: (الحكم) من غير ذكر (محله)، وهو مشكل غير متجه مع بقية كلامه. قوله: (وإطلاق الأصل على أصل أصل القياس، أولى من إطلاق اسم الفرع على أصل الفرع): تقريره: أن أصل القياس لما كان أصل أصل القياس صار أصلاً من وجهين: من جهة أنه أصل، ومن جهة أنه فرع أصل، فتكررت فيه الأصالة. وأما الصورة المقيسة التي تسمى فرعًا - وهي أصل الحكم المتفرع على حكم الأصل فهي فرع أصل فرع، فلم تتكرر فيها الفرعية، كما تكررت الأصلية في الجهة الأخرى، فضعفت فرعيتها، وقويت أصلية ذلك الأصل، وهذه الإطلاقات تتخرج على الخلاف الذي حكاه فيما هو المسمى بالأصل والفرع، هل هو محل الحكم، أو غيره؟ (تنبيه) قال التبريزي: قوله: (الحكم أصل في محل الوفاق فرع في محل الخلاف) إلى آخره، ذهاب عظيم عن مقصود البحث؛ إذ ليس المقصود

стр. 2997

بيان ما يصح أن يسمى أصلاً في الجملة؛ فإن ذلك معلوم، وله اعتبارات، فالنص أصل باعتبار، والحكم أصل باعتبار، والعلة أصل باعتبار، ولكن المطلوب بيان الأصل الذي يقابل الفرع في التركيب القياسي، ولا شك بهذا الاعتبار أنه محل الحكم الثابت بنص، أو إجماع، كما قاله الفقهاء. ولهذا كان حد القياس: (حمل معلوم على معلوم) نعني به: الفرع، والأصل، ولا يمكن تفسير المعلوم الثاني بالنص، ولا بالعلة، ولا بالحكم، وعن هذا قالوا: فلا بد من معلوم ثانٍ؛ ليكون أصلاً، وأبدلوا في اختصار التعريف لفظ (المعلوم) بالفرع والأصل، فقالوا: القياس: (رد فرع إلى أصل) هكذا. واشتهر في لسان النظار: لا نسلم الحكم في الأصل، ولا نسلم وصف العلة في الفرع، وكل ذلك إشارة إلى ما ذكرناه، ويقولون في الاستعمال: قياسًا على البر، قياسًا على الخمر. (فائدة) قال سيف الدين: يطلق الأصل على أمرين:

стр. 2998

الأول: ما يبنى عليه غيره، كقولنا: معرفة الله - تعالى - أصل معرفة الرسالة. الثاني: ما عرف بنفسه من غير افتقار لغيره، وإن لم يبن عليه غيره، كقولنا: تحريم الربا في النقدين أصل، وإن لم يبن عليه غيره، وهذا منشأ الخلاف في أصل القياس بين الخمر والنبيذ، هل الأصل الخمر، أو النص، أو الحكم الثابت في الخمر؟ واتفق الكل على أن العلى ليست أصلاً، والأشبه مذهب الفقهاء أن المحل هو الأصل؛ لافتقار الحكم والنص إليه من غير عكسٍ. * ... * ... *

стр. 2999

المسألة الثالثة قال الرازي: إذا اعتقدنا كون الحكم في محل الوفاق معللاً بوصف، ثم اعتقدنا حصول ذلك الوصف بتمامه في محل النزاع - حصل، لا محالة، اعتقاد أن الحكم في محل النزاع مثل الحكم في محل الوفاق، فإن كانت المقدمتان قطعيتين، كانت النتيجة كذلك، ولا نزاع بين العقلاء في صحته. أما إذا كانتا ظنيتين، أو كانت إحداهما فقط ظنية، فالنتيجة تكون ظنية، لا محالة، وهذا: إما أن يكون في الأمور الدنيوية، أو في الأحكام الشرعية، فإن كان في الأمور الدنيوية، فقد اتفقوا على أنه حجة. وأما في الشرعيات: فهو محل الخلاف، والمراد من قولنا: (القياس حجة): أنه إذا حصل ظن أن حكم هذه الصورة مثل حكم تلك الصورة، فهو مكلف بالعمل به في نفسه، ومكلف بأن يفتى به غيره. واعلم: أن الجمع بين الأصل والفرع، تارة يكون بإلغاء الفارق، والغزالي يسميه تنقيح المناط. وتارة باستخراج الجامع، وهاهنا لا بد من بيان أن الحكم في الأصل معلل بكذا، ثم من بيان وجود ذلك المعنى في الفرع، والغزالي يسمى الأول: تخريج المناط، والثاني: تحقيق المناط. * * * المسألة الثالثة قال القرافى: قوله: (إلغاء الفارق يسميه الغزالي تنقيح المناط):

стр. 3000

تقريره: أن لنا تنقيح المناط، وتحقيق المناط، وتخريج المناط.

стр. 3001

والمناط هو: العلة، لأنه اسم مكان من النياطة، وهي التعليق، كما قال حسان بن ثابت [الطويل]: وأنت زنيم نيط في آل هاشم .... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد أي كما علق القدح خلف الراكب. وقال حبيب [الطويل]: بلاد بها نيطت على تمائمي .... وأول أرض مس جلدي ترابها أي علقت على حروزي التي فيها الرقاء والعود. وناط عكس ماط: فناط إذا علق، وماط إذا طرح، ومنه: أماط الله عنك الأسوأ، أي: أزالها. و (تنقيح المناط) فيه مذهبان: قال الغزالي: هو إلغاء الفارق، كقولنا: لا فارق بين الأمة والعبد في إزالة ضرر العتق بالتشقيص، فتقوَّم الأمة على الشريك، كما يقوم العبد الذي هو مورد النص؛ فإن قوله ﵇: (من أعتق شركًا له في عبد) لا يتناول الأمة، فلا فارق بين العبيد والإماء في تشطير الحدود،

стр. 3002

فيشطر عليهم قياسًا على الإماء التي ورد النص فيهن، وهو قوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾. وقال الحصكفى، والتبريزي، وغيرهما من الجدليين: هو تعيين وصف للعلة من أوصاف مذكورة في دليل الحكم، كما في الحديث: أن الأ'رابي كان يضرب صدره، وينتف شعره، ويقول: (هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان)، فهذه عدة أوصاف مذكورة يتعين منها الجناية على الصوم، فهذا تنقيح المناط؛ لأنه تعيين العلة من أوصاف مذكورة. وتحقيق المناط هو: أن يتفق على علة، ويطلب تحقيقها في صورة النزاع،

стр. 3003

كما يتفق على أن القوت المعين - غالبًا - هو علة الربا، ويبحث في التين، هل هو كذلك أم لا؟. وتخريج المناط هو: تعيين العلة من أوصاف غير مذكورة في نص الحكم، كقوله ﵇: (لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلاً بمثلٍ)، فننظر نحن في أوصافه التي لم ترد في الحديث، من الطعم، والقوت، والجنس، والمالية، وغير ذلك مما قال به العلماء، ونعين منها وصفا علة، فهذا هو تخريج المناط؛ لأنا أخرجناه من غيب، بخلاف تنقيح المناط، إنما هو اختيار في موجود، فليس فيه إخراج، فهذه هي الفروق والخلاف في هذه المواطن. (فائدة) قال إمام الحرمين في (البرهان): اختلف في الإلحاق بنفي الفارق هل هو قياس أم لا؟ كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم العتق . (فائدة) قال المصنف: (إلغاء الفارق تنقيح المناط عند الغزالي)، والذي قاله الغزالي في (المستصفى) أن تنقيح المناط تعيين العلة من أوصاف مذكورة ، ومثله بحديث الأعرابي؛ فإن تعيين العلة فيه بإفساد الصوم هو تنقيح المناط. ومثل تخريج المناط بتعيين العلة من أوصاف غير مذكورة، ومثله بتعيين على تحريم الخمر. وتحقيق المناط بطلب المناط المتفق عليه في صورة النزاع، ولم أجد الغزالي خالف الجماعة في الاصطلاح، كما تقدمت الحكاية عنهم، وما أدري كيف هذا النقل.

стр. 3004

(فائدة) قال سيف الدين: للقياس عشرة شروط: الأول: أن يكون الحكم شرعيًا. الثاني: أن يكون ثابتًا غير منسوخ حتى يمكن التفريع عليه. الثالث: ألا يكون حكم الأصل متفرعًا على أصل آخر، قاله أكثر الشافعية والكرخي خلافًا للحنابلة، وأبي عبد الله البصري.

стр. 3005

لنا: أن العلة الجامعة إن كانت واحدة في الجميع، فالأصل هو الأول لا الثاني، والزيادة تطويل بغير فائدة، كقولنا في قياس التفاح على السفرجل، والسفرجل على البر. وإن كانت غير الأخرى، امتنع القياس، كما نقول في الجذام: إنه سبب يثبت الفسخ به في البيع، فيثبت به الفسخ في النكاح: كالرتق، والقرن مع أنهما مقيسان على الجب والعنة بواسطة منع الاستمتاع. الرابع: أن يكون دليل الحكم شرعيًا، وإلا لما كان الحكم شرعيًا. الخامس: ألا يكون حكم الأصل تعبديًا. السادس: أن يكون متفقًا عليه، وهل بين الأمة أو بين الخصمين؟ خلاف، والثاني يسمى قياسًا مركبًا، والقياس المركب أن يكون الحكم في الأصل غير منصوص عليه، ولا مجمع عليه بين الأمة، وهو قسمان: الأول: مركب الأصل، والثاني: مركب الوصف. أما مركب الأصل: فهو أن يعين المستدل علة في الأصل ويجمع بها، فيعين المعترض علة أخرى، كقولنا في قتل الحر بالعبد: عبدٌ، فلا يقتل به الحر كالمكاتب والمكاتب غير منصوص عليه، ولا مجمع عليه بين الأمة؛ لاختلاف الناس في وجوب القصاص على قاتله، إنما هو متفق عليه بين الشافعي وأبي حنيفة، فللحنفي أن يقول: العلة في المكاتب جهالة المستحق من السيد أو الورثة، فسمى مركبًا لاختلاف الخصمين في علة الأصل، قاله بعضهم، وليس كذلك، وإلا لكان كل قياس اختلف في علة أصله، وإن كان منصوصًا عليه، أو متفقًا عليه بين الأمة - مركبًا، وليس كذلك، بل سمى مركبًا لاختلاف الخصمين في تركيب الحكم على أي العلتين.

стр. 3006

وأما مركب الوصف فهو: ما وقع الاختلاف فيه في وصف المستدل، هل له وجود في الأصل أم لا؟ كما في تعليق الطلاق بالنكاح تعليق، فلا يصح قبل النكاح، كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق، يقول السائل: لا أسلم وجود التعليق في الأصل، بل تنجيز، فإن سلمته، قلت: يلزمه الطلاق، ولا إجماع فيه، ولا نص يمنع من منع الحكم، وسمى مركب الوصف؛ لأنه خلاف في نفس الوصف الجامع. إذا تقرر معنى القياس المركب وأقسامه، فالناظر إن كان المجتهد، وله مدرك في ثبوت حكم الأصل سوى النص والإجماع. فالقياس صحيح؛ لأنه إذا غلب على ظنه صحة القياس، فلا يكابر نفسه فيما يوجبه ظنه، وإن لم يكن له مدرك سوى النص والإجماع تعذر القياس؛ لتعذر إثبات حكم الأصل. وإن كان الناظر في ذلك مناظرًا لا مجتهدًا، فالمختار في إبطال ما يعارض به الخصم في القسم الأول من التركيب، وتحقيق وجود ما يدعيه في الأصل في القسم الثاني منه - إنما هو التفصيل، وهو أن الخصم إما أن يكون مجتهدًا أو مقلدًا، فإن كان مجتهدًا وظهر في نظره إبطال المدرك الذي بنى عليه حكم الأصل، فله منع حكم الأصل، فيبطل القياس، أو مقلدًا فليس له منع الحكم في الأصل، وتخطئةُ إمامه فيه؛ بناء على عجزه عن تمشيه الكلام مع المستدل؛ لاحتمال أن يكون ما يمشيه ليس هو المدرك عند إمامه. السابع: ألا يكون الدليل الدال على ثبوت حكم الأصل دالاً على ثبوت حكم الفرع، وإلا لما كان جعل أحدهما أصلاً والآخر فرعًا أولى من العكس.

стр. 3007

فرع قال سيف الدين: اختلف الشافعية والحنفية هل حكم الأصل ثابت بالعلة ، وهو قول الشافعية؟، أو بالنص وهو قول الحنفية؟. احتجوا بأن الحكم في الأصل مقطوع به، والعلة المستنبطة منه مظنونة، فلا تفيد القطع؛ ولأنها فرع عنه فلا يثبت، ولأنه قد يثبت بغير علة. والجواب: أنا لا نريد بأنه ثابت بها أنها معرفة بالقياس السائل أن الحكم شرع لأجلها، فالخلاف لفظي. الثامن: خلو الفرع عن معارض راجح على العلة، على القول بجواز تخصيص العلة. التاسع: مماثلة حكم الأصل في عينه، كوجوب القصاص في النفس المشترك بين المثقل والمحدد، أو جنسه كإثبات الولاية على الصغيرة في النكاح كما في مالها، فالمشترك إنما هو جنس الولاية لا عينها، فإن خرج عن القسمين بطل القياس. العاشر: ألا يكون حكم الفرع متقدمًا على حكم الأصل، كقياس الوضوء على التيمم في الافتقار إلى النية؛ لأنه يلزم منه أن يكون الحكم ثابتًا في الفرع قبل كون العلة الجامعة في قياسه جامعة، إلا أن يكون ذلك على سبيل الإلزام للخصم، واشترط قوم أن يكون حكم الفرع ثابتًا بالنص إجمالاً لا تفصيلاً، وهو باطل؛ لأن الصحابة قاسوا قوله: (أنتِ علىَّ حرام) على الطلاق، واليمين، والظهار، وليس في الفرع نص، لا جملة ولا تفصيلاً. * ... * ... *

стр. 3008

القسم الأول قال الرازي: في إثبات أن القياس حجة اختلف الناس في القياس الشرعي، فقالت طائفة: العقل يقتضى جواز التعبد به في الجملة، وقالت طائفة: العقل يقتضي المنع من التعبد به. والأولون قسمان: منهم من قال: وقع التعبد به، ومنهم من قال: لم يقع. أما من اعترف بوقوع التعبد به: فقد اتفقوا على أن السمع دل عليه، ثم اختلفوا في ثلاثة مواضع: أحدها: أنه، هل في العقل ما يدل عليه؟ فقال القفال منا، وأبو الحسين البصري - من المعتزلة -: العقل يدل على وجوب العمل به. وأما الباقون منا، ومن المعتزلة: فقد أنكروا ذلك. وثانيها: أن أبا الحسين البصري زعم أن دلالة الدلائل السمعية عليه ظنية، والباقون قالوا: قطعية. وثالثها: القاشاني والنهرواني ذهبا إلى العمل بالقياس في صورتين: إحداهما: إذا كانت العلة منصوصة بصريح اللفظ، أو بإيمائه: والثانية: كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف. أما جمهور العلماء فقد قالوا بسائر الأقيسة. وأما القائلون بأن التعبد لم يقع به، فمنهم: من قال: لم يوجد في السمع ما

стр. 3009

يدل على وقوع التعبد به؛ فوجب الامتناع من العمل به، ومنهم: من لم يقنع بذلك؛ بل تمسك في نفيه بالكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وإجماع العترة. وأما القسم الثاني: وهم الذين قالوا بأن العقل يقتضي المنع من التعبد به فهم فريقان: أحدهما: خصص ذلك المنع بشرعنا؛ وقال: لأن مبنى شرعنا على الجمع بين المختلفات، والفرق بين المتماثلات، وذلك يمنع من القياس، وهذا قول النظام؟ وثانيهما: الذين قالوا: يمتنع ورود التعبد به في كل الشرائع، وهؤلاء فرق ثلاث: إحداها: الذين قالوا: يمتنع أن يكون القياس طريقًا إلى العلم والظن. وثانيها: الذين سلموا أنه يفيد الظن، لكنهم قالوا: لا يجوز متابعة الظن؛ لأنه قد يخطيء، وقد يصيب. وثالثتها: الذين سلموا أنه يجوز متابعة الظن في الجملة، ولكن حيث يتعذر النص؛ كما في قيم المتلفات وأروش الجنايات، والفتوى والشهادات؛ لأنه لا نهاية لتلك الصور، فكان التنصيص على حكم كل واحد منها متعذرًا. أما في غير هذه الأحكام: فإنه يمكن التنصيص عليها، فكان الاكتفاء بالقياس؛ اقتصارًا على أدنى البابين، مع القدرة على أعلاهما؛ وإنه غير جائزٍ، وهذه طريقة داود وأتباعه من أهل الظاهر.

стр. 3010

فهذا تفصيل المذاهب، والذي نذهب إليه، وهو قول الجمهور من علماء الصحابة والتابعين أن القياس حجة في الشرع. لنا: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [الحشر: ٢] وجه الاستدلال به: أنَّ الاعتبار مشتق من العبور، وهو المرور؛ يقال: عبرت عليه، وعبرت النهر، والمعبر: الموضع الذي يعبر عليه، والمعبر: السفينة التي يعبر فيها؛ كأنها أداة العبور، والعبرة: الدمعة التي عبرت من الجفن، وعبر الرؤيا، وعبرها: جاوزها إلى ما يلازمها. فثبت بهذه الاستعمالات كون الاعتبار حقيقة في المجاوزة؛ فوجب ألا يكون حقيقة في غيرها؛ دفعًا للاشتراك. والقياس: (عبور) من حكم الأصل إلى حكم الفرع؛ فكان داخلاً تحت الأمر. فإن قيل: لا نسلم أن الاعتبار هو المجاوزة، فوجب ألا يكون حقيقة في غيرها؛ دفعًا للاشتراك. والقياس: (عبور) من حكم الأصل إلى حكم الفرع؛ فكان داخلاً تحت الأمر. فإن قيل: لا نسلم أن الاعتبار هو المجاوزة، بل هو عبارة عن الاتعاظ؛ لوجوه: أحدها: أنه لا يقال لمن يستعمل القياس العقلي: إنه معتبر. وثانيها: أن المتفكر في إثبات الحكم من طريق القياس، إذا لم يتفكر في أمر معاده، يقال: إنه غير معتبر، أو قليل الاعتبار. وثالثها: قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾ [آل عمران: ١٣، والنور: ٤٤]، ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة﴾ [النحل: ٦٦، النحل: المؤمنين: ٢١] والمراد به: الاتعاظ. ورابعها: يقال: (السعيد من اعتبر بغيره) والأصل في الكلام الحقيقة،

стр. 3011

فهذه الأدلة تدل على أن الاعتبار حقيقة في الاتعاظ، لا في المجاوزة؛ فحصل التعارض بين ما قلتم، وما قلناه؛ فعليكم الترجيح، ثم الترجيح معنا؛ فإن الفهم أسبق إلى ما ذكرنا. سلمنا أن ما ذكرتموه حقيقة؛ ولكن شرط حمل اللفظ على الحقيقة ألا يكون هناك ما يمنع منه، وقد وجد هاهنا ما يمنع؛ فإنه لو قال: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقيسوا الذرة على البر) كان ركيكًا؛ لا يليق بالشرع. وإذا كان كذلك ثبت أنه وجد ما يمنع من حمل اللفظ على حقيقته، سلمنا أنه لا مانع من حمله على المجاوزة؛ لكن لا نسلم أن الأمر بالمجاوزة أمر بالقياس الشرعي. وبيانه: أن كل من تمسك بدليل على مدلول، فقد عبر من الدليل إلى المدلول، فمسمى الاعتبار مشترك فيه بين الاستدلال بالدليل العقلي القاطع، وبالنص، وبالبراءة الأصلية، وبالقياس الشرعي؛ فكل واحد من هذه الأنواع يخالف الآخر بخصوصيته، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، وغير مستلزم له، فاللفظ الدال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز، لا بلفظه ولا بمعناه؛ فلا يكون دالاً على النوع الذي ليس إلا عبارة عن مجموع جهة الاشتراك، وجهة الامتياز، فلفظ (الاعتبار) غير دال على القياس الشرعي، لا بلفظه، ولا بمعناه. فإن قلت: القدر المشترك بين أنواع مخصوصة لا يوجد إلا عند وجود واحد منها، والأمر بالشيء أمر بما هو من ضروراته، فالأمر بإدخال الاعتبار في الوجود أمر بإدخال أحد أنواعه في الوجود، ثم ليس تعيين أحد أنواعه أولى من

стр. 3012

تعيين الباقي؛ لأن نسبة القدر المشترك بين أنواع مخصوصة إلى كل واحد منها على السوية؛ فإما ألا يجب شيء منها، وهو باطل؛ لأن تجويز الإخلال بجميع أنواع الماهية يستلزم تجويز الإخلال بتلك الماهية؛ فيلزم ألا يكون مسمى الاعتبار مأمورًا به، وهو باطل. أو يجب جميع أنواع الاعتبار المأمور به في الآية، فيكون القياس الشرعي مندرجًا فيه. قلت: لا نسلم أنه ليس بعض الأنواع أولى من بعض؛ لأن الاعتبار المأمور به في الآية لا يمكن أن يكون هو القياس الشرعي فقط، وإلا لصار معنى الآية: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقيسوا الذرة على البر) ومعلوم أنه غير جائز؛ بل لا بد من الاعتراف بأن الاعتبار المأمور به يفيد نوعًا غير القياس الشرعي، وهو الاتعاظ مثلاً، إلا أنا نقول: إنه يفيد الاتعاظ فقط، وأنتم تقولون: يفيد الاتعاظ والقياس الشرعي. فظهر بهذا أن الأمر بالاعتبار يستلزم الأمر بالاتعاظ، ومسمى الاعتبار حاصل في الاتعاظ؛ ففي إيجاب الاتعاظ حصل إيجاب مسمى الاعتبار، فلا حاجة إلى إيجاب سائر أنواعه، وأيضًا: فنحن نوجب اعتبارات أخرى: أحدها: إذا نص الشارع على علة الحكم، فهاهنا: القياس عندنا واجب. وثانيها: قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف. وثالثها: الأقيسة العقلية. ورابعها: الأقيسة في أمور الدنيا؛ فإن العمل بها عندنا واجب.

стр. 3013

وخامسها: أن نشبه الفرع بالأصل؛ في أنه لا يستفاد حكمه إلا من النص. وسادسها: الاتعاظ والانزجار بالقصص والأمثال. فثبت بما تقدم: أن الآتي بفرد من أفراد ما يسمى اعتبارًا، يكون خارجًا عن عهدة هذا الأمر، وثبت أنا أتينا به في صور كثيرة؛ فلا تبقى فيه دلالة البتة على الأمر بالقياس الشرعي. سلمنا أن اللفظ يقتضي العموم؛ لكن حمله علي هاهنا يفضي إلى التناقض؛ لأن التسوية بين الفرع والأصل في الحكم نوع من الاعتبار، والتسوية بينهما في أنه لا يستفاد حكم الفرع، إلا من النص؛ كما أنه في الأصل - كذلك. ولأنه نوع آخر من الاعتبار، والأمر بأحد الاعتبارين مناف للأمر بالآخر فإجراء اللفظ على ظاهره يقتضي الأمر بالمتنافيين معًا؛ وهو محالٌ، ثم ليس إخراج أحد القسمين من تحت ظاهر العموم لإبقاء الآخر أولى من العكس، وعليكم الترجيح، ثم إنه معنا؛ لأن تشبيه الفرع بالأصل؛ في أنه لا يستفاد حكمه إلا من النص عمل بالاحتياط، واحتراز عن الظن الذي (لا يغني من الحق شيئًا). سلمنا بأن حمله على العموم لا يفضي إلى التناقض؛ لكنه عام دخله التخصيص؛ فوجب ألا يكون حجة. بيان الأول من وجوه: أحدها: أن الرجل لا يكون مأمورًا بالاعتبار عند تعادل الأمارات، وفي الأشياء التي ما نصب الله تعالى عليها دليلاً؛ كمقادير الثواب والعقاب، وأجزاء

стр. 3014

السموات والأرض، وفي الأشياء التي عرف حكمها بالاعتبار مرة، فالمكلف بعد ذلك لا يكون مأمورًا باعتبار آخر. وثانيها: لو قال لوكيله: (أعتق غانمًا؛ لسواده) فليس للوكيل أن يعتق سالمًا؛ لسواده. وثالثها: أن عند قيام النص في المسألة لا يكون الرجل مأمورًا بالعمل بالقياس. ورابعها: الأقيسة المتعارضة لا يتناولها الأمر؛ فثبت أن هذا العام مخصوص، ومثل هذا العام ليس بحجة؛ على ما سبق بيانه في باب العموم، سلمنا أنه حجة؛ لكن حجة قطعية، أو ظنية؟. الأول ممنوع، والثاني مسلم: بيانه: أنكم، إنما بينتم كون الاعتبار اسمًا للمجاوزة بتلك الاشتقاقات، ولا شك أن التوسل بالاشتقاقات إلى تعيين المسمى دليل ظني، ومسألة القياس مسألة يقينية، وبناء اليقيني على الدليل المبني على المقدمة الظنية لا يجوز، سلمنا: أنه يفيد اليقين؛ لكنه أمر، والأمر لا يفيد التكرار؛ فلا يتناول كل الأوقات. سلمنا أنه يتناول كل الأوقات؛ ولكنه خطاب مشافهةٍ، فيختص بالحاضرين في عصر الرسول ﷺ . والجواب: قلنا: جعله حقيقة في المجاورة أولى؛ لوجهين: الأول: أنه يقال: (فلان اعتبر فاتعظ)، فيجعلون الاتعاظ معلول الاعتبار، وذلك يوجب التغاير. الثاني: أن معنى المحاوزة حاصل في الاتعاظ؛ فإن الإنسان ما لم يستدل بشيء آخر على حال نفسه لا يكون متعظًا.

стр. 3015

إذا ثبت هذا، فنقول: لو جعلناه حقيقة في المجاوزة، لكان حقيقة في الاتعاظ وغيره، على سبيل التواطؤ. أما لو جعلناه حقيقة في الاتعاظ، كان استعماله في غيره: إما بالاشتراك، أو بالمجاز؛ وهما على خلاف الأصل. وعلى هذا التقرير: لا يضرنا قولهم: إن لفظ (الاعتبار) مستعمل في الاتعاظ، فأما قوله: (لا يقال لمن يستعمل القياس: (إنه معتبر): قلنا: لا نسلم؛ فإنه يصح (أن يقال: إن فلانًا يعتبر الأشياء الفعلية بغيرها) بلى من أتى بقياس واحد لا يقال: (إنه معتبر على الإطلاق)، كما أنه لا يقال له: (إنه قائس على الإطلاق) لأن لفظ المعتبر والقائس على الإطلاق، لا يستعمل إلا في المكثر منه. قوله: (المكثر من حمل الفروع على الأصول، إذا لم يتفكر في أمر آخرته لا يقال له: (إنه معتبر): قلنا: لما كان الغرض الأعظم من الاعتبار هو العمل للآخرة، فإذا لم يأت بما هو المقصود الأصلي، قيل: (إنه غير معتبر) على سبيل المجاز، كما يقال لمن لا يتدبر في الآيات: (إنه أعمى وأصم). وأما قوله تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة﴾ [النحل: ٦٦]. قلنا: معنى المجاوزة حاصل فيه؛ لأن النظر في خلقها يفيد العلم بوجود صانعها. قوله: (سلمنا أنه حقيقة في المجاوزة، ولكن وجد ما يمنع من حمله عليها): قلنا: لا نسلم. قوله: (لو قال: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقيسوا الذرة على البر) كان ركيكًا):
следующие страницы →