Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
فهذه الأدلة تدل على أن الاعتبار حقيقة في الاتعاظ، لا في المجاوزة؛ فحصل التعارض بين ما قلتم، وما قلناه؛ فعليكم الترجيح، ثم الترجيح معنا؛ فإن الفهم أسبق إلى ما ذكرنا.
سلمنا أن ما ذكرتموه حقيقة؛ ولكن شرط حمل اللفظ على الحقيقة ألا يكون هناك ما يمنع منه، وقد وجد هاهنا ما يمنع؛ فإنه لو قال: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقيسوا الذرة على البر) كان ركيكًا؛ لا يليق بالشرع.
وإذا كان كذلك ثبت أنه وجد ما يمنع من حمل اللفظ على حقيقته، سلمنا أنه لا مانع من حمله على المجاوزة؛ لكن لا نسلم أن الأمر بالمجاوزة أمر بالقياس الشرعي.
وبيانه: أن كل من تمسك بدليل على مدلول، فقد عبر من الدليل إلى المدلول، فمسمى الاعتبار مشترك فيه بين الاستدلال بالدليل العقلي القاطع، وبالنص، وبالبراءة الأصلية، وبالقياس الشرعي؛ فكل واحد من هذه الأنواع يخالف الآخر بخصوصيته، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، وغير مستلزم له، فاللفظ الدال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز، لا بلفظه ولا بمعناه؛ فلا يكون دالاً على النوع الذي ليس إلا عبارة عن مجموع جهة الاشتراك، وجهة الامتياز، فلفظ (الاعتبار) غير دال على القياس الشرعي، لا بلفظه، ولا بمعناه.
فإن قلت: القدر المشترك بين أنواع مخصوصة لا يوجد إلا عند وجود واحد منها، والأمر بالشيء أمر بما هو من ضروراته، فالأمر بإدخال الاعتبار في الوجود أمر بإدخال أحد أنواعه في الوجود، ثم ليس تعيين أحد أنواعه أولى من
стр. 3012
تعيين الباقي؛ لأن نسبة القدر المشترك بين أنواع مخصوصة إلى كل واحد منها على السوية؛ فإما ألا يجب شيء منها، وهو باطل؛ لأن تجويز الإخلال بجميع أنواع الماهية يستلزم تجويز الإخلال بتلك الماهية؛ فيلزم ألا يكون مسمى الاعتبار مأمورًا به، وهو باطل.
أو يجب جميع أنواع الاعتبار المأمور به في الآية، فيكون القياس الشرعي مندرجًا فيه.
قلت: لا نسلم أنه ليس بعض الأنواع أولى من بعض؛ لأن الاعتبار المأمور به في الآية لا يمكن أن يكون هو القياس الشرعي فقط، وإلا لصار معنى الآية: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقيسوا الذرة على البر) ومعلوم أنه غير جائز؛ بل لا بد من الاعتراف بأن الاعتبار المأمور به يفيد نوعًا غير القياس الشرعي، وهو الاتعاظ مثلاً، إلا أنا نقول: إنه يفيد الاتعاظ فقط، وأنتم تقولون: يفيد الاتعاظ والقياس الشرعي.
فظهر بهذا أن الأمر بالاعتبار يستلزم الأمر بالاتعاظ، ومسمى الاعتبار حاصل في الاتعاظ؛ ففي إيجاب الاتعاظ حصل إيجاب مسمى الاعتبار، فلا حاجة إلى إيجاب سائر أنواعه، وأيضًا: فنحن نوجب اعتبارات أخرى:
أحدها: إذا نص الشارع على علة الحكم، فهاهنا: القياس عندنا واجب.
وثانيها: قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف.
وثالثها: الأقيسة العقلية.
ورابعها: الأقيسة في أمور الدنيا؛ فإن العمل بها عندنا واجب.
стр. 3013
وخامسها: أن نشبه الفرع بالأصل؛ في أنه لا يستفاد حكمه إلا من النص.
وسادسها: الاتعاظ والانزجار بالقصص والأمثال.
فثبت بما تقدم: أن الآتي بفرد من أفراد ما يسمى اعتبارًا، يكون خارجًا عن عهدة هذا الأمر، وثبت أنا أتينا به في صور كثيرة؛ فلا تبقى فيه دلالة البتة على الأمر بالقياس الشرعي.
سلمنا أن اللفظ يقتضي العموم؛ لكن حمله علي هاهنا يفضي إلى التناقض؛ لأن التسوية بين الفرع والأصل في الحكم نوع من الاعتبار، والتسوية بينهما في أنه لا يستفاد حكم الفرع، إلا من النص؛ كما أنه في الأصل - كذلك.
ولأنه نوع آخر من الاعتبار، والأمر بأحد الاعتبارين مناف للأمر بالآخر فإجراء اللفظ على ظاهره يقتضي الأمر بالمتنافيين معًا؛ وهو محالٌ، ثم ليس إخراج أحد القسمين من تحت ظاهر العموم لإبقاء الآخر أولى من العكس، وعليكم الترجيح، ثم إنه معنا؛ لأن تشبيه الفرع بالأصل؛ في أنه لا يستفاد حكمه إلا من النص عمل بالاحتياط، واحتراز عن الظن الذي (لا يغني من الحق شيئًا).
سلمنا بأن حمله على العموم لا يفضي إلى التناقض؛ لكنه عام دخله التخصيص؛ فوجب ألا يكون حجة.
بيان الأول من وجوه:
أحدها: أن الرجل لا يكون مأمورًا بالاعتبار عند تعادل الأمارات، وفي الأشياء التي ما نصب الله تعالى عليها دليلاً؛ كمقادير الثواب والعقاب، وأجزاء
стр. 3014
السموات والأرض، وفي الأشياء التي عرف حكمها بالاعتبار مرة، فالمكلف بعد ذلك لا يكون مأمورًا باعتبار آخر.
وثانيها: لو قال لوكيله: (أعتق غانمًا؛ لسواده) فليس للوكيل أن يعتق سالمًا؛ لسواده.
وثالثها: أن عند قيام النص في المسألة لا يكون الرجل مأمورًا بالعمل بالقياس.
ورابعها: الأقيسة المتعارضة لا يتناولها الأمر؛ فثبت أن هذا العام مخصوص، ومثل هذا العام ليس بحجة؛ على ما سبق بيانه في باب العموم، سلمنا أنه حجة؛ لكن حجة قطعية، أو ظنية؟.
الأول ممنوع، والثاني مسلم:
بيانه: أنكم، إنما بينتم كون الاعتبار اسمًا للمجاوزة بتلك الاشتقاقات، ولا شك أن التوسل بالاشتقاقات إلى تعيين المسمى دليل ظني، ومسألة القياس مسألة يقينية، وبناء اليقيني على الدليل المبني على المقدمة الظنية لا يجوز، سلمنا: أنه يفيد اليقين؛ لكنه أمر، والأمر لا يفيد التكرار؛ فلا يتناول كل الأوقات.
سلمنا أنه يتناول كل الأوقات؛ ولكنه خطاب مشافهةٍ، فيختص بالحاضرين في عصر الرسول ﷺ .
والجواب: قلنا: جعله حقيقة في المجاورة أولى؛ لوجهين:
الأول: أنه يقال: (فلان اعتبر فاتعظ)، فيجعلون الاتعاظ معلول الاعتبار، وذلك يوجب التغاير.
الثاني: أن معنى المحاوزة حاصل في الاتعاظ؛ فإن الإنسان ما لم يستدل بشيء آخر على حال نفسه لا يكون متعظًا.
стр. 3015
إذا ثبت هذا، فنقول: لو جعلناه حقيقة في المجاوزة، لكان حقيقة في الاتعاظ وغيره، على سبيل التواطؤ.
أما لو جعلناه حقيقة في الاتعاظ، كان استعماله في غيره: إما بالاشتراك، أو بالمجاز؛ وهما على خلاف الأصل.
وعلى هذا التقرير: لا يضرنا قولهم: إن لفظ (الاعتبار) مستعمل في الاتعاظ، فأما قوله: (لا يقال لمن يستعمل القياس: (إنه معتبر):
قلنا: لا نسلم؛ فإنه يصح (أن يقال: إن فلانًا يعتبر الأشياء الفعلية بغيرها) بلى من أتى بقياس واحد لا يقال: (إنه معتبر على الإطلاق)، كما أنه لا يقال له: (إنه قائس على الإطلاق) لأن لفظ المعتبر والقائس على الإطلاق، لا يستعمل إلا في المكثر منه.
قوله: (المكثر من حمل الفروع على الأصول، إذا لم يتفكر في أمر آخرته لا يقال له: (إنه معتبر):
قلنا: لما كان الغرض الأعظم من الاعتبار هو العمل للآخرة، فإذا لم يأت بما هو المقصود الأصلي، قيل: (إنه غير معتبر) على سبيل المجاز، كما يقال لمن لا يتدبر في الآيات: (إنه أعمى وأصم).
وأما قوله تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة﴾ [النحل: ٦٦].
قلنا: معنى المجاوزة حاصل فيه؛ لأن النظر في خلقها يفيد العلم بوجود صانعها.
قوله: (سلمنا أنه حقيقة في المجاوزة، ولكن وجد ما يمنع من حمله عليها):
قلنا: لا نسلم.
قوله: (لو قال: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقيسوا الذرة على البر) كان ركيكًا):
стр. 3016
قلنا: لا نزاع في أنه لو نص على هذه الصورة، كان ركيكًا؛ لأنه لا مناسبة بين خصوص هذا القياس، وبين قوله تعالى: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ [الحشر: ٢] لكن لم قلت: إنه لو أمر بمطلق (الاعتبار) الذي يكون القياس الشرعي أحد جزئياته، كان ركيكًا؟.
مثاله: لو سألأه عن مسألة، فأجاب بما لا يتناول تلك المسألة، كان باطلاً، أما لو أجاب بما يتناول تلك المسألة، وغيرها، كان حسنًا.
قوله: (الأمر بالاعتبار لا يقتضي إلا إدخال فرد من أفراد هذه الماهية في الوجود):
قلنا: بل يقتضي العموم؛ لدليلين:
الأول: أن ترتيب الحكم على المسمى يقتضي أن علة ذلك الحكم هو ذلك المسمى، وذلك يقتضي أن علة الأمر بالاعتبار هو كونه اعتبارًا؛ فيلزم أن يكون كل اعتبار مأمورًا به.
الثاني: أنه يحسن أن يقال: (اعتبر إلا الاعتبار الفلاني) وقد بينا في (باب العموم) أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحت اللفظ، فعلمنا أن كل الاعتبارات داخلة تحت هذا اللفظ.
قوله: (لو حملناه على العموم، لأفضى إلى التناقض):
قلنا: هب أنه كذلك؛ لكنا نقول: لا يجوز أن يكون المراد منه تشبيه الفرع بالأصل؛ في أنه لا يستفاد حكمه إلا من النص؛ وذلك لوجهين:
стр. 3017
الأول: أن الاعتبار المذكور هاهنا لا بد، وأن يكون معناه لائقًا بما قبل هذه الآية وما بعدها؛ وإلا جاءت الركاكة، والذي يليق به هو التشبيه في الحكم، لا المنع منه؛ وإلا لصار معنى الآية: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فلا تحكموا هذا الحكم في حق غيرهم إلا بنص وارد في حق ذلك الغير) ومعلوم أن ذلك باطل، وإذا بطل حمل الآية عليه، وجب حملها على التشبيه في الحكم؛ عملاً بعموم اللفظ.
الثاني: هو أن المتبادر إلى الفهم من لفظ (الاعتبار): هو التشبيه في الحكم، لا المنع منه؛ ولذلك فإن السيد إذا ضرب بعض عبيده على ذنب صدر منه، ثم قال للآخر: (اعتبر به) فهم منه الأمر بالتسوية في الحكم، لا الأمر بالمنع منه.
قوله: (إنه عام مخصوص):
قلنا: هذا مسلم؛ لكنا بينا في (باب العموم): أن العام المخصوص حجة.
قوله: (بعض مقدمات هذه الدلالة ظنية):
قلنا: هذا السؤال عام في كل السمعيات؛ فلا يكون له تعلق بخاصية هذه المسألة.
قوله: (الأمر لا يفيد التكرار):
قلنا: إنه لما كان أمرًا بجميع الأقيسة، كان متناولاً، لا محالة لجميع الأوقات، وإلا قدح ذلك في كونه متناولاً لكل الأقيسة.
قوله: (هو خطاب مع أولئك الذين كانوا في عصر الرسول ﷺ ؛ فلم قلتم: إنه يتناولنا؟):
قلنا: للإجماع على عدم الفرق.
стр. 3018
القسم الأول
في إثبات كون القياس حجة
قال القرافى: قال إمام الحرمين: منع بعضهم القياس عقليًا ونقليًا، وهو مذهب منكرى النظر.
وقال الأصوليون والقياسيون والفقهاء بإثباتهما.
وقيل: المعتبر القياس العقلي دون الشرعي، وهو مذهب النظام وطوائف من الروافض، والإباضية، والأزارقة، ومعظم فرق الخوارج.
وقيل: يحرم القياس النظري، ويجب القياس الشرعي، قاله ابن حنبلٍ والمقتصدون من أتباعه، ولا ينكرون إفضاء النظر للعلم، بل ينهون عن ملابسته.
وقال الغزالي في (المستصفى): أما تحقيق مناط الحكم فلا خلاف بين الأمة في جوازه إذا وقع في تحقيق مناط الحكم، كتعيين القيم، وتعين من يصلح للإمامة.
وتنقيح مناط الحكم أقر به أكثر منكري القياس، كإيجاب العتق في حديث الأعرابي المفسد لصومه.
وتخريج المناط هو: استنباط علة الحكم من محل لم يتعرض فيه للمناط، كتحريم الخمر والربا في البر، فتعليله بالإسكار والطعم هو الذي عظم فيه الاختلاف.
قوله: (الاعتبار دال على القدر المشترك، فلا يدل على النوع الذي ليس إلا عبارة عن مجموع جهة الاشتراك، وجهة الامتياز):
стр. 3019
قلنا: هذه عبارة فيها بعد، وهو يريد بجهة (الاشتراك) العلة الشرعية، وجهة (الامتياز) كون الأصل متفقًا على ثبوت الحكم فيه، والفرع مختلفًا فيه، وهو القياس الشرعي، فكان يكفيه أن يقول: (القياس الشرعي) من غير تطويل، ولا عبارة بعيدة.
قوله: (لا بد للماهية من نوع تصير فيه إلى الوجود، وليس البعض أولى من البعض):
قلنا: يكون ذلك كالأمر بجميع المطلقات، كقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢] يتخير المكلف بين رقاب الدنيا، ولا يلزم التعميم، ولا التعطيل، وكذلك شاة من أربعين، ودينار من أربعين دينارًا.
قوله: (والآية عامة؛ لأن ترتيب الحكم على المسمى يقتضي أن علة ذلك الحكم هو ذلك المسمى):
قلنا: ادعيتم العموم اللفظي، وأبيتم عموم الحكم بالعلة، وهذا غير العموم اللفظي، بل هو قياس، فيلزم منه إثبات بالقياس بل بأضعف أنواع القياس، وهو أن ترتيب الحكم على الوصف، إنما هو من باب افيماءات التي هي أضعف في إثبات العلة من التنصيص على العلة، بل الصحيح أن الآية فعل في سياق الإثبات، فيكون مطلقًا لا عموم فيه، بل القدر المشترك الذي لا دلالة فيه على خصوص نوع من جهات ذلك المشترك.
قوله: (يحسن أن يقال: (اعتبروا إلا الاعتبار الفلاني):
قلنا: قد تقدم أن الاستثناء أربعة أقسام:
ما لولاه لعلم اندراجه، كالاستثناء من النصوص.
وما لولاه لظن اندراجه، كالاستثناء من العمومات.
وما لولاه لجار اندراجه، من غير علم ولا ظن، كالاستثناء من محال
стр. 3020
المدلول، نحو: أكرم رجلاً إلا زيدًا، وعمرًا، وخالدًا، أو أزمانه، نحو: صل إلا عند الزوال، وبقاعه نحو: صلِّ إلا [على] المزبلة، ومن الأحوال كقوله تعالى: ﴿لتأتنني به إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف: ٦٦]، وقد تقدم بسطه في الاستثناء والعمومات.
وهاهنا هو من المحال، فلا حجة فيه على الاندراج الذي ادعيتموه، فلا عموم، بل عموم الصلاحية لا عموم الشمول، ومقصودكم الثاني دون الأول.
قوله: (السؤال عام في كل السمعيات، فلا يكون له تعلق بخاصية هذه المسألة):
قلنا: تقدم كلام التبريزي أن مسائل الأصول قطعية، ونحن نستدل عليها بظواهر النصوص، والمصحح لذلك أنا نريد بكل نص منها ذلك الظاهر بقيد إضافته لما معه من الأمور الحاصلة بالاستقراء التام من النصوص، وأقضية الصحابة، ومناظراتهم وفتاويهم، وتصرفات أحوالهم في الأحكام الشرعية؛ فإن الاستقراء التام في هذه الأمور من الكتاب والسنة وأحوال السلف يفيد القطع، فكل ظاهر نحن نريد الدلالة به يفيد إضافته لهذا الأمر، فيكون كل ظاهر مفيدًا للقطع حينئذ، وليس في الممكن وضع تلك الأمور كلها في كتاب، فتعينت الإشارة إليها فقط، فالمسائل قطعية، والمدرك كذلك، غير أن الإشارة إليها حاصلة في الكتب لا جملتها، فلا تنافى بين كون الظواهر المذكورة تفيد الظن، وكون المطلوبات قطعية، وقد تكرر هذا البحث مرارًا، وهو يحتاج إليه في هذا العلم؛ لأن الجمهور مجمعون على أن المسائل الأصولية قطعية، ولا يتقرر إلا بهذا الطريق، فليضبط.
стр. 3021
قوله: (لما كانت الآية عامة في الأقيسة، كانت عامة في الأزمنة):
قلنا: الصحيح أن صيغ العموم عامةٌ في الأشخاص، مطلقة في الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والأحوال، فما لزم من العموم استيعاب الأزمنة، فلا يحصل من هذا أن الأمر في الآية للتكرار.
(سؤال)
قال النقشواني: الاعتبار: المجاوزة ، ولكنها حقيقة في الأجسام، بدليل تعذر سلبها، كمن خرج من (بغداد) إلى (مصر)، لا يقال: إنه لم يتجاوز (بغداد)، وإذا تجاوزت شجرة، لا يقال: إنها لم يتجاوزها، وإذا كان اللفظ حقيقة في مجاوزة الآثار، فتحمل الآية عليه، ويكون المراد السير في الأرض للاتعاظ، كما قال تعالى في غير موضع: ﴿قل سيروا في الأرض﴾ [الأنعام: ١١]، ﴿أو لم يسيروا في الأرض﴾ [الروم: ٩] أما المجاوزة بالفكر فمجازٌ، الأصل عدمه.
(تنبيه)
قال التبريزي: الآية تمسك بها جماعة من علماء الأصول، وهي مطلقة بالنسبة إلى مسمى الاعتبار، فيحصل الامتثال بواحدٍ من مسمى الاعتبار.
стр. 3022
وقال سراج الدين على إثباته العموم: ترتيب الحكم على الوصف، إنه إثبات للقياس بالقياس.
وغير تاج الدين فقال في الجواب: (إن المسألة علمية، وهذه الدلالة ظنية)، فقال: لا نسلم أن المسألة علمية، بل ظنية.
وقد تقدم في مواضع من الكتاب أن هذا الجواب باطلٌ، وأن مسائل الأصول قطعية.
وسكت صاحب (المنتخب) عن هذا الجواب بالكلية.
* ... * ... *
стр. 3023
المسلك الثاني
قال الرازي: التمسك بخبر معاذ، وهو مشهور؛ روى أنه ﷺ أنفذ معاذًا وابا موسى الأشعري ﵄ إلى اليمن، فقال ﵊ لهما: (بم تقضيان؟) فقالا: (إذا لم نجد الحكم في السنة، نقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به) فقال ﵊: (أصبتما). وقال ﵊ لابن مسعود: (اقض بالكتاب والسنة، إذا وجدتهما، فإن لم تجد الحكم فيهما، فاجتهد برأيك).
فإن قيل: لا نسلم صحة الحديث، وبيانه من وجهين:
الأول: أنه مشتمل على الخطأ، فوجب ألا يكون صحيحًا.
بيان الأول من وجوه:
أحدهت: أن فيه قوله: (فإن لم تجد في كتاب الله) وهو يناقض قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩].
وثانيها: أن في الحديث أنه، ﵊، صوبه على قوله: (أجتهد رأيى) وهو خطأ؛ لأن الاجتهاد في زمان الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام لا يجوز؛ على ما سيأتي دليله، إن شاء الله تعالى.
وثالثها: أنه، ﵊، سأله عما به يقضي، والقضاء هو الإلزام، فيكون السؤال واقعًا عن الشيء الذي يجب الحكم به، والسنة لا تصلح جوابًا عن ذلك؛ لأنها تذكر في مقابلة الفرض؛ هذا سنة، وليس بفرض.
стр. 3024
ورابعها: أن الحديث يقتضي أنه سأله عما به يقضي، بعد أن نصبه للقضاء، وذلك لا يجوز؛ لأن جواز نصبه للقضاء مشروط بصلاحيته للقضاء، وهذه الصلاحية إنما تثبت لو ثبت كونه عالمًا بالشيء الذي يجب أن يقضي به، والشيء الذي لا يجب أن يقضي به.
وخامسها: أن مقتضى الحديث: أنه لا يجوز الاجتهاد إلا عند عدم وجدان الكتاب والسنة؛ وهو باطلٌ؛ لأن تخصيص الكتاب والسنة بالقياس جائز.
الوجه الثاني في بيان ضعف الحديث:
روى أن معاذًا لما قال: (أجتهد رأيى) قال له الرسول ﷺ : (اكتب إلىَّ، أكتب إليك) وليس لأحد أن يقول: إنا نصحح الروايتين؛ لأنهما نقلا في واقعة واحدة، فإنه لا يمكن الجمع بينهما.
سلمنا سلامة المتن عن هذه المطاعن؛ لكن لا نزاع بين المحدثين في كونه مرسلاً، والمرسل ليس بحجة؛ على ما تقدم بيانه.
سلمنا: أنه ليس بمرسل؛ ولكنه ورد في إثبات القياس والاجتهاد، وإنه أصل عظيم في الشرع، والدواعي تكون متوفرة على نقل ما هذا شأنه، وما يكون كذلك، وجب بلوغه في الاشتهار إلى حد التواتر، فلما لم يكن كذلك، علمنا أنه ليس بحجة.
والحاصل أنه مرسلٌ؛ فوجب ألا يكون حجة عند الشافعي ﵁.
وأنه خبر وارد فيما تعم به البلوى، فوجب ألا يكون حجة عند أبي حنيفة.
سلمنا سلامته عن هذا الأمر، لكنه خبر واحد؛ فلا يجوز التمسك به في المسائل القطعية.
стр. 3025
فإن قلت: الدليل على صحته أن مثبتي القياس كانوا أبدًا متمسكين به في إثبات القياس، والنفاة كانوا مشتغلين بتأويله، وذلك يدل على اتفاقهم على قبوله.
قلت: قد تقدم بيان ضعف هذا الوجه.
سلمنا صحته؛ فلم يدل على كون القياس حجة؟
أما قوله: (أجتهد رأيى) قلنا: الاجتهاد: (عبارة عن استفراغ الجهد في الطلب) فنحمله على طلب الحكم من النصوص الخفية.
فإن قلت: (إنما قال: (أجتهد رأيى) بعد أن كان لا يجده في الكتاب والسنة، وما دلت النصوص الخفية عليه لا يجوز أن يقال: إنه غير موجود في الكتاب والسنة):
قلنا: لا نسلم أن قوله: (فإن لم تجده) يقتضي العموم؛ بيانه: أنه يصح أن يستفهم؛ فيقال: أتعني بقولك: (فإن لم تجد) عدم الوجدان في صرائحه فقط، أم فيه، وفي جميع وجوه دلالته.
سلمنا أنه بظاهره للعموم؛ لكن هاهنا لا يمكن حمله على العموم؛ لأن العمل بالقياس مفهوم عندكم من الكتاب والسنة، فكيف يصح حمل قوله: (فإن لم تجد) على العموم.
سلمنا أنه يمكن حمله على العموم؛ لكن قوله: (أجتهد رأيى) يكفي في العمل بمقتضاه نوع واحد من الاجتهاد، فنحمله على التمسك بالبراءة الأصلية، أو على التمسك بما ثبت في العقل؛ من أن الأصل في الأفعال الإباحة أو الحظر.
стр. 3026
سلمنا أنه لا يجوز حمله عليه؛ فلم قلتم: إنه لما لم يجز حمله على النص الخفي، وعلى دليل العقل، وجب حمله على القياس الشرعي، وما الدليل على الحصر؟.
فإن هاهنا طرقًا أخرى سوى القياس؛ كالتمسك بالمصالح المرسلة، والتمسك بطريقة الاحتياط في تنزيل اللفظ على أكثر مفهوماته، أو أقل مفهوماته، أو قول الشارع: (احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب) وبالجملة: فلا بد من دليل على الحصر.
سلمنا: أنه يتناول القياس الشرعي، ولكن يكفي في العمل بمقتضاه إثبات نوع واحد من أنواع القياس الشرعي، ونحن نقول به؛ فإن مذهب النظام: أن الشرع إذا نص على علة الحكم، وجب القياس، ورد الأمر بالقياس، أو لم يرد، ويجب أيضًا قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف.
سلمنا أنه يدل على جواز العمل بالقياس الشرعي؛ لكن في زمان حياة الرسول ﷺ ، أو بعده على الإطلاق؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع:
بيانه: أن شرط العمل بالقياس عدم الوجدان في الكتاب والسنة، وذلك إنما يمكن في زمان حياة الرسول ﷺ ، لعدم استقرار الشرع، فأما بعد نزول قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] فإن ذلك متعذر؛ لأن الدين إنما يكون كاملاً أن لو بين فيه جميع ما يحتاج إليه، وذلك إنما يكون بالتنصيص على كليات الأحكام.
وإذا كان جميع الأحكام موجودًا في الكتاب والسنة، وكان العمل بالقياس مشروطًا بعدم الوجدان فيهما، لم يجز العمل بالقياس بعد زمان الرسول ﷺ .
стр. 3027
والجواب: قوله: (هذا الحديث مناف لكتاب الله تعالى):
قلنا: لا نسلم، وأما قوله تعالى: ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام: ٣٨].
قلنا: هذه الأدلة تدل على اشتمال الكتاب على كل الأمور ابتداء، أو بواسطة؟.
الأول باطل؛ لخلو ظاهر كتاب الله تعالى عن دقائق الهندسة والحساب، وتفاريع الحيض والوصايا.
والثاني: لا يضرنا؛ لأن كتاب الله تعالى، لما دل على وجوب قبول قول الرسول ﷺ ، وقول الرسول دل على أن القياس حجة، والقياس دل على هذه الأحكام كان كتاب الله تعالى دالاً على هذه الأحكام.
قوله: (الحديث يدل على جواز الاجتهاد في زمان الرسول ﷺ ):
قلنا: وأي محذور يلزم منه؟ فإن الواقعة التي لا يمكن تأخير الحكم فيها إلى مدة يذهب الرجل من اليمن إلى المدينة، ويرجع عنها - لا يكون تحصيل النص فيها ممكنًا؛ فوجب جواز الرجوع إلا القياس.
قوله: (ذكر السنة جوابًا عما به يقضي غير جائز):
قلنا: لا نسلم؛ لأن السنة عبارة عن الطريقة كيف كانت.
قوله: (لا يجوز نصبه للقضاء إلا بعد العلم بأنه يعرف التمييز بين ما يجوز به القضاء، وبين ما لا يجوز):
стр. 3028
قلنا: المراد بقوله: (لما بعث معاذًا إلى اليمن): لما عزم على أن يبعثه.
قوله: (الحديث يمنع من تخصيص الكتاب والسنة بالقياس):
قلنا: كثير من الناس ذهب إليه.
قوله: نقل أنه ﵊ قال: (اكتب إلى، أكتب إليك).
قلنا: روايتنا مشهورة، وروايتكم غريبة؛ لم يذكرها أحد من المحدثين؛ فلا يحصل التعارض.
وأيضًا: فكيف يجوز أن يقول ﵊: (أكتب إلىَّ، أكتب إليك) وقد يعرض من الحكم ما لا يجوز تأخيره، وأيضًا: يمكن الجمع بينهما، وإن وردا في واقعة واحدة؛ وهو أن يقال: الحادثة، إن احتملت التأخير، وجب عرضها، وإن لم تحتمل وجب الاجتهاد.
قوله: (إنه مرسل):
قلنا: هب أنه كذلك؛ لكنه مرسل تلقته الأمة بالقبول؛ ومثله حجة عندنا.
قوله: (وارد فيما تعم به البلوى؛ فوجب بلوغه إلى حد التواتر):
قلنا: وروده فيما تعم به البلوى لا يوجب كونه متواترًا؛ بدليل المعجزات المنقولة عن النبي ﷺ .
قوله: (إنه خبر واحد):
قلنا: هب أنه كذلك؛ لكن لا نثبت به القطع بكون القياس حجة، بل ظن كونه حجة.
стр. 3029
قوله: (نحمله على طلب النص الخفي):
قلنا: قوله: (فإن لم تجد): يقتضي نفي النص، جليًا كان أو خفيًا.
قوله: (لا نسلم أن قوله: (فإن لم تجد) للعموم):
قلنا: الدليل الدال على أنه للعموم جواز الاستثناء.
قوله: (لما دل الكتاب والسنة على العمل بالقياس، كان دليلاً على الحكم الثابت بالقياس):
قلنا: هب أنه كذلك؛ ولكن الحكم الذي هو مدلول القياس لا يكون حاصلاً فيهما؛ وهذا القدر يكفي في جواز أن يقال: إنه غير موجود في الكتاب والسنة، وقول معاذ: (أحكم بكتاب الله) أراد به: ما دل عليه الكتاب بنفسه، لا بواسطة؛ إذ لو أراد به كل ما دل عليه الكتاب، سواء كان ابتداءً، أو بواسطة، لكان القول بأنه، إذا لم يوجد في الكتاب، حكمت بما في السنة خطأ.
قوله: (نحمله على البراءة الأصلية):
قلنا: البراءة الأصلية معلومة لكل أحدٍ؛ فلا حاجة في معرفتها إلى الاجتهاد؛ فلا يجوز حمل قوله: (أجتهد) عليه.
قوله: (نحمله على القياس الذي نص الشرع على علته، أو على ما يكون مثل قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف):
قلنا: الشرع إنما سكت عند قوله: (أجتهد) لعلمه بأن الاجتهاد وافٍ بجميع الأحكام، فلو حملناه على ما ذكرتموه من القياس، لم يكن ذلك وافيًا بمعرفة عشر عشير الأحكام؛ فكان يجب ألا يسكت عليه، كما لم يسكت عند قوله: (أقضي بالكتاب والسنة).
стр. 3030
قوله: (ما الدليل على الحصر؟):
قلنا: أجمعت الأمة على الحصر؛ فوجب القطع به.
* * *
المسلك الثاني
قال القرافى: قوله: (سأله عما به يقضي بعد أن بعثه مع أن العلم بصلاحيته للقضاء شرط):
قلنا: يكفي في صحة الولاية العلم بالصلاحية على سبيل الإجمال، فإذا وقع السؤال بعد ذلك على سبيل التفصيل لا ينافي ذلك.
قوله: (الحديث يقتضي ألا يجوز الاجتهاد إلا عند عدم الكتاب، مع أن تخصيص الكتاب والسنة بالقياس جائز):
قلنا: قوله: (أجتهد رأيى) فعل في سياق الإثبات، فيكون مطلقًا لا عموم فيه، فلا يتناول جميع أنواع الاجتهاد، حتى يتعين تخصيص الكتاب بالقياس، وإذا لم يتناول إلا فردًا، فيحمل على القياس الذي لا تخصيص فيه.
قوله: (خبر واحدٍ، فلا يتمسك به في المسائل القطعية):
قلنا: قد تقدم كلام التبريزي أنَّا إنما نستدل بكل ظاهر مضافًا لما معه من الاستقراء التام في الأحاديث، والآيات، وأقضية الصحابة، وهذه الضميمة توجب العمل قطعًا لمن حصل له الاستقراء التام.
قوله: (مثبتو القياس تمسكوا به، ونفاته أولوه):
قلنا: لا نسلم أن جميع مثبتي القياس تمسكوا به، ولا جميع نفاته أولوه، بل من الناس من يقول بالقياس، وقالوا: الحديث غير صحيح، لا يصح التمسك به، وهم الأكثرون، وكذلك أكثر نفاة القياس لم يشغلوا بتأويله، بل نفوا صحته، وبعض المحدثين يقول: هو من الحسان، لم ينهض إلى حد الصحة، وما لا إجماع فيه لا حجة فيه إلا أن تثبت صحته.
стр. 3031
قوله: (صحة الاستفهام دليل العموم):
قلنا: لا نسلم، بل يكفي في حسن الاستفهام دفع الاحتمال الخفي.
قوله: (تلقته الأمة بالقبول):
قلنا: بل بعض الأمة، وهم الأقلون، فلا يفيد ذلك صحته.
قوله: (هو للعموم؛ بدليل صحة الاستثناء):
قلنا: قد تقدم أن الاستثناء أربعة أقسام: ما لولاه لجاز دخوله من غير علم ولا ظن، ولعل هذا من هذا القسم.
(تنبيه)
زاد التبريزي فقال: ومن سياقات سماعه أنَّ النبي ﷺ لما أراد أن يبعث معاذًا إلى (اليمن)، قال له: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاءٌ) ؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: (فإن لم تجد في كتاب الله)؟، قال: فبسنة رسول الله، قال: (فإن لم تجد)؟ قال: أجتهد برأيى، فضرب رسول الله ﷺ على صدره، وقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله).
وقال في قولهم: (نحمله على النص الخفي): إنَّ ما لا يقتضيه النص بصريحه لا بدَّ فيه من مقدمات أخرى، والذي يقتضيه المركب لا يكون مقتضيًا للمفرد، فلا يكون مدلولاً للنص.
ثم قال: قولهم: (إنه فيما تعم به البلوى):
قلنا: لا جرم استفاض واشتهر، ولم يبق في رتبة الآحاد - وهو العلة في إرساله - اكتفاء بشهرته، والعلم بصحته، كما جرت، عادة الحسن البصري.
стр. 3032
ثم قال: قولهم: (نحمله على بذل الجهد في التفطن لمقتضيات الخطاب، والمفهومات، وغيرها):
قلنا: ذلك كله من دليل الخطاب، وتمسك بالنص، وقولهم: (نحمله على الاجتهاد في زمانه ﵇ لأن الدين لم يكمل):
قلنا: إذا ثبت أية دليل في وقت ثبت مطلقًا حتى يثبت النسخ، وعدم النص ليس شرطًا في القياس.
وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] أي بتقرير قاعدة القياس.
* * *
стр. 3033
المسلك الثالث
قال الرازي: روى أن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ عن قبلة الصائم؟ فقال: (أرأيت لو تمضمضت بماءٍ، ثم مججته، أكنت شاربه؟!).
وجه الاستدلال به: أنه ﵊ استعمل القياس، وذلك يوجب كون القياس حجة.
إنما قلنا: (إنه استعمل القياس) لأنه ﵊ حكم بأن القبلة من دون الإنزال لا تفسد الصوم؛ كما أن المضمضة من دون الازدراد لا تفسد الصوم، وإيراد هذا الكلام يدل على أن الجامع بينهما ما يفهمه كل عاقل عند سماع هذا الكلام؛ من أنه لم يحصل عند المقدمتين ما هو الثمرة المطلوبة؛ فوجب ألا يكون حكم المقدمة؛ كحكم الثمرة المطلوبة، وإنما قلنا: (إنه ﵊ لما استعمل القياس، وجب أن يكون حجة) لوجهين:
الأول: أن التأسي به واجب.
الثاني: أن قوله ﷺ : (أرأيت) خرج مخرج التقرير، فلولا أنه ﵊ قد مهد عند - عمر ﵁ التعبد بالقياس، لما قرر ذلك عليه!! ألا ترى أن الإنسان لو حكم بحكم من الكتاب، جاز أن يقول لمن سأله عنه: (أليس قد قال الله تعالى كذا وكذا؟) إذا كان الكتاب عنده، وعند من يخاطبه حجة، ولا يجوز أن يقول ذلك، إذا كان هو ومن يخاطبه لا يعتقدان كونه حجة.
ولا يقول الإنسان في حكم حكم به؛ لأجل القياس: أليس أنَّ القياس يقتضيه؟ مع أنه ومن خاطبه لا يعتقدان كون القياس حجة!!
стр. 3034
فإن قيل: هذا خبر واحدٍ، فلا يجوز بناء المسألة العلمية عليه.
سلمنا ذلك؛ لكن لم قلت: إنه ﵊ نبه هاهنا على العلة؟ ومثل هذا القياس عندنا حجة.
سلمنا دلالة الحديث على أنَّ القبلة تجري مجرى المضمضة؛ لكن ليس فيه أن النص أوجب ذلك أو القياس، وإذا احتملا، لم يجز القطع على أحدهما بغير دليل.
والجواب: قوله: (هذا خبر واحد):
قلنا: سبق الجواب عنه.
قوله: (نبه على العلة).
قلنا: إنه ﵊ ما نص على العلة، ولكنه لم يفعل إلا أنه ذكر أصل القياس؛ بلى، العلة متبادرة إلا الأفهام، والتنصيص على أصل القياس لا يكون تنصيصًا على العلة.
قوله: (إنه ليس في الحديث: أنه ﵊ أجرى القبلة مجرى المضمضة؛ لأجل نص أو لأجل قياس!!):
قلنا: بيَّنَّا أنَّ المفهوم من قوله ﵊: (أرأيت لو تمضمضت) هو أن كل واحد منهما لم يحصل الثمرة المطلوبة بذلك الفعل، ولو أن بعض العامة؛ فضلاً عن أهل العلم استفتى فقيهًا في صائم قبل ولم ينزل، فقال له الفقيه: (أرأيت لو تمضمضت بماءٍ، ثم مججته) لاكتفى المستفتي بذلك في أن القبلة لا تفسد صومه، ولعلم أنه أجرى أحدهما مجرى الآخر؛ من الوجه
стр. 3035
الذي ذكرناه؛ فبطل أن يقال: إن هذا الكلام لا يدل على الوجه الجامع بينهما، وأنه لا يمتنع أن يكون بعض الظواهر اقتضى الجمع.
المسلك الرابع: التمسك بقوله ﵊ للخثعمية: (أرأيت لو كان على أبيك دينٌ قضيته، أكان يجزي؟) فقالت: نعم، قال: (فدين الله أحق بالقضاء). ووجه الاستدلال به كما في قبلة الصائم من غير تفاوت.
المسلك الثالث
قال القرافى: قوله: (خبر واحدٍ، فلا يعتمد عليه في هذه المسألة):
стр. 3036
قلنا: وقد تقدم أنَّ المراد من كل دليل ظني من أدلة أصول الفقه هو يقيد إضافته لما معه من الأدلة الناشئة عن الاستقراء التام في جميع السنة والكتاب، وأقضية الصحابة، ومناظراتهم وفتاويهم، ونحو ذلك، فالمجموع المركب من الدليل مع هذه الإضافة يفيد القطع.
(سؤال)
قال النقشواني: رسول الله - ﷺ استعمل القياس، ولم يقل: (إن القياس حجة، وبينهما فرق عظيم؛ لأنه ﵇ إذا استعمل القياس كانت مقدماته سالمة عن المطاعن قطعًا ؛ لوفور اطلاعه ﵇ فيكون هذا القياس مقدماته قطعية، وهذا لا نزاع فيه، إنما النزاع إذا كانت مقدماته ظنية، وقصورنا عن رتبته يوجب حصول الظن لنا فقط.
قلت: ويمكن أن يقال: إنه ﵇ لما احتج به على عمر ﵁ دل ذلك على أن أصل القياس مقرر عند عمر، وإذا كان أصل القياس معلومًا عند عمر، كان معلومًا عند الصحابة، فيكون حجة مطلقًا.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الذي تقرر عند عمر القياس الذي مقدماته قطعية فقط، وعلم أن هذا القياس كذلك؛ لصدوره عن رسول الله ﷺ لكونه معصومًا عن الخطأ بخلاف غيره.
وهذا السؤال يهدم أكثر الأجوبة والتقريرات في هذا المسلك، والذي بعده.
* ... * ... *
стр. 3037
المسلك الخامس
قال الرازي: الإجماع؛ وهو الذي عول عليه جمهور الأصوليين؛ وتحريره: أن العمل بالقياس مجمع عليه بين الصحابة، وكل ما كان مجمعًا عليه بين الصحابة، فهو حق؛ فالعمل بالقياس حق.
أما المقدمة الثانية: فقد مر تقريرها في باب الإجماع، وأما المقدمة الأولى: فالدليل عليها أن بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس والقول به، ولم يظهر من أحد منهم الإنكار على ذلك، ومتى كان كذلك، كان الإجماع حاصلاً.
فهذه مقدمات ثلاث:
المقدمة الأولى: في بيان أن بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس والقول به، والدليل عليه وجوه أربعة:
الوجه الأول: ما روى عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري في رسالته المشهورة (اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك) وهذا صريح في المقصود.
الوجه الثاني: أنهم صرحوا بالتشبيه؛ لأنه روى عن ابن عباس ﵄ أنه أنكر على زيد قوله: (الجد لا يحجب الإخوة) فقال: (ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا)؟
ومعلوم أنه ليس مراده تسمية الجد أبًا؛ لأن ابن عباس ﵄ لا
стр. 3038
يذهب عليه، مع تقدمه في اللغة: أن الجد لا يسمى أبًا حقيقة؛ ألا ترى أنه ينفى عنه هذا الاسم؛ فيقال: (إنه ليس أبًا للميت، ولكنه جده) فلم يبق إلا أن مراده: أن الجد بمنزلة الأب في حجبه الإخوة؛ كما أن ابن الابن بمنزلة الابن في حجبهم، وعن على وزيد: أنهما شبهاهما بغصنى شجرةٍ، وجدولى نهرٍ، فعرفا بذلك قربهما من الميت، ثم شركا بينهما في الميراث.
الوجه الثالث: أنهم اختلفوا في كثير من المسائل، وقالوا فيها أقوالاً، ولا يمكن أن تكون تلك الأقوال إلا عن القياس.
وأعلم أن الأصوليين أكثروا من تلك المسائل، إلا أن أظهرها أربع:
إحداها: مسألة الحرام؛ فإنهم قالوا فيها خمسة أقوال: فنقل عن على وزيد وابن عمر ﵃: أنه في حكم التطليقات الثلاث، وعن ابن مسعود ﵁ أنه في حكم التطليقة الواحدة، إما بائنة أو رجعية؛ على اختلاف بينهم، وعن أبي بكر وعمر وعائشة ﵃: أنه يمين تلزم فيه الكفارة، وعن ابن عباس ﵁ أنه في حكم الظهار، وعن مسروق ﵀: أنه ليس بشيء؛ لأنه تحريم لما أحله الله تعالى، فصار كما لو قال: هذا الطعام على حرام، والمرتضى روى هذا القول عن علي ﵁.
وثانيتها: أنهم اختلفوا في الجد مع الإخوة، فبعضهم ورث الجد مع الإخوة، وبعضهم أنكر ذلك.
والأولون اختلفوا: فمنهم من قال: إنه يقاسم الإخوة، ما كانت المقاسمة خيرًا له من الثلث؛ فأجراه مجرى الأم، ولم ينقص حقه عن حقها؛ لأن له مع الولادة تعصيبًا، ومنهم من قال: إنه يقاسم الإخوة؛ ما كانت المقاسمة خيرًا له من السدس، وأجرأه مجرى الجدة في ألا ينقص حقها من السدس.
стр. 3039
وثالثتها: اختلافهم في مسألة (المشتركة) وهي: زوج، وأم وإخوة لأم، وإخوة لأب وأم: حكم عمر ﵁ فيها بالنصف للزوج، وبالسدس للأم، وبالثلث للإخوة من الأم، ولم يعط للإخوة من الأب والأم شيئًا، فقالوا: (هب أن أبانا كان حمارًا، ألسنا من أم واحدة؟) فشرك بينهم وبين الإخوة من الأم في الثلث.
ورابعتها: اختلافهم في الخلع، هل يهدم من الطلاق شيئًا، أو يبقى عدد الطلاق على ما كان، ففي إحدى الروايتين عن عثمان ﵁: أنه طلاق، والرواية الأخرى: أنه ليس بطلاق، وهو محكى عن ابن عباس.
وإذا عرفت هذه المسائل، فنقول: إما أن يكون ذهاب كل واحد منهم إلى ما ذهب إليه، لا عن طريق، أو عن طريق:
والأول: باطل؛ لأن الذهاب إلى الحكم، لا عن طريق - باطل، فلو اتفقوا عليه كانوا متفقين على الباطل؛ وإنه غير جائز.
وأما إن ذهبوا إليها عن طريق، فذلك الطريق: إما أن يكون هو العقل أو السمع، والأول باطلٌ؛ لأن حكم العقل في المسألة شيء واحدٌ، وهو البراءة الأصلية؛ وهذه أقاويل مختلفة، أكثرها يخالف حكم العقل.
وأما الثاني: فلا يخلو: إما أن يكون ذلك الدليل نصًا، أو غيره:
أما النص: فسواء كان قولاً، أو فعلاً، وسواء كان جليًا أو خفيًا، فالقول به باطل؛ لأنهم لو قالوا بتلك الأقاويل؛ لنص، لأظهروه، ولو أظهروه، لاشتهر، ولو اشتهر، لنقل، ولو نقل، لعرفه الفقهاء والمحدثون، ولما لم يكن كذلك، علمنا أنهم لم يقولوا بتلك الأقاويل؛ لأجل نص.
стр. 3040
وإنما قلنا: إنهم لو قالوا بتلك الأقاويل؛ لأجل نص؛ لأظهروه؛ لأنا نعلم بالضرورة: أنه كان من عادتهم إعظام نصوص الرسول ﷺ ، واستعظام مخالفتها؛ حتى نقلوا منها ما لا يتعلق به حكم؛ كقوله ﵊: (نعم الإدام الخل) وكان من عاداتهم أيضًا التفحص عن نصوص الرسول ﵊ والحث على نقلها إليهم؛ ليتمسكوا بها، إن كانت موافقة لمذاهبهم، أو ليرجعوا عن مذاهبهم، إن كانت مخالفة لها؛ وليس يجوز فيمن هذه عادته - أن يحكم في قضية بحكم لنص، ثم يسكت عن ذكر ذلك النص، وذلك معلوم بالضرورة.
وبهذا الطريق: ثبتت المقدمة الثانية، وهي قولنا: (لو أظهر النص، لاشتهر، ولو اشتهر لنقل، ولو نقل، لعرفه الفقهاء والمحدثون.
وأما أن ذلك لم ينقل: فلأنا بعد البحث التام، والطلب الشديد، والمخالطة للفقهاء والمحدثين: ما وجدنا في ذلك ما يدل على نقلها، وذلك يدل على عدمها؛ فثبت أنهم لم يقولوا بتلك الأقاويل؛ لأجل نص، وإذا بطل ذلك، ثبت أنه لأجل القياس.
الوجه الرابع: نقل عن الصحابة القول بالرأي، والرأي هو القياس؛ وإنما قلنا: (إنهم قالوا بالرأي) لأنه روى عن أبي بكر: أنه قال في الكلالة: (أقول فيها برأيى). وفي الجنين، لما سمع الحديث: (لولا هذا، لقضينا فيه برأينا) وقول عثمان لعمر ﵄ في بعض الأحكام: (إن اتبعت رأيك، فرأيك رشيد، وإن تتبع رأي من قبلك، فنعم ذو الرأي كان) وعن علي - رضي
стр. 3041
الله عنه -: (اجتمع رأيى ورأي عمر في أم الولد على ألا تباع، وقد رأيت الآن بيعهن) وعن ابن مسعود ﵁ في قصة (بروع): (أقول فيها برأيي).
وإنما قلنا: (إن الرأي عبارة عن القياس) لأنه يقال للإنسان: أقلت هذا برأيك، أم بالنص؟ فيجعل أحدهما في مقابلة الآخر؛ وذلك بدل على أن الرأي لا يتناول الاستدلال بالنص، سواء كان جليًا، أو خفيًا؛ فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن بعض الصحابة ذهب إلى القول بالقياس والعمل به.
وأما المقدمة الثانية؛ وهي: أنه لم يوجد من أحدهم إنكار أصل القياس؛ فلأن القياس أصل عظيم في الشرع نفيًا وإثباتًا، فلو أنكر بعضهم، لكان ذلك الإنكار أولى بالنقل من اختلافهم في مسألة الحرام والجد؛ ولو نقل، لاشتهر، ولوصل إلينا، فلما لم يصل إلينا، علمنا أنه لم يوجد، وتقرير مقدمات هذا الكلام ما تقدم مثله في المقدمة الأولى.
وأما المقدمة الثالثة؛ وهي: أنه لما قال بالقياس بعضهم، ولم ينكره أحد منهم، فقد انعقد الإجماع على صحته، فالدليل عليه أن سكوتهم: إما أن يقال: إنه كان عن الخوف، أو عن الرضا:
والأول: باطلٌ؛ لأنا نعلم من حال الصحابة شدة انقيادهم للحق؛ لا سيما فيما لا يتعلق به رغبة ولا رهبة في العاجل أصلاً؛ وذلك يمنع من حمل السكوت على الخوف.
وأيضًا: فلأن بعضهم خالف البعض في المسائل التي حكيناها، ولو كان هناك خوف يمنعهم من إظهار ما فب قلوبهم، لما وقع ذلك؛ فثبت أن سكوتهم كان
стр. 3042
عن الرضا، وذلك يوجب كون القياس حجة؛ وإلا لكانوا مجمعين على الخطأ؛ وإنه غير جائز؛ هذا تحرير الأدلة.
فإن قيل: لا نسلم ذهاب أحد من الصحابة إلى القول بالقياس، والوجوه الأربعة المذكورة لا يزيد رواتها على المائة والمائتين، ذلك لا يفيد القطع بالصحة؛ لاحتمال تواطؤ هذا القدر على الكذب؛ كيف والأحاديث التي يتمسك بها أهل الزمان في المسائل الفقهية مشهورة فيما بين الأمة، إلا أن روايتها في الأصل، لما انتهت إلى الواحد والاثنين، لا جرم لم نقطع به؛ فكذا هاهنا.
فإن قلت: الأمة في هذه الروايات على قولين: منهم: من قبلها، واعترف بدلالتها على القياس، ومنهم: من اشتغل بتأويلها؛ وذلك يدل على اتفاقهم على قبولها.
قلت قد مر غير مرة: أن هذا الطريق لا يفيد الجزم بصحتها.
سلمنا صحة هذه الراويات؛ لكن لا نسلم دلالتها على ذهابهم إلى القول بالقياس والعمل به.
وأما الوجه الأول: وهو قول - عمر ﵁: (اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك): قلنا: التمسك: إما أن يكون بقوله: (اعرف الأشباه والنظائر) أو بقوله: (قس الأمور برأيك):
أما الأول: فلا حجة فيه؛ لأن الله تعالى، لما نص على حكم كل جنس ونوع، وجب على المستدل معرفة الأشباه والنظائر؛ لئلا يخرج منه ما هو من جنسه،
стр. 3043
ولا يدخل فيه ما هو من غير جنسه، وقد يشتبه الشيء بالشيء، فلا بد من التأمل الكثير؛ ليعرف أنه من جنسه، أو من غير جنسه.
وأما الثاني: وهو قوله: (قس الأمور برأيك): فلا يدل أيضًا على الغرض؛ لأن القياس في أصل اللغة: عبارة عن التسوية، فقوله: (قس الأمور برأيك) معناه: اعرض الأشياء على فكرتك وتأملك؛ لأن التفكر في الشيء لا معنى له إلا استحضار علوم، أو ظنون؛ ليتوصل بها إلى تحصيل علوم، أو ظنون، فالمتفكر كأنه يريد التسوية بين المطلوب المجهول، وبين المقدمات المعلومة؛ ليصير المجهول معلومًا.
وهذا التأويل متعين؛ لأن الرأي هو الروية، فقوله: (قس الأمور برأيك) معناه: سو الأشياء برويتك، وتسوية الأشياء بالروية ليست إلا ما ذكرنا؛ فيرجع حاصل الأمر إلى أنه أمره بأن لا يحكم بمجرد التشهي والتمني؛ بل بالاستدلال والنظر، وذلك ليس من القياس الشرعي في شيء.
سلمنا أن المراد منه الأمر بتشبيه الفرع بالأصل؛ لكن يحتمل أن يكون المراد التشبيه في ثبوت ذلك الحكم، وأن يكون المراد منه التسوية في أنه كما لا يثبت حكم الأصل إلا بالنص، فكذا حكم الفرع لا يثبت إلا بالنص؛ فلم قلت: إن الاحتمال الأول أولى من الثاني؟
وأما الوجه الثاني: وهو تشبيه ابن عباس:
قلنا: لم قلت: إن المراد: أنه جمع بين الأمرين بعلة قياسية؟ ولم لا يجوز أن يكون ذلك لأجل أنه كما سمى - النافلة - بالابن مجازًا، واكتفى بهذا الاسم المجازي في اندراج (النافلة) تحت عموم قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في
стр. 3044
أولادكم﴾ [النساء: ١١]؟ وكذلك سمى الجد أبًا مجازًا؛ حتى يكفي هذا في اندراجه تحت عموم قوله تعالى: ﴿وورثه أبواه﴾ [النساء: ١١].
والذي يؤكد هذا الاحتمال: أن ابن عباس نسب زيدًا إلى مفارقة التقوى، وتارك القياس لا يكون كذلك، بل تارك النص يكون كذلك؛ وإنما يكون زيد تاركًا للنص، لو كان الأمر على ما قلنا.
وأما الوجه الثالث: فالكلام عليه: أنه لم لا يجوز أن يقال: إن ذهاب كل واحد إلى ما ذهب إليه في تلك المسائل؛ كان لتمسكه بنص ظنه دليلاً على قوله، سواء أصاب في ذلك الظن، أو أخطأ فيه؟!.
قوله: (لو كان كذلك، لأظهروا ذلك النص، ولاشتهر، ولنقل، ولوصل إلينا، فلما لم يصل إلينا، علمنا عدمه):
قلنا: هذه المقدمات بأسرها ممنوعة.
قوله: (علمنا بالضرورة شدة تعظيمهم لنصوص الرسول ﵊ ويمتنع ممن هذه حاله أن يحكم بحكم؛ لأجل نص، ثم إنه لا يذكره):
قلنا: لا نسلم أن شدة تعظيمهم للنص يقتضي إظهار النص الذي لأجله ذهبوا إلى ذلك القول.
بيانه: أن شدة التعظيم إنما تقتضي إظهار النص عند الحاجة إلى إظهاره، وهم ما احتاجوا إليه؛ لأن الحاجة: إما أن تكون عند المناظرة، أو مع المستفتي:
والأول: باطلٌ؛ لأنهم لم يجتمعوا في محفلٍ؛ لأجل المناظرة في تلك
стр. 3045
المسائل، وما كانت عادتهم جارية بالاجتماع على المناظرات والمجادلات، وأما المستفتي فلا فائدة من ذكر الدليل معه.
سلمنا أن شدة تعظيمهم للنص تقتضي إظهار النص؛ ولكن بشرط أن يكون السامع بحيث يمكنه الانتفاع به، ولم يوجد هذا الشرط هناك؛ لأنه إذا روى ذلك النص، كان ذلك النص خبر واحد في حق السامع، وخبر الواحد ليس بحجة؛ فلا فائدة إذن في إظهار هذا النص.
سلمنا أنه يجب إظهاره؛ ولكن إذا كان النص جليًا، أو مطلقًا، سواءٌ كان جليًا أو خفيًا؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع:
بيانه: أن الإنسان إنما يدعوه الداعي إلى إظهار دليل مذهبه، إذا كان ذلك الدليل ظاهرًا قويًا؛ أما إذا كان خفيًا، فقد لا يدعوه الداعي إلى إظهاره. وبالجملة: فأنتم المستدلون، فعليكم إقامة الدلالة على أنه يجب إظهاره، سواء كان قويًا أو ضعيفًا.
سلمنا ما ذكرتموه؛ لكن نعارضه؛ فنقول: لو كان ذهابهم إلى مذاهبهم لأجل القياس، لوجب عليهم إظهاره؛ ولكن لم ينقل عن أحد من الصحابة القياس الذي لأجله ذهب إلى ما ذهب إليه.
فإن قلت: (الفرق: أن القياس لا يجب اتباع العالم فيه، والنص يجب اتباعه فيه:
قلت: القياس إذا كان ظاهرًا جليًا، فلا نسلم أنه لا يجب الاتباع فيه، ولولا ذلك، لما حسنت المناظرة فيه بين القائسين.
سلمنا أنهم لو تمسكوا بالنصوص، لأظهروها؛ فلم قلت: إنهم لو أظهروها،
стр. 3046
لاشتهر؟ فإن ذلك ليس من الوقائع العظام التي يمتنع ألا تتوفر الدواعي على نقلها.
فإن قلت: (لما توفرت دواعيهم على نقل مذاهبهم، مع أنه لا فائدة فيها؛ فلأن تتوفر دواعيهم على نقل تلك الأدلة، مع ما فيها من الفوائد - كان أولى):
قلت: إنا لم نقل: إن الأمور التي لا تكون عظيمة يمتنع نقلها؛ حتى يكون ما ذكرتموه لازمًا علينا، بل قلنا: إنه لا يجب نقلها، ولا يمتنع أيضًا.
سلمنا أنه من الوقائع العظيمة؛ لكن لم قلت: إنه يجب نقله؟ والدليل عليه: أن معجزات الرسول ﷺ على جلالة قدرها، وأمر الإقامة في الإراد والتثنية على نهاية ظهورها، لم ينقله إلا الواحد والاثنان، وإذا جاز ذلك، فلم لا يجوز ألا ينقله ذلك الواحد أيضًا؟.
سلمنا أنها لو اشتهرت، لنقلت؛ لكن لا نسلم أنها ما نقلت.
قوله: (لو نقلت، لعرفناها):
قلنا: إما أن تدعيَ أنَّ كل ما نقل عن الرسول ﷺ وجميع أصحابه، فلا بد وأن تعلمه أنت، أو تدعي أنه لا بد وأن يوجد في زمانك من يعلمه!!.
أما الأول: فلا يقول به إنسان سليم العقل.
وأما الثاني: فمسلم؛ ولكن كيف عرفت أنه ليس في زمانك من يعلم تلك النصوص؟ فإن كل أحد إنما يعلم حال نفسه، لا حال غيره.
سلمنا: أنه لو نقل، لعرفه كل واحد منا؛ لكن لا نسلم أنَّا لا نعرفه، فلنتكلم في مسألة الحرام، فنقول: أما من ذهب إلى كونه يمينًا، فيحتمل أنه إنما ذهب
стр. 3047
إليه؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١] إلى قوله: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢] وأنه ﵊ حرم على نفسه مارية القبطية، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وسماه يمينًا.
ومن ذهب إلى أنه لا اعتبار به، تمسك بقوله تعالى: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧] والنهي يدل على الفساد، أو بالبراءة الأصلية.
ومن ذهب إلى أنه للطلقات الثلاث، زعم أنه قد يجعل كناية عن الطلقات الثلاث؛ فوجب تنزيله على أعظم أحواله، وهو الطلقات الثلاث، ثم أدخله تحت قوله تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]. ومن ذهب إلى أنه للطلقة الواحدة، نزله على أقل أحواله، ومن جعله ظهارًا، جعله كناية عنه، والكنايات في اللغة ليست عبارة عن القياس الشرعي.
سلمنا أن قولهم بتلك المذاهب ليس للنص؛ فلم قلتم: إنه لا بد وأن يكون للقياس، فما الدليل على نفي الواسطة؟ ثم إنا نتبرع بذكر الوسائط:
منها: تنزيل اللفظ على أقل المفهومات، أو على الأكثر، ومنها استصحاب الحال، ومنها: المصالح المرسلة الخالية عن شهادة الأصول، ومنها: الاستقراء؛ والفرق بينه وبين القياس: أن الاستقراء عبارة عن إثبات الحكم في كليٍّ؛ لثبوته في بعض جزئياته، والقياس عبارة عن إثباته في جزئي؛ لأجل ثبوته في جزئي آخر، ومنها: أنه كان من مذهبه أن مجرد قوله حجة، ومستند ذلك الوهم إلى أن قول بعض الأنبياء حجة؛ فيكون قول هذا العالم حجة!!.
بيان الأول: قوله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا إسرائيل على نفسه﴾ [آل عمران: ٩٣] أضاف التحريم إليه.
стр. 3048
بيان الثاني: قوله ﵊: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) فهذه الشبهة تقتضي أن يكون مجرد قول العالم حجة؛ فلعل هذه الشبهة خطرت ببالهم، ومنها الإجماع.
فإن قلت: (حصول الإجماع في محل الخلاف محالٌ):
قلت: المقصود من ذكر الإجماع بيان ثبوت الواسطة بين النص والقياس في الجملة، فهذا هو الكلام على الوجه الثالث.
وأما الوجه الرابع: وهو أن الصحابة قالت بالرأي، والرأي هو القياس: فنقول: لا نسلم أن الرأي هو القياس؛ والدليل عليه وجوه:
الأول: أنه يقال: رأى يرى رؤية ورأيًا؛ فدل هذا على أنه مرادف للرؤية، فإذا ثبت ذلك، وجب ألا يكون حقيقة في القياس؛ دفعًا للاشتراك، وإذا ثبت أنه ما كان في أصل اللغة للقياس، وجب ألا يكون في عرف الشرع له؛ لأن النقل خلاف الأصل.
الثاني: لو كان الرأي اسمًا للقياس، لكان اللفظ المشتق منه دليلاً على القياس، وكان يجب أن يكون قولنا: (فلان يرى كذا) معناه: أنه يقيس، ومعلوم أن ذلك باطلٌ؛ لأن من يذهب إلى الرؤية، والصفات، وخلق الأعمال، يجوز أن
стр. 3049
يحكي عن نفسه: (إني أرى القول بهذه الأشياء) وعمن يشاركه في المذهب: (إنه يرى القول بها).
الثالث: أنكم رويتم عن أبي بكر ﵁: أنه قال في الكلالة: (أقول فيها برأيي) ومعلوم أن تفسير اللفظة اللغوية لا يكون بالقياس.
فثبت بهذه الوجوه الثلاثة: أن الرأي ليس اسمًا للقياس.
وأما الذي تمسكتم به؛ من أنه يقال: أقلت هذا عن رأيك، أو عن النص؟ قلنا: أقصى ما في الباب؛ أن يدل هذا الاستعمال على أن الرأي غير النص؛ لكن من أين يدل على أنه لما كان غير النص، وجب أن يكون قياسًا؟.
بيانه: أن النص: هو اللفظ الدال على الحكم دلالة ظاهرة جلية، فما لا يكون كذلك لا يكون نصًا؛ فلا يلزم من كون الرأي خارجًا عن النص: ألا يكون ذلك الاستدلال لفظيًا؛ لاحتمال أنه لما كان خفيًا، لا جرم لا يسمى بالنص.
سلمنا أن مسمى الرأي ليس هو النص؛ فلم قلتم: إنه هو القياس؛ وما الدليل على هذا الحصر؟
فهذا هو الكلام المختصر على الوجوه الأربعة المذكورة في تقرير المقدمة الأولى.
سلمنا أن بعض الصحابة قال بالقياس، أو عمل به؛ فلم قلت: إن أحدًا منهم ما أنكره؟!.
قوله: (لو أنكروه، لاشتهر، ولنقل، ولوصل إلينا):
قلنا: الكلام على هذه المقدمات قد مر.
стр. 3050
والذي نقوله الآن: أنَّا لا نسلم أنه ما وصل ذلك الإنكار إلينا؛ فإنه نقل عنهم تارة: إنكار الرأي، وأخرى: إنكار القياس، وأخرى: ذم من أثبت الحكم لا بالكتاب والسنة، روى عن أبي بكر ﵁: أنه قال: (أي سماءٍ تظلني، وأي أرض تُقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي؟).
وعن عمر ﵁: (إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي؛ فضلوا وأضلوا) وعنه ﵁: (إياكم والمكايلة) قيل: وما المكايلة؟ قال: (المقايسة) وعن شريحٍ قال: (كتب عمر بن الخطاب ﵁ وهو يومئذ من قبله قاضٍ -: (اقض بما في كتاب الله تعالى، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، فاقض بما في سنة رسول الله ﷺ فإن جاءك ما ليس فيها، فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد، فلا عليك أن تقضي).
وعن علي: (لو كان الدين يؤخذ بالقياس، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره) وروى عنه: (من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم، فليقل في الجد برأيه). وهذا أيضًا يروى عن عمر ﵁.
وعن ابن عباس: (يذهب قراؤكم وصلحاؤكم، ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون الأمور برأيهم) وقال: (إذا قلتم في دينكم بالقياس، أحللتم كثيرًا مما حرمه الله تعالى وحرمتم كثيرًا مما حلل الله) وقال: (إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿فأحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٨] ولم يقل: (بما رأيت) وقال: (لو جعل لأحدكم أن يحكم برأيه، لجعل ذلك لرسول الله ﷺ ، ولكن قيل له: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩] وقال: (إياكم والمقاييس؛ فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس).
следующие страницы →