← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

لاشتهر؟ فإن ذلك ليس من الوقائع العظام التي يمتنع ألا تتوفر الدواعي على نقلها. فإن قلت: (لما توفرت دواعيهم على نقل مذاهبهم، مع أنه لا فائدة فيها؛ فلأن تتوفر دواعيهم على نقل تلك الأدلة، مع ما فيها من الفوائد - كان أولى): قلت: إنا لم نقل: إن الأمور التي لا تكون عظيمة يمتنع نقلها؛ حتى يكون ما ذكرتموه لازمًا علينا، بل قلنا: إنه لا يجب نقلها، ولا يمتنع أيضًا. سلمنا أنه من الوقائع العظيمة؛ لكن لم قلت: إنه يجب نقله؟ والدليل عليه: أن معجزات الرسول ﷺ على جلالة قدرها، وأمر الإقامة في الإراد والتثنية على نهاية ظهورها، لم ينقله إلا الواحد والاثنان، وإذا جاز ذلك، فلم لا يجوز ألا ينقله ذلك الواحد أيضًا؟. سلمنا أنها لو اشتهرت، لنقلت؛ لكن لا نسلم أنها ما نقلت. قوله: (لو نقلت، لعرفناها): قلنا: إما أن تدعيَ أنَّ كل ما نقل عن الرسول ﷺ وجميع أصحابه، فلا بد وأن تعلمه أنت، أو تدعي أنه لا بد وأن يوجد في زمانك من يعلمه!!. أما الأول: فلا يقول به إنسان سليم العقل. وأما الثاني: فمسلم؛ ولكن كيف عرفت أنه ليس في زمانك من يعلم تلك النصوص؟ فإن كل أحد إنما يعلم حال نفسه، لا حال غيره. سلمنا: أنه لو نقل، لعرفه كل واحد منا؛ لكن لا نسلم أنَّا لا نعرفه، فلنتكلم في مسألة الحرام، فنقول: أما من ذهب إلى كونه يمينًا، فيحتمل أنه إنما ذهب

стр. 3047

إليه؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١] إلى قوله: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢] وأنه ﵊ حرم على نفسه مارية القبطية، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وسماه يمينًا. ومن ذهب إلى أنه لا اعتبار به، تمسك بقوله تعالى: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧] والنهي يدل على الفساد، أو بالبراءة الأصلية. ومن ذهب إلى أنه للطلقات الثلاث، زعم أنه قد يجعل كناية عن الطلقات الثلاث؛ فوجب تنزيله على أعظم أحواله، وهو الطلقات الثلاث، ثم أدخله تحت قوله تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]. ومن ذهب إلى أنه للطلقة الواحدة، نزله على أقل أحواله، ومن جعله ظهارًا، جعله كناية عنه، والكنايات في اللغة ليست عبارة عن القياس الشرعي. سلمنا أن قولهم بتلك المذاهب ليس للنص؛ فلم قلتم: إنه لا بد وأن يكون للقياس، فما الدليل على نفي الواسطة؟ ثم إنا نتبرع بذكر الوسائط: منها: تنزيل اللفظ على أقل المفهومات، أو على الأكثر، ومنها استصحاب الحال، ومنها: المصالح المرسلة الخالية عن شهادة الأصول، ومنها: الاستقراء؛ والفرق بينه وبين القياس: أن الاستقراء عبارة عن إثبات الحكم في كليٍّ؛ لثبوته في بعض جزئياته، والقياس عبارة عن إثباته في جزئي؛ لأجل ثبوته في جزئي آخر، ومنها: أنه كان من مذهبه أن مجرد قوله حجة، ومستند ذلك الوهم إلى أن قول بعض الأنبياء حجة؛ فيكون قول هذا العالم حجة!!. بيان الأول: قوله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا إسرائيل على نفسه﴾ [آل عمران: ٩٣] أضاف التحريم إليه.

стр. 3048

بيان الثاني: قوله ﵊: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) فهذه الشبهة تقتضي أن يكون مجرد قول العالم حجة؛ فلعل هذه الشبهة خطرت ببالهم، ومنها الإجماع. فإن قلت: (حصول الإجماع في محل الخلاف محالٌ): قلت: المقصود من ذكر الإجماع بيان ثبوت الواسطة بين النص والقياس في الجملة، فهذا هو الكلام على الوجه الثالث. وأما الوجه الرابع: وهو أن الصحابة قالت بالرأي، والرأي هو القياس: فنقول: لا نسلم أن الرأي هو القياس؛ والدليل عليه وجوه: الأول: أنه يقال: رأى يرى رؤية ورأيًا؛ فدل هذا على أنه مرادف للرؤية، فإذا ثبت ذلك، وجب ألا يكون حقيقة في القياس؛ دفعًا للاشتراك، وإذا ثبت أنه ما كان في أصل اللغة للقياس، وجب ألا يكون في عرف الشرع له؛ لأن النقل خلاف الأصل. الثاني: لو كان الرأي اسمًا للقياس، لكان اللفظ المشتق منه دليلاً على القياس، وكان يجب أن يكون قولنا: (فلان يرى كذا) معناه: أنه يقيس، ومعلوم أن ذلك باطلٌ؛ لأن من يذهب إلى الرؤية، والصفات، وخلق الأعمال، يجوز أن

стр. 3049

يحكي عن نفسه: (إني أرى القول بهذه الأشياء) وعمن يشاركه في المذهب: (إنه يرى القول بها). الثالث: أنكم رويتم عن أبي بكر ﵁: أنه قال في الكلالة: (أقول فيها برأيي) ومعلوم أن تفسير اللفظة اللغوية لا يكون بالقياس. فثبت بهذه الوجوه الثلاثة: أن الرأي ليس اسمًا للقياس. وأما الذي تمسكتم به؛ من أنه يقال: أقلت هذا عن رأيك، أو عن النص؟ قلنا: أقصى ما في الباب؛ أن يدل هذا الاستعمال على أن الرأي غير النص؛ لكن من أين يدل على أنه لما كان غير النص، وجب أن يكون قياسًا؟. بيانه: أن النص: هو اللفظ الدال على الحكم دلالة ظاهرة جلية، فما لا يكون كذلك لا يكون نصًا؛ فلا يلزم من كون الرأي خارجًا عن النص: ألا يكون ذلك الاستدلال لفظيًا؛ لاحتمال أنه لما كان خفيًا، لا جرم لا يسمى بالنص. سلمنا أن مسمى الرأي ليس هو النص؛ فلم قلتم: إنه هو القياس؛ وما الدليل على هذا الحصر؟ فهذا هو الكلام المختصر على الوجوه الأربعة المذكورة في تقرير المقدمة الأولى. سلمنا أن بعض الصحابة قال بالقياس، أو عمل به؛ فلم قلت: إن أحدًا منهم ما أنكره؟!. قوله: (لو أنكروه، لاشتهر، ولنقل، ولوصل إلينا): قلنا: الكلام على هذه المقدمات قد مر.

стр. 3050

والذي نقوله الآن: أنَّا لا نسلم أنه ما وصل ذلك الإنكار إلينا؛ فإنه نقل عنهم تارة: إنكار الرأي، وأخرى: إنكار القياس، وأخرى: ذم من أثبت الحكم لا بالكتاب والسنة، روى عن أبي بكر ﵁: أنه قال: (أي سماءٍ تظلني، وأي أرض تُقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي؟). وعن عمر ﵁: (إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي؛ فضلوا وأضلوا) وعنه ﵁: (إياكم والمكايلة) قيل: وما المكايلة؟ قال: (المقايسة) وعن شريحٍ قال: (كتب عمر بن الخطاب ﵁ وهو يومئذ من قبله قاضٍ -: (اقض بما في كتاب الله تعالى، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، فاقض بما في سنة رسول الله ﷺ فإن جاءك ما ليس فيها، فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد، فلا عليك أن تقضي). وعن علي: (لو كان الدين يؤخذ بالقياس، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره) وروى عنه: (من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم، فليقل في الجد برأيه). وهذا أيضًا يروى عن عمر ﵁. وعن ابن عباس: (يذهب قراؤكم وصلحاؤكم، ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون الأمور برأيهم) وقال: (إذا قلتم في دينكم بالقياس، أحللتم كثيرًا مما حرمه الله تعالى وحرمتم كثيرًا مما حلل الله) وقال: (إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿فأحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٨] ولم يقل: (بما رأيت) وقال: (لو جعل لأحدكم أن يحكم برأيه، لجعل ذلك لرسول الله ﷺ ، ولكن قيل له: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩] وقال: (إياكم والمقاييس؛ فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس).

стр. 3051

وعن ابن عمر ﵄: (السنة: ما سنه رسول الله ﷺ ؛ لا تجعلوا الرأي سنة للمسلمين) وعن مسروق: (لا أقيس شيئًا بشيء، أخاف أن تزل قدمي بعد ثبوتها) وكان ابن سيرين يذم القياس، ويقول: (أول من قاس إبليس) وقال الشعبي لرجل: (لعلك من القياسيين) وقال: (إن أخذتم بالقياس، أحللتم الحرام، وحرمتهم الحلال). فثبت بهذه الروايات تصريح الصحابة والتابعين بإنكار الرأي والقياس. فإن قلت: هؤلاء الذين نقلت عنهم المنع من القياس هم الذين دللنا على ذهابهم إلى القول به، فلا بد من التوفيق، وذلك بأن نصرف الروايات المانعة من القياس إلى بعض أنواعه؛ وذلك حق؛ لأن العمل بالقياس لا يجوز عندنا إلا بشرائط مخصوصة. قلت: هب أن الذين نقلنا عنهم المنع من القياس: هم الذين دللتم على أنهم كانوا عاملين به، إلا أنا نقلنا عنهم التصريح بالرد والمنع على الإطلاق من غير تقييد بصورة خاصة، وأنتم ما نقلتم عنهم التصريح بالقول، بل رويتم عنهم أمورًا، ثم دللتم بوجوه دقيقة غامضة على أن تلك الأمور دالة على قولهم بالقياس، ومعلوم أن التصريح بالرد أقوى مما ذكرتموه؛ فكان قولنا راجحًا. سلمنا عدم الترجيح من هذا الوجه؛ لكن كما أن التوفيق الذي ذكرتموه

стр. 3052

ممكن، فهاهنا توفيق آخر؛ وهو أن يقال: إن بعضهم كان قائلاً بالقياس، حين كان البعض الآخر منكرًا له، ثم لما انقلب المنكر مقرا، انقلب المقر أيضًا منكرًا. وعلى هذا التقدير: يكون كل واحد منهم مادحًا للقياس، وذامًا له من غير تناقض، مع أنه لا يحصل الإجماع. سلمنا أن بعض الصحابة قال بالقياس وأن أحدًا منهم ما أظهر الإنكار؛ فلم قلتم: يحصل الإجماع؟. وبيانه: أن السكوت قد يكون للخوف والتقية. قوله: (القول بالقياس ليس سببًا لنفع دنيوي؛ فكيف يحصل الخوف من إنكار الحق فيه): قلنا: لا نسلم عدم الخوف هناك. قال النظام في هذا المقام: الصحابة ما أجمعوا على القياس، بل القائل به قوم معدودون، وهم: عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبىٌّ، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء وأبو موسى، وأناس قليل من أصاغر الصحابة؛ والباقون ما كانوا عاملين به، ولكن لما كان فيهم عمر وعثمان وعلي، وهؤلاء لهم سلطان، ومعهم الرغبة والرهبة، شاع ذلك في الدهماء، وانقادت لهم العوام، فجاز للباقين السكوت على التقية؛ لأنهم قد علموا أنَّ إنكارهم غير مقبول. قال: والذي يدل عليه: أنه قال في الفتيا عبد الله بن عباس، والعباس أكبر منه،

стр. 3053

ولم يقل في الفتيا شيئًا من غير عجز، ولا عيٍّ، ولا غيبة عن شيءٍ شهده ابنه، وقال في الفتيا عبد الله بن الزبير، والزبير أعظم منه، ولم يقل فيه شيئًا، وكان أبو عبيدة، ومعاذ بن جبل بالشام، فقال معاذٌ، ولم يقل أبو عبيدة؛ مع أن أبا عبيدة أعظم منه؛ فإنه قال ﵊: (أبو عبيدة أمين هذه الأمة) وكيف يقال: كان الخوف زائلا، وابن عباس قال: (هبته، وكان - والله - مهيبًا). وأيضًا: فإن الرجل العظيم؛ إذا اختار مذهبًا، فلو أن غيره أبطل ذلك المذهب عليه، فإنه يشق عليه غاية المشقة؛ ويصير ذلك سببًا للعداوة الشديدة. قوله: (لو كان الخوف مانعًا من المخالفة لما خالف بعضهم بعضًا في مسألة الجد والحرام): قلنا: القياس أصل عظيم في الشرع؛ نفيًا وإثباتًا، فكان النزاع فيه أصعب من النزاع في فروع الفقه؛ ولذلك نرى في المختلفين في مسألة القياس يضلل بعضهم بعضًا، والمختلفين في الفروع لا يفعلون ذلك. سلمنا أن أسباب الخوف ما كانت ظاهرة، ولكن أجمع المسلمون على أنهم ما كانوا معصومين؛ فكيف يمكننا القطع باحترازهم عن كل ما لا ينبغي، غاية ما في الباب حسن الظن بهم، ولكن ذلك [لا] يكفي في القطعيات. سلمنا زوال الخوف؛ ولكن لعلهم سكتوا؛ لأنه ما ظهر لهم كون القياس حقًا، ولا باطلاً؛ فكان فرضهم السكوت، أو أنهم عرفوا كونه خطأ؛ لكنهم اعتقدوا أنه من الصغائر، فلا يجب الإنكار على العامل به، ولأن كل واحد منهم اعتقد في غيره أنه أولى بإظهار الإنكار.

стр. 3054

سلمنا: أنهم بأسرهم رضوا؛ لكن حصل الرضا دفعة واحدة، أو لا دفعة واحدة: الأول: مما لا يعرفه إلا الله تعالى؛ لأنهم ما جلسوا في محفل واحدٍ قاطعين بصحته دفعة واحدة. والثاني: لا يفيد الإجماع؛ لأنه ربما كان الأمر بحيث لما صار البعض راضيًا بقلبه، صار الآخر متوقفًا فيه، أو منكرًا عليه بالقلب؛ وذلك يمنع من انعقاد الإجماع. فإن قلت: (هذا الاحتمال يمنع من انعقاد الإجماع): قلت: لا نسلم؛ فإن أهل الإجماع كانوا قليلين في زمان الصحابة، وكان يمكنهم أن يجتمعوا في محفل واحدٍ، ويقطعوا بالحكم، فيكون ذلك الإجماع خاليًا عن هذا الاحتمال. أما إذا لم يجتمعوا في محفل واحد، فإذا سئل بعضهم، فأفتى به، ثم أنه سئل إنسان آخر، في بلد آخر، فلعل المفتي الأول رجع عن فتواه حينما أفتى به المفتي الثاني؛ وحينئذ لا يتم الإجماع، وهذا سؤال أهل الظاهر، ولهذا قالوا: لا حجة إلا في إجماع الصحابة. سلمنا انعقاد الإجماع على قياس ما؛ لكن لم ينقل إلينا أنهم أجمعوا على النوع الفلاني من القياس، أو على كل أنواعه، ولم يلزم من انعقاد الإجماع على صحة نوع انعقاده على صحة كل نوع؛ فإذن: لا نوع إلا ويحتمل أن يكون النوع الذي أجمعوا عليه هو هذا النوع، وأن يكون غيره، وإذا كان كذلك، صار كل أنواه مشكوكًا فيه؛ فلا يجوز العمل بشيء منه.

стр. 3055

فإن قلت: (الأمة على قولين: منهم: من أثبت القياس، ومنهم: من نفاه، وكل من أثبته، فقد أثبت النوع الفلاني مثلاً، فلو أثبتنا قياسًا غير هذا النوع، كان خرقًا للإجماع): قلت: لا نسلم أن كل من أثبت نوعًا من القياس، أثبت نوعًا معينًا منه؛ لأن القياس إما أن يكون مناسبًا، أو لا يكون: وكل واحد من القسمين مختلف فيه: أما المناسب: فرده قومٌ؛ قالوا: لأن مبناه على تعليل أحكام الله تعالى بالحكم والأغراض؛ وإنه غير جائز. وأما غير المناسب: فقد رده الأكثرون؛ فثبت أنه ليس هاهنا قياس مقبول بإجماع القائسين. سلمنا انعقاد إجماع القائسين على نوع واحدٍ؛ ولكن لم لا يجوز أن يكون ذلك هو قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، وما إذا نص الله تعالى على العلة؛ فإن هذا القياس عندنا حجة؟!. سلمنا انعقاد الإجماع على جواز العمل بالقياس في زمان الصحابة؛ فلم [لا] يجوز في زماننا؟. والفرق: أن الصحابة، لما شاهدوا الرسول ﷺ والوحي، فربما عرفوا بقرائن الأحوال: أنَّ المراد من الحكم الخاص بصورة معينة - رعاية الحكمة العامة؛ فلا جرم جاز منهم التعبد به، وأما غير الصحابة، فإنهم لما لم يشاهدوا الوحي والرسول والقرائن، لم يكن حالهم كحال الصحابة. فإن قلت: (كل من جوز العمل بالقياس للصحابة، جوزه لغيرهم): قلت: كيف يقطع بأنه ليس في فرق الأمة، على كثرتها، أحدٌ يقول بهذا

стр. 3056

الفرق مع وضوحه؛ غايته: أنا لا نعرف أحدًا قاله؛ لكن عدم العلم بالشيء لا يقتضي العلم بعدمه. والجواب: أن أصحابنا ذهبوا إلى أن الروايات المذكورة في اختلافهم في مسألة: الجد، والحرام، والمشركة، والإيلاء، والخلع، وتقدير الحد بشرب الخمر، وقياس العهد على العقد، وقول الصحابة بالتشبيه والرأي، وما نقل من الأحاديث في القياس؛ كخبر معاذ وابن مسعود، وخبر الخثعمية، والسؤال عن قبلة الصائم، وأمر عمر أبا موسى بالقياس، وقول ابن عباس بالتشبيه - قد بلغ مجموعها إلى حد التواتر؛ فإن من خالط أهل الأخبار، وطالع كتبهم، قطع بصحة شيء من هذه الأخبار؛ فإنها باسرها يمتنع أن تكون كذبًا، وأي واحد منها صح القول بالقياس، وهذا الذي قاله الأصحاب جيد، إلا أن الخصم، لو كابر، وقال: لا أسلم خروج هذا المجموع عن كونه خبر واحد. قلنا: هب أنه كذلك، فأيش يلزم؟. قوله: (المسألة علمية قطعية؛ فلا يجوز إثباتها بدليل ظني): قلنا: لا نسلم أنها قطعية؛ بل هي عندنا ظنية؛ لأن هذه المسألة عملية، والظن قائم مقام العلم في وجوب العمل؛ ألا ترى أنه لا فرق بين أن يعلم بالمشاهدة وجود الغيم الرطب المنذر بالمطر، الذي يجب التحرز منه، وبين أن يخبر بوجود مثل هذا الغيم مخبر لمن لا يمكنه مشاهدة الغيم في أنه يلزمه التحرز منه، فكذا هاهنا؛ لا فرق بين أن يتواتر النقل عن الشرع في أنَّا مأمورون بالقياس، وبين أن يخبرنا به من يظن صدقه؛ في وجوب العمل بالقياس، وإن لم نعلم صدق المخبر بذلك؛ وهذا الجواب قاطع للشغب بالكلية.

стр. 3057

قوله على الوجه الأول: (لا يجوز أن يكون المراد من قول عمر: (اعرف الأشباه والنظائر) - الأمر بمعرفة ماهية كل جنس؛ لئلا يدخل تحت النص المذكور في ذلك الجنس - ما ليس منه، ولا يخرج عنه ما هو منه): قلنا: مقدمة هذا الكلام ومؤخرته تبطل هذا الاحتمال؛ وهو قول عمر ﵁: (الفهم عندما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في كتاب الله، ولا سنة نبيه، ثم اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك عند ذلك، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله تعالى، وأشبهها بالحق فيما ترى) فمن تأمل هذا الكلام، عرف أنه صريح في الأمر بالقياس الشرعي. وهو الجواب أيضًا عن قوله: (لم لا يجوز أن يكون المراد منه تشبيه الفرع بالأصل في أنه لا يثبت حكمه إلا بالنص). قوله على الوجه الثاني: (لم لا يجوز أن يكون المراد منه أنه، لم لا يسمى الجد أبًا مجازًا؛ حتى يدخل تحت قوله: ﴿وورثه أبواه﴾ [النساء: ١١] كما سمى النافلة ابنًا؛ حتى دخل تحت قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]؟): قلنا: لا يجوز أن يكون إنكار ابن عباس على زيد؛ لأجل امتناعه من المجاز في أحد الموضعين دون الثاني؛ لأن حسن المجاز في أحد الموضعين لا يوجب حسنه في الموضع الثاني. وبتقدير التساوي في الحسن؛ لكن القطع به في أحد الموضعين لا يوجب القطع به في الموضع الثاني. وإذا ثبت أن هذا الإنكار غير متوجه على التفرقة في إطلاق الاسم المجازي،

стр. 3058

ثبت أنه متوجه على التفرقة في الحكم الشرعي، فيكون ذلك تصريحًا بالقياس الشرعي. قوله: (لو كان المراد هو الحكم الشرعي، لما نسبه إلى مفارقة التقوى): قلنا: لعل هذا القياس كان جليًا عند ابن عباس، وكان من مذهبه أن الخطأ في مثل هذا القياس يقدح في التقوى. وأيضًا: فذلك محمول على المبالغة. قوله على الوجه الثالث: (لم قلت: إن مبالغتهم في تعظيم الرسول ﷺ توجب إظهار النص؟): قلنا: استقراء العرف يشهد به؛ فإن من حكم بحكم غريب يخالفه فيه جمعٌ، يوافقونه على تعظيم شخص معين، ووجد ذلك الإنسان حجة من قول ذلك الإنسان العظيم؛ فإنه لا بد أن يذكر لهم ذلك القول ويصرح به. قوله: (إنما يذكر عند الحاجة إلى ذكره): قلنا: والحاجة إلى ذكره حاصلة مطلقًا؛ لأن من يعتقد أن مذهبه ثابت بالنص، فلا بد أن يعلم: أن مخالفه: إنما خالفه إما لا لطريق، أو لطريق مرجوح بالنسبة إلى طريقه، أو مساوٍ له، أو راجح عليه: وعلى التقديرين الأولين؛ كان مخالفه مخالفًا للنص. وعلى التقدير الثالث: يكون فرض كل واحدٍ منهما التوقف؛ فتكون الفتوى بأحدهما محظورًا. وعلى التقدير الرابع: يكون هو مخالفًا للنص، فإذن: من أثبت مذهبه بالنص، فإنه لا بد وأن يعتقد فيمن خالفه، أو في نفسه - كونه مخالفًا للنص؛

стр. 3059

لكن شدة إنكارهم على مخالفة النص تقتضي شدة احترازهم عنها، ولا طريق إلى ذلك الاحتراز إلا بذكر ذلك النص؛ فثبت أن شدة تعظيمهم للرسول ﷺ توجب عليهم: أن يذكروا نصوصه على الإطلاق. وبهذا ظهر الجواب عن قوله: (إنه لا يجب ذكر النصوص الخفية؛ لأن الدليل الذي ذكرناه مطرد في الكل). قوله: (لو أثبتوا مذاهبهم بالقياس، لوجب عليهم أن يذكروه): قلنا: الفرق من وجوه: أحدها: أن إنكارهم على مخالف النص أقوى من إنكارهم على مخالف القياس؛ فلم يلزم من ترك أقل الإنكارين ترك أعظمها؟!. وثانيها: أن الخواطر مستقلة بمعرفة العلل القياسية؛ فلا يجب التنبيه عليها، وهي غير مستقلة بمعرفة النصوص؛ وذلك يقتضي وجوب التنبيه عليها. فإن قلت: (لو لم يجب التنبيه على العلل القياسية، لما حسنت المناظرات): قلت: ليس كل ما لا يجب لا يحسن. وثالثها: أن النصوص يجب اتباعها؛ فيجب نقلها، والأقيسة لا يجب اتباعها فلا يجب نقلها؛ لأن عندنا: كل مجتهد مصيبٌ. ورابعها: أن النصوص يمكن الإخبار عنها على كل حال، وأما الأمارات: فقد يتعذر التعبير عنها، وإن كانت مفيدة للظن؛ مثل الأمارات في قيم المتلفات، وأروش الجنايات؛ ولذلك لا يتمكن المقوم من أن يذكر أمارة ملخصة في تقدير القيمة بالقدر المعين.

стр. 3060

فإن قلت: (أليس أن فقهاء هذا الزمان يعبرون عن هذه الأمارات؟): قلت: المتأخر في كل علم يلخص ما لم يلخصه المتقدم. سلمنا أنه يجب عليهم ذكر تلك الأقيسة؛ لكن يجب ذكرها صريحًا، أو تنبيهًا؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم: وهاهنا قد نبهوا على العلل بالإشارة إلى الأصول التي ذكروها: بيانه: أنهم اتفقوا على أن حكم قوله: (أنتِ عليَّ حرامٌ) إما أن يكون حكمه حكم الطلاق، أو الظهار، أو اليمين، وعلة ذلك ظاهرة، وهي أن قوله: (أنتِ عليَّ حرامٌ) لفظ موضوع للتحريم، فيؤثر فيه إذا توجه إلى الزوجة؛ كهذه المسائل، ثم إن كل واحد منهم رجح الأصل الذي اختاره؛ فمنهم: من رجح الاحتياط؛ فجعله طلاقًا ثلاثًا، ومنهم: من رجح بالمتيقن؛ فجعله طلقة واحدة. ومنهم: من جعله ظهارًا؛ لمشابهته إياه في اقتضاء التحريم ومباينته لصرائح الطلاق، وكناياته، ثم جعل كفارته كفارة الظهار؛ أخذًا بالاحتياط؛ لأنها أغلظ من كفارة اليمين، ومنهم: من رجح بأن كفارة اليمين أقل الكفارات؛ فيوجبها؛ أخذًا بالأقل؛ فظهر أن ذكر هذه الأصول منبه على كيفية قياساتهم. قوله: (لم قلت: لو أظهروا تلك النصوص، لوجب اشتهارها؟): قلنا: لأن هذه المسائل من المسائل التي يكثر وقوعها؛ فكانت الحاجة إلى معرفة حكم الله تعالى فيها بالدليل شديدة؛ وما كان كذلك، فإن الدواعي تتوفر على حفظ النصوص الواردة فيها، فهذا إن لم يفد القطع، فلا أقل من الظن. قوله: (تدعي أن تلك النصوص، لو نقلت، لعرفتها أنت أو لعرفها أحد ممن في هذا الزمان؟!):

стр. 3061

قلنا: ندعي قسمًا ثالثًا، وهو أن يكون مشهورًا في الكتب؛ بحيث يجده كل من حاول طلبه. قوله: (من ذهب إلى أنه يمين، تمسك بقوله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ .... إلى قوله: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ١ - ٢]): قلنا: إن قوله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ٢] لا يدل على أنه إذا حرم، فماذا حكمه؟!. ثم إذا دل، فإنما يدل على مذهب مسروق. وأما قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢] فنقول: ليس في الآية إلا أنه ﵊ حرم ما أحل الله له، فيجوز أن يكون قد حرمه بلفظ اليمين؛ بأن كان قد حلف بأنه لا يقرب مارية، بل هذا أولى؛ لأن اليمين هو القسم بالله، ولا شبهة في أن قوله: (أنت عليَّ حرام) ليس قسمًا بالله؛ فثبت أن هذه الآية لا دلالة فيها على حكم هذه المسألة. وأيضًا: فلو نزلت هذه الآية بسبب قوله لمارية: (أنت عليَّ حرام) لكان ذلك نصًا في الباب؛ وذلك يمنع من ذهاب كل واحد منهم في هذه المسألة إلى قول آخر؛ لما بينا أن شدة إنكارهم على من خالف نصوصه يمنع منه. قوله: (من حمله على الطلقات الثلاث، جعله ككنايات الطلاق): قلنا: لا شك أن قوله: (أنت عليَّ حرام) ليس من صرائح الطلاق، وما أجمعوا على أنه من كنايات الطلاق؛ فإذن: لا بد وأن يقال: إن حكم هذا

стр. 3062

الكلام مثل حكم الصرائح والكنايات؛ وهذا التشبيه نفس القياس؛ بل لا نزاع في أنه بعد ثبوت هذه المشابهة يندرج تحت قوله: ﴿إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق: ١] وقوله: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩]. قوله: (من حمله على الطلقة الواحدة، فإنما حمله عليها؛ أخذًا بالمتيقن): قلنا: هذا إنما يثبت بعد أن نجعله من صرائح الطلاق أو كناياته؛ وحينئذ فلا بد فيه من القياس. قوله: (من حمله على الظهار، فقد أجراه مجرى الظهار): قلنا: إن أردتم به أنه أجراه مجرى الظهار في الحكم، فهذا هو القياس، وإن أردتم غيره، فبينوه. قوله: (إن مسروقًا تمسك بالبراءة الأصلية): قلنا: لا نسلم؛ بل قاسه على قصعة من ثريد؛ فإنه حكى عنه أنه قال: (لا فرق عندي بينه وبين قصعة من ثريد). وأيضًا: فإن مسروقًا كان من التابعين، فإما أن يقال: إنه عاصر الصحابة حين اختلفوا في هذه المسألة، أو ما عاصرهم في ذلك الوقت: فإن كان الأول: كانت الصحابة تاركين للبراءة الأصلية؛ بسبب القياس؛ لما بيَّنَّا أنهم ما ذهبوا إلى مذاهبهم؛ لأجل النص؛ وذلك يقتضي عمل بعض الصحابة بالقياس، ولا مطلوب في هذا المقام إلا ذلك. وإن كان الثاني: كان إجماعهم حجة عليه.

стр. 3063

قوله: (هب أنهم ما ذهبوا إلى تلك المذاهب؛ لأجل النص، فلم قلت: ذهبوا إليها للقياس؟): قلنا: لأن كل من قال: الصحابة لم يرجعوا في تلك الأقاويل إلى البراءة الأصلية، ولا النصوص الجلية أو الخفية - قال: إنهم عملوا فيها بالقياس. هذا تمام الكلام في الوجه الثالث. قوله على الوجه الرابع: (إن الرأي في أصل اللغة ليس للقياس): قلنا: هذا مسلم؛ لكنا ندعي أنه في عرف الشرع اختص بالقياس، وهذا وإن كان خلاف الأصل؛ لكن الدليل قام عليه؛ فإنكم رويتم عنهم كلامًا كثيرًا في ذم الرأي، وقد ساعدنا خصومنا على أن المراد منه ذم القياس، فعلمنا أن عرف الشرع يقتضي تخصيص اسم الرأي بالقياس، وهذا تمام الكلام في المقدمة الأولى. قوله: (إنهم صرحوا بالإنكار): قلنا: نعم؛ ولكن التوفيق ما ذكروا. قوله: (روايات الإنكار صريحة، وروايات الاعتراف غير صريحة): قلنا: هب أنها غير صريحة لفظًا؛ لكنها صريحة بحسب الدلالة المذكورة؛ فلم قلت: إنه يبقى ما ذكرتموه من الترجيح؟. قوله: (لعل المنكر انقلب مقرا وبالعكس): قلنا: لو وقع ذلك، لاشتهر؛ لأنه من الأمور العجيبة؛ فحيث لم يشتهر، دل على أنه لم يقع.

стр. 3064

قوله: (لعلهم سكتوا؛ خوفًا): قلنا: استقراء حال الصحابة يفيد ظنًا غالبًا بشدة انقيادهم للحق. وأما قدح النظام فيهم: فقد سبق الجواب عنه في (باب الأخبار). قوله: (يجوز أن يكون سكوتهم؛ لعدم علمهم بكونه حقًا أو باطلاً): قلت: هب أنهم كانوا متوقفين فيه في أول الأمر؛ ولكن الظاهر أن بعد انقضاء الأعصار يظهر لهم كونه حقًا أو باطلاً. قوله: (لعل كل واحد منهم اعتقد أن غيره أولى بالإنكار): قلنا: لا بد وأن يكون واحد منهم أولى بذلك، أو يكون الكل في درجة واحدة، وكيفما كان، فإجماعهم على ترك الإنكار إجماع على الخطأ. قوله: (حصل الرضا دفعة، أو لا دفعة؟): قلنا: الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان. قوله: (لا نعلم أنهم بأي أنواع القياس تمسكوا): قلنا: الإجماع الظاهر حاصل في أن القياس المناسب حجة. قوله: (لم قلت: إنه يلزم من جواز العمل بالقياس للصحابة جوازه لنا؟): قلنا: لا نعرف أحدًا قال بالفرق؛ فيكون الإجماع حاصلاً ظاهرًا. فهذا تمام الكلام في هذه الطريقة، وإنما استقصينا القول فيها جوابًا وسؤالاً؛ لأنَّا رأينا الأصوليين يعولون عليها في كثير من مسائل هذا العلم، قد ذكرناها أيضًا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، فأردنا أن نعرف مقدار قوتها، وقد

стр. 3065

ظهر أنها لو أفادت شيئًا ما أفادت إلا ظنًا ضعيفًا، وأنه ليس الأمر كما يعتقده الجمهور؛ من أنه يفيد إجماعًا قاطعًا. المسلك السادس: تقرير الإجماع على وجه آخر، فنقول: نعلم بالضرورة اختلاف الصحابة في المسائل الشرعية، فإما أن يكون ذهابهم إلى ما ذهبوا إليه، لا لطريق فيكون ذلك إجماعًا على الخطأ؛ وإنه غير جائز، أو لطريق؛ وهو: إما أن يكون عقليًا أو سمعيًا، لا يجوز أن يكون عقليًا؛ لأن العقل لا دلالة فيه إلا على البراءة الأصلية، ويستحيل أن يكون قول كل واحد من المختلفين قولاً بالبراءة الأصلية؛ فثبت أنه كان سمعيًا، وهو إما أن يكون قياسًا، أو نصًا، أو غيرهما: أما القياس: فهو المطلوب. وأما النص: فغير جائز؛ لأن مخالف النص يستحق العقاب العظيم؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها﴾ [النساء: ١٤] ونحن نعلم بالضرورة أن المختلفين منهم في المسائل الشرعية ما كان كل واحد منهم يعتقد في صاحبه كونه مستحقًا للعقاب العظيم؛ بسبب تلك المخالفة. وأما الذي ليس بنص، ولا قياس: فباطل؛ لأن كل من قال من الأمة: (إنهم لم يتمسكوا في تقرير أقوالهم بشيءمن النصوص الجلية والخفية، ولا بالبراءة الأصلية) قال: إنهم تمسكوا بالقياس، فلو قلنا: إنهم قالوا بتلك الأقاويل بشيء غير هذين القسمين، كان ذلك قولاً غير قولي كل الأمة؛ وهو باطل. فهذه الدلالة، وإن كان يتوجه عليها كثير مما توجه على الوجه الذي قبله، إلا أن كثيرًا من تلك الأسئلة ساقط عنها.

стр. 3066

المسلك الخامس قال القرافى: قوله: (وعن علي وزيد أنهما شبهاهما بغصني شجرة، وجدولى نهر): تقريره: أن الجد يقول: أنا أبو أبيه، والأخ يقول: أنا ابن أبيه، فيجتمعان معًا في أبي الميت، فأبو الميت هو الشجرة، وهما غصناها، والنهر، وهما جدولاه. قوله: (اختلفوا في مسائل، ولا يمكن أن يكون تلك الأقوال إلا عن القياس): قلنا: أما قول علي: إن الحرام كالطلاق الثلاث، وقول ابن مسعود: طلقة بائنة أو رجعية، فلا يتعين أن يكون المدرك القياس؛ لإمكان أن يكون ذلك لاختلافهم في نقل العرف لهذه اللفظة، كما قاله المالكية. فمن رأى أن العرف نقلها للثلاث ألزم الثلاث، أو الواحدة مع البيبونة ألزمها، أو لأصل الطلاق فقط ألزمه، فكانت رجعية. وقول الصديق: يلزمه الكفارة فقط؛ فلقوله تعالى: ﴿يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١]، فروى أنه حرم طعامًا، فأمر بالتكفير كفارة يمين، وبه قال أبو حنيفة. وقول ابن عباس: إنه ظهار؛ فلنقل العرف له كذلك. وقول مسروق: إنه ليس بشيء؛ فلعدم مشروعيته سببًا لشيء؛ لأن الأصل عدم المشروعية. فهذه كلها مدارك محتملة، لا يتعذر أن تكون مدارك هذه الأقوال، فلا يتعين القياس.

стр. 3067

قوله: (لم ينتقص الجد من الثلث كالأم؛ لأنه يرث مع البنين): قلنا: لا يلزم أن يكون المدرك هذا القياس؛ بل لأنه حجب الإخوة للأم عن الثلث، فاستحقه، لا بالقياس على شيء آخر. قوله: (ومنهم من قال: للجد السدس لا ينقص منه، ويقاسم مطلقًا ما لم ينقص منه قياسًا على الجدة): قلنا: بل المدرك عند هذا القائل أن يكون هو الأخذ بأقل ما قيل؛ فإن الجد لايسقط ألبتة، فالسدس لا بد منه، فأمكن أن يكون هذا هو المدرك، لا القياس على الجدة. قوله: (شرك عمر ﵁ بين الإخوة الأشقاء وإخوة الأم في الثلث في مسألة المشركة): قلنا: المدرك يمكن أن يكون وجود السبب المقتضى للميراث وهو إخوة الأمومة لا شيئًا آخر، وهو الذي صرحوا به في حجبهم، وهذا ليس بقياس، بل سبب منصوص عليه، كوجوب الظهر لزوال الشمس. قوله: (قال عثمان: الخلع طلاق): قلنا: المدرك أنه تلفظ بلفظ الطلاق، فهو حكم سببه الشرعي، لا أنه قياس. وقوله: (إنه فسخ لا طلاق)؛ فلأنه تخيل فيه اتفاق المتعاوضين على رد ما خرج من أيديهما إليهما، وهذا هو حقيقة الفسخ والإقالة، وترتيب الحكم لوجود سببه الخاص لا يكون قياسًا. قوله: (إذا ثبت أنهم ما قالوا بهذه الأقاويل لأجل نص، فيتعين القياس): قلنا: لا نسلم الحصر، وقد تقدم - أن ثم - غير القياس، والنص،

стр. 3068

وهو ترتيب للحكم على الأسباب، وملاحظة القواعد الشرعية، وهو غير الأمرين. قوله: (وعن ابن مسعود في قصة بروع): تقريره: قال التبريزي: قال ابن مسعود في بروع بنت واشق، وقد فوضت بضعها بعد أن تردد السائل شهرًا: أقول فيها برأييـ فإن أصبت فمن الله - تعالى - وإن أخطأت فمني ومن الشيطان: أرى لها مثل مهر نسائها، لا وكس، ولا شطط. قال سراج الدين: قال ابن مسعود: (في قصة البروع): فعرف بلام التعريف، والظاهر أن هذا الاسم علم، فتعريفه بلام التعريف غير صواب، وجميع النسخ، وكلام التبريزي وغيره بغير (لام)، وهو الصةاب إن شاء الله تعالى، وسكت تاج الدين، و (المنتخب) عن هذا الموضع. قوله: (الرأي: القياس؛ لقولهم: (قلت هذا برأيك أم بالنص)؟ فيجعلون القياس قسيم النص): قلنا: مسلم، لكن الذي يجعل قسيم الشيء قد يكون أعم من المدعى هذا زوج أو فرد، فيجعل الزوج قسيم الفرد، مع أن الفرد أعم من الخمسة، فمن أدعى أن قسيم الزوج الخمسة ليس إلا، منعناه. كذلك هاهنا - الرأي أعم من القياس؛ لأنه يندرج فيه القياس، والاستدلال بنفي اللازم على نفي الملزوم، ونفي الشرط على نفي المشروط، وتخريج الفروع على القواعد، كما تقدم، وأنواع كثيرة من الاستحسان وغيره، فما تعين من القول بالرأي القول بالقياس.

стр. 3069

قوله: (القياس أصل عظيم في الشرع نفيًا وإثباتًا). يريد نفي القياس وإثباته، لا إثبات الحكم به ونفيه به. قوله: (سكوت البعض إما أن يكون عن الخوف، أو عن الرضا، والأول باطل): قلنا: لا نسلم الحصر، لأن السكوت قد يكون لأنه في مهلة النظر لم يتضح له سبب الإنكار، أو لظنه أن غيره قام بذلك الإنكار، وغير ذلك من الوجوه التي تقدم ذكرها في الإجماع السكوتي. قوله: (لو أبدى الصحابي في تلك المسائل لكان خبر واحدٍ في حق السامع فلا يقيد): قلنا: لا نسلم أنه لا يفيد، بل خبر الواحد حجة. قوله: (الاستقراء إثبات الحكم في كلى؛ لثبوته في بعض جزئياته، والقياس إثباته في جزئي؛ لثبوته في جزئي آخر): تقريره: أن مراده بالكلى الكلية، مثل أن تجد هذه البغلة لا تلد، وهي جزئية بالنسبة إلى ذلك النوع، وتلك البغلة- أيضًا- لا تلد، وكذلك صور كثيرة، فيحصل لنا علم عادي أن كل بغلة لا تلد، فثبت الحكم بالكلية؛ لثبوته في الجزئيات. والقياس نحو: ثبوت التحريم في النبيذ، وهو جزئي؛ لثبوته في الخمر، وهو جزئي آخر. قال الإمام في (المحصل): الاستدلال إما بجزئي على كلى، وهو الاستقراء، أو بكلى على جزئي، وهو القياس المنطقي، أو بالأمرين، وهو القياس الفقهي، أما الأول فتقدم بيانه.

стр. 3070

وأما الثاني: إذا قلنا: كل إنسان حيوان، وكل حيوان جسم، فالمقدمة الكبرى كلية، ويلزم من ثبوت الجسم لموضوعها، وهو (الحيوان)، ثبوته للإنسان؛ لأنه بعض الكلية، التي هي الحيوان، فاستفدنا ثبوت الحكم في الجزئي من الكلى. وأما الثالث؛ فلأنا نستدل بورود التحريم في الخمر، وهو جزئي، على أن كل مسكر حرام، فقد استفدنا الكلى من الجزئي، ثم يلزم من تلك الكلية التي استفدناها أن النبيذ يحرم، وحينئذ يحصل القياس الشرعي من ثبوت الحكم من جزئي الكلي، ومن كلي الجزئي، وهو معنى ما قاله، فظهر أن القياس الفقهي مركب من الاستقراء، والقياس المنطقي، وهو تلخيص حسن ذكره في (المحصل)، ولا ينافي قوله- ها هنا- فإنه- ها هنا- اختصر ذلك، وأخذ الجزئي، وأسقط الكلية المتوسطة. قوله: (يقال: رأى يرى رؤية ورأيا، والرأي مرادف للرؤية): قلنا: إن أردتم أنه مرادف لرؤية القلب، فمسلم، أو لرؤية العين، فممنوع، والأول يحتمل القياس؛ لأنه فكر واعتبار بالقلب، فلا بد من مقدمة، وهو أن يقول: ورؤية البصر قدر عام، وإذا كان اللفظ حقيقة في العام، لا يكون حقيقة في أحد أنواعه بخصوصه، وإلا لزم المجاز أو الاشتراك. وإنما يصدق لفظ العام على أحد أنواعه من حيث اشتماله على ذلك المعنى العام، لا من حيث خصوصه، كما أنه لا يصدق لفظ الحيوان على الإنسان إلا من حيث اشتماله على الحيوانية، لا من حيث إنه ناطق. قوله: (قال الصديق- ﵁: (أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله رأيي)، وذكر معه آثارًا أخرى:

стр. 3071

قلنا: المعنى بهذه الآثار نفي الرأي الكائن عن الهوى بغير مدرك شرعي، وإلا فكل دليل لابد فيه من فكرة من جهة العقل، ورأى في أي شيء ينتهي أمر ذلك النظر إليه. وقول علي- ﵁: (لو كان الدين يؤخذ قياسًا، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره). جوابه: أن الدين- بلام التعريف- للعموم، ونحن نقول: ليس الدين كله يؤخذ بالقياس، بل بعضه. قوله: (قال الله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩]، ولم يقل: بما رأيت، وعن ابن عباس: (لو جعل لأحد أن يحكم برأيه لجعل ذلك لرسول الله ﷺ ): قلنا: معناه: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله فيما فيه وحي منزل، وهو الذي يفهم عند سماع هذا القول، وبقي ما لا وحي فيه مسكوت عنه، فتتناوله أدلة القياس. وقول ابن مسعود: (لا أقيس شيئًا بشيء مخافة أن تزل قدم بعد ثوبتها). محمول على القياس الخفي؛ فإن الخوف إنما يتحقق فيه، وليس في ذلك نص على أنه كان يخاف من القياس الجلي. قوله: (اعتقدوا أنه من باب الصغائر، فلم ينكروا):

стр. 3072

قلنا: الإنكار واجب في ترك كل واجب، وفعل كل محرم، صغيرة كانت أو كبيرة، وما علمت في هذا خلافًا. قوله: (احتمال الرجوع لا يقدح في الإجماع؛ لأن الصحابة كان يمكنهم الاجتماع في محفل واحد، ويصرحوا بالحكم، فيزول احتمال رجوع البعض الأول عند فتيا الثاني بخلاف القياس): قلنا: لم ينقل عن الصحابة أنهم اجتمعوا في محفل واحد قط، فليلزم على ذلك ألا يحصل إجماع البتة، مع أن ذلك إن صح فيمكنه فرضه في القياس، فيجمعوا ويصرحوا بأن القياس حجة، من غير احتمال انقلاب الراضي منكرًا، والمنكر راضيًا. قوله: (قياس العهد على العقد): تقريره: أن الذي تقدم في الإمامة للصديق إنما هو عقد البيعة، ثم إن الصديق- ﵁ عهد لعمر بن الخطاب، وهذا العهد ليس بعقد بيعة، فألحقه الصحابة بالعقد الواقع للصديق؛ في معناه، من جهة أن الإمام وكيل الأمة، وولي لهم، فإذا أبرم أمرًا، فهم أبرموه من حيث المعنى. قوله: (هذه المسألة عندنا ظنية): قلنا: هذا خلاف ما عليه الأصوليون، بل أصول الفقه كل مسائله قطعية، ومداركها قطعية. قوله: (كما سمى النافلة ابنًا): تقريره: أن الابن يسمى نافلة، لأن النافلة الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء: ٧٩]، أي زيادة على فرضك، وابن الابن رائد على الابن.

стр. 3073

قوله: (النصوص يجب اتباعها بخلاف الأقيسة): قلنا: لا نسلم الفرق، بل كل حجة راجحة أو سالمة عن المعارض يجب اتباعها عند من ظهرت له، ولا تجب عند من لم تظهر له، كان نصًا أو غيره، فلا فرق، فالتفرقة باطلة. قوله: (أنت على حرام، ليس من صريح الطلاق، وأجمعوا على أنه من كناياته، فجعلوا حكمه مثل حكم الصريح، وهذا التشبيه قياس، وبعد المشابهة يندرج تحت قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق: ١]). قلنا: بل إنما لزم الطلاق بالتحريم؛ لأن لفظ (التحريم) انتقل إلى الطلاق بالعرف، أو قصد بالنية، إن وقفنا اللزوم به على النية. أما لو استعمل لفظ (التحريم) في نفس التحريم، لم يلزمه طلاق بنطقه بهذه الصيغة كالظهار، وسببه أنها إنشاء، والإنشاء لا يدخله الكذب ولا الصدق؛ لأنه ليس خيرًا، وهما من خواص الخبر، فحينئذ لابد من النقل العرفي لمعنى الطلاق، أو القصد إليه بالنية. أما استعماله في موضوعه اللغوي فلا، وهذا الموضع قل أن يتنبه له في الفقه، فاعلمه. ثم قوله بعد: (التشبيه يندرج في الآية) ممنوع؛ لأن اللفظ إنما يتناول ما وضع له حقيقة دون المجاز، والتقدير أنه إنما يتناول الطلاق مجازًا، فلا يتناوله حتى يدل دليل من خارج على أن اللفظ استعمل في حقيقته ومجازه، لا بمجرد اللفظ.

стр. 3074

(تنبيه) قال التبريزي: هذه المواطن التي صرح الصحابة فيها بالرأي، ما خاضوا فيها إلا بعد اعترافهم بعد النص، واتفاقهم على العجز عنه؛ ولأنهم رددوا الرأي بين الصواب والخطأ على وجل واستشعار، وأضافوا الخطأ لأنفسهم، والصواب إلى الله تعالى، ولم تجز عادتهم بمثل ذلك في النصوص، بل يطلقون الحكم ويسندونه للنص، ويشنعون على مخالفيهم بالتقصير. ومن أبلغ الوقائع استفتاء عمر- ﵁ في مسألة المغيبة؛ فإنها تدل على أن عمر والصحابة- رضوان الله عليهم- اعتقدوا كون القياس حجة. أما الصحابة، فلأنهم شرعوا يعللون لا مستمسكين بنص؛ فإن انتفاء الضمان على الوالي، والمؤدب، ليس منصوصًا عليه، ولو كان لاعتصموا به في موضع التخطئة، وعرفه عمر، فاستغنى عن المشاورة. وأما عمر؛ فلأنه أصغى إليهم مع أنهم لم يسندوه إلى نص، ولم يقل: إنه شرع بالتشهي كما يقوله من يخالفنا بالقياس. وأما علي- ﵁ فلأنه لم ينكر أصل الرأي كما رد الحكم؛ ولأنه علل بقوله: (أنت أفزعتها)، والإفزاع ليس منصوصًا عليه، ولا متدرجًا تحت نص في تضمين الجنين على من أفرغ أمة، ولا يفهم من تضمينه على من ضرب بطن أمة، تضمينه على من أفزعها، بل رأي أن الإفزاع في معنى الضرب؛ لاشتراكهما في السببية، وصلاحيته للإفضاء إلى الإلقاء، وإن كان أحدهما قولاً والآخر فعلاً، وإن تقاربا في غلبة الإفضاء وندرته؛ لأن المعتبر قرب الإفضاء لا الظهور البالغ، وكونه مؤدبًا غايته أنه مؤثر في جواز الفعل، وجوازه لا ينافي الضمان كأكل مال الغير عند المخمصة، ورأي

стр. 3075

الصحابة أن الوالي نائب عن الشرع، فهو كالمحمول بأمر الشرع، فيكون فعله كفعل مستنيبه، وإذا انقطع الفعل عنه انقطع الضمان. وأما قول الخصم: إن قول أبي بكر في الكلالة تفسير للفظ، وهو لا يكون بالقياس. فجوابه: أن البحث إنما وقع عن محل استحقاق أولاد الأم الثلث أو السدس؛ لينزل عليه الخطاب، فلاحظ- ﵁ قاعدة التوريث، والحجب، وأن الإخوة لا يرثون مع وجود الأبناء، وحمل لفظ (الكلالة) عليه لا بمحض الوضع؛ فإنه لا يسمى رأيًا. ولأنهم- ﵃ نقل عملهم بالرأي تفصيلاً، فمن ذلك حكم الصحابة بإمامة أبي بكر بالاجتهاد، ومن حيث إنه طريق في حفظ المصالح الكلية، كسائر الطرق المحافظة للمصالح، بل هو أولى، ونحن نقطع بعدم النصوص في حق الصديق، وعلي، والعباس؛ فإنه لو وجد لأظهر؛ لأنه موضع الحاجة والداعية، كما أظهروا: (الأئمة من قريش)، وانكف الأنصار وغيرهم بذلك. وقد أجمعوا على وجوب إمام، واختلفوا في التعيين، فلو قال أحدهم: إن هذا عينه رسول الله- ﷺ لأذعنوا له. ومنذ ذلك إلحاق العهد بالبيعة. وإلحاق الصديق الزكاة بالصلاة، في كونها حقًا من حقوق الكلمة، ورجوعهم إليه. واتفاقهم على كتب القرآن؛ قياسًا على الدراسة؛ لاشتراكهما في طريق

стр. 3076

الحفظ، فاقترحه عمر أولاً، ثم شرح صدر أبي بكر له بعد قوله: (كيف أفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ ) وفي هذه الكلمة اعتبار لمن تدبر، وأن أبا بكر- ﵁ ما عمل بالرأي إلا وهو عالم على القطع بأنه من مدارك الشرع؛ فإن من يتقيد بالاتباع حتى في كتب القرآن كيف يخترع من قبل نفسه الحكم بالرأي؟ ومن ذلك مسألة الجد الإخوة، اجتهدوا فيها، واختلفت أقيستهم فيها، والاعتراف بعدم النص. وقول بعض الأنصار وقد ورث أم الأم دون أم الأب: (لقد ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت)، فرجع أبو بكر إلى التشريك بينهما في السدس. واختلاف أبي بكر وعمر في التسوية والمفاضلة في العطاء. ومن ذلك رجوع عمر إلى الاشتراك في مسألة المشتركة؛ لقولهم: (هب أن أبانا كان حمارًا، ألسنا من أم واحدة؟). ومن ذلك - لما بلغه أن سمرة أخذ الخمر من تجار اليهود في العشر، وخللها وباعها-: قاتل الله سمرة! أما سمع قول النبي ﷺ : (لعن الله اليهود حرم الله عليهم الشحوم، فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها). قاس الخمر على الشحم في تحريم الثمن؛ لاشتراكهما في تحريم العين. ومن ذلك قضاء عثمان- ﵁ في توريث المبتوتة في مرض الموت بالرأي؛ معارضة له بنقيض قصده كالقاتل. وتصريح علي- ﵁ بتكميل الحد في الشرب بقوله: متى

стр. 3077

سكر هذي ومن هذي افترى، فأرى عليه حد المفتري)، وهو أبعد أنواع القياس؛ فإنه ألحق مظنة الافتراء مع بعده بنفس الافتراء في حكم الزجر؛ لأن الشرع صرف مظنة الحديث بالحدث في انتقاض الوضوء، وشغل الرحم بنفس الشغل في إيجاب العدة. وقول ابن عباس لما سمع نهيه- ﵇ عن بيع الطعام قبل أن يقبض (لا أحسب كل شيء إلا مثله).

стр. 3078

وقوله في المتطوع بالصوم إذا بدا له: إنه كالمتبرع أراد التصدق بما له، فتصدق ببعضه، ثم بدا له. قال: فإن قيل: إن إلقاء الجنين بالسبب معلوم بالنص، وإمامة الصديق لم يجمعوا عليها، بل معظمهم لم يحضر، ومن وافق مستنده ظواهر نصوص أفادت عنده القطع؛ لتقديمه ﵇ أبا بكر للصلاة. وقوله ﵇ لعبد الرحمن: (ائتني بلوح، أو كتف أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه). وقوله- ﵇ للمرأة حين قالت له: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تقول: الموت، قال- ﵇: (فإن لم تجديني فأت أبا بكر). بل نقول: علم ضرورة من مقاصده- ﵇ وقواعد سيرته في الشريعة استحالة إهمال هذه الأمة وتركهم سدى، فرجع حاصل نظرهم إلى تعيين من تجب طاعته مع القطع بوجوبها، فهو كتعيين جهة القبلة مع العلم بوجوب استقبالها، وتعيين الشاهد، وقدر كفاية القريب، وجزاء الصيد.

стр. 3079

وإما إقدامه على قتال مانعي الزكاة، فهو تمسك بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] والأخذ من الممتنع دون قتاله ممتنع، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب، وأبو بكر نائب رسول الله ﷺ يلزمه ما يلزمه، وأما الجد فورثه بالنص، فكيفما قلبوا أمرهم ورثوا بالنص، وحرمان أحدهم عمل بنص استحقاق الآخر، والمقاسمة أو التفضيل عمل بكل واحد من النصين. قال: قلنا: أما الجنين فلم يرد النص إلا في ضربه، وإمامة الصديق فلا شك في اتفاق الكل آخر الأمر، ثم تعيينه لم يكن إلا باجتهاد، لم ينازع أحد في ذلك، وإنما نازع في إصابته في الاجتهاد. وقولهم: (فيه نصوص) باطل؛ لأن أحدًا لم يذكره في معرض التمسك، مع أن أبا بكر يقول: (ذروني فلست بخيركم). وقول القائل: (رضيك رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا؟)، فيجعله من باب القياس، وإلحاق الأدنى بالأعلى، ولو كان ثم نص لأظهروه، كما في تعيين الجنس بالوصف في قوله- ﵇: (الأئمة من قريش). وأما قوله- ﵇: (إيت أبا بكر) إخبار عن موجب ما يقع، لا أنه تولية، ولم يصرح- ﵇ بقوله: (نصبت لكم أفضلكم وأعلمكم، فاجتهدوا أنت في تعيينه) حتى يكون مثل القبلة وغيرها.

стр. 3080

وأما قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ [التوبة: ١٠٣]، فخطاب مع النبي ﷺ فلا يتعدى لغيره إلا بالرأي، وهو القياس. والجد لو فهم أنه أب من لفظ (الأب) لما اختلفوا فيه، كما لو يختلفوا فيه مع اجتماعه مع الابن. وقد اختلفوا فيه كثيرًا، حتى قال عبيدة السلماني: (أحفظ لعمر- ﵁ في الجد مائة قضية يخالف بعضها بعضًا). قلت: ينبغي أن يعلم من كلامه أمرين: أحدها: أن كثيرًا من استدلاله يرجع إلى القواعد لا إلى القياس، والاستدلال بالقواعد، وبوجود خاصية الشيء عليه، وبانتفاء لازمه على انتفائه، وغير ذلك- إنما هو تنازع في القياس، وهو غير هذه الأمور؛ لأنه يفتقر إلى صورتين تلحق إحداهما بالأخرى، وهذه الأمور لا تحتاج إلى ذلك. وثانيهما: أن النظائر التي ذكرها شديدة الدلالة على اعتبار الصحابة المصالح المرسلة؛ فإن البيعة والعهد، وجمع القرآن، ونحو ذلك، لا يمكن تخريجه إلا عليها، فإنها مصالح عظيمة لم يرد فيها نص ولا نهي عن اعتبارها، وهذا هو المصلحة المرسلة. ***

стр. 3081

المسلك السابع قال الرازي: وهو المعقول: أن القياس يفيد ظن دفع الضرر؛ فوجب جواز العمل به . بيان الوصف: أن من ظن أن الحكم في الأصل معلل بكذا، وعلم أو ظن حصول ذلك الوصف في الفرع، وجب أن يحصل له الظن بأن حكم الفرع مثل حكم الأصل، ومعه علم يقينين بأن مخالفة حكم الله تعالى سبب العقاب، فتولد من ذلك الظن، وهذا العلم: ترك العمل به سبب للعقاب؛ فثبت أن القياس يفيد ظن الضرر. بيان التأثير: أن العاقل يعلم ببديهة عقله: أنه لا يمكنه الخروج عن النقيضين ولا يمكنه الجمع بينهما، بل يجب، لا محالة: ترجيح أحدهما على الآخر، ونعلم بالضرورة، أن ترجيح ما غلب على ظنه خلوة على المضرة؛ على ما غلب على ظنه اشتماله على المضرة- أولى من العكس، ولا معنى لجواز العمل بالقياس إلا هذا القدر. فإن قيل: دليلكم مبني على إمكان ما يدجل على أن الحكم في الأصل معلل بعلة؛ ثم على وجود ذلك الوصف في الأصل، ثم على إمكان ما يدل على حصول ذلك الوصف في الفرع، ثم على أنه يلزم من حصول ذلك الوصف في الفرع ظن حصول ذلك الحكم فيه؛ وتقرير هذه المقامات الخمس سيأتي في الأبواب الآتية، إن شاء الله تعالى. سلمنا حصول هذا الظن؛ فلم قلتم: إن العمل به واجب؟

стр. 3082

قوله: (لأن ترجيح الخالي عن الضرر على المشتمل عليه متعين في بديهة العقل): قلنا: هذا منفوض بما أنه لا يجب على القاضي أن يعمل بقول الشاهد الواحد، إذا غلب على ظنه صدقة، وأن يعمل في الزنا بقول الشاهدين، إذا غلب على ظنه صدقهما، وبما إذا ظهرت مصلحة لا يشهد باعتبارها حكم شرعي البتة، وبما إذا أدعى الرجل الذي غلب على الظن صدقه للنبوة، وبما إذا غلب على ظن الدهري، واليهودي والنصراني والكافر قبح هذه الأعمال الشرعية، فإن غلبة الظن حاصلة في هذه الصورة، ولا يجوز العمل بها. فإن قلت: المظنة إنما تفيد الظن، إذا لم يقم دليل قاطع على فسادها؛ وفي هذه الصور قد قامت الدلالة على فسادها؛ فلا يبقى الظن. قلت: فعلى هذا التقدير: القياس إنما يفيد ظن دفع الضرر، إذا لم يوجد دليل يدل على فساد القياس؛ فيصير نفي ما يدل على فساد القياس جزءًا من المقتضى لظن الضرر؛ فعليكم أن تثبتوا أنه لم يوجد ما يدل على نفي القياس، حتى يمكنكم ادعاء حصول ظن الضرر، وبعد المجاوزة عن النقض تقول: متى يجب الاحتراز عن الضرر المظنون، إذا أمكن تحصيل العلم به، أم إذا لم يمكن؟. الأول: ممنوع؛ فإن الشيء، إذا أمكن تحصيل العلم به، فالاكتفاء بالظن- مع جواز كونه خطأ- إقدام على ما لا يؤمن كونه قبيحًا مع إمكان الاحتراز عنه؛ وهو غير جائز بالاتفاق. والثاني: مسلم؛ ولكن إنما يجوز الاكتفاء بالظن في الوقائع الشرعية، إذا

стр. 3083

بينتم أنه لا طريق إلى تحصيل العلم بها البتة، وذلك إنما يصح لو ثبت أنه لم يوجد في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله ﷺ ما يدل على أحكام تلك الوقائع، ولم يوجد في الزمان إمام المعصوم يعرفنا تلك الأحكام؛ فإن بتقدير وجود أحد هذه الأمور، كان تحصيل اليقين بالحكم ممكنًا. سلمنا أنه لا طريق إلى تحصيل العلم بها؛ لكن لم قلت: إنه لم يوجد ما يقتضي ظنًا هو أقوى من الظن الحاصل بالقياس؟ فإن بتقدير إمكان ذلك، كان التعويل على القياس اكتفاء بأضعف الظنين مع القدرة على تحصيل الأقوى؛ وإنه غير جائز. ثم نقول: إن دل ما ذكرتموه على صحة القياس، فمعنا ما يدل على فساده، وهو الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، وإجماع العترة، والمعقول: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] والقول بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله ﷺ وقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ١٩٦، والأعراف: ٣٣] ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦﴾ والقول بالحكم في الفرع لأجل القياس قول بالمظنون، لا بالمعلوم. وأيضًا: قال الله تعالى: ﴿وأن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩] والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله تعالى. وأيضًا: قال الله تعالى: ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] ﴿وما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام: ٣٨] فهذه الآية دالة على اشتمال الكتاب على الأحكام الشرعية بأسرها، فإذن: كل ما لبس في الكتاب،

стр. 3084

وجب ألا يكون حقًا، وعند ذلك نقول: ما دل عليه القياس، إن دل عليه الكتاب، فهو ثابت بالكتاب، لا بالقياس. وإن لم يدل عليه الكتاب، كان باطلاً، وأقوى ما تمسكوا به من الآيات قوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾ [يونس: ٣٦] وجه الاستدلال به: أن في القياس الشرعي لابد وأن يكون تعليل الحكم في الأصل، وثبوت تلك العلة في الفرع ظنيًا، ولو وجب العمل بالقياس، لصدق على ذلك الظن: أنه أغنى من الحق شيئًا؛ وذلك يناقض عموم النفي. فإن قلت: (يشكل التمسك بهذه النصوص بالفتوى، والشهادات، وأمارات القبلة): قلت: تخصيص العام- في بعض الصور- لا يخرجه عن كونه حجة. وأما السنة: فخبران: الأول: قوله- ﵊: (تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك، فقد ضلوا). الثاني: قوله- ﵊: (تفترق أمتي على بعض وسبعين فرقة، أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرمون الحلال، ويحللون الحرام). فإن قلت: (خبر الواحد لا يعارض الدليل العقلي الذي ذكرناه): قلت: الدليل الذي ذكرتموه هو أن القياس يفيد الضرر المظنون؛ فيجب

стр. 3085

الاحتراز عنه، ولا شك أن خبر الواحد يفيد الظن، فإذا ورد في المنع من القياس، أفاد ظن أن التمسك به سبب الضرر؛ وذلك يوجب الاحتراز عنه. وأما إجماع الصحابة: فهو أنه نقل عن كثير منهم التصريح بذم القياس؛ على ما تقدم بيانه، ولم يظهر من أحد منهم الإنكار على ذلك الذم، وذلك يدل على انعقاد الاجتماع على فساد القياس. فإن قلت: (هذا معارض بأنه نقل عنهم: أنهم اختلفوا في مسائل، مع أنه لا طريق لهم إلى تلك المذاهب إلا القياس): قلت: ما ذكرناه أولى؛ لأن التصريح راجح على ما ليس بتصريح. وأما إجماع العترة: فلأنا، كما نعلم بالضرورة بعد مخالطة أصحاب النقل: أن مذهب- الشافعي ﵁ وأبي حنيفة ومالك- رحمهما الله-: القول بالقياس، فكذا نعلم بالضرورة أن مذهب أهل البيت؛ كالصادق، والباقر: إنكار القياس، وقد تقدم في- باب الإجماع- أن إجماع العترة حجة. وأما المعقول: فمن وجوه: الأول: لو جاز العمل بالقياس، لما كان الاختلاف منهيًا عنه؛ لكنه منهي عنه؛ فالعمل بالقياس غير جائز. بيان الملازمة: أن العمل بالقياس اتباع الأمارات، وذلك يقتضي وقوع الاختلاف؛ لا محالة، ووقوع ذلك شاهد على صحة ما قلناه. بيان أنه لا تجوز المخالفة: قوله تعالى: ﴿ولا تنازعوا؛ فتفشلوا، وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال: ٤٦].
следующие страницы →