Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
المسلك السابع
قال الرازي: وهو المعقول: أن القياس يفيد ظن دفع الضرر؛ فوجب جواز العمل به .
بيان الوصف: أن من ظن أن الحكم في الأصل معلل بكذا، وعلم أو ظن حصول ذلك الوصف في الفرع، وجب أن يحصل له الظن بأن حكم الفرع مثل حكم الأصل، ومعه علم يقينين بأن مخالفة حكم الله تعالى سبب العقاب، فتولد من ذلك الظن، وهذا العلم: ترك العمل به سبب للعقاب؛ فثبت أن القياس يفيد ظن الضرر.
بيان التأثير: أن العاقل يعلم ببديهة عقله: أنه لا يمكنه الخروج عن النقيضين ولا يمكنه الجمع بينهما، بل يجب، لا محالة: ترجيح أحدهما على الآخر، ونعلم بالضرورة، أن ترجيح ما غلب على ظنه خلوة على المضرة؛ على ما غلب على ظنه اشتماله على المضرة- أولى من العكس، ولا معنى لجواز العمل بالقياس إلا هذا القدر.
فإن قيل: دليلكم مبني على إمكان ما يدجل على أن الحكم في الأصل معلل بعلة؛ ثم على وجود ذلك الوصف في الأصل، ثم على إمكان ما يدل على حصول ذلك الوصف في الفرع، ثم على أنه يلزم من حصول ذلك الوصف في الفرع ظن حصول ذلك الحكم فيه؛ وتقرير هذه المقامات الخمس سيأتي في الأبواب الآتية، إن شاء الله تعالى.
سلمنا حصول هذا الظن؛ فلم قلتم: إن العمل به واجب؟
стр. 3082
قوله: (لأن ترجيح الخالي عن الضرر على المشتمل عليه متعين في بديهة العقل):
قلنا: هذا منفوض بما أنه لا يجب على القاضي أن يعمل بقول الشاهد الواحد، إذا غلب على ظنه صدقة، وأن يعمل في الزنا بقول الشاهدين، إذا غلب على ظنه صدقهما، وبما إذا ظهرت مصلحة لا يشهد باعتبارها حكم شرعي البتة، وبما إذا أدعى الرجل الذي غلب على الظن صدقه للنبوة، وبما إذا غلب على ظن الدهري، واليهودي والنصراني والكافر قبح هذه الأعمال الشرعية، فإن غلبة الظن حاصلة في هذه الصورة، ولا يجوز العمل بها.
فإن قلت: المظنة إنما تفيد الظن، إذا لم يقم دليل قاطع على فسادها؛ وفي هذه الصور قد قامت الدلالة على فسادها؛ فلا يبقى الظن.
قلت: فعلى هذا التقدير: القياس إنما يفيد ظن دفع الضرر، إذا لم يوجد دليل يدل على فساد القياس؛ فيصير نفي ما يدل على فساد القياس جزءًا من المقتضى لظن الضرر؛ فعليكم أن تثبتوا أنه لم يوجد ما يدل على نفي القياس، حتى يمكنكم ادعاء حصول ظن الضرر، وبعد المجاوزة عن النقض تقول: متى يجب الاحتراز عن الضرر المظنون، إذا أمكن تحصيل العلم به، أم إذا لم يمكن؟.
الأول: ممنوع؛ فإن الشيء، إذا أمكن تحصيل العلم به، فالاكتفاء بالظن- مع جواز كونه خطأ- إقدام على ما لا يؤمن كونه قبيحًا مع إمكان الاحتراز عنه؛ وهو غير جائز بالاتفاق.
والثاني: مسلم؛ ولكن إنما يجوز الاكتفاء بالظن في الوقائع الشرعية، إذا
стр. 3083
بينتم أنه لا طريق إلى تحصيل العلم بها البتة، وذلك إنما يصح لو ثبت أنه لم يوجد في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله ﷺ ما يدل على أحكام تلك الوقائع، ولم يوجد في الزمان إمام المعصوم يعرفنا تلك الأحكام؛ فإن بتقدير وجود أحد هذه الأمور، كان تحصيل اليقين بالحكم ممكنًا.
سلمنا أنه لا طريق إلى تحصيل العلم بها؛ لكن لم قلت: إنه لم يوجد ما يقتضي ظنًا هو أقوى من الظن الحاصل بالقياس؟ فإن بتقدير إمكان ذلك، كان التعويل على القياس اكتفاء بأضعف الظنين مع القدرة على تحصيل الأقوى؛ وإنه غير جائز.
ثم نقول: إن دل ما ذكرتموه على صحة القياس، فمعنا ما يدل على فساده، وهو الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، وإجماع العترة، والمعقول:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] والقول بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله ﷺ وقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ١٩٦، والأعراف: ٣٣] ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦﴾ والقول بالحكم في الفرع لأجل القياس قول بالمظنون، لا بالمعلوم.
وأيضًا: قال الله تعالى: ﴿وأن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩] والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله تعالى.
وأيضًا: قال الله تعالى: ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] ﴿وما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام: ٣٨] فهذه الآية دالة على اشتمال الكتاب على الأحكام الشرعية بأسرها، فإذن: كل ما لبس في الكتاب،
стр. 3084
وجب ألا يكون حقًا، وعند ذلك نقول: ما دل عليه القياس، إن دل عليه الكتاب، فهو ثابت بالكتاب، لا بالقياس.
وإن لم يدل عليه الكتاب، كان باطلاً، وأقوى ما تمسكوا به من الآيات قوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾ [يونس: ٣٦] وجه الاستدلال به: أن في القياس الشرعي لابد وأن يكون تعليل الحكم في الأصل، وثبوت تلك العلة في الفرع ظنيًا، ولو وجب العمل بالقياس، لصدق على ذلك الظن: أنه أغنى من الحق شيئًا؛ وذلك يناقض عموم النفي.
فإن قلت: (يشكل التمسك بهذه النصوص بالفتوى، والشهادات، وأمارات القبلة):
قلت: تخصيص العام- في بعض الصور- لا يخرجه عن كونه حجة.
وأما السنة: فخبران:
الأول: قوله- ﵊: (تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك، فقد ضلوا).
الثاني: قوله- ﵊: (تفترق أمتي على بعض وسبعين فرقة، أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرمون الحلال، ويحللون الحرام).
فإن قلت: (خبر الواحد لا يعارض الدليل العقلي الذي ذكرناه):
قلت: الدليل الذي ذكرتموه هو أن القياس يفيد الضرر المظنون؛ فيجب
стр. 3085
الاحتراز عنه، ولا شك أن خبر الواحد يفيد الظن، فإذا ورد في المنع من القياس، أفاد ظن أن التمسك به سبب الضرر؛ وذلك يوجب الاحتراز عنه.
وأما إجماع الصحابة: فهو أنه نقل عن كثير منهم التصريح بذم القياس؛ على ما تقدم بيانه، ولم يظهر من أحد منهم الإنكار على ذلك الذم، وذلك يدل على انعقاد الاجتماع على فساد القياس.
فإن قلت: (هذا معارض بأنه نقل عنهم: أنهم اختلفوا في مسائل، مع أنه لا طريق لهم إلى تلك المذاهب إلا القياس):
قلت: ما ذكرناه أولى؛ لأن التصريح راجح على ما ليس بتصريح.
وأما إجماع العترة: فلأنا، كما نعلم بالضرورة بعد مخالطة أصحاب النقل:
أن مذهب- الشافعي ﵁ وأبي حنيفة ومالك- رحمهما الله-: القول بالقياس، فكذا نعلم بالضرورة أن مذهب أهل البيت؛ كالصادق، والباقر: إنكار القياس، وقد تقدم في- باب الإجماع- أن إجماع العترة حجة.
وأما المعقول: فمن وجوه:
الأول: لو جاز العمل بالقياس، لما كان الاختلاف منهيًا عنه؛ لكنه منهي عنه؛ فالعمل بالقياس غير جائز.
بيان الملازمة: أن العمل بالقياس اتباع الأمارات، وذلك يقتضي وقوع الاختلاف؛ لا محالة، ووقوع ذلك شاهد على صحة ما قلناه.
بيان أنه لا تجوز المخالفة: قوله تعالى: ﴿ولا تنازعوا؛ فتفشلوا، وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال: ٤٦].
стр. 3086
الثاني: أن الرجل، لو قال: (أعتقت غانمًا لسواده، فقيسوا عليه) لم يعتق سائر عبيده السود؛ فضلاً عما إذا لم يأمر بالقياس.
فإذا قال الله تعالى: ﴿حرمت الربا في البر﴾ فكيف يجوز القياس عليه؟ فهذا كله كلام من لم يمنع القياس عقلاً.
أما المانعون منه عقلاً: فقد ذكرنا أن منهم: من خص ذلك المنع بهذا الشرع، ومنهم: من منعه في كل الشرائع.
أما الأول: فهو قول النظام؛ واحتج عليه بأن مدار هذا الشرع على الجمع بين المختلفات، والفرق بين المتماثلات، وذلك يمنع من القياس في هذا الشرع.
بيان الأول بصور:
إحداها: أنه جعل بعض الأزمنة والأمكنة أشرف من بعض، مع استواء الكل في الحقيقة؛ قال الله تعالى: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣] وفضل الكعبة على سائر البقاع.
وثانيتهما: جعل التراب طهورًا، مع أنه ليس بغسال، بل يزيد في تشويه الخلقة.
وثالثتهما: فرض الغسل من المني، والرجيع أنتن منه.
ورابعتها: نهانا عن إرسال السبع على مثله، وأقوى منه، ثم أباح إرساله على البهيمة الضعيفة.
وخامستها: نقص من صلاة المسافر الشطر مما كان عدده أربعًا، وترك ما كان ركعتين.
стр. 3087
وسادستها: أسقط الصوم والصلاة عن الحائض، ثم أوجب عليها قضاء الصوم، مع أن الصلاة أعظم قدرًا من الصوم.
وسابعتها: جعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن، والمائة من الجواري الحسان لا يحصن.
وثامنتها: حرم النظر إلى شعر العجوز الشوهاء، مع أنها لا تفتن الرجال الشبان البتة، وأباح النظر إلى محاسن الأمة الحسناء، مع أنها تفتن الشيخ.
وتاسعتها: قطع سارق القليل، وعفا عن غاصب الكثير.
وعاشرتها: جلد بالقذف بالزنا، ولم يجلد بالقذف بالكفر.
وحادية عشرها: قبل من الكفر والقتل شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، وهو دونهما.
وثانية عشرها: جلد قاذف الحر الفاجر، وعفا عن قاذف العبد العفيف.
وثالثة عشرها: أوجب على الصبية المتوفى عنها زوجها العدة، وفرق في العدة بين الموت والطلاق، مع أن حال الرحم لا يختلف فيهما.
ورابعة عشرها: جعل استبراء الأمة بحيضة، والحرة المطلقة بثلاث حيض.
وخامسة عشرها: يخرج الريح من موضع الغائط، وفرض تطهير موضع أخر، مع أن غسل ذلك المكان أولى.
إذا ثبت هذا، فنقول: إن مدار القياس على أن الصورتين لما تماثلتا في الحكمة والمصلحة، وجب استواؤهما في الحكم؛ لكن هذه المقدمة لو كانت حقة، لامتنع التفريق بين المتماثلات، والجمع بين المختلفات في تلك الصور،
стр. 3088
فلما لم يمتنع ذلك، علمنا فساد تلك المقدمة، وإذا فسدت تلك المقدمة، بطل القول بالقياس.
وأما الذين منعوا من القياس في كل الشرائع، فقد عرفت أنهم ثلاث فرق:
الفرقة الأولى: الذين أنكروا كون القياس طريقًا إلى الظن، وهؤلاء قد تمسكوا بوجوه:
أحدها: أن البراءة الأصلية معلومة، والحكم الثابت بالقياس، إما أن يكون على وفق البراءة الأصلية، أولاً على وفقها: فإن كان على وفقها، لم يكن في القياس فائدة، وإن كان على خلافها، كان ذلك القياس معارضًا للبراءة الأصلية؛ لكن البراءة الأصلية دليل قاطع، والقياس دليل ظني، والظني إذا عارض اليقيني كان الظني باطلاً؛ فيلزم كون القياس باطلاً.
وثانيها: أن القياس لا يتم في شيء من المسائل، إلا إذا سلمنا أن الأصل في كل شيء بقاؤه على ما كان؛ إذ لو لم يثبت ذلك، فهب أن الشارع أمر بالقياس، ولكن كيف يعرف أنه بقي ذلك التكليف، وإذا نص على حكم الأصل، فكيف يعرف أن ذلك الحكم باقٍ في هذا الزمان؛ فثبت أن القياس لا يتم إلا مع المساعدة على هذا الأصل.
إذا ثبت ذلك، فنقول: الحكم المثبت بالقياس: إما أن يكون نفيًا أو إثباتًا: فإن كان نفيًا، فلا حاجة فيه إلى القياس؛ لأنا علمنا أن هذا الحكم، كان معدومًا في الأزل، والأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان، فيحصل لنا الظن ذلك العدم، فيكون إثبات ذلك الظن بالقياس مرة أخرى عبثًا.
فإن قلت: (ثبوته بدليل لا يمنع من ثبوته بدليل آخر).
стр. 3089
قلت: نعم؛ ولكن بشرط ألا يفتقر الدليل الثاني إلى الأول، وأما إذا افتقر إليه، كان التمسك بالدليل الثاني تطويلاً محضًا من غير فائدة، وأما إن كان الحكم المثبت بالقياس إثباتًا، فنقول: قد بينا أن قولنا: (إن الأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان): يقتضي ظن عدم ذلك الحكم في الحال، فلو اقتضى القياس ثبوته في الحال، مع أن القياس متفرع على تلك المقدمة لزم وقوع التعارض بين تلك المقدمة التي هي الأصل، وبين القياس، الذي هو الفرع، ولا شك أن في مثل هذا التعارض يجب ترجيح الأصل على الفرع؛ فوجب القطع ها هنا بسقوط القياس.
وثالثها: أن القياس لا يفيد ظن الحكم إلا إذا ظننا كون الحكم في الأصل معللاً بالوصف الفلاني، وذلك الظن محال؛ لما سيأتي في الباب الثاني: أن تعليل الحكم الشرعي محال.
الفرقة الثانية: الذين سلموا أن القياس يفيد الظن؛ لكنهم قالوا: لا يجوز التكليف باتباع الظن؛ قالوا: لأن الظن قد يخطئ، وقد يصيب؛ فالأمر به أمر بما يجوز أن يكون خطأ؛ وذلك غير جائز.
الفرقة الثالثة: الذين قالوا: يجوز التكليف بإتباع الظن؛ لكنه غير جائز ها هنا؛ قالوا: لأن الاكتفاء بالقياس اقتصار على أدون البابين، مع القدرة على أعلاهما؛ وذلك غير جائز، إنما قلنا: (إنه اقتصار على أدون البابين) لأنا نعلم بالضرورة أن تنصيص صاحب الشرع أظهر في باب البيان من التفويض إلى القياس، وإنما قلنا: (إنه مع القدرة على أعلاهما) لأنه لا امتناع في التنصيص على أحكام القواعد الكلية.
стр. 3090
واحترزنا بهذا عن الشهادة، والفتوى، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات، والتمسك بالأمارات في معرفة القبلة، والأمراض، والأرباح، والأمور الدنيوية؛ لأن هذه الأشياء تختلف باختلاف الأشخاص، والأوقات، والأمكنة، والاعتبارات، فالتنصيص عليها كالتنصيص على ما لا نهاية له؛ وهو محال.
وإنما قلنا: (إن الاقتصار على أدون البابين، مع القدرة على أعلاهما غير جائز) لأنه إذا لم يقع البيان على أقصى الوجوه، حسن من المكلف أن يحمل اليقين على صعوبة البيان، لا على تقصير نفسه؛ فالإتيان بكمال البيان إزاحة لعذر المكلف، فيكون كاللطف وترك المفسدة في الوجوب.
والجواب: أما النقوض، فقد ذكرنا أن الدليل الشرعي، لما قام على عدم الالتفات إلى تلك المظان- لم يبق الظن.
قوله: (فحينئذ يصير عدم الدليل المبطل للقياس جزءًا من المقتضى).
قلنا: ليس كل ما وجوده يمنع من عمل المقتضى، كان عدمه جزءًا من المقتضى؛ فإن الذي يمنع الثقيل من النزول لا يصير عدمه جزء المقتضى للنزول؛ لاستحالة كونه العدم من العلة الوجودية.
قوله: (جواز الرجوع إلى الظن في الشرعيات مشروط بعدم التمكن من تحصيل العلم):
قلنا: لا نسلم، فإنه إذا حصل الظن الغالب بسبب القياس؛ باشتمال أحد الطرفين عل المفسدة، والآخر على المصلحة- فإلى أن يستقصى في طلب العلم، لابد في الحال من أن يرجح أحد الطرفين على الآخر؛ لامتناع ترك
стр. 3091
النقيضين، وصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز ترجيح المرجوح؛ فتعين ترجيح الراجح، وهو الجواب أيضًا عن الإمام المعصوم.
وأما المعارضات: فنقول: أما التمسك بالآيات، فالجواب عنها: أن الدلالة لما دلت على وجوب العمل بهذا الظن، صار كأن الله تعال قال: مهما ظننت أن هذه الصورة تشبه تلك الصورة في علة الحكم، فأعلم قطعًا: أنك مكلف بذلك الحكم، وحينئذ يكون الحكم معلومًا، لا مظنونًا البتة.
وأما الأحاديث: فهي معارضة بالأحاديث الدالة على العمل بالقياس، وطريق التوفيق: أن نصرف الأمر بالقياس إلى بعض أنواعه، والنهي إلى نوع آخر، وأما إجماع الصحابة، فقد سبق الجواب عنه، وأما إجماع العترة، فممنوع، وروايات الإمامية معارضة بروايات الزيدية،؛ فإنهم ينقلون عن الأئمة جواز العمل بالقياس.
قوله: (العمل بالقياس يستلزم وقوع الاختلاف).
قلنا: وكذا العمل بالأدلة العقلية والنصوص يستلزم وقوع الخلاف؛ فما هو جوابكم هناك، فهو جوابنا ها هنا.
قوله: (لو قال لوكيله: (اعتق غانمًا لسوداه)، فإنه لا يعتق عليه كل عبيده السود):
قلنا: إنه لو صرح بعد ذلك، فقالك قيسوا عليه سائر عبيدي، لم يعتق عليه سائر عبيده، ولو نص الله تعالى على حكم، ثم قال: (قيسوا عليه)، فلا نزاع في جواز القياس؛ فظهر الفرق بين الصورتين، والسبب فيه أن حقوق العباد
стр. 3092
مبنية على الشح والضنة، لكثرة حاجاتهم، وسرعة رجوعهم عن دواعيهم، وصوارفهم.
وأما شبهة النظام: فجوابها: أن غالب أحكام الشرع معلل برعاية المصالح المعلومة، والخصم إنما بين خلاف ذلك في صور قليلة جدًا، وورود الصور النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن؛ كما أن الغيم الرطب، إذا لم يمطر نادرًا، لا يقدح في ظن نزول المطر منه.
قوله: (البراءة الأصلية معلومة، والقياس دليل ظني، والظن لا يعارض اليقين):
قلنا: ينتقض ذلك بجواز العلم بالفتوى، والشهادة، وتقويم المقومين، وبجواز العمل بالظن في الأمور الدنيوية.
قوله: (القياس: إما أن يرد على وفق حكم الأصل، أو على خلافه):
قلنا: ينتقض بالأمور المذكورة.
قوله: (الظن قد يخطئ، وقد يصيب):
قلنا: ينتقض بالأمور المذكورة.
قوله: (الاكتفاء بالقياس اكتفاء بأدون البابين، مع القدرة على أعلاهما):
قلنا: إنه كذلك؛ فلم لا يجوز؟.
فإن قالوا: لأنه لطف، واللطف واجب.
قلنا: الكلام على هذه الطريقة سبق في باب الإجماع على الاستقصاء.
стр. 3093
المسلك السابع
قال القرافي: قوله: (القياس يفيد ظن الضرر، فيجب العمل به .....) إلى آخره.
قلنا: سلمنا أنه يفيد ظن الضرر، لكن لم قلت: إن ظن الضرر معتبر؟
وبيانه: أن العمل بالشاهد الواحد يفيد ظن الضرر، وكذلك النساء منفردات في أحكام الأموال والدماء، وجماعة الكفار والفساق والصبيان، مع وجود هذا الظن، وهو ملغي، فعلمنا أن الشرع لم يعتبر مطلق الظن كيف كان، بل لابد من دليل شرعي يدل على النوع المراد لصاحب الشرع، وأما هذه المقدمة بمفردها، فغير مفيدة.
وأما قوله: (الجمع بين النقيضين ورفعهما محال، وترجيح المرجوح على الراجح مدفوع ببديهية العقل) فلا يتجه؛ لأن الفرق حاصل بين ارتفاع النقيضين وبين عدم الحكم بارتفاع النقيضين، فقد يجهل الواقع منهما أو يشك فيه، وكذلك الحكم في صورة النزاع، فإنا لا نحكم بالراجح ولا بالمرجوح؛ لأنا نقضي بارتفاع الراجح والمرجوح، ولا محال حينئذ.
قوله: (لو قال: (أعتقت غانمًا لسواده، فقيسوا عليه) لم يعتق سائر عبيده السود):
قلنا: ما سبب ذلك إلا أن العتق حكم شرعي، والقاعدة أن حكم كل أحد يتبع علته التي هي معتمدة في ذلك الحكم، وهذه العلة لم ينصبها صاحب الشرع، فلا تكون علة له، ولم نقل: كل ما جعله المكلف علة كان علة شرعية، فالعتق حكم شرعي، فلا يتبع إلا ما نصبه الشرع علة، فلو قال المكلف: قد جعلت الخروج من المنزل سبب الطلاق، أو الشتم سبب وجوب الصدقة على، وغير ذلك لم يصر شيء من ذلك علة شرعية؛ لعدم جعل الشارع لها.
стр. 3094
نظيره أن يقول لعبده: (إن صديقي إذا دخل عندي، فإني أكره حضورك أو غيبتك)، فإن ذلك يتكرر كلما جاء صديقه؛ لأن العلة والحكم ليس فيهما شرعي، والعلة الشرعية يتبعها الحكم الشرعي، ولا يتبعها حكم غير صاحب الشرع، والعلة التي ليست شرعية يتبعها حكم واضعها، لا حكم الشرع، وعلى هذه القاعدة خرجت هذه المسألة.
قوله: (فرق بين الأزمنة المتساوية):
قلنا: نحن إنما ندعي حسن القياس في الأحكام الشرعية الخمسة، أما التفضيلات، ومقادير الثواب، وغير ذلك، فلا مدخل لقياس فيه، فلا يرد نقضًا.
قوله: (شرع التيمم مع أنه ليس منفيًا).
قلنا: علل الشرع يخلف بعضها بعضًا، ولا ينافي ذلك القياس.
بل تقريره: والعلة التي خلفت- ها هنا- هي ضبط العادة على المكلف إلا يقدم على الصلاة إلا بنقل يتقدمها، فلا تشق عليه الطهارة بعد ذلك عند وجود الماء.
وكذلك الغسل من المني دون الرجيع؛ لأن المني يخرج من جملة الجسد، بخلاف الرجيع، فهو على قاعدة التعليل.
وإرسال اكلب على الصيد معلل بأنه يقبل التعليم، فلا تغلبه عليه قوته، فيصير بذلك كالآلة للصائد، بخلاف السبع على سبع آخر؛ فإنه تعذيب الحيوان لغير المأكلة، مع غلبة المفاسد المانعة من جعله آلة للصائد.
وتخصيص الأربع دون الاثنين في صلاة المسافر؛ لأن الأربع تكثير، بخلاف الاثنين، وسقوط قضاء الصلاة عن الحائض دون الصوم؛ لأن الصلاة تتكرر دون الصوم، فتعظم مشقة قضائها؛ بخلاف الصوم لا يأتي إلا
стр. 3095
مرة في السنة، ولعلها لا يصادفها حيض فيه، فلا مشقة حينئذ، والحرة تحصن وإن كان شوهاء، دون الجارية الحسناء؛ بناء على مراعاة العلة في الجنس؛ فإن أصل الإماء أن يردن للخدمة دون الوطء، فوطؤهن على خلاف الدليل، ومقاصد ذوي المروءات، والاتفاق على استيلاء الرقيق لدناءة الأصول، فوطؤهن ليس فيه من كمال النعمة ما في الحرائر.
والرجم إنما هو على من عظمت رتبته بعظيم نعمة الله- تعالى- عليه، فناسب حينئذ تحصبن هذه دون تلك؛ مراعاة للجنس، واعتبار العلة في الجنس من قواعد القياس.
وهو السر في تحريم النظر للحرة الشوهاء، دون الأمة الجميلة؛ نظرًا لعلة في الجنس؛ فإن الإماء جنسهن المالية الغالبة عليهم دون الآدمية، وهو سبب قول جماعة عظيمة: إن القيمة فيهن دون الدية؛ تغليبًا للمالية، والمال لا يحرم النظر إليه.
وقطع السارق دون الغاصب؛ لأن السارق يأخذ المال بخفية، فلا يحتاج لمزيد قوة ولا عصبية ولا مشاهدة، والغصب يحتاج إلى ذلك، فيندر بالنسبة إلى السرقة، فتكثر السرقة، فناسب الزجر عنها بالعقوبة دونه، يكتفي فيه بالتعزيز، لظهوره وندرته، فهذه كلها تعاليل من قواعد القياس.
ورد الشاهدين في الزنا؛ لعلة طلب الستر.
وفي القتل لم يحسن إلا إثباته صونًا للدماء والأموال، ولا عار فيه، بخلاف الزنا، وجلد القاذف بالزنا دون الكفر؛ لعدم العار في اكفر؛ لأنه من باب التدين، لا من باب الفواحش.
стр. 3096
وقاذف الحر الفاجر يحد، بخلاف العبد العفيف؛ نظرًا إلى شرف الحرية، فهو ملاحظة العلية في الجنس، دون الصور الجزئية.
والتفرقة في العدة بين الموت والطلاق؛ لأن الموت غاب فيه صاحب النسب، فاحتاط له الشارع بالإحداد، وتعميم العدة وتكثيرها، والطلاق صاحب النسب فيه مودود يحفظ عرضه ونسبه، فخفف الشرع فيه؛ لعلة قلة الحاجة لذلك.
واستبراء الحرة ثلاث، والأمة واحدة؛ لأن الحرة أشرف، ونسبها أشرف، فاحتيط للشريف أكثر من الوضيع، فهو على قاعدة التعليل عاضد للقياس لا مناقض له.
والوضوء من الريح دون غسل الموضع لا فائدة فيه؛ لأنه لو غسل لكان لموضع التنجيس، وحينئذ يجب على الثياب كلها كلما خرج ريح، وذلك مشقة عظيمة، مع أن الذي يصحب الريح من النجاسة إنما هو (النتن) لا جوهر له، ولا جرم يستقذر، بخلاف نجاسة الأجرام الحسية. وأما الوضوء فقال بعض العلماء: إنما وجب من جميع هذه الأشياء ملاحظة لإبليس، وما يقع من إغوائه على أكل الشجرة، واستقرت في المعدة، فأوجبت (النتن) لمكان المعصية، وكان المناسب أن يغسل الباطن في كل حين يحدث فيه مثل ذلك، غير أن الشارع أمر بوضع الوضوء دائرًا حوال موضع (النتن) لتعذر وضعه في موضع (النتن)، فأمر بوضعه في الرجلين والرأس، وهما الطرفان، واليدين وهما الجناحان، وصار ذلك كدائرة حول موضع (النتن) ومستقر أثر المعصية.
فهذه كلها تعاليل حسنة مقوية لطلب الحكم ومشروعية القياس، واعتبار المصالح تحصيلاً، والمفاسد دفعًا.
стр. 3097
ومن اعتبر الشرائع كلها وجدها مصالح للعباد حاثة على القياس، وتتبع المصلحة في جميع صورها، فما أورده النظام نقوضًا، فهو نصوص على القياس لا نقوض عليه.
قوله: (إن كان القياس على وفق البراءة الأصلية لم يكن فيه فائدة، لأن قوله: (البراءة) دليل قاطع، والقياس ظني):
قلنا: البراءة مقطوع بأصلها، لا لشمولها جميع الأزمنة، بل هي في ذلك مظنونة أضعف من ظن القياس، فتقديم القياس عليها تقديم للظن القوى على الظن الضعيف، ولذلك قدمنا البينة وخبر الواحد عليها؛ لأن ظنها أقوى، ونسبتها للأزمنة والأحوال كنسبة العموم للأشخاص، فكما يخصص العموم المقطوع بأصله بسبب التواتر بخبر الواحد والقياس، كذلك ترفع البراءة الأصلية بهما.
قوله: (إن كان القياس يفيد النفي وهو ثابت في الأزل، فإثباته بالقياس عبث):
قلنا: قد تقدم أنه يفيد قوة الظن فلا عبث، وافتقار القياس لبقاء الشيء على ما كان عليه لا يمنع ذلك؛ فإن بقاء الشيء على ما كان عليه قد يكون في الثبوت، وقد يكون في العدم، فهذه مقدمة مشتركة بين الأدلة، وليست نفس البراءة الأصلية، ثم إن المفتقر للشيء قد يفيد تقويته، فإن الكل مفتقر لجزئه، وهو يقوى وجود الجزء، لأنه يستلزمه، وكذلك المعلول مع العلة، والمشروط مع الشرط.
стр. 3098
قوله: (يقع التعارض بين المقدمتين، فيقدم الأصل على الفرع).
قلنا: الاستصحاب في البراءة الأصلية ظنه ضعيف، فيقدم عليه القياس، وإن كان فرعًا، لقوة ظنه، والحكم للغالب.
قوله: (لابد في الحال من أن يرجح أحد الطرفين؛ لامتناع ترك النقيضين):
قلنا: قد تقدم أن ترك الراجح والمرجوح ولا علم بأحدهما ليس تركًا للنقيضين، بدليل الشاهد الواحد في الزنا، فإن الراجح صدقه، ولم نحكم بموجب صدقه، ولا بموجب كذبه، وكذلك كل ظن هو ملغي شرعًا وعرفًا، يفرق بين ارتفاع النقيضين، وبين ارتفاع الحكم بالنقيضين، والأول المحال، دون الثاني.
قوله: (عند القياس يصير الحكم معلومًا).
قلنا: قد تقدم تقريره أول الكتاب سؤالاً وجوابًا في حد الحكم.
قوله: (حقوق العباد مبنية على اشح والضنة):
قلنا: هذا الجواب ضعيف، وقد تقدم الجواب الصحيح عند السؤال، وإلا فالقياس قد جرى في حقوق العباد في الدماء، والأموال، ولم يمنع القياس كونه حقًا للعبد.
قوله: (الكلام على وجوب اللطف تقدم):
تقريره: أنه مبنى على مسألة الحسن والقبح، وهو ممنوع على أصولنا.
(تنبيه)
قال التبريزي: معنى قوله: (هبته وكان مهيبًا)، هي هيبة تعظيم وتوقير، لا هيبة خوف وسراية ضرر ؛ استعظامًا للرد في محل الاجتهاد على من هو أكبر منه رتبة وسنًا، كما يستحي الواحد منا عن الرد فيما يظنه على
стр. 3099
من يعظم في نظره، ويسلك نفسه باستعظام الخطأ إلى ذلك العظيم، مع أن ذلك الذي تأخر عنه ابن عباس لا يكاد ينكتم.
ودعواهم إجماع العترة غير صحيح، والصادق والباقر- ﵄ ليسا كل العترة في زمانهما، ولا كل علماء العترة، وهذه أمور نقلها المؤرخون، ثم نقول لهم: إجماع كل العترة إن لم يكن حجة، فلا كلام، وإن كان، فكيف يكون على خلاف إجماع الصحابة، وحينئذ يلزم تخطئة أحد الإجماعين، وهو محال، وما أشاروا إليه من النهى عن الاختلاف المراد به: في الحرب؛ لقوله: ﴿فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال: ٤٦] لا في الأحكام الشرعية، فلا يضر الاختلاف الناشئ عن القياس.
وقوله: (أعتقت غانمًا لسواده)، فمن أصحابنا من منع، وقال: يلزم سراية العتق إلى كل من شاركه في ذلك، كما لو قال: أعتقت كل أسود، وهو على قاعدة النظام ألزم، ولكنه غير مرضي؛ لأن العتق لا يحصل بمجرد إرادة العتق، بل لابد من لفظ يدل عليه، وللشرع تعبد في تعيين صيغ التصرفات، بخلاف الأحكام الشرعية، بخلاف الأحكام الشرعية، فإنه يكفي في إثباتها فهم إرادة الثبوت من الشرع بأي طريق كان، فهذا هو الفرق، وهو الجواب، حتى لو قال المالك: (فمن كان في معناه؛ فقد أذنت لكم في أعتاقه)، صح التوكيل، ونفذ العتق من الوكيل.
قلت: وإذا تأملت ما تقدم في هذا الموضع من أن العلل إنما يتبعها أحكام ناصبها عللاً، وجدته أمس من هذا الجواب، وأقعد بقواعد الأصول.
قال: وأما ما ذكره النظام فمعظمه تهويل، ولا يلزم منه امتناع القياس حيث عقل المعنى، فقد اتفق العقلاء على التعليل في الإلهيات، والطبيعيات، والعقليات مع ما فيها مما لا تهتدي إليه العقول كخواص الطبائع، والصفات
стр. 3100
النفسية، والتابعة للحدوث في العقل، وكذلك الحس الظاهر قد يكل عن إدراك أشياء كثيرة، ويتطرق إليه غلط كثير، ولم يمنع ذلك سقوط الثقة بأصله.
قلت: يريد بـ (التابع للحدوث): لزوم الألوان، وأحد الألوان، وأحد الطعوم في الأجسام، والافتقار للمحل في الأعراض.
قال: وقول النظام، إنما يلزم أن لو قلنا: التماثل يوجب المساواة في الحكم مطلقًا، أما في الأغلب، فلا انتقاض، وهو كافٍ، لتضمنه غلبة الظن بالحكم.
قال: وأما البراءة الأصلية، فإنا نقطع بها إلى حين قيام دليل النقل، فإذا شككنا في الدليل فقد شككنا في البراءة الأصلية كما في جانب النقل.
قلت: الدليل مانع من إعمال البراءة الأصلية، والشك في المانع يجب عنده العمل بالسبب، أو بالدليل السابق، لا أنه يصير مشكوكًا فيه، كما إذا شك في الطلاق استصحب العصمة، أو الظهار، فاستصحب الحدث، فما ذكره من الشك غير لازم، إنما ذلك في الشك في الشرط أو السبب، أما في المانع، فلا.
(فائدة)
قال سيف الدين: القائلون بأن السماع دل على القياس، قالوا كلهم: إن ذلك الدليل قطعي، إلا أبا الحسن البصري، فإنه قال: ظني. قال: وهو المختار .
(فائدة)
قال ابن حزم في كتاب (النكت) له في إبطال الأمور الخمسة:
стр. 3101
التقليد، والقياس، والرأي، والاستحسان، والتعليل، فذكر نكتًا وأسئلة تتعلق بإبطال القياس، فأحببت ذكرها تكميلاً للفضيلة؛ فإنه اتفق الناس عل جودة حفظه، وعظيم نقله، إنما اختلفوا في جودة تصرفه، ثم إنه يذكر مدارك للقياس، ويجيب عنها، فنسلمها، وننازع في أجوبته.
قال ابن حزم: أحدث قوم بعد رسول الله ﷺ أشياء، ووفق الله آخرين فتركوها، وثبتوا على الكتاب والسنة، وهي: الرأي، والقياس، والاستحسان، والتعليل، والتقليد.
فحدث الرأي في القرن الأول من الصحابة- رضوان الله عليهم- مع أنه لم يقطع بالنقل عنهم، وهو: الحكم بما هو أحوط عند المفتي من غير نص.
ثم حدث القياس في القرن الثاني.
والاستحسان في القرن الثالث.
تم التقليد، والتعليل في القرن الرابع.
والتقليد: أن يفتي؛ لأن الصحابي أو التابعي أفتى بذلك، وهذه كلها قول في الدين بلا دليل.
والتعليل: استنباط علة من مورد النص، وهو باطل؛ لأنه إخبار عن الله- تعالى- بأنه شرع لذلك بغير نص ورد عن الله، فهو كذب عليه.
وقد صح عن كثير من الصحابة الفتيا بالرأي، ولم يصح عن أحد منهم القول بالقياس إلا في الرسالة المنسوبة إلى عمر، وفيهاك (وقس الأمور، وأعرف الأشباه، ثم أعمد إلى أولادها بالحق، وأحبها إلى الله- تعالى- فاقض به).
وهي لم تصح عنه، إنما جاءت من طريق عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، وكلاهما متروك الحديث.
стр. 3102
ومن طريق عبد الله ابن أخي سعيد، وهو مجهول.
ثم إن فيها ما يستحيل نسبته إليه، وهو قوله: (أحبها إلى الله)، ومن أين يعرف أحب الأشياء إلى الله إلا بنص عن الله؟.
وما روى عن علي وزيد بن ثابت من الاختلاف في الميراث في الجد والإخوة فلا يصح؛ لأن رواية عيسى الخياط عن الشعبي منقطعة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ساقط.
وما روى عن ابن عباس في التحكيم: أنه قال للخوارج: إن الله- تعالى- أمر بالتحكيم في أرنب قيمتها ربع درهم، فكيف لا يصح التحكيم في صلاح الأمة؟
فلا يصح براوية مجهول.
وأيضًاك لا يتوقف حكم من الأحكام على التحكيم، سوى الصيد، وشقاق المرأة، فلو استدل به على منع القياس لصح.
ورووا عن ابن عباس أنه قال: ألا اعتبرتم ذلك بالأسنان، وديتها سواء).
فلا حجة فيه؛ لعدم الاتفاق على الحكم في (الأسنان)، والأصابع حتى يقاس أحدهما على الآخر.
وأيضًا: النص وارد في الأسنان، كما هو وارد في الأصابع، فلا قياس؛ إذ من شرطة إلحاق مسكوت بمنطوق، وإنما أراد ابن عباس: هما سواء
стр. 3103
منصوص عليهما، ولم يقل أحد بالاستحسان قبل أبي حنيفة ومالك في النادر، ثم حدث التقليد في حسوة هذين الرجلين، فكل طائفة لا تقلد غير صاحبها في فتاويه وإن اختلفت، ولا يعرف هذا عن أحد قبل هاتين الطائفتين، ثم حدث التقليد في الشافعية، ولم تزل طائفة من الصحابة إلى زماننا ينكرون هذه الأمور، بل روى القيسيون أخبارًا مكذوبة، واتبعهم مقلدوهم عليها، ثم كثر ذلك حتى طبق الأرض، وتركت من أجله أحكام القرآن والسنة جهارًا، وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وعودى طلاب السنن الثابتون على ما كان عليه الصحابة والتابعون- ﵃ من الوقوف عند أحكام القرآن والسنة.
واحتجوا على الرأي بما روى أن رسول الله ﷺ قال: (أنا أقضي فيكم برأيي فيما لم ينزل على فيه شيء)، وهو غير صحيح؛ لأن رواية أسامة الليثي، وهو ضعيف؛ ولأن رأس رسول الله ﷺ حق لا يلحق به غيره؛ لأنه لا ينطق عن الهوى.
وقال الله- تعالى-: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء: ١٠٥].
وحديث معاذ غير صحيح؛ لأن راوية الحارث بن عمرو، وهو مجهول، وكيف يقول- ﵇ له: (إن لم تجد في كتاب الله) وهو- ﵇ قد سئل عن (الحمر)، فقال: (ما أنزل على فيها شيء غير هذه الآية الفاذة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره)، ولم يحكم فيها- ﵇ بغير الوحي، فكيف يجيز ذلك لغيره؟!.
стр. 3104
ورووا أن الصديق- ﵁ كان إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله- تعالى- فإن وجد ما يقضى به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله- تعالى- نظر في سنة رسول الله ﷺ فإن وجد فيها ما يقضى به قضى به، فإذا أعياه ذلك سأل الناس، هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيها بقضاء؟ فربما قام إليه القوم، فيقولون: قضى بكذا، فإن لم يجد سنة، جمع رؤساء الناس وعلماءهم، فاستشارهم: فإذا أجمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر يفعل ذلك، ويسأل: هل قضى أبو بكر- ﵀ فيها بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا أجمع رأيهم على شيء قضى به، وأن ابن مسعود أكثروا عليه ذات يوم، فقال: إنه قد أتى علينا زمان لسنا نقضى، ولسنا هنالك، إن الله- تعالى- بلغنا ما ترون، فمن عرض له بعد اليوم قضاء، فليقض بكتاب الله- تعالى- فإن جاء أمر ليس في كاتب الله- تعالى- ولا قضى به نبيه- ﵇ ولم يقض به الصالحون، فليجتهد رأيه، ولا يقل: إني أرى وإني أخاف؛ فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وقد أمر الله- تعالى- بالشاهد واليمين) وإنما هو غلبة الظن.
وحديث عمر لا يصح؛ لأن راويه ميمون بن مروان، وولد سنة أربعين بعد موت عمر- رضى الله عنه- بسبع عشرة سنة.
стр. 3105
وحديث ابن مسعود صحيح ثابت، غير أنه عليهم؛ لأن معنى اجتهاده: طلب السنة حتى يجدها، ولذلك قال: (لا يقول: إني أرى).
واستدلوا بقوله- تعالى- لرسول الله ﷺ : ﴿وشاروهم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩] يدل على أنه اتباع الرأي.
وجوابه: أنه إنما أمر بذلك؛ لحسن العشرة معهم، ولذلك قال له: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وبقوله تعالى: ﴿ومن يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: ٧٩].
وبقوله تعالى: ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ [البقرة: ٧٣].
وبقوله تعالى: ﴿كذلك النشور﴾ [فاطر: ٩].
وبقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الأسراء: ٢٣]، وغير التأفيف مقيس عليه.
وبقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره﴾ [الزلزلة: ٧] فما دون الذرة مقيس عليه.
وقوله تعالى: ﴿ولحم الخنزير﴾ [البقرة: ١٧٣] شحمه مقيس عليه.
وقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥].
وقوله تعالى: ﴿وأشهدا ذوى عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] ورد في المال، فقيس عليه غيره.
وبقوله- ﵇ للأعرابي: (هل لك من إبل)؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها)، قال: حمر، قال: (هل فيها من أورق)؟
стр. 3106
قال: نعم، قال: (فأني ذلك؟)، قال: لعله نزعه عرق؟ قال: (فلعل ابنك هذا نزعه).
وبقوله- ﵇: (من أعتق شركًا له في عبد)، فألحقت به الأمة قياسًا، وألحق العبد بالأمة في آية تشطير العذاب.
وبقوله- ﵇ لما قال له السائل: هششت فقبلت، فقال له- ﵇: (أر أيت لو تمضمضت بماء)؟.
وبقوله تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣].
قال: والجواب عن الآيات الأول: أنها تدل على إلحاق المعاد الجسماني بالبداءة، وهذا عقلي، إنما النزاع في الشرعي؛ ولأنها تشبيهات وقعت بالنصوص، والواقع بالنص لا نزاع فيه.
стр. 3107
وأما تحريم غير التأفيف، فبقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿وقل لهما قولاً كريمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿وقل رب ارحمهما﴾ [الإسراء: ٢٤].
فاقتضى ذلك الإحسان مطلقًا لا بالقياس.
ودون الذرة، بقوله تعالى: ﴿أني لا أضيع عمل عامل﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت﴾ [غافر: ١٧].
وحرمة جملة الخنزير، بقوله تعالى: ﴿فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والضمير يعود على الجملة.
وسائر الحقوق تثبت الشهادة فيها بقوله ﵇: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فعم ذلك جميع الأحكام.
وآية الصيد تبطل القياس؛ لأن من لا يملك النعم لا يجب عليه دفع المثل.
والجواب عن الحديث الأول: أنه- ﵇ لم يجعل لا تفاق الصفات ولا لاختلافهما أثرًا، فهو يدل على بطلان القياس.
وعن حديث العتق: أنه ورد (من أعتق شقصًا في مملوك، ومن أعتق شيئًا من إنسان) خرجه النسائي وغيره، فتناول العموم الجميع.
وعن قوله تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس﴾ [العنكبوت: ٤٣] أنه معارض بقوله تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: ٧٤].
قال: واحتجوا على التعليل بأن الله- تعالى- نص على أنه حكم بأشياء من أجل أشياء، كقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩].
стр. 3108
وأجمعت الأمة على أن على الحدود الزجر.
وقوله ﵇: (أينقص الرطب إذا جف؟).
قال: والجواب: أن ما نص الله- تعالى- ورسوله- ﵇ عليه، فهو ثابت لأجل النص، إنما النزاع في العلل التي يذكرونها بالعقول والاستنباط.
وقولهم: (الحدود للزجر) ممنوع، لوجوب الحد في الزنا دون إتيان البهيمة، وفي القذف دون الرمي بالكفر، وهو أعظم منه، وفي سرقة عشرة دراهم دون غصب ألف، وفي يسير الخمر دون البول، وكلاهما نجس.
قلت: فهذه نبذة من كلامه، ولم أرد عليه في أجوبته؛ لأن أكثرها ظاهر، فخشيت التطويل، والتأمل كاف فيها.
***
стр. 3109
المسألة الثانية
قال الرازي: قال النظام: (النص على علة الحكم يفيد الأمر بالقياس) وهو قول أبي الحسن البصري، وجماعة من الفقهاء، ومنهم: من أنكره؛ وهو المختار.
وقال أبو عبد الله البصري: إن كانت العلة علة في الفعل، لم يكن التنصيص عليها تعبدًا بالقياس، وإن كانت علة في الترك، كان التنصيص عليها تعبدًا بالقياس.
لنا: أن قوله: (حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة) يحتمل أن تكون العلة هي الإسكار، وأن تكون العلة هي إسكار الخمر، وأن تكون العلة هي إسكار الخمر، بحيث يكون قيد كونه مضافًا إلى الخمر معتبرًا في العلة؛ وإذا احتمل الأمرين، لم يجز القياس إلا عند أمر مستأنف بالقياس.
فإن قيل: لا نسلم أن قيد كون الإسكار في ذلك المحل يحتمل أن يكون جزءًا من العلة، فإنا لو جوزنا ذلك، للزمنا تجويز مثله في العقليات؛ حتى نقول: هذه الحركة. إنما اقتضت المتحركية؛ لقيامها بهذا المحل، فالحركة القائمة لا بهذا المحل، لا تكون على للمتحركية.
سلمنا إمكان كونه معتبرًا في الجملة؛ لكون العرف يدل على سقوط هذا القيد عن درجة الاعتبار؛ لأن الأب، إذا قال لابنه: (لا تأكل هذه الحشيشية؛ لأنها سم) يقتضي منعه عن أكل كل حشيشة تكون سمًا.
стр. 3110
وإذا أثبت ذلك في العرف، ثبت مثله في الشرع، لقوله- ﵊:- (ما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن).
سلمنا: أنه غير ساقط في العرف؛ إلا أن الأغلب على الظن سقوطه؛ لأن علة الحكم وجب أن تكون منشأ الحكمة، ولا مفسدة في كون الإسكار قائمًا بهذا المحل، أو بذاك، بل منشأ المفسدة كونه المفسدة كونه مسكرًا فقط؛ فإذا غلب على ظننا ذلك، وجب الحكم به؛ احترازًا عن الضرر المظنون.
سلمنا: أن هذا القيد غير ظاهر؛ لكن دليلكم إنما يتمشى فيما إذا قال الشارع: (حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة) أما لو قال: (علة حرمة الخمر: إنما هي الإسكار) لا يبقى ذلك الاحتمال.
سلمنا: أن دليلكم يمنع من القياس؛ لكن ها هنا ما يدل على جوازه، فإن قول الشارع: (حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة) يقتضي إضافة الحرمة إلى الإسكار، وذلك يدل على أن العلة هي الإسكار؛ فوجب أن يترتب الحكم عليه أينما وجد.
وأما من فرق بين الفعل والترك، فقد قال: (إن من ترك أكل رمانة، لحموضتها، وجب عليه أن يترك أكل كل رمانة حاضمة، أما من أكل رمانة، لحموضتها لا يجب عليه أن يأكل كل رمانة حامضة):
والجواب: قوله: (هذا الاحتمال قائم في الحركة):
قلنا: إن عنيت بالحركة: معنى يقتضي المتحركية، فهذا المعنى يمتنع فرضه بدون المتحركية، وإن عنيت بالحركة؛ شيئًا أخر؛ بحيث يبقى فيه هذا الاحتمال، فهناك نسلم أنه لابد في إبطال ذلك الاحتمال من دليل منفصل.
стр. 3111
قوله: (العرف يقتضي إلغاء هذا القيد):
قلنا: ذاك إنما عرف بالقرينة؛ وهي أن شفقته تمنع من تناول كل ما يقتضي ضررًا، فلم قلت: إن هذا المعنى حاصل في العلة المنصوصة؟
قوله: (الغالب على الظن إلغاء هذا القيد):
قلنا: هب أن الأمر كذلك؛ ولكن إنما يلحق الفرع بالأصل؛ لأنه لما غلب على ظننا كونه في معناه، ثم لدليل دل على وجوب الاحتراز من الضرر المظنون، فحينئذ يجب علينا أن نحكم في الفرع بمثل حكم الأصل؛ ولكن هذا هو الدليل الذي دل على كون القياس حجة، فالتنصيص على علة الحكم لا يقتضي إثبات مثله في الفرع إلا مع الدليل الدال على وجوب العمل بالقياس.
قوله: (لو صرح بأن العلة هي الإسكار، لا يبقى فيه هذا الاحتمال):
قلنا: في هذه الصورة نسلم أنه أينما حصل الإسكار، حصلتا الحرمة؛ لكن ذل ليس بقياس؛ لأن العلم بأن الإسكار؛ من حيث هو إسكار، يقتضي الحرمة يوجب العمل بثبوت هذا الحكم في كل محالة، ولم يكن العلم بحكم الحرمة يوجب العلم بثبوت هذا الحكم في كل محالة، ولم يكن العلم بحكم بعض تلك المحال متأخرًا عن العلم بالبعض؛ فلم يكن جعل البعض فرعًا، والآخر أصلاً أولى من العكس؛ فلا يكون هذا قياسًا، بل إنما يكون قياسًا، لو قال: (حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة) فحينئذ يكون العلم بثبوت هذا الحكم في الخمر أصلاً للحكم به في النبيذ، ومتى قال؛ على هذا الوجه، انقدح الاحتمال المذكور.
قوله: (إن قوله: (حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة) يقتضي إضافة الحرمة إلى نفس الإسكار):
стр. 3112
قلنا: لا نسلم؛ فالعل قيد كون الإسكار فيه معتبر في العلية؛ على ما حققناه.
قوله: (من ترك أكل رمانة، لحموضتها، يجب عليه أن يترك الكل):
قلنا: لا نسلن؛ لاحتمال أن يكون الداعي له إلى الترك، لا مطلق حموضة الرمانة، بل حموضة الرمانة؛ وإنها غير حاصلة في سائر الرمانات.
سلمناه؛ ولكن لا فرق في ذلك بين الفعل والترك.
قوله: (من أكل رمانة؛ لحموضتها، لا يجب عليه أن يأكل كل رمانة حامضة):
قلنا ذاك لأنه ما أكلها؛ لمجرد حموضتها؛ بل لأجل حموضتها، مع قيام الاشتهاء الصادق لها، وخلو المعدة عن الرمان، وعلمه بعدم تضرره بها، وهذه القيود بأسرها لم توجد في أكل الرمانة الثانية.
المسألة الثانية
قال القرافي: قال النظام: (النص على علة الحكم يقيد الأمر بالقياس)، وهو قول أبي الحسين البصري، وجماعة من الفقهاء.
ومنهم من أنكره، وهو المختار.
وقال أبو عبد الله البصري: إن كانت [العلة] علة في الفعل، لم يكن التنصيص عليها تعبدًا بالقياس، وإن كانت علة في الترك، كان تعبدًا بالقياس.
تقريره: أن الفعل قد يقصد منه المرة الواحدة؛ كسقي الماء للعطش، فلو
стр. 3113
تكرر ربما أضر. والترك يقصد دوامه من غير حرج، فيعم الحكم جميع صور العلة.
وهذا الفرق يلاحظ ما تقدم أن الأمر لا يقتضي التكرار، والنهي يقتضيه؛ لأن الانتهاء دائمًا يمكن بخلاف الفعل دائمًا.
قوله: (لو قال: علة حرمة الخمر هي الإسكار لا يبقى احتمال، بخلاف حرمتها؛ لكونها مسكرة):
تقريره: أن قوله: (لكونه مسكرًا) إضافة الحكم لأمر كائن فيه، لقوله: (لكونه مسكرًا)
وقوله: (الإسكار) - بالألف واللام- إشارة (للإسكار) مجردًا من غير إضافة للمحل، فلذلك عم.
قوله: (إذا قال: (حرمت الخمر للإسكار) ليس بقياس؛ لأنه ليس جعل البعض أصلاً، والبعض الآخر فرعًا أولى من العكس):
قلنا: هذا يقتضي عدم القياس في إقراره الحكم.
أما ثبوت الحكم في النبيذ، والمزر، والسكر له، والبتع، وغيرها من المسكرات، فإنه قياس ضرورة؛ لأن النص لا يتناوله.
وإنما يتجه ما قلتموه إذا قال: (الإسكار علة التحريم في جميع موارده).
لكن السائل لم يورد السؤال هكذا، بل قال: حرمت الخمر للإسكار.
(سؤال)
قال النقشواني: إذا قطعنا بنفي الفوارق وجب الإلحاق للضرورة كما قلنا: (هذه النار محرقة)، لا يجوز أن يكون الإحراق لخصوصيات هذه النيران التي نشاهدها، بل نقطع بأن كل نار محرقة؛ للقدر المشترك بينهما، وكذلك في كل محل قطعنا بإلغاء الفوارق أو عدمها.
стр. 3114
(جوابه)
لا نسلم أنه أمر بالقياس، بل نقطع بنفي الفوارق ، ولا يلحق النبيذ بالخمر، وإن قطعنا بنفي الفوارق، حتى يتمحض أنا إذا لم نفعل ذلك فقد خالفنا مقصود الشرع.
وكون الشرع له مقصود- في القياس- فرع دلالة الدليل على القياس، فحينئذ لا بد مع ذلك من دليل يدل على القياس، وأما أنا نقطع بأن كل نار محرقة، فذلك بدليل العادة والاستقراء المحصل للقطع العادي، لا المشترك بين أفراد النيران، وكلك العلل العقلية حصل القطع بترتب أحكامها في جميع صور عللها؛ لدلالة الدليل العقلي على ذلك، لا لمجرد العلة.
(سؤال)
قال النقشواني: الفرق بين الفعل والترك قوى؛ لأن القائل: (أعط هذا الفقير لفقره)، لا يلزم منه إعطاء كل فقير ؛ لاحتمال أن يكون القصد إعطاء قدر م المال لهذه العلة، فلا يزاد عليه.
وكذلك إذا قال لوكيله: (اشتر هذا العبد لكونه تركًا) لا يشتري كل عبد لكونه تركيًا بخلاف قوله: (لا تشتر هذا العبد لكونه أسود)؛ فإنه لا يشتري شيئًا من العبيد السود.
(جوابه)
أن ذلك معلم بالعرف مع العلة ؛ فإن العادة اقتضت أن الإنسان لا يخرج جميع أمواله لهذا الغرض، بل يقيد واحد موصوف بصفة خاصة، ولا تتبع تلك الصفة في جميع مواردها.
(تنبيه)
غير التبريزي العبارة، فقال:
стр. 3115
قال النظام: التنصيص على العلة ينزل منزلة اللفظ العام في وجوب تعميم الحكم، فلا فرق بين قوله: (حرمت الخمر لشدتها)، وبين أن يقول: (حرمت كل مشتد)، فقاس حيث لا يقيس، مع إنكاره القياس، وإنما أنكر تسميته قياسًا.
وقال سيف الدين: قال النظام، وأحمد بن حنبل، والقاساني، والنهراوني، وأبو بكر الرازي- من الحنفية- والكرخي: يكفي نص الشارع على علة الحكم في تعدية الحكم بها إلى غير محل الحكم المنصوص دون ورود التعبد بالقياس.
وقال أبو إسحاق الإسفراييني، وأكثر الشافعية، وجعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب، وبعض أهل الظاهر: لا يكفي ذلك.
قال القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص): اختلف في النص الوارد مقرونًا بالعلة، هل يجب إجراؤه في جميع موارد تلك العلة، وإن لم يرد التعبد بالقياس؛ لأنه كلالفظ العام بسبب العلة، ولا يجب ذلك إلا بعد التعبد بالقياس؟
وعلى الأولى كثير من نفاة القياس، نحوك (حرمت الخمر لكونها مسكرة) فكأنه قال: (حرمت كل مسكر)، ومنهم: النظام، وبعض الظاهرية، وبعض الشافعية، والجمهور على خلافهم أنه لابد من التعبد بالقياس في ذلك.
وفصل بعض المتأخرين بين أن يكون الحكم المعلل تركًا، فيعم من غير الأمر بالقياس، أو فعلاً، فلا يهم حتى يرد الأمر بالقياس.
وهذا يوافق كلام التبريزي، ويدل على أن عبارة المصنف غير ناصة على المقصود.
***
стр. 3116
المسألة الثالثة
قال الرازي: إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه قد يكون ظاهرًا جليًا، وقد لا يكون كذلك:
فالأول: كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، ومن الناس: من قال: المنع من التأفيف منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى.
لنا وجهان:
الأول: أن المنع من التأفيف، لو دل عليه، لد لعليه: إما بحسب الموضوع اللغوي، أو بحسب الموضوع العرفي:
والأول: باطل بالضرورة، لأن التأفيف غير الضرب؛ فالمنع من التأفيف لا يكون منعًا من الضرب.
والثاني أيضًا: باطل؛ لأن النقل العرفي خلاف الأصل.
وأيضًا: فلو ثبت هذا النقل في العرف، لما حسن من الملك، إذا استولى على عدوه: أن ينهى الجلاد عن صفعه، والاستخفاف به، وإن كان يأمره بقتله، وإذا بطلت دلالة اللفظ عليه، علمنا أن تحريم الضرب مستفاد من القياس.
واحتج المخالف بأمور:
أحدها: لو كان ذلك مستفادًا من القياس، لوجب فيمن لا يقول بصحة القياس ألا يعلم ذلك.
стр. 3117
وثانيها: أنه يلزم ألا يعلم العاقل حرمة ضربهما، لو متعه الله عن القياس الشرعي.
وثالثها: أجمعنا على ان قوله: (فلان لا يملك حبة) يفيد في العرف أنه لا شيء له البتة، وكذا قولهم: (لا يملك نقيرًا، ولا قطميرًا) يفيد أنه ليس له شيء البتة، وإن كان النقير في أصل اللغة عبارة عن النقرة التي على ظهر النواة، والقطمير عبارة عما في شق النواة.
وكذلك قولهم: (فلان مؤتمن على قنطار) فإنه يفيد في العرف كونه أمينًا على الإطلاق، وإنما حكمنا في هذه الألفاظ بالنقل العرفي؛ لتسارع الفهم إلى هذه المعاني العرفية؛ فوجب أن تكون حرمة التأفيف موضوعة في العرف؛ للمنع من الإيذاء؛ لتسارع الفهم إليه.
والجواب عن الأول: أن القياس قد يكون يقينًا، وقد يكون ظنيًا.
أما الأول: تكمن علم علة الحكم في الأصل، ثم علم حصول مثل تلك العلة في الفرع، فإنه لابد وأن يعلم ثبوت الحكم في الفرع.
أما الثاني: فكما إذا كانت إحدى المقدمتين، أو كلاهما- مظنونة، والقياس في هذه المسألة من النوع الأول؛ فلا جرم لا يمكن أن يكون القادح في صحة القياس الظني قادحًا في صحة هذا القياس.
وهذا هو الجواب بعينه عن الثاني.
أما الثالث: فقوله: (ليس لفلان حبة) يفيد نفي الأكثر من الحبة، لأن الأكثر من الحبة يوجد فيه الحبة، أما ما نقص من الحبة فلا يتعرض له كلامه.
стр. 3118
وأما النقير والقطمير، فقد حكمنا فيه بالنقل العرفي للضرورة، ولا ضرورة في مسألتنا.
وأما قوله: (فلان مؤتمن على قنطار) فإنما يفيد كونه مؤتمنًا على ما دون القنطار؛ لأن ما دون القنطار داخل في القنطار، فأما ما فوقه، فلا يدخل فيه.
المسالة الثالثة
قال النقشواني: إلحاق المسكوت عنه، بالمنصوص عليه قد يكون ظاهرًا [جليًا، وقد لا يكون كذلك.
فالأول: كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف.
ومن الناس من قال: المنع من التأفيف منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى.
لنا وجهان:
الأول]: فائدة فيما ذكره المصنف:
النقير: ما في ظهر النواة.
والقطمير: ما في شقها.
وبقي الفتيل: وهو القشرة الرقيقة المحتفة بها.
قوله: (أما النقير، والقطمير، فقد حكمنا فيه بالنقل العرفي)، ولو يقل ذلك في الحبة، بل قال: (الحبة في الأكثر)، فلذلك يلزم من نفيها نفي الأكثر. والفرق عنده: أن (النقير) ونحوه موضوع ليس فيها نقير، بخلاف الحبة.
ويرد عليه: أن الحبة- أيضًا- اسم لأحد الحبوب من النبات، فلا يلزم من نفيها نفي الذهب الكثير.
стр. 3119
فإن قال: التقدير ليس عنده زنة حبة، على تقدير المضاف.
قلنا: الأصل عدم الحذف، إلا أن يدعى انه قد اشتهر في العرف؛ فيلزم النقل، ويستوى البابان.
قوله: (فلان يؤتمن على قنطار، إنما يفيد الأمانة على ما دون القنطار؛ لأنه داخل فيه).
قلنا: من الناس من يخون في المحتقرات؛ لاستهزائه بها، دون الأمور العظيمة، ويكذب في سعة الكلام دون الشهادة، وأخلاق الناس تختلف.
فما يلزم من قولنا: (لا يخون في القنطار) ألا يخون في اليسر.
(فائدة)
قال إمام الحرمين في (الرهان): قال معظم الأصوليين: ليس هذا الفحوى معدودا من الأقيسة، بل متلقى من اللفظ ، والمستفاد من فحوى اللفظ وتنبيهه كالمستفاد من صيغته.
وهذا المذهب الذي هو المشهور لم ينقله المصنف ألبتة.
فتحصل من نقله مع نقل (البرهان) ثلاثة مذاهب:
الحكم ثابت بالقياس.
باللفظ اللغوي.
بالنقل العرفي.
وغير (البرهان) وافق (البرهان) أيضا.
* * *
стр. 3120
المسألة الرابعة
قال الرازى: ثبوت الحكم في الأصل: إما أن يكون يقينيا، أو لا يكون: فإن كان يقينيا؛ استحال أن يكون ثبوت الحكم في الفرع أقوى منه؛ لأنه ليس فوق اليقين درجة، أما إذا لم يكن يقينيا، فثبوت الحكم في الفرع: إما أن يكون أقوى من ثبوته في الأصل، أو مساويا له، أو دونه:
مثال الأول: قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف؛ فإن تحريم الضرب، وهو الفرع، أقوى ثبوتا من تحريم التأفيف، الذي هو الأصل.
ومثال الثاني: قوله ﵊: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد) فإنا نقيس عليه ما إذا بال في الكوز، ثم صبه في الماء الراكد، ولا تفاوت بين الحكم في الأصل والفرع، وهذا هو الذي يسمى بالقياس في معنى الأصل.
ومثال الثالث: جميع الأقيسة التي يتمسك الفقهاء بها في مباحثهم، وأما مراتب التفاوت، فهي بحسب مراتب الظنون، ولما كانت مراتب الظنون محصورة، فكذا القول في مراتب هذا التفاوت.
المسألة الرابعة
قال: (إن كان الحكم في الأصل يقينا استحال أن يكون الفرع أقوى): قلنا: لا نسلم؛ لأنا قد بينا أن اليقينيات قد تختلف في الجلاء، بدليل أن (الواحد نصف الاثنين أجلى) من غيره من الحسابيات المعلومة بالضرورة، والحسيات أجلى من (الواحد نصف الاثنين)، والمرئيات أجلى من الملموسات.
следующие страницы →