← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الحرمين جمعا بين المدركين، وهذا الخلاف ليس خاصا بلفظ الكلام، بل وكل ما يتعلق به من الأمر والنهي، والخبر والتصديق، والتكذيب ونحو ذلك من عوارض الكلام. وقوله: ((والمعنى الاول يعني النفساني لا حاجة في أضول الفقه للبحث عنه)). معناه: لا حاجة في البحث عن إثباته، وإلا فلا بد منتتصوره حتى يعتقد أن اللفظ موضوع للطلب النفساني، وأن أصول الفقه كله إنما هو أدلة الأحكام كلها من الكلام النفساني، فلا بد من تصوره في جميع هذه المدارك لكن التصديق به إنما يستفاد من علم أصول الدين. قوله: ((وقولنا: من الحروف احترزنا به عن الحرف الواحد)) لا يستقيم؛ لأن الحرف الواحد يصدق عليه أنه من الحروف، بل إنما يستقيم الإحتراز بقوله: المنتظم فإن الانتظام في الحرف الواحد محال أو بغير عبارته، ويقول: هو الحروف المنتظمة. وأما إذا قال: المنتظم من الحروف حصل الإحتراز بالمنتظم لا بقوله من الحروف، ثم استشهاده بقول العرب: ((قِ عِ شِ)) يبطل كلامه، فإن الحروف الأصلية لم ينطق بها، وما لم ينطق به كيف يوصف بأنه منتظم مع المسموع؟ بل ينبغي له على هذا التقدير أن يقول: المنتظم من الحروف إلى آخره، ثم يزيد في الحد ظاهرا أو في الأصل، وقول العرب: وأصله وقَى يقي

стр. 352

حذفت الواو من أوله في المضارع لوقوعها بين ياء وكشرة، وحذفت الياء من آخره علامة الجزم بالأمر، فبقيت القاف وحدها، وكذلك وشي يشي، ووعي يعي من الوعي، ولاوشي الذي هو لارونق، ووشي الثوب علمه، ومنه الواشي؛ لأنه يزين الكلام عند من يشى إليه، ووعى من الوعي، وهو الضبط، ومنه وعيت كلامك إذا فهمته جيدا، وكذلك "فِ) من الوفاء، و"لِ" من الولاء، ومنه قول الحاة في ألغازهم [الوافر]: أقول لِخالدًا يا عمرو لما ... علت نابي السيوف المرهفات فيظهر للسامع في لِ زيدا أنه حرف جر ونصب به فيشكل، ويفهم من قولهم: بالسيوف جارا ومرفوعا، وإنما مرادهم أنه أمر عمرا أن يلى زيدا في صف القتال أي: يكون بجنبه لما علت ناب هذا القائل السيوف أي علت رأسه، وهو كثير في الأفعال المعتلة الأول والآخر، وإنما رجعت الياء في تثنية الفاعل، فقيل: عيا وليا؛ لأن الياء إنما حذفت ليكون حذفها علامة للوقف، فإذا حصلت تثنية الفاعل صار علامة الوقف حذف النون، لأنها علامة الجزم في خمسة أمثلة: تفعلان، ويفعلان، وتفعلون، ويفعلون وتفعلين، وأصل عيا عيان، وكذلك بقيتها. وقوله: "سقطت الياء للتخفيف" عبارة فيها بعد عن اصطلاح النحاة، فإن ما حذفه مقصود للدلاة على الجزم والنصب أول لغيره لا يقال فيه: تخفيف، إنما يقال: حذف للتخفيف إذا حذف الشيء لا لمقصد يخصه، كما حذف التنوين ولانون من اسم الفاعل إذا أضيف لما فيه لام التعريف، نحو: زيد ضارب عمرو غدا، أو الزيدون ضاربو عمرو غدا. وقوهل: "قولنا: المتميزة احترازا عن كثير من أصوات الطيور" لا يتم؛ لأن الطير إنما يفسر الحروف كما يحكي عن "الدرة " وغيرها، أو لا

стр. 353

يفسرها، كما يقال عن الهدهد، يقول في صياحه: كذا سبب، والقمري يقول في صياحه: اذكروا ربكم، وغير ذلك. والأول لا حاجة للاحتراز عنه، فإنه عند العرب متكلم، ونطقه كلام، وأجزاؤه حروف ز والقسم الثاني: لا يصدق أنه نطق بحرف، بل السامع يتوهم في ذلك المسموع أمورا يمكن أن تفسر بحروف لا أنها حروف، ولا يتناولها لفظ الحروف لغة، فلا يحتاج إلى إخراجها بهذا القيد، فيكون هذا القيد حشوا لا يليق بالحدود. وقوله: وقولنا: ((المتواضع عليها)) احترازا من المهلمات في غاية الإشكالات، لأن هذا القيد يخرج الكالم كله من حد الكالم، وذلك أن العرب وضعت "قاف"مثلا للحرف الأول من قال، و"ألفا" للثاني منه، و"لاما" للثالث منه، وكذلك بقية حروف ألف، باؤ، تاء، ثاء، الثمانية والعشرون. قال صاحب "الكشاف": ومن حكمة هذه المواضع أنهم جعلوا مسمى كل اسم في أوله إلا الأل ما أمكن جعله في اول اسمه، لأنه ساكن، والإبتداء بالساكن متعذر، فعوضوه بما يشاكله وهو الهمزة، وقال: ليست مركبة من قاف وألف ولام وإلا كان قال: تسعة أحرف، فإن كل واحد منها ثلاثة أحرف وإنما ركبت العرب "قال" من مسميات هذه الأحرف لا منها، فظهر حينئذ أن الكلام كله إنما هو مركب من مسميات الحروف، وتلك المسيمات لم تضع العرب واحدا منها لشيء بل المجموع. قال: هو الموضوع، أما كل حرف منه فلا، فحينئذ الكلام إنما هو مركب

стр. 354

من الحروف المهلمة لا من الموضوعة، فخرج جيمع الكلام عن حد الكلام، فيبطل الحد ضورة لاشتراطه الوضع وعدم الإهمال والواقع الإهمال، فإن قلت: أحمل وقله: المهملة علىنها أهملت أن توضع لها لا أنها أهملت أن توضع في نفسها، ولا شك أن الحروف منها ما وضع لها كما تقدم، ومنها ما لم يوضع له كالحرف المركب من الباء والفاء في انحو: أغرافيا الذي عرفه الناس، وقالوا: جغرافيا، والمركب من الجيم والشين في نحو: نفشواني، فصيرت السين جيما كما صيرت الفاء في المثال الأول باء ونحو ذلك، وقد انتهت أوضاع العرب كما حكاه الزمخشري في "المفصل" وغيره إلى نيف وثلاثين حرفا وضعت لها، منها مشهور في الإستعمال وهو الثمانية والعشرون، ومنها قليل الاستتعمال نحو: التي بين القاف والكاف، وهو مبسط في كتب النحو. وأخبر بعض المؤرخين أن بعض الطوائف لا يتكلمون إلا بتسعة أحرف فيقولون: خل أخمر بالخاء فيهما، ويسقطون الحاء المهملة، وعلى هذه الطريقة يستقيم كلامه. قلت: المتبادر إلى الفهم من المهملة هو أنها لم توضع، وإرادة مثل هذا في الحد إلغار، وتحديد بما لا يفهم فلا يجوز، سلمنا أنه لا يخفي وأنه يتبادر للفهم، لكن لا نسلم أن تلك الحروف ما وضع لها، بل وضعوا للفاء في المثال الأول باء مشربا فاء، ووضعوا جيما في المثال الثاني مشربا سين، وبالجملة فهذا الموضوع - كما ترى - عويص. قوله: "وقولنا: إذا صدرت عن قادر واحد احتززنا عن صدور كل حرف من قادر))، يرد عليه أن هذا يمنع أن يسمى منتظما، بل هو مفترق، فقد خرج بقيد الإنتظام، ثم اشتراط القادر يصير الحد غير جامع؛ فإن القادر لا يتصور [إلا] في حي له إرادة وقدرة، والكلام قد يحصل من

стр. 355

الجماد، فإن الأصوات والحروف لا يشترط فيها الحياة، فإنها رياح تنضغط في مجار، وهذا المفهوم يتأتي في الجماد. وقد أخبرت عن القاضي الفاضل وزير الملك الناصرصلاح الدين، أنه جاءه رجل فقال له: عندنا صنم يتكلم، فذه ب إلأيه معه، فوجد صنما من رخام أحمر قد أتى عليه الرمل إلا رأسه وهو ساكت. فقال له الفاضل: ما له لا يتكلم؟ فقال له: تريد ذلك؟ فقال: نعم، فوضع الرجل إصبعه على ثقب في وسط رأسه، ولاريح يخرج نمه خروجا شديدا، فمنع الريح من الخروج حتى تغمر باطن الصنم به، ثم فتح ذلك الثقب، فشرع الريح يخرج، وجعل الصنم يقول: هاتان المدينتان كانتا لشداد وشديد ابني عاد، ماتا وصارا إلى التراب، من ذا الذي يبقى على الحدثان؟ وطول في الحدثان تطويلا شديدا حتى فرغ الريح من جوفه، ثم أعاد سد ذلك الثقب، فأعاد القول بعينه مرارا، وهو لا يزيد على ذلك، ولا ينقص، وسر ذلك أن الكلام أصله الريح، الذي هو النفس، فإذا ضغطه الإنسان حدث الصوت منغير حرف، فإن قطع ذلك الصوت في مقطع مخصوص حدث الحرف المناسب لذلك المقطع، فصار الصوت عارضا للنفس، والحرف عارا للصوت، لكن يشترط في المجري ملوسة خاصة وصقال خاص، فإن تغيير بطل الكلام، ألا ترى أن الإنسان إذ خشن حلقه

стр. 356

بكثرة الصياح اقنطع كلامه، أو بكثرة الرطوبة كما في النزلات الباردة انقطع كلامه أيضا، فمن استطاع أن يصننع مجرى على هذه الصورة تأتي له أن يتحيل على هذا الكلام من الجماد، فعامل هذا الصنم صنع هذا المجرى، وسطل عليه الريح من مكان ينزل منه، ويخرج من رأس هذا اصنم، وإذا سد الثقب انبعث الهواء في ذلك المجرى المصنوع، فإذا فتح الثقب شرع الهواء يخرج من ذلك المجرى، ويتقطع في مقاطع وضعت لفيه، فتحدث حروف في تلك المقاطع، فوضع في ذلك الصنم مقاطع حروف تلك الكلمات فقط. وكذلك بلغني أن الملك الكامل وضع له شمعدان، كلما ضمى من الليل ساعة انفتح باب منه، وخرج منه شخص يقف في خدمة السلطان، فإذا انقضت عشر ساعات طلع شخص على أعلى الشمعدان وقال: صبح الله السلطان بالسعادة، فيعلم أن الفجر قد طلع، وعملت أن هذا الشمعدان وزدت فيه أن الشمعة يتغير لونها في كل ساعة، وفيه أسد تتغير عيناه من السواد الشديد إلى البياض الشديد، ثم إلى الحُمرة الشديدة في كل ساعة لهما لون، فيعرف التنبيه في كل ساعة، وتسقط حصاتان من طائرين، ويدخل شخص، ويخرج شخص غيره، ويغلق باب ويفتح باب، وإذا طلع الفجر طلع شخص على أعلى الشمعدان وإصبعه في أذنه يشير إلى الأذان،

стр. 357

غير أني عجزت عن صنعة الكلام، وصنعت أيضا صورة حيوان يمشي ويلتفت يمينا وشمالا ويصفر ولا يتكلم. وبالجملة فاتفق القلاء على أن الأصوات لا تفتقر للحياة، وإذا نطق الجماد بالكالم فهو كلام عند العرب، ولم يندرج في الحد. قوله: " واعلم أن هذا يقتضي أن [تكون] الكلمة المفردة كلاما " ممنوع بل بعض ما هو كلمة كلام، فإن من جملة الكلمات حروف المعاني البسيطة نحو: كاف التشبيه، ولام التمليك، ونحوهما، غير مندرج في حده، لأنه اشترط تعدد الحروف. قوله: "أجمع الأصوليون على فساده، وقالوا: الكالم الجملة المفيدة، ونقلوا فيه نصا عن سيبويه، وقول أهل اللغة في المباحث اللغوية مقدم على غيرهم ". هذا الكلام يشعر بأن التفسيرين أريد بهما الكلام اللغوي لقوله في المباحث اللغوية: ورأيت أكثر من رأيته من فضلاء النحاة يقول: إن قول النحاة: إن الكلام هو الجملة المفيدة، هو حده في الإصطلاح لا في اللغة، وعلى هذا لا تيجه كلامه أن قولهم مقدم، لانه لا تعارض حينئذ؛ فإن أحدهما لغوي والآخر اصطلاحي، ولا يتجه قوله: إن النحاة أجمعوا على فساده، فإن القوم حينئذ اصطلحوا لأنفسهم، ولم يتعرضوا لفساد اللغوي ألبتة، وبعض النحاة يقول: التفسيران للمسمى اللغوي، وكذلك حكاه ابن بُرهان في كتاب "الاوسط ". قال أبو البقاء القولين عن اللغوي، وحكى أن غير لمفيد سمي كلاما

стр. 358

عن شرذمة قليلة من النحاة، ويحتج لذلك أن الكلام مشتق من الكلام بكسر الكاف التي هي الجراح، ووجه الاشتقاق أن الجراح منها ضار كالجراح المفسدة، ونافع كالفصاد عند الحاجة، وكذلك الكالم المفيد منه نافع سار، ومنه مؤذ ضار، وهو احتجاج حسن، وهو على هذا يتجه كلام المصنف اتجاها قويا. وأعجبني قول القائل في هذا الاشتقاق [الطويل]: دع الكبر واجنح للتواضع تستمل حِباب منيع الود صعب مرامه وداو بلين ما جرحت بغلظة وطيب كلام المرء طب كلامه فجمع بين الكلام والكلام والطيب والطب. وقوله: " إن حده يبطل بلام التمليك، وياء الإضافة، ونحوها " ممنوع فإنه ما التزم أن كل كلمة كام، بل تعرض لحد الكلام فقط، فكل ما تناوله حده يلزمه أن يسمى كلاما ومالا فلا، والحروف البسيطة لم يتناولها حده لاشتراطه العدد في الحروف، فلا يندرج. وقوله: " فإن قلت: الحركة في الحقيقة حرف". هذا السؤال له مستند من جهة اللغة، فإن النحاة قد قالوا: إن الثلاثي الساكن الوسط ينصرف، والثلاثي المحرك الوسط نحو سقر لا ينصرف لقيام

стр. 359

حركة وسطه مقام الحرف الرابع، وكذلك نصوا عليه في فروع في باب النسب، ثم جوابه عن هذا السؤال مندفع بما تقدم في تحقيق الحد. وقوله: "كل منطوق به دال بالإصطلاح على معنى ". فكلامه يقتضي إندراج الكلام في حد الكلمة؛ لأن الجملة المفيدة منطوق به دل بالإصطلاح على معنى، وورود هذا السؤال يتوقف على تحرير قاعدة تأتي إن شاء الله في باب المجاز المركب: هل هو عقلي أم لا؟، وهي أن العرب هل وضعت المركبات كما وضعت المفردات وهو الحق أم لا ظ فعلى تقدير عدم وضعها المركبات يندفع السؤال؛ لأن لكلام حينئذ ما دل بالإصطلاح. وقوله: "بالإصطلاح" احتراز عن المهملات، فإنها تدل بالعقل على أن الناطق بها جسم وممكن إلى غير ذلك، ولا تسمى كلمة؛ لأن المهمل لا يصد عيله أنه اسم، ولا فعل، ولا حرف، وما سلب عنه الثلاثة لاي كون كلمة في اصطلاحهم، لحصرهم الكلمة في الأقسام الثلاثة، بل يجري ذلك مجرى الأصوات. وقوله: " وأما الكلام فهو الجملة المفيدة " عليه سؤالان: السؤال الأول: أنه لم يذكر الإصطلاح، فيرد عليه المهملات؛ فإنها جملة مفيدة كما تقدم، وليست كلاما. السؤال الثاني: أن الجملة تصدق على الكلمة، لأنها جملة حروف، وهي غير مفيدة تصورها مسماها، فتندرج الكلمة في حد الكلام، كما اندرج الكلام في حد الكلمة. فإن قلت: الجملة في اصطلاح النحاة لا تدصق على الكلمة، وهو يتكلم

стр. 360

على أنه من جملة النحاة، فلا يرد السؤال؛ لأن اصطلاحهم فيا لجلمة أنها إنما تكون في الكلام المفيد. قلت: الجملة عند النحاة أخص من الكلام؛ فإن الكلام قد يكون بجمل كثيرة، وقد يكون بجملة واحدة، والحد إنما جعل للجاهل، والجاهل بالأعم أولى أن يجهل الأخص، فتحديد الأعم بالأخص لا يصح. قوله: "الجملة إما اسمية أو فعلية " ضابط الاسمية عند النحاة: ما كانت من مبتدأ، وخبر نحو: زيد قائم، والفعلية: ما كانت من فعل وفاعل نحو: قام زيد، فإن جاء خبر المبتدأ فعلا نحو: زيد يقوم. قال أبو علي: هي ذات وجهين باعتبار المبتدأ هي اسمية، وباعتبار خبره هي فعلية. وقوله: أو مركب من جملتين، وهي الشرطية يشكل بالقسم والمقسم عليه، فإنه مركب من جملتين، وليس شرطا، فيكون حده غير جامع. ((فائدة)) الاسم مشتق من السمو على رأي البصريين، أو من السمة على رأي الكوفيين، والفعل الصناعي يسمى فعلا، لأنه دال على المصدر الذي هو فعل حقيقي لغة، والحرف في اللغة هو الطرف، وكل حرف يمكن أن يقع آخر كلمة فسمى حرفا؛ ولأنه لا يخبر به ولا يخبر عنه، فكان متأخرا في الرتبة عن الاسم والفعل، ومنه الرجل المحارف -بكسر الراء- وهوا لدنيء الأخلاق، كأنه في طرف السعادة لم يحز منها شيئا، ومنه سميت الصنائع حرفا؛ لأنها في طرف الرزق، إنما هي للقوت لا للغني. ((تنبيه)) قال سراجُ الدِّينِ: النداء جملة مفيدة ؛ وفي كونها من الأقسام فيه بحث. تقريره: انا إذا قلنا: يا زيد اختلف فيه، فقيل: الإفادة حصلت بحرف النداء، والاسم المنادى خاصة، فعلى هذا لاتكون هذه الجملة من الأقسام.

стр. 361

وقيل: الفعل مقدر تقديره: أنادي زيدا، فعلى هذا التقدير يكون من الأقسام الثلاثة، ورود عليه أن الفعل لو كان مضمرا تقديره: أنادى زيدا لدخله التصديق والتكذيب، ولا يدخلان، فلا يكون الفعل مقدرا. أجاب المرِّد عن هذا السؤال بأن الجملة الفعلية قد تخرج عن الخبر إلى الإنشاء، فلا تحتمل التصديق والتكذيب، نحو بعت واشتريت، ومنه جملة القسم لا يحتملها لكونها إنشاء، ولذلك قال النحاة في حد القسم: إنه جملة إنشائية مؤكدة لجملة أخرى، فهذا ما أشار إليه من البحث. ((فائدة)) قال سيف الدين: أكثر الأصوليين على ما نقله ((المحصول)) عن أبي الحسين من حد الكلام قال: ومنهم من قال: الكلمة الواحدة لا تسمى كلاما، واختلفوا إذا اجتمعت كلمات غير مفيدة نحو: زيد لا كلما، فقال بعضهم: هو كلام، لأن آحاد كلماته وضعت للدالة، ومنهم من منع، والنزاع في هذه الصورة يرجع للاصطلاح الخارج عن وضع اللغة في إطلاق اسم الكلام. ((تنبيه)) ليس من شرط الجملة المفيدة التي حدها النحاة الكلام أن تكون أجزاؤها

стр. 362

موضوعة، بل تصح من المهمل بأحد جزءيه نحو: ديز مهمل، وبجزءيه معا نحو "خنفشار شيصبان " وهاتانا الكلمتان مبتدأ وخير على قاعدة قول العرب: أبويسف أبو حنيفة. أي: هو مثله في الفقه، ونحوه زيد زهير شعرا، وحاتمجودا، وعلي شجاعة، وكذلك خنفشار منزل منلزة شيصبان في الإهمال. ((تنبيه)) قوله: الجملة الاسمية ما كانت من مبتدأ وخبر ، يقتضي أن المبتدأ لا يكون إلا اسما، وليس كذلك، بل قد يكون اسما كما تقدم، وفعلا نحو: قام فعل ماضٍ، فإن رفع "فعل ماض" إنما هو بخبر الإبتداء، وقام ليس اسما، وإلا لكذب قولنا: "إنه فعل ماص" لأنه يستحيل أن يكون شيء من الأسماء فعلا ماضيا، وقد يكون المبتدأ حرفا نحو: ثم حرف عطف، فرفع حرف عطف على خبر الإبتداء، والمبتدأ ثم، وليست اسما وإلا لكذب

стр. 363

قولنا: إنه حرف عطف، فإنه لا شيء من الأسماء حرف عطف، ويكون المبتدأ لفظا ليس اسما، ولا فعلا، ولاحرفا في نحو: ديز مهمل، فرفع مهمل على خبر الإبتداء، وليس اسما ولا فعلا ولا حرفا، فإن ما لم يوضع لا يوصف بانه اسم ولا فعل ولا حرف، فحينئذ المبتدأ أعم منا لجميع، فلا يشترط في المبتدأ أن يكون اسما، وتكون الجملة جملة، وليس فيها اسم ولا فعل ولاحرف، وهو يبطل ما تقدم من الحصر الذي ذكره المُصَنَّف. ((تنبيه)) قال أبو الحسين في المعتمد: ليس من شرط الكلام أن يكون من حرفين اصطلح على وضعهما، بل أهل اللغة قسموا الكلام إلى المهمل والمستعمل، فجعلوا المهلم كلاما، قال: ويحتمل أنهم سموا المهمل كلاما مجازا، ويكون الوضع شرطا. قال القاضي عبدالوهاب في الملخص: اختلف في المهمل، والأصوات المنظومة، والحروف المؤلفة هل تسمى كلاما أم لا؟ والمهمل هو الذي لم يوضع لشيء ألبتة، وحجة اشتراط الوضع أنهم لا يسمون اللفظ الذي لا يفيد المعنى المراد به كلاما، وإن كان موضوعا، لأنه لم يفد المقصود منه، فالمهمل أولا، ولا تسمى أصوات الطيور كلاما، وإن كان فيها حروف بني آدم نفسها.

стр. 364

النظر الثاني في البحث عن الواضع كون اللفظ مفيدا للمعنى إما أن يكون لذاته أو بالوضع سواء كان الوضع من الله تعالى أو من الناس أو بعضه من الله تعالى وبعضه من الناس فهذه احتمالات أربعة الأول مذهب عباد بن سليمان الصيمري والثاني وهو القول بالتوقيف مذهب الأشعري وابن فورك والثالث وهو القول بالاصطلاح مذهب أبي هاشم وأتباعه والرابع هو القول بأن بعضه توقيفي وبعضه اصطلاحي وفيه قولان منهم من قال ابتداء اللغات يقع بالاصطلاح والباقي لا يمتنع أن يحصل بالتوقيف ومنهم من عكس الأمر وقال القدر الضروري الذي يقع به الاصطلاحي توقيفي والباقي اصطلاحي وهو قول الأستاذ أبي إسحاق وأما جمهور المحققين فقد اعترفوا بجواز هذه الأقسام وتوقفوا عن الجزم والذي يدل على فساد قول عباد بن سليمان أن دلالة الألفاظ لو كانت ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي والأمم ولاهتدى كل انسان إلى كل لغة وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.

стр. 365

واحتج عباد بأنه لو لم يكن بين الأسماء والمسميات مناسبة بوجه ما لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجيحا لأحد طرفي الجائز على الآخر من غير مرجح وهو محال وإن حصلت بينهما مناسبة فذلك هو المطلوب. والجواب: إن كان الواضع هو الله تعالى كان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين كتخصيص وجود العالم بوقت مقدر دون ما قبله أو ما بعده وان كان الناس فيحتمل أن يكون السبب خطور ذلك اللفظ في ذلك الوقت بالبال دون غيره كما قلنا في تخصيص كل شخص بعلم خاص من غير أن يكون بينهما مناسبة. وأما الذي يدل على إمكان الأقسام الثلاثة فهو أن الله تعالى قادر على أن يخلق فيهم علما ضروريا بالألفاظ والمعاني وبأن واضعا وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني وعلى هذا التقدير تكون اللغات توقيفية. وأيضا: فيصح من الواحد منهم أن يضع لفظا لمعنى ثم إنه يعرف الغير ذلك الوضع بالايماء والاشارة ويساعده الآخر عليه ولهذا قيل لو جمع جمع من الأطفال في دار بحيث لا يسمعون شيئا من اللغات فاذا بلغوا الكبر لا بد وأن يحدثوا فيما بينهم لغة يخاطب بها بعضهم بعضا وبهذا الطريق يتعلم الطفل اللغة من أبويه ويعرف الأخرس غيره ما في ضميره. فثبت إمكان كونها اصطلاحية، واذا ثبت جواز القسمين ثبت جواز القسم الثالث وهو أن يكون البعض توقيفيا والبعض اصطلاحيا.

стр. 366

ولما كنا لا نجزم بأحد هذه الثلاثة فذلك يكفي فيه الطعن في طرق القاطعين. احتج القائلون بالتوقيف بالمنقول والمعقول. أما المنقول فمن ثلاثة أوجه: أحدهما قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها دل هذا على أن الأسماء توقيفية واذا ثبت ذلك في الأسماء ثبت أيضا في الأفعال والحروف من ثلاثة أوجه: الأول أنه لا قائل بالفرق. والثاني أن التكلم بالأسماء وحدها متعذر فلا بد مع تعليم الأسماء من تعليم الأفعال والحروف. والثالث أن الاسم إنما سمي اسما لكونه علامة على مسماه والأفعال والحروف كذلك فهي اسماء أيضا وأما تخصيص لفظ الاسم ببعض الأقسام فهذا عرف أهل اللغة والنحو. وثانيها: أن الله تعالى ذم أقواما على تسميتهم بعض الأشياء من غير توقيف؛ بقوله تعالى " إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان" فلو لم يكن ما جعل دالا على غيرها من الاسماء توقيفا لما صح هذا الذم. وثالثها قوله تعالى: "ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم " ولا يجوز أن يكون المراد منه اختلاف

стр. 367

تأليفات الألسنة وتركيباتها لأن ذلك في غير الألسن أبلغ وأجمل فلا يكون تخصيص الألسن بالذكر مرادا فبقي أن يكون المراد اختلاف اللغات. وأما المعقول فمن وجهين: أحدهما أن الاصطلاح إنما يكون بأن يعرف كل واحد منهم صاحبه ما في ضميره وذلك لا يعرف إلا بطريق كالألفاظ والكتابة. وكيفما كان فإن ذلك الطريق لا يفيد لذاته فهو إما بالاصطلاح فيكون الكلام فيه كما في الأول ويلزم التسلسل أو بالتوقيف وهو المطلوب. وثانيها أنها لو كانت بالمواضعة لارتفع الأمان عن الشرع لأنها لعلها على خلاف ما اعتقدناها لأن اللغات قد تبدلت. فان قلت لو وقع ذلك لاشتهر، قلت هذا مبني على أن الواقعة العظيمة يجب اشتهارها وذلك ينتقض بسائر معجزات الرسول وبأمر الاقامة أنها فرادى أو مثناة. أما القائلون بالاصطلاح فقد تمسكوا بالنص والمعقول: أما النص فقوله تعالى "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه" فهذا يقتضي تقدم اللغة على بعثة الرسول فلو كانت اللغة توقيفية والتوقيف لا يحصل إلا بالبعثة لزم الدور وهو محال. وأما المعقول فهو أنها لو كانت توقيفية لكان إما أن يقال إنه تعالى يخلق العلم الضروري بأنه تعالى وضعها لتلك المعاني أو لا يكون كذلك.

стр. 368

والأول لا يخلو إما ان يقال إنه تعالى يخلق ذلك العلم في العاقل أو في غير عاقل: وباطل أن يخلقه تعالى في عاقل لأن العلم بأنه تعالى وضع تلك اللفظة لذلك المعنى يتضمن العلم به تعالى فلو كان ذلك العلم ضروريا لكان العلم به تعالى ضروريا لأن العلم بصفة الشيء متى كان ضروريا كان العلم بذاته أولى أن يكون ضروريا ولو كان العلم به تعالى ضروريا لبطل التكليف لكن ذلك باطل لما ثبت أن كل عاقل فإنه يجب أن يكون مكلفا. وباطل أن يخلقه في العاقل لأنه من البعيد أن يصير الانسان غير العاقل عالما بهذه اللغات العجيبة والتركيبات النادرة اللطيفة. وأما الثاني؛ وهو أن لا يخلق الله تعالى العلم الضروري بوضع تلك الألفاظ لتلك المعاني فحينئذ لا يعلم سامعها كونها موضوعة لتلك المعاني إلى بطريق آخر، والكلام فيه كالكلام في الأول فيلزم إما التسلسل وإما الانتهاء إلى الاصطلاح. هذا ملخص ما عول عليه ابن متويه في "التذكرة". واحتج الأستاذ أبو اسحاق على قوله: بأن الاصطلاح لا يصح إلا بأن يعرف كل واحد منهم صاحبه ما في ضميره فإن عرفه بأمر آخر اصطلاحي لزم التسلسل، فثبت أنه لا بد في أول الأمر من التوقيف ثم بعد ذلك لا يمتنع أن تحدث لغات كثيرة بسبب الاصطلاح بل ذلك معلوم بالضرورة ألا ترى أن

стр. 369

الناس يحدثون في كل زمان ألفاظا ما كانوا يستعملونها قبل ذلك؟! فهذا مجموع أدلة الجازمين. والجواب عن التمسك بقوله تعالى "وعلم آدم الأسماء كلها " أن نقول لم لا يجوز أن يكون المراد من التعليم أنه تعالى ألهمه الاحتياج إلى هذه الألفاظ وأعطاه من العلوم ما لأجلها قدر على هذا الوضع. وليس لأحد أن يقول التعليم ايجاد العلم بل التعليم فعل صالح لأن يترتب عليه حصول العلم ولذلك يقال علمته فلم يتعلم ولو كان التعليم ايجاد العلم لما صح ذلك. سلمنا أن التعليم ايجاد العلم ولكن العلم الذي يكتسبه العبد مخلوق لله تعالى فالعلم الذي يحصل بعد الاصطلاح بكون من خلق الله تعالى فقوله تعالى "وعلم "ولا ينافي كونه بالاصطلاح. سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يكون المراد من الأسماء العلامات والصفات مثل أن يقال إنه تعالى علم آدم ﵇ أن الخيل تصلح للكر والفر والجمال للحمل والثيران للزرع وذلك لأن الاسم مشتق من السمة أو من السمو وعلى التقديرين فكل ما يعرف عن ماهية شيء ويكشف عن حقيقته كان اسما له وأما تخصيص لفظ الاسم بهذه الألفاظ فهذا عرف حادث. سلمنا أن المراد من الأسماء الألفاظ فلم لا يجوز ان يقال إنها كانت

стр. 370

موضوعة بالاصطلاح من خلق خلقه الله تعالى قبل آدم ﵇ فعلمه الله ما تواضع عليه غيره؟ وعن الثاني: أنهم إنما استحقوا الذم لاطلاقهم لفظ الإله على الصنم؛ مع اعتقاد تحقق مسمى الإلهية فيها. وعن الثالث: أن اللسان اسم للجارحة المخصوصة وهي غير مرادة بالاجماع فلا بد من المجاز فليسوا بصرفه إلى اللغات أولى منا بصرفه إلى القدرة على اللغات أو إلى مخارج اللغات. وعن الرابع: أنه باطل بتعلم الولد اللغة من والديه فإن ذلك ليس مسبوقا بالتوقيف. سلمنا أنه لا بد قبل الاصطلاح من لغة أخرى ليصطلحوا بها على تلك اللغة الثانية فلم لا يجوز أن تكون هذه اللغات التي نتكلم بها الآن توقيفية لاحتمال أن يقال: كان قبل هذه اللغات لغة أخرى وأنها كانت توقيفية ثم إن الناس بتلك اللغة اصطلحوا على وضع هذه اللغات؟ فإن قلت: إذا كان لا بد من الاعتراف بلغة توقيفية فلنعترف بكون هذه اللغات توقيفية ولنسقط من البين تلك الواسطة المجهولة، قلت كلامنا في الجزم وما ذكرته ليس من الجزم في شيء. وعن الخامس: أنه لو وقع التغيير في هذه اللغة لاشتهر، ونقضه بمعجزات الرسول وأن الإقامة فرادى أو مثناة فسيجيء الجواب عنه في باب الأخبار إن شاء الله تعالى.

стр. 371

أما الذي احتج به القائلون بالاصطلاح فالجواب عما تمسكوا به أولا: أن الحجة إنما تتم، لو لم يحصل التوقيف إلا ببعثة الرسل وذلك ممنوع. وعن الثاني: أنه تعالى خلق فيهم علما ضروريا بأن واضعا وضع هذه الألفاظ بازاء تلك المعاني وإن كان لا يخلق فيهم العلم بأن ذلك الواضع هو الله تعالى، سلمنا أنه تعالى يخلق فيهم العلم بأن ذلك الواضع هو الله تعالى فلم قلت إنه باطل؟! قوله لأنه ينافي التكليف: قلنا: إنه ينافي التكليف بمعرفة الله تعالى ولا ينافي التكليف بسائر الأشياء. سلمنا أنه لا يخلقه في العاقل فلم لا يخلقه في غير العاقل ولم لا يجوز في المجنون أن يعلم بالعلم الضروري بعض الأحكام الدقيقة؟! فهذا هو الجواب عن وجوه القاطعين، ومتى ظهر ضعفها وجب التوقف والله أعلم. قال القرافي ك فائدة: قال ابن حزم: اللغات أصلها لغة واحدة ، وإنما

стр. 372

اختلفت باختلاف البلاد، والتعبيرات في الإستعمال، فالسريانية أصل العربية والعبرانية، وأول من تكلم بهذه العربية إسماعيل ﵇، فهي لغة ولده، والعبرانية لغة إسحاق ﵇، ولغة ولده، والسريانية كانت لغة إبراهيم ﵇. قوله: "عباد بن سليمان الصيمري " وقع في النسخ الصيمري، والصيميري، فالأول منسوب إلى صيمر ضيعة في آخر عراق العجم، وأول عراق العرب قريب من ادينور، والصحيح فتح الميم. وقيل بضمها صيمري. والثاني منسوب إلى "ضمرة" قبيلة من العرب، والذي وجدته في التواريخ هو الأول بالصاد المهملة والميم لا بالضاد المعجمة. قالوا: وكان عباد من المعتزلة حتى كان بعض الملوك يقصد الإجتماع به، وهو يمتنع، فوجده يوما في الطريق فقال له: سل مني حاجة، فقال له: ألا أراك بعدها. وقال بعض المؤرخين: سلمان بغير ياء، وأن سليمان خطأ. وقال المرزباني في كتابه ((تاريخ المتكلمين)): سلمان ويغره نقله كذلك

стр. 373

بغير ياء، ولم أره في جميع ما رأيته من نسخ "المحصول" وغيره من كتب الاصول إلا بالباء باثنين من تحتها، قالوا: وكنيته أبوسهل. والأشعري منسوب إلى أبي موسى الأشعري، وأبو موسى من الأشعريين قبيلة منسوبة إلى "أشعر" من قدماء الجاهلية، مسيت ذريته به، ذكره ابن إسحاق في "السيرة". وابن فورك عند المحدثين بضم الفاء، وهوأفصح، وهومن العلماء الجلة في المعقول والمنقول. ومذهب عبَّاد في هذه المسألة هل هو قسيم لمذاهب الجماعة معه حتى لا يشترط الوضع أصلا وهو صعب؟ فإن أهل كل لغة يتكلمون في كل معنى

стр. 374

بلفظ غير اللفظ الذي يتكلم به غيرها، ويبعد بعدا شديدا أن هذه الألفاظ اختصت بهذه المسميات من غير واضع، بل طارت مثل العصافير وارتشقت في هذه المسميات، بل الذي يقتضيه حال مذهبه أنه فرع على مذهب من يعتقد أن الحروف مشتملة على الحرارة ولابرودة والرطوبة واليبوسة والخواص الغريبة، وتصلح للمداوة من الأمراض كالعقاقير، ولدفع السموم كالترياقات، وتحدث الأمراض العظيمة إذا استعمل حارها المحررون، وباردها المبرودون، وغير ذلك مما نسبوه لها من الطعوم والخواص العجيبة مما هو مسطور في كبهم مبسوط، فعلى هذا يقول عباد: الواضع حكيم فيضع لكل مسمى من الألفاظ ما يناسبه في مزاجه وتركيبه في كل لغة، وهذا عساه يقرب من العقل. وأما الاستغناء عن الوضع بالكلية فصعب التصور، وعلى هذا يكون الواضع هو الله تعالى، أو غيره على الخلاف، فيكون قسما مما معه من المذاهب لا قسيما لها، وكلام المُصَنَّف محتمل لجميع ذلك، فإنه إنما قسم الإفادة، والإفادة قد تكون بالذات من غير وضع، كدلاله السواد على الجسم، والعلم على الحياة، وقد يكون بالوضع كاللغات، ويحكى عن بعضهم أنه كان يدعى أنه يعلم المسميات من الأسماء مع الجهل بالوضع، فقيل له: ما تقول في قولنا: ادعاع بالبربية هو اسم أي شيء؟ فقال: أجد فيه يبسا شديدا وأراه اسم الحجر، وهو كذلك عند البربر. وقوله: " إن دلالة الألفاظ لو كانت ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي ولا اهتدي كل أحد إلى لغة " لا يتم، فإن الشيء إذا كان يقتضي الشيء لذاته قد يكون ذلك الإقتضاء ضروريا كاقتضاء السيف القطع بما فيه من الحدة، وقد يكون نظريا كاقتضاء ماء الهِنْدِبَا تفيتح سدد الكبد، فإنه لا يطلع على

стр. 375

حقيقته إلا الأطباء، وقد لا يكون ضروريا ولا نظريا كاقتضاء المغنطيس جر الحديد، فإن الفرق بينه وبين سائر الأحجار لا يمكن العقل أن يهتدي إليه بالنظر. وإذا تقرر أن الإقتضاء الذاتي أعم من كل واحد من الثلاثة، فجاز أن يكون من قبيل النظر الدقيق الذي لا يعرفه إلا بعض الفضلاء المطلعون على أسار الحروف، ومناسبات الكلام، أو من قبيل ما لا يهتدي إليه بالعقل أبتة، فلا يلزم أن يهتدي كل أحد إلى معرفة كل اللغات، بل ذلك للعالم بتلك الأسرار فقط، وإنما يلزم ذلك أن لو كان ذلك الإقتضاء ضروريا كمضادة السواد البياض، فغن كل آدمي يعل ذلك؛ لأنه ضروري. وقول عباد: ((لو لم يكن بين الأسماء، والمسميات مناسبة لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجحيا من غير مرجح)) عليه سؤالان: الأول: أن المناسبة إن أريد بها مناسبة ضرورية أو نظرية، لم يلزم من عدمها الترجحي من غير مرجح؛ لجواز وقوع مرجح بمناسبة من القسم الثالث، وهو الذي لا يهتدي إليه العقل ألبتة. وإن أراد بها مناسبة غير ضرورية، ولا نظرية فمن أين اهتدى هو إليها حتى

стр. 376

يدعيها؟ فإن ما هذا شأنه إنما يعرف بجريان العادة بظهور آثار خاصة، كما في المغنطيس، ولو ظهرت آثار خاصة لشاركناه نحن فيها، كما اشترك الناس كلهم في معرفة خاصية المغنطيس، وعلموا أن ثم معنى اختص به دون غيره. الثاني: لا نسلم أنه يلزم من عدم مطلق المناسبة الترجيح من غير مجرح؛ لجوازم أن يكون المرجح خطور هذا الاسم بالبال دون غيره، أو أنه خطر بالبال مع غيره، والإرادة عينت أحدهما للوضع دون الآخر، كما أن الله - تعالى - بكل شيء عليم، وخصص كل جزء من أجزاء العالم بزمان وحالة وهيئة دون غيرها مما هو قابل لجمعيها؛ لأن الإرادة شأنها لذاتها ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير احتياجها إلى مرجح ألبتة، وهذه خاصيتها لذاتها قديمة كانت أو حادثة، كما أن العلم خاصيت لذاته الكشف كان قديما أو حادثا، من غير مرجح يرجح له ذلك، أو يكون المرجح غير الإرادة بأن يستحضر الواضع لاأسماء، ويقول: إن كان أول شيء أراه من جهة المشرق كذا سميته بكذا دون غيره، كما حكى ذلك عن العرب أنها كانت تسمي باسم أول شيء يطلع عليها، ولذلك سمت بثعلبة وكليب وعجل وأسد ونحوها من الوحوش، أو يقول: أحد الأمرين لازم إما فساد كلام الإمام، أو كلام عباد؛ لأن عباد إن أراد مطلق المناسبة بطل كلام الإمام لما تقدم، وإن أراد مناسبة خاصة بطل كلام عباد ز وقله: " لو جمع أطفال بحيث لا يسمعون شيئا حتى يكبروا حدثت بينهم لغة " قال بعضهم: إذا كانوا معتدلي الأمزجة، والأخلاق، والخلق كانت تلك اللغة هي السريانية؛ لأنها اللغة الطبيعية، وإن بعضها يظهر في ألسينة الأطفال عند بدء نشوئهم. وقوله: " التكلم بالأسماء وحدها متعذر " إنما يدل أن لو كان المقصود

стр. 377

تعليم آدم الأسماء لتستقل بها مقاصده، وهذا ما دل عليه دليل، لا الآية ولا غيرها، فلعله علمه الأسماء وحدها ووكل الأفعال والحروف للاصطلاح، وبعد ذلك يقدر على التكلم. وقوله: (التكلم بها متعذر) إما ألا نسلمه لصحة التكلم بقولنا: زيد قائم، ونحوه من كل جملة اسمية، وهي لا تحصى عددا، أو نسلمه، ونمنع أنه مقصود في التلعيلم المذكور في الآية. فإن قلت: الوضع كما كان في المفردات كان في المركبات، ونسبة المفرد إلى المعنى المفرد كنسبة اللفظ المركب إلى المعنى المركب، فالأسماء يندرج فيها الجيمع، لأنها تسمو بالمفردات والمركبات من حضيض الجهل إلى يقين العلم. قلت: لا نسلم أن الوضع وقع في المركبات، فإنه مختلف فيه، سلمناه لكن لفظ الاسم ظاهر في المفرد دون المركب. قوله: وقوله تعالى: ((ومن آيات خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم)) وجه الدليل منه أنه تعالى جعله من جملة آياته المضافة إليه فتختض به. ويرد عليه أن النحاة قالوا: العرب تكتفي بالإضافة بأدنى ملابسة فنقول: طلع كوطب زيد، إذا كان يسافر عند طلوعه، ونحو ذلك، فيكفي في صحة الإضافة إلى الله تعالى، كونه خلق من يضعها إن كان المراد هو اللغات. وقوله: ينتقض بمعجزات الرسول ﷺ وتكون الإقامة مثنى، وفرادى ووعد بالجواب عنه، من أحسن ما قيل فيه: أن الأمة

стр. 378

..................................................................

стр. 379

اكتفت بالقرآن عن سائر المعجزات، فلذلك لم يشتهر غيره، وأن الإفراد وغيره وقع في الإقامة، فلذلك نقل الجميع ووقع الخلاف لاختلاف النقل. وقوله: ((لو كانت اللغة توقيفية لزم الدور)). مراده لزم الدور في ذلك الرسول الذي يأتي للخلق بتعليم اللغات وحده، دون غيره من الرسل، لأن الآية اقتضت كما قال تقدم اللغة على البعثة، فتكون اللغة متقدمة على بعثة الرسول، وبعثته منتقدمة على اللغة، لأنه معلمها، فيلزم الدور، وأما غيره من الرسل فلم يقصده، وإنما استفيد من عموم الآية كل رسول حتى يندرج ذلك الرسول في الحكم، ثم الآية ليس فيها ما يقتضي التقدم، فإن الباء لم يقل أحد: إنها للتقدم، بل الذي يصح منها هاهنا: إما السببية نحو سعدت بطاعة الله تعالى، أو المصاحبة نحو: خرج زيد بثيابه، أي: مصاحبا لها، وعلى التقديرين لا يلزم الدور. أما السببية: فيكون الرسول جاء بسبب تعليمهم اللغة، فتكون اللغة متأخرة عن البعثة على التقديرين فلا دور. أما على تقدير المصاحبة: فتكون اللغة مقارنة للبعثة مع أن التقدير الآخر يقتضي تقدم البعثة فيلزم محال آخر، وهو مقارنة المتقدم لا الدور، وإنما حسن استدلاله في هذه الآية أن المفهوم من السياق تقدم اللغة على البعثة، وبدليل قوله بعد ذلك: ((ليبين لهم)) أي: أرسلناه إليهم بلغتهم ليقع منه البيان لهم بغير كلفة.

стр. 380

((فائدة)) قال المازري: فائدة الخلاف في هذه المسألة تظهر في جواز قلب اللغة ، فأما ما يتعلق بالأحكام الشرعية التي مستندها الألفاظ، فمتى غيرت اختلطت الأحكام وفسد النظام، فهذا الاختلاف في تحريم قلبه، لأجل ما يؤى إليه لا لأجل نفسه، وما لا تعلق له بالشرع، فقال بعضهم: إن قالنا: إن اللغة توقيقة امتنع تغييرها، فلا يسمى الثور فرسا، والفرس دارا، والقائلون بالاصطلاح لا يمنعون ذلك، وعلى القول بتجويز الأمرين فجوز بعضهم التغيير كالقول بالاصطلاح، ومنعه أو عثمان الصابوني، لاحتمال التوقيف، وأن الله - تعالى - أوجب على السامعين ألا ينطقوا إلا بالموضوع الرباني، وقال: هو بعيد. وقال الغزالي في كتاب ((النكاح)) في ((البسيط)): إذا أظهر في الصداق ألفين، وعبروا بهذا اللفظ عن ألف في الباطن، فخرج جواز ذلك على كون اللغة توقيفية أو اصطلاحية. ((فائدة)) قوله الذي اعتمد عليه ابن متوتة يقال: متويه، وهو الأصل مثل

стр. 381

سيبويه ونفطويه وعمرويه وحمويه مركب من اسم وصوت، وغير أن المحدثين كرهوا النطق ب ((ويه))، لأن كلام فيه حزم وإشعار بمكروه، فقالوا: متوته بالتاء باثنتين من فوقها، وعليه إشكال أن التاء لم تكن في أصل الاسم، فكان ينبغي أن يقولوا: متويه بالهاء المفتوحة، ولا يغيروه، وجوابه أن اللفظ العجمي شأن العرب التلاعب به وتغييره، وهذا نوع آخر من التغيير، فلا نخطيء المحدثين. وقله: (التعليم فعل صالح للعلم لا إيجاد العلم). يرد عليه أن أصل علّم بالتشديد علم بالتخفيف، ثم تعدى بالتشديد، أو بالهمزة إلى مفعول آخر، ولاأصل في التعيدة أني بقى معنى الأصل، والأصل في قولنا: علم بالتخفيف وجود العلم، فلذلك علم وأعلم، أي: حصل لغيره العلم، وإذا كان هذا خبرا عن وجود العلم وخبر الله - تعالى -

стр. 382

يجب أن يكون صدقا، فيكون اللعم وجب لآدم جزما، ويبعد حمله على الإلهام. وأما قوله: علمته فما تعلم، هذا لفظ فيه قرينة تصرف اللفظ عن حقيقته، بقوله: فما تعلم، والأصل في الآية أن يكون لفظها حقيقة لا مجازا. قوله: ((عرفه أن الخيل تصلح للكر والفر، وكل ما يعرف ماهيته كان اسما)). قلنا: يقال: سما بها فهو سامٍ على وزن اسم الفاعل، أما اسم على وزن فعل فممنوع، والذي في الآية صيغة أسماء جمع اسم لا جمع سام. وقوله: ((إن الحجة إنما تتم لو لم يحصل التوقيف إلا ببعثة الرسل وهو ممنوع)). تقريره: أن يجوز أن يخلق الله - تعالى - علما ضروريا للخلق بأن واضعا وضع هذه اللغات من غير بعثة. ((فائدة)) قال سيف الدين: ذهب أراب علم التكسير، وبعض المعتزلة إلى أن دلالة الألفاظ على معانيها لمناسبة طبيعية بين اللفظ ومعناه، ويريد بأرباب علم التكسير أهل العلم الرياضي من الهندسة، وفنون الحساب، والمساحة، وبعض المعتزلة: ((عباد)) قال: ولا وجه للمناسبة؛ لأنا نعلم بالضرورة أن الواضع لو وضع لفظ الوجود ابتداء للعدم، ولفظ العدم للوجود لما امتنع، كما قد وضع لظف الجوز للأبيض، وضده، وهو الأسود، ولااسم الواحد لا يكون بطبعه مناسبا للضدين، بل المخصص هو إرادة الواضع،

стр. 383

والوضع اختياري، واتفقوا على أن وضع الأعلام تكفي فيه الإرادة، وهذا الكلام يشعر بأن المناسبة التي أراد عباد اعتبرها الواضع كما تقدم، لا أنها كافية، فلا يكون مذهب عباد قسما، بل هو داخل في أحد تلك المذاهب كما تقدم، ويبقى مذهبه هو هو مبني على أن الواضع هو الله - تعالى - أو الخلق أو البعض؟ يحتمل جميع ذلك، ويفتقر إلى نقل، وما تيسر لي تحقيقه مع كثرة ما جمعت لهذا الشرح من التصانيف الأصولية.

стр. 384

النظر الثالث في البحث عن الموضوع اعلم أن الانسان الواحد لما خلق بحيث لا يمكنه أن يستقل وحده باصلاح جميع ما يحتاج إليه فلا بد من جمع عظيم ليعين بعضهم بعضا حتى يتم لكل واحد منهم ما يحتاج إليه ف احتاج كل واحد منهم إلى أن يعرف صاحبه ما في نفسه من الحاجات. وذلك التعريف لا بد فيه من طريق وكان يمكنهم أن يضعوا غير الكلام معرفا لما في الضمير كالحركات المخصوصة بالأعضاء المخصوصة معرفات لأصناف الماهيات إلا أنهم وجدوا جعل الأصوات المتقطعة طريقا إلى ذلك أولى من غيرها لوجوه: أحدها: أن ادخال الصوت في الوجود أسهل من غيره؛ لأن الصوت إنما يتولد في كيفية مخصوصة في اخراج النفس وذلك أمر ضروري فصرف ذلك الأمر الضروري إلى وجه ينتفع به انتفاعا كليا أولى من تكلف طريق آخر قد يشق على الانسان الإتيان به. وثانيها أن الصوت كما يدخل في الوجود ينقضي فيكون موجودا حال الحاجة ومعدوما حال الاستغناء عنه وأما سائر الأمور فإنها قد تبقى وربما يقف عليها من لايراد وقوفه عليها.

стр. 385

وأما الإشارة فإنها قاصرة عن إفادة الغرض فإن الشيء ربما كان بحيث لا يمكن الاشارة إليه حسا كذات الله تعالى وصفاته. وأما المعدومات فتعذر الاشارة إليها ظاهر. وأما الأشياء ذوات الجهات فكذلك أيضا لأن الاشارة إذا توجهت إلى محل فيه لون وطعم وحركة لم يكن انصرافها إلى بعضها أولى من البعض. وثالثها أن المعاني التي يحتاج إلى التعبير عنها كثيرة جدا فلو وضعنا لكل واحد منها خاصة لكثرت العلامات بحيث يعسر ضبطها أو وقوع الاشتراك في أكثر المدلولات وذلك مما يخل بالتفهيم. فلهذه الأسباب وغيرها اتفقوا على اتخاذ الأصوات المتقطعة معرفات للمعاني لا غير. قال القرافي: النظر الثالث في البحث عن الموضوع: اعلم أنّ الإنسان الواحد لما خلق بحيث لا يمكنه أني ستقل وحده بغصلاح جميع ما يحتاج إليه، فاحتاج كل واحد منهم إلى أن يعرف صاحبه مافي نفسه من الحاجات. وذلك الترعيف لا بد فيه من طريق، وكان يمكنهم أن يضعوا غير الكلام معرفا لما في الضمير كالحركات المخصوصة بالأعضاء المخصوصة معرفات لأصناف الماهيات إلا أنهم وجدوا جعل الأصوات المتقطعة طريقا إلى ذلك أولى من غيرها لوجوده: أحدها: أن إدخال الصوت في الوجود أسهل من غيره، لأن الصوت إنما يتولد في كيفية مخصوصة في إخراج النفس؛ وذلك أمر ضروري، فعرف

стр. 386

ذلك الأمر الضروري إلى وجه ينتفع به انتفاعا كليا أولى من تكلفة طريق آخر، قد يشق على الإنسان الإتيان به. وثانيها: أن الصوت كما يدخل في الوجود ينقضي فيكون موجودا حال الحاجة، ومعدوما حال الاستغناء عنه، وأما سائر الأمور فإنها قد تبقى، وربما يقف عليها من لا يراد وقوفه عليها، وأما الإشارة فإنها قاصرة عن إفادة الغرض، فإن الشيء ربما بحيث لا يمكن الإشارة إليها ظاهر، وأما الأشياء ذوات الجهات فكذلك أيضا، لأن الإشارة إذا توجهت إلى حل فيه لون، وطعم، وحركم لم يكن انصرافها إلى بعضها أولى من البعض. وثالثها: أن المعاني التي يحتاج إلى التعبير عنها كثيرة جدا، فلو وضعنا لكل واحد منها علامة خاصة لكثرت العلامات بحيث يعسر ضبطها، أو وقوع الإشتراط في أكثر المدلولات [وذلك مما يخل بالتفهيم].

стр. 387

النظر الرابع في البحث عن الموضوع له وفيه أبحاث أربعة الأول الأقرب أنه لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ يدل عليه بل ولا يجوز لأن المعاني التي يمكن أن يعقل كل واحد منها غير متناهية فلو وجب أن يكون لكل معنى لفظ يدل عليه لكان ذلك إما على الانفراد أو على الاشتراك والأول باطل لأنه يفضي إلى وجود ألفاظ غير متناهية. والثاني باطل أيضا لأن تلك الألفاظ المشتركة إما أن يوجد فيها ما وضع لمعان غير متناهية أو لا يكون كذلك والأول باطل لأن الوضع لا يكون إلا بعد التعقل وتعقل أمور غير متناهية على التفصيل محال في حقنا وإذا كان كذلك امتنع منا وقوع التخاطب بمثل ذلك اللفظ. والثاني يقتضي أن تكون مدلولات الألفاظ متناهية لأن الألفاظ إذا كانت متناهية ومدلول كل واحد منها متناه فضم المتناهي إلى المتناهي مرات متناهية لا يفيد إلا التناهي فكان الكل متناهيا فمجموع ما لا نهاية له غير مدلول عليه بالألفاظ. إذا ثبت هذا الأصل فنقول: المعاني على قسمين منها ما تكثر الحاجة إلى التعبير عنه ومنها ما لا يكون كذلك.

стр. 388

فالأول لا يجوز خلو اللغة عن وضع اللفظ بازائه لأن الحاجة لما كانت شديدة كانت الدواعي إلى التعبير عنها متوفرة والصوارف عنها زائلة ومع توفر الدواعي إلى التعبير عنها وارتفاع الصوارف يجب الفعل. وأما الأمور التي لا تشتد الحاجة إلى التعبير عنها فإنه يجوز خلو اللغة عن الألفاظ الدالة عليها. البحث الثاني: في أنها ليس الغرض من وضع اللغات أن تفاد بالألفاظ المفردة معانيها. والدليل عليه أن إفادة الألفاظ المفردة لمسمياتها موقوفة على العلم بكونها موضوعة لتلك المسميات المتوقف على العلم بتلك المسميات فلو استفيد العلم بتلك المسميات من تلك الألفاظ المفردة لزم الدور. بل الغرض من وضع الألفاظ المفردة لمسمياتها تمكين الانسان من تفهم ما يتركب من تلك المسميات بواسطة تركيب تلك الألفاظ المفردة. فان قلت: ما ذكرته في المفردات قائم بعينه في المركبات لأن المركب لا يفيد مدلوله إلا عند العلم بكون ذلك اللفظ المركب موضوعا لذلك المدلول وذلك يستدعي سبق العلم بذلك المدلول فلو استفيد العلم بذلك المدلول من ذلك اللفظ المركب لزم الدور. قلت لا نسلم أن الألفاظ المركبة لا تفيد مدلولها إلا عند العلم بكون تلك الألفاظ المركبة موضوعة لذلك المدلول. بيانه أنا متى علمنا كون كل واحد من تلك الألفاظ المفردة موضوعا لتلك

стр. 389

المعاني المفردة وعلمنا أيضا كون حركات تلك الألفاظ دالة على النسب المخصوصة لتلك المعاني فاذا توالت الألفاظ المفردة بحركاتها المخصوصة على السمع ارتسمت تلك المعاني المفردة مع نسبة بعضها إلى بعض في الذهن ومتى حصلت المفردات مع نسبها المخصوصة في الذهن حصل العلم بالمعاني المركبة لا محالة. فظهر أن استفادة العلم بالمعاني المركبة لا تتوقف على العلم بكون تلك الألفاظ المركبة موضوعة لها والله أعلم البحث الثالث: في أن الألفاظ ما وضعت للدلالة على الموجودات الخارجية بل وضعت للدلالة على المعاني الذهنية والدليل عليه أما في الألفاظ المفردة فلأنا إذا رأينا جسما من بعيد وظنناه صخرة سميناه بهذا الاسم فإذا دنونا منه وعرفنا أنه حيوان لكنا ظنناه طيرا سميناه به فإذا ازداد القرب وعرفنا أنه انسان سميناه به فاختلاف الأسامي عند اختلاف الصور الذهنية يدل على أن اللفظ لا دلالة له إلا عليها وأما في المركبات فلأنك إذا قلت قام زيد فهذا الكلام لا يفيد قيام زيد وإنما يفيد أنك حكمت بقيام زيد وأخبرت عنه ثم إن عرفنا أن ذلك الحكم مبرء عن الخطأ فحينئذ نستدل به على الوجود الخارجي فأما أن يكون اللفظ دالا على ما في الخارج فلا والله أعلم. البحث الرابع: في أن اللفظ المشهور المتداول بين الخاصة والعامة لا يجوز أن يكون موضوعا لمعنى خفي لا يعرفه إلا الخواص مثاله ما يقوله مثبتو الأحوال من المتكلمين أن الحركة معنى يوجب للذات كونه متحركاً.

стр. 390

فنقول المعلوم عند الجمهور ليس إلا نفس كونه متحركا فأما أن متحركيته حالة معللة بمعنى وأنها غير واقعة بالقادر فذلك لو صح القول به لما عرفه إلا الأذكياء من الناس بالدلائل الدقيقة ولفظة الحركة لفظة متداولة فيما بين الجمهور من أهل اللغة. وإذا كان كذلك امتنع أن يكون موضوعا لذلك المعنى بل لا مسمى للحركة في وضع اللغة إلا نفس كون الجسم منتقلا لا غير والله أعلم. قال القرافي: وفيه أبحاث البحث الأول: لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ إلى آخره، عليه أربعة أسئلة: الأول: على قوله: (بل ولا يجوز أن يكون لكل معنى لفظ)). قلنا: لأنه يجوز أن يكون الواضع هو الله تعالى، وعلمه متعلق بما لا يتناهى، فيعلم من الألفاظ ما لا يتناهى، فيجعل بإرادته لكل معنى لفظا في علمه من غير أن يعلم بذلك الخلق، فإذا أراد الله تعالى إفهام بعض ذلك لخلقه أعلمه بالوحي أو بعلم ضروي. الثاني: سلمنا أن الواضع هو الخلق، لكن لا نسلم الإمتناع. قوله: (المعاني التي يمكن أن يعقل كل واحد فيها غير متناهية)). قلنا: ما لا يتناهى له تفسيران: أحدهما: ما ليس له غاية ولا طرف، كقولنا: معلومات الله غير متناهية وكقول الفلاسفة: الحوادث غير متناهية من جهة الأول.
следующие страницы →