← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

الصبي في ماله كيف نتصور ابتداء إيجاب إخراج مال الصبي على الولي؟ فإذا لا حكم لهذا العقد في الحال، والنكاح لا يقبل التعليق لينعقد مفيدا لجواز الوطء بعد البلوغ، ثم يلزم منه ألا يتوارثا قبل البلوغ، وألا تحرم الصغيرة على أب الصغير إذا مات قبل نفوذ النكاح. فإن قيل: ما أثبتموه من المعاني المقدرة إن كانت نفيا محضا، فليست بشيء. أو ثبوتيا، فهل هو معلوم محقق أو متخيل موهوم؟ فإن كان الأول: فقد تجدد في المحل صفة حقيقة معقولة، وهو معلوم البطلان بالضرورة. وإن كان الثاني: فو وهم كاذب، وفتح هذا يؤدي إلى التشكيك في الضروريات. قلنا: المقدر ينقسم إلى: ما سبق العلم به قبل التقدير، وما لم يسبق العلم به. والذي يسبق العلم به ينقسم إلى: ما يحس به، وما لا يحس به. والأول ينقسم إلى: الأجسام، والأعراض. أم الأجسام: فكالمبيع المقدر بقاؤه بعد تلفه قبل القبض، والنصاب المقدر بقاؤه بعد الإتلاف عند الحنفي. [وأما] الأعراض: فكالأقوال، وعقود التصرفات، والنية المستصحبة في العبادات. فأما ما لا يحس، فينقسم إلى: معقول، ومشروع. فالمعقول: كالحياة المقدرة في النطفة، والموت المقدر في المرتد. والمشروع: كتقدير بقاء الملك في معجل الزكاة، فهو تقدير مقدر في

стр. 3467

نفسه، وتقدير الدراهم دينا هل هو تصور حقائقها لتعلق الاستحقاق بها؛ فيكون من المعقول؟ أو تقدير أعيانها؛ فيكون من المحسوس؟ فيه خلاف، وأما ما لم يسبق العلم به قبل التقدير، فكثبوت الملك، والاستحقاق، والتخصيصات، وسائر أحكام الشرع من الطهارة، والنجاسة، والزوجية، والعصمة، والمقصود أن ما يرجع إلى ما سبق العلم به، فحاصل تقديره يرجع إلى تصوير حقيقته حال عدمه في بناء أحكامه عليه، وليس ذلك وهما كاذبا، فإن الوهم هو الذي يغالط فيه قوة الوهم قوة العقل مع شعوره بعدمها لا الوهم، وصور المعقولات لا ينكر خطورها للنفس، ولكن قد تقتضي المحبة أو التعظيم تأثر النفس بتصورها حسب تأثيرها بتحققها، فكذلك في الشرع مثلا خلوص النية حال تحققها يشعر بالاستمرار، والتجديد في كل لحظة، لولا العجز البشري والغفلة المستولية، فراعي الشارع ذلك الإخلاص في مقتضاه بتصويره على الدوام، حتى يرتب عليه حكمه، ويتصل بمقصوده. وأما ما يرجع إلى ما لم يسبق العلم به قبله، فهو إثبات حالة مضاهية في العقل للعالمية والقادرية، وكون الجوهر متحيزا، وفي العرف يضاهي الجهة والعظمة، والوقار، والمهانة، والحقارة، ولا شك أن لها أسبابا وآثارا، وهي وسائط بين الآثار والأسباب، وليست عين السبب، ولا عين الأثر، والمنكر للمعاني إذا نظر في مناظر العقل بعين الإمكان، بنبغي أن يطالب بتطبيقها على [الأحوال التي هي أحكام المعاني، لا] نفس المعاني؛ فإن ذلك صول، بل إذا أرسلنا طلاب الحقاق في مجاري ضيق العبارة، قلنا لهم: ما معني التعلق الذي جعلتموه جزء ماهية الحكم؟

стр. 3468

أهو ثبوتي زائد على نفس الفعل والخطاب أم لا؟ فإن كان، فهل له تعلق بهما أو بأحدهما؟ فإن لم يكن، فليس بمؤثر فيهما. وإن كان، فهو إذا صفة حقيقة ثابتة للفعل من الخطاب، أو الخطاب من الفعل، أولهما، وإن لم يكن ثبوتيا، فهو وهم كاذب. قلت: التعلق من باب النسب والإضافات التي لا وجود لها في الأعيان، وهو حكم ثابت قطعا، كالحكم بالبنوة والأبوة، والتقدم والتأخر في بعض الحقائق، وإن كانت نسبة عدمية. وقوله قبل: (هذا الكلام متعلق بالقوة كالقدرة) لا يصح، بل بالفعل كالعلم، وكما يخيل العقل ف الأزل علما بلا معلوم، يخيل أمرا بلا مأمور، ونهيا بلا منهي. وكما أن تعلق العلم في الأزل فعلي، فكذلك أنواع الكلام، وقد تقدم تقريره. ***

стр. 3469

المسألة الثانية عشرة قال الرازي: ها هنا أبحاث: الأول: العلة قد يكون لها حكم واحد، وهو ظاهر، وقد يكون حكمها أكثر من واحد، وتلك الأحكام: إما أن تكون متماثلة، أو مختلفة غير متضادة، أو مختلفة متضادة: فالأول إما أن يكون في ذات واحدة، أو في ذاتين: والأول محال؛ لامتناع اجتماع المثلين، والثاني جائز، وهو: كالقتل الذي حصل بفعل زيد وعمرو؛ فإنه يوجب القصاص على كل احد منهما. وأما الثاني: وهو أن توجب أحكاما مختلفة، غير متضادة فهو جائز؛ كتحريم الإحرام، ومس المصحف، والصوم والصلاة بالحيض. وأما الثالث: وهو أن توجب العلة أحكاما متضادة، فلا يخلو: إما أن يتوقف إيجابها لها على شرط، أو لا يتوقف. فإن كان الأول: فالشرطان: إما ألا يجوز اجتماعهما، أو يجوز: فإن لم يجز، جاز أن تكون العلة موجبة لحكمين متضادين، عند حصول شرطين لا يجتمعان، وإن كان يجوز اجتماعهما، فهو محال؛ لأنهما إذا تقتضيهما جميعا؛ وهو محال، أو لا تقتضي واحدا منهما، وحينئذ تخرج العلة عن أن تكون علة، وبهذا البيان: يظهر أيضا أنه لا يجوز أن يتوقف اقتضاء العلة معلوليها المتضادين على شرط.

стр. 3470

الثاني: من شرط العلة اختصاصها بمن له الحكم، وإلا لم يكن اقتضاء حصول الحكم لشيء أولى من اقتضائه لغيره. الثالث: أن اقتضاءها معلولها قد يكون موقوفا على شرط؛ مثل الزنا؛ فإنه لا يوجب الرجم إلا بشرط الإحصان، وقد لا يكون؛ وهو ظاهر. الرابع: العلة قد تكون علة لإثبات الحكم في الابتداء؛ كالعدة في منع الحل، وقد تكون علة في الابتداء والانتهاء؛ كالرضاع في إبطال النكاح، وقد تكون العلة قوية على الدفع، لا على الرفع؛ مثل العدة والردة؛ فإنهما يدفعان النكاح، ولا يرفعانه، وقد تكون قوية عليهما معا. المسألة الثانية عشرة العلة يكون لها حكم وحكمان قال القرافي: قوله: (إن جاز اجتماع الشرطين فهو محال): قلنا: قد يجوز اجتماعهما، وإذا وقع الاجتماع امتنع إيجاب العلة للضدين، وتعين الترجيح، فيقضي المجتهد بلزوم الراجح منهما؛ لاستحالة اقتضاء العلة لها، وإن لم يجتمع الشرطان قضي بوقوع ما حصل من شرطه. فالقول بأن ذلك محال مطلقا باطل.

стр. 3471

وهذا بخلاف اقتضائها لهما بشرط واحد؛ لتعذر الترجيح دائما، والمرجوح دائما لا عبرة به، بخلاف الشرطين أمكن أن يقضي بوقوع المرجوح إذا حصل شرطه وحده. قوله: (قد تكون علة لإثبات الحكم في الابتداء كالعدة): قلنا: العدة من قبيل الموانع التي تقتضي العدم لا الإثبات، وكذلك الرضاع. قال العلماء تقسيما أوجه من هذا، وهو أن الموانع الشرعية ثلاثة أقسام: منها ما يمنع ابتداء وانتهاء كالرضاع، يمنع ابتداء النكاح، ويقطعه بعد وقوعه. وما يمنع ابتداء فقط، كالاستبراء؛ فإنه يمنع ابتداء العقد، وإذا زنت امرأة أو أكرهت وجب استبراؤها، ولا يندفع النكاح. والثالث الذي اختلف فيه هل هو من الأول، أو الثاني؟ كالطول يمنع ابتداء النكاح على الأمة، وإذا طرأ بعده هل يبطل؟ خلاف، والماء بعد التيمم، والإحرام إذا طرأ ويده على الصيد، هل يمنع بقاء اليد كما يمنع ابتداءها؟ كل ذلك مختلف فيه، فهذا أشبه من تقسيمه. (سؤال) قال النقشواني: لم يبين أن العلة واحدة بالنوع، أو بالشخص ؛ فإن العلة الواحدة بالنوع يمكن أن توجب أحكاما متماثلة في المحل الواحد بالنوع وبالشخص- أيضا- في أوقات. وظاهر كلامه العلة الواحدة بالشخص، وبقى عليه من التقسيم إذا أوجبت حكمين متضادين، وأحدهما ليس له شرط ألبته، ولم يذكر هذا القسم. وقوله: (لابد من اختصاص العلة بمن له الحكم) يبطل بأن القتل الصادر

стр. 3472

من زيد يوجب سلطنة الطلب للولي، ولم تقم العلة به، ولا صدرت عنه، وقت الخطأ يوجب الدية على العاقلة. (فائدة) قال سيف الدين: اختلفوا في العلة الواحدة الشرعية، هل يكون لها حكمان شرعيان ؟ والمختار جوازه؛ لأنها أمارة، أو باعث، وذلك لا يمنع تعدد المدلول بتلك العلة، ويبعث الوصف الواحد على المختلفات، كالسكر للتحريم والتنجيس. ***

стр. 3473

المسألة الثالثة عشرة قال الرازي: قد يستدل بذات العلة على الحكم، وقد يستدل بعلية العلة على الحكم . فالأول: مثل أن يقال: (قتل عمد عدوان؛ فيكون موجبا للقصاص). والثاني أن يقال: (القتل العمد العدوان سبب لوجوب القصاص. وقد وجد؛ فيجب القصاص). فالأول صحيح، والثاني باطل؛ لأنه لا فرق بين ماهية القتل، وبين كونه سببا للقصاص؛ فإنه قد يفهم كونه قتلا مع الذهول عن السببية، وقد تفهم السببية مع الذهول عن كونه قتلا، والسببية أمر إضافي، والأمور الإضافية يتوقف ثبوتها على ثبوت كل واحد من المضافين؛ فدعوى كون القتل سببا لوجوب القصاص يتوقف على ثبوت القتل، وثبوت وجوب القصاص؛ لأن قولنا: (هذا سبب ذلك) يستدعي تحقق هذا، وتحقق ذاك؛ حتى يحكم على هذا بأنه سبب لذاك، وإذا كانت دعوى السببية متوقفة على ثبوت الحكم. أولا: فلو استفدنا ثبوت الحكم من ذكر السببية، لزم الدور؛ وإنه محال؛ فعلمنا أنه لا يمكن الاستدلال بعلية الوصف وسببيته على ثبوت الحكم. المسألة الثالثة عشرة قد يستدل بذات العلة على الحكم قوله: (الأمور الإضافية يتوقف ثبوتها على كل واحد من المضافين): قلنا: ظاهر هذه العبارة مشكل؛ فإن تعلق العلم بالمعلوم نسبة بين العلم والمعلوم، وقد يكون المعلوم مستقبلا معدوما لم تثبت حقيقته، وقد تكون

стр. 3474

النسبة بين أمرين مستحيلين لا ثبوت لهما، ولا يقبلان الثبوت، كالملازمة التي بين الشريك وفساد العالم، على تقدير عدم فساده؛ فإن اللازم- ها هنا- إنما هو الفساد على تقدير عدم الفساد، فاللازم اجتماع النقيضين، والملزوم الشريك، وكلاهما مستحيل. بل معنى هذا الكلام أن النسبة يتوقف ثبوتها على كون المنسوبين كذلك من الوجه الذي وقعت النسبة لهما. أما ثبوتها: فتعلق العلم بالمعلوم فرع ثبوت المعلوم على ما هو عليه ممكنا أو مستحيلا. والعلم بغروب الشمس اليوم فرع [تقرير] الغروب اليوم، وهو معنى قول العلماء: العلم تابع للمعلوم، أما الثبوت المحقق، فليس شرطا. (سؤال) قال النقشواني: كلامه متناقض ؛ لأنه قال: (السببية موقفة على ثبوت [الحكم]) وقال: (قد تعقل السببية بدون القتل، والقتل بدون السببية): جوابه: أن مرداه: أن السببية تعقل بدون القتل؛ لكون السببية عارضة لغير القتل من الجنايات، فلا تكون السببية حينئذ للقتل، بل لذلك الذي عرضت له.

стр. 3475

(تنبيه) زاد سراج الدين فقال: لقائل أن يقول: صدق قولنا: القتل سبب لوجوب القصاص لا يتوقف على وجوب القصاص . سلمنا: لكن لما فسرته [بالمعرف] انقطع الدور. قلت: النسبة كالتعريف سواء، فتعريف الشيء للشيء يقتضي نسبة بينهما متوقفة عليهما كما تقدم، فيعود الدور. ***

стр. 3476

المسألة الرابعة عشرة قال الرازي: تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي لا يتوقف على بيان ثبوت المقتضي لذلك الحكم ، وهذه المسألة من تفاريع جواز تخصيص العلة؛ فإنا إذا أنكرناه، امتنع الجمع بين المقتضي والمانع، أما إذا جوزناه، جاء هذا البحث. والحق أنه غير معتبر لدليلين. الأول: أن الوصف الوجودي إذا كان مناسبا للحكم العدمي، أو كان دائرا معه وجودا وعدما، حصل ظن أن ذلك الوصف علة لذلك العدم، والظن حجة. الثاني: أن بين المقتضي والمانع معاندة ومضادة، والشيء لا يتقوى بضده؛ بل يضعف به، وإذا جاز التعليل بالمانع حال ضعفه، فلأن يجوز ذلك حال قوته، وهو حال عدم المقتضي، كان أولى. واحتج المخالف بأمور: أحدها: أنا إذا عللنا انتقاء الحكم بالمانع، فالمعلل: إما عدم مستمر، أو عدم متجدد: والأول باطل؛ لأن العدم المستمر كان حاصلا قبل حصول هذا المانع، بل قبل الشرع، والحاصل قبل يمتنع تعليله بالحاصل بعد. والثاني: تسليم المقصود؛ لأن عدم الحكم لا يحصل فيه التجدد إلا إذا امتنع من الدخول في الوجود بعد أن كان بعرضية الدخول في الوجود، وذلك لا يتحقق إلا عند قيام المقتضي.

стр. 3477

وثانيها: أن انتفاء الحكم؛ لانتفاء المقتضي أظهر عند العقل من انتفائه لحصول المانع. وإذا كان كذلك، فإما أن يكون ظن تحقق انتفاء المقتضي مثل ظن تحقق وجود المانع، أو أقوى منه، أو أضعف منه: فإن كان الأول: امتنع تعليل عدم الحكم بوجود المانع؛ لأن عدم المقتضي ووجود المانع، لما استويا في الظن، واختص عدم المقتضي بمزية، وهي أن ظن إسناد عدم الحكم إليه أقوى من ظن إسناده إلى وجود المانع- كان ظن تعليل عدم الحكم بعدم المقتضي أقوى من تعليله بوجود المانع، والأقوى راجح؛ فيلزم ألا يجوز تعليل عدم الحكم بالمانع، وأما إن كان ظن عدم المقتضي أظهر، فالتقدير المذكور أظهر. وأما إن كان ظن عدم المقتضي مرجوحا بالنسبة إلى وجود المانع، فظن العدم إنما يكون مرجوحا، لو كان ظن الوجود راجحا، وذلك يدل على أن التعليل بالمانع يتوقف على رجحان وجود المقتضي، وهو المطلوب. وثالثها: أن التعليل بالمانع يتوقف على بيان المقتضي عرفا، فيتوقف عليه شرعا: أما الأول: فلأن من قال: (الطير إنما لا يطير؛ لأن القفص يمنعه) فهذا التعليل موقوف على العلم بكون الطير حيا قادرا؛ فإن بتقدير موت الطير يمتنع تعليل عدم الطيران بالقفص، وكذا من علل عدم حضور زيد في السوق بحضور غريم له هناك: لابد أن يبين أنه كان قادرا على الحضور؛ وإلا لما صح ذلك التعليل عرفا.

стр. 3478

وأما الثاني: فلقوله- ﵊: (ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا، فهو عند الله قبيحا). ورابعها: أن عدم المقتضي مستلزم لعدم الحكم، فلو حصل عدم المقتضي، لامتنع إسناد ذلك العدم إلى وجود المانع؛ لأن تحصيل الحاصل محال؛ فثبت أنه لابد من بيان وجود المقتضي. والجواب عن الأول: أن العلة الشرعية معرفة، والمعرف يجوز تأخيره عن المعرف. قوله: (إنما يصير الحكم شرعيا، إذا كان بحيث لو سكت الشرع، لما ثبت): قلنا: نحن لا نعني بكون هذا الانتفاء شرعيا، إلا أنه لم يعرف إلا من قبل الشرع؛ وذلك حاصل بدون ما قلتموه. وعن الثاني: أن مجرد النظر إلى وجود المانع يقتضي ظن عدم الحكم، بدون الالتفات إلى الأقسام الثلاثة التي ذكرتموها. وعن الثالث: أنا لا نسلم أن ظن إسناد عدم الحكم إلى وجود المانع يتوقف على العلم بوجود المقتضي عرفا؛ ألا إذا علمنا وجود سبع في الطريق، فهذا القدر يكفي في حصول ظن أنه لا يحضر، وإن كان لا يخطر ببالنا في ذلك الوقت سلامة أعضائه، بل نجعل ذلك القدر دليلا لنا ابتداء؛ فنقول: (مجرد النظر إلى المانع يفيد ظن عدم الحكم عرفا، فليفده شرعا؛ للحديث). وعن الرابع: أن ترادف الدلائل والمعرفات على الشيء الواحد لا نسلم أنه خلاف الأصل.

стр. 3479

(فرع) لو سلمنا أن التعليل بالمانع يتوقف على وجود المقتضي؛ لكن لا حاجة إلى ذكر دليل منفصل على وجود المقتضي، بل يكفي أن يقال: إما ألا يكون المقتضي موجودا في الفرع؛ وحينئذ يلزم عدم الحكم في الفرع، أو قد حصل المقتضي في الفرع؛ لكنه إنما ثبت فيه؛ تحصيلا لمصحلته، ودفعا لحاجته، وهذا المعنى قائم في الأصل؛ فيلزم ثبوت المقتضي في الأصل، وإذا ثبت ذلك، فقد صح جواز تعليل عدم الحكم فيه بالمانع. المسألة الرابعة عشرة تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي لا يتوقف على بيان ثبوت المقتضي. قال القرافي: قلنا: هذه المسألة المراد بها أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع لا يتوقف على ثبوت المقتضي، وعبارتها أوسع وأعم؛ فإن الحكم العدمي قد يكون لقيام المانع كما يقولون، وهو صورة النزاع- ها هنا- وقد يكون لعلة في الشرع نصبها الشرع أمارة على العدم؛ لأنها من قبيل الموانع كما في كل علة بنفي الحظر، كاختلاف الأجناس في الربا؛ فلا يحرم، وكذلك جميع علل الإباحة وانتفاء التكاليف. وكما انقسمت الأدلة إلى (النافي)، و (المثبت)، انقسمت العلل إلى النافي والمثبت، وهذا القسم ليس محل النزاع، إنما النزاع إذا علم من الشارع علة الثبوت، وحصل العدم في صورة تلك المادة التي شأنها الثبوت، هل يتوقف ذلك على قيام المانع أم لا؟ فقد أدرجتم في المسألة ما ليس منها. قوله: (المناسبة أو الدوران يفيد الظن، والظن حجة):

стр. 3480

قلنا: قد تقدم مرارا أن مطلق الظن ليس معتبرا شرعا، بل لم يعتبر الشرع إلا مراتب مخصوصة، فلم قلتم: إن هذه [المرتبة] منها؟ قوله: (بين المقتضي والمانع مضادة، فإذا جاز التعليل بالمانع حالة ضعفه بضده، فأولى حالة قوته بسلامته عن ضده): قلنا: ليس بينهما مضادة، بل التضاد بين أثريهما فقط. فإن الدين مع النصاب لا [يتناقضان]، بل وجوب الزكاة وعدم وجوبها. والحيض والزوال لا يتنافيان، بل وجوب الصلاة وعدم وجوبها. قوله: (انتفاء الحكم عند انتفاء المقتضي أظهر عند العقل)، ثم قال: (فإن استوي ظنه وظن وجود المانع ترجح عدم المقتضي):

стр. 3481

وهذا يقتضي ظاهره التناقض؛ فإنه فرض أولا الرجحان، ثم فرض التساوي، ثم قضى بالرجحان على تقدير التساوي. ومعناه: أن عدم المقتضي من حيث هو عدم المقتضي راجح في إضافة عدم الحكم إليه. هذا بالنظر إلى ذلك العدم من حيث هو. ثم الأمارات الدالة على هذا العدم قد تساوي الأمارات الدالة على وجود المانع، وقد ترجح، فيكون المتساوي باعتبار الأمارة الدالة على وقوع هذا العدم، والرجحان بالنسبة إلى ذات ذلك العدم من حيث هو هو. وقد يكون الدال على الراجح مرجوحا، والدال على المرجوح راجحا، كالحقيقة راجحة، ويرجح على دليلها دليل المجاز المرجوح، ونظائره كثيرة، فاندفع التناقض. قوله: (في قوله ﵇: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن): قلنا: قد تقدم أن الاستدلال بهذا الحديث مشكل من جهة أن المسلمين إنما رأوا ذلك في دنياهم ومعاشهم، فيلزم أن يكون عند الله- تعالى- كذلك لا باعتبار الأحكام الشرعية؛ لأن الضمير يجب عوده على المتقدم بصفاته، كما إذا قلنا: زيد يرى لبس الصوف في الشتاء، وما رآه زيد حسنا، فهو عند عمرو حسن، فلابد أن يكون عمرو يراه حسنا في الشتاء؛ إذ لو كان يراه حسنا في الصيف، لم يحسن هذا الكلام، فيبطل الاستدلال بهذا الحديث. غير أن لنا قاعدة، وهي أن لفظ الشرع متى دار بين أن يفيد فائدة شرعية أو عقلية، فالأول أولى، ولو حملناه على الظاهر لزم أن يكون عند الله- تعالى- كذلك، فيكون معناه أنه يعلمه حسنا عندهم في معاشهم، وتعلق علمه- تعالى- حكم عقلي. أما إذا حملنا التعبد به- ها هنا- على شرعه حكما شرعيا، حصلت

стр. 3482

فائدة شرعية، فكان الحمل عليه أولى، فبهذه القاعدة يتم الاستدلال، وإلا فهو مشكل. قوله: (النظر إلى وجود المانع يقتضي عدم الحكم، بدون الالتفات إلى الأقسام الثلاثة التي ذكرتموها): تقريره: أنه لابد أن يكون مناسبا، فمناسبته تقتضي ظن عدم الحكم، وإن عقل عنه الأقسام الثلاثة المذكورة. قوله: (إن سلمنا أن التعليل بالمانع يتوقف على وجود المقتضي، فلا حاجة إلى ذكر دليل على وجود المقتضي، بل نقول: إما ألا يكون المقتضي موجودا في الفرع، فيعدم الحكم من الفرع. أو وجد لكنه إنما ثبت تحصيلا لمصلحته، وهذا المعنى قائم في الأصل، فيلزم ثبوت المقتضي في الأصل، وإذا ثبت ذلك، فقد صح تعليل عدم الحكم فيه بالمانع): قلنا: هذه العبارة غير ملخصة ولا مبينة عن المقصود، وقد غيرها تاج الدين في (الحاصل). فقال: يكفي أن يقال: لو ثبت الحكم في الفرع لانضاف إلى المشترك بينه وبين الأصل، وحينئذ يتم بيان قيام المانع. وقال سراج الدين: يكفي أن يقال: لو لم يوجد المقتضي في الفرع انتفى الحكم عنه، وإن وجد كان ذلك لمصلحة كذا، وأنها موجودة في الأصل، فيكون عدم الحكم فيه معللا بالمانع. وسكت (المنتخب) عن هذه المسألة بالكلية. وكلام الإمام إنما التبس في هذه المسألة من جهة قياس الضمائر ولفظ الأصل والفرع. وإيضاحه: أن- ها هنا- أصلان، وفرعان، وحكمان يثبتان.

стр. 3483

فالمانع: وصف وجودي يقاس به فرع على أصل، ففرعه هو الذي يحاول عدم الحكم فيه. وأصله صورة أخرى يثبت فيها اعتبار ذلك المانع بدليل. وهذا المانع اختلفوا فيه، هل من شرطه قيام المقتضي أم لا؟ ومعناه: نقيض للثبوت في الصورة التي يحاول فيها إثبات العدم، حتى يقع التعارض بينهما فيها. فلهذا الوصف المقتضى للثبوت أصل ثبت فيه اعتباره. وفرع، وهو الصورة التي يحاول فيها إثبات العدم بالمانع. فتلخص لنا أصلا لوصفين. أحدهما: يقتضي العدم، وهو المانع. والآخر: [نقيضه] الثبوت، وهو المقتضي المعارض للمانع، والفرع فرع لهما مشترك بينهما، فهو [بمعنى] فرعين؛ لأجل إضافته إلى الوصفين. إذا تحرر هذا فقوله: (إن ما يثبت تحصيلا لمصلحته) الضمير في قوله: (يثبت) عائد على عدم الحكم، لا على ثبوته، فهو يقول: لو ثبت عدم الحكم في الفرع لكان مضافا للقدر المشترك بين الفرع والأصل الذي هو أصل المانع لا أصل المقتضي، وقد ثبت اعتبار هذا الوصف في هذا العدم في الصورة التي هي أصل المانع، فثبت العدم بها في الفرع عملا بوجود ما ثبت اعتباره، وهو معنى قول تاج الدين: (لانضاف إلى المشترك بينه وبين الأصل) يريد أصل المانع لا أصل المقتضي، لكن لما شابه لفظ الأصل والفرع، والتبست الضمائر في قوله: (ثبت) هل هو عائد على ثبوت الحكم، أو عدم، أو على المقتضى، أو على الحكم، أشكل الكلام، وإنما الضمير عائد على عدم الحكم لا على غيره. ***

стр. 3484

المسألة الخامسة عشرة قال الرازي: قال بعضهم: (وجود الوصف الذي يجعل علة في الأصل لابد وأن يكون متفقا عليه). وهذا ضعيف؛ لأنه لما أمكن إثباته بالدليل، حصل الغرض، بل الحق أن ذلك قد يكون معلوما بالضرورة، وقد يكون معلوما بالبرهان اليقيني، وقد يكون معلوما بالأمارة الظنية، وهذا آخر الكلام في العلة. المسالة الخامسة عشرة قال بعضهم: الوصف الذي جعل علة في الأصل لابد أن يكون متفقا عليه. قلت: المراد بالأصل- ها هنا- أصل المانع المقتضي للعدم، لا أصل الوصف المقتضي للثبوت [العارض] للمانع. (تنبيه) قال التبريزي: (تعليل انتفاء الحكم بالأمر الوجودي يتوقف على ظهور المقتض له)، وخالف اختياره المصنف. ثم قال: وقولهم: (الطرد والمناسبة) يفيد العلية. فجوابه: أنه إنما يغلب على الظن إضافة ما يصح إضافته، ولا نسلم أن النفي الأصلي يصح إضافته. وتمثيلهم بأنا: (إذا علمنا حضور السبع في الطريق أضفنا عدم حضور زيد إليه، وإن لم نعلم المقتضي).

стр. 3485

فجوابه: أنه لا نزاع في ظن عدم الحضور، بل قد نقطع، إنما النزاع في ظن إضافته إلى السبع، ومن يظن فإنما يظن [لأنه] بسلامة الأعضاء، من غير شعور بما يقتضي حضوره، ولا يخفي أن من نسب عدم حضور قاضي البلد في بعض القفار إلى [سبع] رآه، فإنه يعد سفها. وأجاب عن أن المقتضي ضد المانع بأنه وإن كان ضدا في الاقتضاء، ولكنه يحصل شرط، فنقول: الإضافة والأثر مع قيام المنافي ممكن، ومع انتفاء الشرط غير ممكن، وهو كقول القائل: (النقض لا يستدعي البناء)؛ فإنه يضاد النقض، ولا يخفي فساده. (فائدة) قال سيف الدين: المختار اشتراط وجود المقتضي في التعليل بالمانع، وكذلك عدم الشرط. وقد تم كلام (المحصول) في هذا الباب، وبقيت فوائد في غيره متعلقة به، أنقلها إن شاء الله تعالى. (فوائد ست) (الفائدة الأولى) قال سيف الدين: اختلفوا في أن العلة هل تكون أمارة مجردة؟ والمختار أنها لابد أن تكون مشتملة على حكمة صالحة للحكم بالمناسبة. (الفائدة الثانية) قال سيف الدين: إذا كانت العلة في القياس بمعنى الباعث، فشرطها أن تكون ضابط الحكمة، بحيث لا يلزم منه إثبات الحكم مع تيقن انتفاء الحكمة

стр. 3486

في صورة؛ فإن ثبوت الحكم بدون الحكمة خلاف القواعد، كما يقال: حكمة القصاص صيانة النفس المعصومة عن الفوات، فمن جعل الضابط بالجرح لا غير، دون المثقل كما يقول أبو حنيفة، يلزمه شرع القصاص في حق من جرح ميتة؛ لوجود الضابط، مع أنا نقطع بانتفاء الحكمة حينئذ. أو نفي الحكم مع وجود علته، وهو ممتنع. (الفائدة الثالثة) قال سيف الدين: قال جماعة: شرط ضابط الحكمة أن يكون جامعا، بحيث لا توجد الحكمة يقينا في صورة دونه؛ لأنه إن ثبت الحكم في تلك الصورة لزم استقلال الحكمة دون الضابط، وهو ممنوع. وإن لم يثبت الحكم لزم إهمال الحكمة. مثاله: [ضابط] الحنفي العمد باستعمال الجارح، يلزم إلغاء العمدية إذا ألقاه في البحر، أو رض رأسه بحجر عظيم. قال: ولقائل أن يقول: يجوز تعليل الحكم بعلتين في صورتين. (الفائدة الرابعة) قال سيف الدين: اختلفوا في جواز تأخير علة الأصل عن الحكم في الوجود، كتعليل إثبات الولاية للأب على الصغير الذي عرض له الجنون- بالجنون؛ فإن الولاية ثابتة قبل الجنون، والمختار امتناعه؛ لأن الحكم إذا تقدم استغنى وعرف، فلا معنى للتعريف بعد ذلك، ولا الباعث. (الفائدة الخامسة) قال سيف الدين: يجب ألا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها

стр. 3487

مما يرجع على الحكم المستنبط منه بالإبطال، كتعليل وجوب دفع [الشاة في باب] الزكاة بدفع [حاجة الفقير، لما فيه من دفع وجوب الشاة بدفع] القيمة؛ لأنها تسد الخلة. وألا تكون طردية، كالطول والقصر. وألا يكون لها في الأصل معارض لا تحقق له في الفرع. وألا تكون مخالفة للنص، وهذه شروط متفق عليها. واختلف في اشتراط كونها لا تتضمن زيادة على النص، وإنما يلزم ذلك أن لو كانت الزيادة منافية لمقتضى النص، وألا تكون مخصصة لعموم القرآن. وألا يعارضها علة أخرى تقتضي نقيض حكمها، وإنما يتجه ذلك أن لو كانت العلة الأخرى راجحة عليها، أو يمتنع تخصيصها، وقد عرف ما في منع التخصيص في العلل في مسألة النقض، وأن تكون منتزعة من أصل مقطوع به، وليس كذلك، بل يجوز القياس على المختلف فيه على الصحيح إذا وافق عليه الخصم. [وألا تكون مخالفة لمذهب الصحابي، وليس كذلك، بل جاز أن يكون للصحابي علة أخرى، وأن يكون وجودها في الفرع مقطوعا به، وليس كذلك، فإن الظن يكفي في الفرع]. (الفائدة السادسة) قال سيف الدين: اختلفوا في الدال على العلة. فقيل: يشترط ألا يكون متناولا لثبوت الحكم في الفرع، كقول الشافعي في الفواكه: مطعوم؛ فيحرم فيه الربا كالبر، ودل على كون الطعم علة بقوله ﵇: (لا تبيعوا الطعام بالطعان إلا مثلا بمثل)؛ لأنه يتناول الفواكه.

стр. 3488

وقد يتناول الدليل خصوص الفرع وحده دون الأصل، كقول الحنفي- في الخارج من غير السبيلين: (خارج نجس)؛ فينقض كالخارج من السبيلين)، ثم دل على كون الخارج النجس علة، بقوله ﵇: (من قاء أو رعف أو [أمذى] فليتوضأ وضوءه للصلاة)، فإن القيءـ، والرعاف، والمذى من حيث هو خارج نجس، مناسب لنقض الوضوء، فيدل النص على التعليل؛ فإن النص يكفي، فذكر القياس تطويل من غير فائدة. قال: ولقائل أن يقول: هذا من مراسم الجدل، وهو لا يقدح في القياس. ***

стр. 3489

القسم الثالث في المباحث المتعلقة بالحكم والأصل والفرع ، وفيه ثلاثة أبواب: الباب الأول في مباحث الحكم: وفيه مسائل: قال الرازي: المسالة الأولى: اتفق أكثر المتكلمين على صحة القياس في العقليات، ومنه نوع يسمونه (إلحاق الغائب بالشاهد). قالوا: ولابد من جامع عقلي، والجامع أربعة: العلة، والحد، والشرط، والدليل. أما الجمع بالعلة: فكقول أصحابنا: إذا كانت (العالمية) شاهدا فيمن له العلم، معللة بالعلم، وجب أن يكون كذلك غائبا. وأما الجمع بالحد: فكقول القائل: حد العالم شاهدا: من له العلم؛ فيجب طرد. الحد غائبا. وأما الجمع بالشرط: فكقولنا: العلم مشروط بالحياة شاهدا؛ فكذلك غائبا ذلك. وأما الجمع بالدليل: فكقولنا: التخصيص والأحكام يدلان على العلم والإرادة شاهدا؛ فكذلك غائبا. واعلم أنه لما كان الجمع بالعلة أقوى الوجوه، وجب علينا أن نتكلم فيه، فنقول: اعتماد القياس على مقدمتين: إحداهما: أن الحكم ثبت في الأصل لعلة كذا. وثانيها: أن تلك العلة حاصلة بتمامها في الصورة الأخرى.

стр. 3490

فهاتان المقدمتان: إن حصل العلم بهما، حصل العلم بثبوت الحكم في الفرع، وإن حصل الظن بهما حصل الظن بثبوت الحكم في الفرع. وإنما قلنا: (إنه يلزم من حصول العلم بتينك المقدمتين- حصول العلم بالنتيجة؛ وذلك لأنه إذا ثبت أن ذلك المعنى مؤثر في ذلك الحكم، ثم ثبت ذلك المعنى في صورة أخرى، فنقول: كون ذلك المعنى مؤثرا في ذلك الحكم في تلك الصورة، إما أن يعتبر في تلك المؤثرية كونه حاصلا في تلك الصورة، أو كونه غير حاصل في هذه الصورة، وإما ألا يعتبر فيها ذلك. فإن كان الأول: لم يكن ذلك المعنى إتمام العلة؛ لأن مرادنا من تمام العلة كل ما لابد منه في المؤثرية، فإذا كان لابد من قيد كون المعنى هناك، أو قيد كونه ليس هناك- فذاك المعنى ليس وحده تمام العلة؛ على التفسير الذي ذكرناه. وإن كان الثاني: فتمام المؤثر حصل في الأصل مستلزما للحكم، وفي الفرع غير مستلزم للحكم، مع انه لم يختلف حاله ألبتة في الصورتين، لا بحسب زوال شيء عنه، ولا بحسب انضمام شيء إليه؛ فيلزم حينئذ ترجح أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجح؛ وهو محال. فثبت بهذا البرهان الباهر: أنه يلزم من العلم بتينك المقدمين حصول العلم بثبوت الحكم في الفرع، وإذا ثبت هذا ظهر أن بتقدير حصول هاتين المقدمتين في العقليات، كان القياس حجة فيها. فإن قلت: حاصل الكلام فيما ذكرته هو الاستدلال بحصول العلة على حصول المعلول، وليس هو بقياس. قلت: بل هذا هو القياس؛ فإنا رأينا الحكم حاصلا في صورة معينة، ثم

стр. 3491

قامت الدلالة على أن المؤثر في ذلك الحكم، هو الوصف الفلاني، ثم قامت الدلالة على أن ذلك الوصف حاصل في هذه الصورة الثانية- لزم القطع بحصول الحكم في الصورة الثانية، بل تحصيل اليقين لهاتين المقدمتين أمر صعب؛ وذلك لأنا وإن بينا أن الحاصل في الفرع مثل الحاصل في الأصل، فالمثلان لابد وأن يتغايرا بالتعين والهوية؛ وإلا فهذا عين ذاك، وذاك عين هذا؛ فيكون كل واحد منهما عين الآخر، فالاثنان واحد، هذا خلف. وإذا حصل التغاير بالتعين والهوية، فلعل ذلك التعين في أحد الجانبين جزء العلة، أو شرط العلية، وفي الجانب الآخر: يكون مانعا من العلية، ومع هذا الاحتمال: لا يحصل القطع. واعلم أن للمتكلمين طرقا في تعيين العلة: أحدها: التقسيم الذي لا يكون منحصرا، فإذا قيل لهم: لم لا يجوز وجود قسم آخر؟ قالوا: اجتهدنا في طلبه، فما وجدناه، وعدم الوجدان بعد الاستقصاء في الطلب يدل على عدم الوجود؛ كالمبصر، إذا طلب شيئا في الدار، ونظر إلى جميع جوانبها في النهار، فلم يجد- قطع العدم، وهذا ضعيف؛ إذ رب موجود ما عرفناه بعد الطلب، والقياس على نظر العين قياس من غير جامع، وبتقدير ذكر الجامع، فهو إثبات القياس بالقياس؛ وهو باطل. وثانيها: الدوران الخارجي، وقد تقدم بيان أنه لا يفيد الظن؛ فضلا عن اليقين. وثالثها: الدوران الذهني؛ كقولهم: متى عرفنا كون التكليف أمرا بالمحال، عرفنا قبحه، وإن لم نعرف شيئا آخر، ومتى لم نعرف كونه أمرا بالمحال، لم نعرف قبحه، وإن عرفنا سائر صفاته، فإذن: العلم بالقبح دائر، مع العلم بكونه بالتكليف بالمحال في الذهن.

стр. 3492

فهذا الدوران الذهني يفيد الجزم بأن المؤثر في القبح، هو نفس كونه أمرا بالتكليف. فنقول: كلامكم يشتمل على أمري: أحدهما: أنه لما لزم من العلم بكونه أمرا بالمحال- العلم بقبحه، لزم أن يكون كونه أمرا بالمحال علة لقبحه. والثاني: أنه لما لم يلزم من العلم بسائر صفاته- العلم بكونه قبيحا، وجب ألا يكون سائر صفاته علة لكونه قبيحا، وأنتم منازعون في هذين المقامين، فلابد من الدلالة عليهما؛ فإن العلم بهما ليس من العلوم الضرورية؛ كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وما رأيت أحدا من المتكلمين ذكر في تقرير هذين المقامين شيئا؛ على أن الأول منقوض بجميع الإضافات؛ فإنا متى علمنا كون هذا الشخص أبا، علمنا كون هذا الآخر ابنا، وكذا بالعكس من أنه يستحيل أن يكون كون هذا أبا لذاك علة لكون ذلك ابنا لهذا؛ لأن المضافين معا، والعلة قبل المعلول؛ (والمع) لا يكون قبل. وأما الثاني: فلأنه لا يمكن القطع بأنا إذا عرفنا سائر صفاته، فإنه لا يحصل العلم عند ذلك بكونه قبيحا إلا إذا عرفنا كل صفة، فكيف يمكننا أن نقطع بأنا عرفنا كل صفاته؟ فإنا إذا جوزنا أن يكون من الصفات ما لم نعرفه، جوزنا في بعض تلك الصفات التي لم نعرفها أن يجب عند العلم به العلم بكونه قبيحا، ومع هذا التجويز: لا تتم هذه المقدمة. سلمنا أنه لا يلزم من العلم بسائر الصفات العلم بكونه قبيحا؛ فلم يدل هذا القدر على أن سائر الصفات لا يجوز أن تكون مؤثرة في القبح؟.

стр. 3493

واعلم أن الكلام في تقرير هاتين المقدميتن مأخوذ من الفلاسفة؛ فإنهم زعموا أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، فعلى هذا: كل ما كان علة للقبح، يلزم من العلم به العلم بالقبح. وزعموا أن العلم اليقيني بوجود المعلول لا يحصل إلا من العلم بعلته، فلما لزم الجزم بالقبح عند العلم بكونه أمرا بالتكليف المحال، علمنا أن علة القبح ذلك، ولكنا قد نقلنا في كتبنا الكلامية دلائلهم على هاتين المقدمين، وبينا ضعفهما وسقوطهما، فلا نعيدهما ها هنا، وبالله التوفيق. القسم الثالث في مباحث الحكم والأصل والفرع وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول [في مباحث الحكم] قال القرافي: قوله: يجوز أن يكون خصوص المحل شرطا، ومع الاحتمال فلا يقين): قلنا: قد يقطع الناظر بعدم اعتبار خصوصيات المحل عادة، وشرطا، وعقلا. أما العادة: فلأنا نعلم أن زيدا إنما احترقت خشبته بهذه النار لكونها نارا، وأن خصوصها، وخصوص الخشبة لا مدخل له في الإحراق. وأما شرعا: فلأنا نقطع أن هذا الزاني إنما رجم لما صدر منه من مفهوم الزنا المشترك بينه وبين غيره من الزناه، وأن خصوص زناه غير معتبر. وأما عقلا: فلأنا نقطع أن المحل إنما يصير أسود، أو أبيض، أو عالما، لأصول هذه المعاني دون شخصياتها، وهذا أمر ضروري عند العقل، فتحصيل اليقين ليس عسرا، بل كثير جدا. نعم بعض المواطن لا يحصل فيه اليقين، وذلك لا يقدح في حصول اليقين في البعض الآخر.

стр. 3494

قوله: (القياس على نظر العين قياس من غير جامع، وبتقدير الجماع فهو إثبات القياس بالقياس): قلنا: بل الجامع حاصل، وهو أن البصيرة إذا نظرت في مفهوم العشرة، حصل الجزم بأنها ليس فيها ما يمنع أن يكون ثيابا، أو دراهم، ولا ما يوجب أنها فرد، وهذه ضرورة تحصل لا يمكن دفعها عن النفس، كما لا يمكن رفع العلم بوجود من نشاهده عن أنفسنا، فحصول العلم الضروري بعد التأمل بالبصر، أو البصيرة هو الجامع. وقولكم: (إثبات القياس بالقياس): قلنا: لا نسلم؛ فإن الصورة قد تذكر ليقاس عليها. وقد تذكر للتمثيل والتنبيه على وجود الحق في صورة النزاع. ولذلك إنه يحسن منا في هذا المقام أن تكون الدعوى عامة، والدليل صورة جزئية، وإثبات الكلية بالجزئية خطأ، وما ذلك إلا لأن المراد التنبيه والتمثيل كما يقول القائل: البغال لا تلد، ويدلك على ذلك أن جميع ما رأيناه منها لا تلد، فيتفطن السامع لوجه الاستقراء في ذلك، فيحصل له العلم بأن كل بغلة لا تلد. قوله: (الدوران الخارجي لا يفيد الظن، فضلا عن اليقين): قلنا: (بل الدوران قد يفيد اليقين عقلا، كدوران العلم مع العالمية. وعادة، كدوران الموت مع قطع الرأس والعنق. وقد يفيد الظن: كدوران الري مع شرب الماء، والإسكار مع تحريم الخمر. وقد لا يفيد شيئا؛ كدوران الجوهر مع العرض، فتعميم القول بأن الدوران لا يفيد الظن مطلقا غير متجه.

стр. 3495

قوله: (إذا لم يعرف كونه أمرا بالمحال لم يعلم قبحه، وإن علمنا سائر صفاته): قلنا: قد لا نعلم كونه تكليما بالممكن الذي ليس بمحال، ونعلم قبحه لتضمنه [للكذب]، أو ذهاب نفس، أو غير ذلك من المفاسد التي هي أسباب القبح، فلم يحصل الدوران حالة العدم). قوله: (العلم اليقيني بالمعلول لا يحصل إلا من العلم بعلته): قلنا: قد يحصل العلم [اليقيني] بالحقيقة [في] غير علتها، كما نقطع بحصول الحياة عند حصول العلم، وإن كان العلم ليس علة للحياة، ولذلك نقطع بالعلم إذا علمنا بالإرادة، وبالمحل إذا قطعنا بالحال مع أن شيئا من هذه ليس بعلة للآخر. ثم إن العلة قد يتخلف عنها أثرها لمانع، أو تخلف شرط، كما أن الثقل في طبيعة الحجر عندهم يقتضي الهبوط بشرط عدم المعاوق، والنار تقتضي التسخين بشرط قبول المحل، إلى غير ذلك مما هو مذكور في الطبيعيات عندهم. فإذا علمنا بوجود العلة لا يمكننا الجزم بالمعلول؛ لجواز تخلف الشرط وقيام المانع، ومع الاحتمال لا جزم، فبطل قولهم: إن الجزم إنما يحصل من قبل العلة، بل غير العلة يحصل العلم، والعلة قد لا يحصل معها العلم، فبطل طردا وعكسا، وهذا ما أشار إليه المصنف في كتبه العقلية. (تنبيه) نسب الدوران الذهني إلى القبح العقلي المتكلمون مع أن المتكلمين لا

стр. 3496

يقولون بالقبح العقلي، وما ذلك إلا أنه يريد المتكلمين- هاهنا- المعتزلة؛ فإن اسم المتكلمين كان أولا لهم قبل ظهور الأشعرية، ولذلك قال الشافعي: لو وجدت المتكلمين لضربتهم بالجريد، ولم يكن في زمان الشافعي أحد من الأشاعرة، إنما جاءوا بعده بزمان طويل. وبهذا نجيب- أيضا- عمن يذم الأشاعرة بهذا النقل عن الشافعي، بأن نقول: نحن نضرب أولئك بالسيوف فضلا عن الجريد؛ فإن منهم عمرو بن عبيد من غلاة المعتزلة الذي نقل عنهم ما أوجب اختلاف العلماء في تكفيرهم، كجحد الصفات، وعدم إرادة الكائنات، وغير ذلك كم كبائرهم المنقولة عنهم. (سؤال) قال النقشواني: قوله: (هذا إثبات القياس بالقياس) ليس كذلك، بل القياس ثبت بالبحث السابق عن أن العلة إذا كانت معلومة في الأصل وفي الفرع إلى آخره، وهذا الكلام بعد ذلك استدلال بالقياس، لا إثبات للقياس، فلو كان إثباتا له لزم الدور. * * *

стр. 3497

المسألة الثانية الحق جواز القياس في اللغات، وهو قول ابن سريج منا، ونقل ابن جني في (الخصائص): أنه قول أكثر علماء العربية؛ كالمازني وأبي علي الفارسي، وأما أكثر أصحابنا وجمهور الحنفية فينكرونه. لنا وجوه: الأول: أنا رأينا أن عصير العنب لا يسمى خمرا قبل الشدة الطارئة، فإذا حصلت تلك الشدة، سميت خمرا، فإذا زالت الشدة مرة أخرى، زال الاسم؛ والدوران يفيد ظن العلية، فيحصل ظن أن العلة لذلك الاسم هو الشدة، ثم رأينا الشدة حاصلة في النبيذ، فيحصل ظن أن علة هذا الاسم حاصلة في النبيذ، ويلزم من ظن حصول علة الاسم ظن حصول الاسم، فإذا حصل ظن أنه مسمى بالخمر، وعلمنا أو ظننا أن الخمر حرام- حصل ظن أن النبيذ حرام، والظن حجة، فوجب الحكم بحرمة النبيذ. فإن قيل: الدوران إنما يفيد ظن العلية فيما يحتمل العلية، وهاهنا لم يوجد الاحتمال؛ لأنه ليس بين شيء من الألفاظ، وشيء من المعاني مناسبة أصلا؛ فاستحال أن يكون شيء من المعاني داعيا للواضع إلى تسميته بذلك الاسم، وإذا لم يوجد احتمال العلية هاهنا، لم يكن الدوران هاهنا مفيدا لظن العلية. سلمنا أنه حصل ظن العلية؛ ولكن إنما يلزم من حصول العلة في الفرع حصول ذلك الحكم، إذا ثبت أن تلك العلة إنما صارت علة لأن الشارع جعلها علة؛ ألا ترى أنه لو قال: (أعتقت غانما لسواده) فإذا كان له عبد آخر أسود،

стр. 3498

لم يعتق عليه؛ لأن ما يجعله الإنسان علة لحكم لا يجب أن يتفرع عليه الحكم، أينما وجد؟! فكذا هاهنا لا يلزم من كون الشدة علة لذلك الاسم حصول ذلك الاسم، أينما حصلت الشدة، إلا إذا عرفنا أن واضع الاسم هو الله تعالى. والجواب عن الأول: أنه لا يمكن جعل المعنى علة للاسم، إذا فسرنا العلة بالداعي، أو المؤثر. أما إذا فسرناها بالمعرف، فلا يمتنع؛ كما أن الله تعالى جعل الدلوك علة لوجوب الصلاة، لا بمعنى كون الدلوك مؤثرا، أو داعيا، بل بمعنى: أن الله تعالى جعله معرفا، فكذا هاهنا. وعن الثاني: أنا بينا أن اللغات توقيفية. الثاني: وهو الذي اعتمد عليه المازني، وأبو علي الفارسي- رحمهما الله- أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن كل فاعل رفع، وكل مفعول نصب، وكذلك القول في كل وجوه الإعراب، وأن كل ضرب منها اختص بأمر انفرد به، ولم يثبت ذلك إلا قياسا؛ لأنهم لما وصفوا بعض الفاعلين به، واستمروا على ذلك، علم أنه ارتفع الفاعل؛ لكونه فاعلا، وانتصب المفعول؛ لكونه مفعولا. فإن قلت: (كيف يصح ذلك، وقد وجد المفعول غير منتصب، وكذا الفاعل قد لا يرتفع؛ لعارض؟): قلت: تخلف الحكم عن العلة لمانع لا يقدح في العلية عند من يقول بتخصيص العلة، ومن لا يقول به يجعل ذلك القيد العدمي جزءا من العلة. الثالث: وهو: أن أهل العربية أجمعوا على أن ما لم يسم فاعله، إنما ارتفع؛

стр. 3499

لكونه شبيها بالفاعل في إسناد الفعل إليه، ولم تزل فرق النحاة من الكوفيين والبصريين يعللون في الأحكام الإعرابية بأن هذا يشبه ذاك في كذا؛ فوجب أن يشبهه في الإعراب، وإجماع أهل اللغة في المباحث اللغوية حجة. الرابع: أن نتمسك بعموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢] فإنه يتناول كل الأقيسة، واعتمادهم في الفرق على أن المعاني لا تناسب الألفاظ؛ فامتنع جعل المعنى علة للاسم؛ بخلاف الأحكام الشرعية؛ فإن المعاني قد تناسبها، لكنا قد بينا سقوط هذا الفرق. واحتج المخالف بأمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١] دلت الآية على أنها بأسرها توقيفية؛ فيمتنع في شيء منها أن يثبت بالقياس. وثانيها: أن أهل اللغة لو صرحوا، وقالوا: (قيسوا) لم يجز القياس؛ كما إذا قال: أعتقت غانما لسواده، ثم قال: (قيسوا) فإنه لا يجوز القياس؛ فإذا لم يجز القياس عند التصريح بالأمر بالقياس، فلأن لا يجوز ذلك مع أنه لم ينقل عن أهل اللغة نص في ذلك- كان أولى. وثالثها: أن القياس إنما يجوز عند تعليل الحكم في الأصل، وتعليل الأسماء غير جائز؛ لأنه لا مناسبة بين شيء من الأسماء، وبين شيء من المسميات، وإذا لم يصح التعليل، لم يصح القياس ألبتة. ورابعها: أن وضع اللغات ينافي جواز القياس؛ فإنهم سموا الفرس الأسود (أدهم) ولم يسموا الحمار الأسود به، وسموا الفرس الأبيض (أشهب) ولم

стр. 3500

يسموا الحمار الأبيض به، وسموا صوت الفرس (صهيلا) وصت الحمار (نهيقا) وصوت الكلب (نباحا). وأيضا: القارورة إنما سميت بهذا الاسم؛ لأجل الاستقرار، ثم إن ذلك المعنى حاصل في الحياض والأنهار، مع أنها لا تسمى بذلك؛ والخمر إنما سميت بهذا الاسم؛ لمخامرتها العقل، ثم المخامرة حاصلة في الأفيون وغيره، ولا يسمى خمرا. والجواب عن الأول: أنه ليس في الآية أنه تعالى علم آدم الأسماء كلها توقيفا؛ فيجوز أن يكون علم البعض توقيفا، والبعض تنبيها بالقياس، ولأنه يجوز أن يدرك آدم علمها توقيفا، ونحن نعلمها قياسا كما أن جهات القبلة قد تدرك حسا، وقد تدرك اجتهادا. وعن الثاني: أنا ندعي أنه نقل إلينا بالتواتر عن أهل اللغة: أنهم جوزوا القياس؛ ألا ترى أن جميع كتب النحو، والتصريف، والاشتقاق مملوءة من الأقيسة، وأجمعت الأمة على وجوب الأخذ بتلك الأقيسة. فإنه لا نزاع أنه لا يمكن تفسير القرآن، والأخبار إلا بتلك القوانين؛ فكان ذلك إجماعا معلوما بالتواتر. وعن الثالث: ما قد بينا: أنا نفسر العلة بالمعرف، لا بالداعي، ولا المناسب، وحينئذ لا يقدح عدم المناسبة فيه. وعن الرابع: أن أقصى ما في الباب: أنهم ذكروا صورا لا يجري فيها القياس، وذلك لا يقدح في العمل بالقياس؛ كما أن النظام لما ذكر صورا كثيرة في الشرع لا يجزي فيها القياس، لم يدل ذلك على المنع من القياس في الشرع.

стр. 3501

(المسألة الثانية) في جواز القياس في اللغات قال القرافي: قوله: (إذا زالت الشدة زال اسم الخمر، فتكون الشدة علة هذا الاسم، فيتأتى القياس في النبيذ): قلنا: لا نزاع أن الحكم ينتفي لانتفاء مسماه، وانتفاء جزء مسماه. فإذا سمت العرب الحيوان الناطق بالإنسان، فزال الناطق، أو الحيوان، زال استحقاقه للفظ الإنسان لغة. وكذلك لفظ العشرة موضوع لمجموع الخمستين، فإذا زال بعض تلك الأفراد زال استحقاق اسم العشرة. فزوال الاسم لزوال مسماه أو جزئه لا خلاف فيه، إنما النزاع في إثبات استحقاق الاسم لمعنى آخر غير المنقول لغة لمعنى مشترك بينه وبين الوضع الذي نقل أهل اللغة الوضع له، وما ذكرتموه ليس من ذلك، فلا يد لكم على مطلوبكم. قوله: (لا يلزم من كون الشدة علة لذلك الاسم حصول ذلك الاسم أينما حصلت الشدة، إلا إذا عرفنا أن واضع الاسم هو الله تعالى): قلنا: ولو علمنا أن واضع الاسم هو الله- تعالى- لا يلزم ذلك، حتى يرد الأمر بالقياس من جهة الله- تعالى- فلولا الأمر بالقياس ورد في الشرع ما قسنا، ولو فهمنا التعليل. قوله: (ما بينا أن اللغات توقيفية): قلنا: المختار- هنالك- إنا هو التوقف، لا أنها توقيفية. سلمنا ذلك، لكن لم قلتم: إن الله- تعالى- إذا وضع اللفظ، لمعنى يلزم أن نقيس عليه حتى تتبينوا أن الله- تعالى- امر بالقياس؟.

стр. 3502

قوله: (اعتمد أبو علي وغيره على أن كل فاعل مرفوع، وكل مفعول منصوب، وغير ذلك من وجوه الإعراب): قلنا: هذا لا حجة فيه؛ لأن العرب تضع الجزئيات كتسمية الحيوان المخصوص بالفرس، وهو كلية في نفسه، ولكنه جزئي بالقياس إلى الحيوان. وتارة تضع الكلية كقولهم: كل فاعل مرفوع، كما قالوا: كل جسم حساس اسمه حيوان، فليس هاهنا قياس ألبتة، بل كل فاعل يرفع بالوضع الأول لا بالقياس، كما أن كل [جسم] حساس يسمى حيوانا بالوضع الأول لا بالقياس، كما إذا قال الشارع: (اقتلوا كل مشرك)؛ فإنا نقتل ما نجده منهم بنص الشارع لا بالقياس، فالكليات اللغوية أو الشرعية لا يدخلها القياس، إنما يفيد إذا ألحقنا غير محل [الوضعي] به، ولم يبينوه. قوله: (أجمعوا على أن ما لم يسم فاعله، إنما رفع لكونه شبيها بالفاعل، والبصريون والكوفيون يعللون الأحكام الإعرابية). قلنا: هذا لا حجة فيه؛ لأن النحاة تعلل الوضع الأول، ويقولون: وضع هذا للمعنى الفلاني لأجل كذا. هذا مسلم، وبقيت مقدمة أخرى ما نقلتموها عنهم، وهو أنهم قالوا: إذا كان الوضع لأجل كذا، فقد جوزت العرب أن يلحق به ما في معناه، لا بمعنى الكليات المتقدم ذكرها، بل بمعنى القياس، وهذا موضع النزاع، وما نقلتموه، فلم يحصل المطلوب. وتعليل الوضع ليس كافيا في ذلك حتى قال بعض الفضلاء: العلل العقلية، والشرعية، والعادية، تتبعها أحكامها. والعلل اللغوية [بعكس] ذلك، تتبع أحكامها. فننظر أي شيء وضعوا عللناه، لا أنا نثبت وضعا لأجل علة، وهذا فرق عظيم بين الأبواب، فتأمله.

стр. 3503

قوله: (الرابع): قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴿[الحشر: ٢]). قلنا: هذه الآية، وإن سلمت الدلالة منها، فإنها إنما تفيد أن قياس اللغة شرعي، والبحث في هذه المسألة إنما وقع الأدباء في كونه لغويا من مقتضى اللغة، قبل بعثته- ﵇ فلا مدخل للنصوص الشرعية في هذا الباب، إنما تدخل النصوص في الأحكام الشرعية. قوله: (احتجوا بقوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١]): قلنا: قد تقدم أول الكتاب البحث في هذه الآية. قوله: (لو صرح أهل اللغة فقالوا: قيسوا لم يجز القياس، كما إذا قال: أعتقت غانما لسواده، ثم قال: قيسوا): قلنا: الفرق أنه إذا قال: (أعتقت غانما لسواده)، ثم قال: (قيسوا) لا يصح؛ لأن العتق حكم شرعي يستدعي علة شرعية منصوبة من قبل الشارع؛ فإنا لا نخرج الأحكام الشرعية إلا على العلل الشرعية، والأحكام اللغوية على العلل اللغوية، والأحكام العقلية على العلل العقلية، فلو أن لهذا القائل: (أعتقت غانما لسواده) أحكاما تخصه لا للشرع، ونص على علة، وقال: (قيسوا باعتبارها) قسنا، لكن المثال ليس كذلك فيه ترتيب للأحكام الشرعية على علة رجل من الناس، وهذا ليس مطابقا. قوله: (سميت الخمر خمرا لمخامرتها العقل، والمخامرة حاصلة في الأفيون، ولا يسمى خمرا): قلنا: إنما سميت [خمرا] للمخامرة بقيد سرور النفس فانبساطها كما قال [الوافر]:

стр. 3504

ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء والأفيون إنما هو ساتر فقط، فلم يوجد المعنى في الأفيون، بل الفرق حاصل بين المسكر، والمرقد، والمفسد للعقل مع بقاء الحواس من غير نشوة. وتمتاز الثلاثة على المسكر بثلاثة أحكام: عدم الحد، والطهارة، وحل اليسير منها. وفي المسكر: الحد، والتنجيس، وتحريم اليسير، فهذه فروق ظاهرة لغة وشرعا. قوله: (كتب النحو والتصريف والاشتقاق مملوءة من الأقيسة): قلنا: ليست تلك الأقيسة المتنازع عليها، إنما هو إدراج جزئي تحت كلي لغة، وإدراج الفرد تحت الكلية ليس من باب القياس في شيء، كما تقدم بيانه في الفاعل والمفعول، و (اقتلوا كل مشرك). قوله: (تلك لصور لا تدل على المنع من القياس، كما [أن ما] ذكره النظام من الصور- في الشرع- لم يمنع ذلك من القياس في الشرع): قلنا: بل الدلالة حاصلة في الصورتين بسبب أن هذه [الصورة] لو ترك فيها القياس لا لمرجح، لزم الترجيح من غير مرجح. وإن كان لمرجح لزم التعارض بينه وبين الدال على القياس، والتعارض على خلاف الأصل، فتعين ألا يكون القياس مشروعا في البابين نفيا للتعارض.

стр. 3505

غير أن هذه المقدمة وجدناها في القياس الشرعي لإجماع الصحابة وغيره من النصوص مما يجب تقديمه عليها. وأما في القياس اللغوي فلم قلتم: إنه وجد ما تقدم عليها، ولو وجد ما تقدم عليها لم تنتف الدلالة؟ فإن ترك الدليل لمعارض لانتفى كونه دليلا، وإلا لما صدق قولنا: حصل التعارض بين الدليلين بخروج كل واحد منهما عن كونه دليلا. (فائدة) صورة المسألة المتنازع فيها لم يذكرها المصنف، ومثالها: تسمية النباش سارقا؛ لمشاركته السارق لغة في أخذ المال على وجه الخفية، واللائط زانيا لوجه في محل حيوان، وإن كان لفظ الزنا والسرقة إنما وضع لخصوص تلك المحال، ولذلك لم يسم الغاصب سارقا، ولا الخائن، ولا الجاحد لأمانته. (تنبيه) زاد سراج الدين فقال على قوله: (اللغات توقيفية): لقائل أن يقول: أنت اخترت التوقف، فبطل الجواب. وقال التبريزي: القول المرضي امتناع القياس في اللغات، ويدل عليه أمور: الأول: أن أسماء الأجناس [الصفات والمعاني] ألقاب [لها، كأسماء الأعلام للذوات، ومقصودها التعريف]، وعلتها الحاجة للتفاهم. الثاني: أن العلة المستنبطة لا تزيد على المنصوصة، ولو قال: سميت ابني هذا زيدا لسواده، أو لزيادته، لم يصر غيره من أولاده يسمى زيدا، وإن كان أسود، فكذلك في الأجناس. الثالث: أن القياس فرع صحة التعليل، وتعليل وضع الاسم لمسماه باطل لوجوه:
следующие страницы →