Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
وعن السابع: أن مجرد الظن واجب العمل به؛ لكن إذا لم يقم دليل سمعي يصرفنا عنه، وما ذكرناه من الدلائل السمعية يوجب العدول عن هذا الظن.
القسم الثاني في المستفتى
قال: القرافى: قوله: (لو صحت تلك الدلالة لوجب القول بجواز التقليد في مسائل الأصول؛ لأنا نعلم أن الوقوف على تلك الدلائل لا يحصل إلا بعد الكد الكثير):
قلنا: القائلون بأنه لا يجوز التقليد في أصول الدين، قالوا: يكتفي فيها بليل فرد على مطلب من حيث الجملة، دون الجواب عن الشبهات، ونحوها، والمطالب المكلف بها نحو أربعين مطلبًا، وأكثرها في الطباع، والمحتاج فيها إلى الفكر قليل، ولا يشغل ذلك عن المعاش.
ولا يقاس عليه الأدلة في الأحكام الشرعية الفروعية؛ فإنها تحتاج إلى
стр. 3852
استعداد شديد في معرفة المصالح، والمفاسد، وتقديم بعضها على بعض، وذلك لا يحصل إلا بعد اشتغال كبير يحصل منه كيفية توجب فهم نفس الشارع في ذلك.
قوله: (الفرق بين التفصيل والإجمال باطل؛ لأن المقدمات إذا حصلت كلها حصل العلم، وإلا فلا):
قلنا: هذا لا ينفى الفرق؛ لأنهم يريدون بالإجمال: عدم التبحر، وعم استحضار الشبهات، والجواب عنها.
وبالتفصيل: الجواب عن الشبهات، والتوسع في قواعد تلك الأدلة، فما ذكرتموه هو الإجمال لا التفصيل.
قوله: (احتجوا بقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]:
قلنا: هذا محمول على أصول الديانات): جمعًا بينه وبين الأدلة الدالة على جواز التقليد، لاسيما وهو إجماع السلف، وهو الجواب الثاني.
وقوله: ﵇: (طلب العلم فريضة على كل مسلم، ومسلمة).
стр. 3853
جوابه: أن طلب العلم قسمان: فرض عين، وفرض كفاية.
ففرض العين: قال الشافعي -رحمة الله -: (هو علمك بحالك التي أنت فيها).
فمن كان يباشر صرفًا وجب عليه أن يتعلم الأحكام المتعلقة بالصرف، وكذلك الإجارات، وغيرها من الحالات التي تعرض للإنسان.
وفرض الكفاية: هو ما يقع من الوقائع حيث فرض على الكفاية، غير أن فرض الكفاية واجب على الكل ابتداء هنا لخطاب المجهول، وقد تقدم في (الواجب المخير) الفرق بين خطاب المجهول والخطاب بالمجهول وهذان القسمان مجمع عليهما، والإجماع متى حصل في شيء صار معلومًا، فيكون العلم حاصلاً في القسمين لمن اتصف بهما.
والإجماع سابق على هذا الخلاف، فلا عبرة به.
أو نقول: هو محمول على قواعد العقائد؛ جمعًا بينه وبين الأدلة الدالة على الاستثناء.
قوله: (جواز التقليد يفضى إلى بطلانه؛ لأنه تقليد من يمنع التقليد؛ فيتناقض):
قلنا: إنما نقول بجواز التقليد بشرط عدم التناقض.
قوله: (وخامسها: قوله ﵇: (اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له):
قلنا: المراد الاجتهاد في فعل الطاعات؛ لأن صدر الحديث يقتضيه؛ لقول الصحابة -رضوان الله عليهم -لرسول الله ﷺ -لما سألوا عن القدر، فأخبرهم به ﵇ -فقالوا: ففيم العمل؟ فقال ﵇: (اعملوا، وقاربوا، وسددوا؛ فكل ميسر لما خلق له).
стр. 3854
وهو المراد بالاجتهاد -هاهنا - ولأنه مطلق؛ لأنه فعل في سياق الإثبات، فيكفى في العمل به صورة، ونحن قد عملنا به، إما في الأعمال الصالحة، وإما في أصول الديانات، وأيما كان فقد خرجنا عن عهدة هذا النص، ولم يبق فيه حجة.
قوله: (العامي لا يأمن جهل المفتى وفسقه):
قلنا: ظاهر الحال يأباه، وجاز ذلك، كما جاز للمجتهد أن يعمل بظواهر النصوص، مع احتمال النسخ، وغيره من الأمور العشرة التي تتوقف إفادة النصوص القطع عليها.
قوله: (وعن السادس):
قلنا: تقدمت سبعة حجاج للخصم، لم يجب إلا عن الأول، وذكر الجواب عن السادس، وإنما هو عن السابع، ولم يذكر بقية الأجوبة، وهذا خلل عظيم:
وكشفت عدة نسخ، فوجدتها هكذا، ولا أدرى هل ذلك من المصنف، أو من النساخ؟ والله أعلم بذلك.
قوله: (مسائل الاجتهاد كل قول فيها حق):
стр. 3855
قلنا: هذا يتخرج على أن كل مجتهد مصيب، أما على القول بأن المصيب واحد، فلا.
(تنبيه)
قال التبريزى: (الشيعة هم الذين قالوا بحصر كل مدرك إلا الدليل السمعي القاطع ، والمضار إليه إذا لم يضم إليهم غيرهم، بل عينهم لهذا المذهب، ثم قال: نقول: لهم حصر مدارك العقول فيما ذكرتم بديهي أم نظري؟
وبديهي أنه ليس ببديهي، وفي إثباته بالنظر شغل شاغل، وإن قنع بسببه المفتى، فهو تقليد، فلنقلد في الحكم.
قال سراج الدين في الجواب عن الحجاج السبع، (والجواب عن الأخير بالفرق المذكور، وعن غيره بالنقض بالعمل بالظن في أمور الدنيا، والقيم، والأروش، وخبر الواحد، والقياس، إن سلمنا).
قلت: وهذا جواب مستوعب، ولعله مراد المصنف حتى قال بعضهم: إن قوله -في (المحصول) -: (والجواب عن (الأول)، إنما هو (الأول) بتخفيف الواو، وضم الهمزة على صيغة (الجمع) وهو تصحيف حسن يحصل به المقصود غير أنه باطل بقوله: إنه منقوض، ولم يقل: إنها منقوضة، ولو كان المراد الجمع لقال ذلك على هذا الوجه.
وقال صاحب (المنتخب): (إذا نزلت الحادثة بالعامي، وأمر بالاستدلال، فإمام أن يكون هو التمسك بالبراءة الأصلية، أو الدلائل السمعية، والأول باطل بالإجماع؛ ولأن ذلك يمنعه من الاشتغال بأمور دنياه).
стр. 3856
قلت: وهذا الكلام باطل، وهو خلاف لفظ (المحصول)؛ فإن (المحصول) إنما ادعى ذلك في الأدلة السمعية فقط، لا في هذا القسم.
وقال تاج الدين في (الحاصل): واحتج الجبائى بأن المصيب في الأحكام غير الاجتهادية واحد، فلم يجز التقليد؛ لجواز الخطأ بخلاف الاجتهادية؛ فإن كل مجتهد فيها مصيب، فجاز التقليد.
جوابه: أن المصيب في الاجتهادية -أيضًا -واحد.
فلم يذكر من الحجاج السبع إلا هذه، وخصص الاحتجاج بالجبائى، وذكر الجواب كما ترى.
(فائدة)
قال سيف الدين: (العامي، ومن ليس له أهلية الاجتهاد إذا كان محصلاً لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد يلزمه اتباع قول المجتهد .
وقال بعض المعتزلة البغدادية: لا يجوز له اتباعه، إلا بعد أن يبين له صحة اجتهاده بدليله، وأباح الجبائى ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها، كالعبادات الخمس.
قال الغزالي في (المستصفى): (العامي يجب عليه الاستفتاء، واتباع العلماء).
وقال بعض القدرية: يلزمه النظر في الدليل، واتباع الإمام المعصوم.
وقال: فإن قيل: فقد أبطلتم التقليد. قال: قلنا: التقليد هو قبول قول بلا حجة.
стр. 3857
وهؤلاء وجب عليهم ما أفتى به المفتى بدليل الإجماع، كما وجب قبول الشهود، وقبول خبر الواحد عند ظن الصدق، والظن معلوم، والعمل عند الظن معلوم بدليل قاطع، فهذا الحكم قاطع:
والتقليد جهل، وتسميته اتباعنا لرسول الله ﷺ تقليدًا مجاز وتوسع.
* * *
стр. 3858
القسم الثالث
فيما فيه الاستفتاء
قال الرازي: مسألة: لا يجوز التقليد في أصول الدين، لا للمجتهد، ولا للعوام.
وقال كثير من الفقهاء بجوازه.
لنا: أن تحصيل العلم في أصول الدين واجب على الرسول ﷺ ؛ فوجب أن يجب علينا، وإنما قلنا: إنه كان واجبًا على الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩] وإنما قلنا: (إنه لما كان واجبًا على الرسول ﷺ ، وجب أيضًا على أمته) لقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فإن قيل: لا نسلم أنه يمكن إيجاب العلم بالله تعالى، وذلك لأن المأمور إن لم يكن عالمًا بالله تعالى، فحالما لا يكون عالمًا بالله، استحال أن يكون عالمًا بأمر الله تعالى، وحالما يمتنع كونه عالمًا بأمر الله تعالى، يمتنع كونه مأمورًا من قبله؛ وإلا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، وإن كان عالمًا بالله -تعالى -استحال أمره به؛ لأن تحصيل الحاصل محال.
سلمنا: أن الرسول ﷺ كان مأمورًا بذلك؛ فلم قلت: إنه يلزم من كون الرسول مأمورًا كون الأمة مأمورين به؟
وما ذكرتم من الدليل معارض بأمور:
стр. 3859
أحدها: أن الأعرابي الجلف العامي كان يحضر، ويتلفظ بكلمتى الشهادة، وكان الرسول ﵊ -يحكم بصحة إيمانه، وما ذاك إلا التقليد.
وثانيها: أن هذه الدلائل لا يمكن الاطلاع عليها، إلا بعد ممارسة شديدة؛ وإنهم لم يمارسوا شيئًا من هذا العلم؛ فيمتنع اطلاعهم عليه، وإذا كان كذلك، تعين التقليد.
وثالثها: أنه ﵊ -لم يقل لأحد ممن تلفظ بكلمتي الشهادة: (هل علمت حدوث الأجسام، وأنه تعالى مختار، لا موجب -فدل هذا على أن خطور هذه المسائل بالبال، غير معتبر في الإيمان، لا تقليدًا، ولا علمًا.
ومنهم: من عول في هذه المسألة على طريقة أخرى؛ فقال: (أجمعت الأمة على أنه لا يجوز إلا تقليد المحق، لكن لا يعلم أنه محق إلا إذا عرف بالدليل أن ما يقوله حق، فإذن: لا يجوز له أن يقلد إلا بعد أن يستدل، ومتى صار مستدلا، امتنع كونه مقلدًا) فيقال لهم: هذا معارض بالتقليد في الشرعيات؛ فإنه لا يجوز له تقليد المفتي، إلا إذا كان المفتي قد أفتى؛ بناًء على دليل شرعي.
فإن قلت: (الظن فيه كاف؛ فإن أخطأ، كان ذلك الخطأ محطوطًا عنه):
قلت: فلم لا يجوز مثله في مسائل الأصول؟.
واعلم أن في هذه المسألة أبحاثًا دقيقة مذكورة في كتبنا الكلامية.
والأولى في هذه المسألة أن يعتمد على وجه، وهو أن يقال: دل القرآن على ذم التقليد في الشرعيات؛ فوجب صرف الذم إلى التقليد في الأصول، وإذا قد وفقنا الله تعالى بفضله؛ حتى تكلمنا في جميع أبواب أصول الفقه؛ فلتتكلم الآن فيما اختلف فيه المجتهدون أنه، هل هو من أدلة الشرع، أو ليس كذلك؟!.
стр. 3860
مسألة في شرائط الاستفتاء
قال القرافى: قوله: (منهم من أوجب الأخذ بقول الأعلم، وهو الأقرب):
تقريره: أن القاعدة الشرعية: أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها، فيقدم في القضاء من هو أعلم بوجوه الأقضية من التفطن لوجوه الحجاج، ومكايد الخصوم.
وفي الحروب من هو أعلم بمكايد الحروب، وسياسات الجيوش.
وفي كفالة الأيتام: من هو أعرف بيتمه والأموال، ومقادير الفروض.
وفي جباية الصدقات: من هو أعلم بالنصب، وأحكام الزكاة.
وربما كان المقدم في باب مؤخرًا في باب، فتقدم المرأة في الحضانة؛ لوفور شفقتها، وكثرة صبرها بالنسبة إلى الرجل؛ فإن أنفة الرجولية تأبى الصبر على الأطفال، فتقدم المرأة لذلك.
وتؤخر في الجهاد؛ لخور طبعها في الحروب، وملاقاة الأعداء، وأسباب الموت والفناء.
ولذلك قدم الفقيه في إمامه الصلاة؛ لكونه أعلم بتوقيعها، وعوارضها من القارئ، وكذلك -هاهنا -محط الفتيا، وسوغها، إنما هو العلم، فالأعلم يقدم.
قال الشيخ أبو إسحاق -في (اللمع): (إذا استويا ثلاثة أقوال: التخيير، تعيين الأرجح، يجتهد فيهما).
وقال أبو الخطاب الحنبلي في (التمهيد): (وقيل: يأخذ بالأشد، ويترك الأخف، إن كان فيهما أخف، وإذا قلنا بالتخيير، قال بعض الشافعية: ليس له أن يختار الأخف).
стр. 3861
وقال ابن برهان في كتاب (الأوسط): (قيل: يأخذ بالأشد؛ لأنه أحوط، وقيل: بالأخف؛ لأن الشريعة مبنية على المساهلة، وقيل: يرجع إلى فتوى قلبه، لقوله ﵇: (استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك).
وقيل: يتخير، وهو الأصح.
قوله: (وثانيهما: أن يستويا في العلم، ويتفاضلا في الدين، فيقدم الأدين):
قلنا: الذي يخير عند الاستواء في الدين، والتفاضل في العلم، يلزمه أن يخير هاهنا بطريقة الأولى؛ لأن العلم مدرك الفتيا، وعمادها، والتفاضل فيه لا يمنع التخيير.
فأول التخيير، لكن المصنف لم يحكه في هذا القسم.
قوله: (وثالثها: أن يكون أحدهما أرجح في علمه، فقيل: يؤخذ بقول الأدين، والأقرب ترجيح قول الأعلم):
قلنا: كان أصل التقسيم يستحق كلامًا آخر، فنقول: أحدهما أرجح في دينه، والآخر أرجح في علمه، ثم يحكى الخلاف.
لكن الواقع في نسخ عدة هو ذكر القسم الأول فقط.
فلعله تركه اكتفاًء بالمفهوم.
стр. 3862
وأما وجه تقديم الأدين؛ فلأن الدين يحث على استيعاب النظر، فيأمن من الخطأ.
(فائدة)
قال سيف الدين: (اتفقوا على جواز تقليد العامي لمن عرفه بالعلم، وأهلية الاجتهاد، وعلى امتناع اتباعه لمن عرفه بالضد، واختلفوا في جواز استفتاء من لم يعرفه بعلم، ولا جهالة) .
قال: والحق امتناعه.
وكذلك حكي هذا الخلاف الغزالي في (المستصفى)، وأختار ما اختاره سيف الدين.
(مسألة)
الرجل الذي تنزل به الواقعة إما أن يكون عاميا صرفًا .
قوله: (إن كان عاميًا صرفًا حل له الاستفتاء):
قلنا: هذا يتخرج على الخلاف المتقدم مع القدرية والجبائى.
قوله: (يجوز تقليد غير الصحابة لهم):
تقريره: قوله ﵇: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم).
فجعلهم هداة لغيرهم، ولم يجعل غيرهم كذلك.
قوله: (يجوز له التقليد فيما يخصه):
تقريره: أنه ضرورة بخلاف ما لا يتعلق به.
قوله: (لنا: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢]:
قلنا: قد تقدم الكلام على هذه الآية في القياس.
стр. 3863
قوله: (يحرم عليه التقليد كما في أصول الدين).
قلنا: الفرق أن أصول الدين إذا أخطأ فيه، اعتقد ما لا يجوز على الله -تعالى -وإذا أخطأ في الفروع، اعتقد ما هو جائز على الله -تعالى -وهذا فرق عظيم.
وأيضًا فإن أصول الين منحصرة، أمكنة تحصلها من أول عمره، أمنا الفروع فغير معلومة، ولا منضبطة، ولا متناهية، وفيها عسر، وهذا فرق آخر.
قوله: (المطلوب في الفروع الظن، وهو حاصل بالتقليد):
قلنا: ق تقم كلام الغزالي في أن اتباع المجتهدين ليس من باب التقليد، وأن التقليد هو أخذ القول بغير حجة، وأن أخذ قول المفتى بحجة هو الإجماع.
وكذلك تقم النقل فيه عن سيف الدين.
قوله: (يتنقص بقضاء القاضي؛ فإنه لا يجوز له خلافه، وإن كان متمكنًا من معرفة الحكم، فإنه لا معنى للتقليد، إلا وجوب العمل عليه غير حجة):
قلنا: لا نسلم أنه متمكن من معرفة الحكم؛ فإنه قد يحصر عليه المدارك في البينة.
سلمنا: أنه متمكن، لكن لا نسلم أنه مقلد؛ لأن الإجماع قام على وجوبه للعدول، فهو ليس تقليدًا كما تقدم نقله عن سيف الدين أول هذا الباب.
ثم قولكم: (لا معنى للتقليد إلا وجوب العمل من غير حجة):
قلنا: التقليد غير وجوب العمل، بل التقليد هو أخذ القول عن قائله بغير
стр. 3864
حجة ملزمة، وقد يجب العمل به، وقد لا يجب، بل قد يحرم كما في تقليد الكفار لأحبارهم.
وكذلك: الجواب عن قوله: (إن من دنا من رسول ﷺ -يجوز أن يسأل من غير الرسول ﷺ ).
قوله: (حديث المقداد مع على ﵁ -في أمر المذى الذي تقدم يقتضى جوازه):
ويمكن أن يقال: تلك حالة ضرورة من وجوه:
أحدها: أن سؤال علي ﵁ مع أن ابنته ﵇ -تحته مؤذ له ﵇ -وسوء أدب، بل معصية كبيرة.
وثانيهما: أن فيه ضررًا كبيرًا على علي ﵁ من جهة فرط الحياء من ذلك، لاسيما مع سيد الأولين والآخرين.
وثالثهما: احترام فاطمة ﵍ -فإن سؤال الرجال عن المذى وكثرته، يدل على فرط المجامعة، والحاجة لذلك، وذوو الأقدار ينفرون من الحديث في هذا، ويتأذون به.
وقد قال ﵇: (إن فاطمة بضعة منى يؤذيني ما يؤذيها)، فيعود ذلك إلى القسم الأول.
قوله: (في حجج الخصم: قوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣]:
стр. 3865
قلنا: هذا وإن سلمنا أنه عام في الأشخاص، فهو يطلق في الأحوال، فيحمل على حالة عم الاجتهاد، وعدم أهليته، وكذلك: قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩].
وكذلك: الجواب عن قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [التوبة: ١٢٢].
قال: (فإن قلت: إن عليا خالف فيه):
تقريره: أن عليا ﵁ -كان من أهل الشورى الذين عينهم عمر ﵁.
ويروى أن عبد الرحمن بن عوف بدأ به في البيعة قبل عثمان، فقال له: (أبايعك على كتاب الله -تعالى -وسنة رسول الله ﷺ -وسيرة الشيخين).
فقال: لا كراهية فيه؛ لظاهر اللفظ؛ لأنه يشعر أنه يلزمه ألا يجتهد، وأن يكون تابعًا لهما فيما اجتهد فيه مع أهلية الاجتهاد، وذلك لا يجوز. فتركه عبد الرحمن بن عوف، وبعث إلى عثمان، فقال له تلك المقالة، فقلبها؛ لأنه فهم من السيرة اتباع العدل، والإنصاف، والحجة البيضاء، وعدم اتباع الهوى، وهذا هو واجب عليه فيما اشترط عليه، إلا ما يجب عليه فعله، قبل ذلك القول، ولكل وجه حسن ﵃ أجمعين:
قوله: (يجب العمل بالظن، دفعًا للضر المظنون).
قلنا: قد تقدم الجواب عن هذا مرارًا، وأن الشرع لم يعتبر من الظنون إلا مراتب خاصة، فلم قلتم: إن هذا منها؟.
قوله: (الآية تقتضى وجوب السؤال، وهو غير واجب بالاتفاق):
стр. 3866
قلنا: لا نسلم عدم وجوبه مطلقًا، بل إذا تعينت الضرورة، والواقعة متعلقا به وجب السؤال.
وكذلك يجب السؤال على العامي، ومنها وجوب السؤال في حالين.
قوله: (المجتهد - بعد اجتهاده - ليس بعالم):
قلنا: لا نسلم، بل عالم؛ لأن الإجماع آخره أنه حكم الله -تعالى - في قه، وحق من قلده، فقد اجتمع على حكمه دليل ظني، وهو الذي أفاد ظنه من خبر الواحد، أو القياس أو نحوه، ودليل قطعي، وهو الإجماع.
ومتى اجتمع على المطلب الواحد ظني وقطعي، حصل القطع، كما تقرر أول الكتاب أن كل حكم شرعي معلوم.
(سؤال)
على استدلالهم بقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ [ النساء: ٥٩].
وهو أن طاعتنا لهم فرع أمرهم لنا حالة كوننا مجتهدين باتباعهم، ونحن نمنع أنهم يأمروننا بذلك؛ لأنه عندما غير جائز.
ثم إنه معارض بنهى من نهى منهم عن الإتباع؛ فإنهم تجب طاعتهم عملاً بالآية، وليس أحدهما أولى من الآخر، بل طاعة الناهي أولى؛ لأن النهى يعتمد المفاسد، والأمر يعتم المصالح، وعناية صاحب الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أقوى.
وهذا السؤال بعينه يرد على بقية الآيات المذكورة بعد هذا.
(سؤال)
على قوله: (الآيات دالة على الوجوب) -أن للخصم أن يقول: كل ما
стр. 3867
دل على الوجوب دل على الجواز، ومتى دل النص على أمرين، وانتفاء أحدهما بالإجماع بقى النص دليلاً على الآخر، فالدلالة قائمة.
(تنبيه)
زاد التبريزى: فقال: (المجتهد لو جوز أن يكون عند غيره نص يل على حكم الواقعة، وجب عليه طلبه، ولم يجز له الاجتهاد ؛ لاحتمال أن يكون النص على خلاف ما ظهر له.
وكذلك اجتهاده بعد الفراغ منه مانع من العمل باجتهاد غيره، والقدرة عليه وجب أن تكون مانعة؛ فإن احتمال المانع عند القدرة على تحصيل العلم به مانع لتحقيقه).
وقال في الجواب عن الآية: (إن الآية حملت على الوجوب في حق العامي، ولا خلاف في عدم الوجوب في حق المجتهد، فخرج عن مقتضاها).
يريد -والله أعلم - لئلا يصير اللفظ مستعملاً في حقيقته ومجازه، وهو مجاز مختلف فيه؛ فإن الأمر حقيقة في الوجوب، مجاز في غيره.
قال: (ولأنه من أهل الذكر؛ فيكون مسئولا سائلاً).
قال: (وآية الإنذار يعمل بها في الإنذار في الرواية في حق المجتهد).
وقال في قول المصنف: (إن سيرة الشيخين هي الحكم بالعدل، والإنصاف، والإعراض عن الدنيا): وهذا ضعيف؛ لأنه لو كان هو المراد، لما تأبى على ﵁ عن قبولها، وقد عرضت عليه أولاً، بل الجواب الصحيح أن ذلك يدل على أنه مذهبهما، ولا ينعقد به إجماع مع مخالفة على.
стр. 3868
قال وقوله: (ما أنكره، وإنما لم يقبله).
لم يتم؛ لأنه لو اعتقد جواره لقبل؛ فإنه كان طالبا لها بلا خلاف).
قال: (واحتجاج من خصص بالصحابة، بقوله ﵇: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) لا يصح؛ لأنا نرى هذه المنزلة في الشرع لآحاد العلماء من المجتهدين، ولكن الكلام في أن المخاطب به من هو؟
ونحن نقول: هم عوام عصره ﷺ -فإنه خطاب مشافهة ونداء للذين يخبرهم به ﵇ -إلى العلماء، وغيرهم، وقد ساعدوا على أن بعضهم لا يقلًد بعضًا، فتعين أن يكون الخطاب لغيرهم في الاقتداء بهم.
(مسألة)
(لا يجوز التقليد في أصول الدين)
قوله: (العلم واجب على النبي ﷺ -لقوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩]:
قلنا: هذا يخص الوحدانية فقط، فتكون الدعوى عامة، والدليل خاصًا، فلا يفيد، كم قال: اللحم كله حرام؛ لأن لحم الخنزير حرام. وكذلك قوله -تعالى -في الآية الأخرى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] مطلق؛ لأنه فعل في سياق الإثبات، فيفيد اتباعه في شيء واحد، فلا يعم الملة، وأيضًا فالإتباع ظاهر فيما فعله الذي يتبع، وإيجاد العلم ليس من فعله، بل من فعل الله -تعالى -فلا يتناوله الإتباع إلا بمقدمة زائدة على الآية، وهى أن يقول: إنه ﵇ -امتثل أمر ربه علمًا بظاهر حاله، وحصل في نفسه العلم، فيتبعه في ذلك.
قوله: (المكلف إن كان عالمًا بالله -تعالى- استحال تكليفه بالعلم؛ لئلا
стр. 3869
يلزم تحصيل الحاصل، وإن لم يكن عالمًا استحال أن يكون عالمًا يأمر الله تعالى).
قلنا: نلتزم القسمين، ولا يلزم المحال، فيكون عالمًا بالله -تعالى - علمًا إجماليًا، وتكليف العلم بالتفصيل، أو يكون عالمًا تفصيلاً، ويكلف بدوامه، ويحصل مثله في الأزمنة المستقبلة، كما أنا مأمورون باستدامة الإيمان في الأزمنة المستقبلة إلى الممات، وإن كنا في الحال مؤمنين.
سلمنا: أنه لا يكون عالمًا بالله -تعالى -لكن يكفى في علمه بأمر الله -تعالى -كونه قيل له: إنه موجود، أما أنت لا تعلمه، ولا تعرفه قد أمرك بكذا، فإنه يمكنه أن يبحث عن ذلك، ويسعى في معرفته؛ لأنه قد صار معلومًا له من جهة أنه مسمى له، ومذكور له، وأنت غير معلوم له.
كما يقول: المجهول مطلقًا يمتنع الحكم عليه، فيحكم عليه بعدم الحكم، مع أنه مجهول مطلقًا، لكنه معلوم من جهة أنه مجهول مطلقًا، كذلك هاهنا يكفي في معرفته لأمر الله -تعالى -هذا الوجه، ويكون غير عالم بالله -تعالى -من غير هذا الوجه.
قوله: (هذه الدلائل لا يمكن الاطلاع عليها إلا بعد ممارسة شديدة، وأنتم لم تمارسوا شيئًا من هذه العلوم):
قلنا: قد تقدم -أول هذا الباب -كلام سيف الدين على هذه المسألة، وأن المطلوب إنما هو العلم الإجمالي، وأنه مذكور في الطباع السليمة، والغائب عنها يحتاج إلى نظر لطيف، أما التبحر، والإطلاع على دقائق أصول الدين، فلم يوجبه أحد.
قوله: (وفي هذه المسألة أبحاث دقيقة -ذكرناها في كتبنا الكلامية):
تقريره: أنه ذكر في كتبه، أن التصورات غير مكتسبة؛ لأنها إما أن تكون
стр. 3870
مشعورًا، فلا يمتنع طلبها، أو غير مشعور بها، فيمتنع طلبها - كما تقدم -وإذا كانت التصورات غير مكتسبة، كان لزوم التصديقات عنها غير مكتسبة أيضًا؛ لأنه إما أن يكون مشعورًا، فلا يمكن كسبه؛ لئلا يلزم تحصيل الحاصل، أو غير مشعور به، فيمتنع طلبه -لما تقدم -وإذا كانت التصورات والتصديقات غير مكتسبة كان الدليل غير مكتسب، ولا يكون العلم ممكن التحصيل، فلا يجب.
وذكر -أيضًا -أمورًا أخرى لا أطول بذكرها -هاهنا -لأنه ليس موضعها.
قوله: (الأول الاعتماد على وجه واحد، وهو أن القرآن ذم التقليد، وثبت جوازه في الشرعيات، فيتعين صرفه إلى الأصول):
قلنا: هذا المدرك لا بد فيه من الجواب -عما تقدم - من كونه ﵇ كان لا يسأل الناس عن العلم بالعقائد؛ بل يكتفي بالشهادة.
وكذلك ما تقدم من الأسئلة للخصم، فما لم يحصل الجواب عنها لا يتم هذا الدليل، بل يحصل التعارض، فلا يحصل المقصود؛ بل وقوف النفس، وسكونها إلى ما حكى الخصم، ثم عن سيرته ﵇ -وسيرة السلف أقوى نم سكونها إلى هذه النكتة.
(تنبيه)
قال التبريزى: استدلال المصنف باطل من وجهين:
أحدهما: أن الآية نفسها إعلام بالتوحيد، وأمر بالتثبيت عليه؛ لا أنه تكليف بالتوصل إليه؛ لقول القائل: اعلم أنى أخوك، واعلم أنى قادر عليك.
وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن فهم الكلية يتوقف على العمل بالتكليف، وعم حصول المكلف به، وهما يتحدان هاهنا.
стр. 3871
والثاني: هو أنه يلزم منه أن النبي ﵇ -لم يكن عالمًا بالتوحيد، وهو محال.
الثاني: هو أنه وإن سلم -جدلاً -فما الدليل على وجوبه على غيره؟
قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] دلالته على وجوب التقليد له أقرب من دلالته - على وجوب مساواته في التصدي لمنصب النظر والاجتهاد، ولهذا لو قال لواحد من الجمع: أوجبت عليك طلب القبلة بالنظر، والاجتهاد، وقال لمن عداه: أوجبت عليكم اتباعه، كان السابق منه إلى الفهم وجوب الأخذ بقوله، والتوجه إلى حيث يتوجه هو باجتهاده.
قال: والجواب عما استدل به الفقهاء على عدم وجوب العلم بذلك أن القناعة بنفس الكلمة من غير مطالبة باعتقاد هذه القضايا، وإن كانت من الجلف الجافي وضع السيف عنه، لا يدل على عدم وجوب تحصيل المعارف حقيقة؛ فإنه لا خلاف في وجوب موافقة القلب لمقتضى الكلمة، واعتقاد صحة مضمونها مع القناعة بنفس الكلمة في عصمة الدم، وثبوت أحكام الدنيا مع العلم بانتفاء العقيدة، كما في حق المنافقين، أو الجهل بثبوتها كما في حق من أسلم تحت ظلال السيوف.
فإن قيل: ولكن نبه على وجوب الاعتقاد، وذم النفاق، وأوعد المنافقين أشد العقاب.
قلنا: وكذلك نبه؛ بل صرح بوجوب تحصيل هذه المعارف بالنظر. قال تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض﴾ [يونس: ١٠١]، ﴿قل سيروا في الأرض﴾ [الأنعام: ١١]، ﴿أفلم يسيروا في الأرض﴾ [غافر: ٨٢]، أي: بالاعتبار والفكر في القرون الماضية، ﴿الله الذي خلق سبع سموات، ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢] إلى آخر السورة.
стр. 3872
﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ [الغاشية: ١٧]، ﴿أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء﴾ [الروم: ٣٧]، ﴿أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق﴾ [الرمز: ٥٢]، ﴿ذلك لتعلموا أن الله يعلم﴾ [المائدة: ٩٧]، ﴿وما خلقت الجن، والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] أي: يعرفون.
(كنت كنزًا مخفيا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلفت خلقًا ليعرفوني). وشواهد ذلك لا تحصى في الكتاب والسنة.
قلت: قوله: (الآية إعلام بالتوحيد، لا يكلف به) -لا يتم؛ لأن الأمر ظاهر في الوجوب.
وكذلك نقول في قول القائل: (اعلم أني أخوك): اقتضاء لتحصيل العلم بذلك، وكونها دالة على التوحيد، لا ينافى أنها دالة على وجوب تحصيل العلم به، كما إذا قلنا: اعلم أن زيدًا في الدار؛ فإنه أمر بتحصيل العلم بذلك، هو إعلام بكونه في الدار؛ فإن العلم لا يحصل بوقوع الشيء في نفس الأمر، إلا إذا كان واقعًا فيه.
قوله: (ذلك يتوقف على معرفة المكلف، وعدم حصول المكلف به) -ممنوع؛ لأن المكلف الذي هو الأمر يكون معلومًا إجمالاً -كما تقدم -في المثال بالمجهول، غيره.
وأما عدم المكلف به، فإن أراد عدم نوعه فممنوع؛ لأن نوعه، قد يكون حاصلاً في الحال، والمطلوب إفراد ذلك النوع في المستقبل -كما تقدم -في الإيمان.
وإن أراد شخصه فمسلم، لكن لا يحصل مقصوده من جهة أن الآية لم تدل على وجوب.
وقوله: (وهما متحدان هاهنا) -ممنوع، بل المكلف هو الله -تعالى -
стр. 3873
والمكلف به هو العلم بانتفاء غيره المشابه له، في كمال بقائه، وعلو شأنه، وانتفاء نظير الشيء غير الشيء، والعلم بالشيء غير العلم بعدم نظيره.
وقوله: (يلزم أن يكون النبي ﵇ -غير عالم بالتوحيد) - ممنوع، بل يكون عالمًا في الحال، وهو مأمور بتحصيل أفراد ذلك النوع من العلم في المستقبل، كما تقدم في الإيمان).
وقوله: (الآية دالة على وجوب التقليد):
قلنا: تقدم أن التقليد هو الاتباع الذي لا حجة فيه، واتباعه ﵇ -فيه حجج المعجزة وغيرها، ومنها هذه الآية؛ فهذا ليس تقليدًا.
(مسألة)
قال سيف الدين: إذا اتبع العامي مجتهدًا في حكم صلاته، وعمل بقوله، اتفقوا على أن ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم .
واختلفوا في رجوعه إلى غيره في غير ذلك الحكم، واتباع غيره فيه، فمنع وأجيز، وهو الحق نظرًا لإجماع الصحابة -رضوان الله عليهم -في تسويغهم للعامي الاستفتاء لكل عالم في كل مسألة، ولم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعًا لما جاز من الصحابة -رضوان الله عليهم -إهماله، والسكوت عن الإنكار عليه؛ ولأن كل مسألة لها حكم نفسها، فكما لم يتعين الاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله، فكذلك في المسألة الأخرى.
أما إذا عين العامي مذهبًا معينًا، كمذهب الشافعي، أو أبى حنيفة أو غيره
стр. 3874
-وقال: أنا على مذهبه، وملتزم له، فجوز قوم اتباع غيره في مسألة من المسائل نظرًا إلى أن التزام ذلك المذهب غير ملزم له.
ومنعه آخرون؛ لأن التزامه ملزم له كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة معينة، والمختار التفصيل:
وهو أن كل مسألة من مذهب الأول اتصل عمله بها، فليس له تقليد الغير فيها، ومل لم يتصل عمله بها، فلا مانع من اتباع غيره.
(فائدة)
(كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام -رحمة الله -يذكر في هذه المسألة إجماعين على أن من أسلم لا يجب عليه اتباع إمام معين، بل هو مخير،
стр. 3875
فإذا قلد إمامًا معينًا، وجب أن يبقى ذلك التخيير المجمع عليه حتى يحصل ليل على رفعه، لاسيما الإجماع لا يرفع إلا بما هو مثله في القوة).
(فائدة)
كان الشيخ عز الدين يقول: (حيث قلنا بجواز التقليد، والانتقال في المذاهب؛ فإنما نقول به فيما لا ينقض فيه قضاء القاضي ، وأنما لم نقره شرعًا إنا تأكد بقضاء القاضي أولى ألا نقره شرعًا إذا لم يتأكد، والذي ينقض فيه قضاء القاضي أحد أربعة:
ما خالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، الذي لا يحتمل التأويل، أو القياس الجلي).
وبهذا الضابط يخرج كثير من فروع المذاهب، فلا يجوز أن يتبع فيها قائلها إلا أل مذهبه، ولا غير أهل مذهبه؛ لأنا لا نقرها شرعًا، والاتباع في غير ما هو شرع غير مشروع.
(فائدة)
إذا لم نجعله شرعًا، وكان في المسألة قولان: هل يصير القول الأخير مجمعًا عليه ، حتى يكون مخالفه مخالفًا للإجماع.
الحق أنه ليس كذلك؛ لأن قائله يصير كالساكت.
والإجماع لا ينعقد بدون السكت، ولا يمكن أن يقال أيضًا: إنه إجماع سكوتى على الرضا بما نطق به في الفريق الآخر، ففي هذه الصورة ساكت صرح ببطلان ما قاله خصمه، وأفتى بضه، فلا يكون إجماعًا سكوتيا.
(فائدة)
إذا قلنا بجواز الانتقال والتقليد، وهو اختيار الشيخ عز الدين، وسيف الدين -كما تقدم -وجماعة من العلماء، فمن شرطه: ألا يجمع بين المذاهب على وجه يكون خارقًا للإجماع.
стр. 3876
مثاله: ما سألني عنه بعض الناس في جواز تقليد مالك في طهارة ما خرز بشعر الخنزير؟
فقلت: يجوز؛ غير أنى أخشى عليك أن تمسح بعض رأسك، أو تترك التدلك في طهارتك، فيجتمع الإمامان على الفتيا ببطلان صلاتك، يبطلها مالك لعدم التدلك، والشافعي لنجاسة شعر الخنزير، فإذا أردت اتباع مالك في هذه المسألة، فلا توقع في صلاتك ما يقول: إنه مبطل لصلاتك، وإلا فابق على مذهب الشافعي مطلقًا.
وقس على ذلك نظائره.
(فائدة)
قال بعض العلماء: (لا يجوز اتباع رخص المذاهب، بل يجوز الانتقال إلى مذهب بكماله) .
فإن أراد ما هو على خلاف تلك الأمور الأربعة، التي ينقض فيا قضاء القاضي فمسلم.
وإن أراد ما فيه توسعة على المكلف -وإن لم يكن على خلاف ذلك.
فلم قال: إنه ممنوع؟ بل قوله ﵇: (بعثت بالحنيفية السمحة السهلة) يقتضى جواز ذلك؛ لأنه نوع من اللطف، والشريعة لم تر لمقصد إلزام العباد المشاق، بل بتحصيل المصالح الخاصة، أو الراجحة، وإن شقت عليهم.
(فائدة)
قال ابن برهان في كتابه (الأوسط): (يتخرج على الخلاف في هذه المسألة تقليد الصحابة -رضوان الله عليهم -لأن مذاهبهم لم يكثر فروعها، حتى تكفى المكلف طول عمره فتوى ذلك الصحابي؛ بخلاف مذاهب المتأخرين، كل مذهب منها لاتساعه يكفى المكلف طول عمره).
стр. 3877
(مسألة)
قال إمام الحرمين في (البرهان): (أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذهب أعيان الصحابة ﵃ -بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة ، الذين سروا، ونظروا، وبوبوا الأبواب، وذكروا أوضاع المسائل، وتعرضوا الكلام على مذاهب الأولين؛ والسبب فيه أن الذين درجوا وإن كانوا قدوة للمسلمين، فإنهم لم يعتنوا بتهذيب مسائل الاجتهاد، وإيضاح طرق النظر، والذين بعدهم من أئمة المسلمين كفوا من بعدهم النظر في مذاهب الصحابة ﵃ -فكان العامي مأمورًا باتباع مذهب السائرين والسابقين، وإن كان له حق الوضع، والتأسيس، والتأصيل، فللمتأخر حق التكميل، وكل موضع على الافتتاح، فقد يتطرق إلى مبادئه بعض النسخ، ثم يندرج المتأخر إلى التهذيب، والتكميل، فيكون المتأخر أحق أن يتبع؛ لجمعه المذاهب، وبيانها.
وهذا واضح في الحرف، والصناعات، فضلاً عن العلوم، ومسالك الظنون).
قلت: رأيت للشيخ تقي الدين بن الصلاح ما معناه: أن التقليد يتعين لهذه الأئمة الأربعة دون غيرهم من الصحابة ﵃ -وغيرهم.
وعلل ذلك بغير طريقة الإمام، وقال: إن مذاهب هؤلاء انتشرت، وانبسطت، حتى ظهر فيها تقييد مطلقها، وتخصيص عامها، وشروط فروعها.
فإذا أطلقوا حكمًا في موضع وج تكميله في موضع آخر.
أما غيرهم، فتنقل عنه الفتاوى مجرة، فلعل لها مكملاً، ومقيدًا، أو
стр. 3878
مخصصًا لو انبسط كلام قائله لظهر، فيصير في تقليده على غير ثقة، بخلاف هؤلاء الأربعة.
وهذا توجيه حسن فيه من الأدب ما ليس في كلام إمام الحرمين، غير أن عليه سؤلاً تخلص عنه إمام الحرمين، وهو أنه على هذا التقدير يتعذر علينا نقل مذاهبهم في أي مسألة حاولنا ذلك، بل نلزم أحد الأمرين: إما عدم جواز النقل عنهم لمذاهبهم؛ لعم انضباطها أو جواز النقل؛ للضبط مع جواز التقليد، أما منع التقليد لتوهم عدم ضبط شروط تلك المسائل، فذلك بعينه يمنع النقل عنهم.
فلعل ما ننقله عنهم لو جمعت شروطه جاز، وفرعه لمن يجزم بنقله له خلاف، ويمكن الجواب عنه:
بأن أمر النقل خفيف بالنسبة إلى العمل؛ فإنه ق يكون المقصود منه الاطلاع على وجوه الفقه، والمبنية للمدارك، وعدم الوفاق، فيوجب ذلك التوقف عن أمور، والحث على أمور.
وقال ابن برهان في كتاب (الأوسط): (تقليد الصحابة ﵃ -يخرج على جواب الانتقال في المذاهب، فمن منعه قال: مذاهب الصحابة لم يكثر فروعها حتى لا يمكن الاكتفاء بها، فيؤديه ذلك إلى الانتقال، وهو ممنوع، ومذاهب المتأخرين تمهدت، فيكفى المذهب الواحد المكلف طول عمره، فيكمل بهذا الحكم، وهو منع تقليد الصحابة.
(مسألة)
قال سيف الدين: (اختلفوا هل يجوز خلو عصر من الأعصار عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه ؟.
стр. 3879
منع منه قوم كالحنابلة وغيرهم، وجوزه آخرون، وهو المختار؛ لأن الأصل عم المنع، وعم الدليل على ذلك. احتجوا بقوله ﵇: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق، حتى يأتي أمر الله، وحتى يظهر الدجال).
وبقوله ﵇: (العلماء ورثة الأنبياء).
ولأن التفقة فرض كفاية؛ فلو اتفق الكل على تركه لأثموا، فيندموا على الخطأ، وهو محال على الأمة.
ولأن الاجتهاد طرق معرفة الأحكام؛ فلو تعذر تعذرت معرفة الأحكام.
قال: والجواب عن النصوص معارضتها بما يدل على ضد ذلك من قوله ﵇: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فأفتوا بغير علم،
стр. 3880
فضلوا وأضلوا)، وقوله ﵇: (لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة) ... والأحاديث في هذا كثيرة.
وعن المعقول: أنه إنما يكون فرضًا إذا لم يمكن أن يعتمد العوام على الأحكام المنقولة عن المجتهدين المتقدمين، فلا يغلب على الظن، أما إذا أمكن فلا.
(مسألة)
قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): من اجتمعت فيه شرائط الفتوى؛ فإن كان في الإقليم غيره، لم يتعين عليه الفتيا، والتعليم؛ بل هو فرض كفاية ، وإلا تعين عليه الفتيا والتعليم، ويجب عليه أن يبين الجواب.
فإنه كان المستفتى هو صاحب الواقعة سأله، فأفتاه، بما يثبت عنده من المسألة، وإن لم يكن حاضرًا، والمسألة تحتاج لتفصيل فصل الجواب، وإن لم يعلم لسان المفتى للمستفتى قبل فيه ترجمة عدل؛ لأن طريقه الخبر، قيقبل فيه خبر الواحد.
стр. 3881
(مسألة)
قال الشيخ: أبو إسحاق في (اللمع): (لا يجوز للمستفتى أن يستفتى كل من يتزيا بزى أهل العلم ، ويدعيه، ويعتزى إليه، كالقضاة، وغيرهم؛ لأنا لا نأمن أن يكون المسئول غير فقيه، أو غير أمين يتساهل في الأحكام، بل لا بد أن يعرف حال المفتى في الفقه، والأمانة، ويكفيه في ذلك خبر عدل؛ لأن طريقه الخبر، وكذلك قاله الباجى المالكي في (الفصول).
وقال ابن برهان في كتاب (الأوسط): (اختلفوا في الطرق التي عليها يعتمد: فقيل: يجتهد بانتشار اسمه وصفته.
وقيل: يسأله هل أنت أهل للتقليد أمن لا؟ فإن أقر بذلك قلده.
وقيل: يحلفه على ذلك، وقد كان على بن أبي طالب ﵁ -يحلف الرواة عن رسول الله ﵇.
(مسألة)
قال أبو الخطاب الحنبلي في (التمهيد): (لله -تعالى -على الأحكام أدلة من الكتاب، أو السنة، أو القياس، خلاف لمن قال: لا دليل على الحكم سوى ظن المجتهد .
لنا: قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩]؛ ولحديث معاذ، ولإجماع الناس على أنهم يفزعون عند نزول الحوادث إلى هذه المدارك ومناظرات بعضهم بعضًا بها.
كما احتجوا بأنه لو كان عليه أمارة متعينة من كتاب أو سنة، أو قياس لوجب إذا نظر فيها المجتهد أن يؤديه إلى ما قاله خصمه، كمن سلك طريقًا إلى مقصد؛ كل من سلكه أداه إليه جوابه أن أحدهما قد يقتصر في اجتهاده.
стр. 3882
(مسألة)
قال أبو الخطاب الحنبلي في (التمهيد): (إذا أفتاه، ولم يعمل بفتواه حتى مات المفتى، فهل يجوز له العمل بما أفتاه ؟ يحتمل أنه لا يجوز، لأنه لا يدرى أنه لو عاش هل يرجع عن ذلك الحكم أم لا؟.
أو يجوز له العمل؛ لأنه بالموت زال عن المفتى التكليف.
قلت: هذا الكلام احتمال، وليس جزمًا.
وأما العالمي من الحنفية: فقد حكي الخلاف صريحًا، واختار الجواز.
قال: وهو الصحيح.
(مسألة)
قال العالمي الحنفي في كتابه: إذا اعتدل القولان عن المفتى اختلفوا فيه: فقيل: يفتى بأيهما شاء، وقيل: يخير المستفتى بين القولين؛ لأنه إنما يفتيه بما يراه، والذي يراه هو التخيير.
(مسألة)
قال ابن برهان في كتاب (الأوسط): (إذا استفتى العامي في حادثة، ثم حدثت تلك الحادثة مرة أخرى، هل يجوز له الاكتفاء بتلك الفتوى ؟ أم يجب عليه تجديد السؤال؟ قولان.
قلت: وهذا يتجه إذا كان المفتى مجتهدًا، أو كان في زماننا.
لكن المسألة وقع فيها اجتهاد، وتخريج، حتى يحتمل تغير الاجتهاد.
أما الفتيا بالنقل الصرف الذي لا يحتمل تغير الاجتهاد، فلا حاجة للسؤال، غير أن المستفتى قد لا يعلم الحال، فيسأل لاحتمال أنها اجتهادية، أما إذا علم فلا؟.
стр. 3883
قال: ويجوز للعامي أن يرسل من يسأل له إذا كان موثوقًا.
(مسألة)
قال ابن برهان في كتاب (الأوسط): (لا يجوز تقليد المجتهد الميت، مع وجود المجتهد الحى؛ لأن الحى أولى) .
(مسألة)
قال ابن برهان: (من كان مقلدًا لصاحب مذهب، وقد أحاط بنصوص ذلك المذهب، وكان مجتهدًا بالقياس، كان مجتهدًا في ذلك المذهب ولا يشترط حفظه للنصوص، ومعرفته بالقياس، بل لا بد من معرفته قواعد ذلك المذهب، ومداركه.
فإنها أصول تلك النصوص التي يقيس عليها الحوادث ليست منصوصة، فمتى وجد بين الحادثة والقاعدة فرقًا، يمكن أن يقول به إمامه: امتنع عليه القياس.
أما إحاطة المفتى بالنصوص من غير قواعد، فذلك يمنعه من القياس.
(مسألة)
قال ابن برهان في كتاب (الأوسط): لا شك أن أهل العترة من أهل الاجتهاد ؛ لأن بعضهم ولى الخلافة، ولا يليها إلا مجتهد.
ومنهم من انتشرت فتاواه، وأقر عليها، ولا يقر عليها إلا مفت.
وكذلك من انتشرت فتاواه كابن مسعود، ابن عباس، وعائشة، وغيرهم.
وقال الحنفية: أبو هريرة، وابن عمر، أنس، وجابر ليسوا فقهاء؛ بل رواة، وهو باطل؛ لأن ابن عمر أفتى في زمن الصحابة، وأبو هريرة ولى القضاء، وأنس وجابر أفتيا في من الصحابة ﵃ أجمعين.
стр. 3884
واختلف أصحابنا، وأصحاب أبى حنيفة في المزني، وأبى يوسف، ومحمد بن الحسن، أبى العباس بن سريج:
فقيل: مجتهدون مطلقًا.
وقيل: بل في المذهب.
* * *
стр. 3885
الكلام فيما اختلف فيه المجتهدون من أدلة الشرع
وفيه المسائل:
المسألة الأولى: في حكم الأفعال:
اعلم أنا بينا في أول هذا الكتاب أنه لا حكم قبل الشرع، أجبنا عن شبه المخالفين، ونريد الآن أن نبين أن الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع بأدلة الشرع؟ فإن ذينك أصلان نافعان في الشرع:
أما الأصل الأول: فالدليل عليه وجوه:
المسك الأول: التمسك بقوله تعالى: ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩] واللام تقتضي الاختصاص بجهة الانتفاع.
فإن قيل: لا نسلم أن اللام تقتضي الاختصاص بجهة الانتفاع؛ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧] ﴿لله ما في السموات والأرض﴾ [البقرة: ٢٨٤] ففي هاتين الآيتين يمتنع أن تكون اللام للاختصاص بالمنافع، ولأن النحاة قالوا: اللام للتمليك، وهو غير ما قلتموه. سلمنا ذلك؛ ولكنه يفيد مسمى الانتفاع، أو يفيد كل الانتفاعات؟.
الأول مسلم، ويكفي في العمل بها حصول فرد واحد من الانتفاعات، وهو الاستدلال بها على الصانع تعالى.
والثاني ممنوع؛ فما الليل؟ سلمنا أنه يفيد كل الانتفاعات، لكن بالخلق؛ لأن اللام داخلة على الخلق؛ فلم قلت: إن المخلوق كذلك؟.
стр. 3886
سلمنا أنه يفيد الانتفاع بالمخلوق؛ لكن لكل واحد في حال واحد؛ لأن هذا مقابلة الجمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد فقط.
سلمنا أنه يفيد العموم؛ لكن كلمة (في) للظرفية، فيدل على إباحة كل ما في داخل الأرض، وهو الركاز المعادن؛ فلم قلتم: إن ما على الأرض كذلك؟
سلمنا إباحة كل ما على الأرض؛ لكن في ابتداء الخلق؛ لأن قوله: ﴿خلق لكم﴾ [البقرة: ٢٩] يشعر بأنه حالما خلقها إنما خلقها لنا؛ فلم قلتم: إنه بقي في الدوام كذلك؟.
فإن قلت: (الأصل في الثابت البقاء):
قلت: هذا فيما يحتمل البقاء؛ لكن كونه مباحًا صفة، والصفة لا تبقى.
سلمنا الإباحة حدوثًا وبقاًء؛ لكن، لمن كان موجودًا وقت ورود هذا الخطاب؛ لأن قوله تعالى: ﴿خلق لكم﴾ خطاب مشافهة؛ فيختص بالحاضرين.
سلمنا أنه يدل على اختصاصها بنا؛ لكن قوله تعالى: ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ [البقرة: ٢٨٤] ينافي ذلك.
والجواب: الدليل على أن اللام تفيد المنفعة قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال ﵊: (النظرة الأولى لك، والثانية عليك) وقال ﵊: (له غنمه، وعليه غرمه) ويقال: (هذا الكلام لك، وهذا عليك).
غاية ما في الباب أنها جاءت في سائر المواضع لمطلق الاختصاص، فنقول:
стр. 3887
لو جعلناه حقيقة في الاختصاص النافع، أمكن جعله مجازًا في مسمى الاختصاص؛ لأن مسمى الاختصاص جزء من الاختصاص النافع، والجزء لازم للكل، واللفظ الدال على الشيء يصح جعله مجازًا عن لازمه، أما لو جعلناه حقيقة لمسمى الاختصاص لم يكن الاختصاص النافع لازمًا؛ لأن الخاص لا يكون لازمًا للعام، وإذا لم يوجد اللوم لم يجز جعله مجازًا عنه.
وأما قول النحاة: (اللام للتمليك) فلم يريدوا أنها حقيقة للملك؛ وإلا لبطل بقوله: (الجل للفرس) بل مرادهم: الاختصاص النافع، وهو عين ما قلناه.
قوله: (يكفي حصول فرد من أفراد الانتفاعات، وهو الاستدلال بها على الصانع تعالى):
قلنا: لا يمكن حمل الآية على هذا النفع؛ لأن هذا النفع حاصل لكل مكلف من نفسه، فإنه يمكنه الاستدلال بنفسه على الصانع، وإذا حصل له هذا النفع من نفسه، كان تحصيل هذا الجنس من النفع من غيره ممتنعًا؛ لأن تحصيل الحاصل محال.
قوله: (اللام داخله على الخلق؛ فلم قلت: المخلوق كذلك؟):
قلنا: الخلق هو المخلوق؛ لقوله تعالى: ﴿هذا خلق الله﴾ [لقمان: ١١] أي مخلوق الله، وبتقدير أن يكون الخلق غير المخلوق؛ لكن لا نفع للمكلف في صفة الله تعالى، فوجب أن يكون المراد ها هنا من الخلق المخلوق.
قوله: (مقابلة الجمع بالجمع تقتضي مقابلة الفرد بالفرد):
قلنا: لا نسلم أن هذا مقابلة الجمع بالجمع، بل هذا يجري مجرى تمليك
стр. 3888
الدار الواحدة لشخصين؛ فكما أن ذلك يقتضي تعلق حق كل واحد منهما، لا بجزء معين من الدار؛ بل بجميع أجزاء الدار؛ فكذا ها هنا.
قوله: (كلمة: (في) لا تتناول إلا ما كان في باطن الأرض).
قلنا: لا نسلم؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠].
قوله: (وهب أنه ثبت هذا الحكم في الابتداء؛ فلم قلت: إنه يدوم؟):
قلنا: لأن الأصل فيم يثبت بقاؤه.
قوله: (هذا الاختصاص صفة؛ فلا تقبل الدوام):
قلنا: لكن حكم الله تعالى صفة؛ فهي واجبة الدوام.
قوله: (وهب أن هذا الحكم ثبت للمخاطبين بهذا الخطاب؛ فلم قلت: إنه يثبت في حقنا؟):
قلنا: لأن الله تعالى، لما حكم بذلك في حقهم، وقد حكم به الرسول أيضًا في حقهم؛ فوجب أن يكون قد حكم به أيضًا في حقنا؛ لقوله ﵊ (حكمي في الواحد، حكمي في الجماعة).
قوله: هذا معارض بقوله تعالى: ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ [البقرة: ٢٨٤].
قلنا: التعارض إنما يثبت أن لو ثبت في الموضعين بمعنى واحد؛ وهو محال؛ لأن الذي أثبتناه في حقنا هو الاختصاص النافع؛ وذلك في حق الله -تعالى - محال، فإذن: لا تعارض، بل ذلك الاختصاص ليس إلا بجهة الخلق والإيجاد.
стр. 3889
المسلك الثاني: قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢] أنكر الله -تعالى -على من حرم زينة الله؛ فوجب ألا تثبت حرمة زينة الله، وإذا لم تثبت حرمة زينة الله، امتنع ثبوت الحرمة في كل فرد من أفراد زينة الله؛ لأن المطلق جزء من المقيد، فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراد زينة الله تعالى لثبتت الحرمة في زينة الله تعالى؛ وذلك على خلاف الأصل، وإذا انتفت الحرمة بالكلية، ثبتت الإباحة.
المسلك الثالث: أن -الله -تعالى قال: ﴿أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٤] وليس المراد من الطيب الحلال؛ وإلا لزم التكرار؛ فوجب تفسيره بما يستطاب طبعًا، وذلك يقتضى حل المنافع بأسرها.
المسلك الرابع: القياس: وهو أنه انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك قطعًا، ولا على المنتفع ظاهرًا؛ فوجب ألا يمنع؛ كالاستضاءة بضوء سراج الغير، ولاستظلال بظل جداره.
وإنما قلنا: إنه لا ضرر فيه على المالك؛ لأن المالك هو الله تعالى، والضرر عليه محال، وأما ملك العباد، فقد كان معدومًا، والأصل بقاء ذلك العدم، ترك العمل به فيما وقع اتفاق الخصم على كونه مانعًا، فيبقى في غيره على الأصل.
فإن قيل: (فهذا يقتضى القول بإباحة كل المحرمات؛ لأن فاعلها ينتفع بها، ولا ضرر فيها على المالك، ويقتضى سقوط التكاليف بأسرها، ولا شك في فساده.
وأيضًا: بالقياس على الاستضاءة والاستظلال غير جائز؛ لأن المالك لو منع
стр. 3890
من الاستضاءة والاستظلال، قبح ذلك منه؛ والله -تعالى -لو منع، من الانتفاع، لم يقبح):
والجواب عن الأول: أنا احترزنا عنه بقولنا: (ولا ضرر على المنتفع ظاهرًا) وهاهنا في فعل ما نهى الله عنه، ترك ما أمر به ضرر، أما على قول المعتزلة: فلأنه لولا اشتمال الفعل والترك على جهة؛ لأجلها حصل النهى، وإلا لما جاز ورود النهى، وأما عندنا: فلأن الله -تعالى -لما توعدنا بالعقاب عليه، كان مشتملاً على الضرر؛ فلم يكن واردًا علينا.
وعن الثاني: أنه لا يجب أن يكون الفرع مساويًا للأصل من كل الوجوه؛ بل يكفى حصول المساواة فيه من الوجه المقصود.
المسلك الخامس: وهو أن الله -تعالى -خلق الأعيان: إما لا لحكمة، أو لحكمة.
والأول باطل؛ لقوله تعالى: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الدخان: ٣٨] وقوله: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] ولأن الفعل الخالي عن الحكمة عبث، والعبث لا يليق بالحكيم.
وأما إن كان خلقها لحكمة، فتلك الحكمة: إما عود النفع إليه، أو إلينا.
والأول: محال؛ لاستحالة الانتفاع عليه، فتعين أنه -تعالى -إنما خلقها؛ لينتفع بها المحتاجون؛ وهذا يقتضى أن يكون المقصود من الخلق نفع المحتاج، وإذا كان كذلك؛ كان نفع المحتاج مطلوب الحصول، أينما كان، فإن منع منه؛ فإنما يمنع، لأنه بحيث يلزمه رجوعه ضرر إلى محتاج.
следующие страницы →