← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

سلمنا أنه يفيد الانتفاع بالمخلوق؛ لكن لكل واحد في حال واحد؛ لأن هذا مقابلة الجمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد فقط. سلمنا أنه يفيد العموم؛ لكن كلمة (في) للظرفية، فيدل على إباحة كل ما في داخل الأرض، وهو الركاز المعادن؛ فلم قلتم: إن ما على الأرض كذلك؟ سلمنا إباحة كل ما على الأرض؛ لكن في ابتداء الخلق؛ لأن قوله: ﴿خلق لكم﴾ [البقرة: ٢٩] يشعر بأنه حالما خلقها إنما خلقها لنا؛ فلم قلتم: إنه بقي في الدوام كذلك؟. فإن قلت: (الأصل في الثابت البقاء): قلت: هذا فيما يحتمل البقاء؛ لكن كونه مباحًا صفة، والصفة لا تبقى. سلمنا الإباحة حدوثًا وبقاًء؛ لكن، لمن كان موجودًا وقت ورود هذا الخطاب؛ لأن قوله تعالى: ﴿خلق لكم﴾ خطاب مشافهة؛ فيختص بالحاضرين. سلمنا أنه يدل على اختصاصها بنا؛ لكن قوله تعالى: ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ [البقرة: ٢٨٤] ينافي ذلك. والجواب: الدليل على أن اللام تفيد المنفعة قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال ﵊: (النظرة الأولى لك، والثانية عليك) وقال ﵊: (له غنمه، وعليه غرمه) ويقال: (هذا الكلام لك، وهذا عليك). غاية ما في الباب أنها جاءت في سائر المواضع لمطلق الاختصاص، فنقول:

стр. 3887

لو جعلناه حقيقة في الاختصاص النافع، أمكن جعله مجازًا في مسمى الاختصاص؛ لأن مسمى الاختصاص جزء من الاختصاص النافع، والجزء لازم للكل، واللفظ الدال على الشيء يصح جعله مجازًا عن لازمه، أما لو جعلناه حقيقة لمسمى الاختصاص لم يكن الاختصاص النافع لازمًا؛ لأن الخاص لا يكون لازمًا للعام، وإذا لم يوجد اللوم لم يجز جعله مجازًا عنه. وأما قول النحاة: (اللام للتمليك) فلم يريدوا أنها حقيقة للملك؛ وإلا لبطل بقوله: (الجل للفرس) بل مرادهم: الاختصاص النافع، وهو عين ما قلناه. قوله: (يكفي حصول فرد من أفراد الانتفاعات، وهو الاستدلال بها على الصانع تعالى): قلنا: لا يمكن حمل الآية على هذا النفع؛ لأن هذا النفع حاصل لكل مكلف من نفسه، فإنه يمكنه الاستدلال بنفسه على الصانع، وإذا حصل له هذا النفع من نفسه، كان تحصيل هذا الجنس من النفع من غيره ممتنعًا؛ لأن تحصيل الحاصل محال. قوله: (اللام داخله على الخلق؛ فلم قلت: المخلوق كذلك؟): قلنا: الخلق هو المخلوق؛ لقوله تعالى: ﴿هذا خلق الله﴾ [لقمان: ١١] أي مخلوق الله، وبتقدير أن يكون الخلق غير المخلوق؛ لكن لا نفع للمكلف في صفة الله تعالى، فوجب أن يكون المراد ها هنا من الخلق المخلوق. قوله: (مقابلة الجمع بالجمع تقتضي مقابلة الفرد بالفرد): قلنا: لا نسلم أن هذا مقابلة الجمع بالجمع، بل هذا يجري مجرى تمليك

стр. 3888

الدار الواحدة لشخصين؛ فكما أن ذلك يقتضي تعلق حق كل واحد منهما، لا بجزء معين من الدار؛ بل بجميع أجزاء الدار؛ فكذا ها هنا. قوله: (كلمة: (في) لا تتناول إلا ما كان في باطن الأرض). قلنا: لا نسلم؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠]. قوله: (وهب أنه ثبت هذا الحكم في الابتداء؛ فلم قلت: إنه يدوم؟): قلنا: لأن الأصل فيم يثبت بقاؤه. قوله: (هذا الاختصاص صفة؛ فلا تقبل الدوام): قلنا: لكن حكم الله تعالى صفة؛ فهي واجبة الدوام. قوله: (وهب أن هذا الحكم ثبت للمخاطبين بهذا الخطاب؛ فلم قلت: إنه يثبت في حقنا؟): قلنا: لأن الله تعالى، لما حكم بذلك في حقهم، وقد حكم به الرسول أيضًا في حقهم؛ فوجب أن يكون قد حكم به أيضًا في حقنا؛ لقوله ﵊ (حكمي في الواحد، حكمي في الجماعة). قوله: هذا معارض بقوله تعالى: ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ [البقرة: ٢٨٤]. قلنا: التعارض إنما يثبت أن لو ثبت في الموضعين بمعنى واحد؛ وهو محال؛ لأن الذي أثبتناه في حقنا هو الاختصاص النافع؛ وذلك في حق الله -تعالى - محال، فإذن: لا تعارض، بل ذلك الاختصاص ليس إلا بجهة الخلق والإيجاد.

стр. 3889

المسلك الثاني: قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢] أنكر الله -تعالى -على من حرم زينة الله؛ فوجب ألا تثبت حرمة زينة الله، وإذا لم تثبت حرمة زينة الله، امتنع ثبوت الحرمة في كل فرد من أفراد زينة الله؛ لأن المطلق جزء من المقيد، فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراد زينة الله تعالى لثبتت الحرمة في زينة الله تعالى؛ وذلك على خلاف الأصل، وإذا انتفت الحرمة بالكلية، ثبتت الإباحة. المسلك الثالث: أن -الله -تعالى قال: ﴿أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٤] وليس المراد من الطيب الحلال؛ وإلا لزم التكرار؛ فوجب تفسيره بما يستطاب طبعًا، وذلك يقتضى حل المنافع بأسرها. المسلك الرابع: القياس: وهو أنه انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك قطعًا، ولا على المنتفع ظاهرًا؛ فوجب ألا يمنع؛ كالاستضاءة بضوء سراج الغير، ولاستظلال بظل جداره. وإنما قلنا: إنه لا ضرر فيه على المالك؛ لأن المالك هو الله تعالى، والضرر عليه محال، وأما ملك العباد، فقد كان معدومًا، والأصل بقاء ذلك العدم، ترك العمل به فيما وقع اتفاق الخصم على كونه مانعًا، فيبقى في غيره على الأصل. فإن قيل: (فهذا يقتضى القول بإباحة كل المحرمات؛ لأن فاعلها ينتفع بها، ولا ضرر فيها على المالك، ويقتضى سقوط التكاليف بأسرها، ولا شك في فساده. وأيضًا: بالقياس على الاستضاءة والاستظلال غير جائز؛ لأن المالك لو منع

стр. 3890

من الاستضاءة والاستظلال، قبح ذلك منه؛ والله -تعالى -لو منع، من الانتفاع، لم يقبح): والجواب عن الأول: أنا احترزنا عنه بقولنا: (ولا ضرر على المنتفع ظاهرًا) وهاهنا في فعل ما نهى الله عنه، ترك ما أمر به ضرر، أما على قول المعتزلة: فلأنه لولا اشتمال الفعل والترك على جهة؛ لأجلها حصل النهى، وإلا لما جاز ورود النهى، وأما عندنا: فلأن الله -تعالى -لما توعدنا بالعقاب عليه، كان مشتملاً على الضرر؛ فلم يكن واردًا علينا. وعن الثاني: أنه لا يجب أن يكون الفرع مساويًا للأصل من كل الوجوه؛ بل يكفى حصول المساواة فيه من الوجه المقصود. المسلك الخامس: وهو أن الله -تعالى -خلق الأعيان: إما لا لحكمة، أو لحكمة. والأول باطل؛ لقوله تعالى: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الدخان: ٣٨] وقوله: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] ولأن الفعل الخالي عن الحكمة عبث، والعبث لا يليق بالحكيم. وأما إن كان خلقها لحكمة، فتلك الحكمة: إما عود النفع إليه، أو إلينا. والأول: محال؛ لاستحالة الانتفاع عليه، فتعين أنه -تعالى -إنما خلقها؛ لينتفع بها المحتاجون؛ وهذا يقتضى أن يكون المقصود من الخلق نفع المحتاج، وإذا كان كذلك؛ كان نفع المحتاج مطلوب الحصول، أينما كان، فإن منع منه؛ فإنما يمنع، لأنه بحيث يلزمه رجوعه ضرر إلى محتاج.

стр. 3891

فإذا نهانا الله تعالى عن بعض الانتفاعات، علمنا أنه تعالى، إنما منعنا منها؛ لعلمه باستلزامها للمضار: إما في الحال، أو في المال؛ ولكن ذلك على خلاف الأصل؛ فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة. وهذا النوع من الكلام هو اللائق بطباع الفقهاء، والقضاة، وإن كان تحقيق القول فيه لا يتم إلا مع القول بالاعتزال. أما الأصل الثاني؛ وهو أن الأصل في المضار الحرمة: فهذا يستدعى بحثين: أحدهما: البحث عن ماهية الضرر، والثاني: إقامة الدليل على حرمته. أما الأول: فقد قالوا: الضرر ألم القلب؛ لأن الضرب يسمى ضررًا، وتفويت منفعة الإنسان يسمى إضرارًا، والشتم والاستخفاف يسمى ضررًا، ولابد من جعل اللفظ اسمًا لمعنى مشترك بين هذه الصور؛ دفعًا للاشتراك، وألم القلب معنى مشترك؛ فوجب جعل اللفظ حقيقة فيه. فإن قيل: (أتعنى بألم القلب الغم والحزن، أم شيئًا آخر؟: الأول: باطل؛ لأن من خرق ثوب إنسان، أو خرب داره، وكان المالك غافلاً عن هذه الحالة، يقال: أضر به، مع أنه لم يوجد الغم والحزن، وإن عنيت به شيئًا آخر، فبينه، نزلنا عن الاستفسار؛ فلم قلت: (الضرر ألم القلب؟): قوله: (لابد من معنى مشترك في مواضع الاستعمال): قلنا: هذا مسلم؛ لكن لم قبلت: إنه لا مشترك إلا ألم القلب؛ بل هاهنا مشترك آخر؛ وهو تفويت النفع؛ فما الدليل على أن ما ذكرتموه أولى؟ ثم الذي يدل على أن ما ذكرناه أولى: أن النفع مقابل الضرر، والنفع تحصيل المنفعة؛ فوجب أن يكون الضرر إزالة المنفعة.

стр. 3892

وإذا ثبت ذلك، وجب ألا يكون حقيقة فيما ذكرتموه؛ دفعًا للاشتراك. سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على أن الضرر ألم القلب؛ لكنه معارض بوجهين: الأول: أن من خرب دار إنسان، وكان المالك غافلاً عنه، يقال: (أضر به) مع أنه لم يوجد هناك ألم القلب؛ لأن ألم القلب لا يحصل إلا بعد الشعور به. الثاني: قوله تعالى: ﴿قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئًا ولا يضركم﴾ [الأنبياء: ٦٦] أخبر أن عبادة الأصنام لا تضرهم، مع أنها تؤلم قلوبهم يوم القيامة؛ لأنهم يعاقبون بذلك. فثبت أن الضرر ليس ألم القلب. والجواب: أن القلب إذا ناله غم وحن، انعصر دم القلب في الباطن، وانعصار دم القلب في الباطن؛ إنما يكون لانعصار القلب في نفسه، وانعصار العضو مؤلم له؛ لأن أي عضو عصرته، فإنه يحصل منه ألم، فالمراد من ألم القلب تلك الحالة الحاصلة له عند ذلك الانعصار، فظهر بهذا أن ألم القلب مغاير للغم، وإن كان مقارنًا له، وغير منفك عنه. وأما من خرق ثوب إنسان، فإنما يقال: (أضر به على معنى أنه أوجد ما لو عرفه، لحصل الضرر؛ لا محالة؛ وهو في الحقيقة إطلاق اسم المسبب على السبب مجازًا. قوله: (لم قلت: لا مشترك سواه): قلنا: لأن المشترك الآخر كان معدومًا، والأصل بقاؤه على العدم.

стр. 3893

قوله: (تفويت النفع أيضًا مشترك): قلنا: لا يجوز جعله مسمى الضرر؛ لأن البيع الهبة حصل فيما تفويت النفع؛ لأن البائع فوت على نفسه الانتفاع بعين المبيع، مع أن ذلك لا يسمى ضررًا. قوله: (الضرر في مقابلة النفع): قلنا: هب أنه كذلك؛ لكن النفع عبارة عن تحصيل اللذة، أو ما يكون وسيلة إليها، والضرر عبارة عن تحصيل الألم، أو ما يكون وسيلة إليه. وأما الآية: فنقول: لا نسلم أن الأصنام تضرهم في الدنيا، ولا في الآخرة؛ بل الذي يضرهم في الآخرة عبادتها؛ فزال السؤال. المقام الثاني: في إقامة الدلالة على حرمة الضرر، والمعتمد فيه قوله ﵊: (لا ضرر، ولا إضرار في الإسلام). والكلام على التمسك بهذا النص اعتراضًا وجوابًا مشهور في الخلافيات الكلام فيما اختلف فيه المجتهدون، هل من أدلة الشرع؟. قال القرافي: قوله: (قال النحاة: (اللام للتمليك): تقريره: أن (اللام) في اللغة: تكون (ساكنة)، و (ومفتوحة)، و (مكسورة). والمكسورة: التي هي المقصودة -هنا -تكون للملك: إذا أضافت ما يصلح للملك لمن يصلح له الملك، نحو: (المال لزيد)، وإلا فلا. وللاستحقاق: إذا أضافت لغير من يقبل الملك، بل العادة جرت به نحو: سرج للدابة، وباب للدار؛ لأن العادة اقتضت أن يكون للدابة سرج، وللدار باب.

стр. 3894

والاختصاص: نحو: ابن لزيد، أي هو مختص به دون سائر الناس؛ لأنه لا يكون له إلا أب واحد. وللتشريف: نحو: قوله تعالى: (إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزى به). وللذم نحو: هذا حزب للشيطان. وللتعليل: نحو: اتجرت لأربح. والجحود: إذا تقدمت (كان) مع النفي نحو: ما كنت لأسافر. ولام العاقبة: نحو: قوله تعالى: ﴿ليكون لهم عدوا وحزنًا﴾ [القصص: ٨]. ولام الأمر: نحو: ليقم زيد. ولام الاستغاثة: نحو: يا لزيد لعمرو. ولتعدية الفعل: نحو: أكلت لزيد الطعام. فهذه أحد عشر موضعًا. والمفتوحة: تكون مستعملة استعمالات مكسورة في معانيها مع المضمرات، كما تكون مع الظواهر نحو: المال له. وللتأكيد: نحو: إن زيدًا لقائم. وجواب القسم: نحو: ﴿وإن ربك ليحكم بينهم﴾ [النحل: ١٢٤].

стр. 3895

وللقسم: نحو: لعمرك إنه لقادم. وللمستغاث به -كما تقدم -فيفتح لام المستغاث نحو: يا لزيد، يا لله. فهذه خمسة مواضع. والساكنة: تكون في التعريف نحو: الرجل، والمال، والأمر. ومع حرف العطف المتقدم عليها: نحو: قوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم وليطوفوا﴾ [الحج: ٢٩]. وأما قوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧]، فبمعنى (على) وكذلك قوله ﵇، (واشترطي لهم الولاء) أي عليهم على أحد الأقوال، فهذا مجاز لا يعد في الحقيقة. وفي قوله تعالى: ﴿لله ما في السموات﴾ [البقرة: ٢٨٤] للتمليك. قوله: (يفيد الانتفاع بالخلق؛ لأن اللام داخلة عليه): تقريره: أن الغرض قد يتعلق بنفس الفعل، ون ما يترتب عليه، نحو: قتل العدو؛ فإن نفس الفعل هو الشافي، وهو مقصودك، وأما يترتب عليه، فلا. وكذلك تقول: أخرجته لجلده وقتله؛ لأن المقصود نفس الفعل عندك. وقد يكون لمقصود ما يترتب على الفعل، لا نفس الفعل، نحو: شرب الأدوية، وصنع الأغذية؛ فإن المقصود ليس نفس الشرب، ولا طبخ الطعام، بل ما يترتب عليه حتى لو تصور -عندك -حصول المقصود منهما، بدون الفعل، والمباشرة، كان أحب إليك، بخلاف قتل العدو، وقد تكون المباشرة هي المقصودة. ونظيره في الشرعيات: ذبح الضحايا، والهدايا؛ فإن مباشرتها مقصودة،

стр. 3896

بخلاف دفع الديون، والزكوات المباشرة ليست مقصودة، بل وصول الحق لمستحقه. فهاهنا أمكن أن يقال: المعلل باللام هو الفعل، لا ما يترتب عليه، فلا يكون انتفاعنا بالأعيان له مدخل في التعليل غير أن قوله: (اللام) داخلة على الخلق) عبارة فيها اتساع؛ فإن (اللام) لم تدخل إلا على الضمير الذي هو العباد الذي خلق لأجلهم، لا على الخلق، ولا عل المخلوق الذي المقصود الانتفاع به، بل معناه أن المعلل في الصورة الظاهرة إنما هو فعل الخلق لا المخلوق؛ لقوله تعالى: ﴿خلق لكم﴾ [البقرة: ٢٩]، ولم يقل تعالى: هذه المخلوقات لكم، فكان حق العبارة أن يقول: لأن الذي علل (باللام) هو الخلق، لا المخلوق لكنه لما وجد المختص بالتعليل قال: (اللام) داخلة عليه، أي لأجله، فكأنه استعمل (على) بمعنى (اللام) مجازًا. وحروف الجر ينوب بعضها مناب بعض نحو قوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧]. قوله: (الصفة لا تبقى): قلنا: لا نسلم، بل هذا خلاف الإجماع، بل الذي قيل به أن الأعراض لا تبقى أفرادها الشخصية، أما أنواعها فلا خلاف أنها تبقى، وأن الثوب يدوم وصفه بالبياض الذي هو عرض الدهر الطويل، أما أن ذلك البقاء لبقاء الفرد الواحد، أو لتجرد الأفراد في كل زمان -هذا موضع الخلاف. وعلى هذا التقدير: الصفة دائمة الدوام، المقصود في هذه المسألة، وهو صادق لغة، وعرفًا -هذا في المحدث. أما الإباحة التي هي صفة قديمة، فظاهر أنها لا تقبل العدم.

стр. 3897

قوله: (لكن قوله تعالى: ﴿لله ما في السموات، وما في الأرض﴾ [البقرة: ٢٨٤] ينافى ذلك): تقريره: أنه ذكر هذه الآية أولاً، وآخرًا، وليس ذلك تكرارًا، بل ذكرها أولاً للمعارضة في (اللام)، وأنها لا تكون للاختصاص بالنفع. وثانيًا: للمعارضة في كون النفع لنا؛ بل هو لله -تعالى -بعد تسليم أنها للاختصاص. فالأول: في (اللام)، والثاني: في (النفع). أي ليس النفع لنا؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنه لله. غايته أن الدليل دل على أن الله -تعالى -منزه عن المنافع. وإذا خرج اللفظ عن ظاهره في أن الله -تعالى -ينتفع، بقيت مستعملة في عدم انتفاعنا نحن؛ لأن اللفظ دل على أمرين، انتفاع الله -تعالى -ويلزم من اختصاصه عدم نفعنا نحن. قوله: (لو جعلناه حقيقة في مسمى الاختصاص، لم يمكن جعله مجازًا في الاختصاص النافع بعدم اللزوم). قلنا: قد تقدم -مرارًا -أن هذا مستدرك، وأنه ليس من شرط المجاز اللزوم؛ فإن من جملة أنواع المجاز التي عددتموها التعبير بالجزء عن الكل، بالضد عن الضد، وبالأسد عن زيد، وليس شيء من ذلك يلزمه المحل المتجوز إليه. وهذه النزعة -تقدم -أنها من أصل القياس بالدلالة باللفظ. تقدم الفرق بينهما في أقسام الدلالة من خمسة عشر وجهًا. بل اللائق هنا: أن يقولوا: يكون المجاز مرجوحًا بالنسبة إلى القسم

стр. 3898

الآخر؛ فإن المجاز مع اللزوم أقوى، ويحصل المقصود، ولا حاجة للتصريح بعد الجواز. قوله: (النحاة لم يريدوا حقيقة الملك): قلنا: بل صرحوا بذلك، وجعلوها لفظة مشتركة بين تلك المعاني المتقدمة، ولا ينتقض عليهم بقولهم: الجل للفرس، ومع النقل عنهم لا يبقى نزاع. قوله: (الانتفاع بالخلق حاصل للإنسان من نفسه، فلو جعل من غيره كان ممتنعًا): قلنا: هو غير ممتنع؛ فإنه يرجع إلى ترادف الأدلة على وجود الصانع -تعالى -وصفاته العلى، وكل جزء من أجزاء العالم وإن قل دليل على ذلك، فكما اجتمعت هذه الأدلة، جاز اجتماع دلالة الإنسان من نفسه، ومن غيره، ويكون ذلك من باب ترادف الأدلة، وإنما كان يمتنع ذلك إذ لو كان كل واحد مؤثرًا، لكن هذا الباب لا تأثير فيه. ولذل قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم﴾ [فصلت: ٥٣]. فجمع بينهما وقال الشاعر [المتقارب]: وفي كل شيء له آية .... تدل على أنه واحد وليس هذا من باب تحصيل الحاصل في شيء. قوله: (الخلق هو المخلوق؛ لقوله تعالى: ﴿هذا خلق الله﴾ [لقمان: ١١]: قلنا: الخلق غير المخلوق اتفاقًا، وإنما قال الأشعري وغيره من المحققين: الخلق نفس المخلوق أي: ليس زائدًا عليه في الخارج؛ لأن الخلق والتأثير من

стр. 3899

باب النسب والإضافات التي لا وجود لها في الأعيان؛ بل فذ الأذهان فقط. والنسب الذهنية مغايرة للأمور الخارجية قطعًا، ويكفى في ذلك أن أحدهما ذهني، والآخر خارجي. ولذلك غلط من ألزم الأشعري أنت يعرب (السموات والأرض) في قوله تعالى: ﴿خلق السموات والأرض﴾ [الأنعام: ١] لأن الخلق مصدر اتفاقًا. وهو عنده نفس المخلوق، فالمخلوق مصدر، والمخلوق هو السموات والأرض، فهي مصدر، وهو خلاف إجماع النحاة. وجوابه: ما تقدم أنه نفسه في الخارج، بمعنى أنه ليس زائدًا عليه. ولفظ المصدر موضوع -هاهنا -لنسبة ذهنية، كالتقدم، والتأخر، ونحوهما. فتلك النسبة هي تعرب لفظها مصدرًا، أما في الخارج فلا. وكذلك في الخلق مع المخلوق تغاير لفظًا، ومعنى، وأحدهما ذهني، والآخر خارجي، وهو ليس زائدًا على الخارجي. أما أنه نفسه في العقل، والمفهوم، فلم يقل أحد، وهو خلاف الضرورة أيضًا: قوله تعالى: ﴿هذا خلق الله﴾ [لقمان: ١١]، مجاز باتفاق النحاة، وأنه من باب التعبير بالمصدر عن المفعول، نحو: ضرب الأمير، ونسيج اليمن، ورجل عدل، ورضا. أي مضروب الأمير، ومنسوج اليمن، وعادل، ومرضى. قوله: (لا نفع للمكلف في صفات -الله -تعالى): قلنا: صفات الله -تعالى -أربعة أقسام: ذاتية: نحو: أزلي، أبدى.

стр. 3900

ومعنوية: نحو: العلم، والإرادة. وسلبية: نحو: ليس بجسم، ولا عرض. وفعلية: نحو: الخلق، والرزق، وجميع ما يحدثه الله -تعالى -من المواهب من النعم الظاهرة، والباطنة، ولذلك سمى -تعالى -نفسه الوهاب، والفتاح، والرزاق، ونحوها. فهذا القسم من الصفات ينتفع العبد به، بل لا ينتفع في الدنيا، ولا في الآخرة إلا به، وهو المقصود من صورة النزاع. قوله: (لا نسلم أن هذا من مقابلة الجمع بالجمع): تقريره: أن مقابلة الجمع بالجمع لها أحوال: تارة: يكون الجمع ثابتًا لكل واحد من أفراد الجمع، كقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات﴾ [البروج: ١١] أي لكل واحد من أفراد المؤمنين ثلاث جنات. وتارة: يقتضى توزيع الجمع على الجمع، كقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]. أي: كل واحد منكم يأخذ رهنًا، فالجمع مورد على الجمع. وتارة: يكون الجمع يحتمل الأمرين كهذه الآية، وليس في اللغة ما يقتضى شيئًا من ذلك، بما هي لغة، إنما يعلم ذلك من القرآن، فمن استدل باللفظ معناه؛ لتعارض الاحتمالات. قوله: (لا نسلم أن (في) لما في باطن الأرض لقوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠]):

стр. 3901

تقريره: أن الأصل في المجرور بلفظة (في) أن يكون هو الظرف المحيط، هذا هو الحقيقة اللغوية. غير أنه صار من المنقول العرفي لما في فوق الأرض، مما قاربها، فو مجاز راجح منقولة من باب التعبير بالشيء عما يقاربه، ثم اشتهر في العرف، فصار منقولاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ [المزمل: ٢٠]. الكل من باب المنقولات، والنقل مقدم على أصل اللغة في حمل اللفظ عليه؛ لأنه ناسخ، والناسخ مقدم على المنسوخ. قوله: (حكم الله -تعالى -صفته، فهي واجبة الدوام): قلنا: قد تقدم أن الأحكام الشرعية لا بد فيها -مع الكلام النفسي -من التعلق -وأن التعلق نسبى، فيكون الحكم من حيث هو حكم مركب من وجودي الذي هو الكلام النفسي، وعدمي الذي هو التعلق، والمركب من الوجودي، والعدمى عدمي، فيكون الحكم من حيث هو عدميًا، وإن كان كلام الله -تعالى -وجديًا، والعدمى يمكن رفعه. وأيما كان يستحيل رفعه، لو كان الحكم لم يدخل في اعتباره قيد عدمي، ولولا ما ذكرته لتعذر النسخ، وتبدل الحرمة بالحل، بعقد النكاح، والحل بالحرمة بالطلاق، وهو كثير، بل قد تبين -أول الكتاب -أن الحكم بما هو حكم أمر ممكن؛ لأجل أحد أجزائه الذي هو التعلق الممكن يفيد الرفع، والبقاء، والتأثير، والتعليل. قوله: (في قوله ﵇: (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة):

стр. 3902

قلنا: هذا الحديث يقتضى أنه متى حكم على واحد حكم على جماعة، والجماعة تصدق بثلاثة، أما ما يتناهى إلى يوم القيامة فلم قلتم: إن اللفظ يتناوله؟ فإن قلت: الجماعة، و (اللام) عام في جميع أفراد الجماعات؛ لأن (اللام) للعموم فيما دخلت عليه، فلتعم أفراد الجماعات إلى قيام الساعة، وهو المطلوب؟

стр. 3903

قلت: ينبغي أن يسوى بين (اللام) في الواحد، وبينها في الجماعة حتى يناسب اللفظ، و (اللام) في الواحد لو كانت للاستغراق والعموم، لدخلت الجماعات فيها، وكل من يصدق عليه أنه واحد، فيضيع قوله ﵇: (حكمي على الواحد)، ويتحد المرتب، والمرتب عليه، ويبقى معنى الحديث: (حكمي على كل فرد حكمي على فرد)، فيلزم التكرار، وهو على خلاف الأصل. فيتعين أن (اللام) في الواحد لحقيقة الجنس، فيكون في الجماعة كذا تحصيلا للمناسبة بين اللفظين، يحصل في هذا الكلام فائدة زائدة؛ لأن معنى الكلام -حينئذ -متى حكمت على حقيقة هى واحد، فقد حكمت على حقيقة هي جماعات من غير إشعار بعموم فيهما، وإلا ضاعت المناسبة، ولزم التأكيد، فيبطل الاستدلال بالحديث، على عموم الناس، إلى قيام الساعة بحكمه ﵇ -على واحد؛ لأن (اللام) عن ذلك الحكم، أنه حكم على جماعة، فيصدق بثلاثة إجماعًا، ويبقى ما عداه مسكوتًا عنه. قوله: (يمتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراد زينة الله؛ لأن المطلق جزء من المقيد): قلنا: ظاهر كلامكم يقتضى أن لفظ زينة الله -هاهنا -مطلق مع أنه اسم جنس أضيف؛ فيعم كقوله ﵇: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، فعم بالإضافة في اسم الجنس جميع أفراد ميتات البحر، ومياهه.

стр. 3904

وعلى هذا يكون الإمكان ثابتًا في كل فرد من أفراد الزينة باللفظ، ولا حاجة إلى هذا البحث. بل الحاجة إليه تبطل المقصود من جهة أنا إذا جعلناه مطلقًا، فلا يلزم من عدم تحريم المطلق وإباحته أنواعه وأفراده، كما يصدق أن الله -تعالى -حرم مطلق الحيوان الذي هو المشترك بين أنواعه. ومع ذلك يناقضه تحريم بعض الأنواع من الخنزير، وغيره. ولذلك لم يحرم الله -تعالى -مطلق المشروب، وحرم بعض أنواعه الذي هو الخمر. وهذه قاعدة مطردة، وهى أنه لا يلزم من عدم تحريم الأعم عدم تحريم الأخص، ولا من تحرم الأخص تحريم الأعم، ويلزم من تحريم الأعم تحريم الأخص. وما نحن في من باب عدم تحريم الأعم لا من تحريم الأعم، فلا يفيد البحث شيئًا، ويرد المنع في قولكم: إن المطلق إذا لم يحرم لم يحرم المقيد، بل يحرم المقيد مع إباحة المطلق، ولم يلزم من تحريم الأم والبنت تحريم مطلق المرأة، بل التحريمات تنشأ عن الخصوص. أما إذا سلكتم طريق العموم اللفظي المستفاد من إضافة اسم الجنس، اندفع هذا السؤال.

стр. 3905

غير أن هاهنا احتمالاً أوردته في باب العموم، وهو أن اسم الجنس قد لا يصدق على الكثير نحو: الدرهم، والدينار، والرقبة، فلا يقال: للكثير من الدراهم والدنانير والرقاب: درهم، ولا دينار، ولا رقبة. وقد يصدق على الكثير، نحو: الماء، والمال، واللحم، والعسل، فيقال للكثير: ماء، ومال، وعسل، فأمكن أن يقال: اسم الجنس إذا أضيف إنما يعم إذا كان يصدق على الكثير والجمع، أما ما لا يصدق، فلا. لكن هذا تفصيل لم أر أحدًا تعرض له، وفي نفسي منه احتمال. وقد تقدم النقل -في باب العموم -عن الغزالي -في المحدد بالتاء، وأنه لا يعم إذا عرف بـ (اللام)، لأنه يختص بالواحد، فهو يقوى هذا الاحتمال في الإضافة -كما نقله -في تعريف (اللام). فعلى تقدير: أن هذه الصيغة ليست للعموم؛ لأن مفردها الذي هو رتبة لا يصدق على جماعة الرتبات، يبطل البحث، ويعسر التقرير؛ لأنه يكون -حينئذ -مطلقًا، فيرد عليه ما تقدم. قوله: (وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة): قلنا: لا نسلم؛ لأن عدم الحرمة أعم، ولا يلزم من ثبوت الأعم، ثبوت الأخص؛ فقد أجمعنا على عدم ثبوت التحريم في النائم، والساهي، والبهائم. ومع ذلك لم يخاطبوا بالإباحة، وعدم الحرمة ثابت قبل الشرع في أفعال جميع المكلفين، ولم تثبت الإباحة قبل الشرع على الصحيح؛ بل مطلق الحكم منفى. قوله: (إن لله -تعالى -لما تواعدنا بالعقاب كان مشتملاً على الضرر): قلنا: ويمكن أن يقال -على أصولنا نحن -أيضًا: إن النهى، والتوعيد

стр. 3906

يتبعان المفاسد، والمفاسد ضرر على المكلف غير العقوبة التابعة للمخالفة في النهى، ويستوي في تخريج السؤال مذهبنا، ومذهب المعتزلة. غير أن المفسدة عندهم يكون دفعها وجوبًا، وعندنا يكون دفعها تفضلاً، ويكفى في القياس استواء الفرع، والأصل في الوجه المقصود، لكن ما ذكره الخصم معنى مناسب مزاحم في صورة أصل القياس: أمكن أن يكون هو العلة، أو جزء العلة، فيبطل القياس؛ لعدم تعين الجامع، فإن كون العبد يقبح منه ذلك في عرضه، ومروءته عادة -أمكن أن تكون الإباحة لدفع هذه المفسدة الداخلة على العرض والمروءة، وهذه العلة منتفية في حق الله -تعالى -فيبطل القياس. قوله: (العبث لا يليق بالحكيم): قلنا: هذا إنما يتم على قاعدة المعتزلة في الحسن والقبح. أما عندنا: فلا يجب تعليل أفعاله -تعالى -بالأغراض، فله -تعالى -أن يفعل لمصلحة، وليس ذلك مستحيلاً عليه -تعالى -وحكمته -تعالى -التعلق، والإرادة الواجبة النفوذ، والقدرة العاملة التأثير، ونحو ذلك من صفاته العلى، لا باعتبار مراعاته للمصالح، وإن كان -تعالى -لم يبعث الشرائع إلا مصالح، على أنها على سبيل التفضل، فنحن نساعد المعتزلة في إطلاق الحكمة، والحكم عليه، ونخالفهم في التفسير؛ فإنه يفسرون ذلك بمراعاة المصالح وجوبًا، ونحن نمنعه. وأما قوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، ﴿ما خلقناهما إلا بالحق﴾ [الدخان: ٣٩]، وحيث تكرر ذكر الحق في الخلق فمعناه التكليف، أي: ما خلقناهما إلا للتكليف. وخلق السموات والأرض؛ ليكلفنا بمعرفته بسببها أي: يستدل بها على

стр. 3907

ما كلفنا بمعرفته، وقد صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]. قال ابن عباس: لآمرهم بعبادتي. والتكليف غير إباحة المنافع، فلا يكون في هذه الآيات حجة على هذا التقدير. قوله: (هذا الكلام لا يتم إلا مع الاعتزال): قد تقدم التنبيه عليه. قوله: (إذا حرق داره يقال: أضر به، وإن لم يشعر بذلك): قلنا: إنما سموه إضرارًا؛ لأنه بحيث إذا شعر به تضرر وانغم، وأنه لو احتاج لداره لم يجدها. أما لو فرضناه لا يحتاج إلى داره ألبتة، ولا يعرض له ذلك، فلا نسلم أنه يصدق عليه الإضرار. قوله: (إذا حزن انعصر القلب): تقريره: أن النفس مجبولة على الهرب من المؤذى، فإذا استشعرت المؤذى، أو المخوف، رب الحبار الغريزي، والدماء، والأرواح، لمجارى العادي إلى باطن الجسد. ولهذا قيل: صفرة الوجل؛ لأن الوجل: الخوف، فيصفر ظاهر الجسد بخلوه من الدماء بسبب الهروب من المنافي، وينعصر الجسم كله إلى داخل. عكسه الغضب: يبرز النفس لطلب الانتصار، فتبرز الدماء، والأرواح، والقوى إلى خارج في مجارى العادات؛ لأنها أجناد النفس، فيحمر ظاهر الجسد، وتنفتح الأوردة.

стр. 3908

وحالة الخجل مركبة من الحالين؛ لأنه يذكر المؤلم المخجل، فيصفر، ثم يستقبله، أو يطلب الانتصار لنفسه، فيحمر، فيبقى في الخجل يحمر، ويصفر. وفي الوجل يصفر فقط، وفي الغضب يحمر فقط. قوله: (البائع فوت على نفسه النفع، وكذلك الواهب): قلنا: وهو من حيث هو كذلك ضرر، وإنما لم يظهر الألم، ولم يوجد، لوجود معارض راجح عنده، وهو الثمن في البيع، والمودة في الهبة، والثواب في الصدقة، ولا يلزم من انتفاء الشيء لوجود معارض ألا يكون نفسه موجودًا. قوله: (في قوله ﵇: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام): قلنا: هذه صيغة الخبر، واختلف: هل هما عبارتان مترادفتان لمعنى واحد، أو الضرر للإنسان في نفسه والإضرار بغيره، فيكونان متباينين، وقيل بالعكس وقوله ﵇ (في الإسلام) يمكن أن يكون لفظ (في) للظرفية، أي: لم يقع هذا في الشريعة؛ فيحصل مقصود المصنف، ويمكن أن يكون للسببية، أي: لا يضر أحد بسبب الإسلام، ويكون هذا من باب الموادعة التي نسختها آية السيف، ويكون الأول راجحًا لوجهين: الأول: أن ظاهر (في) الظرفية، دون السببية، بل السببية أنكرها جماعة كما تقدم في كتاب (اللغات). والثاني: أن يلزم النسخ، وعلى الأول لا يلزم، لكن يلزم التخصيص؛ فإن المشروعات في الإسلام من الحدود، والتعاذير، والقصاص، والغرامات، والجاد، وبذل النفس والمال، ومقاومة السلطان الجائر، ونحو ذلك كلها أضرار مشروعة، لكن التخصيص أولى من النسخ، فهذه ى المباحث التي يشير إليها في الخلافيات سؤالاً وجواباً.

стр. 3909

(سؤال) على استدلاله بالآية . أولاً: أن جعل اللفظ حقيقة في الأعم أولى؛ لأن الأعم أكثر أفرادًا، فيكون أكثر فائدة، فتعارض الفائدة فائدة المجاز على زعمه. سؤال عليه -أيضًا -أن قوله تعالى: ﴿خلق لكم﴾ [البقرة: ٢٩] يقتضى اختصاص بني آدم بالمنافع والانتفاع، وذلك لا يدل على عدم الحجر. وتقريره: أن ذلك يقتضى أن ذلك الانتفاع لا يصدر إلا متى كان مباحًا، أو محرما، فجاز أن يصدق الاختصاص بالانتفاع، ويثاب على تركه، أو ترك بعضه، أو على فعل بعضه، كما هو الواقع. كما نقول: وطء النساء خاص ببني آدم، لم يحصل لغيرهم في الوجود، ومع ذلك هم يعاقبون على بعضه دون بعضه. (سؤال) على قوله: (تلك الحكمة إما عود النفع إليه، أو إلينا): فتقول: الحكمة أعم من النفع، فجاز أن يكون ليس له، ولا لنا. وتقريره: أن نقول: أمكن أن يقال: إن من صفات الكمال مراعاة وجود المصالح، كما يقوله المعتزلة، ومن المصلحة أن يخلق الله -تعالى -خلقًا يعرفونه، يظهر فيهم بدائع الإيجاد، وأسرار الاختراع، ونظام المملكة. ولولا الخلق لم يظهر شيء من ذلك، فإذا كان الإيجاد من صفات الكمال، وصفة الكمال فيه عائدة إلى الله -تعالى -، وهذا المذكور حكمة عظيمة، ولا يمكن أن يقال: فإن عنى بالمنفعة ما يرجع إلى صفات الكمال، فلا نسلم امتناع عودها على الله -تعالى -فإن كماله -تعالى -خاص به، تقدست أسماؤه، وصفاته عن المشابهة.

стр. 3910

سلمنا أن تلك المنفعة عائدة علينا. لكن لا نسلم أنها تستلزم الإذن في المباشرة؛ لجواز أن يكون هي الاستدلال بها على وجوده -تعالى -وصفاته العلى. والاستدلال لا يتوقف على المباشرة بدليل استدلالنا بالأول، والأفلاك، والكواكب على وجود الصانع. ونحن لا نباشرها، ومقصود المستدل إنما هو إثبات المباشرة لتثبت الإباحة. (تنبيه) قياسه -في هذه المسألة -في قوله: (انتفاع لا ضرر فيه على المالك قطعًا، ولا على المنتفع ظاهرًا، فيباح، كالاستصباح بسراج الغير): هذا القياس سالم عن السؤال الوارد على هذا القياس نفسه في حكم الأشياء قبل ورود الشرع؛ فإن الحكم المقيس -ثمت -عقلي، فللمانع أن يمنع -هنالك - أن يكون الحكم المقيس عليه، والمقيس عقليين، أو شرعيين؛ فإن المدعى -هنا -ثبوت الإباحة شرعًا، وقاسه على المباح شرعًا، فاتحد الحكم، وهناك المدعى أن العقل يقتضى ذلك. وقاسه على حكم شرعي، فقاس الشرعي على العقلي، فلم يتحد الباب، فلم يصح القياس، مع أنه يرد عليه فيه أنه قال: فوجب ألا يمنع. وقد تقدم أن عدم المنع أعم من ثبوت الإباحة؛ لفعل البهائم، وغيرها؛ فلا تثبت الإباحة. (سؤال) على الاستدلال بالحديث: أن لفظ (في) إن كان للسببية، فلا حجة فيه -كما تقدم -لأنه يكون منسوخًا، أو للظرفية، فلا حجة فيه؛ لأنه يكون معناه أن نفس الإسلام لا يتضرر أحد به، كما تقول: نعيم الجنة لا ضرر فيه، وهذا لا يدل على عدم تحريم غيره من الضرر.

стр. 3911

سلمنا: أنه يدل على عدم التحريم مطلقًا، لكن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والأحوال. والدعوى عامة في جميع الأزمنة، والبقاع، والأحوال، فتكون الدعوى عامة، والدليل عليها خاصًا، فلا يسمع عند النظار. (تنبيه) قال التبريزى: (النفع هو الزيادة من الوجه الموافق للمصلحة ، والضرر هو النقصان من الوجه المخالف، وقيل: الضرر ألم القلب، ولا شك أن ألم القلب أثر الصدر. ولهذا يصح أن يقال: تضرر؛ فتألم قلبه، وقد لا يقترن به الألم؛ إما لعدم أهلية المدرك، كما في حق الصبي، والمجنون؛ أو لكمال قوة النفس، كما في حق الزاهد المعرض، أو الكريم الذي تأبى نفسه الالتفات إلى الأعراض، ولا يوجب ذلك خروج احتراق دورهم، وتلف أموالهم عن كونها ضررًا -في حقهم -عند العقلاء). ثم قال في الآية: (يتعين حملها على عموم الانتفاع في حق عموم الأشخاص؛ لأن النظر والاستدلال حاصل بوجودها، فيضيع فائدة الامتنان بالحق له، ومقابلة الفرد بالفرد تخصيص ينافيه الإطلاق). ثم قال: وكلام المصنف غير واف بالمقصود؛ فإن اختصاصنا بالنفع لا يوجب إباحة الانتفاع، بمعنى الاستعمال؛ فإن المفهوم منه كون المقصود من خلقه، أو الحامل على خلقه نفع العباد، فيحصل الانتفاع لهم، وهذا لا يلزم من إباحة التصرف؛ فإنه متوقف على العلم بكيفيته.

стр. 3912

ويحصل النفع المطلوب منها، واستعمالها على الوجه المفضي إلى المقصود، وقد يوجد ذلك فيها، وقد لا يوجد. ولهذا ينتظم من الأب، والسيد، أن يقول لولده، أو عبده: اشتريت لك هذا المتاع، ولتنقل، وإما أن تتصرف فيه؛ لأن زمانه لم يحضر، كالفحم في الصيف. ويقول الطبيب للمريض: (جعلت لك هذه العقاقير) فيزيل ملكها، ولا يلزم منه الإذن في إيقاع فعل الانتفاع، حتى يتبين له كيفية الانتفاع بتفصيل وجه التركيب، وتعين قدر الاستعمال، ووقته، فكذلك في الشرع؛ فإن درك وجوه المصالح الطيبة من آحاد العقاقير، وقصور نظر المكلف عن مبلغ نظر الشارع له أبلغ من قصور نظر الصغير، والمريض عن مبلغ نظر الولي. قلت: قوله: (الضرر هو النقصان من الوجه المخالف): ينبغي أن يقول: من الوجه الموافق بأن نقصان المخالف نفع. ويحمل قوله: من الوجه المخالف أي: من وجه يكون مخالفًا لطبعه، أي النقص يخالف الطبيعة. وقوله: (الاستدلال حاصل بوجودها، فتضيع فائدة الامتنان) -لا يتجه؛ لأن الاستدلال من أعظم الوجوه التي يمن به، وبتهيئة سببه. وقوله: (مقابلة الفرد بالفرد تخصيص، وتقييد ينافيه الإطلاق) -لا يتم؛ لأن الإطلاق لا ينافى التقييد، وإلا لما اجتمع المطلق مع المقيد، وكان جزءه، ولا ينافى الإطلاق -أيضًا -مقابلة الفرد بالفرد؛ لأن الإطلاق يحتمله -كما تقدم -أن مقابلة الجمع بالجمع وقع في اللغة على وجوه، فهو يحتملها لا ينافيها. * * *

стр. 3913

المسألة الثانية في استصحاب الحال المختار عندنا: أنه حجة، وهو قول المزني وأبى بكر الصيرفي من فقهائنا؛ خلافًا للجمهور من الحنفية والمتكلمين.

стр. 3914

لنا: أن العلم بتحقق أمر في الحال يقتضى ظن بقائه في الاستقبال، والعمل بالظن واجب، ولا معنى لكونه حجة إلا ذلك؛ إنما قلنا: (إن العلم بتحقق أمر في الحال يقتضى ظن بقائه في الاستقبال) لأن الباقي مستغن عن المؤثر، والحادث مفتقر إليه، والمستغنى عن المؤثر راجح الوجود بالنسبة إلى المفتقر إليه. إنما قلنا: (إن الباقي مستغن عن المؤثر) لأنا لو فرضنا له مؤثرًا، فذلك المؤثر: إما أن يقال إنه: صدر عنه أثر، أو ما صدر عنه أثر: والثاني محال؛ لأن فرض المؤثر بدون الأثر متناقض. وأما الأول، فأثره: إما أن يكون شيئًا، ما كان موجودًا، أو كان موجودًا، فإن قلنا: إنه ما كان موجودًا كان الأثر حادثًا، لا باقيًا، وإن قلنا: إنه كان موجودًا كان ذلك تحصيلاً للحاصل؛ وهو محال؛ فثبت أن الباقي مستغن عن المؤثر.

стр. 3915

وإنما قلنا: (إن الحادث مفتقر إليه) لأن إجماع المسلمين، بل إجماع جمهور العقلاء منعقد عليه، والاستقصاء فيه مذكور في كتابنا المسمى بـ (الخلق والبعث). وإنما قلنا: (إن المستغنى عن المؤثر راجح بالنسبة إلى المفتقر إليه) لوجهين: الأول: وهو أن المستغنى عن المؤثر لابد أن يكون الوجود به أولى؛ إذ لو كان الوجود مساويًا للعدم، لاستحال الرجحان إلا بمنفصل، وكان يلزم افتقاره إلى المؤثر؛ لكنا فرضناه مستغنيًا عنه؛ هذا خلف. فإذن: وجود الباقي راجح على عدمه، وأما الحادث، فليس أحد طرفيه راجحًا على الآخر؛ إذ لو كان راجحًا، لاستحال افتقاره إلى المرجح، وإلا لكان ذلك المرجح مرجحًا لما هو في نفسه مترجح؛ فكان ذلك تحصيلاً للحاصل؛ وهو محال. فثبت أن الباقي أولى بالوجود، وأن الحادث ليس أولى بالوجود، ولا معنى لظن وجوده إلا اعتقاد أن وجوده أولى؛ فثبت أن الباقي راجح الوجود؛ بالنسبة إلى الحادث. الثاني: وهو أن الباقي لا يعدم إلا عند وجود المانع، والمفتقر إلى المؤثر كما يعدم عند وجود المانع، فقد يعدم أيضًا عند عدم المقتضى، وما لا يعدم إلا بطريق واحد، يكون أولى بالوجود مما يعدم بطريقين، ولا معنى للظن إلا اعتقاد أنه أولى بالوجود. وإنما قلنا: (إن العمل بالظن واجب) لقوله ﵊ -: (نحن نحكم بالظاهر).

стр. 3916

ولأنه لو لم يجب، لزم جواز ترجيح المرجوح على الراجح، وإنه غير جائز في بديهة العقل، ولأن العمل بالقياس، وخبر الواحد، والشهادة، والفتوى، وسائر الظنون المعتبرة؛ إنما وجب ترجيحًا للأقوى على الأضعف. وهذا المعنى قائم هاهنا؛ فيلزم ثبوت الحكم هاهنا أيضًا، وهو وجوب العمل به. فإن قيل: (لا نسلم أن العلم بتحقق أمر في الحال يقتضى ظن بقائه في الاستقبال): قوله: (لأن الباقي مستغن عن المؤثر): 'ن عنيتم به: أن كونه: باقيًا مستغن عن المؤثر، فهذا ممنوع. وأيضًا: فهو مناقض لقولكم: _الحادث مفتقر إلى المؤثر؛ لأن كونه باقيًا، لم يكن حاصلاً حال حدوثه، ثم حصل بعد أن لم يكن؛ فيكون حادثًا، وأنتم قد اعترفتم أن الحادث لابد له من مؤثر. وإن عنيتم بقولكم: (الباقي مستغن عن المؤثر) شيئًا آخر، فبينوه؛ لننظر فيه، نزلنا عن الاستفسار؛ فلم لا يجوز أن يقال: الباقي له مؤثر؛ ولذلك المؤثر أثر؟. قوله: (ذلك الأثر: إما أن يكون شيئًا، ما كان حاصلاً، أو كان حاصلاً): قلنا: لم لا يجوز أن يقال: ما كان حاصلاً؟ وذلك لأنه لا معنى لبقائه إلا حصوله في هذا الزمان بعد أن كان حاصلاً في زمان آخر قبله؛ لكن حصوله في هذا الزمان ما كان حاصلاً قبل حصول هذا الزمان؛ فإذن: كونه باقيًا أمر حادث، فأثر المبقى هو ذلك الأثر.

стр. 3917

فإن قلت: (فعلى هذا التقدير: يكون أثر المبقى أمرًا حادثًا؛ فلا يكون مبقيًا، بل محدثًا): قلت: مرادنا من قولنا: (الباقي يفتقر إلى المبقى): أن حصوله في الزمان الثاني لابد فيه من شيء آخر، وقد ثبت أنه لا يكون باقيًا ما لم يحصل في الزمان الثاني، وحصوله في الزمان الثاني مفتقر إلى مؤثر؛ فإذن: يمتنع أن يصدق عليه كونه باقيًا إلا لمؤثر. فيعد ذلك البحث عن الواقع بذلك المؤثر، وكونه أمرًا مستمرًا، أو جديدًا -بحثًا عن شيء خارج عن المقصود. سلمنا فساد هذا القسم؛ فلم لا يجوز أن يقال: (أثره شيء كان حاصلاً؟): قوله: (تحصيل الحاصل محال): قلنا: إن عنيت بتحصيل الحاصل: أن يجعل عين الشيء الذي كان موجودًا في الزمان الأول حادثًا في الزمان الثاني؛ فلا نزاع في أن ذلك محال؛ لكن لم قلت: إن إسناد الباقي إلى المؤثر يوجب ذلك؟ وإن عنيت به: أن الوجود الذي صدق عليه في الزمان الأول: أنه إنما ترجح لهذا المؤثر صدق عليه في الزمان الثاني أيضًا: أنه ترجح لهذا المؤثر؛ فلم قلت: إن ذلك محال؟. سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على استغناء الشيء حال بقائه عن المؤثر؛ لكن هاهنا ما يعارضه، وذلك لأن هذا الباقي كان بقاؤه ممكنًا، وكل ممكن، فله مؤثر؛ فالباقي حال بقائه له مؤثر. وإنما قلنا: (إنه ممكن) لأنه في زمان حدوثه ممكن، وإلا لم يفتقر إلى

стр. 3918

المؤثر، وإمكانه من لوازم ماهيته، وما كان من لوازم الماهية، فهو واجب الحصول في جميع زمان تحقق الماهية، فكان الإمكان حاصلاً في زمان البقاء؛ وإنما قلنا: إن الممكن مفتقر إلى المؤثر؛ لأن الممكن قد استوي طرفاه، وما كان كذلك، افتقر إلى المرجح. فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: (الإمكان إنما يحوج إلى المقتضى؛ بشرط الحدوث، وهذا الشرط فائت في زمان البقاء؛ فلا يتحقق الافتقار؟): قلت: لا يجوز جعل الحدوث مؤثرًا في تحقق الاحتياج؛ لأن الحدوث عبارة عن مسبوقية وجود الشيء بالعدم، ومسبوقية الوجود بالعدم صفة ونعت له، وصفة الشيء متوقفة على الشيء، فالحدوث متوقف على الوجود المتأخر عن التأثير المؤثر فيه، المتأخر عن احتياج المؤثر إليه، المتأخر عن علة احتياجه إليه، فلو كان الحدوث مؤثرًا في ذلك الاحتياج: إما بأن يكون علة، أو جزء علة، أو شرط علة -لزم الدور؛ وهو محال. سلمنا استغناء الباقي عن المؤثر، وافتقار الحادث إليه؛ قلم قلت: (إن المستغنى راجح عن المفتقر؟): قوله في الوجه الأول: (إن الباقي أولى بالوجود، والحادث ليس أولى، ولا معنى للظن إلا اعتقاد أنه أولى): قلنا: إن عنيت بهذه الأولوية: أن العم عليه ممتنع، فهذا باطل؛ لأن هذا الباقي يقبل العدم، وإن عنيت به أمرًا آخر فلابد من بيانه. فإن قلت: (المراد منها درجة متوسطة بين الاستواء، الذي هو مسمى الإمكان، والتعيين المانع من النقيض الذي هو مسمى الضرر):

стр. 3919

قلت: هذا محال؛ لأن مع ذلك القدر من الأولوية، إن امتنع النقيض، فهو الضرورة؛ وقد فرضنا أنه ليس كذلك. وإن لم يمتنع، فمع ذلك القدر من لأولوية يصح عليه الوجود تارة، والعدم أخرى، فحصول أحدهما بدلاً عن الآخر: إن توقف على انضمام قيد إليه لم يكن الحاصل قبله كافيًا في تحقق الأولوية، وإن لم يتوقف، كانت نسبة ذلك القدر من الأولوية إلى طرفي الوجود والعدم؛ على السوية، فترجيح أحدهما على الآخر، لا لمرجح زائد -يكون ترجيحًا لأحد طرفي الممكن على الآخر، لا لمرجح؛ وهو محال. وأما الوجه الثاني: فغاية ما في الباب: أنه يمكن تحقق عدم الحادث بطريقين، ولا يمكن تحقق عدم الباقي إلا بطريق واحد؛ فلم قلت: إن هذا القدر يقتضى أن يكون الباقي راجحًا في الوجود على الحادث؟. سلمنا أن ما ذكرتموه يقتضى رجحان الباقي على الحادث من ذلك الوجه؛ لكنه يقتضى عدم الرجحان من وجه آخر. بيانه: أن الباقي لا يصدق عليه كونه باقيًا، إلا إذا حصل في الزمان الثاني، فحصوله في الزمان الثاني أمر حادث، فإذا لم يكن وجود الحادث راجحًا، فالمتوقف على ما لا يكون راجح الوجود، لم يكن هو أيضًا راجح الوجود؛ فيلزم ألا يكون الباقي راجح الوجود. سلمنا أن الباقي راجح الوجود؛ ولكن ما لم يتحقق كونه باقيًا، لا يتحقق كونه راجح الوجود، وهو إنما يصدق عليه كونه باقيًا، إذا حصل في الزمان الثاني، فالحاصل أنا ما لم نعرف وجوده في الزمان الثاني، لا نعرف كونه

стр. 3920

راجح الوجود، وأنتم جعلتم رجحان وجوده دليلاً على وجوده في الزمان الثاني؛ فيكون دورًا. سلمنا أن الباقي راجح في الوجود الخارجي على الحادث؛ فلم قلت: يجب أن يكون راجحًا عليه في الظن؟ ولابد لهذا من دليل. سلمنا حصول هذا الظن وأن العمل به واجب؛ ولكنه معارض بدليل آخر يمنع من التمسك بالاستصحاب، وهو أن من سوى بين الوقتين في الحكم: فإما أن يقال: إنما سوى بينهما؛ لاشتراكهما فيما يقتضي ذلك الحكم، أو ليس الأمر كذلك: فإن كان الأول: فهو قياس، وإن كان الثاني: كان ذلك تسوية بين الوقتين، في الحكم، من غير دليل؛ وإنه باطل بالإجماع. والجواب: قوله: (ما المراد من قولكم: (الباقي مستغن عن المؤثر؟): قلنا: لاشك في أن الباقي: هو الذي حصل في زمان، بعد أن كان بعينه حاصلاً في زمان آخر قبله، وهذا يقتضي أن تكون الذات الحاصلة في هذا الزمان عين الذات الحاصلة في ذلك الزمان الآخر. إذا ثبت هذا، فنقول: هذه الذات التي صدق عليها أنها حصلت بعينها في الزمانين: إما أن يقال: حصل فيها في الزمان الثاني أمر لم يكن حاصلاً في الزمان الأول، أو لم يحصل. فإن كان الأول: كان الأمر المتجدد متغايرًا للذات الباقية؛ فيكون الباقي في الحقيقة هو الذات، لا هذه الكيفية المتجددة، فنحن ندعى أن ذلك الشيء الذي

стр. 3921

هو الباقي يستحيل إسناده إلى المؤثر، حال بقائه؛ وعلى هذا التقدير: لا يكون إسناد تلك الكيفية المتجددة قادحًا في قولنا: (الباقي غير مستند إلى المؤثر؛ لأن أحدهما غير الآخر). وإن قلنا: إنه لم يحدث في الزمان الثاني أمر متجدد؛ بل الحاصل في الزمان الثاني ليس إلا الذات التي كانت حاصلة في الزمان الأول -فعلى هذا التقدير بطل قولهم: (إن كونه باقيًا كيفية حادثة، وإنها مفتقرة إلى المؤثر). فثبت: أن على التقديرين السؤال ساقط. قوله: (حصوله في الزمان الثاني كيفية زائدة على الذات، وهي مفتقرة إلى المؤثر): قلنا: هذا باطل، وبتقدير ثبوته فهو غير قادح في دليلنا: أما أنه باطل؛ فلأن حصوله في الزمان الثاني، لو كان كيفية زائدة على الذات، لكان حصول ذلك الزائد في ذلك الزمان كيفية أخرى؛ فلزم التسلسل؛ وهو محال. ولأن العدم قد يصدق عليه أنه باق، فلو كان تحققه في الزمان الثاني كيفية ثبوته، لزم قيام الصفة الموجودة بالموصوف الذي ونفى محض؛ وإنه محال، وأما أن بتقدير ثبوته، فالمقصود حاصل؛ فذلك لأن حصوله في الزمان الثاني، لما كان أمرًا حادثًا، كان إسناده إلى المؤثر إسنادًا للحادث إلى المؤثر، لا إسنادًا للباقي؛ وكلامنا ليس إلا في لباقي. قوله: (ما الذي تعنى بتحصيل الحاصل؟): قلنا: نعنى به أن الشيء الذي حكم العقل عليه بأنه كان حاصلاً قبل ذلك

стр. 3922

يحكم عليه بأن حصوله الآن لأجل هذا الشيء، وهذا محال بالبديهة؛ لأنه لما كان حاصلاً قبل ذلك، فلو أعطاه الآن هذا المؤثر حصولاً، لكان قد حصل نفس ما كن حاصلاً؛ وإنه محال. قوله: (الباقي حل بقائه ممكن، والممكن مفتقر): قلنا: لا نسلم أن الممكن؛ إنما يفتقر إلى المؤثر بشرط كونه حادثًا. قوله: الحدوث متأخر): قلنا: لا نريد به أن كونه حادثًا -للافتقار؛ بل نريد به أن كونه بحيث لو وقع بالمؤثر، لكان حادثًا؛ بشرط افتقار الأثر إلى المؤثر، وكونه بهذه الصفة أمر متقدم. قوله: (ما المراد من الأولوية): قلنا: درجة متوسطة بين التساوي والتعيين المانع من النقيض. قوله: (هذا محال؛ لأنه يقتضى ترجيح أحد المتساويين على الآخر، لا لمرجح): قلنا: لا نسلم أن ذلك ممتنع مطلقًا؛ بل ذلك إنما يمتنع بشرط الحدوث. قوله على الوجه الثاني: (لم قلت: (إنه لما أمكن حصول عم الحادث بطريقين، وعدم الباقي لا يحصل إلا بطريق -كان وجود الحادث مرجوحًا): قلنا: لأن عدم حصول الحادث أكثر من عدم الباقي؛ لأنه يصدق على ما لا نهاية له: أنه لم يحدث، وأما عدم الباقي بعد حدوثه، فمشروط بوجوده، فإذا كان الوجود متناهيًا، كان العدم بعد الوجود متناهيًا، وإذا كان عدم حدوث

стр. 3923

الحادث أكثر من عم الباقي بعد وجوده، والكثرة موجبة للظن -ثبت أن عدم حدوث الحادث غالب على عدم الشيء، ولا معنى للظن إلا ذلك. واعلم: أنه يمكن الاستدلال بهذه النكتة ابتداء. قوله: (كونه باقيًا يتوقف على حدوث حصوله في الزمان الثاني، فكونه باقيًا يتوقف على الحدوث الذي ليس براجح، والموقوف على ما لا يكون راجحًا ليس براجح): قلنا: هذا إنما يلزم لو كان حصوله في الزمان الثاني كيفية وجودية؛ وقد دللنا على أن ذلك محال؛ لأنه يوجب التسلسل، ثم إن سلمنا صحة ذلك، لكنا نقول: لما ثبت أن الحدوث مرجوح، فالذات إذا كانت حاثة، فهناك أمران حادثان: أحدهما: الذات، والآخر: حصول الذات في ذلك الزمان. وأما إذا كانت الذات باقية، الحادث أمر واحد؛ وهو حصوله في ذلك الزمان، أما الذات، فهي ليست بحادثة في نفسها؛ فإذن: الحادث مرجوح من وجهين، والباقي من وجه واحد؛ فوجب أن يكون الباقي راجحًا على الحادث من هذا الوجه. قوله: (ما لم يعرف كونه باقيًا، لا يثبت رجحانه): قلنا: لا حاجة إلى ذلك؛ بل نقل: هذا الذي وج لا يمتنع عقلاً أن يوجد في الزمان الثاني، وأن يعدم، لكن احتمال الوجود راجح على احتمال العدم من الوجه الذي ذكرناه؛ فالعالم بوجوده في الحال يقتضي اعتقاد رجحان وجوده على عدمه قي ثاني الحال.

стр. 3924

فإذن: العلم بالأولوية مستفاد من العلم بوجوده في الحال، وعلى هذا التقدير: يسقط الدور. قوله: (هب أنت الباقي راجح على الحادث في الوجود الخارجي؛ فلم قلت: (يجب أن يكون راجحًا عليه في الذهن؟): قلنا: لأن الاعتبار الذهني مطابق للاعتبار الخارجي، وإلا كان جهلاً. قوله: (التسوية بين الزمانين، إن لم يكن بالقياس، كان ذلك تسوية بين الزمانين من غير دليل): قلنا: القياس دليل واحد من أدلة الشرع، وليس يلزم من عدم دليل معين عدم الدليل بالكلية، بل نحن سوينا بين الزمانين في الحكم؛ بناًء على ما ذكرنا من أن العلم بثبوته في الحال يقتضي ظن ثبوته على ذلك الوجه في الزمان الثاني، والعمل بالظن واجب. واعلم أن القول باستصحاب الحال أمر لابد منه في الدين، والشرع، والعرف. أما في الدين: فلأنه ل يتم الدين إلا بالاعتراف بالنبوة، ولا سبيل إليه إلا بواسطة المعجزة، ولا معنى للمعجزة إلا فعل خارق للعادة، ولا يحصل فعل خارق للعادة إلا عند تقرر العادة، ولا معنى للعادة إلا أن العلم بوقوعه على وجه مخصوص في الحال، يقتضى اعتقاد أنه لو وقع، لما وقع إلا على ذلك الوجه؛ وهذا عين الاستصحاب. وأما في الشرع: فلأنا إذا عرفنا أن الشرع تعبدنا بالإجماع، أو بالقياس، أو بحكم من الأحكام -فلا يمكننا العمل به إلا إذا علمنا، أو ظننا عدم طريان الناسخ.

стр. 3925

فإن علمنا ذلك بلفظ آخر، افتقرنا فيه إلى اعتقاد عدم النسخ أيضًا، فإن كان ذلك بلفظ آخر أيضًا، تسلسل إلى غير النهاية؛ وهو محال؛ فلابد أن ينتهي آخر الأمر إلى التمسك بالاستصحاب؛ وهو أن علمنا بثبوته في الحال يقتضي ظن وجوده في الزمان الثاني. وأيضًا: فالفقهاء بأسرهم، على كثرة اختلافهم اتفقوا على أنا متى تيقنا حصول شيء، وشككنا في حدوث المزيل -أخذنا بالمتيقن؛ وهذا عين الاستصحاب؛ لأنهم رجحوا بقاء الباقي على حدوث الحادث. وأما العرف: فلأن من خرج من داره، وترك أولاده فيها على حالة مخصوصة، كان اعتقاده لبقائهم على تلك الحالة التي تركهم عليها -راجحًا على اعتقاده لتغير. تلك الحالة، ومن غاب عن بلده، فإنه يكتب إلى أحبابه وأصدقائه عادة في الأمور التي كانت موجودة حال حضوره؛ وما ذاك إلا لأن اعتقاده في بقاء تلك الأمور راجح على اعتقاده في تغيرها، بل لو تأملنا، لقطعنا بأن أكثر مصالح العالم، ومعاملات الخلق مبنى على القول بالاستصحاب. فرع: من قال: (النافي لا دليل عليه): إن أراد: أن العلم بذلك العدم الأصلي يوجب ظن دوامه في المستقبل، فهذا حق؛ كما بيناه. وإن أراد به غيره، فهو باطل؛ لأن العلم بالنفي، أو الظن به -لا يحصل إلا لمؤثر. المسألة الثانية في الاستصحاب قال القرافى: الاستصحاب استفعال، وأصل لطلب الفعل، كالاستسقاء لطلب السقي، والاستفهام لطلب الفهم.
следующие страницы →