Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
هو الباقي يستحيل إسناده إلى المؤثر، حال بقائه؛ وعلى هذا التقدير: لا يكون إسناد تلك الكيفية المتجددة قادحًا في قولنا: (الباقي غير مستند إلى المؤثر؛ لأن أحدهما غير الآخر).
وإن قلنا: إنه لم يحدث في الزمان الثاني أمر متجدد؛ بل الحاصل في الزمان الثاني ليس إلا الذات التي كانت حاصلة في الزمان الأول -فعلى هذا التقدير بطل قولهم: (إن كونه باقيًا كيفية حادثة، وإنها مفتقرة إلى المؤثر).
فثبت: أن على التقديرين السؤال ساقط.
قوله: (حصوله في الزمان الثاني كيفية زائدة على الذات، وهي مفتقرة إلى المؤثر):
قلنا: هذا باطل، وبتقدير ثبوته فهو غير قادح في دليلنا: أما أنه باطل؛ فلأن حصوله في الزمان الثاني، لو كان كيفية زائدة على الذات، لكان حصول ذلك الزائد في ذلك الزمان كيفية أخرى؛ فلزم التسلسل؛ وهو محال.
ولأن العدم قد يصدق عليه أنه باق، فلو كان تحققه في الزمان الثاني كيفية ثبوته، لزم قيام الصفة الموجودة بالموصوف الذي ونفى محض؛ وإنه محال، وأما أن بتقدير ثبوته، فالمقصود حاصل؛ فذلك لأن حصوله في الزمان الثاني، لما كان أمرًا حادثًا، كان إسناده إلى المؤثر إسنادًا للحادث إلى المؤثر، لا إسنادًا للباقي؛ وكلامنا ليس إلا في لباقي.
قوله: (ما الذي تعنى بتحصيل الحاصل؟):
قلنا: نعنى به أن الشيء الذي حكم العقل عليه بأنه كان حاصلاً قبل ذلك
стр. 3922
يحكم عليه بأن حصوله الآن لأجل هذا الشيء، وهذا محال بالبديهة؛ لأنه لما كان حاصلاً قبل ذلك، فلو أعطاه الآن هذا المؤثر حصولاً، لكان قد حصل نفس ما كن حاصلاً؛ وإنه محال.
قوله: (الباقي حل بقائه ممكن، والممكن مفتقر):
قلنا: لا نسلم أن الممكن؛ إنما يفتقر إلى المؤثر بشرط كونه حادثًا.
قوله: الحدوث متأخر):
قلنا: لا نريد به أن كونه حادثًا -للافتقار؛ بل نريد به أن كونه بحيث لو وقع بالمؤثر، لكان حادثًا؛ بشرط افتقار الأثر إلى المؤثر، وكونه بهذه الصفة أمر متقدم.
قوله: (ما المراد من الأولوية):
قلنا: درجة متوسطة بين التساوي والتعيين المانع من النقيض.
قوله: (هذا محال؛ لأنه يقتضى ترجيح أحد المتساويين على الآخر، لا لمرجح):
قلنا: لا نسلم أن ذلك ممتنع مطلقًا؛ بل ذلك إنما يمتنع بشرط الحدوث.
قوله على الوجه الثاني: (لم قلت: (إنه لما أمكن حصول عم الحادث بطريقين، وعدم الباقي لا يحصل إلا بطريق -كان وجود الحادث مرجوحًا):
قلنا: لأن عدم حصول الحادث أكثر من عدم الباقي؛ لأنه يصدق على ما لا نهاية له: أنه لم يحدث، وأما عدم الباقي بعد حدوثه، فمشروط بوجوده، فإذا كان الوجود متناهيًا، كان العدم بعد الوجود متناهيًا، وإذا كان عدم حدوث
стр. 3923
الحادث أكثر من عم الباقي بعد وجوده، والكثرة موجبة للظن -ثبت أن عدم حدوث الحادث غالب على عدم الشيء، ولا معنى للظن إلا ذلك.
واعلم: أنه يمكن الاستدلال بهذه النكتة ابتداء.
قوله: (كونه باقيًا يتوقف على حدوث حصوله في الزمان الثاني، فكونه باقيًا يتوقف على الحدوث الذي ليس براجح، والموقوف على ما لا يكون راجحًا ليس براجح):
قلنا: هذا إنما يلزم لو كان حصوله في الزمان الثاني كيفية وجودية؛ وقد دللنا على أن ذلك محال؛ لأنه يوجب التسلسل، ثم إن سلمنا صحة ذلك، لكنا نقول: لما ثبت أن الحدوث مرجوح، فالذات إذا كانت حاثة، فهناك أمران حادثان: أحدهما: الذات، والآخر: حصول الذات في ذلك الزمان.
وأما إذا كانت الذات باقية، الحادث أمر واحد؛ وهو حصوله في ذلك الزمان، أما الذات، فهي ليست بحادثة في نفسها؛ فإذن: الحادث مرجوح من وجهين، والباقي من وجه واحد؛ فوجب أن يكون الباقي راجحًا على الحادث من هذا الوجه.
قوله: (ما لم يعرف كونه باقيًا، لا يثبت رجحانه):
قلنا: لا حاجة إلى ذلك؛ بل نقل: هذا الذي وج لا يمتنع عقلاً أن يوجد في الزمان الثاني، وأن يعدم، لكن احتمال الوجود راجح على احتمال العدم من الوجه الذي ذكرناه؛ فالعالم بوجوده في الحال يقتضي اعتقاد رجحان وجوده على عدمه قي ثاني الحال.
стр. 3924
فإذن: العلم بالأولوية مستفاد من العلم بوجوده في الحال، وعلى هذا التقدير: يسقط الدور.
قوله: (هب أنت الباقي راجح على الحادث في الوجود الخارجي؛ فلم قلت: (يجب أن يكون راجحًا عليه في الذهن؟):
قلنا: لأن الاعتبار الذهني مطابق للاعتبار الخارجي، وإلا كان جهلاً.
قوله: (التسوية بين الزمانين، إن لم يكن بالقياس، كان ذلك تسوية بين الزمانين من غير دليل):
قلنا: القياس دليل واحد من أدلة الشرع، وليس يلزم من عدم دليل معين عدم الدليل بالكلية، بل نحن سوينا بين الزمانين في الحكم؛ بناًء على ما ذكرنا من أن العلم بثبوته في الحال يقتضي ظن ثبوته على ذلك الوجه في الزمان الثاني، والعمل بالظن واجب.
واعلم أن القول باستصحاب الحال أمر لابد منه في الدين، والشرع، والعرف.
أما في الدين: فلأنه ل يتم الدين إلا بالاعتراف بالنبوة، ولا سبيل إليه إلا بواسطة المعجزة، ولا معنى للمعجزة إلا فعل خارق للعادة، ولا يحصل فعل خارق للعادة إلا عند تقرر العادة، ولا معنى للعادة إلا أن العلم بوقوعه على وجه مخصوص في الحال، يقتضى اعتقاد أنه لو وقع، لما وقع إلا على ذلك الوجه؛ وهذا عين الاستصحاب.
وأما في الشرع: فلأنا إذا عرفنا أن الشرع تعبدنا بالإجماع، أو بالقياس، أو بحكم من الأحكام -فلا يمكننا العمل به إلا إذا علمنا، أو ظننا عدم طريان الناسخ.
стр. 3925
فإن علمنا ذلك بلفظ آخر، افتقرنا فيه إلى اعتقاد عدم النسخ أيضًا، فإن كان ذلك بلفظ آخر أيضًا، تسلسل إلى غير النهاية؛ وهو محال؛ فلابد أن ينتهي آخر الأمر إلى التمسك بالاستصحاب؛ وهو أن علمنا بثبوته في الحال يقتضي ظن وجوده في الزمان الثاني.
وأيضًا: فالفقهاء بأسرهم، على كثرة اختلافهم اتفقوا على أنا متى تيقنا حصول شيء، وشككنا في حدوث المزيل -أخذنا بالمتيقن؛ وهذا عين الاستصحاب؛ لأنهم رجحوا بقاء الباقي على حدوث الحادث.
وأما العرف: فلأن من خرج من داره، وترك أولاده فيها على حالة مخصوصة، كان اعتقاده لبقائهم على تلك الحالة التي تركهم عليها -راجحًا على اعتقاده لتغير. تلك الحالة، ومن غاب عن بلده، فإنه يكتب إلى أحبابه وأصدقائه عادة في الأمور التي كانت موجودة حال حضوره؛ وما ذاك إلا لأن اعتقاده في بقاء تلك الأمور راجح على اعتقاده في تغيرها، بل لو تأملنا، لقطعنا بأن أكثر مصالح العالم، ومعاملات الخلق مبنى على القول بالاستصحاب.
فرع:
من قال: (النافي لا دليل عليه): إن أراد: أن العلم بذلك العدم الأصلي يوجب ظن دوامه في المستقبل، فهذا حق؛ كما بيناه.
وإن أراد به غيره، فهو باطل؛ لأن العلم بالنفي، أو الظن به -لا يحصل إلا لمؤثر.
المسألة الثانية في الاستصحاب
قال القرافى: الاستصحاب استفعال، وأصل لطلب الفعل، كالاستسقاء لطلب السقي، والاستفهام لطلب الفهم.
стр. 3926
فالاستصحاب: لطلب الصحبة، فما في الماضي يطلب صحبته في الحال، وما في الحال يطلب صحبته في الاستقبال، حتى يدل دليل على رفعه.
قوله: (لو لم يجب لزم جواز ترجيح المرجوح على الراجح):
قلنا: لا نسلم؛ فإنه قد لا يتعين الراجح، ولا يجوز ترجيح المرجوح عليه، بل يلغيان معًا، كما في الشاهد العدل، إذا لم تستقل الحجة به؛ فإنا لا نحكم بموجب صدقه، ولا بكذبه، فألغينا الراجح والمرجوح معًا.
وكذلك كل ظاهر ألغاه الشارع عنه: شهادة النسوان، والصبيان، والكفار، والفساق.
قوله: (العمل بخبر الواحد، ونحوه إنما وجب؛ لكونه ترجيحًا للأقوى على الأضعف، وهذا المعنى قائم هاهنا):
قلنا: لا نسلم، بل بخصوص تلك الرتبة من الظن؛ صونًا للمدرك الشرعي عن النقض؛ فإنه لو كان مطلق الراجح، أو الظن مدركًا شرعيًا -لزم انتفاضه بجميع هذه الوجوه المتقدمة، وغيرها.
أما إذا قلنا: الشرع إنما اعتبر مراتب خاصة لم يلزم انتفاضها، فكان أولى.
قوله: (إن كون الباقي مستغنيًا عن المؤثر مناقض لقولكم: الحادث مفتقر للمؤثر؛ لأن البقاء حادث):
قلنا: لا ينتقض؛ لأنا لا نعنى باحتياج الحادث للمؤثر الحادث الوجودي بالأزمان، والاقتران نسبة وإضافة بين الوجود والأزمنة، والنسبة عدمية، لا وجود لها في الأعيان.
وما لا وجود له في الأعيان لا يفتقر إلى مؤثر؛ فإن المؤثر لابد له من أثر في الخارج.
стр. 3927
ولهذه القاعدة قال المتكلمون: (لله -تعالى -باق بلا بقاء، وإن كان عالمًا بعلم؛ أي: ليس البقاء زائدًا على الذات في الخارج.
وعلى هذا التقدير لا نقض.
واتضح قولنا: الباقي مستغن عن المؤثر، واندفع قول السائل: إن عنيتم بأن الباقي مستغنٍ عن المؤثر شيئًا آخر، فبينوه، وقد بيناه.
ويمكن أن يقال: المؤثر يحتاج إليه الباقي من وجه آخر لا من جهة كونه باقيًا، كما نقول الأعراض شرط في بقاء الجواهر، والأعراض لا تبقى زمانين، فيفتقر بقاء الجواهر لمؤثر يؤثر في تجدد الأعراض، حتى يحصل شرط بقائها، فتبقى، وهذا وجه وجودي يصح إسناده إلى المؤثر، يتوقف عليه الباقي، ويصدق بطريقه أن الباقي مفتقر إلى المؤثر من حيث الجملة.
فهذا هو روح البحث في هذه النكتة، فخرج بقيتها عليه.
قوله: (الباقي كان ممكنًا، والإمكان لازم له، فكل ممكن مفتقر للمؤثر):
قلنا: كل ممكن مفتقر إلى المؤثر، معناه: أن الاستواء في الوجود والعدم، من ضرورته ألا يترجح أحد طرفه إلا لمرجح، والإمكان ثابت حالة البقاء، وكن الرجحان يفتقر إلى المؤثر حاصل؛ لأن الطرف الراجح حالة البقاء الذي هو الوجود لم يكن إلا لمؤثر رجحه، لكن ترجيحه كان حالة الحدوث، واستمر ذلك الحكم.
وإنما يلزم ما قاله الخصم أن لو صدق أن كل ممكن مفتقر؛ ليحصل الترجيح من المؤثر في كل زمان صدق فيه الإمكان، حتى يلزم دوام التأثير بدوام الأثر، ونحن نمنع ذلك.
بل نقول: الإمكان إنما يقتضى أن الترجيح لا يحصل إلا بمرجح مؤثر في الوجود إن كان الراجح هو الوجود، أو بمرجح مؤثر إن كان الراجح هو
стр. 3928
العدم، بأن يكون ذلك المرجح هو الإدارة، فاللام للإمكان أصل الترجيح لا دوامه، فإذا حصل أصله صدق ما هو اللازم للإمكان، أما دوام التأثير، والترجيح، فليس بلازم -عندنا -فيمنعه الخصم إذا ادعاه.
وكما نقول في الشرعيات: إن من لوازم الصلاة فعل الطهارة، والستارة، والنية، أما دوامها فلا.
ومن لوازم عصمة الدماء والأموال: الإيمان، أما أنه دائمًا نفس الإيمان في كل زمان صدقت فيه العصمة فلا.
فالشرط واللازم عقلاً وشعًا، قد يكون لازمًا لأصل الشيء، دون دوامه، وقد يكون لازمًا لهما، كالحياة شرط في أصل العلم دون دوامه.
وتقدم العدم شرط لتأثير المؤثر للفاعل المختار دون دوام أثره.
فالفاعل المختار لا يمكن أن يقصد إلى إيجاد أثره إلا حالة عدمه، فتقدم العدم شرط في أصل التأثير لا في دوام الأثر.
فالعالم مسبوق بعدمه، وذلك السبق لما صدق اكتفى بذلك، ولم يشترط دوام العدم، وكذلك الأول شرط تقدمه من حيث الجملة في التأثير، ولا يشترط أن يصدق الأزل في جملة أزمنة وجود العالم؛ بل الأزل من المحال وجوده فيما لا يزال، وكذلك الأزل شرط في الأبد، ولا يوجد الأزل مع الأبد.
ولبعثة شرط في التكاليف، ولا يشترط دوام البعثة.
والإرسال شرط في أن المكلف رسول، ثم يستمر وصف كونه رسولاً، وإنشاء الرسالة لا يتكرر، بل يقع أولاً فقط.
والتقدم شرط في التأخر، ولا يوجد مع المتأخر.
والبقاء مع المؤثر -عندنا -هكذا يشترط ابتداءًا لا دوامًا، والإمكان يحوج
стр. 3929
لهذا لابتداء فقط، وفي جميع الأزمنة ذلك الحكم الصادق، وهو أنه إنما يرجح لمرجح فيما فات لازم الإمكان.
قوله: (إن صح مع الأولوية الوجود والعدم، إن توقف إلصاق الوجود إليها إلى ضميمة، فلا يكون الحاصل أولاً هو الكافي في تحقق الأولوية):
قلنا: تحقيق القول في هذه الأولوية أن سبب الوجود محقق، فيتحقق الوجود، وذلك الوجود قابل للاندفاع بالمانع الطارئ.
فمن جهة أنه قابل للاندفاع لا يكون ضروريًا، ومن جهة أنه تحقق لتحقق سببه يكون وجوده راجحًا، فالوجود لا يتوقف حصوله على ضميمة شيء، بل العدم هو المحتاج؛ لطريان المانع.
والأولوية -أيضًا -غير محتاجة لشيء، بل هي حاصلة لتحقق سبب الوجود.
قوله: (المتوقف على ما لا يكون راجح الوجود لم يكن هو أيضًا راجح الوجود):
قلنا: لا يلزم من كون النافي متوقفًا على ما لا يكون راجح الوجود ألا يكون راجح الوجود؛ لأن ما لا يكون راجحًا في نفسه قد يفيد الرجحان لغيره، وليس من شرط إفادة الشيء لمعنى أن يكون هو موصوفًا به.
فإن المانع يفيد العدم، وهو ليس موصوفًا بالعدم في نفسه، والقذف يوجد الحد، وليس هو حدا، والردة توجب القتل، وليست قتلاً في نفسها، والقدرة القديمة تحدث الجماد، والحيوان، والنبات، وليست واحدًا منها.
فجاز أن يكون هذا الحادث الذي هو البقاء ليس راجحًا في نفسه، وهو يوجب الرجحان الباقي، ولا تناقض في ذلك.
стр. 3930
قوله: (سلمنا رجحان الباقي في نفس الأمر، فلم قلتم: إنه يجب رجحانه في الظن؟):
تقريره: أن الراجح في نفس الأمر قد لا يكون راجحًا في الظن، كما نقول: الراجح في الغيم الرطب في الشتاء الأمطار، وقد لا يظن الجاهل ذلك؛ لعدم دربته بالسحب، والغالب على العقرب الأذى، وقد يظن ذلك من لم يرها قط.
فصحت المطالبة بأن الراجح -في نفس الأمر -قد لا يكون راجحًا في الظن؛ فيحتاج ذلك لدليل.
قوله: (الباقي -في الحقيقة -الذات لا هذه الكيفية المتجددة):
قلنا: الباقي هو الذات الموصوفة بالبقاء، والبقاء هو مقارنة وجودها للزمان الثاني، فحينئذ لا يصدق الباقي على الصفة المتجددة، ولا على الذات، بل المجموع، فبطل قولكم الباقي هو الذات التي كانت في الزمان الأول.
قوله: (الحصول في الزمان لو كان كيفية لزم التسلسل):
قلنا: يشكل عليكم الحصول في الحيز؛ فإنه وجودي، وهو المسمى بالكون، وهو ينقسم إلى الحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق.
مع أنا يمكننا أن نقول: لو كان وجوديًا لكان حصوله في الحيز وجوديًا، ولزم التسلسل بعين ما ذكرتم، فما الفرق؟
فإن قلت: حصول الحصول غير حصول الجوهر، ومخالف له، والمختلفان لا يجب اشتراكهما في اللوازم، فجاز أن يكون حصول الجوهر وجوديًا، وحصول حصوله ليس زائدًا عليه، بل عدميًا، فلا يلزم التسلسل.
стр. 3931
قلت: هذا بعينه ينقله إلى الحصول في الزمان، ونقول: الجسم في الزمان وجودي، وحصول حصوله عدمى مخالف، والمختلفان لا يجب اشتراكهما في الزمان، وتبقى المطالبة بالفرق قائمة.
بل الفرق المحقق أن الزمان أمر خارج عن الجسم؛ لأنه قرار حادث بحادث، أو ذوات الأملاك على ما تقرر في موضعه، فالنسبة بينه وبين الجوهر إضافة لأمر خارج، نحو: كون الجسم تحت السماء، أو محاذيًا للجبل، ونحو ذلك، والنسب والإضافات عدمية، أما حلول الجسم في الحيز، فهو شيء دون نسبته، لا أنه نسبة.
والفرق بينهما: أن العلم، والإرادة، وأنواع الإدراكات أمور ذوات نسبة لا تضاف إلى متعلقاتها المخصوصة، وتلك الإضافة نسبة، والإدراكات وجودية بالضرورة.
والنسبة الصرفة مثل البنوة، والتقدم، والتأخر، فهي نسب صرفة، ونحن نقطع بالضرورة أن الحركة وجودية.
إنما الوهم، والخلاف في السكون، هل هو وجودي، أو عدم الحركة؟ ولا معنى للحركة إلا مجموع حصولين في حيزين، فلو كان الحصول في الحيز عدميًا كانت الحركة عدمية صرفية، وهو خلاف الضرورة، ولذلك نحملها على المعدوم، والمستحيل، والعدم لا يستحيل أن يكون صفة للعدم، ومروج الفرق يرجع إلى الفرق بين النسبة، وبين الأمر الذي هو ذو نسبة، وقد اتضح الجمع، فاندفع السؤال.
قوله: (الاعتبار الذهني مطابق للاعتبار الخارجي، وإلا كان جهلاً): قلنا: لا يضره ذلك؛ لأنه غير قابل به، وخصمه عنده حاصل في القول، والاستصحاب.
(سؤال)
على قوله: (الحادث مفتقر للمؤثر) -أن نقول: الحادث مستغن عن
стр. 3932
المؤثر؛ لأن الحادث الموجود في أول أزمنة وجوده، وأول أزمنة الوجود هو أول صدوره عن المؤثر، ولا يصدر عن المؤثر إلا إذا استجمع لكل ما لابد منه في التأثير، وإذا استجمع لكل ما لابد منه في التأثير وجب الأثر.
والواجب مستغن عن المؤثر من حيث هو واجب، فالحادث -حينئذ -فيه اعتبارا: إن اعتبرناه من حيث ذاته، فو ممكن قابل للوجود، والعدم مفتقر إلى المؤثر، وهو من هذا الاعتبار ليس بحادث.
وإن اعتبرناه من حيث هو موجود حادث كان واجبًا مستغنيًا عن المؤثر، فظهر أن الحدث بما هو حادث مستغن، فيبطل قولكم: الحاث مفتقر إلى المؤثر.
(سؤال)
على قوله: (عدم حدوث الحادث أكثر من عدم الباقي؛ لأنه يصدق على ما لا نهاية له أنه لم يحدث بخلاف عدم الباقي بعلة حدوثه):
بأن نقول: إذا كان عدم ما لم يوجد أكثر من عم ما وج يقتضي ذلك، أنا إذا تحققنا وقوع عدم، وجهلنا هل هو عدم من عدميات ما لم يوج، أو من عدميات ما وجد؟
غلب على ظننا أنه من عدميات ما لم يوج؛ لأن الدائر بين الغالب، والنادر يحكم العقل بإضافته إلى الغالب، وليس يقتضي ما ذكرتموه أنا إذا تصورنا وجود الباقي وعدمه، رجح -عندنا -وجوده على عدمه.
والنزاع إنما هو في مرجوحية عدم الباقي بالنسبة إلى وجوده، لا في مرجوحية عدم الباقي بالنسبة إلى عدم ما لم يوجد، فأين أحدهما من الآخر؟ فما تتنازع فيه لا يفيده دليلكم، وما يفيده دليلكم لا يتنازع فيه.
(تنبيه)
قال التبريزى: (الاستصحاب ينقسم إلى:
стр. 3933
استصحاب الدليل من عموم، أو إطلاق، وهو حجة؛ فإن حاصله يرجع إلى التمسك بذلك الدليل، وإجراءاته على ظاهره.
وإلى استصحاب الإجماع المتفقة على انعقاد الصلاة بالتيمم قبل وجود الماء إلى حالة وجود الماء، وهذا ممنوع؛ لأن الإجماع يناقضه نفس الخلاف، فكيف يمكن دعوى شموله حالة وجود الماء؟
وإلى استصحاب حالة معهودة من ثبوت، أو انتفاء فيما بعد.
وقد اختلفوا فيه، والمختار أنه حجة، وإليه ذهب المزني، وغيره.
ثم قال: وقول المصنف: (إن الاستصحاب لابد منه في الدين، والعرف والشرع)، غلو كبير، وخروج عن محل النظر.
فإن النظر في أن مجرد العلم بحالة، هل يوجب رجحان اعتقاد البقاء عليها؟ وإلا فل شك في أنه يقترن بالوجود ما يوجب ما يوجب رجحان اعتبار بقائه، وليس استقرار العوائد؛ بمجرد العهد بالوجود ما لم يتكرر تكررًا ينفى احتمال الاتفاق قطعًا، ولهذا وجب الجزم، حتى لو طرًا خلفه في معرض المعجزة جزم بكذبه، وأما عدم الناسخ فلا يستند إلى مجرد العلم بعدمه السابق، بل لابد فيه من بحث يوجب الاطلاع عليه بتقدير الوجود قطعًا، أو ظنًا؛ ليدل عدم الاطلاع.
وأما الغائب عن الأهل، والوطن، فلو اعتقد بقاء كل حالة على ما عهدها من قبل، نسب إلى سلامة القلب، بل يشك في البعض، ويجزم في البعض، ويظن في البعض، ويقطع بالتغيير في البعض، على حسب ما أنس من العوائد المعهودة في الموت، والحياة، والصحة، والسقم، والنوم، ودخول الحمام، وتناول الطعام.
стр. 3934
ويشهد لما ذكرنا: أن الوجود قد مشترك بين الجواهر، والأعراض، وكذلك العدم.
وإذا كان المعهود وجود عرض في جوهر، وعدم ما يماثلها، ويخالفها وجب أن يكون اعتقاد بقاء الوجودين، والعدمين، على وتيرة واحدة
وليس الأمر كذلك، بل نقطع بعدم بقاء العرض، وتجدد أمثاله المعدومة، وبقاء المخالف له على العدم، ونظن بقاء الجوهر.
يوضح أن استحقاق البقاء، والبقاء مستفاد من أمر آخر عن الوجود، والوقوع.
(فائدة)
قال سيف الدين: (في الاستصحاب مذهب ثالث، وهو الترجيح به دون كونه دليلاً) .
وقال: المختار أنه دليل، كان الاستصحاب في أمر وجودي، أو عدمي، عقلي، أو شرعي.
واختلفوا في استصحاب حكم الإجماع في محل الخلاف، فنفاه جماعة من الأصوليين كالغزالي، وغيره، وأثبته آخرون، وهو الانتحار.
وقوام الإجماع مع محل الخلاف لا يجتمع، فلابد من دليل، فالجواب عنه أن نقول: متى يفتقر الحكم في بقائه إلى دليل إذا كان بمنزلة الجواهر، أو الأعراض؟.
الأول: ممنوع، بل هو باق بعد ثبوته بالإجماع.
والثاني: مسلم، لكن يكفي في الدليل الاستصحاب.
стр. 3935
قال إمام الحرمين في (البرهان): القائلون بأن الاستصحاب حجة، قالوا: إنه متأخر عن الأقيسة، وهو آخر المتمسكات، ولابد من تصويره.
فإن الحكم إذا ثبت بدليل، ولم يتبدل مورد الحكم، فليس هو من مواقع الاستصحاب؛ لاعتماد الحكم على ذلك الدليل.
وقد يقول من لا يحيط بالحقائق: لا يمتنع تقدير نسخ، فينفي الاستصحاب، فهذه مناقشة لفظية، فله أن يسميه استصحابًا، ولكنه ليس من هذا الفصل.
أما إذا ثبت حكم في صورة، ثم تغيرت، وحالت، ورام الناظر طرد الحكم الثابت في الحالة الثانية، فإن لم يكن لها تعلق بالحالة الأولى، فلا استصحاب، كاستصحاب صدقة البقر من صدقة الغنم، وإن تغيرت، وأثبت في الخلفة عليها، فعند ذلك نقول: فإنا قائلون: يستصحب الحكم الثابت في الصورة الأولى في الثانية، وهذا باطل -عندنا -لأجل التغاير.
وإن ثبتت إحداهما بصور، أو خلفه، فلا معنى لأجل ثبوت التغير في المورد، والمحل، كما قيل عند أبي حنيفة في زكاة الإبل، وقد اطردت فريضة الإبل على نصب معلومة، فينبغي أن يستصحبها وراء المائة والعشرين، حتى لا يوجبها إلا على ذلك القياس.
وقد عورضوا بأن فريضة الإبل إذا ثبتت وجب استصحابها، وذلك يمنع العود إلى الشاة، وهذا القائل ذهل عن الحقيقة، ولا معنى للاستصحاب من القبيلين؛ لأن الشاة أثبتت ابتداء اجتنابًا للتشقيص في إيجاب البعير.
أما من تيقن الطهارة، وشك في الحدث أوشك في الطلاق ففي (استصحاب غير أن قول الفقيه: استصحب عين الطهارة) مجاز؛ لأن اليقين لا يكون مع الشك.
стр. 3936
وضابط الباب أنه إذا طرأ شك، فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يرتبط بعلامة بينة، فالاجتهاد فيه هو المتبع، ولا التفات على ما تقدم.
أو بعلامة خفية، كالعلامات التي يقع بها التمييز بين الطاهر، والنجس في الأواني، والثياب، فيمكن التمسك بالاستصحاب.
وإن تساوت العلامة الجلية، والخفية، فيستصحب ما تقدم.
(فرع)
قال في (المحصول): (النافي لا دليل عليه):
قال أبو يعلى الحنبلي في (العمدة): النافي للحكم عليه الدليل.
وقيل: لا دليل عليه في العقليات، والشرعيات.
وقيل: عليه الدليل في العقل دون الشرع.
قال: إن من نفى يعتقد ما نفاء، كما يعتقد ما أثبته ثانيًا، فيتعين عليه الدليل.
стр. 3937
المسألة الثالثة
في الاستحسان
المحكي عن الحنفية القول بالاستحسان.
стр. 3938
.........................
стр. 3939
.........................
стр. 3940
.........................
стр. 3941
.........................
стр. 3942
ومخالفوهم: أنكروا ذلك عليهم؛ لظنهم أنهم يعنون به الحكم من غير دليل، والذي حصله المتأخرون في تحديده وجهان:
стр. 3943
الأول: قال الكرخى: الاستحسان هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى يقتضى العدول عن الأول، وهذا يلزم عليه أن يكون العدول عن العموم إلى التخصيص، وعن المنسوخ إلى الناسخ -استحسانًا.
الثاني: قال أبو الحسين: (الاستحسان: ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ؛ لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول).
قال: ولا يلزم عليه العدول عن العموم إلى القياس المخصص؛ لأن العموم لفظ شامل، ولا يلزم عليه أن يكون أقوى القياس استحسانًا؛ لأن الأقوى ليس في حكم الطارئ على الأضعف، فإن كان طارئًا، فهو استحسان.
فإن قلت: فقد قال محمد بن الحسن في غير موضع من كتبه: تركنا الاستحسان؛ للقياس؛ كما لو قرأ آية السجدة في آخر السورة، فالقياس يقتضي أن يجتزئ بالركوع، والاستحسان ألا يجزئ به، بل يسجد لها، ثم إنه قال بالمقياس.
فهذا الاستحسان، إن كان أقوى من القياس، فكيف تركه؟ وإن لم يكن أقوى منه، فقد بطل حدكم):
قلت: ذلك المتروك إنما يسمى استحسانًا؛ لأنه وإن كان الاستحسان وحده أقوى من القياس وحده، لكن اتصل بالقياس شيء آخر، صار ذلك المجموع أقوى من الاستحسان؛ كما في المسألة التي ذكرتموها؛ فإن الله -تعالى -أقام الركوع مقام السجود في قوله تعالى: ﴿وخر راكعًا وأناب﴾ [سورة ص: ٢٤].
стр. 3944
فهذا تقرير هذا الحد الذي ذكره أبو الحسين ﵀.
واعلم: أن هذا يقتضى أن تكون الشريعة كلها استحسانًا؛ لأن مقتضى العقل هو البراءة الأصلية، وإنما يترك ذلك؛ لدليل أقوى منه، وهو نص، أو إجماع، أو قياس، وهذا الأقوى في حكم الطارئ لأول؛ فيلزم أن يكون الكل استحسانًا، وهم لا يقولون به؛ لأنهم يقولون: تركنا القياس للاستحسان، وهذا يقتضى أن يكون القياس مغايرًا للاستحسان، فالواجب أن يزاد في الحد قيد آخر؛ فيقال: (ترك وجه من وجوه الاجتهاد مغاير للبراءة الأصلية، والعمومات اللفظية، لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول).
إذا عرفت هذا، فنقول: اتفق أصحابنا على إنكار الاستحسان، وهذا الخلاف: إما أن يكون في اللفظ، أو في المعنى: لا يجوز أن يكون في اللفظ؛ لأنه قد ورد في القرآن، والسنة، وألفاظ سائر المجتهدين: هذه اللفظة.
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ﴿فيتبعون أحسنه﴾ [الرمز: ١٨].
وأما السنة: فقوله ﵊: (ما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن).
وأما ألفاظ سائر المجتهدين: فلأن الشافعي ﵁ -قال في باب المتعة: (أستحسن أن تكون ثلاثين درهمًا) وفي باب الشفعة: (أستحسن أن يثبت للشفيع الشفعة إلى ثلاث أيام)؛ وقال في المكاتب: (أستحسن أن يترك عليه شيء).
فثبت بهذا: أن الخلاف ليس في اللفظ، وإنما الخلاف في المعنى؛ وهو أن
стр. 3945
القياس إذا كان قائمًا في صورة الاستحسان في سائر الصور، ثم ترك العمل به في صورة الاستحسان، وبقى معمولاً به في غير تلك الصورة -فهذا هو القول بتخصيص العلة، وهو عند الشافعي وجمهور المحققين باطل، وقد تقدمت هذه المسألة؛ فظهر أن القول بالاستحسان باطل.
المسألة الثالثة
في الاستحسان
قال القرافي: قال النقشواني: أما ترتيبه كما ذكره أبو الحسين، ففيه نظر ؛ لأن البراءة الأصلية ليست من وجوه الاجتهاد، ولا يعد العمل بها من العمل بالاجتهاد؛ بل يرد عليه وجوه أخر.
وهو أن قوله: (من وجوه الاجتهاد)، إما أن يندرج فيها التمسك بالنص، أو يخص بالقياس، ونحوه، فإن اندرج حسن منه ذكر هذا القيد، وهو قوله: (غير شامل شمول الألفاظ): -لكن يجب أن يقيد هذا القيد في قوله: (لوجه أقوى منه): لأن الاجتهاد إذا كان فيما يشمل النص، فمن ترك العمل بالقياس لنص يعارضه يجب أن يكون مستحسنًا، وهم لا يسمون ذلك استحسانًا.
وإن اختص الاجتهاد بغير النصوص، فقوله: (غير شامل شمول الألفاظ) يصير زائدًا في الحد.
والإشكال الثاني: هو أن هذا الحد يقتضى أن الاستحسان معمول به أبدًا، ويكون ما يعارضه -أبدًا -متروكًا؛ لأن ترك المعارض مأخوذ في الحد، فمتى انتفى واحد من هذين القيدين بطل الحد، والمحدود.
ثم ما نقله عن محمد بن المحسن يرد إشكالاً على هذا الحد؛ لأنه اشتمل على العمل بالاستحسان وعلى العمل بالمعارض، فقد انتفى فيه القيدان، ومع ذلك سماه استحسانًا.
стр. 3946
والجواب الذي ذكره ضعيف؛ لأن القياس إذا اقترن به ما يقتضى تقويته، لا يخرج عن كونه عملاً بالقياس؛ لأن ما اقترن بالقياس لا يمكن أن يكون لفظًا على ما ذكر أن اللفظ لا يكون مقابله الاستحسان على ما ذكره في الحد؛ لأنه اشترط ألا يكون لفظًا؛ وإن لم يكن لفظًا فإنما يتحقق الاستحسان على هذا الحد أن ل كان أقوى من القياس مع تقاربه، وتقويته.
وأما مجرد كونه أقوى من القياس بمجرد النظر إليه لا يجعله استحسانًا، وإذا كان الاستحسان أقوى من القياس مع ما يقترن به يجب العمل به، فلا يصير الاستحسان متروكًا لأجل القياس.
ولئن قال: يترك القياس أولاً لأجل الاستحسان، ثم بعد ذلك ورد ما يقوى العمل بالقياس، فترك العمل بالاستحسان لا لأجل القياس وحده؛ بل لأجل المجموع.
أو يقال: القياس مع الاستحسان هما بحيث لو نظر إليهما على مجردهما لكان الاستحسان أقوى، فكان يجب ترك القياس لأجله، لكن إنما يترك الاستحسان لا لأجل القياس، بل بالنظر إلى المجموع، والمعنى الأول يكفى في تحقيق معنى الاستحسان.
قلنا: أما الأول فيناقض ما ذكره، حيث شرط في الاستحسان أن يكون في حكم الطارئ على المعارض، وما ذكره يقتضى طريان المعارض عليه.
وأما الثاني: فلا يصح عذرًا؛ لأنه شرط ترك المعارض، والعمل بالاستحسان بالفعل لا بالتقدير.
وأما اختيار المصنف ففيه تكرير لقوله: ترك وجه من وجوه لاجتهاد، فقد خرج عن المنصوص؛ لأن المنصوص دلائل مقطوعة المتن، وقد شرط ألا يوجد فيه دليل مقطوع مغاير للعمومات اللفظية.
стр. 3947
وقوله: (هذا الخلاف راجع إلى القول بتخصيص العلة) فيه نظر؛ لأن تخصيص العلة هو العمل بالمانع، وترك المقتضى.
وهاهنا -وجد ما سموه استحسانًا عملاً بالدليل الشرعي مثل: نص، أو إجماع، أو قياس.
فأنكر عليهم تسميته بالاستحسان -خاصة -في هذا الموضع.
وتارة وجد ما سموه استحسانًا لم يساعد عليه دليل شرعي، بل جرى ذلك الاستحسان مجرى اتباع الهوى.
وتارة وجد دليل شرعي غير معارض بدليل، وقياس.
وهم سموه استحسانًا، وكونه على خلاف القياس.
مثلا الأول: قولهم: إنا نحكم بأن من سبقه الحدث يتوضأ، ويبنى على صلاته، بخلاف المتعمد للحدث، وهذا على خلاف قياس الأحداث؛ لأن فيها يقتضى التسوية بين العمد والسبق.
فقل المنكرون: أما أولاً: فهذا عمل بالحديث بأن من سبقه الحدث يتوضأ ويبنى، فيخصص اسم الاستحسان بالعمل في هذا الموضع خاصة؛ دون غيره لا معنى له، ولا يسلم أنه على خلاف قياس الأحداث؛ لأن قياسها يقتضى عدم التفرقة في انتفاض الطهارة، وحصول الحدث بين العمد، والسبق، وذلك حاصل معمول به، وعدم البناء في العمد لم يقع على خلاف القياس، وإن ادعوا القياس في عدم البناء في السبق، والعمد، فذلك ممنوع.
والفرق: أن المسبوق معذور دون التعمد.
ومثال الثاني: قولهم في شهود الزنى: وجب الرجم استحسانًا، والقياس يقتضى وجوب الحد، فلم يساعدهم دليل شرعي؛ لأنه تعذر إيراد شهاداتهم على زينة واحدة، فصار كما لو شهدوا على الزنى في بيوت؛ فإنه
стр. 3948
لا يثبت الحد اتفاقًا، وليس لهم أن يقولوا: استحسان تصديق الشهود؛ لأن تصديق الشهود لا يقتضى الحد جزمًا، وقد ذكروا من جملة صور الاستحسان أخذ لماء من السقاء من غير تقدير له.
وكذلك إراقة الماء في الحمام من غير تقدير.
قال المنكر: هذه الصور ليست من قبيل المعاوضات، بل من قبيل الإباحة، كتقديم الطعام للضيف، ولما ظهرت المشقة في ذلك سومح فيه.
(تنبيه)
قال التبريزي: الكلام في صحة الاستحسان وفساده ينبني على فهم حقيقته .
والسابق إلى الذهن منه هو هجوم العقل على الحكم بحسن الشيء من غير دليل؛ فإن مقتضى الأدلة كلها مستحسنة، فلابد للتخصيص من تمييز، وعلى هذا لا يخفى فساده؛ لأنه شرع بغير دليل.
ولهذا قال الشافعي: (من استحسن فقد شرع) وقيل في حده: إنه دليل في نفس المجتهد لا تساعده عليه العبارة.
وهو أيضًا بهذا التفسير باطل؛ فإن جميع الأدلة يمكن التعبير عنها، وما عدا ذلك، فهو خيال فاسد.
* * *
стр. 3949
المسألة الرابعة
قال الرازي: الحق أن قول الصحابي ليس بحجة، وقال قوم: إنه حجة مطلقًا ، ومنهم من فصل، وذكروا فيه وجوهًا:
أحدها: أنه حجة، إن خالف القياس.
وثانيها: أن قول أبي بكر وعمر ﵄: حجة فقط.
وثالثها: أن قول الخلفاء الأربعة، إذا اتفقوا: حجة.
لنا: النص، والإجماع، والقياس:
أما النص: فقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ [الحشر: ٢] أمر بالاعتبار؛ وذلك ينافى جواز التقليد.
وأما الإجماع: فهو أن الصحابة أجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة؛ فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما، ولا كل واحد منهما على صاحبه فيما فيه اختلفا.
وأما القياس: فهو أنه متمكن من إدراك الحكم بطريقه؛ فوجب أن يحرم عليه التقليد؛ كما في الأصول.
واحتج المخالف بوجوه:
أحدها: قوله ﵊: (أصحابي كالنجوم؛ بأيهم اقتديتم، اهتديتم) جعل الاهتداء لازمًا للاقتداء بأي واحد كان منهم، وذلك يقتضي أن يكون قوله حجة.
стр. 3950
وثانيها: إن لم يجز اتباع كل واحد منهم؛ فيجب اتباع أبى بكر وعمر ﵄ -للخبر والإجماع.
أما الخبر: فقوله ﵊: (اقتدوا باللذين من بعدى، أبى بكر وعمر).
وأما الإجماع: فقد ولى عبد الرحمن عثمان الخلافة؛ بشرط الاقتداء بسيرة الشيخين، فقبل، ولم ينكر ذلك على عثمان، وكان ذلك بمحضر من أكابر الصحابة؛ فكان إجماعًا.
وثالثها: إن لم يجب اتباع أبي بكر وعمر وحدهما، وجب اتباع الخلفاء الأربعة؛ لقوله ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى) وقوله: (عليكم) للإيجاب؛ وهو عام.
ورابعها: أن الصحابي، إذا قال ما يخالف القياس، فلا محمل له إلا أنه اتبع الخبر.
والجواب عن الأول: أن قوله ﵊: (بأيهم اقتديتم، اهتديتم) خطاب مشافهة؛ فلعل ذلك كان خطابًا للعوام.
وعن الثاني: أن السنة هي الطريقة، وهي عبارة عن الأمر الذي يواظب الإنسان عليه؛ فلا تتناول ما يقوله الإنسان مرة واحدة.
وعن الثالث: أنا نقول بموجبه؛ فيجوز الاقتداء بهما في تجويزهما لغيرهما مخالفتهما بموجب الاجتهاد.
وأيضًا: لو اختلفا كما اختلفا في التسوية في العطاء؛ فأيهما يتبع؟.
стр. 3951
وعن الإجماع: أن قول عثمان معارض بقول علي ﵄.
وعن الرابع: أن الصحابي لعلة قال بما يخالف القياس؛ لنص ظنه دليلاً، مع أنه في الحقيقة ما كان دليلاً.
نعم: لو تعارض قياسان، والصحابي مع أحدهما، فيجوز الترجيح بقول الصحابي، فأما جعله حجة، فلا.
فرعان:
الأول: اختلف قول الشافعي ﵁ -في تقليد الصحابي؛ فقال في القديم: (يجوز تقليده، إذا قال قولاً، وانتشر، ولم يخالف) وقال في موضع آخر: (يقلد، وإن لم ينتشر).
وقال في الجديد: (لا يقلد العالم صحابيا؛ كما لا يقلد عالمًا آخر) وهو الحق المختار؛ لأن الدلائل المذكورة مطردة في الكل.
فإن قلت: (كيف لا نفرق بينهم، وبين غيرهم مع ثناء الله تعالى، وثناء رسوله ﷺ عليهم؛ حيث قال الله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ [الفتح: ١٨] وقال: ﴿السابقون الأولون من المهاجرين﴾ .. إلى قوله: ﴿﵃﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال ﵊:- (خير القرون قرني):
قلت: هذا كله ثناء يوجب حسن الاعتقاد فيهم، ولا يوجب تقليدهم؛ بدليل أنه ورد أمثالها في حق آحاد الصحابة، مع إجماع الصحابة على جواز مخالفتهم؛ قال ﵊: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح) وقال: (إن الله ضرب بالحق على لسان عمر). وقال: (والله، ما سلكت فجا، إلا سلك الشيطان فجا غير فجك).
стр. 3952
وقال في حق علي: (اللهم؛ أدر الحق مع على حيث دار) وقال: (رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عب) وقال أبي بكر وعمر: (لو اجتمعتما على شيء، ما خالقتكما) وكل ذلك ثناء لا يوجب الاقتداء.
الثاني: في تفاريع القول القديم للشافعي ﵁ -وهي سبعة.
أحدها: قال الشافعي ﵁ -في كتاب (اختلف الحديث): (روى عن على: (أنه صلى في ليلة ست ركعات، في كل ركعة ست سجدات) قال: لو ثبت ذلك عن على؛ لقلت به؛ فإنه لا مجال للقياس فيه، فالظاهر أنه فعله توفيقًا).
وثانيها: قال في موضع: (قول الصحابي، إذا انتشر، ولم يخالف، فهو حجة) قال الغزالي ﵀: (وهو ضعيف؛ لأن السكوت ليس بقول؛ فأي فرق بين أن ينتشر، أو لا ينتشر؟) والعجب من الغزالي: أنه تمسك بمثل هذا الإجماع على أن خبر الواحد حجة، والقياس حجة.
وثالثها: نص الشافعي ﵁ -على أنه إذا اختلفت الصحابة، فالأئمة الأربعة أولى، فإن اختلف الأئمة، فقول أبى بكر وعمر أولى) وكل ذلك للأحاديث المذكورة.
ورابعهما: نص في موضع آخر: (أنه يجب الترجيح بقول الأعلم، والأكثر قياسًا؛ لأن زيادة علمه تقوى اجتهاده، وتبعده عن التقصير).
وخامسها: إن اختلف الحكم والفتوى عن الصحابة، فقد اختلف قول الشافعي ﵁-فقال مرة: (الحكم أولى؛ لأن العناية به أشد) ونقال مرة: (الفتوى أولى؛ لأن سكوتهم عن الحكم محمول على الطاعة).
стр. 3953
وسادسها: هل يجوز ترجيح أحد القياسين بقول الصحابي؟.
والحق: أنه في محل الاجتهاد؛ فربما يتعارض ظنان، والصحابي في أحد الجانبين؛ فتميل نفس المجتهد إلى موافقة الصحابي، ويكون ذلك أغلب على ظنه.
وسابعها: إذا حمل الصحابي لفظ الخبر على أحد معنييه: منهم من جعله ترجيحا، وقال القاضي أبو بكر: إذا لم يقل: (علمت ذلك من قصد رسول الله ﷺ بقرينة شاهدتها لم تكن ذلك ترجيحًا.
المسألة الرابعة
في قول الصحابي
قال القرافي: قوله: (أمر الله -تعالى -بالاعتبار، وذلك ينافى التقليد):
قلنا: ليس هذا من باب التقليد، بل قوله ﵇: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) يقتضى الشهادة لهم بإصابة الحق، كشهادته ﵇ -لمجموع الأمة، فكما أن العمل بالإجماع وسائر الأدلة المنصوبة ليس تقليدًا، فكذلك هاهنا.
قوله: (لم ينكروا على من خالفهم):
قلنا: عدم الإنكار على المخالفة لا يأبى نصب أقوالهم، وأفعالهم أدلة؛ فإن الدليل قد يخالف لمعارض أرجح فكما أن عدم الإنكار على من خالف القياس لا يقتضى عدم كونه دليلاً، فكذلك هذا.
فإن قلت: (لم ينكروا على من خالفهم لغير معارض) -منعنا ذلك مطلقًا في أقوالهم، وجميع مدارك الشرع.
قوله: (احتجوا بقوله ﵇: (أصحابي كالنجوم .. الحديث):
стр. 3954
قلنا: الحديث إنما دل على أن الاقتداء بهم موصل إلى الله -تعالى -وهذا أمر مجمع عليه في حقهم، وفي حق غيرهم من المجتهدين، وأن المجتهدين كلهم -طرق إلى الله -تعالى -وأسباب السعادة، وإن تفاوتت مراتبهم، فكما أن قول غيرهم ليس بحجة، فكذلك قولهم، بل فائدة التنصيص عليهم التشريف، وأنهم أولى بذلك من غيرهم، وبالجملة فالحديث يرد عليه القول بالموجب؛ فإنه إذا صرح فيه بأن تقليد هم هداية، وأنه مجمع عليه إنما النزاع في أنه مدرك المجتهد إذا سلم عن المعارض، وهذا لم يفده الحديث، وكذلك السؤال على قوله ﵇: (اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر).
وكذلك يرد على قول عبد الرحمن في (البيعة): (أبايعك على سيرة الشيخين).
ويرد على الاستدلال بقوله ﵇: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى).
أن السنة هي: الطريقة، فيحمل على طريقهم في العمل بالدليل الراجح،
стр. 3955
والعدل، والإنصاف، وفرط البعد عن الهوى، وهذا غير محل النزاع، ثم إن هذا إشارة إلى المجموع.
ونحن نقول: متى اجتمع سننه، وأقوال الصحابة الخلفاء وجب الانقياد لما فيه من سننه ﵇ -ويكون وجه اعتبار قول الخلفاء، أنهم إذا وافقوا دل ذلك على عدم الناسخ، والمخصص، والمجاز، ونحوه.
فيقوى العمل بالحديث والسنة، ولا يمكن ضمها لسنته ﵇ -طرديا، ولا يكون حجة بانفراده.
قوله: (وعن الثالث: أنا نقول بموجبه؛ فيجوز الاقتداء بهما في تجويزهما لغيرهما مخالفتهما):
قلنا: نمنع من ذلك أنه اسم جنس أضيف؛ فيعم، فيتناول صورة النزاع، ولا يقتصر به على ما ذكرتم.
قوله: (الثناء عليهم لا يوجب الاقتداء):
قلنا: لا نسلم، بل يوجب ظهور أن الحق معهم، فيغلب على الظن مصادفة أقوالهم، وأفعالهم له، فعند عدم المعارض يتعين المصير إليه، ولا نعنى بكونه مدركًا شرعيًا إلا هذا.
قوله: (لعله خطاب مع العوام):
قلنا: هذا باطل لوجوه:
أحدها: أن المعهود في الشرع في قوله -تعالى -: (وأموال) -كزكاة -وسائر هذه الموارد، إنما هو للأمة إلى أن تقوم الساعة، فخروج هذا عن القاعدة تحكم.
стр. 3956
وثانيها: أن نشبههم بالنجوم يقتضى عدم الاختصاص بالعامي، بل الاستدلال أولى؛ لأن العامي ليس له أهلية الاستدلال بالنجوم.
وثالثها: أن اهتداء العوم بالاقتداء ليس خاصا بالصحابة؛ بل عام في العلماء إلى أن تقوم الساعة.
(فائدة)
قال سيف الدين: (اتفقوا على أن مذهب الصحابي -في مسائل الاجتهاد -لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين ، إماما كان أو حاكمًا، أو مفتيًا.
واختلفوا في كونه حجة على التابعين، ومن بعدهم من المجتهدين، فقالت الأشاعرة، والمعتزلة، والشافعي -في أحد قوليه -وأحمد بن حنبل -في أحد قوليه، والكرخى: إنه ليس بحجة.
وقال مالك بن أنس، والرازي، والبردعى من الحنفية، والشافعي، وأحمد في أحد قوليهما: إنه حجة مقدمة على القياس.
(فائدة)
قال الشيخ موفق الدين الحنبلي في كتاب (الروضة): (إذا اختلف الصحابة على قولين، لم يجز للمجتهد الأخذ بقول بعضهم من غير دليل ، وجوزه بعض الحنفية، وبعض المتكلمين، ما لم ينكر على القائل قوله؛ لأن اختلافهم إجماع يسوغ الخلاف، والأخذ بول كل واحد من القولين، وهو باطل؛ لأن اختلافهم لا يزيد على تعارض الكتاب، والسنة، ولا يعمل في ذلك بغير دليل، وطلب الترجيح).
стр. 3957
وقال العالمي الحنفي في كتابه: (قول الصحابي إن انتشر، ولم يظهر له مخالف، فهو إجماع على ما تقدم في الإجماع).
وإن عرف له مخالف لا يكون حجة؛ لأن القول الآخر يناقضه، وإن قال قولاً، ولم ينتشر، ولم يعرف له مخالف، ليس من أهل العلم، والاجتهاد لا يكون قوله حجة، وإن كان من أهل الاجتهاد، وهو حكم لا يدرك بالقياس؛ فهو حجة وإن كان يدرك بالقياس، فقال أبو الحسين الكرخى، وجماعة من أصحابنا: لا يكون حجة.
وقال بعض مشايخنا: هو حجة.
* * *
стр. 3958
المسألة الخامسة
قال الرازي: اختلفوا في أنه، هل يجوز أن يقول الله تعالى للنبي ﷺ أو للعالم: (احكم، فإنك لا تحكم إلا بالصواب ؟): فقطع بوقوعه مويس بن عمران. وقطع جمهور المعتزلة بامتناعه، وتوقف الشافعي ﵁ في امتناعه وجوازه، وهو المختار؛ وصحة هذا التوقف لا تظهر إلا بالاعتراض على أدلة القاطعين.
أما المانعون: فقد تعلقوا تارة بما يدل على امتناع وقوعه، وأخرى بما يدل على عدم وقوعه.
أما الوجه الأول: فتقريره: أن من أجاز هذا التكليف: إما أن يجعل الاختيار مما تتم به المصلحة، أو يجعل الفعل مصلحة في نفسه، ثم يختاره المكلف.
والأول باطل؛ لوجهين:
أحدهما: أن على هذا التقدير: يسقط التكليف؛ لأن المكلف، متى قال: (إن اخترته، فافعله، وإن لم تختره، فلا تفعله) فهذا محض إباحةٍ.
وثانيهما: أن المكلف لا ينفك عن الفعل والترك، ولا يجوز تكليف المرء بما لا يمكنه الانفكاك عنه؛ بخلاف التخيير في الكفارات الثلاث؛ فإنه يمكنه الانفكاك عنها أجمع.
وأما الثاني: فهو باطل من وجوهٍ أربعةٍ:
стр. 3959
أولها: أنه إما أن يجوز له الحكم على هذا الوجه في الحوادث الكثيرة، أو في الحادثة والحادثتين:
والأول: محال؛ لأنه يمتنع حصول الإصابة بالاتفاق في الأشياء الكثيرة؛ ولهذا لا يجوز أن يقال للأمي: (اكتب مصحفًا، فإنك لا تخط بيمينك إلا ما يطابق ترتيب القرآن) وللجاهل: (أخبر؛ فإنك لا تخبر إلا بالصدق) ولولا ما ذكرناه، لبطلت دلالة الفعل المحكم على علم فاعله، وبطلت دلالة أخبار الغيب على النبوة.
وأما الوجه الثاني؛ وهو أن يجوز ذلك في القليل، دون الكثير: فهو باطل؛ لأن كل من جوزه في القليل، جوزه في الكثير، ومن منع منه في الكثير، منع منه في القليل؛ فالقول بالفرق خرق للإجماع.
وثانيها: وهو أنه إنما يحسن القصد إلى الفعل، إذا علم، أو ظن كونه حسنا؛ فلابد وأن يتميز له الحسن من القبح قبل الإقدام على الفعل، فإذا لم تتقدم هذه الأمارة المميزة، كان التكليف باختيار الحسن دون القبيح، تكليفًا بما لا يطاق.
فإن قلت: (إنما يميز بين الحسن والقبيح) بأن يقال له: (قد علمنا بأنك لا تختار شيئًا إلا وهو حسن):
قلت: فهذا يقتضي أنه إنما يعلم حسنه بعد فعله له، وهو إذا فعله، زال التكليف عنه.
فالحاصل: أن التمييز بين الحسن والقبيح لابد وأن يكون متقدمًا على الاختيار؛ وإلا وقع التكليف بما لا يطاق.
стр. 3960
وإذا قال الله تعالى: (إنك لا تحكم إلا بالصواب): فهاهنا التمييز بين الحسن والقبيح لا يحصل إلا بعد الفعل، والشيء الذي يجب أن يكون متقدمًا، ليس هو الذي يجب أن يكون متأخرًا.
وثالثها: لو جاز أن يقول له: (احكم؛ فإنك لا تحكم إلا بالصواب) لجاز أن يكلفه تصديق النبي، وتكذيب المتنبي، من غير دليل ألبتة، بل يكله فيه على رأيه، ولجاز ذلك في الإخبار؛ فيقول: (أخبر؛ فإنك لا تخبر إلا عن حق) ولجاز أن يصيب في مسائل الأصول من غير تعلم ألبتة، ولجاز أن يفوض إليه تبليغ أحكام الله تعالى من غير وحي نزل عليه، وكل ذلك باطل بالإجماع.
ورابعها: لو جاز ذلك في حق العالم، لجاز في حق العامي؛ وبالإجماع لا يجوز.
أما الذي يدل على عدم الوقوع: فأمران: الأول: لو كان الرسول ﷺ مأمورًا بأن يحكم على وفق إرادته من غير دليلٍ، لما كان منهيا عن اتباع هواه؛ لأنه لا معنى لاتباع الهوى إلا الحكم بكل ما يميل قلبه إليه؛ لكنه كان منهيًا عن اتباع الهوى؛ لقوله تعالى:﴾ ولا تتبع الهوى ﴿﴾ وما ينطق عن الهوى ﴿.
فإن قلت: لما قيل له: (احكم؛ فإنك لا تحكم إلا بالصواب) كان ذلك نصا من الله تعالى على حقية كل ما يميل قلبه إليه؛ فلا يكون ذلك اتباعًا للهوى).
قلت: فعلى هذا التقدير: صار اتباع الهوى في حقه غير ممكنٍ، ولو كان كذلك؛ فلم نهي عنه؟.
الثاني: لو قيل له: (احكم؛ فإنك لا تحكم إلا بالصواب) لما قيل له: (لم
следующие страницы →