Полный текст (4 032 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وتقريره: أن الله - تعالى - خلق حيوانا في الخارج بالضرورة، فإما أن يكون بقيد أو لا بقيد.
والثاني: كلي خارجي طبيعي بمعنى أنه طبعه الله طبعية مخصوصة قابلة لعوارض مخصوصة نحو: الحس، والحركة بالإرادة، وغير ذلك، فهذا المفروض في الخارج قطعا، وإن كان مع قيد فكلما وجد مع قيد وجد في نفسه، فالحيوان الطبيعي في الخارج بالضرورة.
وأما قولنا: (كلي) فهو غشارة إلى الصورة الكائنة في الذهن التي تنبطق على أفارد الحيوانات افي الخارج، فهذا هو الكلي المنطقي؛ لأن الأهل المنطق إنما يتكلمون فيه، لأنهم إنما يتكلمون في هذا الموطن في الجنس والنوع والفصل، والخاص، والعرض العام، وهذه صور ذهنية تنطبق على أمور خارجية فلذلك سمى منطقا، وأما تسمية الثالث عقليا، فلأنه مركب من الخارج والذهني، وهذا المركب لا وجود له إلا في الإعتبار الذهني العقلي لا في نفس الأمر، لأن المنطقي صورة ذهينة هي تصور وعلم، والخارجي جسم خاص، فكلاهما موجود، أما العقلي فلا، ونحو ذلك أن يعتبر العقل حقيقة مركبة من العالم وعشرة أمثاله معه، أو من المستحيل، والممكن، أو المستحيل والواجب، أو من عشرة محالات، فهذا مهيع متسع للاعتبارات العقلية، فالمركب من الممكن والواجب ممكن، ومن المستحيل والممكن مستحيل، ومن المستحيل والواجب مستحيل، والمعتبر من الخارجي والذهني إن أخذ بقيد كونه ذهنيا، والآخر بقيد كونه خارجيا كان المجموع مستحيل الوجود في الخارج، بل أفارده فقط، وإن لم يوجد فيه هذان القيدان كان لمجموع ممكنا غير واقع، مثل إنسان له ألف رأس فهذا هو السبب في هذه التسميات، وانقسام الكليات إلى ثلاث.
ومتى قيل: الكلي لا وجود له في الخارج صدق باعتبار المنطقي، والعقلي دون الطبيعي.
стр. 422
ومتى قيل: موجود في الخارج صدق باعتبار الطبيعي دون لاآخرين، وعلى هذا التقدير تكون قاعدتك في اهذا الموطن، فإنه يغلط فيه كثير من الناس.
((تنبيه))
إذا تقرر هذا فقولنا: اللفظ يدل مطابقة على مسماه، وقد تقرر أن مسماه هو الأمور الذهنية، فعلى هذا لا يدل على الخارج مطابقة، ولا تضمنا، ولا التزاما، فإن الصورة الخارجية ليست جزءا للذهنية، لاستحالة وقوع ذلك الجسم المخصوص في الذهن، بل الواقع في الذهن إنما هو اصورته، ولا لازمه للذهنية، لأن الذهنية قد توجد منفكة عن الخارجية، فإن الإنسان قد يتصور ماهية، ولا يكون شيء من أفرادها في الخارج، كبحر من زئبق، أو وجد قبل تصوره وعدم، وعلى التقديرين ينفك اللزوم، فتبطل دلالة الإلتزام، فتبطل الدلالة مطلقا، وأيضا فإن دلالة الإلتزام أن تتلازم الصورتان في الذهن لا المتصور والصورة، فدلالة الإلتزام أيضا متعذرة من هذا الوجه، فالدلالة مسلوبة عن الأمور الخاجرية مطلقا، هذا من حيث الألفاظ المفردة.
وأما المركبات فتدل على الوقوع في الخارج، لأن المركب يدل على الإسناد في هذن المتكلم، وظاهر حاله يقتضي المطابقة، وأن ما اعتقده كما اعتقده، فيدل اللفظ بالإلتزام على الوقوع في الخارج، أما الألفاظ المفردة فلا تدل على وقوع الصورة في الذهن، وليست إخبارا عن شيء حتى يستدل بظاهر حال المخبر على وقوعه، وعلى هذا قول العلماء: لفظ الإنسان يدل على الحيوان الناطق مطابقة، وعلى الناطق أو الحيوان التزاما.
معناه أنه يدل على الكلي الذهني من مجموعهما، أو من أحدهما، أما أن أحدهما وقع في الخارج، فهذا لا يزلم من مجرد النطق باللفظ المفرد،
стр. 423
فيصير المسمى وجزأه ولازمه في دلالة الإلتزام باعتبار ما في الذهن دون الخارج، هذا هو الذي يقتضيه أن اللفظ وضع لما في الذهن دون الخارجي.
((تنبيه))
قال التبريزي: موضوع اللفظ هو ما يحتاج للتعبير عنه ، وينقسم إلى صور المعقولات، وإلى حقائق الأشخاص، وينقسم إلى الألفاظ وغيرها، بدليل أنك تقول: النار مخلوقة، ونعني بها الخارجية، وهي جسم ممكن، ويريد المعنى المعقول، والنار اسم صحيح غي رمعتل، ويريد اللفظ، ثم يتجه أن اللفظ وضع أولا لأعيان الأشخاص حقيقة، فإن الحاجة إليها أمس، ثم استعمل في الحقائق الكلية لأجل المطابقة إما تجوزا، أو اكتفاء بالإشتراك كي لا تكثر الألفاظ، ويتجه أن يقال: وضعت أولا للمعاني، فإنها محل الضرورة لعدم قبول الإشارة إليها، ثم اندرجت الأعيان تحت ضرورة وجود المعاني بها، ولأنا لو قدرنا الوضع للأعيان لم يكن تخصيص الأعيان الحاضرة عند الوضع، فإن ما سيوجد يحتاج أيضا إلى الأسامي، ولا يتناولها اللفظ الواحد إلا بالإشتراك، أو وملاحظة المعنى، والثاني ألوى، ولما صارت الألفاظ الموضوعة بواسطة الوضع مجودات مختلفة افتقرت إلى ألفاظ أخر للتعريف، بجعلت الأسامي اسما، وكذلك القول في المكتوب.
((تنبيه))
تقدم أن اللفظ في كل شيء يصدق على أربعة أمور ما في الأذهان والأعيان والبيان والبنان، وهل صدقه على الجميع حقيقة أو مجاز؟
وكلام التبريزي يقتضي أنه حقيقة في الجميع، ويؤكده اطراده في جميع الحقائق، لكن يلزم على هذا أن كل لفظ في العالم مشترك؛ لأن هذه الأمور مختلفة، وذلك صعب، ويمكن أن يقال: هو حقيقة في الكلي الذهني، وإذا وجد من أفراد ذلك الكلي فرد في الخارج صدق اللفظ على ذلك الخارجي حقيقة، لانطباق مسمى اللفظ عليه، وهو الصورة الذهنية، وإن لم يوجد من الخارجيات ما لم تنطبق عليه الصورة الذهنية اقتصر على الذهني،
стр. 424
ويكون في النطق والكتابة مجازا من باب إطلاق الدليل عى المدلول، فإن اللفظ يدل على ما في النفس، والكتابة تدل على ما في اللفظ، فيكون مجازا في الكتابة في الرتبة الثانية.
ومن قال: اللفظ موضوع للأمور الخارجية يقول: إطلاقه على الذهنية من باب إطلاق المتعلق على المتعلق، فإن العلم الذي هو الصورة الذهنية متعلقة بالأمور الخارجية، وعلى اللفظ والكتابة مجاز من باب إطلاق الدليل على المدلول، لكن مجاز في المرتبة الثالثة، فإن العلم متعلق بالمعولم الذي هو المسمى، واللفظ دال على مافي النفس، والكتابة دالة على اللفظ، فيكون الاسم مجازا في الكتابة في الرتبة الرابعة من الحقيقة، والثالثة من المجاز، فإن أول رتب المجاز الصورة الذهنية على هذا المذهب، وهو موضع ضيق، وفيه نظر عويص، أعني في تعيين الحقيقة والمجاز، والإشتراك وعدمه، غير أن الصواب يظهر في أن اللفظ ليس موضوعا للخارجيات، بل للذهنيات والاشتراك بعيد، فإن العقل لا يحصل له تردد وإجمال ععند سماع فرس، هل هو علم، أو لفظ، أو كناية؟ بل يجزم أن المراد به تلك الحقيقة المعلومة أما في الخبر فوقوعا، وأما في الطلب فاقتضاء، وأما في الإذن والإباحة فملابسة وتركا.
((تنبيه))
زاد سراج الدين لقائل أن يقول: اختلاف اللفظ الموضوع للخارجي ممنوع في نفس الأمر ، وجواز إطلاق الشيء مشروط باعتقاد أنه كذلك في الخارج، والكذب في المركب يمتنع لو كانت دلالته قاطعة.
وبسطه: أن معنى قوله: الخارجي، أي: لاختلاف الخارجي في الإعتقاد، وليس معناه أنه موضوع للخارجي، وأسند منعه بأن ذلك الإختلاف لم يقع في نفس الأمر، بل بحسب الإعتقاد.
стр. 425
أما بحسب نفس الأمر، فلا يختلف المسمى، ولا لفظه، وإن الاختلاف في هذه الإطلاقات إنما كان؛ لأن إطلاق لفظ المسمى شمروط باعتقاد أنه ذلك المسمى.
وقوله: الكذب إنما يمتنع أن لو كانت الدلالة قطعية.
هو كلام ذكره الإمام بعد هذا قدمه هو، فقال الإمام: (لو كان لفظ الخبر موضوعا لما في الخارج لتعذر الكذب) يعني أن اللفظ متى وجد وجد ذلك المعننى في الخارج، وهذا إنما يتم للإمام بأحد طريقين: إما أن يكون الاسم نفس المسمى، والخبر نفس المخبر، وهو باطل، أو يكون غيره، لكن تكون دلالته قطعية، وهو باطل أيضا، لأن دلالة الألفاظ ليست قطعية، فجاز تخلف مدلولها عنها، فيبطل قول الإمام مطلقا.
المبحث الرابع
اللفظ المشهور لا يجوز أن يكون موضوعا لمعنى خفي لا يعرفه إلا الخواص .
مثاله: ما يقوله مثبتوا الأحوال إلى آخره، اعلم أن الأحوال جمع حال، والحال عندهم هي صفة لموجود، لا موجودة ولا معدومة، وزاد بعضهم فقال: لا معلومة، ولا مجهولة.
وتقريرها: بالمثال أولا ليشهد الكلام فيها أنها على قسمين: معللة وغير معلة، فالمعللة هي أحكام المعاني، فمتى قام معنى بمحل أوجب لمحله حكما منه، فالسواد يوجب لمحله أنه أسود، والبياض يوجب لمحله أنه أبيض، والعلم يوجب لملحله أنه عالم، وكذلك بقتيها، فكونه عالما معلل بقيام العلم به، وكذلك سائرها، فهذه عندهم أحوال معللقة بذلك، ومعنى ذلك الحكم هو اختصاص العلم بهذا الموصوف دون غيره، فذلك الإختصاص يسمى
стр. 426
عالمية، والعالمية مع المعروض لهذه العالمية يسمى عالما، فالعالمية جزء عالم، وكذلك بقيتها.
وغير المعللة: هي كون العلم علما والبياض بياضا، وكذلك سائر المعاني، فإذا قيل لك: لم كان العلم علما؟ لا يمكنك أن تقول: لأجل كذا، وإن كنت تقول: وجد في الخارج بقدرة الله - تعالى - لكن الكلام في الحقيقة سواء وجدت، أو عدمت يتعذر علينا تعليل خصوصيتها، وكذلك سائر المعاني والجواهر، والأقسام، والحقائق، والمعلومات، وحتى إذا قيل لك: لمَ كان المستحيل مستحيلا؟ لا تجد لذلك سبيلا، فهذه أحوال غير معللة، ولست صفات قائمة لمحالها حتى تقول: هي موجودة، ولا هي مسلوبة عن محالها حتى يقال: العلم بيس بعلم، فلذلك قالوا: ليست موجودة ولا معدومة، وكذلك اختصاص العلم بمحله نسبة وإضافة، والنسب والإضافات عندنا عدمية خلافا للفلاسفة، ولا هي مسلوبة عن محالها حتى يصدق على العالم أنه ليس بعالم، فلذلك قيل في الأخرى: ((ليست موجودة ولامعدومة)) ولما وصل الفريق الآخر إلى هذا المقام قال: هذه ليست معلومة، لأن المعلوم إما موجود أو معدوم، وهذه ليست موجودة ولا معدومة، ولا هي مجهولة، لأنا حكمنا بها على محالها، والمجهول مطلقا لا يحكم به.
إذا تقرر هذا ظهر أن الحركة معنىيوجب لمحله كونه متحركا، ويكون كونه مترحكا حالا معللا بالحركة.
وقوله: ((إنها غير واقعة بالقادر))، بناء على قاعدة وهي أن القدرة صفة مؤثرة لا بد أن يكون أثرها وجوديا، وهي عدمية، فلا يكون بالقادر.
وقوله: ((لايعرفها إلا الأذكياء)) ممنوع؛ لأن العوام يفهمون الحركة، وكونه مترحكا، ويقولون: زيد متحرك، ولا يقولون: زيد حركة، ويقولون بأجمعهم: الحركة تنافي السكون، فهم متصورون للأمرين، غير أن هذه التدقيقات وتفاصيل المباحث ليست عندهم، وذلك لا يقدح في معرفتهم
стр. 427
بمسميات الألفاظ، ألا ترى أنهم يعرفون الحيوان والإنسان، وتفاصيل أحوالهما وخواصهما لا يعرفه إلا فضلاء الناس، ومن ذلك ما لا يعلهم إلا الله تعالى، فما قاله مندفع، أعني دليله على هذه الدعوى، ودعواه صحيحة في غير هذا المثال، وهل وقع أو ما وقع له مثال يحتمل ذلك؟ والغالب عدم وقوعه، وأنه لا يشتهر لفظ إلا ومسماه مشتهر.
стр. 428
النظر الخامس
فيما يعرف به كون اللفظ موضوعا لمعناه
لما كان المرجع في معرفة شرعنا إلى القرآن والأخبار، وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم، كان العلم بشرعنا موقوفا على العلم بهذه الأمور،
وما لا يتم الواجب المطلق إلا به، وكان مقدورا للمكلف، فهو واجب.
ثم الطريق إلى معرفة لغة العرب ونحوهم وتصريفهم إما العقل، وإما النقل،
أو ما يتركب منهما.
أما العقل: فلا مجال له في هذه الأشياء؛ لما بينا أنها أمور وضعية،
والأمور الوضعية لا يستقل العقل بإدراكها.
وأما النقل: فهو إما تواتر أو آحاد والأول يفيد العلم، والثاني يفيد الظن.
وأما ما يتركب من العقل والنقل، فهو كما عرفنا بالنقل أنهم جوزوا الاستثناء
عن صيغ الجمع، وعرفنا بالنقل أيضا أنهم وضعوا الاستثناء لإخراج ما لولاه
لدخل تحت اللفظ؛ فحينئذ نعلم بالعقل بواسطة هاتين المقدمتين النقليتين أن صيغة الجمع تفيد الاستغراق.
واعلم أن على كل واحد من هذه الطرق الثلاثة- إشكالات، أما التواتر:
فإن الإشكال عليه من وجوه:
أحدها: أنا نجد الناس مختلفين في معاني الألفاظ التي هي أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين اختلافا لا يمكن القطع فيه بما هو الحق؛ كلفظة الله
стр. 429
تعالى؛ فإن بعضهم زعم أنها ليست عربية، بل سريانية، والذين جعلوها عربية
اختلفوا في أنها من الأسماء المشتقة، أو الموضوعة، والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافا شديدا،
وكذا القائلون بكونه موضوعا اختلفوا أيضا اختلافا كبيرا،
ومن تأمل أدلتهم في تعيين مدلول هذه اللفظة علم أنها متعارضة، وأن شيئا منها لا يفيد الظن الغالب فضلا عن اليقين.
وكذا اختلفوا في الإيمان والكفر، والصلاة والزكاة، حتى إن كثيرا منالمحققين في علم الاشتقاق
زعموا أن اشتقاق الصلاة من الصلوين، وهما: عظما الورك، ومن المعلوم أن هذا الاشتقاق غريب.
وكذلك اختلفوا في صيغ الأمور والنواهي، وصيغ العموم مع شدة
اشتهارها، وشدة الحاجة إليها اختلافا شديدا.
وإذا كان الحال في هذه الألفاظ التي هي أشهر الألفاظ، والحاجة إلى
استعمالها ماسة جدا كذلك، فما ظنك بسائر الألفاظ؟! وإن كان كذلك ظهر
أن دعوى التواتر في اللغة والنحو متعذرة.
فإن قلت: هب أنه لا يمكن دعوى التواتر، في معاني هذه الألفاظ على سبيل
التفصيل، ولكنا نعلم معانيها في الجملة، فنعلم أنهم يطلقون لفظ الله على الإله
، وإن كنا لا نعلم أنن مسمى هذا اللفظ أهو الذات، أم المعبودية،
أم القادرية؟ وكذا القول في سائر الألفاظ.
قلت: حاصل ما ذكرته أنا نعلم إطلاق لفظ الله على الإله من
غير أن نعلم أن مسمى هذا الاسم ذاته، أو كونه معبودا، أو كونه قادر على
الاختراع، أو كونه ملجأ الخلق، أو كونه بحيث تتحير العقول في إدراكه إلى
стр. 430
غير ذلك من المعاني المذكورة لهذا اللفظ، وذلك يفيد نفي القطع بمسماه، وإذا كان الأمر كذلك في هذه اللفظة مع غاية شهرتها ونهاية الحاجة إلى معرفتها، كان الاحتمال فيما عداها أظهر.
وثانيها: أن من شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة، فهب أنا علمنا حصول شرائط التواتر في حفاظ اللغة والنحو والتصريف في زماننا هذا، فكيف نعلم حصولها في سائر الأزمان؟!
فإن قلت: الطريق إليه أمران:
أحدهما: أن الذين شاهدناهم أخبرونا أن الذين أخبروهم بهذه اللغات كانوا موصوفين بالصفات المعتبرة في التواتر، وأن الذين أخبروا من أخبرهم كانوا كذلك إلى أن يتصل النقل بزمان الرسول ﷺ .
وثانيهما: أن هذه الألفاظ، لو لم تكن موضوعة لهذه المعاني، ثم وضعها واضع لهذه المعاني،
لاشتهر ذلك ولعرف؛ فإن ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله.
قلت: أما الأول، فغير صحيح؛ لأن كل واحد منا حين سمع لغة مخصوصة من إنسان، فإنه لم يسمع منه أنه سمع من أهل التواتر، وأن الذين أسمعوا كل واحد من مسمعيه سمعوها أيضا من أهل التواتر، إلى أن يتصل ذلك بزمان الرسول ﷺ ، بل تحرير هذه الدعوى على هذا الوجه، مما لا يفهمه كثر من الأدباء؛ فكيف يدعى أنهم علموه بالضرورة؟!
بل الغاية القصوى في راوي اللغة أن يسنده إلى كتاب مصحح، أو إلى أستاذ متقن،
ومعلوم أن ذلك لا يفيد اليقين.
стр. 431
وأما الثاني، فضعيف أيضا، أما أولا؛ فلأن ذلك الاشتهار إنما يجب في الأمور العظيمة؛ ووضع اللفظة المعينة بإزاء المعنى المعين ليس من الأمور العظيمة التي يجب اشتهارها، وأما ثانيا؛ فلأن ذلك ينتقض بما أنا نرى أكثر العرب في زماننا هذا يتكلمون بألفاظ مختلة، وإعرابات فاسدة، مع أنا لا نعلم واضع تلك الألفاظ المختلة ولا زمان وضعها، وينتقض أيضا بالألفاظ العرفية؛ فإنها نقلت عن موضوعاتها الأصلية، مع أنا لا نعلم المغير ولا زمان التغيير فكذا هاهنا.
سلمنا أنه يجب أن يشتهر ذلك؛ لكن لا نسلم أنه لم يشتهر، فإنه قد اشتهر، بل بلغ مبلغ التواتر أن هذه اللغات إنما أخذت عن جمع مخصوصين كالخليل، وأبي عمر بن العلاء، والأصمعي،
وأبي عمرو الشيباني، وأضرابهم ولاشك أن هؤلاء ما كانوا معصومين، ولا كانوا بالغين حد التواتر، وإذا كان كذلك لم يحصل القطع واليقين بقولهم.
أقصى ما في الباب أن يقال: نعلم قطعا استحالة كون هذه اللغات بأسرها منقولة على سبيل الكذب، إلا أنا نسلم ذلك، ونقطع بأن فيها ما هو صدق قطعا، لكن كل لفظة عينَّاها، فإنه لا يمكننا القطع بأنها من قبيلما نقل صدقا أو كذبا؛ وحيينئذ لا يبقى القطع في لفظ معين أصلا، هذا هو الإشكال على من ادعى التواتر في نقل اللغات.
أما الآحاد، فالإشكال عليه من وجوه:
أحدها: أن رواية الآحاد لا تفيد إلا الظن، ومعرفة القرآن والأخبار مبنية على معرفة اللغة والنحو والتصريف، والمبني على المظنون مظنون، فوجب ألا يحصل القطع بشيء من مدلولات القرآن والأخبار، وذلك خلاف الإجماع.
стр. 432
وثانيها: أن رواية الآحاد لا تفيد الظن، إلا إذا سلمت عن القدح، وهؤلاء الرواة مجرحون.
بيانه: أن أجل الكتب المصنفة في النحو واللغة: "كتاب سيبويه" وكتاب "العين".
أما "كتاب سيبويه": فقدح الكوفيين فيه وفي صاحبه أظهر من الشمس، وأيضا فالمبرد كان من أجلِّ البصريين، وهو قد أورد كتابا في القدح فيه.
وأما "كتاب العين": فقد أطبق الجمهور من أهل اللغة على القدح فيه.
وأيضا فإن ابن جني قد أورد بابا في كتاب "الخصائص" في قدح أكابر الأدباء بعضهم في بعض وتكذيب بعضهم بعضا، وطول في ذلك وأفرد بابا آخر في أن لغة أهل الوبر أصح من لغة أهل المدر، وغرضه من ذلك القدح في الكوفيين؛ وأفرد بابا آخر في كلمات من الغريب لا يعلم أحد أتى بها إلا ابن أحمر الباهلي.
وروي عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظا لم يسمعاها، ولم يسبقا إليها، وعلى نحو هذا قال المازني: ما قيس على كلام العرب، فهو من كلامهم.
وأيضا، فالأصمعي كان منسوبا إلى الخلاعة، ومشهورا بأنه كان يزيد في اللغة ما لم يكن منها.
والعجب من الأصوليين أنهم أقاموا الدلالة على أن خبر الواحد حجة في الشرع، ولم يقيموا الدلالة على ذلك في اللغة، وكان هذا أولى؛ لأن إثبات اللغة كالأصل للتمسك بخبر الواحد، وبتقدير أن يقيموا الدلالة على ذلك،
стр. 433
فكان من الواجب عليهم أن يبحثوا عن أحوال رواة اللغات والنحو، وأن يتفحصوا عن أسباب جرحهم وتعديلهم، كما فعلوا ذلك في رواة الأخبار، لكنهم تركوا ذلك بالكلية مع شدة الحاجة إليه فإن اللغة والنحو يجريان مجرى الأصل للاستدلال بالنصوص.
وثالثها: أن رواية الراوي إنما تقبل إذا سلمت من المعارض، وهاهنا روايات دالة على أن هذه اللغة تتطرق إليها الزيادة والنقصان.
أما الزيادة: فلما نقلنا عن رؤبة وأبيه من الزيادات، وكذلك عن الأصمعي والمازني.
وأما النقصان: فلما روى ابن جني بإسناده عن ابن سيرين عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: كان الشعر علم قوم، لم يكن لهم علم أصح منه فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم، وغفلت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يئولوا فيه إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وقد هلك من العرب ما هلك، فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم أكثره.
وروى ابن جني ايضا بإسناده عن يونس بن حبيب، عن أبي عمرو بن العلاء، أنه قال: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير.
قال ابن جني: فهذا ما نراه، وقد روي في معناه كثير؛ وذلك يدل على تنقل الأحوال بهذه اللغة، واعتراض الأحداث عليها، وكثرة تغيرها.
стр. 434
وأيضا فالصحابة مع شدة عنايتهم بأمر الدين، واجتهادهم في ضبط أحواله، عجزوا عن ضبط الأمور التي شاهدوها في كل يوم خمس مرات، وهو كون الإقامة فرادى أو مثناة، والجهر بالقراءة، ورفع اليدين، فإذا كان الامر في هذه الأشياء الظاهرة كذلك، فما ظنك باللغات، وكيفية الإعرابات، مع قلة وقعها في القلوب، ومع أنه لم يشتغل بتحصيلها وتدوينها محصل إلا بعد انقراض عصر الصحابة والتابعين؟!
وأما ما يتركب من العقل والنقل، فالاعتراض عليه أن الاستدلال بالمقدمتين النقليتين على النتيجة،
لا يصح إلا إذا ثبت أن المناقضة غير جائزة على الواضع، وهذا إنما يثبت إذا ثبت أن الواضع هو الله تعالى، وقد بينا أن ذلك غير معلوم.
فإن قلت: الناس قد أجمعوا على صحة هذا الطريق، لأنهم لا يثبتون شيئا من مباحث علم النحو والتصريف إلا بهذا الطريق، والإجماع حجة.
قلت: إثبات الإجماع من فروع هذه القاعدة، لأن إثبات الإجماع سمعي، فلا بد فيه من إثبات الدلائل السمعية، والدليل السمعي لا يصح إلا بعد ثبوت اللغة والنحو والتصريف، فالإجماع فرع هذا الأصل، فلو أثبتنا هذا الأصل بالإجماع، لزم الدور؛ وهو محال، فهذا تمام الإشكال.
والجواب: أن اللغة والنحو على قسمين:
أحدهما: المتداول المشهور، والعلم الضروري حاصل بأنها في الازمنة الماضية كانت موضوعة لهذه المعاني؛ فإننا نجد أنفسنا جازمة بأن لفظ السماء والأرض كانتا مستعملتين
في زمان الرسول ﵌ في هذين
стр. 435
المسميين، ونجد الشكوك التي ذكروها جارية مجرى شبه السوفسطائية القادحة في المحسوسات التي لا تستحق الجواب.
وثانيهما: الألفاظ الغريبة، والطريق إلى معرفتها الآحاد، إذا عرفت هذا فنقول: أكثر ألفاظ القرآن ونحوه وتصريفه من القسم الأول، فلا جرم قامت الحجة به.
وأما القسم الثاني: فقليل جدا، وما كان كذلك، فإننا لا نتمسك به في المسائل القطعية، ونتمسك به في الظنيات، ونثبت وجوب العمل بالظن بالإجماع، ونثبت الإجماع بآية واردة بلغات معلومة لا مظنونة، وبهذا الطريق يزول الإشكال، والله أعلم.
قال القرافي: قوله: "النظر الخامس .... " إلى آخره عليه ثلاثة عشر سؤالا:
الأول: النقل إما تواتر أو آحاد، القسمة ليست حاصرة؛ لأن التواتر هو خبر جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب.
والآحاد: هو ما أفاد ظنا أخبر به واحد أو أكثر، هذا هو الاصطلاح، ونفى خبر الواحد إذا أفاد العلم بما يقترن به من قرائن الأحوال وغيرها كأخباره ﵇ مشافهة، واحتفت به قرائن
تقتضي إرادة ما فهم منه قطعا لا ظنا، ولذلك ميزه ﵇ مع القرائن.
تقرير قوله قبل هذا: " ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب"
يريد بالمطلق ما لا يفيد في أصل الخطاب بشرط أو سبب وانتفاء مانع في الوجوب، فإن سبب الوجوب وشرطه وانتفاء مانعه لا يجب إجماعا نحو: ملك النصاب سبب وجوب الزكاة، والإقامة شرط للصيام، والدين مانع من وجوب الزكاة فلا يجب تحصيل النصاب ولا الإقامة ولا وفاء الدين لأجل
стр. 436
الزكاة إجماعا، إنما الخلاف فيما يتوقف عليه إيقاع الواجب وصحته بعد تقرر الوجوب، ففرق بين قول السيد لعبده: إذا نصبت السلم فاصعد السطح، وبين قوله: اصعد السطح، فالخلاف في النصب الثاني دون الأول؛ لأن الثاني مطلق والأول مقيد.
وقوله: وكان مقدورا للمكلف احتراز من عجزه عن نصب السلم؛ فإنه تكليف مالا يطاق، فإن جوزناه، فإنا لا نفرع عليه؛ لأنا لا نعتقد وجوبه في الشريعة على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فكل معجوز عنه عادة لا نعنى بوجوبه كان واجبا أصالة، أو توقف عليه واجب.
وقوله: "الأمور الوضعية لا يستقل العقل بدركها".
معناه: أن جميع الشرائع وغيرها من الأمور المكتسبة لا بد وأن يكون للعقل فيها مدخل، إذ من لا عقل له لا يحصل علما ولا ظنا مكتسبا، لكل لا يستقل العقل إلا في ثلاثة مواطن:
وجوب الواجبات، واستحالة المستحيلات، وجواز الجائزات، وما عدا هذه الثلاثة لا بد من أمر زائد على العقل من الحواس أو غيرها.
وقوله بعد هذا: " كما إذا بلغنا أنهم جوزوا الاستثناء في صيغة الجمع" يريد المعرف بالألف واللام، أو الإضافة، أو كان في سياق النفي نحو الرجال أو رجالك أو لا رجال لك.
أما النكرة نحو رجال، فلا عموم فيها دخل عليه الاستثناء أم لا، فنقول: صيغة المشركين يدخلها الاستثناء عملا بالنقل، وهو عبارة عما لولاه لوجب اندراج المستثنى تحت الحكم، وما من نوع إلا يصح استثناؤه، وما استثنى فيندرج تحت الحكم، فتكون الصيغة للعموم، وهذا العموم إنما حصلناه من مجموع النقل، وتصرف العقل، فإنه لم ينقل إلينا أن الصيغة للعموم البتة، بل تانك المقدمتان فقط، فقد حصل لنا مطلوب لغوي بالتركيب من العقل، والنقل.
стр. 437
" فائدة"
التواتر قيل: من قول الله تعالى (ثم أرسلنا رسلنا تترى) [المؤمنون: ٤٤]
قال اللغويون: أي: واحدا بعد واحد بفترة.
قال الجواليقي: وقول العامة: تواترت كتبك علي غلط؛ لأنهم يريدون تواصلت، والصيغة لضد المواصلة، وقيل: هو من الوتر الذي هو الفرد، أي فردا بعد فرد، وعلى هذا يصح قولهم: تواترت كتبك علي.
والآحاد من الأحد، وهو المنفرد، ومنه قوله تعالى: (قل هو الله أحد) [الإخلاص:١] وهل الأحد والواحد مترادفان كما قاله أبو علي في "الإيضاح"؟ أو متباينان كما قاله غيره؟ أو يرادفه آحاد وموحد على وزن عطاش ومضرب كما قاله صاحب كتاب "الرتبة"؟
خلاف بين العلماء ليس هذا موضع تحقيقه، ولما كان الواحد إذا انفرد ليس يفيد إخباره الظن غالبا يسمى كل خبر يفيد الظن آحادا، وضعا عرفيا للأصوليين.
الثاني: على قوله: زعم بعضهم أن لفظ الله هذه اللفظة سورية، والمنقول في كتب التفسير وغيرها أن بعض الناس قال: إنها سريانية بتسكين الراء وتشديدها، يقال بالوجهين، والتسكين أكثر، أما سوري، فلم أره في غير "المحصول"، وجميع ما رأيته، وسألت الفضلاء عنه، فهو ما تقدم، ويحتمل ما ذكره وجوها.
منها: أنها لفظة أعجمية، وقالت الأدباء: إن اللفظ الأعجمي ينقل عن
стр. 438
لسان العرب فيحدث فيه أنواعا من التغيير، كما نطقوا بجبريل على صيغ مختلفة مشهورة، وكذلك ميكائيل، وغيرها، فيحتمل أن يكون هذا التغيير من هذا القبيل.
ومنها: أنه يحتمل أنه قد يتخيل أنه لفظ مركب من سور وبان، والنسبة للفظ المركب تصح لضده فقط، كماقالوا بعلى، في بعلبك (١)، ورامى في رام هرمز (٢)، كذلك هاهنا سورى.
ومنها: أن يتخيل أن الألف والنون زائدتان، كما قالوا في أذربيجان -إقليم من أقاليم العجم- إن فيه خمس علل لمنعه من الصرف:
إحداها: زيادة الألف والنون، وقد جوزت العرب في النسب حذف الألف والنون، فكذلك هاهنا حذفا، وحذفت الياء أيضا، كما حذفت في قاضٍ، إذا نسب إليه لوقوعها طرفا، فقالوا: سورى فهذه احتمالات في تصحيح هذا الكلام مع غرابته.
стр. 439
الثالث: على قوله: إنهم اختلفوا في اشتقاق لفظ الله، ولفظ الصلاة، ومسمى لفظ الله، ومسمى صيغة الوجوب وغير ذلك، فإن هذه شبهة ساقطة بناء على قاعدة، وهي أن التواتر لا يدخل إلا في أمر حسي، أما النظريات، وجميع العقليات، فلا مدخل للتواتر فيها إجماعا، واتفق الناس على اشتراط ذلك، إذا تقرر هذا فنقول: حظ الحس من هذه الألفاظ أن رسول الله ﷺ نطق بها، وهذا لم يختلف فيه اثنان من المسلمين، ولا من الكافرين، بل اتفقت الملل على أنه ﷺ -أتى بالقرآن، وأنه تحدى به، وإنما اختلفوا هل هو من عند الله تعالى أم لا؟ فالمسلمون على ذلك، والكفار يمنعونه، أما إنه أتى به فلا خلاف فيه فهذا حظ الحس؛ لأنه سمع منه بالحس، وأما كون اللفظ مشتقا من كذا، أو من كذا فهذا أمر نظري لا مدخل للتواتر فيه، وكذلك كون الأمر موضوعا للوجوب، إنما يدرك بدقائق النظر في تصاريف الاستعمالات لا مدخل للتواتر فيه، وإذا كان الخلاف في غير موطن التواتر لا يقدح في وجود التواتر، ولا في كونه مفيدا للعلم؛ لأنهم لو اختلفوا في متعلق التواتر دل ذلك على عدم حصول العلم للمختلفين، لكن اختلفوا في الاشتقاق والأمور النظرية، فلا علم فيها، ونحن نقول به، ولا نقول بالتواتر فيها؛ لانتفاء شرط دخوله فيها، وهو الحسي.
الرابع: قوله: من شرط التواتر استواء الطرفين، والواسطة قد يحصل التواتر بلا طرفين، ولا واسطة إذا كان المخبر لنا هو المباشر لذلك الأمر المحسوس، أو طرفان بلا واسطة، إذا نقل إلينا من نقل عن المباشر، وطرفان وواسطة، إذا نقل إلينا من نقل عمن نقل عن المباشر، فالمباشر والناقل إلينا طرفان، ومن بينهما واسطة، وقد تكثر الوسائط كنقل القرآن إلينا بيننا، وبين السامعين له من رسول الله صلى الله عليه وسلمن فتجيء ست وسائط في كل قرن واسطة، وليس كل تواتر له طرفان فضلا عن طرفين وواسطة، وما
стр. 440
أمكن وجود الشيء بدونه لا يكون شرطا فيه، لكن إن اتفق وقوع هذه الطبقات، فيشترط استواؤها كلها في كون كل طائفة منها يستحيل تواطؤها على الكذب، كما يشترط في أصل عدد التواتر وإن لم تتعدد طبقاته.
الخامس: على قوله:
إن مخبرينا أخبروا أن مخبريهم كانوا موصوفين بشرائط التواتر، كذلك كل طائفة إلى زمن رسول الله ﷺ ، فإن هذا الكلام لايفيد المقصود، بسبب أن الكلام في هذا المقام بسبب معرفة اللغة والنحو والتصريف، وهذه الأمور لم يكن مبدؤها من رسول الله ﷺ ، فأخبر الناس أنى وضعت هذه لهذه، أو أخبر عن الواضع أنه وضع هذه الألفاظ لهذه المعاني، بل هذا أمر لم يتعرض له رسول الله ﷺ لا نفيا ولا إثباتا فيما علمت، بل نطق بلغة العرب من غير تعرض لحقيقة اللفظ من مجازه ولا تعيين مسمياته، وسلك في ذلك أسوة المتعلمين للغة، ويجتهد في معرفة مسمى اللفظ من غير نطقه من كتب اللغة، ويحمل لفظه -صلى الله عليه وسلم_ عليه عند عدم القرينة الصارفة للمجاز، فلا معنى للوقوف في سلسلة طبقات التواتر عند زمانه ﷺ .
السادس: على قوله: "لو لم تكن هذه الألفاظ موضوعة لهذه المعاني، وقد وضعها واضع آخر لاشتهر ذلك" لا يفيده التواتر في نقل اللغات، فإن قوله: لو وضع لاشتهر، يفيد أنه ما وقع التغيير، وهل ذلك قطعا أو ظنا؟
لم يتعين اليقين في ذلك، فإن هذه المقدمة قد تكون يقينية أحيانا، وقد لا تكون بحسب خصوصيات المراد، وإذا تقرر أن الوضع الجديد ما وقع يلزم أن يكون الوضع الأول مستمرا، ولا يلزم من كونه مستمرا، ولم يتعين أن يكون متواترا، بل قد يكون متواترا، وقد يكون آحادا كحوشي اللغة الذي
стр. 441
نجده في غرائب المصنفات، وقد لا ينقل أصلا، ولا يلزم من عدم نقله تغييره، فكم من لفظ للعرب لم نسمعه؛ ولا يلزم من ذلك تغييره، والذي حاوله بهذه المقدمة لا يحصل له.
السابع: على قوله: سلمنا أنه لا بد من اشتهار التغيير، ثم قال: إنه اشتهر،
ووصل موصل القطع، فإن أهل اللغة كالخليل وأبي عمرو بن العلاء وأبي عمرو الشيباني،
وغيرهم ما كانوا بمعصومين، واقتصر على هذا القدر، مع أنه لا يلزم من عدم العصمة وقوع التغيير، ولا اشتهاره، فقد لا يكونون معصومين، ولا يقع منهم الخطأ، وقد يقع ولا يشتهر، فدعواه لم تحصل بمقدماته.
الثامن: على قوله: هؤلاء الرواة مجرحون، فلا تفيد روايتهم الظن، فقد يكون المخبر مجروحا، بل فاسقا، بل كافرا ويفيد خبره الظن، بل العلم، ولذلك أجمع الناس على جواز حصول التواتر والعلم اليقين بإخبار الجماعة من الكفار، فمجرد الجرح لا يخل بالظن، بل يضعفه عند من يعتقد صحة ذلك الجرح، وقد ينتهي الجرح إلى رتبة تخل بأصل الظن، ولكن القوادح التي وقعت في هؤلاء العلماء الفضلاء لا يكاد يعتقدها أحد إلا نادرا، ولو اعتقدها لا يسقط عنده أصل الظن ألبتة، بل يبقى في صدره ظن كثير من أقوالهم وأخبارهم.
" تنبيه"
وقع في النسخ يروى عن رؤبة ، وأبيه وابنه، بالنون والباء، وصورة
стр. 442
الخط واحدة، وهذا رؤبة كان أبوه يسمى العجاج، وابنه يسمى عقبة،
وكان رؤبة، وأبوه العجاج راجزين عظيمين في العرب بالرجز، وغيره من فضائل لسان العرب،
وكان عقبة بن رؤبة مخضرما، والمخضرم في اصطلاح الأدباء من أدرك الجاهلية، والإسلام، وكانت فيه نسبة قوية لمن خالط العجم، فيضعف الاستشهاد بكلامه، والظاهر حينئذ أن المراد أبوه لا ابنه، لضعف حاله عن هذه الرتبة، وهي الوصول إلى أن يقاس بأنه رؤبة في جرأته على ارتجال اللغة، فإن ظاهر الحال فيمن لا يستشهد بكلامه لا يبقى له داعية على ارتجال اللغة، وهذا هو الذي رأيت الأدباء ينصرونه، ويقولون: هو العجاج، دون عقبة، والعجاج لقب،
واسمه عبد الله، وكنيته أبو الشعثاء، وأبو العجاج جد رؤبة يسمى رؤبة أيضا،
ولم ينقل عنه كلام في اللغة، وربة بن العجاج يكنى أبا الجحاف، فالصحيح في الرواية عن رؤبة وأبيه بالباء الذي هو العجاج، والمراد برؤبة ولد العجاج لا أبوه.
التاسع: على قوله: العجب من الأصوليين أنهم ما اجتهدوا في إثبات اللغة، وفحصوا عن أحوال الرواة كما فعلوا ذلك في الحديث، ورواته، ليس في ذلك عجب؛ فإن العلماء-﵃ رأوا أن الدواعي متوفرة، على الكذب على رسول الله ﷺ ، فصرفوا عنايتهم للتحرز عن ذلك
стр. 443
الكذب، وقد وضع ابن الجوزي، وغيره كتبا طويلة في الموضوعات على رسول الله ﷺ ، وذكروا أسباب عديدة تبعث الواضعين والكاذبين على الوضع، حتى حكي عن طائفة كثيرة من العباد أنهم كانوا يضعون الأحاديث، في أجور العبادات، ويقولون: قال رسول الله ﷺ : من صلى كذا فله من الدرجات كذا، ومن القصور كذا، ومن المثوبات السنية كذا، وكذلك يقولون في سائر الأذكار والأعمال الشرعية التي يتقرب بها، فإذا قيل لهم: إن رسول الله ﷺ : " من كذب علي عامدا متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".
قالوا: نحن ما كذبنا عليه، بل كذبنا له؛ لتكثر الأعمال الصالحة، ومنها نصرة المذاهب، ومنها عداوة الدين، كما وضعت الباطنية فضائل
стр. 444
القرآن، وخواصه حتى يجربها الضعيف الإيمان، فلا يجد تلك المنفعة لتلك السور فيسوء ظنه بها، والمقاصد في هذا الباب كثيرة.
وأما اللغة فالدواعي على الكذب فيها في غاية الضعف، وكذلك كتب الفقه لا تكاد تجد فروعها موضوعة عن الشافعي، أو مالك، أو غيرهما ألبتة، وكذلك أن السنة جمع الناس منها موضوعات كثيرة، وجدوها، ولم يجدوا في غيرها من اللغة، وفروع الفقه مثل ذلك، ولا قريبا منه، حتى يروى أن البخاري كان يحفظ مائة ألف حديث غير صحيحة ليحترز منها،
стр. 445
ويحذر منها، ولما كان الخطأ والكذب في اللغة، وغيرها في غاية الندرة اكتفى العلماء فيها بالاعتماد على الكتب المشهورة المتداولة، فإن شهرتها وتداولها يمنعان ذلك مع ضعف الداعية له، فهذا هو الفرق عند العلماء، فلا عجب حينئذ من صنيعهم.
وهذا كما عمل صاحب الشريعة المطهرة، اكتفي في الإقرار بمجرد الإخبار من العاقل لكون الداعية لا تتوفر من الإنسان على أن يتقول بذلك.
قال العلماء: لا يشترط في ولاية النكاح العدالة، على الخلاف في ذلك؛ فإنه لا داعية للقاضي على إذنه بولايته، فاكتفى بالوازع الطبعي السالم عن معارضة داعية الإعلام، كذلك الكذب مفسدة ونقيصة، فوازع الطبع يمنع منه، ولا داعية تعارض هذه الداعية فاكتفى بذلك.
العاشر: على قولهم: إن اللغة يتطرق إليها النقصان والزيادة، فلا يفيد ما نقل إلينا الظن.
قلنا: لا نسلم صحة تلك المطاعن، فإن اعتبارها في الجرح فرع صحة نقلها.
سلمنا صحة نقلها عن قائلها، لكن لا نسلم أنه مصيب في ذلك الطعن،
سلمنا أنه مصيب، لكن القادح كون بعض الرواة أدخل في اللغة ما ليس
منها، ولا يصح قياسه، أو ما يصح قياسه عليها.
الأول ممنوع؛ لأنه لم ينقل صريحا هكذا.
والثاني لا يضر؛ لأن القياس في اللغة قد قاله جماعة من العلماء الأتقياء القدوة.
سلمنا قدح الزيادة، لكن لا نسلم قدح النقصان، فإن بعض اللغة ليس شرطا في بعض حتى يلزم من عدم ذلك البعض خلل في الباقي، لو ذهب
стр. 446
النحو كله إلا باب الفاعل والمفعول، لم يقع خلل في باب الفاعل والمفعول
إذا بقي كاملا في نفسه، وكذلك لو جهل علم التصريف كله لم يختل شيء من علم الإعراب،
وجميع العوامل في الأسماء، والأفعال، ثم إن كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ، وقواعد الشريعة فما وجدنا فيها شيئا يتوقف على لغة هي مجهولة لتأويل الموجود، بل بعضه كاف فيها، فلا يضرنا عدم ما فقد من اللغة في شريعتنا، وغير شريعتنا لا ضرورة لمعرفته،
نعم هو من باب المستحسنات.
الحادي عشر: على قوله: الصحابة ﵃ لم يضبطوا أمر الإقامة ورفع اليدين في الصلاة.
فإنَّا نقول: قال العلماء ﵃: لم يفرط الصحابة ﵃ في ذلك، بل الجميع وقع، وروى الجميع واختلف العلماء لاختلاف طرق تلك الروايات في القوة والضعف، وما هو معضود بعمل أهل المدينة، أو غيره وما ليس كذلك، فلا تفريط حينئذ.
وقيل: لما كان ذلك من باب المندوبات لا من الواجبات التي يوجب تركها خللا ضعفت الداعية في ضبطها بحيث يصل إلى حد التواتر، ولم تهمل بالكلية بل نقلت نقلا صحيحا كثيرا، بخلاف قواعد الديانة أمرها مهم لا تضعف الداعية فيها، فلا تلحق بهذه الأمور، وضبط اللسان من قواعد الدين، بل هو من أصل كل أصل، وقاعدة كل قاعدة تقرير الناقض على
الواضع هو أن الرواة يسمعون العرب يدخلون صيغة الاستثناء على صيغة
الجمع المعرف، وسمعوهم يقولون: الاستثناء عبارة عما لولاه لاندرج المستثنى تحت الحكم،
وبعد انفصال هؤلاء الرواة عنهم أبطلوا ذلك، ونقضوه، فنبقى نحن نبني على مقدمتين منسوختين، والبناء على المنسوخ الباطل باطل، فلا يصح الاستدلال بتلك المقدمتين حينئذ.
стр. 447
الثاني عشر: على قوله: "إنما ينتفي التناقض إذا كان الواضع هو الله تعالى".
قلنا: التناقض هاهنا مفسر بإبطال ما تقدم من الوضع، وهذا ليس محالا على الله تعالىن فإن الله -تعالى- يجوز عليه إبطال الأحكام الشرعية، بل جملة الشرائع، فكيف لا يجوز أن يبطل وضع لفظة بإزاء معنى معين، بل نسخها أيسر من نسخ الشرائع، لتضمن الشرائع تحصيل المصالح ودرء المفاسد، بخلاف اختصاص اللفظ المعين بالمعنى المعين إنما هو للتعريف، وأي لفظ وضع غيره عرفه، وإن ترك مهملا اندرج في جملة مجهولات العالم، ولا يجب على الله أن يحصل لنا العلم بجميع المعلومات، بل يستحيل ذلك علينا، فظهر أن احتمال التناقض مشترك بين الله تعالى، وبين عباده.
تقرير: يريد بقوله لا يثبتون شيئا من اللغة إلا هذا الطريق، يريد النقل أو المركب من النقل والعقل.
الثالث عشر: قال التبريزي: جعله ذلك الطريق مركبا من العقل، والنقل
بعيد، بل هو نقلي صرف، والنقل تارة يدل صريحا، وتارة يدل ضمنا،
وإذا قال صاحب الشرع: السارق يقطع، والنباش سارق، قطع النباش
بالنقل لا بالعقل، نعم لو ثبت كونه سارقا بضرب من النظر، أو أن السارق
يقطع بضرب من النظر كالمناسبة، والاعتبار، وثبت الآخر بالنقل كان مركبا من العقل والنقل.
أما إذا لم يكن للعقل تصرف سوى التفطن لوجه وجود الحكم، في
النقلين فهو نقلي محض، فإن الدليل هو المنظور فيه، والمنظور فيه هاهنا هو النقل.
جوابه: أن الإمام قال: إما العقل، أو النقل، أو ما تركب منهما، فإن
стр. 448
أراد بالتركب منهما حصول مقدمة من العقل لولاها لم يحصل المطلوب هي صغرى القياس، أو كبراه، أو تتوقف عليها إحداهما، كما تقدم في أن العلم التواتري مركب من العقل والحس، فإنه لولا قول العقل: هؤلاء يستحيل تواطؤهم على الكذب، لو فقدت لانتفى العلم التواتري، وهاهنا اللزوم حاصل، وإنما العقل تفطن لوجه اللزوم مع وقوعه في نفس الأمر، وفي صورة التواتر، ونحوه اللزوم ليس حاصلا إن كان المراد بالتركيب هذا المعنى فالسؤال متجه، وإن كان المراد بالنقل قول القائل: هذه الصيغة للعموم، أو هذه للخصوص، أو للفرس، أو للطير، ونحو ذلك، فما هو صريح هكذا لا يحتاج لا يحتاج لفكره،
وبالمركب منهما ما يحتاج إلى فكره لم يرد السؤال؛ لأنه لم يوجد نقل على التقدير الذي ذكره الإمام قائل الصيغة للعموم، وإنما وجد نقلان في شيئين آخرين لا هما للعموم، ولا لازم العموم، بل قد يعرض الاستثناء للعموم، وقد لا يعرض، فتتعين صيغة العموم إنما جاءت حينئذ من جهة العقل مع النقل، فحسن إطلاق لفظ التركيب منهما، والإمام لم يدع إلا مطلق التركيب، لا تركيبا خاصا، ومن ادعى الأعم لا يرد عليه ما يرد على الأخص، فالسؤال مندفع.
" تنبيه"
ليس مراد العلماء بالنقل النقل عن الواضع ، فإنه غير معلوم، فكيف ينقل عنه؟
بل المراد نقل الاستعمال عن أهل اللسان لا نقل الوضع، ويستدل بالاستعمال على أن الذي استعمل فيه اللفظ هو موضوعه ظاهرا بناء على مقدمة، وهي أن الأصل عدم المجاز، والنقل، فهذا هو تفسير النقل،
وجميع ما ينقله الخليل والأصمعي، وغيرهما من هذا الباب.
стр. 449
الباب الثاني
في تقسيم الألفاظ
قال الرازي: وهو من وجهين: التقسيم الأول:
اللفظ: إما أن تعتبر دلالته بالنسبة إلى تمام مسماه أو بالنسبة إلى ما يكون داخلا في المسمى من حيث هو كذلك، أو بالنسبة إلى ما يكون خارجا عن المسمى من حيث هو كذلك.
فالأول: هو المطابقة.
والثاني: التضمن.
والثالث: الالتزام.
*تنبيهات:
الأول: الدلالة الوضعية هي: دلالة المطابقة، وأما الباقيتان فعقليتان؛ لأن اللفظ إذا وضع للمسمى انتقل الذهن من المسمى إلى لازمه، ولازمه إن كان داخلا في المسمى فهو التضمن، وإن كان خارجها فهو الالتزام.
الثاني: إنما قلنا في التضمن: إنه دلالة اللفظ على الجزء المسمى من حيث هو كذلك؛ احترازا عن دلالة اللفظ على جزء المسمى بالمطابقة على سبيل الاشتراك، وكذلك القول في الالتزام.
الثالث: دلالة الالتزام لا يعتبر فيها اللزوم الخارجي؛ لأن الجوهر والعرض
стр. 450
متلازمان، ولا يستعمل اللفظ الدال على أحدهما في الآخر، والضدان متنافيان،
وقد يستعمل اللفظ الدال على أحدهما في الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى:٤٠]
بل المعتبر اللزوم الذهني ظاهرا، ثم هذا اللزوم شرط لا موجب.
ولنرجع إلى التقسيم، فنقول: اللفظ الدال بالمطابقة:
إما ألا يدل شيء من أجزائه على شيء حين هو جزؤه، وهو المفرد الأبكم.
وإما أن يدل كل واحد من أجزائه على شيء حين هو جزؤه، وهو المركب.
وإما أن يدل أحد جزئيه دون الآخر، وهو غير واقع؛ لأنه يكون ضما لمهمل إلى مستعمل، وهو غير مفيد.
أما المفرد، فيمكن تقسيمه على ثلاثة أوجه:
الأول: أن المفرد: إما أن يمنع نفس تصور معناه من الشركة، وهو الجزئي، أو لا يمنع وهو الكلي.
ثم الماهية الكلية: إما أن تكون تمام الماهية، أو جزءها، أو خارجا عنها.
والأول: هو المقول في جواب "ما هو".
والثاني: هو الذاتي.
والثالث: هو العرضي.
أما الماهية: فإما أن تكون ماهية واحد، أو ماهية أشياء.
والأول: هو الماهية بحسب الخصوصية.
стр. 451
وأما الثاني: فتلك الأشياء لا بد وأن يخالف كل واحد منها صاحبه في التعين:
فإما أن يحصل مع ذلك مخالفة بعضها بعضا في شيء من الذاتيات، أو لا يحصل.
فإن كان الأول، فتمام القدر المشترك بينها من الأمور الداخلة فيها هو تمام الماهية المشتركة؛
لأن ما هو أعم منه لا يكون تمام المشترك، وما هو أخص منه لا يكون مشتركا،
وما يساويه، فإن ساواه في الماهية، فهو هو لا غيره، وإن ساواه في اللزوم دون المفهوم،
لم يكن هو تمام القدر المشترك.
وإن كان الثاني، كان تمام القدر المشترك بينهما هو تمام ماهية كل منهما بعينه؛
إذ لو كان لكل واحد منهما ذاتي آخر وراء القدر المشترك، كانت المخالفة بينهما لا بالتعين فقط، بل وبالذاتيات، وقد فرض أنه لا مخالفة في الذاتيات؛ هذا خلف.
وأما الذاتي: فهو إما أن يكون تمام الجزء المشترك، وهو الجنس،
أو تمام الجزء الذي يميزه عما يشاركه في الجنس، وهو الفصل، أو المجموع الحاصل منهما، وهو النوع.
وإما ألا يكون كذلك، فيكون ذلك جزء الجزء، وهو إما جنس الجنس، أو جنس الفصل، أو فصل الفصل.
ثم إن الأجناس تترتب متصاعدة، وتنتهي في الارتقاء إلى جنس لا جنس فوقه، وهو جنس الأجناس.
والأنواع تترتب متنازلة إلى نوع لا نوع تحته، وهو نوع الأنواع.
стр. 452
وأما الوصف الخارج عن الماهية، فتقسيمه على وجهين:
الأول: أن ذلك الخارجي، إما أن يكون لازما للماهية، أو للوجود، أولا يلزم واحدا منهما.
ثم لازم كل واحد من القسمين قد يكون بوسط، وقد يكون بغير وسط،
والذي يكون بوسط ينتهي إلى غير ذي وسط، وإلا لزم الدور أو التسلسل.
وغير اللازم: قد يكون سريع الزوال، وقد يكون بطيئه.
الثاني: أن الوصف الخارجي: إما أن يعتبر من حيث إنه مختص بنوع واحد لا يوجد في غيره، وهو الخاصة.
أو من حيث إنه موجود فيه وفي غيره، وهو العرض العام.
وهذا التقسيم وإن كان بالحقيقة في المعاني، لكنه عظيم النفع في الألفاظ.
التقسيم الثاني للفظ المفرد:
وهو: أنه إما أن يكون معناه مستقلا بالمعلومية، أو لايكون،
والثاني هو: الحرف.
والأول: إما أن يكون اللفظ الدال عليه دالا على الزمان المعين لمعناه، وهو الفعل.
أو لا يدل، وهو الاسم، ثم الاسم تقسيمه من وجهين:
الأول: أن الاسم إن كان اسما للجزئي، فإن كان مضمرا، فهو: المضمرات، وإن كان مظهرا فهو العلم.
стр. 453
وإن كان اسما للكلي، فهو: إما أن يكون اسما لنفس الماهية، كلفظ السواد،
وهو المسمى باسم الجنس في اصطلاح النحاة، أو لموصوفية أمر ما بصفة،
وهو الاسم المشتق، كلفظ الضارب، فإن مفهومه: أنه شيء ما مجهول بحسب دلالة هذا اللفظ،
لكن علم منه أنه موصوف بصفة الضرب.
الثاني: أن الاسم هو: الذي يدل على معنى، ولا يدل على زمانه المعين.
وهو على أقسام ثلاثة:، فإن المسمى قد يكون نفس الزمان، كلفظ الزمان واليوم والغد.
وقد يكون أحد أجزائه الزمان كالاصطباح والاغتباق، ولهذا يتطرق إليه التصريف،
وقد لا يكون زمانا ولا مركبا من الزمان، كالسواد وأمثاله.
التقسيم الثالث للفظ المفرد:
وهو: إما أن يكون اللفظ والمعنى واحدا، أو يتكثرا، أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى، أو بالعكس.
أما القسم الأول: فالمسمى، إن كان نفس تصوره مانعا من الشركة ومظهرا فهو العلم.
وإن لم يمنع، فحصول ذلك المسمى في تلك المواضع، إن كان بالسوية، فهو المتواطىء.
أو لا بالسوية، فهو: المشكك، كالوجود الذي ثبوت مسماه للواجب أولى من ثبوته للممكن.
إما إذا تكثرت الألفاظ وتعددت، أو تباينت المعاني، فهي المتباينة،
سواء تباينت المسميات بذواتها، أو كان بعضها صفة للبعض، كالسيف والصارم،
أو صفة للصفة كالناطق والفصيح.
стр. 454
وأما إذا تكثرت الألفاظ واتحد المعنى، فهو الألفاظ المترادفة، سواء كانت من لغة واحدة، أو من لغات كثرة.
وأما إذا اتحد اللفظ وتكثر المعنى،
فهذا اللفظ إما أن يكون قد وضع أولا لمعنى ثم نقل عنه إلى معنى آخر، أو وضع لهما معا.
أما الأول: فإما أن يكون ذلك النقل لا لمناسبة بين المنقول إليه والمنقول عنه، وهو المرتجل.
أو لمناسبة، وحينئذ: إما أن تكون دلالة اللفظ بعد النقل على المنقول إليه أقوى من دلالته على المنقول عنه،
أو لا تكون.
فإن كان الأول: سمي اللفظ بالنسبة إلى المنقول إليه لفظا منقولا، ثم الناقل، إن كان هو الشارع، سمي لفظا شرعيا.
أو أهل العرف، فيمسى لفظا عرفيا، والعرف: إما أن يكون عاما، كلفظ الدابة،
أو خاصا، كالاصطلاحات التي لكل طائفة من أهل العلم.
وأما إن لم تكن دلالته على المنقول إليه أقوى من دلالته على المنقول عنه،
سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الوضع الأول حقيقة، وبالنسبة إلى الثاني مجازا.
ثم جهات النقل كثيرة، من جملتها المشابهة، وهي المسمى بالمستعار خاصة.
وأما إذا كان اللفظ موضوعا للمعنين جميعا، فإما أن تكون إرادة ذلك اللفظ لهما على السوية،
أو لا تكون على السوية.
فإن كانت على السوية، سميت اللفظة بالنسبة إليهما معا "مشتركا"،
وبالنسبة إلى كل واحد منهما "مجملا"؛ لأن كون اللفظ موضوعا لهذا وحده،
ولذلك وحده، معلوم؛ فكان مشتركا من هذا الوجه.
стр. 455
وأما إن كان المراد منه هذا أو ذاك غير معلوم، فلا جرم كان مجملا من هذا الوجه.
وأما إن كانت دلالة اللفظ على أحد مفهوميه أقوى، سمي اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرا،
وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا.
*تنبيه: الأقسام الثلاثة الأول مشتركة في عدم الاشتراك؛ فهي نصوص.
وأما الرابع فينقسم إلى: ما إفادته لأحد مفهوميه أرجح من إفادته للثاني، وهو الظاهر،
وإلى ما لايكون كذلك، وهو الذي يكون على السوية، وهو المجمل، أو مرجوحا، وهو المؤول.
فالنص والظاهر يشتركان في الرجحان، إلا أن النص راجح مانع من النقيض، والظاهر راجح غير مانع من النقيض.
فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم، فهو جنس لنوعين: النص والظاهر.
والذي لا يقتضي الرجحان، فهو المتشابه، وهو جنس لنوعين: المجمل والمؤول.
أما المركب فنقول: الحاجة إلى اللفظ المركب، كما تقدم، للإفهام،
فالقول المفهم، إما أن يفيد طلب شيء إفادة أولية، أولا يفيده.
فإن كان الأول: فإما أن يفيد طلب ذكر ماهية الشيء، وهو الاستفهام.
أو طلب التحصيل، وهو إن كان على وجه الاستعلاء، فهو الأمر،
وإن كان على وجه الخضوع، فهو السؤال،
وإن كان على وجه التساوي، فهو الالتماس، وكذلك القول في طلب الامتناع.
стр. 456
وأما القول المفهم الذي لا يفيد طلب شيء إفادة أولية: فإما أن يحتمل التصديق والتكذيب، وهو الخبر،
أولا يكون كذلك، وهو مثل التمني والترجي والقسم والنداء، ويسمى هذا القسم بالتنبيه تمييزا له عن غيره.
وأنواع جنس التنبيه معلومة بالاستقراء لا بالحصر، هذا كله تقسيم دلالة المطابقة.
أما تقسيم دلالة الالتزام، فنقول: المعنى المستفاد من دلالة الالتزام،
إما أن يكون مستفادا من معاني الألفاظ المفردة أو من حال تركيبها.
والأول قسمان؛ لأن المعنى المدلول عليه بالالتزام: إما أن يكون شرطا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة، أو تابعا له.
فإن كان الأول، فهو المسمى بدلالة الاقتضاء.
ثم تلك الشرطية قد تكون عقلية، كقوله ﷺ :"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"
فإن العقل دل على أن هذا المعنى لا يصح إلا إذا أضمرنا فيه الحكم الشرعي.
وقد تكون شرعية كقوله: "والله، لأعتقن هذا العبد"
فإنه يلزمه تحصيل الملك؛ لأنه لا يمكنه الوفاء بقوله شرعا إلا بعد ذلك.
وأما إن كان تابعا لتركيبها، فإما أن يكون من مكملات ذلك المعنى، أو لا يكون.
فالأول: كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب عند من لا يثبته بالقياس.
стр. 457
وأما الثاني: فإما أن يكون المدلول عليه بالالتزام ثبوتيا، أو عدميا.
أما الأول، فكقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة:١٨٧]
ومد ذلك إلى غاية تبين الخيط الأبيض؛ فيلزم فيمن أصبح جنبا ألا يفسد صومه،
وإلا وجب أن يحرم الوطء في آخر جزء من الليل بقدر ما يقع الغسل فيه.
وأما الثاني، فهو: أن تخصيص الشيء بالذكر، هل يدل على نفيه عما عداه؟
والله أعلم.
التقسيم الثاني
للألفاظ
اللفظ الدال على معنى: إما أن يكون مدلوله لفظا، أو لا يكون، والثاني بمعزل عن اعتبارنا.
والذي مدلوله لفظ: فإما أن يكون لفظا مفردا، أو مركبا، وكلاهما إما أن يكون دالا على معنى،
أو ليس بدال على معنى، فهذه أربعة.
أحدها: اللفظ الدال على لفظ مفرد دال على معنى مفرد، وهو:
لفظ الكلمة وأنواعها، وأصنافها، فإن لفظ الكلمة يتناول لفظ الاسم، وهو لفظ مفرد يتناول لفظ الرجل،
وهو لفظ مفرد دال على معنى مفرد، وكذا القول في جميع أسماء الألفاظ، كالقول والكلام،
والأمر والنهي، والعام والخاص، وأمثالها.
وثانيها: اللفظ الدال على لفظ مركب موضوع لمعنى مركب، وهو كلفظ الخبر؛ فإنه يتناول قولك: زيد قائم،
وهو لفظ مركب دال على معنى مركب.
وثالثها: اللفظ الدال على لفظ مفرد لم يوضع لمعنى، وهو الحرف المعجم؛ فإنه يتناول كل واحد من آحاد الحروف، وتلك الحروف لا تفيد شيئاً.
стр. 458
فإن قلتَ: أليس أنهم قالوا: لفظ الألف اسم لتلك المدة؟!
قلتُ: ليس المراد من قولي: الحرف لا يفيد شيئا إلا نفس تلك المدة، وكذا القول في سائر الحروف.
ورابعها: اللفظ الدال على لفظ مركب لم يوضع لمعنى، والأشبه أنه غير موجود؛
لأن التركيب إنما يصار إليه لغرض الإفادة، فحيث لا إفادة فلا تركيب.
واعلم أن في البحث عن ماهية الاسم والفعل والحرف دقائق غامضة،
ذكرناها في كتاب "المحرر" في دقائق النحو، والله أعلم.
البحث الأول
في تفسير دلالة اللفظ
قال القرافي: "اللفظ إما أن تعتبر دلالته ... " إلى قوله: "الدال بالمطابقة إما ألا يدل بشيء من أجزائه"
ذكر ابن سينا (١) في "الشفاء" عن المتقدمين فيها تفسيرين:
أحدهما: أنه فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى، أو جزءه، أو لازمه.
وثانيهما: أن دلالة اللفظ كونه بحيث إذا أطلق فهم السامع منه كمال المسمى، أو جزءه، أو لازمه.
فهذا هو اللفظ الدال، والذي بحيث إذا أطلق لا يفهم منه ذلك هو غير دال، واختار المتأخرون الحد الأول،
واستدلوا على صحة ما ذهبوا إليه بأن
стр. 459
اللفظ إذا دار بين المتخاطبين، وحصل فهم السامع منه، قيل: هو لفظ دال،
وإن لم يحصل قيل، ليس بدال، فقد دار إطلاق لفظ الدلالة مع الفهم كدوران [لفظ الإنسان مع الحيوان الناطق] وجودا وعدما، وسائر المسميات مع أسمائها، لا يقال: إن الدلالة غير الفهم،
لتعليلنا أن الدلالة بحصول الفهم، فنقول: هذا لفظ دال؛ لأنه مفهم،
والعلة مغايرة للمعلول؛ لأن التعليل قد يكون مع الاتحاد في كل حد مع محدوده، فنقول:
هذا إنسان؛ لأنه حيوان ناطق، وكذلك جميع الحقائق مع حدودها،
وإذا كان التعليل أعم من التغاير لا يستدل به على التغاير؛ لأن الأعم غير مستلزم للأخص.
احتج أرباب المذهب الآخر بأن الدلالة صفة للفظ، فيقال: لفظ دال،
وعلة ما ذكره الفريق الأول تكون الدلالة صفة للسامع، لأن الفهم صفة للسامع،
فهذا التفسير باطل قطعا، ويتعين أن الصحيح هو التفسير الآخر.
أجاب الفريق الآخر من وجهين:
أحدهما: أن الدلالة كالخياطة، والنجارة، والصياغة، وكما أن النجارة في الخشب،
والصياغة في الحلي، والخياطة في الثوب، والناجر والصائغ هو الفاعل،
وكذلك الدلالة مع السامع؛ لأنه موضع تأثير اللفظ، واللفظ هو الفاعل.
وثانيهما: أن تسمية اللفظ دالا باعتبار أنه [بحيث] إذا أطلق أفهم،
تسمية له باعتبار ما هو قابل له، فهو كتسمية الخمر مسكرا، والماء مرويا، وهو مجاز اتفاقا،
وتسميته دالا باعتبار أنه حصل الفهم في ذهن السامع
стр. 460
تسمية له باعتبار ما هو حاصل له بالفعل لا بالقوة، وأنه حقيقة إجماعا،
والتسمية بالحقيقة أولى من المجاز، فيترجح تفسيرنا على ذلك التفسير.
ويمكن الجواب عن هذين الوجهين بأن الصياغة، ونحوها مصادر،
والأصل في المصادر لا يوصف بها إلا الفاعلون، وإطلاقها على آثارها،
وهي الهيئات الحاصلة في المحال مجاز من باب إطلاق السبب على المسبب،
أو المتعلِّق على المتعلَّق، والأصل في الكلام الحقيقة.
وعن الثاني: أن الفهم الحاصل للسامع ليس حاصلا للفظ بل للسامع؛ لأنه آثر الأطلاق،
فكان ينبغي أن يقولوا: دلالة اللفظ هو إفهامه السامع،
لا فهم السامع للمتكلم لما يقولونه.
واعلم أنه يتلخص من كلام الفريقين أن دلالة اللفظ إفهامه السام ما تقدم ذكره،
وفهم السامع مطاوعة؛ لأنك تقول أفهمني ففهمت، كما تقول: كسرته فانكسر،
ودفعته فاندفع، وعلمته فتعلم، فالإفهام صفة للفظ، والفهم أثره، وهو صفة للسامع،
ويحصل الجمع بين هذه القواعد التي ذكرها الفريقان، وتندفع الإشكالات كلها.
" فائدة"
قال اللغويون: يقال: "دلالة فائدة" بالفتح ، أي: بفتح الدال وكسرها.
قال ابن الخشاب في "شرح المقامات": العرب تفرق بين الفَعالة
следующие страницы →