← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وأما القول المفهم الذي لا يفيد طلب شيء إفادة أولية: فإما أن يحتمل التصديق والتكذيب، وهو الخبر، أولا يكون كذلك، وهو مثل التمني والترجي والقسم والنداء، ويسمى هذا القسم بالتنبيه تمييزا له عن غيره. وأنواع جنس التنبيه معلومة بالاستقراء لا بالحصر، هذا كله تقسيم دلالة المطابقة. أما تقسيم دلالة الالتزام، فنقول: المعنى المستفاد من دلالة الالتزام، إما أن يكون مستفادا من معاني الألفاظ المفردة أو من حال تركيبها. والأول قسمان؛ لأن المعنى المدلول عليه بالالتزام: إما أن يكون شرطا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة، أو تابعا له. فإن كان الأول، فهو المسمى بدلالة الاقتضاء. ثم تلك الشرطية قد تكون عقلية، كقوله ﷺ :"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" فإن العقل دل على أن هذا المعنى لا يصح إلا إذا أضمرنا فيه الحكم الشرعي. وقد تكون شرعية كقوله: "والله، لأعتقن هذا العبد" فإنه يلزمه تحصيل الملك؛ لأنه لا يمكنه الوفاء بقوله شرعا إلا بعد ذلك. وأما إن كان تابعا لتركيبها، فإما أن يكون من مكملات ذلك المعنى، أو لا يكون. فالأول: كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب عند من لا يثبته بالقياس.

стр. 457

وأما الثاني: فإما أن يكون المدلول عليه بالالتزام ثبوتيا، أو عدميا. أما الأول، فكقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة:١٨٧] ومد ذلك إلى غاية تبين الخيط الأبيض؛ فيلزم فيمن أصبح جنبا ألا يفسد صومه، وإلا وجب أن يحرم الوطء في آخر جزء من الليل بقدر ما يقع الغسل فيه. وأما الثاني، فهو: أن تخصيص الشيء بالذكر، هل يدل على نفيه عما عداه؟ والله أعلم. التقسيم الثاني للألفاظ اللفظ الدال على معنى: إما أن يكون مدلوله لفظا، أو لا يكون، والثاني بمعزل عن اعتبارنا. والذي مدلوله لفظ: فإما أن يكون لفظا مفردا، أو مركبا، وكلاهما إما أن يكون دالا على معنى، أو ليس بدال على معنى، فهذه أربعة. أحدها: اللفظ الدال على لفظ مفرد دال على معنى مفرد، وهو: لفظ الكلمة وأنواعها، وأصنافها، فإن لفظ الكلمة يتناول لفظ الاسم، وهو لفظ مفرد يتناول لفظ الرجل، وهو لفظ مفرد دال على معنى مفرد، وكذا القول في جميع أسماء الألفاظ، كالقول والكلام، والأمر والنهي، والعام والخاص، وأمثالها. وثانيها: اللفظ الدال على لفظ مركب موضوع لمعنى مركب، وهو كلفظ الخبر؛ فإنه يتناول قولك: زيد قائم، وهو لفظ مركب دال على معنى مركب. وثالثها: اللفظ الدال على لفظ مفرد لم يوضع لمعنى، وهو الحرف المعجم؛ فإنه يتناول كل واحد من آحاد الحروف، وتلك الحروف لا تفيد شيئاً.

стр. 458

فإن قلتَ: أليس أنهم قالوا: لفظ الألف اسم لتلك المدة؟! قلتُ: ليس المراد من قولي: الحرف لا يفيد شيئا إلا نفس تلك المدة، وكذا القول في سائر الحروف. ورابعها: اللفظ الدال على لفظ مركب لم يوضع لمعنى، والأشبه أنه غير موجود؛ لأن التركيب إنما يصار إليه لغرض الإفادة، فحيث لا إفادة فلا تركيب. واعلم أن في البحث عن ماهية الاسم والفعل والحرف دقائق غامضة، ذكرناها في كتاب "المحرر" في دقائق النحو، والله أعلم. البحث الأول في تفسير دلالة اللفظ قال القرافي: "اللفظ إما أن تعتبر دلالته ... " إلى قوله: "الدال بالمطابقة إما ألا يدل بشيء من أجزائه" ذكر ابن سينا (١) في "الشفاء" عن المتقدمين فيها تفسيرين: أحدهما: أنه فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى، أو جزءه، أو لازمه. وثانيهما: أن دلالة اللفظ كونه بحيث إذا أطلق فهم السامع منه كمال المسمى، أو جزءه، أو لازمه. فهذا هو اللفظ الدال، والذي بحيث إذا أطلق لا يفهم منه ذلك هو غير دال، واختار المتأخرون الحد الأول، واستدلوا على صحة ما ذهبوا إليه بأن

стр. 459

اللفظ إذا دار بين المتخاطبين، وحصل فهم السامع منه، قيل: هو لفظ دال، وإن لم يحصل قيل، ليس بدال، فقد دار إطلاق لفظ الدلالة مع الفهم كدوران [لفظ الإنسان مع الحيوان الناطق] وجودا وعدما، وسائر المسميات مع أسمائها، لا يقال: إن الدلالة غير الفهم، لتعليلنا أن الدلالة بحصول الفهم، فنقول: هذا لفظ دال؛ لأنه مفهم، والعلة مغايرة للمعلول؛ لأن التعليل قد يكون مع الاتحاد في كل حد مع محدوده، فنقول: هذا إنسان؛ لأنه حيوان ناطق، وكذلك جميع الحقائق مع حدودها، وإذا كان التعليل أعم من التغاير لا يستدل به على التغاير؛ لأن الأعم غير مستلزم للأخص. احتج أرباب المذهب الآخر بأن الدلالة صفة للفظ، فيقال: لفظ دال، وعلة ما ذكره الفريق الأول تكون الدلالة صفة للسامع، لأن الفهم صفة للسامع، فهذا التفسير باطل قطعا، ويتعين أن الصحيح هو التفسير الآخر. أجاب الفريق الآخر من وجهين: أحدهما: أن الدلالة كالخياطة، والنجارة، والصياغة، وكما أن النجارة في الخشب، والصياغة في الحلي، والخياطة في الثوب، والناجر والصائغ هو الفاعل، وكذلك الدلالة مع السامع؛ لأنه موضع تأثير اللفظ، واللفظ هو الفاعل. وثانيهما: أن تسمية اللفظ دالا باعتبار أنه [بحيث] إذا أطلق أفهم، تسمية له باعتبار ما هو قابل له، فهو كتسمية الخمر مسكرا، والماء مرويا، وهو مجاز اتفاقا، وتسميته دالا باعتبار أنه حصل الفهم في ذهن السامع

стр. 460

تسمية له باعتبار ما هو حاصل له بالفعل لا بالقوة، وأنه حقيقة إجماعا، والتسمية بالحقيقة أولى من المجاز، فيترجح تفسيرنا على ذلك التفسير. ويمكن الجواب عن هذين الوجهين بأن الصياغة، ونحوها مصادر، والأصل في المصادر لا يوصف بها إلا الفاعلون، وإطلاقها على آثارها، وهي الهيئات الحاصلة في المحال مجاز من باب إطلاق السبب على المسبب، أو المتعلِّق على المتعلَّق، والأصل في الكلام الحقيقة. وعن الثاني: أن الفهم الحاصل للسامع ليس حاصلا للفظ بل للسامع؛ لأنه آثر الأطلاق، فكان ينبغي أن يقولوا: دلالة اللفظ هو إفهامه السامع، لا فهم السامع للمتكلم لما يقولونه. واعلم أنه يتلخص من كلام الفريقين أن دلالة اللفظ إفهامه السام ما تقدم ذكره، وفهم السامع مطاوعة؛ لأنك تقول أفهمني ففهمت، كما تقول: كسرته فانكسر، ودفعته فاندفع، وعلمته فتعلم، فالإفهام صفة للفظ، والفهم أثره، وهو صفة للسامع، ويحصل الجمع بين هذه القواعد التي ذكرها الفريقان، وتندفع الإشكالات كلها. " فائدة" قال اللغويون: يقال: "دلالة فائدة" بالفتح ، أي: بفتح الدال وكسرها. قال ابن الخشاب في "شرح المقامات": العرب تفرق بين الفَعالة

стр. 461

والفِعالة والفُعالة، فبالفتح للسجايا النفيسة كالشجاعة والسخاوة، والصرامة، وبالكسر لما هو صنعة كالنجارة والخياطةن والصياغة، والفُعالة بالضم لما يطرح ويخرج من الشيء كالنخالة، والقمامة، والنقاوة، والكناسة، ونقاوة المتاع: خياره؛ لأنه يخرج منه، وقد تستعمل هذه الأوزان في غير ذلكن لكن كثر استعمالها في هذه المواد، ومقتضى ذلك أن يرجع الكسر في دال الدلالة، لأنها محاولة ومعاطاة من المستعمل أن يلاحظ أنها تعتبر بسبب الوضع كالسجية للفظ، كما تصير الشجاعة بسبب الطبع الذي طبعه الله -تعالى- للشخص. البحث الثاني في تحديد أنواع الدلالة وهي ثلاثة: الأولى: دلالة المطابقة وهي: فهم السامع، أو إفهامه من كلام المتكلم كمال المسمى، كفهم مجموع العشرة من لفظها. الثانية: ودلالة التضمن هي: إفهام اللفظ للسامع مع جزء المسمى، كإفهام لفظ العشرة السامع له الخمسة منه. الثالثة: ودلالة الالتزام هي: إفهام اللفظ للسامع مع لازم المسمى البين.

стр. 462

البحث الثالث في تعليل تسميتها بذلك فأقول: اللفظ إذا وضع لمعنى زاد عما تحته وقصر عما فوقه وانطبق على مسماه، فصارت المطابقة للمسمى باعتبار اللفظ، ولنمش الآن على طريق المتأخرين فنقول: سمي الفهم المتعلق بالمسمى مطابقة من باب [تسمية] ما يستحقه المتعلق [بالفت] على المتعلق بالكسر، والجزء في ضمن الكل، فصار التضمن حكما للجزء باعتبار كله، فسمي الفهم المتعلق بالجزء تضمنا من باب تسمية المتعلق بالكسر بما يستحقه المتعلق بالفتح في اللازم، واللازم بينه وبين المسمى التزام، فصار الالتزام حكما للازم باعتبار ملزومه، فسمي الفهم المتعلق باللازم التزاما من باب تسمية المتعلق بما يستحقه المتعلق، فهذه التسميات الثلاثة منقولة عن مجاز واحد لغوي، وهو إطلاق ما يستحقه المتعلق على المتعلق، وعلى طريقة الأوائل، والذي اخترته تكون الدلالة صفة اللفظ والمطابقة صفة له باعتبار مسماه، فتكون تسمية الدلالة مطابقة من باب إطلاق ما يستحقه الموصوف الذي هو اللفظ على الصفة التي هي الدلالة التي هي الصفة الأخرى للفظ، والتسميتان الأخريان تبقيان على حالهما، كما تقدم تعليلهما. وكان يمكن أن أقول في [التعليل] الأول: المطابقة حكم للفظ باعتبار مسماه، وفي التضمن حكم للكل باعتبار جزئه، وفي الالتزام حكم للملزوم باعتبار لازمه، لأن النسبة الواقعة بين الشيئين يمكن أن يوصف بها كل واحد منهما، غير أن الذي اخترته من العبارة يقتضي انتظام الثلاثة على نسق واحد.

стр. 463

ولذلك اخترته، فأقول: [حكما] للمسمى باعتبار لفظه، وللجزء باعتبار كله، وللازم باعتبار ملزومه، فتكون العبارة والإضافة متناسبة الوزن خفيفة على السمع البحث الرابع في أن تقسيم الدلالة إلى هذه الثلاثة: المطابقة والتضمن والالتزام من باب القضايا المنفصلة المانعة للخلو، أو مانعة الجمع، أو مانعتهما، فمانعة الخلو [قلنا] إما أن يكون زيد في مائع، وإلا ألا [يعرف] فيمكن اجتماعهما بأن يكون في البحر، ولا يعرف، ويمنع خلو زيد عنهما. ومانعة الجمع نحو: هذا العدد [المسمى، وكذلك العدد] أو أكثر يمنع اجتماعهما، ويمكن الخلو عنهما بأن يكون أقل. ومانعتهما: العدد إما زوج، أو فرد، وبسط هذا وضوابطه في علم المنطق، فلا يقال: تقسيم الدلالة لهذه الأقسام يقتضي ألا يجتمع فيها اثنان كالزوج والفرد، بل هذه القضية مانعة الخلو فقط، كما قلنا: العلم إما تصور أو تصديق، مع إمكان اجتماعهما، فإن كل تصديق فيه تصوران، والباب واحد، فإن المفهوم علوم، [أو ظنون] على حسب الكلام، والمتكلم به.

стр. 464

البحث الخامس في أن الحصر هل هو ثابت في هذه الثلاثة أم لا ؟ فأقول: الدليل على الحصر: أن المدلول إما ما وضع له اللفظ أو لا. والأول: دلالة المطابقة. والثاني: إما أن يكون المدلول داخلا فيما وضع له اللفظ أو لا، فالأول دلالة التضمن. [والثالث] الالتزام، فثبت بهذا التقسيم الدائر بين النفي والإثبات الحصر في الثلاث. فإن قيل: هذا الحصر باطل بأمور سبعة: الأول: أن اللفظ الواقع في البراهين نحو قولنا: العالم متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث، فهذه العبارات في هذه المقدمات دالة على حدوث العالم، ودلالتها لا يمكن أن يقال: إنها مطابقة، فإن الدليل فيها إنما نشأ عن مجموع هذه الألفاظ لا عن بعضها، والمجموع لم يوضع لحدوث العالم حتى يدل عليه مطابقة ولا تضمنا، لأن التضمن: هو دلالة اللفظ على جزء مسماه، ومجموع هذه الألفاظ ليس له مسمى حتى يكون حدوث العالم جزءه ولا أكثر، أما أنه ليس [لها] مسمى؛ [لأن حدوث] العالم لزمه، فإن جزء المسمى ولازم المسمى فرع المسمى، فحيث لا مسمى ينتفيان، فهذه دلالة واقعة فيبطل الحصر في الثلاث. الثاني: أن لنا مفهوم الكلية والكل والكلي.

стр. 465

فالكلية: القضاء على كل فرد فرد حتى لا يبقى من تلك المادة فرد. والكل: هو المجموع من حيث هو مجموع. والكلي: هو القدر المشترك بين الأفراد. وبيانها بالمثال إذا قلنا: كل رجل يشبعه رغيفان غالبا، إن أردنا بالكلية كل فرد فرد على حاله صدق الحكم، وإن أردنا الكل الذي هو المجموع كذبت القضية، فإن المجموع لا يشبعه آلاف. عكسه إذا قلنا: كل رجل [يشيل] الصخرة العظيمة، يصدق ذلك باعتبار الكل الذي هو المجموع، ويكذب باعتبار كل واحد [واحد]، وإذا [قلت] الإنسان نوع، صدقت باعتبار الكلي الذي هو القدر المشترك، وكذبت باعتبار كل [فرد] وباعتبار المجموع، فإن النوع هو المقول على كثيرين مختلفين بالعدد فقط في جواب ما هو، والمجموع لا يمكن حمله على أحد من الناس، فيقال: زيد مجموع الناس، وكذلك كل فرد يشير إليه لا يمكن حمله على اثنين من بني آدم، فالمجموع حينئذ ليس المجموع ولا كل فرد على [حاله] فهو القدر المشترك، وهو الكلي وإذا ظهر الفرق بين الكل والكلي والكلية يظهر من ذلك الفرق بين الجزء والجزئية والجزئي، فالجزء بعض الكل، والجزئية بعض الكلية، والجزئي هو الشخص [الواحد] المعين من الكلية، كزيد من أفراد الإنسان.

стр. 466

إذا تقررت هذه الفروق وتميزت هذه الحقائق فأقول: إذا فرضنا لفظا وضع بإزاء الكلية، كما قاله أرباب العموم في صيغ العموم، فدلالة ذلك اللفظ على فرد من تلك الكلية، كما في لفظ (المشركين) بالنسبة إلى (زيد المشرك) خارجة عن الدلالات الثلاث، لا جائز أن تكون مطابقة؛ لأن لفظ الكلية لم يوضع له وحده، ولا تضمنا؛ لأن دلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء مسماه، والجزء إنما يقال بالقياس إلى الكل، وهذه كلية لا كل، فليس (زيد المشرك) حينئذ جزءا بل جزئية، ولا التزاما، لأن الفرد في الكلية ليس لازما خارجا عن المسمى، ولو خرج هذا الفرد لخرج كل فرد، ولا يبقى بعدها مسمى حينئذ، فالفرد ليس لازما، فليس فيه دلالة التزام، فهذه دلالة غير الدلالات الثلاث. الثالث: أنا إذا سمعنا لفظ (خنفشار) مثلا من المهملات تكرر مرارا كثيرة بصوت حنين دلنا على أن الناطق به حي آدمي، يقظان إلى غير ذلك مما تفهمه من أحوال هذا المتكلم، وليس هذه الدلالة مطابقة؛ لأن هذا اللفظ فرضناه مهملا، فليس له مسمى، ولا تضمنا؛ لأن جزء المسمى فرع المسمى، ولا التزاما؛ لأن لازم المسمى فرع المسمى، ولا مسمى فهذه الدلالة غير الثلاث. الرابع: أن العالم يدل على صانعه، وليس اسما له، ولا [صانعه] جزؤه، ولا لازمه، وكذلك دلالة جميع الأفعال على الحياة، والعلم والقدرة والإرادة والغضب والرضا وغير ذلك. الخامس: الحروف الكتابية: كل واحد منها يدل على صوت مخصوص،

стр. 467

فقولنا: (قاف) يدل على [الحرف] [الأول] من (قال) و (ألف) يدل على الثاني منه، و (لام) يدل على الثالث منه، ودلالة كل واحد من الحروف الثمانية والعشرين على مسمياتها دلالة مطابقة؛ لأنها وضعت لها في اصطلاح الكتاب، والحروف الكتابية ليست ألفاظا مع وجود دلالة المطابقة فيها، فلا يكون تحديد دلالة المطابقة بدلالة اللفظ على مسماه جامعا، بل قد خرج منه بعض دلالة المطابقة. السادس: دلالة اللفظ المركب كقولنا: الإنسان كاتب بالقوة في هذا العالم بإذن الله -تعالى- مجموع هذا اللفظ يدل على نسب مخصوصة، وإسنادات مخصوصة، مؤلفة مرتبطة بعضها ببعض، ومجموع هذا اللفظ لم يوضع لمجموع هذا المعنى، فليس مطابقه، وليس مجموع هذا المعنى جزء المسمى هذا المجموع، ولا لازما له لعدم التسمية [به]، فدلالته خارجة عن الدلالات الثلاث مع أنها ألفاظ، وليست مهملة [فما] انحصرت دلالة اللفظ الموضوع، أو تفرع على مذهب المصنف في أن العرب ما وضعت المركبات، فيكون هذا المركب مهملا، وقد دل على معاني قصدت العرب الدلالة عليها، والدلالة فيها تتبع [مركبات] العرب، وليست مستفادة من جهة العقل، فما جمع الحد أنواع الدلالة. السابع: أن حروف المعاني نحو (ليت) و (لعل) يدل الأول على التمني والثاني على الترجي، فإن كانت هذه مطابقة يلزم أن يكون التمني مسمى (ليت) مثلا. فتكون (ليت) اسما له، والتقدير أنها حرف لا

стр. 468

اسم، ويلزم [أنها] تدل على معنى في نفسها، وأن تستقل بإفهام معنى كالأسماء، والنحاة منعوا ذلك، وقالوا: إن الحرف لا يستقل، ولا يقال [إن] حرف لمعنى يدل لا تضمنا ولا التزاما لعدم المسمى، كما تقدم، فيتعذر جزء المسمى ولازم المسمى. والجواب عن الأول: أن الألفاظ للبراهين لم تدل على حدوث العالم وغيره من النتائج الكائنة بعدها إلا بالعقل، وما دل بالوضع إلا على مفردات المعاني في تلك البراهين، ونحن حيث حصرنا الدلالة في الثلاث إنما تعرضنا لحصر الدلالة الناشئة عن الوضع، وهذه بالعقل، فلا يرد علينا، كمن تعرض لحصر النامي الذي هو حيوان في الناطق والبهيم، لا يرد عليه الشجر. وعن الثاني: أن لفظ الكلية موضوع للقدر المشترك بقيد تتبعه في جميع أفراده على ما يأتي بسطه إن شاء الله -تعالى- في (باب العموم والخصوص)، وقيد التتبع في الكل جزؤه التتبع في البعض، فتكون دلالة اللفظ عليه دلالة تضمن من هذا الوجه لا من جهة أنه بعض للكلية، بل من جهة أنه بعض القيد الواقع فيها، وهو التتبع في الكل، فإن العام موضوع لقيدين المشترك وقيد التتبع، فقيد التتبع جزء المسمى، والتضمن باعتبار جزء هذا الجزء، لا باعتبار جزء المسمى، فهو من الدلالة العربية التي لا نظير لها، أو تفسر دلالة التضمن بدلالة اللفظ على جزء مسماه الذي هو أعم من الجزء والجزئية، ويريد بالجزء ما يعم الأمرين وهو كونه بعضا، وهو وإن كان خلاف ظاهر إطلاقهم إلا أنه يحتمله، وهو من المواضع المشكلة جدا فتأمله.

стр. 469

وعن الثالث: أن دلالة خنفشار ونحوه من المهملات على [ما تقدم] دلالة عقلية أو عادية، والمدعى حصر الدلالة الوضعية، فلا يرد، وهو الجواب عن الرابع. [وأما دلالة الحروف الكتابية وهو الخامس]: على مفردات الحروف الصوتية وضعية، وكذلك الإشارات [القولية] كثير منها يدل بالوضع على خصوص المشار إليه، وهي دلالة مطابقة، غير أنا لم نعن بتقسيمنا في دلالة اللفظ الحدود للدلالات الثلاث، بل تعريف أن الدلالة الناشئة عن اللفظ، فالوضع لا يخرج عن الثلاث. وإن القضية مانعة الخلو في هذا الشيء الخاص؛ لأنها مانعة الجمع، أو الجمع والخلو كما تقدم بيانه، وكقولنا: إما أن يكون زيد في البحر، وإما ألا [يعرف]، وإنه لا يخلو عن هذين الأمرين كلام صحيح، ولا يرد عليه أن عمرا أيضا حصل له ذلك؛ لأنا لم نعرض لتحديد هذه الأحوال، بل لتعريف أن زيدا لا يخلو عنهما فقط، كذلك هاهنا يجوز حصول المطابقة في غير اللفظ، ولا يقدح ذلك فيما ذكرناه، [وكذلك] لما ذكرنا الحصر حصرنا في الثلاث، ولم نتعرض لحصر الثلاث في دلالة اللفظ، فتأمل ذلك. وعن السادس: أن الصحيح أن المركبات وضعتها العرب كما وضعت المفردات، فوضعت المفرد دالا على المفرد، والمركب دالا على المركب على

стр. 470

ما يأتي بيانه في (المجاز والحقيقة) إن شاء الله تعالى، لأنه [في] موضعه، وعلى هذا التقدير يندرج في مقصودنا. ونحن لما قسمنا دلالة اللفظ لم نقيده [بالمفرد]، بل عنينا به اللفظ من حيث هو لفظ مفرد [مفردا] كان أو مركبا، فلا يرد المركب، مع أنا لو قيدناه بالمفرد كان ذلك التقييد كتقييدنا الدال باللفظ، فيكون الجواب عنه كالجواب عن الحروف الكتابية. وعن السابع: أن حروف المعاني اسم لتلك المفردات التي دلت عليها في وضع [اللفظ]، وإنما [النحاة] اصطلحوا على تخصيص لفظ الاسم ببعض موارده الذي هو أشرفها، وبحثنا نحن بحسب الوضع اللغوي فلا ترد الحروف؛ لأنا نلتزمها من جملة مرادنا [للأسماء]، ونحن لم نقسم الاسم، بل اللفظ الذي هو أعم. البحث السادس في قوله (من حيث هو جزؤه) احترز به عن وضع لفظ المسمى لجزئه بالاشتراك، فيصير للفظ المسمى على جزئه دلالتان: دلالة تضمن باعتبار الوضع الأول، ودلالة مطابقة باعتبار الوضع الثاني، وكلامه في هذا التقسيم يجري مجرى الكليات التي لا تختص بالواقع من الوضع، ولا بلغة العرب، بل بما وقع، وكل ما يمكن وقوعه، فكأنه يقول: كلما اعتبر اللفظ بالنسبة إلى بعض مسماه كان تضمنا، فيقال له: على هذا التقدير قد يعتبر اللفظ

стр. 471

بالنسبة إلى بعض مسماه ولا يكون تضمنا، بل مطابقة، وهو الاعتبار الناشئ عن الوضع للجزء، والكلية تبطل بفرد، فيحتاج إلى أن يقول: إنما دل اللفظ على جزء مسماه مطابقة، من حيث كمال المسمى، لا من حيث هو جزؤه. فأقول: (من حيث هو جزؤه) ليخرج من حيث هو كله، والجماعة يمثلون ذلك بلفظ الإمكان، فإنه موضوع للإمكان العام، والخاص والعام جزء الخاص كما تقدم بيانه في تحديد الحسن والقبح، فهو حينئذ لفظ موضوع للجزء والكل، وفي النفس منه شيء، فلعله ما وضع لذلك، بل [قوله]: إمكان عام لأحدهما، وإمكان خاص للآخر، هذا المجموع هو الموضوع لأحدهما، والمجموع الآخر للمعنى الآخر، فلا اشتراك حينئذ، وأجد أحسن من ذلك للتمثيل لفظ الحرف، فإنه موضوع لكل حرف من الحروف الدالة على المعنى، لجزئه، بل لكل جزء من أجزائه، فإن (ليت) -مثلا- حرف، والحرف الأول منها يسمى جزءا، وكذلك الثاني، والثالث وكذلك (قد) حرف تحقيق، [والأول] منها حرف، والجزء الثاني وهو الدال حرف أيضا، وكذلك القول [في] الالتزام من حيث هو كذلك، غير أن تمثيله أعسر من تمثيل التضمن، فأين لنا لفظ وضع لمعنى وضع مع ذلك للازمه مثلما وضع له ولجزئه؟ وإن كان إمكانه ظاهرا غير أن العسر هو تمثيل الواقع منه، وقد وقع في اللغة [منه] لفظ [مفعل] فإن أئمة اللغة قالوا: هو اسم للزمان والمكان والمصدر، وهو ثلاثة متلازمة في العادة،

стр. 472

فيكون اللفظ موضوعا للشيء ولازمه، فلا فعل إلا في زمان ومكان غالبًا، ويكفي ذلك في صحة الملازمة وصحة التمثيل، وكذلك قول العرب] في [المختار، والمختص،] والمعتد [كل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة اسم للفاعل، والمفعول، والمفعول لازم الفاعل عقلًا. (فائدة وسؤال) أول من ذكر في الدلالة هذه الحيثية الإمام فخر الدين وتابعه عليها أصحابه من بعده، والمتقدمون اكتفوا بقرينة قولهم: مسمى اللفظ وجزؤه ولازمه؛ فإن قرينة الجزئية واللازمية مشعرة بأنه ليس كمال المسمى، ولا هو المسمى فاكتفوا بذلك، فإن كانت هذه القرائن كافية، فلا حاجه لهذه الحيثيات؛ فإنه حشو خال عن الفائدة، وإن كانت ليست كافية، فيلزم ذكر الحيثية أيضا في دلالة المطابقة، فإن لفظ المسمى كما يجوز أن يوضع لجزئه يجوز أن يوضع له مع غيره، فتصير دلالته عليه حينئذ تضمنًا لا مطابقة، كوضع لفظ العشرة للخمسة عشر، فيصير دالًا على العشرة دلالة المتضمن باعتبار الوضع الثاني، فيحتاج للحيثية في المطابقة، كما احتجنا إليها في الدلالتين الأخريين، وهو سؤال متجه.

стр. 473

البحث السابع في قوله في (المحصول): أو بالنسبة إلى ما يكون خارجا عن المسمى ، ولم يشترط أمرا زائدا، وهذا القدر لا يكفي، وإن كان قد يكفي. أما أنه لا يكفي؛ فلأن الخارج عن المسمى قد يكون عارضا، ولازما خفيا، فلا يدل اللفظ عليه، ولابد من اشتراط اللزوم البين في دلالة الالتزام، وهو كون اللازم لا ينفك عن المسمى في الذهن. وأما أنه قد يكفي؛ فلأنه إنما قسم فيما ينشأ عن الدلالة اللفظ، ومتى لم يكن اللازم بينا لا ينشأ فهمه عن اللفظ، بل عن أمر زائد غير اللفظ، فلا ينسب حينئذ إلى اللفظ، بل لذلك الزائد، والكلام إنما هو في دلالة اللفظ، لا في دلالة غيره، فلا حاجه إلي هذا التقيد؛ لأنه مندرج في العبارة المذكورة، وعلي التقديرين فلابد من بيان اللزوم البين، سواء ورد إهماله على المصنف أم لا. فأقول: الحقائق أربعة أقسام: متلازمة في الذهن، والخارج. ولا متلازمة في الذهن، ولا في الخارج. وفي الذهن فقط.

стр. 474

] وفي الخارج فقط [. فالأول: كالسرير والارتفاع [فقط]، فإن السرير إذا وقع في الخارج لزمه الارتفاع من الأرض، وإذا تصورناه في الذهن وقع معه في الذهن الارتفاع من الأرض، فهما متلازمان فيهما. والثاني: كالسرير، وذلك أنه لا يلزم من وجود أحدهما وجود الأخر خارجا، ولا ذهنا، فإنا قد نتصور أحدهما، ونذهل عن الآخر. والثالث: كالسرير، والإمكان، فإن الإمكان] يلزم [السرير في الخارج، فلا يوجد إلا وهو ممكن، ويستحيل خلاف ذلك، فهما متلازمان في الخارج، مع أنا قد نتصور أحدهما، ونذهل عن الأخر، فليس متلازمين في الذهن؛ لأنا نعني ب (اللازم) ما لا يفارق. والرابع: كزيد إذا أخذ بقيد كونه نجار السرير، فإنا إذا تصورناه من جهة كونه نجار السرير استحال ألا نتصور السرير مع أنه لا ملازمة في الخارج، وكذلك السواد إذا أخذ] بقيد [كونه ضد البياض، وتصوره من هذا الوجه استحالة ألا يتصور البياض مع التلازم، بل هما متنافيان، وهذه الملازمة نشأت عن أخذ السواد بقيد هذا الاعتبار، أما السواد من حيث هو سواد لا يلزم من تصوره] تصور [البياض. إذا تقررت هذه الأقسام الأربعة، فأعلم أنه يندرج في دلالة الالتزام منها اثنان:

стр. 475

المتلازمان في الذهن [والخارج]. والمتلازمان لا في الذهن، ولا في الخارج. فإنه متى حصل الشعور بأحد هذين إنما يكون لقرينة ماضية، أو حاضرة، أو غير ذلك مما هو زائد على اللفظ، فالدلالة منسوبة لذلك الزائد لا للفظ، فلا يقال: أن اللفظ دال على ذلك] العارض [. (تنبيه) الملازمة قد تكون: عقلية: كالزوجية للاثنين. وشرعية: كالجزية للكفر. وعادية:] كالارتفاع والسرير [. ] وقد تكون قطعية كالزوجية [، وقد تكون ظنية ضعيفة جدا، كما إذا كانت عادة زيد إذا أتانا جاء معه عمرو، فمتى تصورنا أحدهما انتقل الذهن للآخر لأجل ذلك الاقتران، وإن لم يحصل إلا مرة واحدة، والمرة الواحدة لا توجب ملازمة بين الشخصين في الخارج ولا نقطع بها، بل قد تكون كلية كالزوجية للعشرة، وقد تكون جزئية كملازمة المؤثر للأثر حالة وجوده في زمن حدوثه في تلك الحالة فقط، والكلية في علم المنطق ما

стр. 476

تلزم في جميع الأحوال الممكنة، والجزئية ما تلزم في بعضها] فقط [، هذا النحو محرر هناك، ومنه ملازمة الطهارة الصغرى للطهارة الكبرى زمن الارتفاع فقط، ولذلك لا يلزم من عدم هذا اللازم الذي هو الطهارة الصغرى عدم] الملزوم [الذي هو الطهارة الكبرى، وهذا من خصائص الملازمة الجزئية، ولا يلزم من عدم اللازم عدم الملزوم لاحتمال وجوده بدونه في الحالة التي هو ليس لازما له فيها، فإن لم تعلم هذا أشكل عليك الجواب عن الطهارتين، وجميع] ما ذكر [. البحث الثامن في أن هذه الملازمة شرط لا سبب ؛ لأن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. فالقيد الأول احترزنا به عن المانع؛ فإنه لا يلزم من عدمه شيء. والثاني: احتراز من السبب. والثالث: احترازا من مقارنة وجوده لوجود السبب، فإنه يلزم الحكم حينئذ، لكن لأجل السبب لا لأجل وجود الشرط. والسبب ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته. فالأول: احتراز من الشرط. والثاني: احتراز من المانع. والثالث: احتراز من مقارنة وجوده لوجود المانع، فلا يلزم الوجود أو

стр. 477

مقارنة عدمه بخلاف سبب آخر، فلا يلزم العدم، ولكن ذلك ليس لذاته، بل لغيره. والمانع ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود، ولا عدم لذاته. فالأول: احتراز من السبب. ] والثاني: احتراز من الشرط [. والثالث: احتراز من مقارنة عدمه عدم السبب أو عدم الشرط، فيلزم العدم، لكن ذلك ليس لذاته، بل لعدم السبب، إذا] اتضحت [هذه الحقائق فالملازمة الذهنية يلزم من عدمها العدم، ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم، بل يتوقف وجود الدلالة الالتزامية على الإطلاق، فالإطلاق هو السبب وهي الشرط. (سؤال) لم] لا عكستم [، أو سويتم؛ فإن اللفظ أيضا لا يستقل بدلالة الالتزام حتى تحصل الملازمة الذهنية؟ فنقول: الملازمة سبب، والإطلاق شرط عكس ما ذكرتموه، أو لا ترجحوا أحدهما على الآخر. جوابه: الفرق أنا وجدنا الإطلاق يستقل بالدلالة في صورة المطابقة، ولم نجد الملازمة الذهنية تستقل في صوره، فجعلنا الإطلاق هو السبب لحصول

стр. 478

الشهادة له بذلك في المطابقة، ولم يحصل للملازمة سببا لعدم الشهادة لها بالاعتبار. البحث التاسع فيما بين الدلالات الثلاث من العموم والخصوص فالمطابقة أعم منهما مطلقا؛ لأنه كلما وجدت دلالة التضمن، أو دلالة الالتزام وجدت دلالة المطابقة؛ لأن شيئًا لم يسم حينئذ، فاللفظ يدل عليه مطابقة، وقد توجد دلالة المطابقة، ولا يوجدان في اللفظ الموضوع للبسائط التي ليست لها لوازم بينة، فالمطابقة حينئذ أعم مطلقا، أما هما، فكل واحد منهما أعم من الآخر، وأخص من وجه؛ لأن الأعم والأخص من وجه، هما اللذان يجتمعان في صورة، ويوجد كل واحد منهما وحده كالأبيض والحيوان، فيوجد] الحيوان ولا أبيض في الزنجي [، والأبيض ولا حيوان في الجير واللبن، وهما معا كالصقالبة، كذلك هاهنا يوجد التضمن، والالتزام كما في اللفظ الموضوع للمركبات التي ليست لها لوازم بينة] والالتزام بدون التضمن في اللفظ الموضوع للبسائط التي لها لوازم بينة [ويجتمعان معا في اللفظ الموضوع للمركبات التي لها لوازم بينة. البحث العاشر في مدرك خلاف العلماء في أن الدلالات الثلاث هل هي وضيعة، أو المطابقة فقط والأخريان عقليتان؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين، واختار سيف الدين الآمدي أن المطابقة، والتضمن] كل منهما دلالة [لفظية دون الالتزام؛ لأن الجزء داخل في

стр. 479

المسمى،] والالتزام [خارج، ومنشأ الخلاف يرجع إلى تفسير الدلالة الوضعية هل هي عبارة عن إفادة المعنى بغير وسط مختص بالمطابقة؟ أو إفادة المعنى كيف كان بوسط أو بغير وسط فتعم الثلاثة؟ لأن اللفظ يفيد الجزء، واللازم بواسطة إفادته المسمى.

стр. 480

(تنبيه) وقع الإمام في (المحصول)، وسيف الدين في (الأحكام)، والإمام في (المعالم)، ولغيره أن الدلالة اللفظ إن اعتبرت بالنسبة إلي تمام المسمى فهي المطابقة، ولفظ التمام إنما يكون فيما له أجزاء، فيخرج اللفظ الموضوع بإزاء البسائط؛ فإنه لا يصدق فيه التمام، ولا النقصان، فذكر التمام لا حاجه إليه، بل يقال: إن اعتبرت الدلالة بالنسبة إلى مسمى اللفظ، ولا يزاد على ذلك. البحث الحادي عشر في الفرق بين دلالة اللفظ والدلالة باللفظ أول ما سمعت هذه العبارة من الشيخ شمس الدين الخسر وشاهي وكان يقول: هذا الموضع خفي على الإمام فخر الدين وحصل بسبب التباسهما عليه خلل كثير في كلامه، ثم إني أنا بعد ذلك تصفحت المواضع التي وقع الخلل فيها في (المحصول)، فوجدتها نحو ثلاثين موضعا سيقع التنبيه عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى، ودلالة اللفظ هي ما تقدم بيانه على اختلاف تلك الطرق الثلاث، ولنفرع على أحدهما عينا ليتجه الفرق، ويقرب البحث ولتكن الدلالة هي فهم السامع، وأما الدلالة باللفظ فهي استعمال اللفظ أما في موضعه، وهي الحقيقة، أو في غير موضعه لعلاقة بينهما، وهو المجاز. وأما استعماله لغير علاقة. قال العلماء: هو وضع مستأنف من ذلك المستعمل، كما إذا قال: الله أكبر، أو] كما إذا قال [: اسقني الماء، ويريد بذلك طلاق امرأته، وهذه (الباء) في قولنا: الدلالة باللفظ باء الاستعانة؛ لأن المتكلم استعان

стр. 481

بلفظ على إفهامها ما في نفسه، كما يستعين بالقلم على الكتابة، والقدوم على النجارة، وإذا تقرر ضابط الحقيقتين، فيقع الفرق بينهما في خمسه عشر فرقأ: أحدها: أن دلالة اللفظ صفه للسامع، والأخرى صفه للمتكلم. وثانيها: أن دلالة اللفظ محلها القلب؛ لأنه موطن العلوم، والظنون، والأخرى محلها اللسان، وقصبه الرئة. وثالثها:] ن دلالة الفظ [علم، أو ظن، والأخرى أصوات مقطعة. ورابعها: أن دلالة اللفظ مشروطة بالحياة، والأخرى يصح قيامها بالجماد؛ فإن الأصوات لا يشترط فيها الحياة. وخامسها: أن أنواع دلالة اللفظ ثلاثة: المطابقة، والتضمن، والالتزام لا يتصور في الدلالة باللفظ، ولا يعرض لها، وأنواع تلك اثنان: الحقيقة، والمجاز لا يعرضان لدلالة اللفظ. وسادسها: أن دلالة اللفظ مسببة عن الدلالة باللفظ، فالفهم ينشأ عن النطق، والدلالة بالفظ سبب. وسابعها: أنه كلما وجدت دلالة اللفظ وجدت الدلالة باللفظ؛ لأن فهم مسمى اللفظ من الفظ فرع النطق باللفظ، وقد توجد الدلالة باللفظ دون دلالة اللفظ لعدم تفطن السامع لكلام المتكلم لصارف، إما لكونه لا يعرف لغته، أو استعمل المتكلم لفظا مشتركا بدون القرينة، أو بقرينه لم يفهمها السامع. وثامنها: أن الدلالة اللفظ حقيقة واحدة لا تختلف في نفسها؛ لأنها إما علم أو ظن، وهما أبد الدهر على حالة واحده، والدلالة باللفظ، وهي استعماله تختلف.

стр. 482

فتارة يجب في الاستعمال تقديم خبر] المبتدأ [. وتارة يجب تقديم الفاعل. وتارة لا يجب، إلي غير ذلك من اختلاف أوضاع اللغات العربية والعجمية [والعرفية]. وتاسعها: أن دلالة اللفظ لا تدرك بالحس في مجرى العادة، والدلالة باللفظ تسمع. وعاشرها: أن الدلالة باللفظ لا تتصور في الغالب إلا من مسميات عديدة نحو: قام زيد، فإن كل حرف منه مسمى لاسم من حروف الجمل والنطق بالحرف الواحد نحو (ق)، و (ش) نادر، وأما دلالة اللفظ فدائما هي مسمى واحد، وهي علم أو ظن. وحادي عشرها: أن الدلالة باللفظ اتفق العقلاء على أنها من المصادر السيالة التي لا تبقي زمانين، واختلفوا في دلالة اللفظ هل تبقى أم لا؟ وثاني عشرها: أن دلالة اللفظ تأتي من الآخرين، بخلاف الأخرى. وثالث عشرها: الدلالة باللفظ لا تقوم إلا بمتحيز، ولا يمكن غير ذلك، ولذلك أحلنا الأصوات على الله-تعالى- ودلاله اللفظ] على [قيامها بغير المتحيز، وكذلك فإن الله-تعالى- له علم] متعلق [بجميع المعلومات، وسمع جميع الكلام، والأصوات. ورابع عشرها: دلالة اللفظ لا نتصور من غير سمع؛ فإن فهم معنى

стр. 483

اللفظ فرع سماعه، والأخرى تتصور من الأصم الذي طرأ عليه الصمم؛ فإن الذي لم يسمع قط لا يتصور منه النطق باللغات الموضوعة، لأنه لم يسمعها حتى يحكيها، ولذلك قال الأطباء: إن الخرس أصابهم غالبا في آذانهم لا في ألسنتهم، فلم يسمعوا شيئا يحكونه، فلذلك لا يتكلمون. وخامس عشرها: الدلالة باللفظ توصف بالصفات الكثيرة، فيوصف النطق بالفصاحة، والجهورية، واللكن، والتمتمة، وغير ذلك مما يوصف به المتكلمون في كلامهم، ودلالة اللفظ لا توصف بشيء من ذلك، ولا يوصف العلم الحاصل عن النطق بغير كونه علما، نعم الظن الناشيْ عن النطق قد يوصف بالقوة بخلاف العلم، فهذه وجوه وفروق يحصل لك العلم] ببيانها والعلم بحقيقتها [ويتوصل بهذه الفروق إلى العلم بالفروق الكائنة بين الدلالة باللفظ، وبين دلالة] اللفظ على الطريقين الآخرين الذين تقدم تحريرهما [أول الباب. (تنبيه) وقع للإمام، وغيره من المنصفين أن دلالة التضمن والالتزام مجاز ، وأن دلالة المطابقة حقيقة، وهو غير مستقيم، فإن الاتفاق وقع على أن الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه، والمجاز استعمال اللفظ في غير موضوعه، والسامع ساكت لم] يسمع [شيئا، فلا يصدق في حقه حقيقة الاستعمال الذي هو جنس مذكور في حدى الحقيقة والمجاز، فلا يتصور أنه في دلالة اللفظ ألبتة، وكذلك إذا فسرنا دلالة اللفظ، يكون اللفظ بحيث إذا أطلق أفهم أو بإفهامه بالفعل، فإن هذين المعنيين غير نطق اللافظ باللفظ، فإنهما ضبط اللفظ، والاستعمال صفه اللافظ، ولا يصدق على اللفظ أنه

стр. 484

يستعمل للفظ، كما يصدق على المتلفظ ذلك؛ ولأن كون اللفظ بحيث يفهم إذا نطق به ثابت للفظ قبل النطق والاستعمال، والثابت قبل اللفظ غيره. البحث الثاني عشر في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل ، فإنها تلتبس على كثير من الناس، وهي متعلقة بما نحن فيه والحاجة إليها ماسة، فالوضع في اصطلاح العلماء يقال بالاشتراك على ثلاثة معان: أحدها: جعل اللفظ دليلا على المعنى كتسميه الولد زيدا، ومنه وضع اللغات. وثانيها:] غلبة استعمال اللفظ في المعني [حتى يصير أشهر فيه من غيره، وهذا هو وضع الحقائق الشرعية، والعرفية، فإن حملة الشريعة لم يجتمعوا في موضع واحد، أو زمان واحد، وقالوا: نتفق على تسمية] النقص [والقلب، والعكس، وغير ذلك من أسماء] العبادات [. كما اتفقوا على تسمية الاعتكاف للبث الخاص، والموالاة والترتيب للصفتين الخاصتين في الطهارات. وكذلك لم يجتمع أهل العرف على جعل اللفظ للدابة بإزاء الحمار أو غيره، بل كثر الاستعمال في هذه المعاني وهجر غيرها، حتى صار لا يفهم إلا هي، فهذا معني الوضع فيها. وثالثها: أصل الاستعمال، ولو مرة واحدة، وهو المراد بقول العلماء: من شرط المجاز الوضع أو ليس من شرطه ذلك، خلاف، ومرادهم بالوضع أنه

стр. 485

لا بد أن يسمع من العرب النص بذلك النوع من المجاز، ولو مرة واحدة] ولا يسمون النطق مرة واحدة [وضعا إلا في هذا الموضع. وأما الاستعمال: فهو إطلاق اللفظ وإرادة مسماه بالحكم،] وهو [الحقيقة أو غير مسماه لعلاقة بينهما، وهو المجاز. والحمل: اعتقاد السامع مراد المتكلم من اللفظ. فمعني قول العلماء: أن الشافعي ﵁ حمل قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾] البقرة: ٢٢٨ [على الأطهار أي] اعتقد [مراد الله -تعالى- من الآية وأن أبا حنيفة ﵁ حمل الآية على الحيض أي: اعتقد أن هذا مراد الله - تعالى- من الآية فيؤول الحمل إلي دلالة اللفظ. فتلخص أن الوضع السابق، والحمل لاحق، والاستعمال متوسط، وأن المستعمل والحامل معلومان، والواضع مجهول على الخلاف في ذلك، وأن كل واحد منها يتأتي منه الاستعمال والحمل، ويتعذر منه الوضع، فهذه فروق ثلاثة بين الوضع والآخرين. (تنبيه) قوله: اللزوم الخارجي غير معتبر ؛ لأن الجوهر والعرض متلازمان، ولا يستعمل اللفظ الدال على أحدهما في الآخر، هذا من التباس دلالة الفظ بالدلالة باللفظ؛ فإن الاستعمال هو الدلالة باللفظ، والاستعمال شيء يترتب عليه الفهم أو الإفهام على المذاهب المتقدمة، بل ينبغي أن يقول: هما متلازمان في الخارج، ولا يدل لفظ أحدهما على الآخر، فالاستعمال قد يكون فيما له

стр. 486

دلالة، وقد يكون في المجملات التي هي قسيم الألفاظ الدالة، وقد يكون فيما ليس موضوعا، ولا مجازا كقوله: اسقني الماء، ويريد الطلاق، وإذا وجد الاستعمال بدون الدلالة كان غيرها على أي مذهب فسرت الدلالة، وما علمت أحدا قال: الدلالة هي الاستعمال، بل جميع الناس يقولون: هذا اللفظ لا دلالة له على كذا، واللفظ الفلاني يدل عليه مع اشتراك اللفظين في الاستعمال. واتفقت الأمة على سلب الدلالة عن بعض الألفاظ المستعملة. ثم قوله: (لا يستعمل لفظ أحدهما في الآخر) ممنوع بل يجوز أن يستعمل أحدهما في الآخر، وما المانع من ذلك لاسيما وهما متلازمان عقلا، والملازمة مجوزة للاستعمال. وهذا أول المواضع التي دخل الخلل فيها بسبب التباس الدلالة باللفظ بدلالة اللفظ، وهي نحو ثلاثين موضعا في الكتاب، وأنا أنبه على كل موضع أصل إليه إن شاء الله تعالى. تقرير قوله: والضدان متنافيان، وقد يستعمل لفظ أحدهما في الآخر، كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾] الشورى: ٤٠ [. في هذه الآية أربعة مذاهب: فقيل: هو من باب إطلاق الضد على الضد كما قال؛ لأن الأحكام الشرعية أضداد لا يجتمع منها حكمان في شيء واحد باعتبار واحد، ويمكن ارتفاعهما بعدم الشرعية ألبتة بعدم البعثة، والجناية حرام، والقصاص مباح، فسمى القصاص سيئة بناء على ما ذكره المصنف. وهو مفرع على قاعدة وهى: أن كل متكلم له عرف في لفظ إنما يحمل لفظه على عرفه، وصاحب الشرع له عرف في لفظ السيئة، وهى المعصية، فتحمل الآية عليها، فيتعين ما قاله المصنف.

стр. 487

وقيل: الجميع حقيقة ملاحظة للغة؛ لأن العقوبة تسوء الجاني، كما ساءت الجناية المجني عليه. وقيل: هو من باب إطلاق لفظ السبب على المسبب؛ لأن الجناية سبب العقوبة. وقيل: من باب مجاز المشابهة؛ لأن القصاص يشبه الجناية في أنهما قتل أو قطع، ففي وجه المجاز ثلاثة مذاهب والقول بالحقيقة، فصارت أربعة مذاهب. (سؤال) قال النقشوانى: إن أراد بقوله: من حيث هو جزؤه ، واحترازه من وضع لفظ الكل للجزء أن دلالة التضمن يستحيل حصولها على تقدير الوضع للجزء، أو اللازم؛ لأن المفهوم بالمطابقة] والأصالة [يستحيل فهمه تبعا؛ لأن الفهم بعد الفهم تحصيل الحاصل، فحينئذ شرط دلالة التضمن عدم الوضع، إن أراد هذا فهو صحيح، وان أراد أن الدلالتين يحصلان فلابد من التمييز بينهما بالحيثية، فهو باطل؛ لأن حصول أحدهما يمنع الأخرى؛ لأن الذي يفهم أصلا لا يفهم تبعا لئلا يلزم تحصيل الحاصل. جوابه: أن الشيء قد يفهم، وينسب فهمه إلى جهتين، ولا يلزم تحصيل الحاصل؛] لأن هنا [معلومان ودليلان؛ لأن كونه جزءا غير كونه كلا للمسمى، وإذا تغايرت المفهومات كانت معلومات استفيدت من نسبتين للفظ، فينسب إلى اللفظ بكونه جزء مسماه، وينسب إليه نسبة أخرى بأنه كمال مسماه، ولا محال في شيء من هذا كله.

стр. 488

(سؤال) اللفظ الدال هو قسيم لغير الدال ، وعدم الدلالة إما لعدم الوضع، أو الإجمال، كما تقول: لفظ (القراء) ولا يدل على خصوص] الطهر [، ولفظ (العين) لا يدل على خصوص الذهب، وإذا كان الدال قسيم المجمل سقط] اعتباره [، واحتراز الإمام فإنه على تقدير وضع لفظ الكل للجزء أو المسمى للازمه يصير اللفظ مشتركا لا دلالة له ألبتة لا على جزء، ولا على كل، ولا لازم، وإذا انتفت الدلالة مطلقا انتفت أنواعها التي هي المطابقة، والتضمن، والالتزام. ولا يبقى اعتبار حينئذ لدلالة اللفظ لجزئه، ولا لكله، فلا يتمكن السائل من قوله: قد اعتبرت دلالة اللفظ بالنسبة إلى جزء مسماه، وليست تضمنا حتى يحتاج إلى دفعه بقوله: (من حيت هو جزؤه)، وبهذا السؤال يظهر لك أن اللفظ الموضوع أعم من كونه له دلالة، بل قد يكون، وقد لا يكون، لكنها إذا كانت لا تخرج عن الثلاث، وهو ما قسم الدلالة إلا إذا وجدت، فلا جرم] لم أورد عليه [اللفظ المجمل على الدلالة لما أوردت تلك الأسئلة السبعة؛ لأنه غير متجه، ويظهر لك أيضا هذا السؤال أن الاستعمال غير الدلالة؛ فإن الألفاظ المجملة مستعملة مع انتفاء الدلالة عنها. (تنبيه) إذا كان اللفظ مشتركا بين الكل والجزء لا يكون مجملا في (الجزء) ، والكلام في سياق النفي لوجوب ثبوت الجزء مع ثبوت الكل، ووجوب

стр. 489

انتفاء الكل قطعا حالة النفي، ويبقى مجملا في مقابلتهما، ولا يتم مثل هذا في اللازم والملزوم، غير أن سياق الثبوت يقتضى ثبوت اللازم قطعا. وأما النفي] فمجمل وهذا [ينتفع به صاحب الكتاب نفعا يسيرا، وفى التحقيق غير نافع، فإن هذا لزوم عقلي، ولا يلزم أن يكون الواقع مرادا للمتكلم، فالدلالة على المراد منفية جزما. (تنبيه) زاد سراج الدين فقال: استدلاله بملازمة الجوهر والعرض ، وعدم استعمال لفظ أحدهما في الآخر ضعيف؛ إذ دلالة اللفظ غير استعماله، ولأنه استدلال بانتفاء الشيء مع تحقق غيره على عدم اعتبار ذلك الغير ....). وتقرير آخر كلامه، أما أوله فمفهوم مما تقدم أن الإمام استدل بانتفاء الاستعمال مع تحقق الملازمة الخارجية على عدم اعتبار الملازمة الخارجية، وهو غير منتج؛ لأنه جاز أن يكون ذلك المتحقق معتبرا في ذلك المعدوم، وانتفى لانتفاء سببه؛ فإن وجود الشرط لا يلزم منه وجود المشروط، فلا يلزم عليه نقض، إنما يحسن ذلك في السبب، فإنه إذا عدم مسببه مع وجوده دل ذلك على عدم سببه، إذ لو كان سببا للزم النقض عليه، ومثل هذا لا يرد في الشرط. هذا تقرير كلامه، وهو غير وارد على الإمام؛ لأن للإمام أن يقول: الملازمة وان كانت شرطا، لكن الإطلاق سبب، فإذا وجد الإطلاق فقد وجد السبب، والشرط أيضا موجود، فيثبت الحكم جزما، فلما لم يوجد دل] ذلك [على أن الملازمة الذهنية هي المعتبرة، ولا يقال: لم لا

стр. 490

يجوز أن يكون المعتبر هو المجموع؟ لأنه لو كان كذلك لكانت حيث وجدت الملازمة الذهنية مع الإطلاق لا تحصل دلالة الالتزام لعدم حصول الملازمة الخارجية، لكنها حصلت، فدل ذلك على عدم اعتبار الملازمة الخارجية، ولا شك أن مجرد الاستدلال بعدم المشروط على عدم اعتبار الحاصل شرط ليس كافيا، ما لم] تنضم [هذه المقدمات، فمناقشته من حيث الجملة واردة، وتندفع بزيادة ما ذكرناه. وقوله في (المركب ..... إلى تقسيم المفرد) فيه ثلاثة مباحث: البحث الأول لم قسم الدال بالمطابقة دون الدال بالتضمن والالتزام ، مع أن الثلاثة صفات للفظ؟ جوابه: إنما فعل ذلك؛ لأنه] لو [قسم الدال بالتضمن والالتزام، لم يعم الألفاظ بهذا الحكم؛ لأنه كان يخرج الألفاظ الموضوعة للبسائط التي ليست لها لوازم بينة، وإذا قسم الدال بالمطابقة اندرج تحت حكمه جميع الألفاظ الموضوعة، فكذلك] أخبار [التقسيم فيه. (سؤال) قسم الدال بالمطابقة إلى مفرد ومركب ، مع أنه يعتقد أن المركبات غير موضوعة لقوله: المجاز المركب عقلي، ولا يستقيم ذلك إلا بناء على عدم وضع المركبات على ما هو مقرر في موضعه هناك، وإذا لم تكن المركبات موضوعة لا تثبت فيها دلالة المطابقة أصلا، فيتناقض الموضعان، وليس له جواب إلا أنه فرع على المذهب الآخر في أن المركبات موضوعة، والمسألة فيها قولان للعلماء.

стр. 491

البحث الثاني جزء اللفظ على أربعة أقسام: دال حالة الإفراد فقط، والتركيب. وغير دال فيهما. ودال حالة الإفراد فقط،] ودال [حالة التركيب فقط. فالأول: كزيد من قولنا: زيد قائم، فإنه يدل على زيد أفردته أو ركبته مع قائم. والثاني: كـ (جع) من جعفر لا يدل إن أفردته أو ركبته مع (فر)؛ لأن الدال حينئذ هو المجموع لا (جع) من حيث هو (جع). والثالث: كـ (إن) من (إنسان) فإنك إن أفردتها دلت على الشرط، وإذا ركبتها مع (سان) ويقال: إنه اسم بلد لم يفهم الشرط حينئذ، وكذلك (أب) اسم الولد، (كم) اسم استفهام عن عدد، وإذا ركبتها وقلت: أبكم؟ لم يفهم الولد، ولا العدد. ودال حالة التركيب دون الإفراد. وقال بعض الفضلاء: إنه غير موجود إلا في حروف المعاني البسيطة نحو: (كاف) التشبيه، و (لام) التمليك، و (باء) الإلصاق، ونحو ذلك فإنك إذا ركبتها، وقلت: زيد كالأسد دلت الكاف على التشبيه، و (اللام) على الملك، وإذا أفردتهما لا يدلان على شيء، وهذا بخلاف حروف المعاني المركبة نحو (ليت) و (إن)، فإنها تدل على ما وضعت له أفردت أو ركبت.

стр. 492

إذا تقررت أقسام جزء اللفظ، فيندرج في حد المركب منه قسمان، ويحرج قسمان يندرجان في حد المفرد. البحث الثالث لم قيدها هنا بلفظ (حين) وفى دلالة التضمن، بـ (حيث) ؟ وهل يتصور العكس أو التسوية؟ وجوابه: أن كل واحد منهما متعين لموضوعه. أما حيث، فلأن جهة كون الجزء كمال المسمى أو جزؤه، وجهان فيه، والوجهان مكانان مجازيان، ولذلك عبر عنهما بـ (حيث) لا بـ (حين)؛ لأن الخمسة جزء العشرة دائما، سواء وضع لها لفظ العشرة على سبيل الاشتراك أم لا. وأما في باب المفرد والمركب، فإن الدلالة انقسمت بحسب أزمنة التركيب، دون الإفراد، والأزمنة والأحوال يعبر عنها بـ (حين) دون (حيث)، إذ لا معنى للمكان في الأزمان. (سؤال) إذا سمى إنسان ولده بحيوان ناطق، فجزء هذا اللفظ كان دالا قبل هذا الوضع على جزء هذا المعنى؛ لأن كل جزء من اللفظ يدل على جزء في المعنى، فـ (حيوان) يدل على جنسه، و (ناطق) على فصله، والوضع الثاني لم يبطل الوضع الأول، فيبقى الوضع الثاني يدل جزؤه على جزء المعنى، وهو يبطل حد المفرد والمركب لاتفاقهم على أن جميع الأعلام مفردات، وهذا علم فيكون مفردا وهو قد اشترط في المفرد عدم الدلالة، وهذا دال، فيكون حد المفرد غير جامع، ويبطل حد المركب لاندراج هذا فيه وهو مفرد، وكذلك يتصور النقض من كل حد جعل علما لبعض أشخاص

стр. 493

أنواعه، ولهذا السؤال قال] أفضل [الدين الخونجى: المركب هو الذي يقصد بجزئه الدلالة على بعض ما يقصد به، وهذا العلم لا يقصد بجزئه الدلالة على بعض معناه، والمفرد هو الذي لا يقصد بجزئه الدلالة على بعض معناه، فاندفع النقض عن الحدين، غير أنه بـ (يقصد) يحتمل دخول الاستعمال المجازى فيه، فإن القصد كما] يتصور في الاستعمال الذي هو حقيقة [يتصور في الاستعمال الذي هو مجاز، فينبغي أن يزاد فيه، فيقال: هو الذي يقصد بجزئه جزء معناه من جهة الوضع الأول احترازا من المجاز،] فإنه وضع ثان [على رأي، والبحث في هذا المقام إنما هو في الدلالة الناشئ عن الوضع الأول، وهى لا تتصور إلا في الحقيقة. (سؤال) على قوله: وإما أن يدل على أحد أجزائه دون الآخر، وهو غير موجود؛ لأنه يكون ضما لمهمل إلى مستعمل. قلت: بل هو موجود، فإنا إذا قلنا: (خنفشار مهمل) كان هذا مركبا؛ لأنه مبتدأ وخبر، والمبتدأ والخبر مركب إجماعا، وأحد] جزأيه [موضوع وهو قولنا: مهمل، والآخر غير موضوع، وهو (خنفشار)، بل يتصور مهملا بجزئيه ويقع التركيب والضم، ويكون كلاما عربيا؛ لأن من قواعد العرب أن الشيئين إذا اشتركا في صفة جعلوا أحدهما خبرا عن الآخر، فيقولون: أبو يوسف أبو حنيفة لاشتراكهما في الفقه، وزيد زهير شعرا، وحاتم جودا ونحو ذلك، فلذلك يقول: خنفشار شيصبان، أي أنهما اشتركا

стр. 494

في صفة الإهمال، كما شارك زيد زهيرا في الشعر، وسائر النظائر، فهذا كلام عربي مبتدأ وخبر، وجزآه مهملان، وهذا تمثيل النقض في المركبات. ومثاله في المفردات قولهم: أحيا وأحيان، وأوفا وأوفان ومعا ومعالين إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة إذا استقرأته، مع أن الأول موضوع لمعنى، وضموا إليه لفظا آخر مهملا، ووضعوا الجميع لمعنى آخر، فقد ضموا المهمل للمستعمل في المفردات، كما تقدم تمثيله في المركبات، فالنقوض واردة مطلقا، وهذا القسم الأخير هو أولى بالإيراد عليه، فإنه قم الدال بالمطابقة، وهو ظاهر في المفردات، وإن أمكن وقوعه في المركبات بناء على أن العرب وضعتها، وأن المركب يدل بالمطابقة على المركب، كما يدل المفرد، وإنما بدأت بإيراد المركب لقوله: إن ضم المستعمل للمهمل محال. قال النقشوانى: لا يلزم من عدم دلالة اللفظ في حالة أن يكون مهملا، أو غير دال بانفراده أن يكون مهملا؛ فإن كاف التشبيه وغيرها من حروف المعاني البسيطة لا تدل منفردة، وهى بعض الحالات، وكونه غير واقع لا يوجب اطراحه؛ لأنه ممكن، كما قلنا في دلالة اللفظ نتحدث فيها على الممكن وقع أم لا؟ (تنبيه) مقتضى ما تقدم من القواعد يقتضى أن الفعل المضارع مركب ؛ لأن جزءه يدل على جزء المعنى حين هو جزؤه، أو يزاد على اختلاف] الحروف [، فإن حروف المضارعة تدل على المتكلم، والمخاطب، والغائب، وبقية الكلمة تدل على المصدر والزمان.

стр. 495

وكذلك الصفات المؤنثة نحو: قائمة، وذاهبة، فإن التاء تدل على التأنيث في الموصوف وبقية الكلمة. وكذلك التنوين يدل على التنكير في بعض الصور نحو قولنا: رأيت إبراهيم، وإبراهيما آخر، فالثاني منون منكر، والتنوين دليل تنكيره. وكذلك حرف المبالغة في (فعيل)، و (فعال) و (مفعال)، و (فعول)، نحو: رحيم، ووهاب، ومعطاء، وغفور، فإن حروف المبالغة التي فيها تدل على جزء المعنى المقصود، وقس على ذلك نظائره. (فائدة) قال الخونجى أفضل الدين ﵀: المركب يسمى مؤلفا وقولا ، وفرق بعض المتأخرين بين المركب والمؤلف. فقال: المؤلف: هو ما يدل جزؤه، ولكن لا على جزء المعنى، وهو أحد أنوع المفرد عند المتقدمين كـ (بعلبك) فإن جزأه (بعل) يدل على الزوج، وليس مقصودا في البلد الذي هذا اللفظ اسمه. قوله: (المفرد إما أن يمنع نفس تصور معناه من الشركة، وهو الجزئي إلى قوله: وهو العرضي. مثال الجزئي: مسميات أعلام الأشخاص كلها. وقولنا: (أعلام الأشخاص) احترازا عن أعلام الأجناس كـ (أسامة)، ونحوه فإن مسمياتها كلية، ومعني منع الشركة أنه لا يمكن أن يقال ذلك] الشخص [على اثنين من ذلك الشخص بما هو ذلك الشخص. فإن قلت: يمكن أن يخلق الله -تعالى- مثله، فيصير ذلك الشخص مقولا عليهما.
следующие страницы →