Полный текст (4 032 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
البحث الثاني
جزء اللفظ على أربعة أقسام:
دال حالة الإفراد فقط، والتركيب.
وغير دال فيهما.
ودال حالة الإفراد فقط،] ودال [حالة التركيب فقط.
فالأول: كزيد من قولنا: زيد قائم، فإنه يدل على زيد أفردته أو ركبته مع قائم.
والثاني: كـ (جع) من جعفر لا يدل إن أفردته أو ركبته مع (فر)؛ لأن الدال حينئذ هو المجموع لا (جع) من حيث هو (جع).
والثالث: كـ (إن) من (إنسان) فإنك إن أفردتها دلت على الشرط، وإذا ركبتها مع (سان) ويقال: إنه اسم بلد لم يفهم الشرط حينئذ، وكذلك (أب) اسم الولد، (كم) اسم استفهام عن عدد، وإذا ركبتها وقلت: أبكم؟ لم يفهم الولد، ولا العدد.
ودال حالة التركيب دون الإفراد.
وقال بعض الفضلاء: إنه غير موجود إلا في حروف المعاني البسيطة نحو: (كاف) التشبيه، و (لام) التمليك، و (باء) الإلصاق، ونحو ذلك فإنك إذا ركبتها، وقلت: زيد كالأسد دلت الكاف على التشبيه، و (اللام) على الملك، وإذا أفردتهما لا يدلان على شيء، وهذا بخلاف حروف المعاني المركبة نحو (ليت) و (إن)، فإنها تدل على ما وضعت له أفردت أو ركبت.
стр. 492
إذا تقررت أقسام جزء اللفظ، فيندرج في حد المركب منه قسمان، ويحرج قسمان يندرجان في حد المفرد.
البحث الثالث
لم قيدها هنا بلفظ (حين) وفى دلالة التضمن، بـ (حيث) ؟ وهل يتصور العكس أو التسوية؟
وجوابه: أن كل واحد منهما متعين لموضوعه.
أما حيث، فلأن جهة كون الجزء كمال المسمى أو جزؤه، وجهان فيه، والوجهان مكانان مجازيان، ولذلك عبر عنهما بـ (حيث) لا بـ (حين)؛ لأن الخمسة جزء العشرة دائما، سواء وضع لها لفظ العشرة على سبيل الاشتراك أم لا.
وأما في باب المفرد والمركب، فإن الدلالة انقسمت بحسب أزمنة التركيب، دون الإفراد، والأزمنة والأحوال يعبر عنها بـ (حين) دون (حيث)، إذ لا معنى للمكان في الأزمان.
(سؤال)
إذا سمى إنسان ولده بحيوان ناطق، فجزء هذا اللفظ كان دالا قبل هذا الوضع على جزء هذا المعنى؛ لأن كل جزء من اللفظ يدل على جزء في المعنى، فـ (حيوان) يدل على جنسه، و (ناطق) على فصله، والوضع الثاني لم يبطل الوضع الأول، فيبقى الوضع الثاني يدل جزؤه على جزء المعنى، وهو يبطل حد المفرد والمركب لاتفاقهم على أن جميع الأعلام مفردات، وهذا علم فيكون مفردا وهو قد اشترط في المفرد عدم الدلالة، وهذا دال، فيكون حد المفرد غير جامع، ويبطل حد المركب لاندراج هذا فيه وهو مفرد، وكذلك يتصور النقض من كل حد جعل علما لبعض أشخاص
стр. 493
أنواعه، ولهذا السؤال قال] أفضل [الدين الخونجى: المركب هو الذي يقصد بجزئه الدلالة على بعض ما يقصد به، وهذا العلم لا يقصد بجزئه الدلالة على بعض معناه، والمفرد هو الذي لا يقصد بجزئه الدلالة على بعض معناه، فاندفع النقض عن الحدين، غير أنه بـ (يقصد) يحتمل دخول الاستعمال المجازى فيه، فإن القصد كما] يتصور في الاستعمال الذي هو حقيقة [يتصور في الاستعمال الذي هو مجاز، فينبغي أن يزاد فيه، فيقال: هو الذي يقصد بجزئه جزء معناه من جهة الوضع الأول احترازا من المجاز،] فإنه وضع ثان [على رأي، والبحث في هذا المقام إنما هو في الدلالة الناشئ عن الوضع الأول، وهى لا تتصور إلا في الحقيقة.
(سؤال)
على قوله: وإما أن يدل على أحد أجزائه دون الآخر، وهو غير موجود؛ لأنه يكون ضما لمهمل إلى مستعمل.
قلت: بل هو موجود، فإنا إذا قلنا: (خنفشار مهمل) كان هذا مركبا؛ لأنه مبتدأ وخبر، والمبتدأ والخبر مركب إجماعا، وأحد] جزأيه [موضوع وهو قولنا: مهمل، والآخر غير موضوع، وهو (خنفشار)، بل يتصور مهملا بجزئيه ويقع التركيب والضم، ويكون كلاما عربيا؛ لأن من قواعد العرب أن الشيئين إذا اشتركا في صفة جعلوا أحدهما خبرا عن الآخر، فيقولون: أبو يوسف أبو حنيفة لاشتراكهما في الفقه، وزيد زهير شعرا، وحاتم جودا ونحو ذلك، فلذلك يقول: خنفشار شيصبان، أي أنهما اشتركا
стр. 494
في صفة الإهمال، كما شارك زيد زهيرا في الشعر، وسائر النظائر، فهذا كلام عربي مبتدأ وخبر، وجزآه مهملان، وهذا تمثيل النقض في المركبات.
ومثاله في المفردات قولهم: أحيا وأحيان، وأوفا وأوفان ومعا ومعالين إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة إذا استقرأته، مع أن الأول موضوع لمعنى، وضموا إليه لفظا آخر مهملا، ووضعوا الجميع لمعنى آخر، فقد ضموا المهمل للمستعمل في المفردات، كما تقدم تمثيله في المركبات، فالنقوض واردة مطلقا، وهذا القسم الأخير هو أولى بالإيراد عليه، فإنه قم الدال بالمطابقة، وهو ظاهر في المفردات، وإن أمكن وقوعه في المركبات بناء على أن العرب وضعتها، وأن المركب يدل بالمطابقة على المركب، كما يدل المفرد، وإنما بدأت بإيراد المركب لقوله: إن ضم المستعمل للمهمل محال.
قال النقشوانى: لا يلزم من عدم دلالة اللفظ في حالة أن يكون مهملا، أو غير دال بانفراده أن يكون مهملا؛ فإن كاف التشبيه وغيرها من حروف المعاني البسيطة لا تدل منفردة، وهى بعض الحالات، وكونه غير واقع لا يوجب اطراحه؛ لأنه ممكن، كما قلنا في دلالة اللفظ نتحدث فيها على الممكن وقع أم لا؟
(تنبيه)
مقتضى ما تقدم من القواعد يقتضى أن الفعل المضارع مركب ؛ لأن جزءه يدل على جزء المعنى حين هو جزؤه، أو يزاد على اختلاف] الحروف [، فإن حروف المضارعة تدل على المتكلم، والمخاطب، والغائب، وبقية الكلمة تدل على المصدر والزمان.
стр. 495
وكذلك الصفات المؤنثة نحو: قائمة، وذاهبة، فإن التاء تدل على التأنيث في الموصوف وبقية الكلمة.
وكذلك التنوين يدل على التنكير في بعض الصور نحو قولنا: رأيت إبراهيم، وإبراهيما آخر، فالثاني منون منكر، والتنوين دليل تنكيره.
وكذلك حرف المبالغة في (فعيل)، و (فعال) و (مفعال)، و (فعول)، نحو: رحيم، ووهاب، ومعطاء، وغفور، فإن حروف المبالغة التي فيها تدل على جزء المعنى المقصود، وقس على ذلك نظائره.
(فائدة)
قال الخونجى أفضل الدين ﵀: المركب يسمى مؤلفا وقولا ، وفرق بعض المتأخرين بين المركب والمؤلف.
فقال: المؤلف: هو ما يدل جزؤه، ولكن لا على جزء المعنى، وهو أحد أنوع المفرد عند المتقدمين كـ (بعلبك) فإن جزأه (بعل) يدل على الزوج، وليس مقصودا في البلد الذي هذا اللفظ اسمه.
قوله: (المفرد إما أن يمنع نفس تصور معناه من الشركة، وهو الجزئي إلى قوله: وهو العرضي.
مثال الجزئي: مسميات أعلام الأشخاص كلها.
وقولنا: (أعلام الأشخاص) احترازا عن أعلام الأجناس كـ (أسامة)، ونحوه فإن مسمياتها كلية، ومعني منع الشركة أنه لا يمكن أن يقال ذلك] الشخص [على اثنين من ذلك الشخص بما هو ذلك الشخص.
فإن قلت: يمكن أن يخلق الله -تعالى- مثله، فيصير ذلك الشخص مقولا عليهما.
стр. 496
قلت: خلق مثله مسلم، غير أنه إذا وجد مثل زيد مثلا في جميع أحواله لا يسميه أحد زيدا، بل يقال: هذا لا يعرف اسمه،] وهذا عرف اسمه [كما أنه لو سمى البياض الذي في ثوب عمر خنفشار لا يطلق أحد على البياض الذي في ثوب عمر خنفشار إلا أن يوضع للبياض من حيث هو بياض، وسر ذلك أن المثلين يجب أن يكون تعيينهما غير مشترك بينهما بالضرورة، وإلا لكان أحدهما عين الآخر وبطل التعدد، وإذا لم يكن حاصلا للآخر، فلم يوجد المسمى بكماله في المثال الآخر، فلذلك لم يصح إطلاق لفظ الأول عليه بخلاف أسماء المعاني الكلية، وجد جميع المسمى بعينه في المحل الآخر، فلذلك أطلق عليه الاسم من غير احتياج لوضع آخر، فهذا هو معنى قول العلماء: إن الجزئي لا يقبل الشركة، أي من حيث تعيينه، وإلا فخلق الأمثال ممكنة، وهو سؤال صعب ينبغي أن يتفطن لهذا الجواب عنه.
(تنبيه)
لا يلزم من قولنا في الكلي: إنه لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه قبوله لها؛ فإن حاصل كلامنا عزل تصوره عن إفادة الشركة؛ لأنا قلنا: تصوره] يفيد [الشركة، ولا يلزم من عزل شيء عن إفادة شيء كونه قابلا لذلك الشيء، كما نقول: تصور الواحد بما هو تصوره لا يفيدنا أنه يمتنع عليه أنه خمس عشر] الشيء [بل إنما نعلم امتناع ذلك بمقدمات حسابية زائدة على تصوره، فما لزم من عزل تصوره عن إفادة ذلك قبوله له.
إذا تقرر أنه قد يقبل الشركة، وقد تكون مستحيلة عليه في نفس الأمر،
стр. 497
فنقول:] الكلى قد [لا يقبل الوجود كالمستحيل، وقد يقبله ولم يوجد كبحر من زئبق، وقد يكون موجودا، ويستحيل تعدده، كواجب الوجود] [، وقد يقبل التعدد، ولم يتعدد كالشمس، وقد يتعدد كالإنسان فهذه خمسة، وعادة أهل المنطق يعدونها ستة تقسيمهم المتعدد إلى متناهي العدد، وغير متناهية، لكن غير المتناهي إنما هو بناء على حوادث لا أول لها، وقدم العالم، ونحن لا نقول به، فلذلك تركت القسم السادس.
(تنبيه)
مسمى الشمس كلي، بخلاف مسمى زيد؛ لأنه لو طلعت شموس عديدة سميت كل واحدة شمسا من غير احتياج لوضع] جديد [وذلك دليل على أن لفظ زيد لم يوضع لكلى، وأن لفظ الشمس وضع لكلى، فلذلك أطلق على ما يوجد لوجود المسمى فيه.
(تنبيه)
ينقسم الكلى إلى ما انحصر نوعه في شخصه الشمس والقمر، وإلى ما ينحصر كالحيوان، تمثيل الأنواع الأخيرة كالإنسان والفرس ونحوهما كلية، وكل واحد منهما ليس جزء غيره، فهو كمال ماهية، وكل جنس كالحيوان أو الجسم أو النامي، أو فصل كالناطق أو الحساس جزء ماهية؛ لأنه جزء النوع المركب للنوع من الجنس والفصل، والضاحك بالقوة، أو الكاتب بالقوة خارج عن الماهية.
стр. 498
(فائدة)
ألفاظ السؤال في اللغة عشرة:
(ما)، (وما هو) يسأل بهما عن كمال الماهية، و (أي) عن المميز، و (كيف) عن الحال، و (من) عن الشخص، و (هل) عن الوجود، و (متى) عن الزمان، و (أين) عن المكان، و (كم) و (كأين) عن العدد، وجواب كل لفظ ما وضع له ذلك اللفظ، فإذا قيل: أي شيء الإنسان؟] فلا تقول [: حيوان ناطق،] بل قل: ناطق فقط؛ لأنه مميزه، وإذا قيل: ما هو الإنسان أو ما الإنسان [؟ فقل: حيوان ناطق؛ لأنه كمال الحقيقة، وإذا قيل: متى السفر؟ فقل: غدا، ولا تقل: أمامك، وإذا قيل: أين زيد؟ فقل: أمامك، ولا تقل: غدا، وكذلك بقيتها.
الماهية والمائية هي الحقيقة منسوبة إلى لفظها الذي يسأل به عنها، والياء فيها للنسب، فالماهية منسوبة إلى (ما هو) والمائية منسوبة إلى ماء، فزيد عليها الهمزة ليصح النسب في لفظه، والمئوية هي الحقيقة منسوبة إلى لفظ هو، فانه كما يسأل عن كل حقيقة بما يخبر عن كل حقيقة معبرا عنها هو، فيقال: من القائم؟ فيقول: هو زيد، ومن الحيوان الناطق؟ فيقول: هو الإنسان، فالماهية والمائية النسبية فيهما للفظ الاستفهام، والمائية للفظ خبري، فهذه حقائقها وأصولها.
(تنبيه)
قسم المصنف اللفظ المفرد إلى جزئي وكلي ، فجعل الجزئي والكلي من ألقاب الألفاظ، وسيجعله بعد هذا من ألقاب المعاني، وقد نص في
стр. 499
(الملخص) أن الجزئي والكلي يقال بالذات للمعاني، وبالعرض للألفاظ، فيعلم أن تقسيمه هذا، وجعله الجزئي والكلي للفظ إنما هو مجاز، وتوسع كما ذكره في (الملخص).
(فائدة)
قال الإمام في (الملخص) وغيره: الفرق بين المقول في جواب (ما هو) ، والمقول في طريق (ما هو)، والداخل في جواب (ما هو)، فالأول تمام الجواب، والثاني جزؤه إن دل عليه لفظ المطابقة، والثالث جزؤه المدلول بالتضمن.
الحيوان الناطق الأول.
والثاني: الناطق وحده.
والجسم الثالث.
(فائدة)
قال الإمام في (الملخص): الذاتي له ثمانية مسميات:
الأول: المحمول] وهو [الذي يكون موضوعه يستحق أن يكون موضوعا، نحو: الإنسان أبيض؛ لأن الموصوف الأصل أن يكون هو المبتدأ الموضوع، ويسمى موضوعا بالذات، وبإزائه المحمول بالعرض.
الثاني: المحمول بالذات، نحو الحجر أو زيد متحرك يقابله المتحرك بالعرض نحو الجالس في] السفينة [.
الثالث: حمل الأعم على الأخص، نحو: الإنسان حيوان يقابله المحمول بالعرض، نحو: بعض الحيوان إنسان.
стр. 500
الرابع: ما لا يكون بينه وبين الموضوع واسطة، نحو: سطح أبيض يقابله المحمول بالعرض على ما يكون بينهما واسطة، نحو: جسم أبيض.
الخامس: إذا كان المحمول تقتضيه ذات الموضوع بالطبع، نحو: الحجر متحرك إلى أسفل، عكسه متحرك إلى فوق.
السادس: ما لا يفارق الموضوع في حال.
السابع: الجزء للماهية.
الثامن: الذي يلحق الموضوع لا لأمر أعم، نحو: الحيوان متحرك، أو أخص نحو: الحيوان ضاحك، والضابط في الجميع ما هو اخص بالماهية، ولكن مراتب الخصوص متفاوتة، والياء فيه] للنسب [أي: هو منسوب إلى الذات.
(تنبيه)
قال النقشواني: كلامه يشعر بانحصار الجزئي والكلي، في المفرد ، وليس كذلك، بل قد يكون المركب جزئيا، كقولنا: هذا الإنسان وهذا الفرس، وقد يكون كليا كقولنا: الحيوان جنس، والإنسان نوع، فتقسيم مطلق اللفظ إليهما أولى من تقسيم المفرد ليشمل المركب.
وقوله: (الماهية إما أن تكون ماهية شيء واحد ...) إلى قوله: (وأما الذاتي).
تقرير الأجوبة ثلاثة بحسب الخصوصية وبحسب الشركة، وبحسبهما، فالجواب إن كان لا يقال إلا عن سؤال واحد فهو الخصوصية نحو كل حد مع محدود وكل نوع انحصر في شخص، فإذا قيل: ما الشمس؟ فنقول: الذي يضئ منه العالم، وتغيب لأجله الكواكب، فهذا الجواب لا يصدق في شيء آخر، وإن كان لا يقال إلا جمع بين نوعين فهو الجواب بحسب الشركة نحو ما الإنسان والفرس؟ فيقال: حيوان، ولا يصح هذا الجواب إذا أفرد
стр. 501
أحدهما لأنه حينئذ غير مانع،] والذي يكون بحسبهما أن يجمع بين فردين من نوع سافل [، فيقال: ما زيد وعمر؟ فيقال: حيوان ناطق، وإن أفردت أحدهما فقلت: ما حقيقة زيد؟ فيقال: حيوان ناطق.
وقوله: (إما أن يخالف بعضهما بعضا في شيء من الذاتيات)، يريد بالأجزاء الفصول، مثل الناطق في الإنسان، والصاهل في الفرس، وتمام المشترك بينهما هو الحيوان، وما أعم منه كالنامي والجسم، وهما بعض الحيوان، والأخص منه] في [الفصول المذكورة.
وقوله: (إن ساواه في الماهية فهو هو) معناه: أنه مثل الحيوان في ماهيته هو الحيوان بعينه، كما أن المساوي لتمام ماهية زيد من حيث هو متعين بخصوصها، لا يكون إلا زيدا نفسه، والمساوي للحيوان في اللزوم، دون المفهوم هو فصله نحو (الحساس) والمتحرك بالإرادة.
قوله: (وأما الذاتي ....) إلى قوله: (وأما الوصف الخارجي).
يريد من تلك الأقسام الثمانية الجزء والأقسام هاهنا سبعة أصلها:
النوع: كالإنسان.
والجنس كالحيوان.
وجنس الجنس كالنامي.
وفصل الجنس: كالحساس.
ثم فصل النوع] كالناطق [، وجنس الفصل كالمدرك، فإن الناطق هو
стр. 502
المدرك للعلوم بقوة العقل، فالمدرك جنس له، وتحت هذا الجنس المدرك بالنظر وبالشم وبالسمع، وبقية الحواس والوجدانيات.
والمدرك بالعقل أحد أنواع المدرك، فالمدرك جنس الناطق، وكونه بالعقل فصل الفصل مع أن الكليات أصولها خمسة: النوع، والجنس، والفصل، والخاصة كالضاحك بالقوة، والعرض العام كالماشي، وإنما يكثر بالنظر إلى أجزاء هذه الكليات، والجنس الذي لا جنس فوقه هو الجسم، وليس الجوهر الفرد؛ لأن من ِشرط الجنس عندهم أن يكون محمولا، والجوهر لا يحمل على النبات والجماد، أو غيرهما، فلا يقال: الإنسان جوهر، ولا الموجود؛ لأن الجنس عندهم لا يؤخذ بقيد الوجود، بل ما يقبل أن يوجد، وأن يعدم، أو يتعين أنه الوجود، كالواجب الوجود، أو العدم كالمستحيل، فالوجود عندهم أمر يعرض للأجناس، وليس داخلا فيها فتعين الجسم في هذه المادة، وفى الأعراض المعنى وتحقق] في [كل مادة على حسب حالها.
وقول الفلاسفة: إن رءوس الأجناس عشرة، أمر استقرائي لا حقيقي، فيجوز أقل وأكثر عند أهل الحق، فلذلك أهملت تحقيق المقولات العشرة عند الفلاسفة.
(تنبيه)
قال النقشواني: كلامه يشعر بانحصار الجزئي والكلي، في المفرد لم يكن حصر الجزء في الجنس والفصل، يعنى أن الفصل قد يكون مركبا من شيئين، كفصل الحيوان فإنه انفصل بأنه حساس ومتحرك بالإرادة، فإذا فسرنا الفصل بتمام المميز كان ذلك منطبقا على مجموعهما، وبقى أحدهما لا جنسا لعدم عمومه، ولا فصلا لاشتراط التمام، فلا يثبت الحصر.
стр. 503
(فائدة)
سميت أجزاء العوالي جنس الأجناس ، وأجزاء السافلات نوع الأنواع، لأن الجنسية هي بالعموم، والنوعية هي بالخصوص، والجنس العالي فيه أعم من كل أعم، فدخلت فيه العمومات كلها، فسمى جنس الأجناس، أي أعم العمومات، والنوع السافل فيه كل أخص، فسمى نوع الأنواع، أي أخص من كل خاص
(سؤال)
قال النقشواني: مراده أولا تمام الماهية: إن كان الذي لا تختلف أفراده إلا بالشخص استحال تقسيمه إلى الجزئي الذي هو جنس، وإن أراد الماهية كيف كانت، فكل ماهية كيف كان لها تمام، فكيف يجعل البعض تماما، والبعض ليس تماما.
جوابه: أنه يختار القسم الثاني، والشيء قد يكون تماما بالنسبة إلى] ذاته، وجزءا بالنسبة إلى [غيره كما تقول: العشرة تمام عقد في نفسها وهى جزء العشرين.
(سؤال)
قال النقشواني: فسر الجزء بالجنس والفصل وهو باطل ؛ لأن الجنس والفصل يحملان على النوع، والجزء ليس بمحمول، فلا يقال: العشرة خمسة، ولا البيت سقف
جوابه: أن الجزء أعم مما يحمل، فإن كان] الاتحاد [خارجيا امتنع حمله، وإن كان الاتحاد واقعا في الخارج، والتعدد في الذهن صح الحمل، وكان كل واحد من تلك المتعددات جزءا، كما يتخيل في الذهن، فالسواد كونه عرضا، وكونه لونا، وخصوص كونه سوادا، والجميع في الخارج شيء
стр. 504
واحد، بخلاف البيت والسقف، والتعدد في الخارج والعدد أمور ذهنية، ولكنها ليست متحدة في الخارج، بل لا توجد إلا في الذهن، فالتعدد لازم لها أبدا، ففات شرط صحة الحمل، وهو الاتحاد في الخارج، فلابد منه.
(سؤال)
قال النقشواني: قوله. (إن كان الجزء تمام المشترك، فهو الجنس) يشكل بماهية تركبت من شيئين يشارك بأحدهما حقيقة، وبالآخر حقيقة أخرى، كالإنسان يشارك الفرس في] الحيوان والملك في الناطق [، فإن أخذنا تمام المشترك مطلقا، فهو الإنسان، والإنسان ليس جنسا لنفسه، فحينئذ لابد من تقييد هذا الكلام بحقيقة معينة، ولا يطلق تمام المشترك مطلقا.
قوله: وأما الخارجي ... إلى آخر التقسيم.
ذكر في غير (المحصول) اللوازم ثلاثة منها بوسط، وثلاثة بغير وسط، وبها تصير ستة.
مثالها: الضاحك بالقوة لازم لحقيقة الإنسان بواسطة المتعجب بالقوة، وجعودة الشعر لازمة لزيد، بواسطة لزوم يبس المزاج، وليس هذين لازمين لحقيقة الإنسان لوجودها بدونهما، والوجود في بلاد (السودان) يلزمه السواد في الإنسان، بواسطة لزوم قرب الشمس من رءوس أهل ذلك المكان، عكسه البياض في الصقالب بواسطة بعد الشمس عن رءوس أهله حتى يقال: إنه إذا سكن طائفة من السودان بلاد الصقالبة وتناسلوا كان البطن الثالث الذي هو الذرية الثالثة بيضاء، عكسه إذا سكن الصقالبة بلاد السودان تكون الذرية
стр. 505
الثالثة سوداء؛ لأن النطف تتغير بسبب استيلاء الحر على الأمزجة أو البرد، فهذه مثل ستة: ثلاثة بوسط، وثلاثة بغير وسط.
(فائدة)
قال الإمام فخر الدين في تفسيره الكبير في قوله تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ [ النجم ٤٣]: إن المتحدثين على حقائق الوجود يقولون: إن قوة الضحك تنشا عن قوة التعجب، وليس كذلك، فكم من متعجب لا يضحك، بل ربما حمله التعجب على الحزن، ودوام الصمت والقبض، وقيل: عن الاستغراب، وليس كذلك لما تقدم، فيتعين أن الله -تعالى- هو العالم بسبب ذلك، وأنه الذي أضحك وأبكى.
وتقرير قوله: لابد من الانتهاء إلى غير ذي وسط، وإلا لزم الدور أو التسلسل؛ لأنه لو كان لكل لازم واسطة، ولكل واسطة واسطة، لزم الذهاب إلى غير نهاية، فإن رجعنا إلى بعض ما فارقناه، لزم الدور.
وإن ذهبنا إلى غير النهاية ولم نرجع إلى بعض ما فارقناه لزم التسلسل، فمتى ادعينا أحدهما عينا منع السائل لزومه؛ لجواز أن يكون الواقع القسم الآخر، فيتعين أن يدعى لزوم أحدهما، لا بعينه حتى يتعين اللزوم، وحينئذٍ علينا التعبير بصيغة (أو) دون (الواو، وتمثيل السريع الزوال كصفرة الوجه، وحمرة الخجل، والبطيئ الزوال كالشباب والكهولة.
(فائدة)
قال الفضلاء: الوجل الخوف ، وإذا طرأ سببه على الإنسان هربت النفس، أو الحرارة هربا من المؤذى، فيبقى سطح الجسد خاليا من الدم، فيصفر اللون، وإذا غضب سارت الحرارة إلى خارج الجسم، طلبا للانتصار،
стр. 506
فيكثر الدم في سطح الجسد، ولذلك يحمر اللون، وتمتلئ العروق، والخجل يطرأ عليه السبب المؤلم فيصفر هربا، ثم يراجع نفسه ويثبت، فيرجع طلبا، فكذلك حالة الخجل مترددة بين الصفرة والحمرة.
(تفريع)
قد يجتمع من الكليات الخمسة عدد في حقيقة واحدة ، فالحيوان جنس باعتبار كونه تمام الجزء المشترك بين الإنسان والفرس، وهو عرض عام؛ لأنه خارج عن فصول أنواعه، وقارن أكثر من وحد منها؛ لأن النوع لما تركب من الجنس والفصل، كأن كل واحد منهما داخلا في النوع، خارجا عن حقيقة صاحبه.
ونوع باعتبار النامي؛ لانقسام النامي إلى الحيوان والنبات، فقد اجتمع في الحيوان ثلاثة من الكليات، والحساس فصل باعتبار الحيوان؛ لأنه فصله عن النبات، وعرض عام باعتبار فصول أنواع الحيوان؛ لأنه جزء الحيوان الخارج عنها، وجزء الخارج خارج، فهو خارج وجد في أكثر من حقيقة واحدة، فيكون عرضا عاما، وهو نوع باعتبار المدرك، فإن المدرك ينقسم إلى مدرك بالعقل، ومدرك بالحس، فهذه ثلاثة أشياء، فالحساس والناطق فصل باعتبار الإنسان؛ لأنه فصله عن البهيم، ونوع باعتبار المدرك؛ لأن الناطق هو المدرك للعلوم بالعقل، والمدرك بالعقل أحد أنواع المدرك، وخاصة باعتبار الحيوان؛ لأنه خارج عنه لما تقدم، ولم يوجد في غيره هو شأن الخاصة، وكذلك سائر فصول الحيوان.
وبهذه الطريقة يمكنك تقرير ما يقع لك من الحقائق.
التقسيم الثاني إلى آخره عليه عشرة أسئلة:
الأول: على قوله: (إن لم يستقل معناه بالمعلومية فهو الحرف).
стр. 507
أقول: ظاهر كلامه يقتضى أن معنى الحرف الذي هو مسماه لا يستقل بإفادة معلوم، وهذا ينفى المعلوم مطلقا كان تصورا أو تصديقا، ونعن نعلم بالضرورة أن معنى (ليت) يحصل في أنفسنا معلوما، وهو تعلق الأمل، وكذلك معنى (حتى) الذي هو الغاية يحصل في أنفسنا معلوما، وهو نهاية الشيء وطرفه، وكذلك جميع الحروف، فيؤدى كلامه إلى أن يخرج جميع الحروف من حد الحرف، هذا إن أراد مطلق المعلوم، كما هو ظاهر لفظه، وإن أراد معلوما تصديقيا، فمسلم أن الحرف لا يفيد ذلك، لكن الفعل والاسم أيضا كذلك لا يفيد واحدا منهما إلا التصور، ولا يفيد تصديقيا ألبتة إلا في ألفاظ يسيرة من الأسماء، نحو لفظ الخبر والكلام والقصة والبيان، ونحوها من الألفاظ التي وضعتها العرب للجملة المفيدة، فإن لفظ الخبر لم تضعه العرب إلا لكلام مفيد، فمعناه يفيد معلوما تصديقيا، وعلى هذا تدخل الأفعال، وغالب الأسماء في حد الحرف، وعلى التقديرين يبطل كلامه، سواء أراد معلوما تصديقيا أو تصويريا، وليس لنا معلوما غيرهما.
الثاني: على قوله: (إن دل على الزمان المعين لمعناه، فهو الفعل).
أقول: والتعيين ظاهر في التشخيص الذي يختص بفرد معين، تكون نسبته للأزمان، كنسبة زيد للأشخاص، وليس لنا فعل وضع يدل على زمان شخصي، بل يدل على النوع دون الشخص؛ فإذن الفعل الماضي يدل على أن الفعل وقع في نوع الزمن الماضي، ولا يعين فردا منه، والمضارع وإن دل على الحال، والحال هو الزمن الفرد الحاضر الذي لا يتعدد، لكنه في أصل الوضع لم يوضع إلا لنوع الحال وزمن الحال يرد نوعه على الوجود فردا بعد فرد، فقد يشخص بالاتفاق لا بأصل الوضع، ثم إن كلامه في مطلق الفعل، فلا يكفي فعل الحال في تصحيح كلامه.
стр. 508
الثالث: سلمنا أن المراد بالمعين ما هو أعم من الشخص والنوع بخصوصه، لكن ذلك يبطل بأمور:
أحدها: الصبوح، فإنه يدل على زمن معين بالنوع لمعناه، وهو أول النهار؛ لأن أئمة اللغة قالوا: الصبوح هو الشرب أو النهار.
وثانيها: الغبوق فإنه اسم للشرب آخر النهار، فقد عين لمعناه زمانا بالنوع.
وثالثها: الغدو وهو اسم للحركة أول النهار.
ورابعها: الرواح فإنه اسم للحركة بعد الزوال، قاله العلماء لغة.
وفى قوله تعالى:﴾ غدوها شهر ورواحها شهر ﴿] سبأ: ١٢ [.
أي: مسير ريح سليمان ﵇ في النصف الأول مسيرة شهر، مسيرتها به في النصف الأخير من النهار مسيرة شهر.
وخامسها: المتقدم فإنه يدل على وقوع معناه في الزمن السابق.
وسادسها: المتأخر يدل على وقوع معناه في الزمن اللاحق.
وسابعها: الماضى.
وثامنها: الحال.
وتاسعها: المستقبل، فإن هذه الأسماء الثلاثة تدل على اختصاص معنى، كما في الزمن الماضي، والحال، والمستقبل، فهذه كلها أسماء قد اندرجت في حد الفعل، فيكون غير مانع] فيكون باطلا [.
الرابع: على قوله: (أول لا يدل، وهو الاسم).
стр. 509
يقتضى أن الاسم لا يدل على زمن معين لمعناه، وهو يبطل بالنصوص السبعة المتقدمة في الفعل، فإنها أسماء، وهى تدل، فلا يكون حده جامعا.
وأحسن ما ذكره النحاة في حد الفعل: أنه اللفظ الدال على أحد الأزمنة الثلاثة بصيغته، فقولهم: بـ (صيغته) يخرج تلك النقوض ويعنون بـ (صيغته) كونه على وزن (فعل) أو (يفعل) أو (افعل) أو (لا يفعل)، وتلك النقوض كلها إنما دلت بالحروف والصيغة، لا بالصيغة وحدها.
(تنبيه)
جميع أوضاع العرب وضعت فيها الحروف والصيغة نحو إنسان.
هذه الحروف (تدل كونها على وزن إفعال بكسر الهمزة، إلا الفعل، فإنها وضعت الصيغة للزمان، والحروف للدلالة على المصدر، ويدلك على ذلك أنك إذا جردت الوزن)، فقلت: فعل في نحو ضرب، فهم الزمان بمجرد الوزن، وإذا جردت الوزن في قولك: الماضي والمستقبل، فقلت: الفاعل والمستفعل، لا يفهم الزمان.
فتنبه لهذه الدقيقة، وإن الصيغة وضعت في الأفعال خاصة، وهذا يبطل قول من يقول: الفعل يدل على الزمان تضمنا، بل هو حينئذ مطابقة، فإن الصيغة وحدها للزمان، والحروف وحدها للمصدر، خلافا لمن اعتقد أن المجموع للمجموع.
الخامس: على قوله: إن كان الاسم لجزئي، فإن كان مضمرا، فهو المضمرات، جعل هاهنا الجزئي اسما للمعنى،
وقيل: هذا جعله اسما للفظ، وهذا هو الحقيقة، والأول كان مجازا،
стр. 510
ثم جعل المضمر اسما لجزئي، وهو ليس كذلك، بل مسمى المضمر كلي؛ لأنه لو كان اسما لجزئي لما صدق على شخص آخر إلا بوضع آخر كالعلم، لكن كل متكلم يقول: أنا] ونحن [إلى آخر الدهر من غير احتياج إلى وضع، فدل على أن لفظ (أنا) موضوع لمفهوم المتكلم وكذلك (نحن) و (أنت) وأخواتها لمفهوم المخاطبة، و (هو) وأخواتها لمفهوم الغائب؛ ولأنه لو كان موضوعا لجزئي لما صدق على جزئي آخر إما بطريق المجاز أو الاشتراك.
والأول: باطل، وإلا لافتقر للقرينة، ولصح] سلبه [عن المحل الثاني؛ لأنها من خواص المجاز، وليس كذلك.
والثاني: باطل؛ لأنه يلزم أن يكون اللفظ مشترك بين أمور لا نهاية لها، وهو باطل؛ لأن الوضع فرع التصور؛ ولأنه يلزم أن يكون مجملا؛ لأنه شأن الاشتراك، والمضمرات ليست مجملات.
فإن قلت: لو كان موضوعا لكلي لما دل على الشخص المعين؛ لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص، ولما كان أعرف المعارف؛ لأن الكلي يكون دائرا بين أفراده، وهذا هو كالنكرة؛ لأنها دائرة بين أفراد ذلك الجنس، لكن النحاة جعلوه أعرف المعارف.
قلت: الجواب عن الأول: أن دلالة اللفظ على الجزئي لها سببان:
وضع اللفظ بإزائه، فيدل عليه الوضع لوضعه بإزائه، والثاني أن يوضع
стр. 511
لكلي، ويدل الواقع على حصر ذلك الكلى في ذلك الشخص الجزئي، فيفهم لحصر المسمى فيه، لا للوضع بإزائه، كما نقول:] صاحب مصر [، فيفهم منه الملك الحاضر في ذلك الوقت لحصر الواقع المسمى فيه، لا لأن اللفظ موضوع بإزائه، وكذلك إذا قلنا: الشمس يفهم العرض الموجود بعينه لحصر الواقع المسمى فيه، لا لأن اللفظ موضوع بإزائه؛ لأن لفظ الشمس مسماه كلي، كما تقدم.
وعن الثاني: أنهم سموه أعرف المعارف لفهم الشخص منه السبب المتقدم من حصر الواقع المسمى فيه، ولم يصر شائعا لذلك، فإذا ظهر أن مسماه كلي لم يبقى إلا العلم.
السادس: قال الشيخ تقي الدين: اللفظ الموضوع للكلية كصيغ العموم مسماه كل فرد، بحيث لا يبقى فرد، وهذا المسمى يمتنع أن يقع منه اثنان، ضرورة استيفاء الأول لجميع أفراد تلك المادة، وإذا امتنع أن يقع منه اثنان امتنع قبوله للشركة، فهو جزئي بالتفسير الذي فسره أن الجزئي ما يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه، فحينئذ أحد الأمرين لازم. إما أن يكون لفظ الجزئي ثلاثة، إن صح كلامه في المضمرات، أو اثنين: العلم وصيغة العموم.
(فائدة)
والمضمر هو اللفظ المحتاج في تفسيره للفظ ، يجوز أن يكون منفصلا عنه ملفوظا، أو معلوما، أو قرينة تكلم، أو خطاب.
فقولنا: (اللفظ) احترازا عن أسماء الإشارة؛ فإنها محتاجة لفعل من الإشارات.
стр. 512
وقولنا: (منفصلا) احترازا عن الموصولات؛ فإنه يحتاج في بيانها للفظ متصل بها هو، وصلتها، وعائدها، ويجب اتصاله بها، بخلاف اللفظ المفسر للمضمر لا يجب اتصاله به، بل يعود الضمير على كلام متقدم تقدما كبيرا.
وقولنا: (ملفوظا أو معلوما)، يشمل أنواع اللفظي؛ فإنه قد يكون ملفوظا به نحو زيدا أكرمته، وقد لا يذكر أصلا؛ لأنه يكون معلوما كقوله تعالى:﴾ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴿] القدر: ١ [، فإنه يعود على القرآن، ولم يتقدم له ذكر غير أنه معلوم، وكذلك قوله تعالى:﴾ حتى توارت بالحجاب ﴿] سورة ص: ٣٢ [، فاعل (توارت) ضمير يعود على الشمس، ولم يتقدم لها ذكر، غير أنها معلومة.
والضمير مشتق إما من الضمور لصغر لفظه، كقوله: فرس مضمر إذا صغر جوفه من قلة العلف والسمن، ومنه ضمور العين أي صغرها، أو من الضمير الذي هو الفؤاد؛ لأنه كناية عن شيء أضمر في النفس، وهو زيد في قولك: زيدا أكرمته، فكان الأصل أن يقول: زيدا أكرمت زيدا، لكنك أضمرت زيدا، وكنيت عنه بالهاء، فكان زيدا خرج في حلية الهاء، فهو مضمر، والمضمرات أصلها ستون، وتصل إلى مائة وخمسين بالتفريع، وذلك مبسوط في كتب النحو.
والعلم: هو اللفظ الموضوع لجزئي كزيد، مشتق من العلامة؛ لأنه علامة على ذلك الجزئي.
تقرير:
اسم الجنس عند العرب ما كان موضوعا لماهية كلية اختلف ما تحتها بالحقيقة، بخلاف المنطقيين لا يسمون جنسا؛ بل نوعا إلا ما اختلف ما تحته
стр. 513
بالحقيقة كالحيوان، فإن تحته الإنسان والبهيم، وهما مختلفان، والإنسان لا يسمونه جنسا لأن ما تحته يختلف بالعدد فقط، بخلاف العرب يسمونه جنسا، ولذلك قال ﵊: (إذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم) يجعل الحنطة والفول جنسين، وكذلك بقيتها.
السابع: على قوله: (الموضوع] لموصوفية [أمر بصفة هو المشتق، يشكل بالضمرات، فإن) أنا) و (نحن) موضوع لمفهوم المتكلم، و (أنت) و (أنت) و (أنتم) موضوعة للمخاطب، و (هو) و (هي) و (هم) موضوعة للغائب، فهذه موضوعة لموصوفية بالتكلم، والخطاب والغيبة، وليست مشتقات، وكذلك المبهمات، نحو هذا وهؤلاء، و (تلك) و (ذلك) موضوعة لموصوفية أمر ما يكون مشارا إليه، وليست مشتقات اتفاقا، بل يشترط في المشتقات أمر زائد، وهو كون صيغته فيها حروف أصلية، وهى حروف مصدر من المصادر نحو: ضارب، أو معنى من المعانى نحو: أسود من السواد، ومتى فقد هذا لا يكون مشتقا، وهو الذي دل عليه حده للمشتق حيث قال الميداني: المشتق هو أن توجد بين اللفظين مشاركة] في المعنى والتركيب [، فيرد أحدهما إلى الآخر،] ومتى فقد هذا لا يكون مشتقا، وهو الذي دل عليه حد المشتق [.
الثامن: على هذا الموضع أيضا أن المشتق ليس مسماه الموصوفية، بلى الذات تفيد الموصوفية، فإنا إذا قلنا: عالم، فمعناه ذات مالها العلم،
стр. 514
فقولنا: لها العلم هي الموصوفية، وهو جزء مدلول عالم، والجزء الآخر الذي عرضت له هذه الموصوفية، وقد صرح هو بهذا بعد هذا في مسائل الاشتقاق، فقال: مدلول المشتق مركب، والمشتق منه مفرد، ووجود المركب بدون المفرد محال.
تقرير قوله: إن مدلول الضارب مجهول، بحسب دلالة هذا اللفظ.
معناه: أن العقل دل على أن الموصوف بهذه المعاني ليس معنى لاستحالة قيام العرض بالعرض، وأنه يجب أن يكون مستقلا بنفسه غنيا عن المحل، فإن كان المعنى من عوارض الأجسام، كالضرب يجب أن يكون متحيزا، وهذا شيء لا يفيده اللفظ، بل العقل، ثم إذا كان متحيزا يعلم بدليل آخر أنه زيد، أو غيره لا باللفظ المشتق.
التاسع: على قوله: (إن المسمى قد يكون نفس الزمان، كلفظ الزمان واليوم والغد) فإنه مشكل؛ لأن الزمان موضوع لمطلق الزمان، وإما اليوم فمسماه أخص من مطلق الزمان، لأنه موضوع للزمان الذي أنت فيه، بقيد كونه نصف دورة الفلك، فمسمى اليوم يصدق عليه الزمان، لا أنه نفس الزمان، وكذلك الغد اسم لما هو اخص من مطلق الزمان؛ لأنه اسم لليوم الذي بعد يومك بقيد كونه نصف دورة الشمس، وأنه معدوم لم يأت بعد، فهو شيء يصدق عليه الزمان، لا أنه مطلق الزمان.
العاشر: على قوله في الاصطلاح: (إن أحد أجزائه الزمان، ولذلك يتطرق إليه التصريف) فإنه كلام غير معقول، فإنه إن أراد أنه يكون منه فعل، نحو: اصطبح يصطبح، فهذا التصريف لم ينشا عن كون أحد أجزاء مدلوله الزمان؛ لأن كل مصدر نحو الضرب والعلم، ونحوهما تنصرف منها الأفعال، وليس الزمان جزء مدلولها، فلا مدخل لكون الزمان جزء مدلول الاصطباح في التصريف.
فقوله: (ولهذا يتطرق إليه التصريف) لا يعقل، وان أراد بالتصريف غير تصرف الماضي والمستقبل منه، فلا أعرفه.
стр. 515
(تنبيه وفائدة عظيمة)
وهو أنه ترك ما كان ينبغي له أن يذكره وهو علم الجنس ، فإنه ذكر علم الشخص لتحديده إياه بما يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، وعلم الجنس لا يمنع تصور معناه من الشركة.
والفرق بينهما في غاية العسر، فإن (أسدا) اسم جنس (وأسامة) علم جنس، وكلاهما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة، ويصدق على كل أسد في الخارج اللفظان أنه أسد، وأنه أسامة، وأسامة علم جنس؛ لأنهم منعوه من الصرف بالتأنيث والعلمية، وليس شيء مع التأنيث غير العلمية فتعينت، ولذلك نص عليه النحاة.
ومن ذلك: أبو براقش لطائر يتلون، وأبو قيرة لضرب من الحيات يشبه السهم القصير طوله شبر، وبنت طبق دابة تدور على صفة الطبق.
وقيل: إنها تنام سبعة أيام، فإذا انتبهت حين تنفسها تموت، وإذا أخذها الرجل يحسبها سوارا، فإن رماها وهى نائمة سلم، وان انتبهت في يده مات.
وثعالة علم للثعلب، والثعلب اسم جنس، وابن مفرض طائر بطنه أحمر، وسائره اسود، وليس له اسم جنس غير العلم فقط، وحمار قبان دويبة ملساء سوداه، وهو علم، ليس له اسم، ونقل صاحب (المفصل)
стр. 516
منها عددا كبيرا، وفسرها اللغويون، وكان الشيخ شمس الدين الخسروشاهى ورد الديار المصرية، وكان يحرك هذه المثلة، ويطلب الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس، فما كان يجد من يجيبه، وكان يزعم أنه لا يعرف تحقيق هذا الموضع في الديار المصرية إلا هو، ولم أر أنا من يعرفه، وكان يذكر الفرق لطلبته، ونقلته عنه، وها أنا أذكره فأقول:
الوضع مسبوق بالتصور، فلا يضع الواضع لشيء حتى يتصوره، فإذا وقعت صورته في ذهنه، فتلك الصورة هي فرد مشخص من أفراد تصورات تلك الحقيقة، بدليل أن تلك الصورة تعقبها الغفلة، ثم تأتى بعدها صورة أخرى، فتتوالى الأمثال على الذهن، وتتخللها الغفلات؛ ولأنه يكون في ذهننا تلك الصورة بعينها، فهي مثل لتلك الصورة التي في نفس الواضع، فصارت لتلك الصورة أمثال باعتبار الصور الواردات على ذهن الواضع، وباعتبار النفوس العددية، إذا تقرر أن تلك الصورة فرد من أفراد تصورات تلك الحقيقة، وكل فرد من الأمثال هو متشخص متعين في نفس الواضع، كشخص زيد في الخارج الذي هو فرد من أفراد الإنسان، وهذه الصورة الشخصية فيها عموم وخصوص، فعمومها كونها صورة تلك الحقيقة كالأسد مثلا الذي هو قدر مشترك بين التصورات المتعلقة بتلك الحقيقة.
وخصوصها هو بعينها وتشخيصها، فإن وضع لها الواضع من حيث عمومها، فهو اسم جنس، وإن وضع لها من حيث هي مشخصة، وهو خصوصها فهو علم جنس؛ لأنه وضع للعموم والخصوص، كما وضع علم الشخص لعموم الإنسان مثلا، وخصوص كونه زيدا ذلك الشخص المتشخص، فتلخص فرقان:
أحدهما: بين اسم الجنس وعلمه باعتبار دخول الخصوص في التسمية في علم الجنس، وخروجه عن اسم الجنس.
وثانيهما: الفرق بين علم الجنس، وعلم الشخص أن علم الجنس هو الموضوع للعموم بقيد التشخص الذهني، وعلم الشخص موضوع للعموم
стр. 517
الخارجي، بقيد التشخص الخارجي، فهذا تحرير الفرقين بين المعاني الثلاثة فتأمله.
فإذا قلت: إذا كان مسمى علم الجنس صورة ذهنية مشخصة، فكيف انطبقت على ما لا يتناهى من الجزئيات؛ فإن الجزئي لا ينطبق على كثيرين بالضرورة.
قلت: هذه الصورة الجزئية لما أخذت في الذهن أخذت بقيد كونها المشترك بين تلك الأشخاص الكثيرة، فلذلك انطبق عليها كل مشترك بين أشياء ينطبق عليها، فكانت هذه الصورة كلية من هذا الوجه، وجزئية من حيث أخذها بقيد الشخص.
(تنبيه)
ينبغي أن يتفطن لهذه المباحث لمعنى قول النحاة: إن أجمع وجمعاء وغدوة وبكرة إذا قصد بها زمن معين أنها معارف مع صدقها على ما لا يتناهى، من ذلك النوع أن الواضع وضع لتلك الحقائق بقيد التشخص الذهني، فهي أعلام أجناس، فلذلك امتنع صرفها، وإلا إذا قيل لك: كيف تصير النكرة معرفة بالقصد؟ مع أنه لا يكاد يطلق يقول: رأيت رجلا، أو اشتريت عبدا، أو أنفقت مالأ، ونحو ذلك إلا ويريد في نفسه معنى من ذلك الجنس واللفظ نكرة إجماعا، فكيف صارت غدوة وبكرة معرفة في اللفظ بمجرد القصد، فلا جواب إلا أن يرجع إلى المباحث المتقدمة.
فنقول: العرب وضعت لفظ نكرة وضعين:
أحدهما: لمطلق نكرة، فهذا اسم جنس نكرة.
والوضع الثاني: لنكرة بقيد تشخصها بزمان معين في مطلق ذلك التعين، وأخذت معه الشخص الذهني، فكان هذا الوضع علم جنس، فإنها لو اقتصرت على تعين النكرة الذي هو قدر مشترك بين سائر المعينات كان نكرة أيضا: لأن إضافة الكلى يحصل المجموع كليا، فيصير نكرة.
стр. 518
قلنا: ولو حصل من القيود ألف قيد، ألا ترى أن لفظ إنسان نكرة مع أنه جسم كما تقدم نام حي حساس ناطق، ولم تخرجه كثرة القيود عن التنكير، فحينئذ لا بد من الشخص الذهني فيندفع الإشكال.
وكذلك في جمع وجمعاء وسحر إذا أريد به يوم معين، وكذلك سموا الشيح (شيحان) والميرة بيرة، والفجور تفجار وفى الأعداد ستة ضعف ثلاثة وثمانية ضعف أربعة، وأربعة نصف ثمانية، والأوزان التي يوزن بها، فيقولون: سكران فعلان، وطلحة فعلة، وأفضل أفعل، فيمنعون الصرف للعلمية مع سبب آخر مع صدق هذه المثل كليا على ما لا يتناهي، ومن لم يفهم المباحث السابقة لم يفهم هذه المواضع في كلام العرب.
فإن قلت: إذا قلتم: إن علم الجنس في هذه الأمثلة كلها وضع الصورة المتشخصة في الذهن، فكيف صدقت تلك الصورة المتشخصة على جميع الصور الخارجية؟ وإنما تصدق من حيث عمومها، لا من حيث خصوصها.
قلت: بل تصدق من حيث الخصوص أيضا لابد إذا تصورت في ذهنك صورة الأسد، فهذه الصورة خاصة، وأنت تجدها في نفسك تنطبق من حيث هي على كل أسد، كما إذا انطبع في مرآة صورة شجرة، فأنت تجدها تنطبق على كل شجرة من ذلك النوع، وذلك الشكل، وإن كان عددا غير متناه، وكذلك إذا صورتها في حائط تجدها تنطبق على ما لا يتناهى من ذلك النوع، وذلك الشكل، فكذلك إذا كانت الصورة، فتأمل ذلك، ولذلك إذا أخذت مقدارا من الماء في الخارج، فإنك تجده ينطبق على كل مقدار من الماء من ذلك النوع.
(التقسيم الثالث: .... إلى قوله: وأما المركب).
(تنبيه)
اعلم أن المتواطئ هو اللفظ الموضوع لمعنى كلى مستو في محاله،
стр. 519
فقولنا: (كلي) احتراز من العلم، و (مستو) احتراز من المشكك، واشتقاقه من التواطؤ الذي هو التوقف. قال الله تعالى:﴾ إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله، زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين ﴿] التوبة: ٣٧ [.
أي: يوافقوا عدد الشهور الحرم، في كونها أربعة، فيغيرون شهرا بشهر، ليعلموا الأربعة، فيوافقوا في العدد، وإن خالفوا في المعدود.
والمشكك هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي، مختلف في محاله بجنسه. فقولنا: (كلي) احترازا من العلم، و (مختلف في محاله بجنسه) احترازا من المتواطئ، فإنه مختلف في محاله بغير جنسه، واشتقاقه من الشك؛ لأنه شك الناظر فيه، هل هو متواطئ أو مشترك؟ فمن حيث هو يطلق على المختلفات يشبه أن يكون مشتركا، ومن حيث مسماه واحد كلي يشبه أن يكون متواطئا فيحصل الشك؟ فسمي مشككا بكسر الكاف اسم فاعل.
قال السهروردى في (المطارحات): أسباب التشكيك ثلاثة:
أحدها: الكثرة والقلة، كلفظ النور كثر مسماه في الشمس، وقل في السراج.
وثانيها: إمكان التغير، واستحالته كالوجود، ويصدق على الوجود الواجب، وهو يستحيل عليه التغير، ويصدق على الوجود الممكن، وهو قابل التغير والزوال والعدم والفناء، فالوجود الواجب كالشمس، والممكن كالسراج.
] وثالثها: الاستغناء والافتقار كالوجود، فإنه يصدق على العرض المفتقر للمحل، وعلى الجوهر الغنى عن المحل، فالجوهر كالشمس، والعرض كالسراج [.
стр. 520
(سؤال)
المشكك لا حقيقة له ، بل هو إما متواطئ، أو مشترك؛ لأنا نفرض نور الشمس مثلا مائة جزء، ونور السراج عشرة أجزاء، فقد اشتركا في العشرة، وامتازت الشمس بالزيادة، والسراج بعدمها، فلفظ النور إن كان وضع للمشترك الذي هو العشرة، فهو متواطئ قطعا؛ لأن العشرة لم يختلف فيها بالضرورة، وإنما وقع الخلاف بزيادة غير العشرة، وكل متواطئ فقد اختلف في محاله بغير المسمى، كالحيوان اختلف في الإنسان والحشرات اختلافا شديدا بأمور خارجية عن مفهوم الحيوان.
فإما أن يكون الجمع مشككا، أو الجمع متواطئا، وإن كان الوضع وقع في المشكك للقدر المشترك بقيد الزيادة في الشمس، وقيد عدمها في السراج، وهذان مجموعان متباينان، فاللفظ مشترك ضرورة.
جوابه: أن الاصطلاح وقع في المشكك، فاختلف في محاله بجنسه، فإن الشمس خالفت السراج بزيادة هي نور، وإن وقع الاختلاف بغير الجنس سمى متواطئا.
والمتباينة مشتقة من البين الذي هو الفراق، والتباين الذي هو التباعد، ولما كان مسمى هذا غير مسمى هذا، وإن اجتمعا في محل واحد، نحو زيد متكلم فصيح، فزيد اسم ذاته، ومتكلم اسم صفته، وفصيح اسم صفة صفته.
والسيف اسم للحديدة، والمهند اسم نسبته للهند، والصارم اسم صفه قطعه في أنه غاية في القطع، ومنه صرم الحبل أي حله بالكلية.
والمرادفة: هي اللفظان فأكثر وضعا لمسمى واحد، باعتبار واحد، مشتقة من رديفي الدابة، شبه اجتماع اللفظين على معنى واحد، باجتماع الراكبين على دابة واحدة.
وقوله: (إن اتحد اللفظ، وتعدد المعنى، ونقل عن الأول) مراده بالنقل،
стр. 521
ليس النقل العرفي، بل النقل] الاصطلاحي [اللغوي، وهو التحويل؛ لأنه قسم إلى المجاز المرجوح الذي لم يوجد فيه النقل العرفي، ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركا بين الأقسام، فدل ذلك على أن مراده النقل اللغوي؛ لأن اللفظ لما وضع لمعنى، ثم استعمل في غيره، فكأنه قد حول من موضع لموضع على سبيل المجاز عن التحويل اللغوي، وهو من مجاز التشبيه، وإلا فالتحويل على اللفظ محال؛ لأن الأصوات لا تبقى زمنين، وما لا يقبل البقاء لا يقبل التحويل.
ثم قوله: (إن كان النقل لا لمناسبة فهو المرتجل) هذا التفسير لم أر أحدا ساعده عليه، بل نص الزمخشري وغيره على أن المرتجل هو اللفظ الذي لم يسبق بوضع وهو قد اشترط الوضع عكس ما قالوه
قال شرف الدين بن التلمسانى: إنه لم يوافقه أحد من النحاة، ومختصرات (المحصول) تابعته، وسيف الدين في (الإحكام) حيت فسر المرتجل بما فسره هو به، ولعله تابعه؛ لأنه بعده في التصنيف، وإن عاصره في الزمان، والظاهر أن هذا التفسير غير جيد؛ لأنه لم يضعه اصطلاحا لنفسه، وإنما تعرض في هذا التفصيل كله لبيان اصطلاح النحاة من المنقول، والعلم، والحقيقة، والمجاز، فكلها اصطلاحات العلماء المتقدمين.
وقد أكثرت المطالعة في هذا الموضع، فلم أجد إلا ما أخبرتك به.
قوله: (والمرتجل) قال صاحب كتاب (الزينة): المرتجل وأنشد هذه القصيدة ارتجالا مأخوذ من الرجل لما كان الواقف على رجل واحدة لا يتمكن من الفكر، فسمى الشعر الذي ليث قبله فكر مرتجلا، ولذلك شبه به اللفظ الذي لم يسبق بوضع مرتجلًا.
стр. 522
(تنبيه)
كل مجاز راجح منقول ؛ لأنه برجحانه صار حقيقة عرفية، أو شرعية، وليس كل منقول مجازا راجحا؛ لأن النقل قد يقع لا عن علاقة، كما ينقل لفظ جعفر اسما للولد الخاص.
ونقل المتكلمون لفظ الجوهر عن النفس في اللغة إلى الجوهر الفرد الذي هو في غاية الخسة، ولا يرى ولا ينتفع به، فالعلاقة حينئذ بينهما منفية، فهو ليس بمجار لعدم العلاقة، وإذا انتفى أصل المجاز امتنع أن يكون مجازا راجحا، وكذلك لفظ الذات موضوع لغة للصحبة، فيقال لحقيقة الشيء: ذات أي: حقيقة، والحقيقة يستحيل فيها أن يكون لها صحبة، فالعلاقة منفية، فأصل المجاز منفي كما تقدم، فحينئذ المنقول أعم من المجاز الراجح، وكلامه ظاهر يقتضى أن كل منقول مجاز، وليس كذلك كما رأيت، فإن نسبت المنقول إلى أصل المجاز كيف كان، كان كل واحد منهما أعم وأخص من الآخر من وجه؛ لوجود المجاز بدون المنقول في المجاز المرجوح، والمنقول بدون المجاز في الجوهر، والذات، ونحوهما، ويجتمعان معا في المجاز الراجح فهما كالحيوان، والأبيض، وضابط الأعم والأخص من وجه أبدا أن يوجد كل واحد منهما وحده ومع الآخر.
(فائدة)
قال صاحب (المفصل): النقل إما عن مفرد أو مركب.
والمفرد إما عن اسم عين مستقلة نحو: جعفر؛ لأنه النهر الصغير] وأسد وعجل [، أو اسم معنى، نحو: فضل] وإياس [، أو صفة نحو: الحارث] والعباس [، أو فعل إما ماض نحو شمر، أو أمر نحو: اصمت، أو مضارع: نحو: يزيد، ويشكر وتغلب، أو عن صوت نحو (به).
стр. 523
والمركب إما عن اسمين ليس بينهما إسناد، ولا إضافة نحو: بعلبك، (ورام هرمز) أو بينهما إضافة نحو: عبد مناف وعبد الله، أو بينهما إسناد نحو: تأبط شرا، وشاب قرناها، واسم وصوت نحو سيبويه، ونفطويه، وعمرويه.
(فائدة)
يتحقق من النقل أن الحقائق أربعة، والمجازات أربعة.
حقيقة لغوية وشرعية.
وعرفية عامة: وهى التي اجتمع عليها الناس كلهم أو جمهورهم.
وحقيقة خاصة: وهى التي اختصت ببعض الفرق، كاصطلاح الفقهاء على النقض، والفرق، والكسر، وغير ذلك، والنحاة على المبتدأ والخبر والجار والمجرور، والمتكلمون على الجوهر والعرض، وكل واحدة من هذه الأربعة إذا كان اللفظ فيها حقيقة في شيء، ثم استعمل في غيره كان مجازا بالقياس إليها، فلفظ الصلاة في اللغة الدعاء، ونقل للأفعال المخصوصة، فإذا استعمل في الدعاء كان مجازا باعتبار الحقيقة الشرعية، ولفظ (الدابة) إذا استعمل في مطلق ما دب كان مجازا بالقياس إلى الحقيقة العرفية، وكذلك سائرها، فيحصل لنا أربع حقائق، وأربعة مجازات.
قوله: (وان لم تكن دلالة اللفظ على المنقول إليه أقوى سمى بالنسبة إلى المنقول إليه مجازا).
عليه ثلاثة أسئلة:
الأول: أنه قسم المنقول إلى المنقول، والشيء لا يقسم لنفسه.
فإن قلت مراده بالنقل في المقسم النقل اللغوي، والمقسم إليه النقل العرفي.
قلت: هذا وإن كان مشكلا من حيث كونه أصوليا، فينبغي ألا يتحدث إلا
стр. 524
باصطلاح عرف الأصوليين، فإنه وإن سلم فقد قسمه إلى المجاز الخفي، وليس في المجاز الخفي إلا النقل اللغوي، فيلزم المحدود المتقدم.
الثاني: أنه قسم اللفظ إذا كثرت معاينة واتحد هو إلى المجاز الخفي، والمجاز الخفي لا يصدق عليه أنه معنى اللفظ، فإن الاصطلاح على أن معنى اللفظ، ومدلوله، ومسماه واحد، والمجاز ليس مسمى، فلا يصح تكثير المعاني بالمجاز، بل لا يكون لهذا اللفظ إلا معنى واحد، وهو الحقيقة فقط.
الثالث: المجاز والحقيقة من أسماء استعمال اللفظ، لا من أسماء اللفظ، فاللفظ من حيث هو لفظ لا يسمى حقيقة، ولا مجازا، وإن سمي علما، ومضمرا، ومتواطئا، ومشككا وغير ذلك وأما حقيقة ومجازا فلا يصح إلا أن يضمر مضافا محذوفا تقديره يسمى استعمالا بالنسبة إلى الخفي مجازا، وإلى المنقول عنه حقيقة.
(فائدة)
قال الإمام فخر الدين في كتاب (المحرر) قولنا: معنى وزنه مفعل ، وهو اسم الزمان، والمكان، والمصدر.
والمراد هاهنا اسم مكان الغاية، أي: الموضع الذي قصده، وعناه الواضع بالوضع فهو مكان الغاية، فسمى معنى لذلك، فبهذا يظهر أن المجاز لا يسمى معنى اللفظ، وعليه سؤال وهو أن الغاية في الغائي، لا في المعنى، فمكانها قلب الواضع لا المسمى، فلا يصح هذا التعليل؛ لأن تسميته معنى من باب مجاز التشبيه.
تقرير ذلك: أن الغاية هي الإرادة، ولها نسبتان:
نسبة لمحلها، وهي نسبة الموصوفية، والمريدية، ونسبة لمتعلقها، ويسمى
стр. 525
التعلق، فشبهت إحدى النسبتين بالأخرى، فسمى المراد معنى لهذه العلاقة، وهى مشابهة إحدى النسبتين للأخرى.
وقوله: (إن كانت إفادة اللفظ لهما على السوية سمى اللفظ بالنسبة إليهما مشتركا) يرد عليه أن كل مشترك مجمل والمجمل لا دلالة، والدلالة هي الإفادة، فلا يستقيم قولنا: إنه أفادتهما على السواء؛ لأن الواقع حينئذ عدم الإفادة مطلقا.
(تنبيه)
وقع في بعض النسخ يسمى (مشتركا بالنسبة إلى كل واحد منهما، ومجملا بالنسبة إليهما)، والصحيح (مشتركا بالنسبة إليهما، ومجملا بالنسبة إلى كل واحد منهما)؛ لأن الشركة من الأمور النسبية، فلا يصدق على الدار أنها مشتركة بالنسبة إلى زيد وحده، بل لابد من آخر معه في تلك الدار، والإجمال يرجع إلى عدم الفهم، وعدم الفهم يمكن نسبته إلى واحد، فيقال: زيد لم يفهم من اللفظ، فلذلك تعينت النسبة للشركة، والإفراد بقولك: لكل واحد منهما الإجمال.
(فائدة)
قوله: (لأن كون اللفظ موضوعا لهذا وحده معلوم) - عليه مناقشة؛ لأن التقدير أن اللفظ مشترك، والمشترك ما وضع لأحد مسمياته وحده، بل ينبغي أن يقول: كون هذا مسمى، فأما معلوم، فيصرح بالتمام دون الوحدة.
قوله: (وإن كانت] دلالة [اللفظ بالنسبة إلى أحد مفهوميه أقوى، سمي بالنسبة إلى الراجح ظاهرا وإلى المرجوح مؤولا) - عليه مناقشة؛ لأن المعنى المؤول لا يفهم من اللفظ؛ لأنه المجاز مع الحقيقة، والخصوص مع العموم، بل السامع يخبر بأنه غير مراد، فكيف يحسن أن يسمى أنه فهم من اللفظ؟
стр. 526
بل كان ينبغي أن يقول: بالنسبة إلى احتماليه، أما مفهوماه ويصفهما بأنهما مفهومان، فلا فائدة.
المؤول مشتق من المآل، إما لأنه يئول إلى الظهور إن عرض له دليل، أو لأن الفعل آل إلى تجويزه بعد فهم الظاهر، والثاني أولى؛ لأنه تسمية له باعتبار ما هو موصوف به الآن، فإطلاق المشتق عليه من المآل حقيقة.
وأما الأول فإنه تسمية له باعتبار ما هو قابل له من عروض الدليل المرجح، وقد يحصل وقد لا يحصل، والأصل عدم حصوله، فيكون من باب تسمية العنب خمرا، فيكون مجازا، والحقيقة أرجح من المجاز.
تقرير قوله: (الأقسام الثلاثة الأول مشتركة في عدم الاشتراك، فهي نصوص).
يريد بالثلاثة: اتحاد اللفظ والمعنى، وتعدد اللفظ والمعنى، وتعدد اللفظ واتحاد المعنى، فإن هذه المفهومات من حيث هي لا اشتراك فيها، فتكون نصوصا.
(فائدة)
النص له ثلاثة معان في اصطلاح العلماء:
ماله معنى قطعا، ولا يحتمل غيره قطعا، كأسماء الأعداد.
وما يدل على معنى قطعا، ويحتمل غيره كصيغ الجموع في العموم، نحو قوله تعالى﴾ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴿فاقتلوا المشركين﴾ حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم ﴿] التوبة: ٩ [، فإنه لابد في هذه الصيغة من اثنين، وما يدل على معنى كيف كان،
стр. 527
وهو غالب استعمال الفقهاء، فيقولون: نص الشافعي على كذا، ولنا النص، والقياس في المسألة، ونص العلماء في هذه المسألة على كذا، ولا يريدون إلا لفظا دالا كيف كان والأول والثالث في المحصول.
فقوله: (فهي نصوص).
يريد المعنى الثالث، والنص الذي جعله قسيما للظاهر بعد هذا هو الأول، والثاني نص عليه الغزالي في (المستصفى).
(سؤال)
قوله: (إما أن تكون إفادة ذلك اللفظ لهما على السوية فهو المشترك)، مشكل؛ لأن المشترك مجمل، والمجمل لا فائدة له؛ لأن الإفادة هي الدلالة، والدال ضد المجمل، وكذلك تقسيمه اللفظ باعتبار الإفادة إلى المؤول، مع أن المؤول إنما هو احتمال خفي يقتضيه اللفظ ولا يدل عليه، وكذلك تقسيمه إلى الحقيقة والمجاز، والمجاز لا يدل عليه إلا لقرينة.
وكذلك قوله: إما أن تصير دلالته على المنقول إليه أقوى، وصيغة التفضيل إنما تصدق من حيث يصدق المشترك، وهو هاهنا القوة فهي الدلالية.
وكذلك قوله قبل هذا (من حيث هو جزؤه) في (باب الدلالة)، مع أنه إذا صار اللفظ مشتركا بين الجزء والكل يطلب دلالته بالكلية، فتأمل هذه المواضع.
(سؤال)
لا نسلم أن الثلاثة الأول، وهي اتحاد اللفظ، والمعنى، وتعدد اللفظ والمعنى، واتحاد المعنى قد اشتركت في عدم الاشتراك؛ لأن الألفاظ المتباينة لا تمنع الاشتراك نحو لفظ (القرء)، ولفظ (العين)، وهما متباينان لتعدد اللفظ والمعنى، وهما مشتركان، وكذلك الترادف قد يكون مشتركا، فإن
стр. 528
(القرء) مرادف للفظ الحيض والطهر، ولفظ (العين) مرادف للفظ الذهب في الذهب، وللركية في عين الماء، ومع ذلك فهو مشترك.
جوابه: أنه إنما عرض لها الاشتراك لا من جهة أنها مترادفة ولا متباينة، ونحن إنما نمنع عنها الاشتراك من جهة أنها متباينة ومترادفة، وهذه جهة أخرى فلا تضره.
(قاعدة)
التقسيم الذي يسميه أهل المنطق المنفصلة، قد يكون مانع الجمع فقط، وقد يكون مانع الخلو فقط، وقد يكون مانعهما.
فالأول: إذا تركبت القضية من الشيء، وما هو أخص من نقيضه نحو: هذا العدد، إما أقل من ذلك العدد، أو أكثر، فيمتنع اجتماعهما، ويمكن ارتفاعهما، بأن يكون متساويا؛ لأن الأكثر أخص من نقيض الأول؛ لأن ما ليس بأقل يكون أكثر، وقد يكون متساويا.
والثاني: إذا تركبت من الشيء، وما هو أعم من نقيضه.
فقولنا: إما أن يكون زيد في البحر، وإما ألا يعرف، فإن لم يكن في البحر تعين عدم معرفته، وإن انتفى عدم الغرق تعين الغرق، فيكون في الماء جزما، فلا يرتفعان، ويمكن اجتماعهما بأن يكون في البحر، ولا يعرف؛ لأن عدم كونه في البحر أخص من (لا يعرف)، و (لا يعرف) أعم من عدم كونه في الماء؛ لأنه يصدق مع الماء ومع البر، فلو ارتفع لارتفع الشيء، وما هو أعم من نقيضه، ومتى ارتفع ما هو أعم من النقيض ارتفع النقيض؛ لأنه يلزم من نفي الأعم نفي الأخص، فيرتفع النقيضان، وهو محال.
والثالث: إذا تركبت من الشيء والمساوي لنقيضه، كقولنا: العدد إما زوج
стр. 529
أو فرد، فإن عدم الزوج منحصر في الفرد، فلذلك لا يجتمعان، ولا يرتفعان؛ لأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان.
إذا تقرر هذا فاعلم أن التقسيم في هذه الألفاظ، وفي دلالة اللفظ، وفي قولنا: العلم إما تصور، أو تصديق كله يرجع إلى مانعة الخلو فقط، لا مانعة الجمع، ولا مانعتهما؛ لإمكان اجتماعهما كلها، أو أكثرها، كلفظ (العين) مرادف للحدقة، ومباين (للقرء)، ومتواطئ؛ لأن كل مسمى من مسمياته مستوف محاله، وهي مشتركة، فهذه أربعة اجتمعت في لفظة.
وأما التنافي بين العلم، والمتواطئ ونفسهما، ومقصود هذه القاعدة أن تتفطن لدفع الأسئلة عنك] فإن ظاهر التقسيم للقياس بين الأقسام، فيقال لك: هذه الأقسام ليس بينها تناف [كما بين الزوج والفرد، والمتحرك والساكن؛ لأنه السابق إلى الذهن، فنجيب بأن هذه القضية مانعة الخلو فقط.
(فائدة)
النص مأخوذ من وصول الشيء إلى غايته ، من قولهم: نصت الظبية جيدها إذا رفعته.
وفي الحديث كان رسول الله ﷺ : (يسير العنق فإذا وجد] فرجة [نص)، أي: يسير برفق، (فإذا وجد فسحة رفع السير إلى غايته).
فمن لاحظ أعلى مراتب الوصول في الظهور إلى غايته قال: النص المعنى الأول.
стр. 530
ومن لاحظ أصله جعله الثالث.
ومن لاحظ التوسط، قال بالتفسير الثاني من تفاسير النص.
(فائدة)
المجمل مشتق من الجمل الذي هو الخلط، ومنه قول رسول الله ﷺ : (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها).
أي: خلوطها بالسبك، ومنه العلم الإجمالي، أي: اختلط فيه الوجه المعلوم بالوجه المجهول في تلك الحقيقة، والوجه المجمل اختلط فيه على السامع مراد المتكلم بغيره، فلذلك يسمى مجملا.
(سؤال)
قوله: (النص والظاهر يشتركان في الرجحان) .
أقول: الرجحان من الأمور النسبية التي لا تعقل إلا بين راجح ومرجوح.
والتقدير أن النص مدلوله متعين، ولا يحتمل غيره، فلا رجحان حينئذ، كما أن الظن يصدق فيه الرجحان دون العلم لاتحاد الجهة فيه، وإنما الرجحان في الظاهر خاصة لوجود الاحتمالين، ويمكن الجواب عنه أن نقول: إن الإنسان قبل سماع اللفظ كان تجويز النقيضين عنده في كل شيء ممكنا على السواء في الاحتمالين، فلما سمع اللفظ النص ترجح عنده أحدهما الذي هو مدلول النص، حتى امتنع النقيض الآخر، فقد صدق أصل الرجحان في النص من حيث الجملة، كما صدق أصل الرججان في خبر التواتر في أصله، ثم انتهى إلى حد القطع.
وأما أنه مبني على الرجحان، فكان أصله خبرا واحدا، ثم انتهى إلى
следующие страницы →