Полный текст (4 032 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
بل كان ينبغي أن يقول: بالنسبة إلى احتماليه، أما مفهوماه ويصفهما بأنهما مفهومان، فلا فائدة.
المؤول مشتق من المآل، إما لأنه يئول إلى الظهور إن عرض له دليل، أو لأن الفعل آل إلى تجويزه بعد فهم الظاهر، والثاني أولى؛ لأنه تسمية له باعتبار ما هو موصوف به الآن، فإطلاق المشتق عليه من المآل حقيقة.
وأما الأول فإنه تسمية له باعتبار ما هو قابل له من عروض الدليل المرجح، وقد يحصل وقد لا يحصل، والأصل عدم حصوله، فيكون من باب تسمية العنب خمرا، فيكون مجازا، والحقيقة أرجح من المجاز.
تقرير قوله: (الأقسام الثلاثة الأول مشتركة في عدم الاشتراك، فهي نصوص).
يريد بالثلاثة: اتحاد اللفظ والمعنى، وتعدد اللفظ والمعنى، وتعدد اللفظ واتحاد المعنى، فإن هذه المفهومات من حيث هي لا اشتراك فيها، فتكون نصوصا.
(فائدة)
النص له ثلاثة معان في اصطلاح العلماء:
ماله معنى قطعا، ولا يحتمل غيره قطعا، كأسماء الأعداد.
وما يدل على معنى قطعا، ويحتمل غيره كصيغ الجموع في العموم، نحو قوله تعالى﴾ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴿فاقتلوا المشركين﴾ حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم ﴿] التوبة: ٩ [، فإنه لابد في هذه الصيغة من اثنين، وما يدل على معنى كيف كان،
стр. 527
وهو غالب استعمال الفقهاء، فيقولون: نص الشافعي على كذا، ولنا النص، والقياس في المسألة، ونص العلماء في هذه المسألة على كذا، ولا يريدون إلا لفظا دالا كيف كان والأول والثالث في المحصول.
فقوله: (فهي نصوص).
يريد المعنى الثالث، والنص الذي جعله قسيما للظاهر بعد هذا هو الأول، والثاني نص عليه الغزالي في (المستصفى).
(سؤال)
قوله: (إما أن تكون إفادة ذلك اللفظ لهما على السوية فهو المشترك)، مشكل؛ لأن المشترك مجمل، والمجمل لا فائدة له؛ لأن الإفادة هي الدلالة، والدال ضد المجمل، وكذلك تقسيمه اللفظ باعتبار الإفادة إلى المؤول، مع أن المؤول إنما هو احتمال خفي يقتضيه اللفظ ولا يدل عليه، وكذلك تقسيمه إلى الحقيقة والمجاز، والمجاز لا يدل عليه إلا لقرينة.
وكذلك قوله: إما أن تصير دلالته على المنقول إليه أقوى، وصيغة التفضيل إنما تصدق من حيث يصدق المشترك، وهو هاهنا القوة فهي الدلالية.
وكذلك قوله قبل هذا (من حيث هو جزؤه) في (باب الدلالة)، مع أنه إذا صار اللفظ مشتركا بين الجزء والكل يطلب دلالته بالكلية، فتأمل هذه المواضع.
(سؤال)
لا نسلم أن الثلاثة الأول، وهي اتحاد اللفظ، والمعنى، وتعدد اللفظ والمعنى، واتحاد المعنى قد اشتركت في عدم الاشتراك؛ لأن الألفاظ المتباينة لا تمنع الاشتراك نحو لفظ (القرء)، ولفظ (العين)، وهما متباينان لتعدد اللفظ والمعنى، وهما مشتركان، وكذلك الترادف قد يكون مشتركا، فإن
стр. 528
(القرء) مرادف للفظ الحيض والطهر، ولفظ (العين) مرادف للفظ الذهب في الذهب، وللركية في عين الماء، ومع ذلك فهو مشترك.
جوابه: أنه إنما عرض لها الاشتراك لا من جهة أنها مترادفة ولا متباينة، ونحن إنما نمنع عنها الاشتراك من جهة أنها متباينة ومترادفة، وهذه جهة أخرى فلا تضره.
(قاعدة)
التقسيم الذي يسميه أهل المنطق المنفصلة، قد يكون مانع الجمع فقط، وقد يكون مانع الخلو فقط، وقد يكون مانعهما.
فالأول: إذا تركبت القضية من الشيء، وما هو أخص من نقيضه نحو: هذا العدد، إما أقل من ذلك العدد، أو أكثر، فيمتنع اجتماعهما، ويمكن ارتفاعهما، بأن يكون متساويا؛ لأن الأكثر أخص من نقيض الأول؛ لأن ما ليس بأقل يكون أكثر، وقد يكون متساويا.
والثاني: إذا تركبت من الشيء، وما هو أعم من نقيضه.
فقولنا: إما أن يكون زيد في البحر، وإما ألا يعرف، فإن لم يكن في البحر تعين عدم معرفته، وإن انتفى عدم الغرق تعين الغرق، فيكون في الماء جزما، فلا يرتفعان، ويمكن اجتماعهما بأن يكون في البحر، ولا يعرف؛ لأن عدم كونه في البحر أخص من (لا يعرف)، و (لا يعرف) أعم من عدم كونه في الماء؛ لأنه يصدق مع الماء ومع البر، فلو ارتفع لارتفع الشيء، وما هو أعم من نقيضه، ومتى ارتفع ما هو أعم من النقيض ارتفع النقيض؛ لأنه يلزم من نفي الأعم نفي الأخص، فيرتفع النقيضان، وهو محال.
والثالث: إذا تركبت من الشيء والمساوي لنقيضه، كقولنا: العدد إما زوج
стр. 529
أو فرد، فإن عدم الزوج منحصر في الفرد، فلذلك لا يجتمعان، ولا يرتفعان؛ لأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان.
إذا تقرر هذا فاعلم أن التقسيم في هذه الألفاظ، وفي دلالة اللفظ، وفي قولنا: العلم إما تصور، أو تصديق كله يرجع إلى مانعة الخلو فقط، لا مانعة الجمع، ولا مانعتهما؛ لإمكان اجتماعهما كلها، أو أكثرها، كلفظ (العين) مرادف للحدقة، ومباين (للقرء)، ومتواطئ؛ لأن كل مسمى من مسمياته مستوف محاله، وهي مشتركة، فهذه أربعة اجتمعت في لفظة.
وأما التنافي بين العلم، والمتواطئ ونفسهما، ومقصود هذه القاعدة أن تتفطن لدفع الأسئلة عنك] فإن ظاهر التقسيم للقياس بين الأقسام، فيقال لك: هذه الأقسام ليس بينها تناف [كما بين الزوج والفرد، والمتحرك والساكن؛ لأنه السابق إلى الذهن، فنجيب بأن هذه القضية مانعة الخلو فقط.
(فائدة)
النص مأخوذ من وصول الشيء إلى غايته ، من قولهم: نصت الظبية جيدها إذا رفعته.
وفي الحديث كان رسول الله ﷺ : (يسير العنق فإذا وجد] فرجة [نص)، أي: يسير برفق، (فإذا وجد فسحة رفع السير إلى غايته).
فمن لاحظ أعلى مراتب الوصول في الظهور إلى غايته قال: النص المعنى الأول.
стр. 530
ومن لاحظ أصله جعله الثالث.
ومن لاحظ التوسط، قال بالتفسير الثاني من تفاسير النص.
(فائدة)
المجمل مشتق من الجمل الذي هو الخلط، ومنه قول رسول الله ﷺ : (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها).
أي: خلوطها بالسبك، ومنه العلم الإجمالي، أي: اختلط فيه الوجه المعلوم بالوجه المجهول في تلك الحقيقة، والوجه المجمل اختلط فيه على السامع مراد المتكلم بغيره، فلذلك يسمى مجملا.
(سؤال)
قوله: (النص والظاهر يشتركان في الرجحان) .
أقول: الرجحان من الأمور النسبية التي لا تعقل إلا بين راجح ومرجوح.
والتقدير أن النص مدلوله متعين، ولا يحتمل غيره، فلا رجحان حينئذ، كما أن الظن يصدق فيه الرجحان دون العلم لاتحاد الجهة فيه، وإنما الرجحان في الظاهر خاصة لوجود الاحتمالين، ويمكن الجواب عنه أن نقول: إن الإنسان قبل سماع اللفظ كان تجويز النقيضين عنده في كل شيء ممكنا على السواء في الاحتمالين، فلما سمع اللفظ النص ترجح عنده أحدهما الذي هو مدلول النص، حتى امتنع النقيض الآخر، فقد صدق أصل الرجحان في النص من حيث الجملة، كما صدق أصل الرججان في خبر التواتر في أصله، ثم انتهى إلى حد القطع.
وأما أنه مبني على الرجحان، فكان أصله خبرا واحدا، ثم انتهى إلى
стр. 531
العلم، وكذلك هذا راجح فيه أحد الطرفين بعد التساوي، وعند كمال تصور مراد المتكلم منه، والعلم بحقيقته، أي: حقيقة اللفظ، وحصل الجزم.
وتوهم التبريزي من هذا السؤال فغير العبارة، وقال: النص والظاهر يشتركان في تعين المراد فيهما، فهما نوعا المحكم، وفي (المنتخب) (المشترك بينهما هو المحكم) ولم يذكر الرجحان، و (الحاصل) و (التحصيل) مثل (المحصول) في ذكر الرجحان.
(سؤال)
قولهم: (النص ما لا يحتمل) ، يبطل النص بأمور:
أحدها: أن أقوى ألفاظ النصوص لفظ العدد كالعشرة مثلا، والعقل يجوز بالضرورة أن تكون العرب وضعتها لمعنى آخر من الجماد، والنبات، والحيوان، وأن ذلك المسمى الآخر هو مراد المتكلم، هذا الاحتمال لا يبطل تجويزه أبدا، وإن كان اللفظ لا يقبل أن يراد به التسعة، أو الإحدى عشرة، ويرد مع احتمال الاشتراك التقديم، والتأخير، والنقل، والمعارض الفعلي والإضمار، وهذه احتمالات لا يبطلها لفظ العدد.
وثانيها: أن مذهب أهل الحق جواز النسخ قبل الفعل، فإذا أمرنا بعدد جاز أن يكون الله -تعالى- علم نسخه قبل وقوعه، فلا يكون مراده بالنص الأول الإيقاع، بل إظهار الطواعية من المأمور، كما اتفق في قصة إبراهيم وإسحاق ﵉ فإن لفظ (إسحاق) نص، ومع ذلك لم يكن
стр. 532
المراد بالنص الأول الذبح، بل إظهار طواعيتهما، وحسن إقبالهما على أوامر الله تعالى.
وثالثها: أن صيغ الأعداد تقبل المجاز بدليل قوله تعالى:
﴾ ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ﴿] الحاقة: ٣٢ [، وكذلك قوله تعالى:﴾ إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴿] التوبة: ٨٠ [.
قالوا: المراد الكثرة لا خصوص السبعين.
قال العلماء: العرب تعبر بالسبعين عن أصل الكثرة، فالمراد أنها كثيرة الذرع. وكذلك قوله تعالى:﴾ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ﴿] الملك: ٤ [.
قال العلماء: معناه أرجعه دائما، ودل بـ (الكرتين) على أصل الكثرة، وتقول الناس في العرف: كلمني كلمتين، ومراده كلاما كثيرا، وكذلك قولهم: امش معي خطوتين، والأصل عدم النقل والتغير، فيكون ذلك لغة، وهذا عين المجاز، فإنه استعمال اللفظ في جميع هذه الصور في غير ما وضع له.
وإذا كان هذا في لفظ العدد، فكيف غيره؟ ولا يتصور لفظ يتعذر فيه أمثال هذه الاحتمالات إلا لفظ الجلالة، وهو قولنا: الله، فإن هذا اللفظ علم بالضرورة لا يقبل كثيرا من هذه الأسئلة مع أنه قد جاء في الكتب القديمة في التوراة: جاء الله من سيناء،
стр. 533
وأشرق من ساعير، واستعلى من جبال (قازان) و (سيناء) طور سيناء، و (ساعير) الموضع الذي كان به عيسى ﵇ بـ (الشام) و (قازان) بـ (مكة)، ومراد هذا اللفظ مجيء هدي الله تعالى، وكتبه، وآياته الكرام، وبراهينه.
وفي القرآن الكريم قال تعالى:﴾ وجاء ربك والملك صفا صفا ﴿] الفجر: ٢٢ [.
وفي السنة النبوية (ينزل ربنا] ﵎] كل ليلة إلى السماء الدنيا) [حين يبقى ثلث الليل الأخير يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له [) [.
стр. 534
والمراد المجاز على ما تقرر في موضعه، فقد قيل: هذا اللفظ مجاز لغة، فبطل أن لنا لفظا لا يقبل المجاز، والنص بتفسير عدم القبول لا حقيقة له.
ورابعها: أن الاستثناء يدخل في صيغ العدد.
قال الله تعالى:]﴾ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه [فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ﴿] العنكبوت: ١٤ [.
وقال ﵊: (إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا).
стр. 535
والاستثناء عبارة عن إخراج ما لم يرد باللفظ، فدل على أنه لم يرد بالألف والمائة، إلا ما ذكر، وذلك عين المجاز.
ولأجل هذا البحث حكى (الشلوبين) خلافا بين النحاة؛ هل يجوز دخول الاستثناء في العدد أم لا؟
وصمم هو على عدم جواز دخوله، واعتذر عن هذه النصوص بأعذار ضعيفة، بناء منه على أن كل موطن فيه استثناء، ففيه مجاز.
(فائدة)
قال صاحب كتاب (الزينة): المحكم، والحكمة، والحكيم، والحاكم، كله مأخوذ من حكمة الدابة: وهي الآلة التي يمنعها الفساد، فسمى كل ما فيه منع فساد بذلك، فالحاكم يمنع الخصوم من الظلم، والحكمة تمنع الموصوف بها من الوقوع في الرذائل، والآيات المحكمات التي لم يقع فيها نسخ، كأن مراد الشرع هذه اللفظة لم يبطل، والبناء المحكم الذي يمتنع عليه الهد،] ومقصود الواضع الإفهام، والنص أفهم، والظاهر كذلك، ولم
стр. 536
] يبطل [مقصوده من الإفهام إلا في المجمل، فصار النص، والظاهر محكمين.
(سؤال)
المتشابه ليس مشتركا بين المجمل، والمؤول ؛ لأن المجمل شابه أحد احتماليه الآخر في الاحتمال والتساوي، ففيه احتمالان متشابهان.
وأما المؤول فيقابله الظاهر، وهو لا يشبهه بل ضده، فحينئذ التشابه خاص بالمجمل، وليس مشتركا بين المجمل والمؤول.
(فائدة)
المتشابه له ثلاثة معان في اصطلاح العلماء .
أحدها: ما لا يفهم كالمجملات.
والثاني: ما يفهم مما لا يجوز على الله -تعالى- مثل كليات التجسيم.
ومنه قوله تعالى:﴾] فأما الذين في قلوبهم زيغ [فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله] وما يعلم تأويله إلا الله ﴿[] آل عمران: ٧ [.
وثالثها: ما لا يعلم معناه، أي: مسماه، وهو الحروف المقطعة التي في أوائل السور، فالمجمل، والمؤول متشابه باعتبار أنه لا يعتقده السامع مرادا للمتكلم.
قوله: (وأما المركب إلى آخر التقسيم
فقوله: إما أن يفيد طلب الشيء إفادة أولية.
تقريره: أن الطلب قد يكون في الرتبة الأولى، كالأوامر والنواهي، وقد لا يكون في الرتبة الأولى بل في الثانية، فإن (ليت) للتمني، و (لعل)
стр. 537
للترجي، ويلزمهما الطلب في الرتبة الثانية، وكذلك القسم موضوع للحلف، ومن لوازمه طلب تعظيم المقسم به، ولذلك أقسم الله تعالى بكثير من مخلوقاته طلبا لتعظيمها، وأن يجعلها على قدر أوضاعها.
وقولنا: يا زيد، موضوع للنداء، ومن لوازمه طلب حضور المنادى.
وقوله: (أو لا يفيده) - يندرج فيه ما يقيده في الرتبة الثانية، كما ذكرناه، وما لا يفيده أصلا، وهو الخبر، وكذلك قسمه إليهما.
ويظهر لك الفرق بين الاستفهام وغيره: أن الاستفهام هو طلب حصول العلم للمستفهم لا فعل يفعله المستفهم، وأن الأمر هو طلب الفعل فيما إذا قال السيد لعبده: من بالباب، فيكون للسيد عبد آخر، غير الذي استفهمه زيد، فلا يعتب السيد على العبد الأول؛ لأن مقصوده حصول العلم، وقد حصل، ولو قال له: اسقني، فلم يسقه، وسقاه غيره، اتجه عينه على الأول، وإن كان مقصوده قد حصل؛ لأنه طلب منه فعلا، وما فعله، فهو عاصٍ يستحق العتب.
(سؤال)
قوله في الاستفهام: (إنه طلب ماهية الشيء) ، يرد عليه أن الأمر طلب ماهية الفعل، والفعل شيء، فاندرج الأمر في ضابط الاستفهام، والمطابق أن يقول: إن الاستفهام طلب حصول العلم بالماهية، وهو الذي يقتضيه اللفظ؛ لأن الاستفعال أبدا لطلب الفعل، فالاستسقاء لطلب السقى، والاستخراج لطلب خروج المعنى من اللفظ، والاستفهام لطلب الفهم والعلم قريب، فالذي ينطبق على اللفظ أن يقال: طلب الفهم، أو طلب العلم بالماهية.
стр. 538
(فائدة)
للعلماء في موضوع اللفظ الذي يسمى أمرا ثلاثة مذاهب.
قيل: الطلب يفيد الاستعلاء.
وقيل: يفيد العلو.
وقيل: لا يعتبر القيدان، بل الطلب فقط، وهو قول جمهور المتكلمين، كما أن الخبر يسمى خبرا مع الاستعلاء والعلو، ومع عدمهما، كذلك الأمر بجامع الوضع.
والفرق بين الاستعلاء والعلو، أن الاستعلاء هيئة الأمر من رفع الصوت، وإظهار الفهم، والترفع، والعلو هيئة للأمر من جهة منصبه، كالسيد مع عبده، والوالد مع ولده، والملك مع رعيته، وسنقرر مدارك هذه المذاهب في (الأوامر) إن شاء الله تعالى.
وقوله: إن احتمل التصديق] والتكذيب [فهو الخبر، فينبغي له أن يقول:] إن الخبر ما احتمل التصديق والتكذيب) [لذاته؛ لأن الخبر قد لا يحتمل التصديق لأجل المخبر عنه، كقول القائل: الواحد نصف العشرة، وقوله في التمني، وما معه يسمى بالتشبيه هذا لفظ وضعه المصنف من قبل نفسه للقدر المشترك بين هذه الأقسام بخصوصه؛ لأن كلها منبهة على الطلب في الرتبة الثانية كما تقدم، فآثر أن يجعل لها لفظا متواطئا يخصها عن غيرها.
(سؤال)
فسر المركب بما يدل جزؤه على معنى حالة التركيب ، ثم قسمه ها هنا إلى ما فيه طلب، وقسم الطلب إلى الأمر، والمقسم إلى المقسم إلى الشيء يجب
стр. 539
صرفه على ذلك الشيء، فيلزم صرف المركب على الأمر، مع أن قولنا قم، واجلس، ونحوه، ليس لفظه يدل على جزء المعنى حالة التركيب.
جوابه على ما تقدم من أن المقسم إلى المقسم إلى الشيء، إنما يجب صرفه عليه، إذا كان التقسيم في الأعم مطلقا.
أما في الأعم من وجه فلا.
والتقسيم أعم من كونه في الأعم مطلقا عموما مطلقا؛ لوقوعه في الحيوان المقسم إلى الأبيض والأسود، وتقسيم الأبيض والجير مع عدم صرف الحيوان على الجير والقار في الطرف الآخر.
(تقريره): مثل دلالة الاقتضاء بشرط مدلول اللفظ، يحترز به عن المعاني المخلة بالفهم، وهي الخمسة الاحتمالات، كما عدها في مسألة التعارض، أو العشرة كما عدها في مسألة أن اللفظ لا يفيد اليقين إلا بعشرة شروط، وسردها هنالك، ولم يذكر في الموضوعين دلالة الاقتضاء؛ لأنها لا تخل بإرادة مدلول اللفظ؛ لأنها شرطية، والشرطية امتازت بدلالة الاقتضاء، ومثلها القاضي عبد الوهاب بقوله تعالى:﴾ فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ﴿] الشعراء: ٦٣ [.
يقتضي أنه ضرب؛ لأن الانفلاق مشروط بسببه والضرب سببه، وكقوله تعالى:﴾ وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان قال: أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم
стр. 540
تفرحون ﴿] النمل: ٣٥ - ٣٦ [، يقتضي أنها أرسلته حتى جاء؛ لأن الإرسال شرط في مجيئه رسولا.
(سؤال)
هذه إضمارات فما الفرق على هذا التقدير بين الاقتضاء والإضمار؟، مع أن الاقتضاء على هذا التقدير إضمار، وهو من باب تعارض احتمالات الألفاظ عند الإضمار منها، وجعل دلالة الاقتضاء غير الخمسة يقتضي أن الإضمار مباين لدلالة الاقتضاء.
جوابه:] أن الإضمار [المراد هناك هو الذي يصير اللفظ مجازا في التركيب نحو قوله تعالى﴾ واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ﴿] يوسف: ٨٢ [.
فأتى بضمير أهلها، ومع عدمه يصير اللفظ مجازا في التركيب، وهاهنا لا نضمر شيئا يصير اللفظ مجازا، بل يبقى على ما كان عليه، غير أن اللفظ المنطوق به دل بالالتزام على معان أخر غير المدلولية بالمطابقة.
(فائدة)
الإضمار ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يوجب مجازا في التركيب كما تقدم.
القسم الثاني: لا يوجب مجازا في التركيب، إلا أنه لازم للمعنى المنطوق به، إما شرعا، كما في قوله تعالى:﴾ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى
стр. 541
الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ﴿] المائدة: ٦ [.
فإنا نضمر محدثين، وكقوله تعالى:﴾ أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر [فعدةٌ من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيرا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون ﴿] البقرة: ١٨٤ [] وإما أن نضمر فأفطرتم بناء على أن الدليل دل على أن القضاء لا يكون إلا مع الإفطار، والوضوء لا يكون إلا بعد الحدث [وإما أن تكون الملازمة عادته كما تقدم في قصة موسى في البحر، وبلقيس في الرسالة.
القسم الثالث: إضمار دل عليه الدليل من غير ملازمة، ولا مجاز في الإفراد، ولا في التركيب، كما في قوله تعالى]﴾ قال: بصرت بما لم يبصروا به [فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وكذلك سولت لي نفسي ﴿] طه: ٩٦ [، فإنا نضمر: من أثر حافر فرس الرسول ﵇، وليس في العادة، ولا في العقل، ولا في الشرع ما يقتضي ذلك، بل دل الدليل على أن الواقع كان كذلك.
فهذه القاعدة تظهر أن دلالة الاقتضاء قد تكون إضمارا كما في (محدثين)، و (أفطرتم).
وقد لا تكون، بل يكتفى بدلالة الالتزام، كما في قول السيد للعبد: اصعد السطح، فإنه لم يضمر شيئا، غير أن لفظه دل بالالتزام على معنى غير المنطوق كما تقول: دل اللفظ بالالتزام على إيجاب الشيء، والأمر على
стр. 542
تحريم جميع أضداده، وفي تحريم الشيء على الأمر بأحد أضداده من غير إضمار، ويكون ضابط دلالة الاقتضاء هو دلالة اللفظ التزاما على ما هو شرط في المنطوق كان بإضمار أم لا، ولا يوجب مجازا في اللفظ.
هذا تحرير اصطلاحهم، والجمع بين إطلاقاتهم، فإنه في مسألة التعارض جعل دلالة الاقتضاء خارجة عن هذا القسم الذي هو الإضمار المجازي.
(سؤال)
ما الفرق بين دلالة الاقتضاء وبين القاعدة الأخرى التي يقولون فيها: إذا تعذر حمل اللفظ على حقيقته ويمكن أن نضمر أمورا، فإنه لا يتعين إضمارها كلها، بل يقتصر منها على فرد، وقعت هذه القاعدة في كتاب (العموم)، وبين المجازات المفردة إذا تعذرت إرادة الحقيقة، وإن تعذرت الفروق أو تفردت فينبغي أن يكون الجميع مجملا عند التساوي، وغير مجمل عند رجحان أحدهما، أو يقال: ليس مجملا مطلقا، ولا يتعين الراجح؛ لأن عمومه لغة، والعموم اللغوي لا يحمل على بعضه لرجحان بعضه، كقول القائل: (من دخل داري فله درهم)، لا يخرج الجهال، أو تتعين الأقارب أو العلماء لرجحانهم، وكل هذا يحتاج للبيان، والإيضاح؛ لأنها قواعد متعددة الوضع، ومختلفة الأحكام، وقليل من الناس من يحققها.
جوابه: لابد هاهنا من استحضار الفرق بين دلالة اللفظ، وبين الدلالة باللفظ، وقد تقدم الفرق بينهما من خمسة عشر وجها.
فإن دلالة الاقتضاء من باب دلالة الالتزام التي هي دلالة اللفظ.
وقولهم: (إذا تعذر حمل اللفظ على حقيقته إلا بإضمار أمور).
معناه يكون اللفظ حقيقة، ويضاف إليه ذلك المضمر، وهذا إن كان لضرورة التصديق، فهذا هو معنى قولهم في كتاب (العموم): المقتضى لا عموم له، كذلك حرره سيف الدين في (الإحكام)، وقيده بهذا القيد.
стр. 543
ومثله قوله عليه] الصلاة [والسلام: (رفع عن أمتي الخطأ] والنسيان وما استكرهوا عليه [)، فإن الخبر إنما يصدق إذا أضمرنا شيئا آخر؛ لأن الواقع يتعذر رفعه.
وأما الإمام فخر الدين فسوى بين الجميع كما ترى في (المحصول)، وإن كان لا لضرورة التصديق، فهو دلالة الاقتضاء.
وأما المجاز في المفردات إذا دل الدليل على عدم إرادة الحقيقة، فهذا يرجع إلى الدلالة باللفظ لا لدلالة اللفظ، ودلالة الاقتضاء من باب دلالة اللفظ، فافترقت الثلاث قواعد، وظهرت الفروق بينها.
وأما كون الإجمال يعمهما، أو يخصهما، فالإجمال يرجع إلى عدم الدلالة، ودلالة الاقتضاء فيها دلالة الالتزام، فلا إجمال، نعم قد يكون اللفظ
стр. 544
دل بالالتزام على لازم بالنوع غير معين بالشخص، فيكون مجملا بين تلك الأفراد.
وأما المقتضى الذي قالوا فيه: لا عموم له، فإذا استوت الأمور التي بها يحصل بها التصديق، وكل واحد يقوم مقام الآخر على السواء، فهو أيضا مجمل بالقياس إلى تلك الأفراد بخصوصها، ويمكن أن يقال: يثبت واحد منها بالاختيار كالمطلق إذا كان يأتي بكل فرد على البدل، فأي فرد عيناه حصل المقصود به، [إن استوت مع المقصود وإلا بقيت مجملة] نحو شاة من أربعين، وإذا تعذرت الحقيقة، وبقيت المجازات مستوية، فالنقل على أن النص يبقى مجملا، ومتى ترجح أحدهما تعين في الجميع، ولا يعم مع المرجوحية في البعض؛ لأن دلالته ليست لغوية، وإنما هي عقلية، ولم يوجد في العقل ما يوجب شمولها، بخلاف صيغة العموم؛ لأن الوضع اقتضى الشمول، فلا عبرة بالفروق والرجحانات.
تقرير قوله: الشرطية عقلية في قوله ﵊: (رفع عن أمتي الخطأ).
معناه: أن العقل دل على أن الواقع لا يصح رفعه، فوجب في العقل مع ضرورة التصديق أن يضمر شيئا آخر يمكن رفعه، وجعل هذا المثال لازما للازم فيه للإفراد؛ لأن هذا الحديث وإن كان جملة مركبة، ففي هذا المركب مفرد، وهو مفهوم الواقع من الخطأ يتعذر رفعه، ومن لوازم تعذر الواقع إضمار أمر يصح رفعه لضرورة التصديق، فينشأ اللزوم فيه عن المفرد، فلذلك مثل به لازم المفرد.
وكذلك قوله: (والله لأعتقن هذا العبد).
مفهوم العتق في هذه الجملة المركبة يتوقف على الملك، فهو لازم لمفرد في المركب.
стр. 545
ثم إن المصنف ذكر لازم المفرد، وقسمه لما هو شرط، ولما هو تابع.
ومثل الشرط بالعقلي، والشرعي، ولم يذكر الباقي، وطلبته في عدة نسخ، فلم أجده، غير أن تاج الدين في (الحاصل) مثله باستعداد الكتابة للإنسان، فإن لفظ إنسان يدل بالمطابقة على الحيوان الناطق، وبالالتزام على أنه كاتب بالقوة، وضاحك بالقوة، وغير ذلك، وهي أمور تابعة لوجود الإنسان.
ومثل لازم المركب المكمل له بقوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾ [الإسراء: ٢٣]، فإنه يلزم تحريم الضرب، فيحتاج للفرق بين هذا المركب، وبين الحديث في رفع الخطأ، فكلاهما جملة مركبة.
والفرق أن التأفيف بما هو تأفيف ليس فيه ما يقتضي تحريم الضرب، وكذلك التحريم بما هو تحريم إذا تركب التحريم مع التأفيف لزم تحريم الضرب، وأما رفع الخطأ ففي ذلك المركب مفرد وهو مفهوم الواقع يلزمه تعذر الارتفاع كما تقدم تقريره.
وقوله: عند من لا يثبته بالقياس؛ لأن المثبت لتحريم الضرب بالقياس، يقول: اللفظ لا يدل عليه ألبتة، فلا تتحقق دلالة الالتزام، ونحن إنما نتكلم فيها.
وقوله: إن قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ الآية [البقرة: ١٨٧].
стр. 546
وجعله لازما ثبوتيا؛ لأنه صحة الصوم، والصحة ثبوتية، واللازم العدمي جعله مفهوم المخالفة، ويتعين أن نخصصه بما إذا كان المنطوق به ثبوتيا، كما في حديث الساعة، أما لو انعكس الحال كما في قوله تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون﴾ [المؤمنون: ١١٧] فإن مفهومه أن غير الكافرين يفلح، وهو لازم ثبوتي؛ لأن المفهوم أبدا هو نقيض المنطوق، فإن كان المنطوق ثبوتيا كان المفهوم عدميا، أو بالعكس فبالعكس، وهذه كلها لوازم للمركبات؛ لأن المركبات ليس فيها مفرد نشأ عنه اللزوم، كما تقدم تقريره في رفع الخطأ وهو موضوع غامض؛ لأنها كلها جمل مركبة، ويقول السائل: الرفع بما هو رفع لا يلزم منه إضمار، والخطأ بما هو خطأ لا يلزم منه إضمار، فما نشأ اللزوم إلا عن المركب، فلا يجد المستدل جوابا إن لم يلاحظ ما ذكرته لك من أن المركب اشتمل على مفهوم [مفرد] من حيث المعنى، وهو مفهوم الواقع وهذا المفرد هو منشأ اللزوم، وهذا التقسيم كله في دلالة اللفظ لا في الدلالة باللفظ الذي هو مفهوم المخالفة وغيره، وهاهنا مثل آخر أوضح ما في الكتاب، وأظهر دلالة، وها أنا ذاكرها؛ ليتضح الموضع اتضاحا جيدا، ويحصل فوائد أيضا في تلك المثل.
فلازم المركب له صور:
أحدها: قوله ﵊ [في الحديث القدسي]: يقول الله تعالى: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي
стр. 547
بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا يكون إلا ما أريد).
والتردد على الله محال، لأنه نقيض العزائم التي لا تكون إلا من حادث؛ لأنها نشأت عن الجهل بالعواقب، فإذا ظهرت رجع عما عزم عليه أولا.
فقال العلماء: هذا المركب عبر به عن لازمه مجازا.
وتقريره: أن التردد في المساءة في العادة إنما يكون في حق من عظم قدره عند المتردد، كما إذا أراد أن يضرب ولده، فإنه يتردد في ذلك هل يصادف وجه المصلحة أم لا؟
أما إذا أراد قتل عقرب، أو حية، أو ما ليس له عنده قدر، فإنه يبادر لذلك من غير تردد، فصار عظم القدر لازما لمن يتردد في مساءته، فعبر هاهنا بالتردد عن لازمه الذي هو عظم القدر، فيصير معنى الكلام: المؤمن عظيم القدر عندي، أو ليس عندي أعظم قدرا من المؤمن، ويؤول فهم العقل إلى فهم هذا اللازم من هذا المركب.
وثانيها: قوله عليه [الصلاة] والسلام: (وددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا فأقتل، ثم أحيا فأقتل).
стр. 548
مع أن رسول الله- ﷺ يعلم أن قتله كفر، فكيف يتمنى الكفر، فإذا تقرر هذا المعنى عند المعقل، فيقول: لهذا الكلام لازم، وهو الشهادة.
فيكون معنى الكلام: تمني الشهادة التي هي لازمة لهذا المركب؛ لما يتعذر حمله على المركب نفسه.
وثالثها: قوله تعالى حكاية عن هابيل وقابيل: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين﴾ [المائدة: ٢٩].
قال العلماء: كيف يليق بهابيل أن يتمنى حصول الإثم بسبب القتل؟ والقتل من الكبائر، وتمني الكبيرة حرام، مع أن الله -تعالى- حكاه عنهما لنتجنب فعل قابيل، ونتأسى بهابيل، وهذه فائدة نقل قصص من قبلنا إلينا، فتعين حمل هذا المركب على لازمه، وهو إرادة السلامة من قتل أخيه، فإنه لا يسلم من ذلك إلا لأن يترك أخاه لا يقاتله، ومتى تركه قتله، فصار هذا المركب له لازما يؤول العقل إلى فهمه من هذا المركب.
فإن قلت: هذه مجازات عن المركبات، والمجاز من الدلالة باللفظ، لا من دلالة اللفظ، ودلالة الالتزام من دلالة اللفظ فليس هذه المثل بمطابقة.
قلت: وكذلك (رفع عن أمتي الخطأ) لما تعذر حمله على حقيقة المركب حملناه على لازمه، وهذا هو عين المجاز، فالسؤال مشترك.
والجواب المحقق عن ذلك في الكل، أنه قد اجتمع دلالة اللفظ، والدلالة باللفظ في هذه المثل كلها؛ لأن هذه التعذرات في حمل اللفظ على حقيقته أوجبت اعتقاد أن المتكلم ما أراد إلا لازم المركب، لا نفس المركب [وهذا هو الدلالة باللفظ؛ ولأن هذه لوازم في نفس الأمر تفهم عند المركب بسبب هذه التعذرات، وهذا هو دلالة اللفظ فهما معا مجتمعان ثم الملازمة قد تحصل] بين المفرد والمركب، وبعض اللوازم لجوهر المركب نحو: علم
стр. 549
زيد الخير والشر، فمن لوازمه لذاته أنه حي وقد لا يكون لذات المركب، بل الأدلة الخارجية وقرائن الأحوال، واتفاق بعض الأسباب، كما يتفق أن يقدم علينا زيد مع عمرو، فينبغي متى تصورنا زيدا تصورنا عمرا؛ لأنه قارنه في قدومه علينا، ومتى حصلت الملازمة بأحد هذه الأمور حصلت دلالة اللفظ، فإن دل دليل على أن المتكلم استعمل اللفظ في ذلك اللازم، حصل أيضا الدلالة باللفظ، فقد يجتمعان، وقد لا يجتمعان بحسب ما تقتضيه الأدلة، فتأمل ذلك؛ فإن السؤال الذي أوردته يشوش عليك مثل الكتاب، وينتقل البحث من دلالة الالتزام إلى باب المجاز والحقيقة، فيفسد التمثيل إلا أن تلاحظ ما ذكرته لك في الجواب.
(تنبيه)
قال التبريزي: دلالة الالتزام تنقسم إلى ما اقتضاه ثبوت الملفوظ، وإلى ما اقتضاه التصديق.
فالأول كحديث: (رفع عن أمتي الخطأ)، وكقوله عليه [الصلاة] والسلام: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) عند من لا يثبت الأسامي الشرعية.
وقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق﴾ [المائدة: ٣]، وهو يرجع إلى صرف اللفظ عن مقتضى الوضع إلى المجاز لقرينة العرف، أو لتعذر الحمل على الحقيقة، لكن العلماء أفردوا هذا التقسيم بلقب آخر لاقتران القرينة بجنسه.
стр. 550
وأما الثاني: فينقسم إلى ما هو مقتضى ثبوته في نفسه، وإلى ما هو مقتضى الوفاء بحكمته.
أما الأول: فقد يكون شرطا شرعيا كالملك إذا قال: اعتق عبدك عني، أو جنسا كإمساك جزء من الليل، أو غسل جزء من الرأس، وقد يكون سببا كفهم نجاسة الماء القليل بمجرد وقوع النجاسة فيه من قوله ﵇: (فلا يغمس يده في الإناء)، وقد يكون انتفاء ما ينافيه من ضد وغيره، كفهم صحة صوم من أصبح جنبا من آية المباشرة.
وأما الثاني فقد يكون مقتضى الوفاء بأصل الحكمة، ويقتضي الوفاء بحكمة التخصيص.
فأما الأول: فهو مفهوم الموافقة، ويسمى فحوى الخطاب ولحنه.
وأما الثاني: فهو مفهوم المخالفة، ويسمى دليل الخطاب.
والقسم الأول من أصل التقسيم، ومن القسم الثاني يسمى دلالة الضرورة والاقتضاء.
(تقرير)
قوله: (عند من لم يثبت الأسامي الشرعية) .
معناه: أن من أثبتها لا يحتاج في التصديق، وفي النفي لإضمار شيء؛ لأن المسمى الشرعي حينئذ يكون منفيا.
أما من لم يثبتها، ولم يبق إلا المسمى اللغوي، وهو أصل الإمساك، وهو واقع بالضرورة، فلا يحصل الصدق في الإخبار عن نفيه إلا بنفي أمر آخر.
وقوله: إن من هذا القبيل قوله [تعالى]: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم
стр. 551
[وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما﴾ [النساء: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] عند أهل الحق، فمنطوقه صحيح، وأما مفهومه أن غير أهل الحق يخالفون.
فما تلخص لي أن العقلاء مجمعون على أن التحريم لا يتعلق بالأعيان، من باب تكليف ما لا يطاق.
وأما المعتزلة فيمنعون ذلك بناء على منع تكليف مالا يطاق.
قوله: (وحاصله يرجع إلى صرف اللفظ عن مقتضى الوضع إلى ما هو مجاز).
فيه كلام مشكل؛ لأنه إن أراد مجاز المفردات، فغير مسلم؛ لأن التحريم باق في التحريم، والميتة في الميتة، وإن أراد مجاز المركبات، ففيه بحثان:
البحث الأول:
أن العرب هل وضعت المركبات أم لا؟ قولان، فعلى عدم الوضع لا مجاز ولا حقيقة، فإن المهمل لا يدخله مجاز ولا حقيقة؛ لوقوع الاتفاق على اشتراط الاستعمال في الموضوع في الحقيق، وفي غير الموضوع في المجاز، وكلاهما فرع الوضع.
стр. 552
البحث الثاني:
إن سلمنا أن العرب وضعت المركبات، وهو الصحيح، فهاهنا بحث دقيق، وهو أن المضاف للمحذوف هل هو سبب للتجوز، أو محل التجوز؟
فظاهر كلام الإمام في مواضيع في (المحصول) أنه سبب التجوز.
وكلام غيره من أرباب علم البيان أنه محل التجوز.
وتحرير المذهبين: أن الإمام [الرازي] يقول: الأصل في المنصوب أن يكون هو المفعول لغة، وهذا هو الحقيقة، فإذا أضمرنا مضافا محذوفا، فقد صيرناه المفعول، وأبطلنا الحقيقة، فصار المضاف سبب التجوز.
وغيره يقول: إنما وضعت العرب اللفظ على وفق الحكمة، فوضعت لفظ السؤال ليتركب مع لفظ من يصلح للإجابة، ولفظ التحريم ليركب مع لفظ ما يقبل الكسب والاختيار؛ لأنه المناسب للحكمة، فإذا ركبنا لفظ السؤال مع القرية، والتحريم مع الميتة، فقد خالفنا أصل الوضع، فيكون المجاز حاصلا في المنصوب الذي هو القرية والميتة، والمتجوز عنه هو الأهل في القرية، والأكل في الميتة، فالمحذوف محل التجوز أي محل المتجوز عنه، فإذا وضح لك الطريقان، فكلام التبريزي يأتي على طريق الإمام فخر الدين أن المضاف سبب التجوز، فتفطن لهذا الموضع فهو عزيز.
وقوله: (أهل العلم لقبوا هذا القسم بلقب).
يريد أنهم لقبوه بدلالة الاقتضاء.
وقوله: (لاقتران القرينة بجنسه)، يعني: أن دلالة الالتزام فيه مطردة، مع أن دلالة الالتزام ليست مجازا على ما علمت، لكنه مشى على قاعدة الإمام في التباسهما عليه.
стр. 553
وقوله: (قد يكون وفاء بأصل الحكمة، وهو مفهوم الموافقة).
يعني: أن تحريم التأفيف تحريم لضرب وفاء بأصل الحكمة؛ لأن إباحة الضرب تخل بحكمة التحريم للتأفيف؛ لأن الحكمة إنما هي البر وعدم العقوق للوالدين.
(فوائد)
فحوى ولحن الخطاب، وتنبيه الخطاب، ودليل الخطاب، ومعقول الخطاب، ومفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة، كلها اصطلاحات لعلماء الأصول المتقدمين، تركها الإمام [الرازي]، وقد تعرض لها التبريزي فأقرها؛ حتى لا يجهلها من سمعها.
ففحوى الخطاب: هو مفهوم الموافقة وتنبيه الخطاب، وسمي مفهوم الموافقة؛ لأن المسكوت وافق المنطوق.
وفحوى الكلام اللازم عنه من جنسه، يسمى تنبيه الخطاب؛ لأنه ينبه بالأدنى على الأعلى.
و ضابط مفهوم الموافقة: هو أنه إثبات حكم المنطوق للمسكوت بطريق الأولى، إما في الأكثر كالضرب مع التأفيف فإنه أعظم وأكثر عقوقا، وإما في الأقل: كما في قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك [ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما]﴾ [آل عمران: ٧٥]. مفهومه أن أمين الدينار بطريق الأولى، وهو أقل.
стр. 554
ولحن الخطاب: هو إفهام الشيء من غير تصريح، وهذا معناه لغة، ومنه قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم﴾. [سورة محمد: ٣٠] وقال الشاعر: [الخفيف]:
منطق صائب ويلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا
أي: ليست أطماعنا من غير تصريح.
فوضعه العلماء في الاصطلاح لنوع من ذلك، واختلف في ذلك النوع.
فقيل: هو دلالة الاقتضاء.
وقيل: هو مفهوم الموافقة.
وقيل: مفهوم المخالفة، حكاه القاضي عبد الوهاب، وأبو الوليد الباجي؛ لأن الثلاثة فيها إشعار من غير تصريح، فحسن فيها لفظ اللحن.
واختلف هل اللحن واللحن بمعنى واحد؟ بتحريك الحاء وتسكينها.
فقيل: هما سواء، يطلق للصواب والخطأ.
وقيل: اللحن بالسكون للخطأ، وبالفتح للصواب، حكاه القاضي عياض.
стр. 555
وتنبيه الخطاب مفهوم الموافقة، ودليل الخطاب مفهوم المخالفة؛ لأن التقييد دل على سلب الحكم عن المنطوق، ومعقول الخطاب القياس المستنبط من النصوص، فهذه ألفاظ اصطلاحية. ينبغي أن يعلمها طالب العلم، وهذه التفاسير ذكرها الباجي في (إشارته)، والقاضي عبد الوهاب في كتاب (الإفادة).
وقوله: (القسم الأول من أصل التقسيم، والأول من التقسيم الثاني يسمى دلالة الاقتضاء)، يؤكد ما قاله سيف الدين في (الإحكام)، غير أنه زاد عليه قسما آخر، وهو الملك في العتق، وهذه اصطلاحات، والاصطلاح في دلالة الاقتضاء رأيته مضطربا اضطرابا كبيرا بالزيادة والنقص، غير أنهم اتفقوا على أنه لابد فيه من دلالة الالتزام.
(تنبيه)
أسقط (المنتخب) هذه المباحث في دلالة الالتزام كلها وغير تاج الدين فيها موضعا، وأسقط سراج الدين ذلك الموضع وحده، وهو اشتراط الملك في العتق، فمثله تاج الدين بقوله: (أعتق عبدك عني).
وأسقطه سراج الدين ولم ينقله ألبتة، والذي في كتاب (المحصول) إنما هو والله لأعتقن هذا العبد، فإن ذلك يقتضي فيه ثبوت الملك؛ لأن في الأول الولاء للمعتق عنه، فلابد أن يثبت له الملك؛ ليترتب عليه العتق، فيترتب الولاء، والثاني لابد فيه من الملك؛ فإن مقصود اليمين القربة بعتقه، وذلك فرع الملك.
(التقسيم الثاني ...) إلى آخره، وهو راجع إلى أصل الباب؛ لأنه قسم الألفاظ من وجهين، وإلا فالذي قبل هذا التقسيم الثالث، فيكون هذا رابعا، لكنه راجع لأصل الباب.
стр. 556
وقوله: (والذي مدلوله).
يعني: معزول عن اعتبارنا، يعني: هاهنا، فإن أكثر الألفاظ مدلولها معان كلفظ الإنسان، والجماد، والنبات، والحيوان، والألوان، والطعوم، والروائح، وجميع الأعراض غير اللفظ، ومقصوده هاهنا الكلام على ما مدلوله لفظ فقط، واللفظ الدال على لفظ مفرد دال نحو الكلمة، فإنها اسم للمشترك بين الاسم، والفعل، والحرف، وهو كونه لفظا دالا، فتناول كل جنس من هذه الأجناس، وأنواعه، وأشخاصه الجزئية كـ (زيد) من الأسماء، و (قام) من الأفعال، و (إن) من الحروف، ولفظ الخبر يتناول القدر المشترك بين كل كلمتين استندت إحداهما إلى الأخرى استنادا يحتمل التصديق والتكذيب لذاته والحروف الثمانية والعشرون، وهي (ألف، باء، تاء) إلى آخرها، كل واحد منها وضع لحرف ما يتركب منه الكلام، فـ (قاف) اسم الجزء الأول من قال، و (ألف) اسم الجزء الثاني منه، و (اللام) اسم الجزء الثالث منه، وكذلك بقية الكلام، وقد تقدم كلام [صاحب (الكشاف)] من أن حكمة الواضع أنه جعل مسمى كل اسم في أوله إلا الألف، فإنها ساكنة لا على أن نجعل أول اسمها لتعذر النطق بالساكن، فعوضها بالهمزة التي تجانسها، وهي تقبل الحركة، فمسمى (قاف) في أوله، وكذلك (كاف) و (ميم) و (نون) كما ترى، وكذلك بقيتها.
وقوله في الكتاب: (إن حرف المعجم يتناول كل حرف) -ـ غير مستقيم، بل العبارة المنطبقة أن يقول: كل حرف يتناول حرفا من هذه الحروف، فإن كل واحد منها وضع لنوع من هذه الأنواع، ولم يوضع لكل الأنواع، وهذه الأنواع وأفرادها مهملة لم توضع لشيء، بل وضع لها فقط.
стр. 557
(سؤال)
قوله: (اللفظ الموضوع للفظ مركب مهمل إذا أشبه أنه غير موجود) بل هو موجود، فإن قولنا: (خنفشار مهمل) مبتدأ وخبر، وأحد جزئيه مهمل، وهو خنفشار، والآخر موضوع، وهو: مهمل، وقولنا: خنفشار وشيصبان، مبتدأ وخبر على حد قول العرب: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير شعرا، وحاتم جودا، وكذلك كل اسمين اشتركا في صفة كالفقه بين أبي يوسف وأبي حنيفة، والشعر في الآخرين، فكذلك هاهنا لاشتراك اللفظين في صفة الإهمال، فقد وجد لفظ مهمل مركب، وفيه الفائدة، ويتناوله لفظ الخبر، فيصدق حينئذ على الخبر أنه وضع للفظ مركب مهمل غير دال، فإن قلت: هذا يفيد ذاك من حيث التركيب، أما المفردات فلا، ومراده بغير الدال في التركيب، وأنت لم تمثله.
قلت: قوله: (لم يوضع لمعنى) يمنع ذلك، فإنه قد صرح بأن المجاز المركب عقلي لا لغوي، وإنما يتم ذلك، ويعتقده إذا اعتقد أن العرب لم تضع المركبات، فهو عنده كل مركب مطلقا غير موضوع، فلما جعل هاهنا قسما منها لا وضع فيه، دل على أنه بحسب مفرداته لا يجب تركيبه، ويؤكد ذلك أن جميع ما ذكره فيما تقدم، أنه موضوع دال إنما هو في مفرداته، ثم سلب ذلك هاهنا، فيكون هو الوضع في المفردات؛ [لأنه جعله قسيمه، وبالجملة إن كان المقصود عدم الوضع في المفردات] فهذه النقوض واردة، وهو ظاهر كلامه.
وقوله: (إن في كتاب (المحرر [في دقائق النحو)] دقائق ذكرناها) سأذكر إن شاء الله تعالى عند قوله: الفاء للتعقيب، على حسب ما يصح عند كلامه على معاني الحروف.
стр. 558
(تكميل)
إذا كان مسمى اللفظ لفظا قد يكون الاسم الأكبر من المسمى ، نحو كاف، فإنه اسم للحرف الأول من كلام، وحرف، فإنه اسم لكل حرف من حروف المعاني حتى تصدق حروف العطف البسيطة نحو: (الواو)، و (الفاء)، و (باء) الإلصاق، وكذلك الاسم يصدق بياء الضمير، وكافه وهائه نحو: غلامي وغلامك وغلامه، ولفظ الفعل يصدق على (ق)، و (ش)، و (ل)، أفعال أمر من الوقاية والوشي والولاية، وقد يكون أقل من المسمى نحو: حم اسم السورة، وخبر اسم لكلمتين أسند مسمى إحداهما إلى مسمى الأخرى إسنادا يحتمل التصديق والتكذيب، وقد يكون الاسم اسما لكل لفظ دون أجزائه، نحو: الاسم والفعل والحرف والخبر والكلام على رأي النحاة، وقد يكون اسما للكل، ولأجزائه نحو: الحرف يصدق على (قد) أنه حرف تحقيق، وعلى (القاف) وحدها والدال وحدها منه، وعلى التحقيق لا يستقيم هذا الحرف؛ لأن الحرف اسم للقدر المشترك بين سائر الحروف التي لا تستلزم التركيب، ولا البساطة.
* * *
стр. 559
الباب الثالث
في الأسماء المشتقة
و النظر في ماهية الاسم المشتق ، وفي أحكامه:
أما الماهية فقال الميدان ﵀: الاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب، فترد أحدهما إلى الآخر، وأركانه أربعة:
أحدها: اسم موضوع لمعنى.
وثانيها: شيء آخر له نسبة إلى ذلك المعنى.
وثالثها: مشاركة بين هذين الاسمين في الحروف الأصلية.
ورابعها: تغيير يلحق الاسم في حرف فقط، أو حركة فقط، أو فيهما معا.
وكل واحد من الأقسام الثلاثة: فإما أن يكون بالزيادة، أو بالنقصان أو بهما معا، فهذه تسعة أقسام:
أحدها: زيادة الحركة، وثانيها: زيادة الحرف، وثالثها: زيادتهما معا، ورابعها: نقصان الحركة، وخامسها: نقصان الحرف، وسادسها: نقصانهما معا، وسابعها: زيادة الحرف مع نقصان الحركة، وثامنها: زيادة الحركة مع نقصان الحرف، وتاسعها: أن تزداد فيه حركة وحرف، وتنقص منه أيضا حركة وحرف.
فهذه هي الأقسام الممكنة، وعلى اللغوي طلب أمثلة ما وجد منها.
стр. 560
أما الأحكام فنذكرها في مسائل:
المسألة الأولى: أن صدق المشتق لا ينفك عن صدق المشتق منه ؛ خلافا لأبي على وأبي هاشم؛ فإن العالم والقادر والحي، أسماء مشتقة مع العلم، والقدرة، والحياة.
ثم إنهما يطلقان هذه الأسماء على الله تعالى وينكران حصول العلم والقدرة والحياة لله تعالى؛ لن المسمى بهذه الأسامي هي: المعاني التي توجب العالمية، والقادرية، والحيية، وهذه المعاني غير ثابتة لله تعالى؛ فلا يكون لله تعالى علم وقدرة وحياة، مع أنه عالم قادر حي.
وأما أبو الحسين، فإنه لا يتقرر معه هذا الخلاف؛ لأن المسمى عنده بالقدرة نفس القادرية، وبالعلم العالمية، وهذه الأحكام حاصلة لله تعالى، فيكون لله تعالى علم وقدرة.
لنا: أن المشتق مركب، والمشتق منه مفرد، والمركب بدون المفرد غير معقول.
المسألة الثانية: اختلفوا في أن بقاء وجه الاشتقاق ، هل هو شرط لصدق اسم المشتق؟! والأقرب أنه ليس بشرط؛ خلافا لأبي علي بن سيناء من الفلاسفة، وأبي هاشم من المعتزلة.
لنا: أن بعد انقضاء الضرب يصدق عليه أنه ليس بضارب، وإذا صدق ذلك، وجب أن يصدق عليه أنه ضارب.
بيان الأول: أنه يصدق عليه أنه ليس بضارب في هذه الحال، وقولنا: ليس
стр. 561
بضارب، جزء من قولنا: ليس بضارب في هذه الحال، ومتى صدق الكل، صدق كل واحد من أجزائه، فإذن صدق عليه أنه ليس بضارب.
وبيان الثاني: أنه لما صدق عليه ذلك، وجب ألا يصدق عليه أنه ضارب؛ لأن قولنا: (ضارب) يناقضه في العرف (ليس بضارب) بدليل أن من قال: فلان ضارب، فمن أراد تكذيبه وإبطال قوله، قال: إنه ليس بضارب، ولولا أنه نقيض الأول، وإلا لما استعملوه لنقض الأول؛ ولما ثبت كونهما موضوعين لمفهومين متناقضين، وقد صدق أحدهما، فوجب ألا يصدق الآخر.
فإن قيل: لا نسلم أنه يصدق عليه بعد انقضاء الضرب- أنه ليس بضارب.
قوله: لأنه يصدق عليه أنه ليس بضارب في هذه الحال؛ ومتى صدق عليه ذلك، صدق عليه أنه ليس بضارب!!
قلنا: حكم الشيء وحده يجوز أن يكون مخالفا لحكمه مع غيره، فلا يلزم من صدق قولنا: (ليس بضارب في الحال) صدق قولنا: (ليس بضارب).
سلمنا أنه يصدق عليه أنه ليس بضارب، فلم لا يصدق عليه أنه ضارب؟! بيانه: أن قولنا: فلان ضارب، وقولنا: فلان ليس بضارب، ما لم نعتبر فيه اتحاد الوقت- لم يتناقضا، ولا يجوز إيراد أحدهما لتكذيب الآخر.
سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على قولكم، لكنه معارض بوجوه:
الأول: أن الضارب من حصل له الضرب، وهذا المفهوم أعم من قولنا: حصل له الضرب في الحال، أو في الماضي؛ لأنه يمكن تقسيمه إليهما، ومورد
стр. 562
القسمة مشترك بين القسمين، ولا يلزم من نفي الخاص نفس المشترك؛ فإذن لا يلزم من نفى الضاربية في الحال نفى الضاربية مطلقا.
الثاني: أن أهل اللغة اتفقوا على أن اسم الفاعل، إذا كان في تقدير الماضي لا يعمل عمل الفعل، ولولا أن اسم الفاعل يصح إطلاقه لفعل وجد في الماضي، وإلا لكان هذا الكلام لغوا.
الثالث: أنه لو كان حصول المشتق منه شرطا في كون الاسم المشتق حقيقة، لما كان اسم المتكلم والمخبر واليوم والأمس وما يجري مجراها ـ حقيقة في شيء أصلا، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
بيان الملازمة: أن الكلام اسم لمجموع الحروف المتوالية، لا لكل واحد منها، ومجموع تلك الحروف لا وجود له أصلا بل الموجود منه أبدا ليس إلا الحرف الواحد، فلو كان شرط كون الاسم المشتق حقيقة حصول المشتق منه، لوجب ألا يصير هذا الاسم المشتق حقيقة ألبتة.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: الكلام اسم لكل واحد من تلك الحروف؟!
سلمنا: أنه ليس كذلك، فلم لا يجوز أن يقال: حصول المشتق منه شرط في كون المشتق حقيقة، إذا كان ممكن الحصول، فأما إذا لم يكن كذلك، فلا؟!.
أو نقول: شرط كون المشتق حقيقة حصول المشتق منه؛ إما لمجموعه أو لأجزائه، وهاهنا إن امتنع أن يكون للمجموع وجود، لكنه لا يمتنع ذلك للآحاد.
стр. 563
أو نقول: لم لا يجوز أن يقال: هذه الألفاظ ليست حقائق في شيء من المسميات أصلا؟!.
قلت: الجواب عن الأول: أن ذلك باطل بإجماع أهل اللغة، وأيضا: فالإلزام عائد في لفظ الخبر؛ فإنه لا شك في أن كل واحد من حروف الخبر ليس خبرا، وكذلك كل واحد من أجزاء الشهر والسنة ليس بشهر ولا سنة.
وعن الثاني: أن أحدا من الأمة لم يقل بهذا الفرق؛ فيكون باطلا.
وعن الثالث: أن هذه الألفاظ مستعملة، وكل مستعمل، فإنه إما أن يكون حقيقة، أو مجازا، وكل مجاز فله حقيقة، فإذن هذه الألفاظ حقائق في بعض الأشياء، وقد علم بالضرورة أنها ليست حقائق فيما عدا هذه المعاني، فهي حقائق فيها.
الرابع: الإيمان مفسر: إما بالتصديق، أو العمل، أو الإقرار، أو مجموعها.
والشخص حينما لا يكون مباشرا لشيء من هذه الأشياء الثلاثة يسمى مؤمنا حقيقة، فلولا أن حصول ما منه الاشتقاق ليس شرطا لصدق المشتق، وإلا لما كان كذلك.
والجواب: قوله: يجوز أن يختلف حال الشيء بسبب الانفراد والتركيب!!
قلنا: مدلول الألفاظ المركبة ليس إلا المركب الحاصل من المفردات التي هي مدلولات الألفاظ المفردة.
قوله: وحدة الزمان معتبرة في تحقق التناقض!!.
стр. 564
قلنا: هذا لا نزاع فيه، لكنا ندعي أن قولنا: (ضارب) يفيد الزمان المعين، وهو الحاضر بدليل ما ذكرنا: أن إحدى اللفظتين مستعملة في رفع الأخرى.
أما أولا: فلأنا نعلم بالضرورة من أهل اللغة أنهم متى حاولوا تكذيب المتلفظ بإحدى اللفظتين، لا يذكرون إلا اللفظة الأخرى، ويكتفون بذكر كل واحدة منهما عند محاولة تكذيب الأخرى، ولولا اقتضاء كل واحدة منهما للزمان المعين، وإلا لما حصل التكاذب.
وأما ثانيا: فلأن كلمة (ليس) موضوعة للسلب، فإذا قلنا: ليس بضارب، فلابد وأن يفيد سلب ما فهم من قولنا: ضارب، وإلا لم تكن لفظة (ليس) مستعملة للسلب.
وإذا ثبت أن كل واحدة من هاتين اللفظتين موضوعة لرفع مقتضى الأخرى، وجب تناولهما لذلك الزمان المعين، وإلا لم يحصل التكاذب.
ثم لا نزاع في أن ذلك الزمان ليس هو الماضي ولا المستقبل؛ فتعين أن يكون الحاضر.
قوله في المعارضة الأولى: ثبوت الضرب له أعم من ثبوته له في الحاضر أو الماضي بدليل صحة التقسيم إليهما.
قلنا: كما يمكن تقسيمه إلى الماضي والحاضر، يمكن تقسيمه إلى المستقبل، فإنه يمكن أن يقال: ثبوت الضرب له أعم من ثبوته له في الحال أو في المستقبل، فإن كان ما ذكرته يقتضي كون الضارب حقيقة لمن حصل له الضرب في الماضي، فلكين حقيقة لمن سيوجد الضرب منه المستقبل، وإن لم يوجد ألبتة لا في الحاضر ولا في الماضي، فإنه باطل بالاتفاق.
стр. 565
قوله ثانيا: إن أهل اللغة قالوا: اسم الفاعل إذا أفاد الفعل الماضي لا يعمل عمل الفعل.
قلنا: وقد قالوا أيضا: إذا أفاد الفعل المستقبل، عمل عمل الفعل؛ فيلزم أن يكون الاسم المشتق حقيقة فيما سيوجد فيه المشتق منه، ولا شك في فساده.
قوله ثالثا: يلزم ألا يكون اسم المخبر حقيقة أصلا.
قلنا: المعتبر عندنا حصوله بتمامه، إن أمكن، أو حصول آخر جزء من أجزائه؛ ودعوى الإجماع على فساد هذا التفصيل ممنوعة.
قوله رابعا: الشخص يسمى مؤمنا، وإن لم يكن مشتغلا في الحال بمسمى الإيمان.
قلنا: لا نسلم أن ذلك الإطلاق حقيقة، والدليل عليه: أنه لا يجوز أن يقال في أكابر الصحابة: إنهم كفرة؛ لأجل كفر كان موجودا قبل إيمانهم، ولا لليقظان: إنه نائم؛ لأجل نوم كان موجودا قبل ذلك، والله أعلم.
المسألة الثانية: اختلفوا في أن المعنى القائم بالشيء، هل يجب أن يشتق له منه اسم؟
والحق التفصيل: فإن المعاني التي لا أسماء لها مثل أنواع الروائح والآلام، فلا شك أن ذلك غير حاصل فيها.
وأما التي لها أسماء، ففيها بحثان:
أحدهما: أنه، هل يجب أن يشتق لمحالها منها أسماء؟!
الظاهر من مذهب المتكلمين منا: أن ذلك واجب، فإن المعتزلة، لما قالت:
следующие страницы →