← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بضارب، جزء من قولنا: ليس بضارب في هذه الحال، ومتى صدق الكل، صدق كل واحد من أجزائه، فإذن صدق عليه أنه ليس بضارب. وبيان الثاني: أنه لما صدق عليه ذلك، وجب ألا يصدق عليه أنه ضارب؛ لأن قولنا: (ضارب) يناقضه في العرف (ليس بضارب) بدليل أن من قال: فلان ضارب، فمن أراد تكذيبه وإبطال قوله، قال: إنه ليس بضارب، ولولا أنه نقيض الأول، وإلا لما استعملوه لنقض الأول؛ ولما ثبت كونهما موضوعين لمفهومين متناقضين، وقد صدق أحدهما، فوجب ألا يصدق الآخر. فإن قيل: لا نسلم أنه يصدق عليه بعد انقضاء الضرب- أنه ليس بضارب. قوله: لأنه يصدق عليه أنه ليس بضارب في هذه الحال؛ ومتى صدق عليه ذلك، صدق عليه أنه ليس بضارب!! قلنا: حكم الشيء وحده يجوز أن يكون مخالفا لحكمه مع غيره، فلا يلزم من صدق قولنا: (ليس بضارب في الحال) صدق قولنا: (ليس بضارب). سلمنا أنه يصدق عليه أنه ليس بضارب، فلم لا يصدق عليه أنه ضارب؟! بيانه: أن قولنا: فلان ضارب، وقولنا: فلان ليس بضارب، ما لم نعتبر فيه اتحاد الوقت- لم يتناقضا، ولا يجوز إيراد أحدهما لتكذيب الآخر. سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على قولكم، لكنه معارض بوجوه: الأول: أن الضارب من حصل له الضرب، وهذا المفهوم أعم من قولنا: حصل له الضرب في الحال، أو في الماضي؛ لأنه يمكن تقسيمه إليهما، ومورد

стр. 562

القسمة مشترك بين القسمين، ولا يلزم من نفي الخاص نفس المشترك؛ فإذن لا يلزم من نفى الضاربية في الحال نفى الضاربية مطلقا. الثاني: أن أهل اللغة اتفقوا على أن اسم الفاعل، إذا كان في تقدير الماضي لا يعمل عمل الفعل، ولولا أن اسم الفاعل يصح إطلاقه لفعل وجد في الماضي، وإلا لكان هذا الكلام لغوا. الثالث: أنه لو كان حصول المشتق منه شرطا في كون الاسم المشتق حقيقة، لما كان اسم المتكلم والمخبر واليوم والأمس وما يجري مجراها ـ حقيقة في شيء أصلا، واللازم باطل، فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أن الكلام اسم لمجموع الحروف المتوالية، لا لكل واحد منها، ومجموع تلك الحروف لا وجود له أصلا بل الموجود منه أبدا ليس إلا الحرف الواحد، فلو كان شرط كون الاسم المشتق حقيقة حصول المشتق منه، لوجب ألا يصير هذا الاسم المشتق حقيقة ألبتة. فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: الكلام اسم لكل واحد من تلك الحروف؟! سلمنا: أنه ليس كذلك، فلم لا يجوز أن يقال: حصول المشتق منه شرط في كون المشتق حقيقة، إذا كان ممكن الحصول، فأما إذا لم يكن كذلك، فلا؟!. أو نقول: شرط كون المشتق حقيقة حصول المشتق منه؛ إما لمجموعه أو لأجزائه، وهاهنا إن امتنع أن يكون للمجموع وجود، لكنه لا يمتنع ذلك للآحاد.

стр. 563

أو نقول: لم لا يجوز أن يقال: هذه الألفاظ ليست حقائق في شيء من المسميات أصلا؟!. قلت: الجواب عن الأول: أن ذلك باطل بإجماع أهل اللغة، وأيضا: فالإلزام عائد في لفظ الخبر؛ فإنه لا شك في أن كل واحد من حروف الخبر ليس خبرا، وكذلك كل واحد من أجزاء الشهر والسنة ليس بشهر ولا سنة. وعن الثاني: أن أحدا من الأمة لم يقل بهذا الفرق؛ فيكون باطلا. وعن الثالث: أن هذه الألفاظ مستعملة، وكل مستعمل، فإنه إما أن يكون حقيقة، أو مجازا، وكل مجاز فله حقيقة، فإذن هذه الألفاظ حقائق في بعض الأشياء، وقد علم بالضرورة أنها ليست حقائق فيما عدا هذه المعاني، فهي حقائق فيها. الرابع: الإيمان مفسر: إما بالتصديق، أو العمل، أو الإقرار، أو مجموعها. والشخص حينما لا يكون مباشرا لشيء من هذه الأشياء الثلاثة يسمى مؤمنا حقيقة، فلولا أن حصول ما منه الاشتقاق ليس شرطا لصدق المشتق، وإلا لما كان كذلك. والجواب: قوله: يجوز أن يختلف حال الشيء بسبب الانفراد والتركيب!! قلنا: مدلول الألفاظ المركبة ليس إلا المركب الحاصل من المفردات التي هي مدلولات الألفاظ المفردة. قوله: وحدة الزمان معتبرة في تحقق التناقض!!.

стр. 564

قلنا: هذا لا نزاع فيه، لكنا ندعي أن قولنا: (ضارب) يفيد الزمان المعين، وهو الحاضر بدليل ما ذكرنا: أن إحدى اللفظتين مستعملة في رفع الأخرى. أما أولا: فلأنا نعلم بالضرورة من أهل اللغة أنهم متى حاولوا تكذيب المتلفظ بإحدى اللفظتين، لا يذكرون إلا اللفظة الأخرى، ويكتفون بذكر كل واحدة منهما عند محاولة تكذيب الأخرى، ولولا اقتضاء كل واحدة منهما للزمان المعين، وإلا لما حصل التكاذب. وأما ثانيا: فلأن كلمة (ليس) موضوعة للسلب، فإذا قلنا: ليس بضارب، فلابد وأن يفيد سلب ما فهم من قولنا: ضارب، وإلا لم تكن لفظة (ليس) مستعملة للسلب. وإذا ثبت أن كل واحدة من هاتين اللفظتين موضوعة لرفع مقتضى الأخرى، وجب تناولهما لذلك الزمان المعين، وإلا لم يحصل التكاذب. ثم لا نزاع في أن ذلك الزمان ليس هو الماضي ولا المستقبل؛ فتعين أن يكون الحاضر. قوله في المعارضة الأولى: ثبوت الضرب له أعم من ثبوته له في الحاضر أو الماضي بدليل صحة التقسيم إليهما. قلنا: كما يمكن تقسيمه إلى الماضي والحاضر، يمكن تقسيمه إلى المستقبل، فإنه يمكن أن يقال: ثبوت الضرب له أعم من ثبوته له في الحال أو في المستقبل، فإن كان ما ذكرته يقتضي كون الضارب حقيقة لمن حصل له الضرب في الماضي، فلكين حقيقة لمن سيوجد الضرب منه المستقبل، وإن لم يوجد ألبتة لا في الحاضر ولا في الماضي، فإنه باطل بالاتفاق.

стр. 565

قوله ثانيا: إن أهل اللغة قالوا: اسم الفاعل إذا أفاد الفعل الماضي لا يعمل عمل الفعل. قلنا: وقد قالوا أيضا: إذا أفاد الفعل المستقبل، عمل عمل الفعل؛ فيلزم أن يكون الاسم المشتق حقيقة فيما سيوجد فيه المشتق منه، ولا شك في فساده. قوله ثالثا: يلزم ألا يكون اسم المخبر حقيقة أصلا. قلنا: المعتبر عندنا حصوله بتمامه، إن أمكن، أو حصول آخر جزء من أجزائه؛ ودعوى الإجماع على فساد هذا التفصيل ممنوعة. قوله رابعا: الشخص يسمى مؤمنا، وإن لم يكن مشتغلا في الحال بمسمى الإيمان. قلنا: لا نسلم أن ذلك الإطلاق حقيقة، والدليل عليه: أنه لا يجوز أن يقال في أكابر الصحابة: إنهم كفرة؛ لأجل كفر كان موجودا قبل إيمانهم، ولا لليقظان: إنه نائم؛ لأجل نوم كان موجودا قبل ذلك، والله أعلم. المسألة الثانية: اختلفوا في أن المعنى القائم بالشيء، هل يجب أن يشتق له منه اسم؟ والحق التفصيل: فإن المعاني التي لا أسماء لها مثل أنواع الروائح والآلام، فلا شك أن ذلك غير حاصل فيها. وأما التي لها أسماء، ففيها بحثان: أحدهما: أنه، هل يجب أن يشتق لمحالها منها أسماء؟! الظاهر من مذهب المتكلمين منا: أن ذلك واجب، فإن المعتزلة، لما قالت:

стр. 566

إن الله تعالى يخلق كلامه في جسم، قال أصحابنا لهم: لو كان كذلك، لوجب أن يشتق لذلك المحل اسم المتكلم من ذلك الكلام، وعند المعتزلة: أن ذلك غير واجب. وثانيهما: أنه إذا لم يشتق لمحله منه اسم، فهل يجوز أن يشتق لغير ذلك المحل منه اسم؟ فعند أصحابنا: لا، وعند المعتزلة: نعم. لأن الله تعالى يسمى متكلما بذلك الكلام واستدلت المعتزلة لقولهم في الموضعين: بأن القتل والضرب والجرح قائم بالمقتول والمضروب والمجروح، ثم إن المقتول لا يسمى قاتلا، فإذن محل المشتق منه لم يحصل له اسم الفاعل، وحصل ذلك الاسم لغير محله. وأجيبوا عنه: بأن الجرح ليس عبارة عن الأمر الحاصل في المجروح، بل عن تأثير قدرة القادر فيه، وذلك التأثير حكم حاصل للفاعل، وكذا القول في القتل. وأجابت المعتزلة عنه: بأنه لا معنى لتأثير القدرة في المقدور إلا وقوع المقدور؛ إذ لو كان التأثير أمرا زائدا، لكان: إما أن يكون قديما، وهو محال؛ لأن تأثير الشيء في الشيء نسبة بينهما؛ فلا يعقل ثبوته عند عدم واحد منهما، أو محدثا؛ فيفتقر إلى تأثير آخر؛ فيلزم التسلسل. والذي يحسم مادة الإشكال أن الله تعالى خالق العالم، واسم الخالق مشتق من الخلق، والخلق نفس المخلوق، والمخلوق غير قائم بذات الله تعالى. والدليل على أن الخلق عين المخلوق أنه لو كان غيره، لكان إن كان قديما، لزم قدم العالم، وإن كان محدثا، لزم التسلسل.

стр. 567

ومما يدل على أنه ليس من شرط المشتق منه قيامه بمن له الاشتقاق-ـ أن المفهوم من الاسم المشتق ليس إلا أنه ذو ذلك المشتق منه، ولفظ (ذو) لا يقتضي الحلول. ولأن لفظة (اللابن)، و (التامر)، و (المكي)، و (المدني)، و (الحداد) مشتقة من أمور يمتنع قيامها بمن له الاشتقاق. المسألة الرابعة: مفهوم الأسود شيء ما له السواد؛ فأما حقيقة ذلك الشيء، فخارج عن المفهوم، فإن علم، علم بطريق الالتزام، والذي يدل عليه أنك تقول: الأسود جسم، فلو كان مفهوم الأسود أنه جسم ذو سواد، لتنزل ذلك منزلة ما يقال: الجسم ذو السواد يجب أن يكون جسما، والله أعلم بالصواب]. قال القرافي: قال ابن الخشاب في كتابه في الاشتقاق ثلاثة مذاهب:

стр. 568

المذهب الأول: جوازه مطلقا، قاله ابن درستويه،. المذهب الثاني: منعه مطلقا، قال ابن نفطويه، ويرى أن الجميع موضوع، قال: وإن كان ظاهريا في مذهبه، وكان من أصحاب داود الظاهري، ووافقه محمد بن الحسين المقري. المذهب الثالث: أن في الكلام مشتقا، وغير مشتق. قال: والاشتقاق مأخوذ من الشق افتعال منه. فشققت معناه: اقتطعت، ومنه قول الفرزدق: [البسيط].

стр. 569

مشتقة من رسول الله نبعته [طابت مغارسه والخيم والشيم]. وقال الرماني في كتاب (الحدود النحوية) حده: اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه. وقال في كتاب (الاشتقاق): هو إنشاء فرع عن أصل يدل عليه. وقال عبد الله بن أحمد: هو رد فرع إلى أصل يعني يجمعهما، وهو خاص في أصل الوضع بالأصل. (فائدة) قال اللغويين كالأصمعي، وقطرب ونحوهما: يسمون المنقول عن أسماء الأجناس أعلاما على الأشخاص مشتقة نحو (جعفر) و (ثعلبة)، والنحويون يخالفونهم. (مسألة) قال: الحمار من الحمرة؛ لأنها تكون الغالب على حمر الوحش، والغراب من الغرب الذي هو الحد لحدة بصره، أو من الغرابة؛ لأن الشعراء يجعلون صياحه سببا للفراق، والجراد من الجرد؛ لأنه يجرد الأرض من النبات، وضروب الحيوان وغيرها. وقوله: هذه الدراهم ضرب هذه السنة، وضرب كل سنة مشابه للسكة،

стр. 570

وضروب السنين مختلفة السكك، وأنواع الحيوان مختلفة الطباع، والضرب من الرجال الخفيف اللحم لكونه يسهل مشيه، فيكثر ضربه الأرض، وضريب السواك اختلاط بعضه ببعض، والاختلاط موجب لضرب بعضه ببعض، والضريب الثلج لكونه يضرب الأرض، والضرب بفتح الراء العسل لاستضرابه بسبب الغلظ، ولمشابهته الضرب الذي هو الثلج في لونه الصافي. (فائدة) قال ابن جني في (الخصائص): الاشتقاق كما يقع من الأسماء يقع من الحروف ، فإن (نعم) حرف جواب، وأرى أن النعمة، والنعم، والنعماء، والنعيم مشتقة منه، وكذلك أنعم صباحا؛ لأن الجواب به محبوب للقلوب. وكذلك سوفت من (سوف) الذي هو حرف تنفيس، ولوليت له إذا قلت له: (لولا)، وليلت إذا قلت له: لا لا. (مسألة) قال ابن جني: الجمل من الجمال، والغنم من الغنيمة، والشاة من الوشي؛ لأنها تشي من الأرض، والخيل من الاختيال، والبقر من بقرت

стр. 571

الأرض، أي شققتها، ومنه بقر بطنه، والفضة من الافتضاض؛ لأنها في تراب معدنها مفترقة، وإن كانت تسبك بعد ذلك. وسميت لجينا؛ لأنها ملتجنة أي: ملتصقة بترابها، ولذلك التزموا فيه التصغير لحقارته في تراب معدنه بسبب التفرق. والذهب؛ لأنه كالذهب المفقود معدنه لتفرقه في التراب، أو لقلته في العالم عند الناس. والقليل عند العرب في معنى المعدوم لقولهم: (قل من يقول كذا إلا زيد) بالرفع أجرى (قل) مجرى النفي، فرفعوا المستثنى منه؛ لأن القليل كالعدم، ولذلك كفوه بـ (ما) فقالوا: (قلما يفعل كذا زيد)، والأفعال لا تكف أجروه مجرى حرف النفي مثل: (لم) و (لما). وسموه تبرا من التبار، وهو الهلاك؛ لأنه في معدنه كالهلاك. وسموه إذا خلصوه الخلاص من الخلوص. والإبريز من البروز. والعقيان من العقي وهو أول ما يطرحه الجنين من بطنه عند خروجه من بطن أمه. (مسألة) قال ابن جني: يقال للحاجة: الحاجة، والحوجاء، واللوجاء، والأرب، والإربة، والمأربة، واللبانة، والتلاوة، والتلية، والأشكلة، والشهلاء، وأصل الجميع واحد، وهو الإقامة على الشيء، والتشبث به؛ لأن أصحاب الحوائج كذلك، والحاجة من الشجر ذات الشوك التي يلتف بها ما يمر عليها، و (الحوجاء) و (اللوجاء) من لجت الشيء إذا أدرته في فيك،

стр. 572

والحاجة يتردد في حصولها، والأرب، والإربة، والمأربة من الإربة؛ وهي العقدة، والحاجة معقودة بنفس الإنسان. واللبانة من تلبن بالمكان إذا أقام به، والتلاوة والتلية من تلوت الشيء إذا قفوته، والأشكلة من الشكال، والشهلاء من المشاهلة، وهي مراجعة القول. (قاعدة) قال الأدباء: الاشتقاق قسمان: اشتقاق أصغر، واشتقاق أكبر. فالأصغر هو ما كان من المصادر عند البصريين كاسم الفاعل، واسم المفعول، واسم المكان، واسم الزمان، واسم الآلة، والفعل الماضي والمضارع، ونحوها. والاشتقاق الأكبر ما كان من غير ذلك نحو الجمال من الجمال ونحو ذلك وهو ما يكون من جميع الحقائق نحو: استنوق البعير، واستنسر البغاث من الناقة، والنسر، واستحجر الطين، ونحو ذلك. (سؤال) يرد على حد المصنف للاشتقاق أن الصالح مشتق من الصالحين، فإن التثنية والجمع والمفرد فيها قيود للحد، وليس أحدها مشتقا من الآخر،

стр. 573

بل الجميع مشتق من المصدر، وكذلك الأمر والنهي ليس أحدهما مشتقا من الآخر. والماضي والمضارع واسم الفاعل وسائر الصيغ المشتقة يلزم أن يكون كل واحد منها مشتقا من الآخر. أمثلة ما ذكروه، ولنذكر لكل واحد منها ثلاثة أمثلة، حتى إذا ورد على بعضها سؤال، أو تصحيف حصل المقصود بالآخر. الأول: زيادة الحركة علم من العلم زاد في الفعل حركة اللازم، وضرب من الضرب، وقتل من القتل. الثاني: زيادة الحرف نحو جارح من الجرح، وتالف من التلف، وغاضب من الغضب، وغاصب من الغصب. الثالث: زيادتهما نحو عالم من العلم زاد حركة اللام والألف، وضارب من الضرب، وقاتل من القتل. الرابع: نقصان الحركة نحوه: أسود من السواد قدمت الألف التي بعد الواو، ونقصت حركة السين، وأبيض من البياض، وأصبح من الصباح. الخامس: نقصان الحروف: كتب من الكتاب، حسب من الحساب، وذهب من الذهاب.

стр. 574

السادس: نقصان الحرف والحركة نحو: سر من السير، نقصت حرك الراء للأمر والياء لالتقاء الساكنين، وبع من البيع، وضر من الضير. السابع: زيادة الحرف، ونقصان الحركة نحو: يغضب من الغضب، زاد حرف المضارعة، ونقصت حركة الغين، ويهرب من الهرب، ويهرم من الهرم. الثامن: نقصان الحرف، وزيادة الحركة نحو: حي من الحياة، نقصت تاء التأنيث، وتحولت الألف ياء؛ لأنه أصلها، وكثر من الكثرة، نقصت تاء التأنيث، وتحركت التاء الوسطى، وكلا وخذا من الأكل، والأخذ، سقطت الألف الأولى، وتحركت الكاف، والخاء، والألف الأخيرة ضمير التثنية لا من الفعل المشتق. التاسع: زيادة حرف، وحركة نقصانهما نحو: أحمر من الحمرة، زادت الألف، وحركت الميم ونقصت التاء وحركت الحاء. (سؤال) بقى زيادة حرفين نحو: معلم، فإن (اللام) مشددة بلامين وحرفين، وحركة: نحو: مضروب من الضرب [. وزيادة حرفين ونقصان حركة نحو: غضبان من الغضب، وزيادة حرفين وحركة نقصانهما نحو: (مسبار من السبر الذي هو الاختبار، ووجدت من المشتقات أمثلة كثيرة على غير ما ذكرتم لم أطول بذكرها، فإن كان ﵀ أراد الحصر، فهو باطل بما ذكرته، وأن أراد التنبيه فقط، فكان

стр. 575

يكفيه الإشارة إلى أصل زيادة الحركات والحروف، ولا حاجة إلى التطويل في ذلك. وأجاب بعض الفضلاء عن ذلك بأن قوله: في الحرف والحركة أراد جنسهما إذا اجتمعا قلا أو كثرا، وعلى هذا الحصر ثابت، والألف واللام في الحرف والحركة في كلامه لاستغراق الجنس، فاندفع السؤال، ولذلك قال في آخر كلامه: (فهذه الأقسام الممكنة)، فدل ذلك على أنه أراد الحصر، خالفه (الحاصل) في أقسام فقال: زيادة الحرف ونقصانه وزيادته ونقصانه، وكذلك في الحركة، وفيهما معا، فعمل لكل واحد من الثلاثة زيادته ونقصانه ولم يعمد زيادة الحرف، ونقصان الحركة، كما في (المحصول). وفى (التحصيل) أجمل فقال: بالحرف، أو الحركة، أو بهما بالزيادة أو النقصان، أو بهما معا، ولم يبين لا عين تسعة ولا غيرها، وكذلك (المنتخب)، وسكت التبريزى عنه بالكلية.

стр. 576

(سؤال) مقتضى ما ذكروه من حدود الاشتقاق أن يكون جبريل مشتقا من الحبروت؛ لأنه يأتي بالقتال، وإسرافيل من السرف لعظم خلقه، وميكائيل من الكيل؛ لأنه يكيل الأرزاق، وعزرائيل من التعزير؛ لأنه يعزر الخلق بقبض أرواحها، وآدم من الأديم؛ لأنه ألف من أديم الأرض، وأدريس من الدرس؛ لأنه درس بحقه باطل غيره، ونحو ذلك كثير، ولو كانت مشتقة لانصرفت، لكنها ممنوعة من الصرف، واتفق الأدباء على أن الاشتقاق والعجمة لا يجتمعان. المسألة الأولى: وهى المشهورة بيننا، وبين المعتزلة بحق الله -تعالى- خاصة، فيثبتون الأحوال دون المعاني التي نوجبها، فلا يثبتون شيئا من الصفات السبعة، فيتبتون أحكامها التي هي القادرية، والعالمية، وكذلك البقية، وبيان إبطال مذهبهم في علم الكلام. قوله: (لا يأتي الخلاف مع أبى الحسين) يريد في هذه المسألة؛ لأنه من ادعى الاتحاد بين الحكم وموجبه، فالنزاع معه إنما هو في إبطال الاتحاد بينهما. فلعله لو اعترف بالمغايرة والتعدد قال بأنهما متلازمان، فما تعين الخلاف معه في هذه المسألة، بل في اتحاد الأمرين المذكورين. وقوله لنا: (إن المشتق مركب، والمشتق منه مفرد، والمركب بدون المفرد محال). تقرير ذلك: أن العالم معناه: شيء ما له العلم، فشيء ما أحد الجزئين، وله العلم هو الجزء الأخير. (سؤال) فهرسة المسألة غير منتظمة ، لأن المشتق منه إنما هو اللفظ؛ لأن الاشتقاق

стр. 577

من عوارض الألفاظ دون المعاني، فالمشتق عالم مثلا، والمشتق منه لفظ العلم لا مسماه، وقد يصدق لفظ عالم في الوجود على شخص، ولا ينطق أحد في حقه بلفظ العلم، فينفك المشتق عن المشتق منه، بل كان الصواب أن يقال: صدق المشتق لا ينفك عن صدق مسمى المشتق منه. أما المشتق منه فلا يلزم إجماعا. وكذلك قوله: (المشتق مركب، والمشتق منه مفرد، والمركب بدون المفرد غير معقول) - لا يتم؛ لأنه جعل لفظ العلم الذي هو مشتق منه جزء المشتق الذي هو عالم، ولفظ المصدر، أو اسم المعنى ليس جزءا من لفظ اسم الفاعل، نعم اشتراكا في الحروف الأصلية، والحروف الأصلية لا مشتق، ولا مشتق منه، بل المشتق مركب من مسمى المشتق منه، لا من المشتق منه، وهو مطلوبة، غير أن العبارة غير محررة. (المسألة الثانية) اختلفوا في بقاء وجه الاشتقاق: (سؤال) البقاء ليس شرطا إجماعا ، بل المقارنة لزمن الإطلاق، والبقاء لا يصدق إلا بشرط تقدم المعنى، وقد لا يتقدم، بل يصدق اللفظ حقيقة زمن الحدوث، فأول زمن الحياة يصدق أنه حي، وكذلك سائر المعاني، فالبقاء ليس شرطا، بل المقارنة، ثم قوله هو شرط لصدق المشتق منه لم يقل لا حقيقة ولا مجازا، والمجاز ليس مشروطا إجماعا، بل كونه حقيقة. تحرير الأقسام ثلاثة: اثنان مجمع عليهما: إطلاق اللفظ المشتق، ومسمى المشتق منه مقارن حقيقة إجماعا، كتسمية الخمر خمرا، وإطلاقه، وهو مستقبل مجازا إجماعا، كتسمية العنب خمرا، أو إطلاقه وهو متقدم؟ فيه مذهبان: أصحهما: المجاز.

стр. 578

فرق بين هذه المسألة والتي قبلها والنزاع في صدق المعنى على المحل من حيث الجملة، وفى هذه المقارنة فقد يصدق المعنى، ولا يقارن بأن يكون في الماضي والمستقبل، فالثانية ألأخص من الأولى، فالمسلم للأولى يمكنه المنازعة في الثانية؛ لأنه لا يلزم من تسليم أصل الصدق تسليم اشترط المقارنة. (سؤال) هذه الأزمنة الثلاثة المتقدم ذكرها إنما هي بالنسبة إلى زمن الإطلاق ، فعلى هذا يكون قوله تعالى:﴾ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين] حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ﴿] التوبة:٥ [، وقوله تعالى:﴾ السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ﴿] المائدة:٣٨ [،﴾ والزاني والزانية ﴿] النور:٢ [ونحوه من نصوص الكتاب والسنة لا يتناول الكائن في زماننا من هذه الطوائف إلا بطريق المجاز، لأن زمانهم مستقبل بالنسبة إلى زمن نزول هذه النصوص ونطق رسول الله ﷺ ، فلا يتناولهم اللفظ إلا بطريق المجاز، فيتعذر علينا الاستدلال بها؛ لأن الأصل عدم المجاز في كل واحد منها، فيفتقر في كل دليل إلى دليل آخر يدل على التجوز إلى تلك الصورة، فتقف علينا الأدلة السمعية كلها، وهو خلاف الإجماع، بل أجمع العلماء على أن هذه الألفاظ حقائق في هذه المعاني، فكيف تتصور هذه المسألة، وكيف نجمع بينها، وبين هذه القاعدة الإجمالية؟ (سؤال) إذا قال القائل: من دخل داري فله درهم، كان اللفظ متناولا لكل من

стр. 579

يدخل الدار في الزمن المستقبل حقيقة لغوية، وما تقدم من تقسيم الأزمنة يأباه. (سؤال) أجمع العلماء على أن لفظ الفعل الماضي حقيقة ، وإن كان قد تقدم مسمى المشتق منه، والفعل المستقبل حقيقة في المستقبل، والمعنى المشتق من لفظه لم يأت بعد، ومن ذلك الأوامر، والنواهي، والأدعية، والشروط، وأجوبتها، والوعد، والوعيد، والترجي، والتمني، والإباحة، هذه الأمور العشرة إنما وضعت لتناول المعدوم المستقبل ليس إلا، ولا تتعلق بحاضر، ولا ماض مع وجود الاشتقاق فيها، فهذه الدعوى في هذه المسألة إما باطلة، وإما غير محررة. والجواب عن الأول: أن المشتق على قسمين: محكوم به، ومتعلق الحكم. فالمحكوم به نحو: زيد صائم، أو مسافر، فقد حكمنا عليه بهذه المشتقات. ومتعلق الحكم، نحو: أكرم العلماء، ولم نحكم بأن أحدا عالم، بل حكمنا بوجوب الإكرام لهم، وهو متعلق هذا الحكم، ومرادنا في هذه المسألة المشتق إذا كان محكوما به. أما إذا كان متعلق الحكم، فهو حقيقة مطلقا من غير تفضيل، والله لم يحكم في تلك الآيات بأن أحدا أشرك ولا زنى ولا سرق، بل حكم بوجوب القتل، والقطع، والجلد فقط، وهذه الطوائف متعلق الأحكام، فاندفع الإشكال عن نصوص الكتاب والسنة بتخصيص الدعوى، مع أن كل من رأيته يتحدث في هذه المسألة يذكرها عموما، وهو باطل إجماعا، وبالضرورة كما ترى.

стр. 580

وعن الثاني: أن مقصودنا بالمشتق إذا حكم به على المحل، وأخبر المخبر بثبوته، وفى قول القائل: من دخل داري لم يحكم بدخول أحد الدار، فاندفع الإشكال الآخر بعين ذلك التخصيص. وعن الثالث: أن مرادنا اسم الفاعل، واسم المفعول، واسم الزمان، واسم المكان، واسم الآلة ونحوها، أما الأفعال وما ذكر معها لم نرده. فإذا تخصصت المسألة، خرجت منها هذه النصوص أمكن تمشيتها، وإلا كانت باطلة بالإجماع، فتأمل هذه المواضع، ففيها فوائد جليلة. قاعدة كل ما أخص في طرف الثبوت، فهو أعم في طرف النفي، وكل ما كان أخص في طرف النفي، فهو أعم في طرف الثبوت، فعدم الأخص أعم من عدم الأعم، وعدم الأعم أخص من عدم الأخص، فوجود الإنسان أخص في طرف الثبوت من الحيوان، وعدمه أعم من عدم الحيوان؛ لأنه يعدم كل عدم الحيوان، وقد يعدم ولا يعدم الحيوان لعدم فصله، خاصة الذي هو الناطق، فعدم الإنسان أعم من عدم الحيوان، وعدم الحيوان أخص من عدم الإنسان، عكس ما كان عليه في جهة الثبوت. إذا تقررت هذه القاعدة، فقولنا: ضارب في الحال أخص من: (ضارب) لحصول الخصوص بقيد الحال، وسلبه أعم من سلب: (ضارب) لما تقدم، فلا يلزم من صدق: ليس بضارب في الحال صدق: ليس بضارب، لأنه لا يلزم من صدق عدم الأخص صدق الأعم. فرق بين عدم الأخص وبين العدم الأخص، وبين سلب المقيد بالحال، وبين السلب المقيد بالحال، فهو يريد أن يجعل سلب: (ضارب) من حيث هو ضارب، ويقيده في الحال، ويقول: متى صدق السلب المقيد بالحال صدق السلب ضرورة صدق الأعم عند صدق الأخص.

стр. 581

ونحن ننازعه، ونقول: بل هذا السلب دخل على الضارب المقيد بالحال، فهو سلب الأخص لا سلب أخص، وسلب المقيد بالحال لا السلب المقيد بالحال كما زعم، والصيغة محتملة للأمرين، فلا يتعين لإنتاج مطلوبة. فقوله: والأول جزء من الثاني يمنعه أنه جزؤه، لأن سلب الأعم ليس جزءا من سلب الأخص؛ لأنه اخص، والأخص ليس جزءا للأعم، بل الصادق العكس الثاني جزء من الأول؛ لأن الأعم جزء من الأخص. (قاعدة) القضايا أربعة: موجبة كلية نحو: كل إنسان حيوان، وسالبة كلية نحو: لا شيء من الإنسان بفرس، وموجبة جزئية نحو: بعض الحيوان إنسان، وسالبة جزئية نحو: بعض الحيوان ليس بفرس. (قاعدة) المعلومات كلها أربعة أقسام: نقيضان: وهما اللذان لا يجتمعان، ولا يرتفعان كوجود الشيء وعدمه. وخلافان: وهما اللذان يمكن اجتماعهما، وارتفاعهما كالحركة، والبياض. وضدان: وهما اللذان لا يجتمعان، ويمكن ارتفاعهما مع اختلاف الحقيقة، نحو: السواد، والبياض. ومثلان: وهما اللذان لا يجتمعان، ويمكن ارتفاعهما مع تساوى الحقيقة. (تنبيهات) الأول: قولنا في الضدين: (مع اختلاف الحقيقة) احترازا من المثلين، فإنهما متساويان في الحقيقة، كما أن قولنا في المثلين: إنهما متساويان في

стр. 582

الحقيقة احترازا من الضدين، فإنهما مختلفان في الحقيقة، فلا فارق بين الضدين والمثلين إلا الاختلاف والتساوي في الحقيقة. الثاني: أن قولنا في الضدين: يمكن ارتفاعهما يشكل بالحركة والسكون، والموت والحياة، والعلم والجهل، والنور والظلمة، وبكل ضدين لا ثالث لهما، فإنهما لا يرتفعان، وإنما يتصور الارتفاع في الضدين اللذين لهما ثالث، كالألوان والطعوم والورائح. وجوابه: أنه يمكن ارتفاع هذه الأمور بارتفاع محالها، فقبل وجود العالم لا متحرك ولا ساكن، ولا جاهل ولا عالم من الخلائق التي يتضاد في حقهم ذلك ويتعاقب، وكذلك النور والظلمة، وسائر هذه النقوض، وإمكان الارتفاع أعم من الارتفاع المحلى، فهو صادق بما ذكرناه. الثالث: أن صانع العالم مع العالم ليس من الأربعة ، فليسا نقيضين، لأنهما وجوديان، والنقيضان لابد وأن يكون أحدهما عدميا. ولا ضدين، لأن المؤثر لا يضاد أثره وإلا صدر عنه بل نافاه. ولا مثلين لعدم المنافاة، ولأن الواجب الوجود لا يماثل الممكن، ولا خلافان، لأنهما لا يمكن ارتفاعهما لتعذر العدم على الواجب الوجود . وجوابه: أنا نريد بالمعلومات ماعدا هذه الصورة. الرابع: أنه اشتهر من قواعد علم الكلام أن الضدين لابد أن يكونا ثبوتيين ، وليس كذلك فإنهما قد يكون أحدهما عدميا كما قيل: إن سلب الشيء عن الشيء قد يكون المحل قابلا له، وقد لا يكون، فإن لم يكن قابلا له قبل لمنافاة ذلك الوجود، ولما يقابله يقابل السلب، والإيجاب كالنفي المقابل لوجود المستحيل.

стр. 583

نقول: التقابل بينهما تقابل السلب والإيجاب، وإن كان المحل قابلا لذلك الوجود. قيل: التقابل بينهما العدم والملكة، فالملكة هي الوجود المقبول، والعدم هو النفي الذي لا يقابله، وسمى بذلك، لأنه لما كان يقبله عد كأنه مالك له، وعلى هذا العدم والملكة متنافيان، وهما ضدان لإمكان رفعهما بأن يكون الوجود ليس واقعا، والعدم غير واقع، لأن المحل لا يقبل ذلك الوجود، مع أن أحدهما ليس ثبوتيا، فانتقضت القاعدة. الخامس: ينبغي أن يعلم أن الخلافين قد يمكن افتراقهما مع إمكان اجتماعهما وارتفاعهما، وقد لا يمكن، فالأول كالحركة والبياض، والتاني كالزوجية مع العشرة، وسائر اللوازم مع الملزومات، فإنهما لا يفترقان، وهما خلافان لانطباق حد الخلافين عليهما. إذا تقررت هذه الحقائق الأربعة، فتقول: قاعدة الكليات لا تناقض بينها لإمكان ارتفاعهما، والنقيضان لا يرتفعان، كقولنا: كل عدد زوج، ولا شيء من العدد بزوج، كلاهما كاذب، فقد ارتفعا، والجزئيتان لا تناقض بينهما لإمكان اجتماعهما على الصدق، كقولنا: بعض العدد زوج، وبعضه ليس بزوج، والنقيضان لا يجتمعان، فتكون الكليتان ضدين، والجزئيتان ضدين، فحينئذ التناقض إنما يقع بين الكلية والجزئية المخالفة لها في السلب أو الإيجاب، فتقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية، ونقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية، فعلى هذا اتجه منع قوله: كل واحد منهما يستعمل لتكذيب الآخر، لأن الضارب موجبة جزئية، وليس بضارب سالبة جزئية، والجزئيتان لا تناقض بينهما ما لم يضف إلى احديهما الدوام فنقول: ضارب دائما، أو ليس ضارب دائما، فبقيد الدوام تصير كلية تقابلها الجزئية بالتناقض، ولا يمكن الإضافة ها هنا في ضارب، لأن التقدير أنه ضارب في الماضي فقط.

стр. 584

وقوله: (إنما يكونان متناقضين إذا اتحد الوقت) - ممنوع، ولا يلزم من اتحاد الوقت التناقض. وتقرير شروط التناقض أن نقول: قاعدة التناقض لها ثمانية شروط: اتحاد الموضوع احترازا من تعدده نحو: زيد قائم، عمر ليس بقائم. واتحاد المحمول احترازا من قولنا: [زيد قائم]، زيد ليس بقائم. ووحدة الزمان احترازا من قولنا: زيد قائم يوم الجمعة ليس قائما يوم الخميس. ووحدة المكان احترازا من قولنا: زيد قائم في الدار ليس قائما في السوق. ووحدة الإضافة احترازا من قولنا: زيد أبو عمرو ليس أبا خالد. واتحاد الجزء والكل احترازا من قولنا: الزنجي أسود، ويريد جلده، وليس بأسود يريد أسنانه. واتحاد القوة والفعل احترازا من قولنا: الخمر مسكرة بالقوة ليس مسكرة بالفعل. والاختلاف في الكمية احترازا من قولنا: بعض العدد زوج، وبعضه ليس بزوج. فجميع هذه المثل الثمانية ليس فيها تناقض. وقال: يكفي اتحاد الإضافة في الثمانية، فإن اختلاف أحد الثمانية يوجب اختلاف الإضافة؛ لأن اختلاف الصيام يوجب اختلاف السفر، وكذلك بقيتها. وإذا تقررت هذه القاعدة ظهر أنه لا يلزم من اتحاد الزمان حصول التناقض.

стр. 585

وأما مناقضة أهل العرف فصحيحة بناء على أنهم يريدون عند التكذيب المناقضة بالشروط الثمانية، فإذا عضد هذه المقدمة بأن الأصل عدم النقل، والتغيير صحت المقدمة. تقرير قوله: يجوز أن يكون حكم الشيء وحده مخالفا له مع غيره. معناه: أن قولنا: قام زيد حكمه الإخبار والجزم، وإن دخل عليه حرف الشرط فقلنا: إن قام زيد بطل ذلك، وصار غير مفيد البتة، وكذلك هل قام زيد؟ بطل الإخبار، وصار استخبارا، ونظائره كثيرة. يقول السائل: فلعل قولك: في الحال يوجب صدق معنى لا يصدق عند إفراد ضارب عن قيد الحال، فيكون الصادق الثبوت عند عدم القيد، وعند القيد يصدق السلب. قوله: (الضارب من حصل له الضرب، وهو أعم من الحال). ممنوع؛ لأن قوله: (حصل) صيغة ماضية، والماضي لا يصدق على الحال، نعم لو قال: حاصل أو يحصل أمكن تسليمه، أما (حصل له) فلا. قوله: (اتفقوا على أن إطلاق اسم الفاعل بمعنى الماضي إذا قلنا: زيد ضارب عمرا أمس). قلنا: اتفاقهم على الإطلاق لا يلزم منه الحقيقة، وقد يكون مجازا، وهو مذهبنا، فقد أطلقوه باعتبار المستقبل، وهو مجاز إجماعا، وأولى أن يكون حقيقة؛ لأنهم قالوا: إذا كان بمعنى المستقبل عمل فأثبتوه، وأثبتوا له العمل، فيكون أقوى من الماضي الذي لم يثبتوا أثره. قوله: (لو كان حصول المشتق منه شرطا لما كان حصول الأمس واليوم حقيقة). قلنا: النزاع إنما هو في بعض المشتقات لا في كل الألفاظ، فالماضي،

стр. 586

والمستقبل، والمتقدم، والمتأخر، وغير ذلك أسماء وحقيقة في الماضي، والمستقبل إجماعا، وقد تقدم ألفاظ كثيرة لم تندرج في صورة النزاع، وإنما يرد اليوم والأمس أن لو كان النزاع في كل لفظ. تقرير قوله: الإلزام عائد في لفظ المخبر. معناه: أن المخبر اتفق الناس على أنه يصدق فيمن نطق بكلام غير مفيد، والكلام المفيد إنما يحصل بمجموع حروف. وأما المتكلم فقد قيل: إن الكلام حرفان، أفاد أم لا، كانا مهملين موضوعين لمعنى، فلذلك سلم الكلام، ونازع في الخبر مع أن الكلام وإن فسر بأقل الأقوال فهو حرفان، وما علمت أحدا يقول: الحرف الواحد كلام، إلا أن يكون في الأصل أكثر من ذلك، والحرفان لا يجتمعان، فلا فرق بينهما وبين الخبر. (تنبيه) الشهر، والسنة أمكن أن يكونا من محل النزاع؛ لأن الشهر من الاشتهار برؤية الهلال وغيره، والسنة قالوا: من السنة الذي هو التغيير؛ لأن أحوال العالم تتغير فيها بالرفع والخفض، أو بالفصول الأربعة، وكذلك العام من العوام، لأن الشمس عامت في الفلك عومة كاملة، فكانت في نقطة، وخرجت منها، وعادت إليها، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وكل في فلك يسبحون﴾ [يس:٤٠]. وكذلك اختار أرباب الآداب أن يقال: عام مبارك، ولا يقال: سنة مباركة؛ لإشعار السنة بالتغيير والجدب والمكاره، والعام ليس كذلك، وكذلك قال الله تعالى: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾ [يوسف:٤٩]. وقال في الجدب: ﴿سبع سنين﴾ [يوسف:٤٧]، ولم يقل: سبعة

стр. 587

أعوام، فظهر أن هذه مشتقة تفريعا على الاشتقاق الأكبر لا الاشتقاق الأصغر على ما تقدم بيانه. وأما اليوم، والأمس فما سمعت لهما اشتقاقا منقولا لأهل الأدب، وظهر الفرق. وقوله: (كل يستعمل إما حقيقة، وإما مجازا). ممنوع، لأن لفظ (جعفر) إذا استعمل في الإنسان المخصوص لا حقيقة؛ لأن (جعفر) اسم للنهر الصغير، ولا مجازا لعدم العلاقة بين النهر الصغير، وبين الإنسان المخصوص، ونظائره كثيرة في الأعلام. وفيما قاله العلماء: إذا قال: اسقني الماء، أو سبحان الله، وأراد طلاق امرأته، أو عتق عبده، فليس حقيقة في الطلاق، ولا مجازا لعدم العلاقة، وهو كثير أيضا. قوله في الجواب: (مدلول الألفاظ المركبة ليس إلا المركب الحاصل من المفردات التي هي مدلولات الألفاظ المفردة) لا يتم جوابا؛ لأنا نسلم له الآن أن مدلول المركب الآن هو مدلول الألفاظ الموجودة الآن، ولكن إذا انفرد بعض هذه الألفاظ عن بعض، هل يبقى الحال كما كان أو يختلف؟ هذا موضع النزاع، وقد تقدمت مثل لم يبق فيها مدلول المفرد حالة التركيب، ولا مدلول التركيب حالة الإفراد. قوله: (كلمة (ليس) موضوعة للسلب، فإذا قلنا: ليس بضارب، فلابد أن يفيد سلب ما فهم من قولنا: ضارب). قلنا: ظاهر كلامه أن السلب لا بد أن يرفع جملة ما فهم من الثبوت، وهو غير لازم، فإن سلب الكل المركب يكفي فيه نفي جزء منه، نحو: لا نصاب للزكاة عندك، يكفي فيه نفي دينار واحد، وكذلك الكليات إذا دخل عليها السلب.

стр. 588

قولنا: ليس كل عدد زوجا، ولا كل أحد يصحب، ونحو ذلك، فإن السلب إنما ينفي بعض هذه الكلية لا جملة ما فهم من قولنا: ليس كل عدد زوجا الذي هو الكلية، فإن أراد سلب الجميع، فهو باطل بما ذكرناه، إلا زوجا الذي هو الكلية، فإن أراد الجميع، فهو باطل بما ذكرناه، وإن أراد صدق أصل النفي كيف كان أفاده، فإن لفظ (ضارب) وضع لمجموع هذا المفهوم، فإذا انتفى بجملته أو ببعض أجزائه لم يصدق اللفظ بعد ذلك إلا مجازا، وهو المطلوب. (أسئلة) الأول: قال النقشواني: كل إنسان يصدق عليه أنه نائم، وليس بنائم لما عرف من اختلاف الزمانين مع عدم التناقض. الثاني: قال النقشواني: يصدق أن الفرس ليس بحيوان طائر، وأنه حيوان صاهل، فكونه حيوانا، وليس بحيوان جزء من هذين المقدمتين الصادقتين، فلو صدق مقدما خلاف قياس المصنف لصدق أن الفرس حيوان، وليس بحيوان، وهو محال. الثالث: أن نكتته معارضة بأن يصدق أنه ضارب في الماضي، فيصدق أنه ضارب؛ لأنه جزء من ضارب في الماضي، وإذا صدق ضارب لا يصدق أنه ليس بضارب؛ لأنه نقيضه، ولا ينقلب ذلك في المستقبل، فيقال: هو ضارب في المستقبل، وضارب في المستقبل جزؤه ضارب، مع أنه مجاز إجماعا؛ لأنا نمنع القلب، فإن ضاربا معناه: الضرب كائن منه، والضارب في المستقبل لم يكن منه ضرب. الرابع: قال: إن الحق في هذه المسألة التفصيل إن لم يطرأ على المحل معنى آخر يضاد الأول، حتى يشتق له منه اسم كالسارق، والزاني، فهو

стр. 589

حقيقة في الحال، وإن تقدم؛ لأن الله-تعالى-أمرنا بقطع يد السارق، وجلد الزاني، فلو ذهب ذلك بالمضي لأقمنا الحدود على غير السارق والزاني، وهو باطل، وإن طرأ الضد، واشتق له منه اسم كالثوب يصبغ أسود لم يصدق حقيقة، وبه يبطل كلام المصنف في اليقظان لا يسمى نائما، والصحابي لا يسمى كافرا لطريان الضد، وهو اليقظة، والإسلام. الخامس: قال: إن المشتق قد يصدق بدون المشتق منه على ما ذكره في التي بعد هذه المسألة من المكي، والمدني، والخالق، والرازق. والجواب عن الأول أن المصنف إنما ادعى التناقض في العرف؛ لأنهم يقصدون زمانا واحدا، وهو الحاضر لا بمجرد اللفظ، كما في النائم واليقظان باعتبار الليل والنهار. وعن الثاني أن قولكم: الفرس ليس بحيوان طائر من باب سلب الأخص، وهو إنما صحح دليله بناء على أنه سلب أخص، فالمتوجه عليه المنع أن مقدمته من هذا الباب، ولم يستدل بصورة السلب والإيجاب مطلقا. وعن الثالث: بأن قولنا: ضارب في الماضي يمنع صدقه حقيقة، بل مجازا مثل ضارب في المستقبل، وهو إنما ذكر مقدمته بناء على صدق أنه يصدق عليه ليس بضارب في الحال حقيقة، فإن كان ذلك صحيحا ظهر الفرق، وإلا فالمتجه منع مقدمته، ولا حاجة للمعارضة. وعن الرابع: أن التفصيل ممنوع، والله تعالى لم يأمر بقطع السارق، إلا إذا صار الاسم يصدق عليه مجازا، أو دخل الفعل منه في الوجود، وصار محكوما عليه بالمضي، والله-تعالى-يرتب أحكامه بعد مضي المعنى، وصيرورة اللفظ مجازا، ولا يمنع ذلك إلا غافل عن الأوضاع الشرعية، بل لا يكاد يوجد في الشرعية إلا ذلك في جميع الموارد.

стр. 590

وعن الخامس: أن النزاع في المشتق من المعاني دون الأقسام، فلا يرد المكي، والمدني. وأما الخالق ونحوه، وإن كان مشتقا من الخلق الذي ليس بجسم. قلنا: أن يقول: إنما وضعت العرب اسم الفاعل حقيقة لمن هو ملابس للتأثير قام به الأثر أم لا، كان التأثير وجوديا، أو عدميا، ولذلك سمي الإنسان معدما أو فقيرا، وابنا وأبا باعتبار هذه الأمور، وهي ليست وجودا، والله-تعالى- مؤثر في الشيء المرزوق، والمخلوق، فتصدق هذه الألفاظ حقيقة حالة صدور هذه الآثار عنه تعالى، وقبل ذلك وبعده تكون مجازا. (تنبيه) قال التبريزي: الحق في هذه المسألة التفصيل، فإن كان صفة أو حلية كالعمى، والعور، أو اسم محل قيام المعنى كالأسود، والعالم، والمتحرك، والمؤمن، والكافر، والنائم، فيشترط بقاء وجه الاشتقاق؛ لأن العالم، ولا علم له محال، وأما ما يرجع إلى نسبة الفعل كالقاتل، والضارب، والخالق، فلا يشترط وجود المعنى حينئذ، والمعنى فيه أن العالم بقيد الذات التي هي محال قيام العلم، فلا يصدق ذلك مع انتفاء العلم، ومفهوم القاتل الذات التي هي مصدر القتل، أو الخلق، وذلك يصدق عليه في الزمن الثاني. وسر الفرق أن المعنى مفتقر لمحله دائما، وينقسم إلى الأزمنة، فيصدق أن يقال: قام يوما، وقام سنة، فيجوز أن يقوم به أمس هو قيامه اليوم، فلا يكفي في قيام اليوم قيام أمس. وأما الفعل فإنه يجوز أن يصدر منه أمس، وأيضا يصدر منه اليوم، فإذن لا تعدد في الصدور، فإطلاقه يفيد تحقيق أصل السنة، وهو مسمى الصدور

стр. 591

لا غير، وهو حق مهما أطلق؛ لأن الزمان غير مأخوذ فيه؛ ولهذا يصح أن يقال على الدوام: الله تعالى خالق العالم، ولو قيل: ليس خالق العالم كان كفرا، وإن صح أن يقال: ليس خالق العالم الآن، ولو كان الإطلاق في طرف الثبوت نقيض هذا التفصيل لما كان سلبه كفرا، كما في طرف المعاني والصفات، فإن عالما يسلب بناء على الحال الخالي. قال: فهذا كلام محقق، وإن لم أجده في المصنفات، ولا ينبغي أن يشكل الأمر عليه بالمصلي، والغاضب، والداخل، والخارج، فلعلك تقول: نسبة الصلاة إلى المصلي نسبة الفعل إلى الفاعل، وكذلك الغصب، والخروج، ثم لا يقال: هو مصل أو غاصب، أ، داخل باعتبار ما كان إلا مجازا، فإنها مغالطة من حيث إن أفعال تقوم بالفاعل، فتصير صفة له إما حقيقة أ، اعتبارا، ومنه المتكلم، والمخبر، فإنه عند أهل الحق هو محل قيام الكلام، ففعله لازم لا مجاوز محل قدرته، فيكون كالمتحرك، فالصلاة، والكلام حركات مخصوصة، فلتفهم ذلك ليجعل قانونا لأمثاله. وقلت: هذا الكلام منه تهويل بغير تعويل. وسر الفرق الذي قاله مردود؛ فإن الصدور يتعدد كما يتعدد قيام العلم بالمحل، فصدور زيد عن قدرة الله تعالى غير صدور عمرو، والنسب متعددة، وتكفيرنا لمن قال: الله تعالى ليس خالق العالم إنما كان لأنا فهمنا عنه القضاء بالسلب الكلي في جميع الأزمنة، فالتكفير للمعنى المفهوم، لا للفظ، ثم اعتذاره عن الغاصب ونحوه لا يتم؛ لأنه قد قال: هي صفة حقيقية أو اعتبارا، وكذلك نقول: خلق العالم صفة لله- تعالى- اعتبارا، وكذلك نقول: خلق العالم صفة لله- تعالى- اعتبارا، ولذلك من أسمائه تعالى الخالق، الباريء، المصور.

стр. 592

وزاد سراج الدين في قوله: إنهم قالوا: إذا كان اسم الفاعل بمعنى الاستقبال يعمل. قال: تعليل المجازي أولى، يعني يكون حقيقة في الماضي مجازا في المستقبل. وقال في قوله: لا يقال في أكابر الصحابة: إنهم كفار: إن الحقيقة قد تنزل لعارض من التعظيم، أو غيره. قلت: والجواب عن الأول: أنا قد استدللنا بصحة الإطلاق من النحاة لزم النقض على صحة الإطلاق بالمستقبل، فيصير تحقيق المجاز معارضا بانتقاض الدليل، فلا ترجيح حينئذ للخصم. وعن الثاني: أنه يلزم التعارض بين مقتضى الوضع، وذلك المعارض، وعلى مذهب المصنف لا يلزم التعارض، فكان أولى. (فائدة) قال سيف الدين: اختلف في (بقاء) الصفة المشتقة منها هل يشترط في إطلاق الاسم المشتق حقيقة أم لا؟ أثبته قوم، ونفاه آخرون. وفصل بعضهم بين ما هو ممكن، وما ليس ممكنا، فاشترط في الممكن دون غيره، فحصل من كلام سيف الدين فوائد منها: تصريحه بأن الخلاف إنما هو في إطلاق اللفظ حقيقة. ومنها القول بالتفرقة بين الممكن وغيره، كالكلام والخبر، فهذه فوائد ليست في (المحصول). المسألة الثالثة: في أن المعنى القائم بالشيء هل يجب أن يشتق له منه اسم إلى آخر ما فيها تسعة أسئلة؟

стр. 593

الأول: على قوله: (والحق التفصيل بين أنواع المعاني التي لا أسماء لها كأنواع الروائح والآلام، فلا شك أن ذاك غير حاصل فيها). يرد عليه أن هذا ليس تفصيلا؛ لأن العلماء قالوا: إذا قام المعنى بمحل اشتق للمحل من لفظه لفظ، فما لا لفظ له لم يقل أحد بالاشتقاق منه، فهذا ليس تفصيلا لكلام الناس، ولا تفصيلا في المسألة. الثاني: على هذا أيضا بأن نسلم صحة التفصيل، فيرد عليه قوله من باب المجاز والحقيقة: إن الرائحة حقيقة في معناها، ولم تشتق منه، فقد انتفض التفصيل، وهو أن ما له لفظ لم يشتق منه. (تنبيه) لم أجد الخلاف بيننا وبين المعتزلة في هذه المسألة إلا في موضع واحد وهو مسألة [قوله تعالى]: ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل، ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء:١٦٤]، بل كلمه بكلام قائم بذاته، وخلق له كلاما في الشجرة سمعه موسى ﵇، فالأول قول أصحابنا، والثاني قول المعتزلة، فقد قام الكلام بالشجرة ولم يشتق لها منه لفظ، فلم يقل الله تعالى: وكلمت الشجرة موسى، [واشتق الله تعالى فقال: وكلم الله موسى] وما عدا هذه الصورة لا نخالف فيه المعتزلة، وإذا قام البياض بثوب لا تقول المعتزلة: إنه لا يسمى أبيض، ويسمى ثوبا آخر لم يقم به البياض أبيض، ولا يقول هذا عاقل. الثالث: على قوله القتل قائم بالمقتول، ولا يسمى قاتلا؛ لأن القتل هو المصدر، وهو قائم بالفاعل دون المفعول، بل الذي في المفعول إنما هو أثره.

стр. 594

الرابع: سلمنا قيامه بالمقتول، لكن الدعوى في أصل المسألة أنه لم يشتق له منه اسم، وكونه اسما أعم من كونه اسم فاعل، أو اسم مفعول، فلا يرد هذا نقضا؛ لأن مقتول اسم إجماعا. الخامس: على قوله: (يفتقر التأثير إلى تأثير آخر، ويلزم التسلسل). قلنا: التأثير والخلق، والتأثر، والمخلوقية، نسب وإضافات عندنا، خلافا للفلاسفة، والنسب والإضافات عدمية في الخارج؛ لأن الله-تعالى-إذا خلق جوهرا بعد جوهر، فمخلوقه اثنان اثنان ليس إلا بهذا الغرض، ومع ذلك يصدق أن أحدهما قبل الآخر، وسابق عليه، والثاني بعده، ومتأخر عنه، ويصدق أيضا أنهما اثنان، فهذه نسب كثيرة غير الجوهرين. فلو كانت وجودية مع أنها حادثة تابعة لحدوث الجوهرين كان الله-تعالى-وهو المؤثر فيها، فتكون مخلوقاته أكثر من اثنين، والمقدر أنهما اثنان، هذا خلف؛ ولأن النسبة لو كانت وجودية لكان لها نسبة لمحلها، والكلام في نسبة النسبة، ويلزم التسلسل، فحينئذ النسب عدمية، ووجودها إنما هو في الاعتبار العقلي دون الخارجي. فإن قلت: إن كانت الأحكام الذهنية مطابقة لما في الخارج كانت النسب في الخارج، وإن لم تكن مطابقة، فهو جهل، والتقدير أنها حق ومعلومة، قلت: قد تقدم في باب الكلام على تقسيم الذهن بأمر على أمر، تفسير هذه المطابقة، وأنها مخالفة لسائر المطابقات، فلينظر من هناك، وإذا لم تكن النسب في الخارج لا تحتاج إلى تأثير، فإن احتياج الممكن إلى التأثير فرع اعتبار دخوله في الوجود، فما لا يدخل في الوجود لا تأثير له، سلمنا اعتبار احتياجه للتأثير، فلم لا يجوز أن يكون تأثير التأثير غير التأثير بخلاف التأثير في الجوهر، والعرض؟ وتقريره: أن الحقائق المختلفة بذاتها يجوز اختلافها في بعض اللوازم،

стр. 595

وتأثير التأثير مخالف لتأثير الجوهر، فجاز أن يكون أحدهما زائدا، والآخر ليس بزائد كما تقول: معلوم كل علم غيره إلا العلم، فإنه نفس العلم به لمخالفته لسائر الحقائق، ومخبر كل خبر غيره، إلا الخبر، فإن الخبر عن الخبر هو نفس الخبر لمخالفته لسائر الحقائق، فكذلك هاهنا. سلمنا احتياجه لتأثير آخر، لكن لم قلتم: إن التسلسل محال في النسب والإضافات، إنما هو محال في الموجودات الحقيقية؟ السادس: على قوله: (الخلق نفس المخلوق)، قلنا: كذلك قال الشيخ أبو الحسن الأشعري، وألزم عليه أن يعرب (السماوات والأرض) مصدرا؛ لأن الخلق مصدر اتفاقا، وهو نفس المخلوق مصدرا، والسماوات والأرض مخلوقة، فيكون مصدرا، وهذا غلط، وعدم فهم لكلامه، بل مراده بأن الخلق نفس المخلوق أنه ليس زائدا عليه في الخارج، بل أمر يعتبره العقل، كما قاله في الوجود أنه نفس الموجود لا أنه هو، بل ليس زائدا عليه في الخارج، وفي الذهن هو اعتبار مغاير، وهو مصدر باعتبار ما في الذهن، ومن ذلك الاعتبار الذهني حصل الاشتقاق، كما سمى تعالى واجب الوجود، وأزليا وأبديا، مع أن الوجود، والأزلية، والأبدية نسب ترجع إلى تعذر العدم على الذات، فهو نسبة بين الذات، والعدم، والأزل والأولية، والأبدية مغايرة الوجود لجميع الأزمنة المستقبلة، والمقارنة نسبة. فإن قلت: إذا حصل الاشتقاق لما في الذهن لله-تعالى- فقد اشتق لغير المحل، ولم يشتق للمحل، وأنت لا تقول به. قلت: النسب الذهنية كلها يشتق منها باعتبار وجود ملزوم صحة الحكم بها، كما تقدم تقريره في تفسير مطابقة [النسب] في حكم الذهن بأمر على أمر، وأن مطابقتها مخالفة لسائر المطابقات، والاشتقاق في الحقيقة إنما هو من

стр. 596

ذلك الملزوم الخارجي، وكذلك الاشتقاق من الأبوة، والبنوة، فتقول: أب، وابن، ومتقدم، ومتأخر، ونحوه من ملزوم صحة الحكم الذهني. السابع: على قوله: (إن كان محدثا لزم التسلسل). قلنا: قد بينا أنه عدمي ليس موجودا في الخارج، وما ليس موجودا في الخارج لم يحتج إلى خلق، فلا يلزم التسلسل. الثامن: على قوله: (اسم المشتق). معناه: أنه ذو المشتق منه. قلنا: لا نسلم أن هذا تفسيره، بل أخص من هذا، فإن (ذا) معناه الصاحب، وقولنا صاحب معناه المقارنة، لا يلزم منها القيام، فالصحابة ليسوا قائمين برسول الله ﷺ . وقولنا: صاحب مال، ليس معناه أن المال قام به، فتفسيره بهذا مصادرة، بل تفسيره أخص من هذا، وهو الصحبة مع القيام بالمشتق له. التاسع: على قوله: (اللابن، والتامر). قلنا: اللابن معناه ذو اللبن، والتامر معناه ذو تمر، وهذه أمور ليست قائمة بالمحال، مسلم ولكن النزاع إنما هو في المعاني، وهذه أمور ليست قائمة بالمحال، مسلم ولكن النزاع إنما هو في المعاني، وهذه أجسام لم تندرج في صورة النزاع، فلا يحسن بها النقض، وكذلك المكي والمدني منسوب إلى (مكة) و (المدينة)، وهما أجسام ليست من صورة النزاع وكذلك الحداد. قال النحاة: النسبة إلى جميع الحرف فعال، نحو حداد، وفكاه، وخياط، وكلها أجسام ليست من صورة النزاع. (المسألة الرابعة) مفهوم الأسود شيء ما له السواد، أما حقيقة ذلك الشيء لا تعرف إلا

стр. 597

بطريق الالتزام، يدل عليه أنك تقول: الأسود جسم، فلو كان مفهوم الأسود أنه جسم ذو سواد لنزل ذلك منزلة الجسم ذي السواد، يجب أن يكون جسما. تقرير ذلك: أن العرب وضعت لفظ الأسود لشيء ما له السواد، والمراد بشيء ما للقدر المشترك بين الموجودات، إما أنه جسم أم لا، فإنما يعلم ذلك بدليل العقل، دل العقل على أن السواد لا يقوم إلا بجسم، كما أن لفظ السواد اسم للون المخصوص، أما ذلك اللون يجب أن يقوم بجسم، فإنما علم ذلك بالعقل، فلم يدخل شيء من ذلك في حقيقة المسمى، فلا يدل عليه اللفظ مطابقة، ولا تضمنا، بل التزاما؛ لأن الجسمية لازمة لهذا المعنى في الذهن والخارج. وأما قوله: (لو كان مفهوم الأسود أنه جسم ذو سواد لكان مثل قولنا: الجسم ذو السواد يجب أن يكون جسما) هذا الاستدلال مبني على قاعدة ذكرها أبو على في (الإيضاح) وذكرها غيره. فقال أبو على: واعلم أنه لا يجوز أن تقول: إن الذاهب جاريته صاحبها؛ لأنك لا تفيد بالخبر شيئا لم يستفد من المبتدأ، وحكم الجزء الذي هو الخبر أن يفيد ما لم يفده المبتدأ، هذا نص كلامه، فبقوله: جاريته علم أنه صاحبها، فلا يكون خبرا عنه. وقال أبو على أيضا في (مسائله): قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ [النساء:١٧٦] من هذا الباب غير أن الصفة مضمرة في الخبر، وهي المحسنة له؛ لأن العرب كانت تورث الصغار دون

стр. 598

الكبار من البنات لضعفهن، فأراد الله- تعالى-[بقوله]: (اثنتين) مجردتين عن وصف الصغر والكبر إشارة إلى عدم اعتبار ما كانوا يعتبرونه من وصف الصغر، وحكاها الحريري في (درة الغواص) عن الأخفش، وحكى هذا الجواب. (فائدة) مسألة (الإيضاح) تبطل من وجه آخر من جهة الضمير في صاحبها؛ لأن القاعدة: أن المبتدأ لا بد أن يعود عليه عائد من الخبر، والذاهب صفة لموصوف محذوف تقديره الرجل الذاهب جاريته صاحبها، فالهاء في (صاحبها) عائد على الجارية لا على المبتدأ، فبطل كونه خبرا لعدم العائد. سؤال على هذه القاعدة: وهو أن أبا على لما قال: لأنه لم يفد بالخبر شيئا لم يفده بالمبتدأ يقتضي بظاهره أن ليس من جهة كون السامع لم يحصل له فائدة، وأنه لو حصل له فائدة لجازت المسألة، فإنه لم يتعرض للسامع، وإنما تعرض لدلالة لفظ المبتدأ، ولو كان المقصود السامع، وعدم فهمه لكان في القرآن جمل كثيرة قد فهمها السامعون قبل نزول الخطاب، كقوله تعالى: ﴿إنني أنا لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه:١٤]. وقوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر:٣٠].

стр. 599

والخلق أجمعون يعلمون ذلك. فإن قال: يحسن ذلك لتضمن هذه المبتدآت مقاصد أخر في التنبيه على التعظيم في الآية الأولى، أو التسلية في الآية الثانية، فقل في مسألة أن الذاهب جاريته: يجوز إن لاحظنا فيها معنى آخر مع أنه أطلق القول بالمنع، فدل ظاهر كلامه على أن ظاهر المنع لأمر يرجه إلى التركيب، كما يمتنع قولك: رجل في الدار، وزيد كيف؟ ونحو ذلك مع أن السامع لم يحتمل عنده الفهم بهذه التراكيب، وهي ممنوعة عند النحاة، ولم تجزها العرب، فهذا ظاهر لفظه أن المنع لنفس اللفظ لا للسامع، وعلى هذا تنتقض هذه القاعدة بالطم والرم فإنا نقول: إن العشرة خمسة وخمسة، وكل حد مع محدوده، فنقول: الإنسان هو الحيوان الناطق، وكذلك جميع المحدودات. وبقولنا: الإنسان ناطق، وحكم الله تعالى خطابه، والله ربنا، ومحمد نبينا، ونظائره كثيرة. وسألت جماعة ممن اجتمعت بهم من الأدباء يقولون: إنما المنع لأجل أن السامع يفهم أنه صاحبها من قولك: جاريته، ولم أجد هذا التفسير ينطبق على كلام أبي على وغيره. وكيف لم يجد أبو على في القرآن غير قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ [النساء:١٧٦]، فكم في القرآن من جملة يفهمها السامع ولم يتعرض أبو على ولا غيره لها لمنعها، وما من كلام إلا ويصح أن يفهمه سامع دون سامع، فليمنع الكل، أو ليجوز الكل، أو يفصل في الكل. أما تخصيص هذه المواد بالمنع من غير تفصيل فأجده مشكلا، بل الجواب الصحيح أن اللفظين متى كانا مترادفين على إفادة معنى واحد، ولم يضمر في الثاني صفة زائدة، ولا فائدة لم تحصل من الأول امتنع لنفس اللفظ لا للسامع.

стр. 600

والإضافة في قولنا: جاريته تفيد الصحة لغة، وصاحبها كذلك، فهما مترادفان، فإن أضمرنا صفة زائدة صحت المسألة، ولذلك صح (كانتا اثنتين) لإضمار الصفة، وإن كان الألف في (كانتا) موضوعة للتثنية، ولفظ اثنتين موضوع للتثنية وكذلك قوله [الرجز]: أنا ألو النجم وشعري شعري لما أضمرنا المعروف صح، ومما يمتنع بهذه العلة الليل ليل، والنهار نهار، والبغل بغل، والحمار حمار، القصيدة المشهورة لوجود الترادف مع عدم الفائدة، وبهذا التقرير لا ترد الحدود مع محدوداتها لما فيها من التفصيل والفائدة، وعدم الترادف أيضا، فإن لفظ الحيوان الناطق ليس مرادفا للإنسان لوضعهما للجزءين، ووضعه للمجموع، وكذلك العشرة خمسة وخمسة، وسائر هذه النقوض لانتفاء ضابط المنع. وكذلك لا ترد ﴿نفخة واحدة﴾ [الحاقة:١٣] و ﴿فدكتا دكة واحدة﴾ [الحاقة:١٤] لأن قولنا: نفخة ودكة لا يفيد إلا أنه وقع من المصدر فرد، فهو مثل قولنا: أعطيتك درهما، ولا ينافي ذلك إعطاء درهم آخر. وقولنا: واحدة تحسم المادة في التكرر، ولم يدل على المنع ﴿نفخة﴾ و ﴿دكة﴾ و ﴿إلهين اثنين﴾ [النحل:٥١] أشكل من هذا كله؛ لأنا لم نستفد باثنين شيئا.
следующие страницы →