Полный текст (4 032 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
ذلك الملزوم الخارجي، وكذلك الاشتقاق من الأبوة، والبنوة، فتقول: أب، وابن، ومتقدم، ومتأخر، ونحوه من ملزوم صحة الحكم الذهني.
السابع: على قوله: (إن كان محدثا لزم التسلسل).
قلنا: قد بينا أنه عدمي ليس موجودا في الخارج، وما ليس موجودا في الخارج لم يحتج إلى خلق، فلا يلزم التسلسل.
الثامن: على قوله: (اسم المشتق).
معناه: أنه ذو المشتق منه.
قلنا: لا نسلم أن هذا تفسيره، بل أخص من هذا، فإن (ذا) معناه الصاحب، وقولنا صاحب معناه المقارنة، لا يلزم منها القيام، فالصحابة ليسوا قائمين برسول الله ﷺ .
وقولنا: صاحب مال، ليس معناه أن المال قام به، فتفسيره بهذا مصادرة، بل تفسيره أخص من هذا، وهو الصحبة مع القيام بالمشتق له.
التاسع: على قوله: (اللابن، والتامر).
قلنا: اللابن معناه ذو اللبن، والتامر معناه ذو تمر، وهذه أمور ليست قائمة بالمحال، مسلم ولكن النزاع إنما هو في المعاني، وهذه أمور ليست قائمة بالمحال، مسلم ولكن النزاع إنما هو في المعاني، وهذه أجسام لم تندرج في صورة النزاع، فلا يحسن بها النقض، وكذلك المكي والمدني منسوب إلى (مكة) و (المدينة)، وهما أجسام ليست من صورة النزاع وكذلك الحداد.
قال النحاة: النسبة إلى جميع الحرف فعال، نحو حداد، وفكاه، وخياط، وكلها أجسام ليست من صورة النزاع.
(المسألة الرابعة)
مفهوم الأسود شيء ما له السواد، أما حقيقة ذلك الشيء لا تعرف إلا
стр. 597
بطريق الالتزام، يدل عليه أنك تقول: الأسود جسم، فلو كان مفهوم الأسود أنه جسم ذو سواد لنزل ذلك منزلة الجسم ذي السواد، يجب أن يكون جسما.
تقرير ذلك: أن العرب وضعت لفظ الأسود لشيء ما له السواد، والمراد بشيء ما للقدر المشترك بين الموجودات، إما أنه جسم أم لا، فإنما يعلم ذلك بدليل العقل، دل العقل على أن السواد لا يقوم إلا بجسم، كما أن لفظ السواد اسم للون المخصوص، أما ذلك اللون يجب أن يقوم بجسم، فإنما علم ذلك بالعقل، فلم يدخل شيء من ذلك في حقيقة المسمى، فلا يدل عليه اللفظ مطابقة، ولا تضمنا، بل التزاما؛ لأن الجسمية لازمة لهذا المعنى في الذهن والخارج.
وأما قوله: (لو كان مفهوم الأسود أنه جسم ذو سواد لكان مثل قولنا: الجسم ذو السواد يجب أن يكون جسما) هذا الاستدلال مبني على قاعدة ذكرها أبو على في (الإيضاح) وذكرها غيره.
فقال أبو على: واعلم أنه لا يجوز أن تقول: إن الذاهب جاريته صاحبها؛ لأنك لا تفيد بالخبر شيئا لم يستفد من المبتدأ، وحكم الجزء الذي هو الخبر أن يفيد ما لم يفده المبتدأ، هذا نص كلامه، فبقوله: جاريته علم أنه صاحبها، فلا يكون خبرا عنه.
وقال أبو على أيضا في (مسائله): قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ [النساء:١٧٦] من هذا الباب غير أن الصفة مضمرة في الخبر، وهي المحسنة له؛ لأن العرب كانت تورث الصغار دون
стр. 598
الكبار من البنات لضعفهن، فأراد الله- تعالى-[بقوله]: (اثنتين) مجردتين عن وصف الصغر والكبر إشارة إلى عدم اعتبار ما كانوا يعتبرونه من وصف الصغر، وحكاها الحريري في (درة الغواص) عن الأخفش، وحكى هذا الجواب.
(فائدة)
مسألة (الإيضاح) تبطل من وجه آخر من جهة الضمير في صاحبها؛ لأن القاعدة: أن المبتدأ لا بد أن يعود عليه عائد من الخبر، والذاهب صفة لموصوف محذوف تقديره الرجل الذاهب جاريته صاحبها، فالهاء في (صاحبها)
عائد على الجارية لا على المبتدأ، فبطل كونه خبرا لعدم العائد.
سؤال على هذه القاعدة: وهو أن أبا على لما قال: لأنه لم يفد بالخبر شيئا لم يفده بالمبتدأ يقتضي بظاهره أن
ليس من جهة كون السامع لم يحصل له فائدة، وأنه لو حصل له فائدة لجازت المسألة، فإنه لم يتعرض للسامع، وإنما تعرض لدلالة لفظ المبتدأ، ولو كان المقصود السامع، وعدم فهمه لكان في القرآن جمل كثيرة قد فهمها السامعون قبل نزول الخطاب، كقوله تعالى: ﴿إنني أنا لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه:١٤].
وقوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر:٣٠].
стр. 599
والخلق أجمعون يعلمون ذلك.
فإن قال: يحسن ذلك لتضمن هذه المبتدآت مقاصد أخر في التنبيه على التعظيم في الآية الأولى، أو التسلية في الآية الثانية، فقل في مسألة أن الذاهب جاريته: يجوز إن لاحظنا فيها معنى آخر مع أنه أطلق القول بالمنع، فدل ظاهر كلامه على أن ظاهر المنع لأمر يرجه إلى التركيب، كما يمتنع قولك: رجل في الدار، وزيد كيف؟ ونحو ذلك مع أن السامع لم يحتمل عنده الفهم بهذه التراكيب، وهي ممنوعة عند النحاة، ولم تجزها العرب، فهذا ظاهر لفظه أن المنع لنفس اللفظ لا للسامع، وعلى هذا تنتقض هذه القاعدة بالطم والرم فإنا نقول: إن العشرة خمسة وخمسة، وكل حد مع محدوده، فنقول: الإنسان هو الحيوان الناطق، وكذلك جميع المحدودات.
وبقولنا: الإنسان ناطق، وحكم الله تعالى خطابه، والله ربنا، ومحمد نبينا، ونظائره كثيرة.
وسألت جماعة ممن اجتمعت بهم من الأدباء يقولون: إنما المنع لأجل أن السامع يفهم أنه صاحبها من قولك: جاريته، ولم أجد هذا التفسير ينطبق على كلام أبي على وغيره.
وكيف لم يجد أبو على في القرآن غير قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ [النساء:١٧٦]، فكم في القرآن من جملة يفهمها السامع ولم يتعرض أبو على ولا غيره لها لمنعها، وما من كلام إلا ويصح أن يفهمه سامع دون سامع، فليمنع الكل، أو ليجوز الكل، أو يفصل في الكل.
أما تخصيص هذه المواد بالمنع من غير تفصيل فأجده مشكلا، بل الجواب الصحيح أن اللفظين متى كانا مترادفين على إفادة معنى واحد، ولم يضمر في الثاني صفة زائدة، ولا فائدة لم تحصل من الأول امتنع لنفس اللفظ لا للسامع.
стр. 600
والإضافة في قولنا: جاريته تفيد الصحة لغة، وصاحبها كذلك، فهما مترادفان، فإن أضمرنا صفة زائدة صحت المسألة، ولذلك صح (كانتا اثنتين) لإضمار الصفة، وإن كان الألف في (كانتا) موضوعة للتثنية، ولفظ اثنتين موضوع للتثنية وكذلك قوله [الرجز]:
أنا ألو النجم وشعري شعري
لما أضمرنا المعروف صح، ومما يمتنع بهذه العلة الليل ليل، والنهار نهار، والبغل بغل، والحمار حمار، القصيدة المشهورة لوجود الترادف مع عدم الفائدة، وبهذا التقرير لا ترد الحدود مع محدوداتها لما فيها من التفصيل والفائدة، وعدم الترادف أيضا، فإن لفظ الحيوان الناطق ليس مرادفا للإنسان لوضعهما للجزءين، ووضعه للمجموع، وكذلك العشرة خمسة وخمسة، وسائر هذه النقوض لانتفاء ضابط المنع.
وكذلك لا ترد ﴿نفخة واحدة﴾ [الحاقة:١٣] و ﴿فدكتا دكة واحدة﴾ [الحاقة:١٤] لأن قولنا: نفخة ودكة لا يفيد إلا أنه وقع من المصدر فرد، فهو مثل قولنا: أعطيتك درهما، ولا ينافي ذلك إعطاء درهم آخر.
وقولنا: واحدة تحسم المادة في التكرر، ولم يدل على المنع ﴿نفخة﴾ و ﴿دكة﴾ و ﴿إلهين اثنين﴾ [النحل:٥١] أشكل من هذا كله؛ لأنا لم نستفد باثنين شيئا.
стр. 601
فقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير تقديره: اثنين إلهين، فقد استفدنا من الثاني غير فائدة الأول، وهو غير متجه؛ لأن المفعولين هاهنا كالمبتدأ والخبر، والقاعدة في المبتدأ والخبر أن يكون الأعرف هو المبتدأ، والمفعول الأول، فلا تقديم ولا تأخير.
ووجه تخريج كلام (المحصول) على هذه القاعدة أن الجسم إذا كان داخلا في مسمى الأسود امتنع الإخبار عنه؛ لأنه جسم؛ لأن المبتدأ يفيده، كما قال أبو على بخلاف إذا جعلنا مدلول الأسود شيئا أعم من الجسم قام به عرض السواد، فإذا أخبرنا بالجسم زدنا فائدة، فجاز الخبر، وكان عربيا.
(تنبيه)
زاد سراج الدين الأرموي: (ولقائل أن يقول: العلم بأن التأثير غير وقوع الأثر ضروري، ثم لا برهان على وجوب الانتهاء إلى أثر أخير، بل إلى مؤثر أول، والتسلسل في الثاني ممنوع، وتقدم النسبة على محلها ممتنع دون المنسوب إليه، ولعل الأصحاب لا تدعى ذلك إلا في المشتق من المصادر).
تقريره: أن التأثير نسبة بين الأثر والمؤثر، والنسبة بين النسبتين غيرهما، ولأنها عدمية، ووجود الأثر ليس عدميا.
وقوله: (لا برهان على وجوب الانتهاء إلى أثر أخير، بل إلى مؤثر أول) معناه: لا برهان من حيث العقل، فإن العقل يجوز أن الله- تعالى- بعد هذه الساعة لا يخلق شيئا، لكن السمع ورد بأن الله- تعالى- خلاق على الدوام، وأنه يخلق النعيم في الجنة دائما، [وكذلك النار]، أما الانتهاء إلى مؤثر فلولا ذلك كان وجود أي ممكن فرض موقوفا على تقدم مؤثرات قبله، لا نهاية لها، وذلك يمنع وجوده [ويحيله] لتوقفه على دخول ما لا يتناهى في الوجود، وانقضاء ما لا نهاية له محال، والموقوف على المحال
стр. 602
محال، والتسلسل في المؤثرات محال، يريد بخلاف التسلسل في الآثار المستقبلة، فإنه ليس محال.
وقد مثله إمام الحرمين بقوله القائل: لا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده درهما آخر؛ فإن العطاء لا يمتنع، ويعطيه بعد كل درهم درهما أبد الآباد، بخلاف ما إذا قال: لا أعطيك درهما حتى أعطيك درهما قبله، فإنه يمتنع الإعطاء حينئذ؛ لأنه تسلسل في الماضي، بخلاف المستقبل، ففرق بين حوادث لا أول لها، وبين حوادث لا نهاية لها، والثاني ممكن اتفاقا، والأول محال عند أهل الحق القائلين بحدوث العالم، جائز عند الفلاسفة القائلين بقدم العالم وتوجيه ما قاله سراج الدين على كلام الإمام أن التأثير إذا كان حادثا افتقر إلى تأثير آخر حادث، فهو تأثير في التأثير، فهو حادث بعد حادث من القسم الجائز فيه التسلسل، وليس كما زعم سراج الدين، بل التأثير إذا كان حادثا افتقر إلى تأثير يتقدم عليه لا يتأخر عنه، فإن التأثير يتقدم على وجود الأثر، فهو يؤول إلى حوادث لا أول لها إلى حوادث لا آخر لها، فتأمله.
ومعنى قوله: (وتقدم النسبة على محلها [ممتنع]، دون المنسوب إليه كالمتقدم) يريد أن التقدم يوصف به المتقدم، وإن لم يوجد المتأخر، فإذا خلق الله- تعالى- جسما قبل وجود العالم بألف سنة صدق عليه حينئذ أنه متقدم على العالم، وإن لم يوجد العالم في تلك الأزمة، فكذلك الخلق جاز أن يتقدم وصفه الخالق، ولا يكون العالم موجودا، فيكون قديما، والعالم حادث، فهذا وجه قوله: ممتنع أي: نحن نمنعه مطلقا، بل قد يجوز تقدم النسبة، وليس كما زعم سراج الدين، فإن النسب على قسمين منها ما لا يوجد إلا مع وجود الطرفين اللذين حصلت بينهما النسبة، كالبنوة والأبوة
стр. 603
والمقابلة، والمدابرة، والفوقية، والتحتية، ونحو ذلك، ومنها ما يوجد، وأحد الطرفين غير موجود كالتعلق بين العلم والمعلوم، والخبر والمخبر عنه، فإن التعلق فيهما قد يوجد، والمعلوم والمخبر عنه معدومان، كما في علم الله-تعالى-وخبره عن وجود العالم في الأزل، والعالم [معدوم]، ونظائرهما كثيرة من التقدم والتأخر إذا عدم المتقدم والمستقبل والماضي، وغير ذلك، والخلق من النسب التي تتوقف على وجود الخالق والمخلوق، كالتأثير بدون المؤثر والأثر محال، لا بد من وجودهما، فاندفع منعه.
* * *
стр. 604
الباب الرابع
في أحكام الترادف والتوكيد
قال الرازي: الألفاظ المترادفة هي: الألفاظ المفردة الدالة على مسمى واحد باعتبار واحد، واحترزنا بقولنا: "المفردة" عن الرسم والحد.
وبقولنا: "باعتبار واحد" عن اللفظتين، إذا دلا على شيء واحد باعتبار صفتين؛ كالصارم والمهند، أو باعتبار الصفة وصفة الصفة؛ كالفصيح والناطق، فإنهما من المتباينة.
واعلم: أن الفرق بين المترادف والمؤكد أن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت أصلا.
وأما المؤكد: فإنه لا يفيد عين فائدة المؤكد، بل يفيد تقويته.
والفرق بينه وبين التابع؛ كقولنا: شيطان ليطان: أن التابع وحده لا فيد، بل شرط كونه مفيدا تقدم الأول عليه.
أما الأحكام ففي مسائل:
المسألة الأولى: في إثبات ه: من الناس من أنكره، وزعم أن الذي ظن أنه من المترادفات، فهو من المتباينات التي تكون لتباين الصفات، أو لتباين الموصوف مع الصفات.
والكلام معهم: إما في الجواز، وهو معلوم بالضرورة، أو في الوقوع، وهو إما في لغتين، وهو أيضا معلوم بالضرورة، أو في لغة واحدة، وهو مثل الأسد
стр. 605
والليث، والحنطة والقمح، والتعسفات التي يذكرها الاشتقاقيون في دفع ذلك، مما لا يشهد بصحتها عقل ولا نقل، فوجب تركها عليهم.
المسألة الثانية: في الداعي إلى الترادف: الأسماء المترادفة إما أن تحصل من واضع، أو من واضعين:
أما الأول: فيشبه أن يكون هو السبب الأقلى، وفيه سببان:
الأول: التسهيل والإقدار على الفصاحة؛ لأنه قد يمتنع وزن البيت وقافيته مع بعض أسماء الشيء، ويصح مع الاسم الآخر، وربما حصل رعاية السجع والمقلوب والمجنس وسائر أصناف البديع، مع بعض أسماء الشيء دون البعض.
الثاني: التمكين من تأدية المقصود بإحدى العبارتين عند نسيان الأخرى.
وأما الثاني: فيشبه أن يكون هو السبب الأكثرى، وهو اصطلاح إحدى القبلتين على اسم لشيء غير الذي اصطلحت القبيلة الأخرى عليه، ثم اشتهار الوضعين بعد ذلك.
ومن الناس من قال: الأصل عدم الترادف لوجهين:
الأول: أنه يخل بالفهم التام؛ لاحتمال أن يكون المعلوم لكل واحد من المتخاطبين غير الاسم الذي يعلمه، فعند التخاطب لا يعلم كل واحد منهما مراد الآخر، فيحتاج كل واحد منهما إلى حفظ تلك الألفاظ؛ حذرا عن هذا المحذور، فتزداد المشقة.
الثاني: أنه يتضمن تعريف المعرف؛ وهو خلاف الأصل.
стр. 606
المسألة الثالثة: في أنه، هل تجب صحة إقامة كل واحد من المترادفين مقام الآخر أم لا ؟
الأظهر في أول النظر ذلك؛ لأن المترادفين لابد وأن يفيد كل واحد منهما عين فائدة الآخر، فالمعنى لما صح أن يضم إلى معنى حينما يكون مدلولا لأحد اللفظين، لابد وأن يبقى بتلك الصفة حال كونه مدلولا للفظ الثاني؛ لأن صحة الضم من عوارض المعاني، لا من عوارض الألفاظ.
والحق أن ذلك غير واجب؛ لأن صحة الضم قد تكون من عوارض الألفاظ؛ لأن المعنى الذي يعبر عنه في العربية بلفظ "من" يعبر عنه في الفارسية بلفظ آخر، فإذا قلت: خرجت من الدار، استقام الكلام؛ ولو أبدلت صيغة "من" وحدها بمرادفها من الفارسية، لم يجز.
فهذا الامتناع ما جاء من قبل المعاني، بل من قبل الألفاظ، وإذا عقل ذلك في لغتين، فلم لا يجوز مثله في لغة واحدة؟.
المسألة الرابعة: إذا كان أحد المترادفين أظهر، كان الجلي بالنسبة إلى الخفي شرحا له ، وربما انعكس الأمر بالنسبة إلى قوم آخرين.
وزعم كثير من المتكلمين أنه لا معنى للحد إلا ذلك؛ فقالوا: الحد تبديل لفظ خفي بلفظ أوضح منه؛ تفهيما للسائل، وليس الأمر كما ذكروه على الإطلاق، بل الماهية المفردة، إذا حاولنا تعريفها بدلالة المطابقة، لم يكن إلا على الوجه الذي ذكروه.
المسألة الخامسة: في التأكيد وأحكامه ، وفيه أبحاث:
стр. 607
الأول: التأكيد هو: اللفظ الموضوع لتقوية ما يفهم من لفظ آخر.
الثاني: الشيء إما أن يؤكد بنفسه أو بغيره، فالأول: كقوله ﵊: "والله، لأغزون قريشا، والله، لأغزون قريشا، والله، لأغزون قريشا".
والثاني على ثلاثة أقسام:
فإن لفظة التأكيد إما أن يختص بها المفرد، وهو لفظ النفس والعين؛ أو المثنى، وهو كلا وكلتا، أو الجمع، وهو أجمعون أكتعون أبصعون والكلن وهو أم الباب، وقد يكون داخلا على الجمل مقدما عليها؛ كصيغة "إن" وما يجري مجراها.
الثالث: في حسن استعماله، والخلاف فيه مع الملاحدة الطاعنين في القرآن. والنزاع إما أن يقع في جوازه عقلا، أو في وقوعه.
أما الجواز، فهو معلوم بالضرورة؛ لأن التأكيد يدل على شدة اهتمام القائل بذلك الكلام.
وأما الوقوع، فاستقراء اللغات بأسرها يدل عليه.
واعلم: أن التأكيد، وإن كان حسنا، إلا أنه متى أمكن حمل الكلام على فائدة زائدة، وجب صرفه إليها.
الرابع: في فوائد التأكيد؛ وسيأتي - إن شاء الله تعالى - ذكرها في باب العموم عند استدلال الواقفية بحسن التأكيد على الاشتراك، والله أعلم.
قال القرافي: وتقرير قوله: والألفاظ المترادفة هي توالي الألفاظ المفردة
стр. 608
الدالة على مسمى واحد باعتبار واحد فاحترز بقوله: المفردة عن الرسم والحد [مع محدوده]؛ لأنه لو سكت عن المفردة، وقال: هي الألفاظ الدالة على معنى واحد.
قيل له: فلفظ الإنسان يدل على الحيوان الناطق، والمفهوم من حده، وهو قولنا: هو الحيوان الناطق هو المفهوم من الاسم، ولولا ذلك لما صح الحد، فيلزم أن يكون لفظ الإنسان مرادا باللفظ الحد، وليس كذلك؛ لأن لفظ الإنسان موضوع للمجموع المركب من الجنس والفصل، والحيوان موضوع للجنس، والناطق موضوع للفصل وحده، فلم يوجد لفظان منهما موضوعين لمعنى واحد، فلا ترادف، ومراده بالحد الحد التام.
(فائدة)
المعرفات خمسة:
الحد التام: وهو التعريف بجميع الأجزاء نحو قولنا في الإنسان: هو الحيوان الناطق.
والحد الناقص: هو التعريف بالفصل وحده، كقولنا في [حد] الإنسان: هو الناطق.
والرسم التام: هو التعريف بالداخل والخارج كقولنا في الإنسان: هو الحيوان الضاحك.
والرسم الناقص: هو التعريف بالخارج، [وحده]، كقولنا في الإنسان: هو الضاحك بالقوة.
وتبديل لفظ بلفظ مرادف له هو أعرف منه عند السامع، كقولنا: ما البشر؟ فيقال: الإنسان، أو ما الباقلاء؟ فيقال: الفول، فالحد الناقص لا يحترز
стр. 609
عنه بقوله: المفردة، وكذلك الرسم الناقص؛ لأنهما لفظان مفردان، ولأنهما قد خرجا بقوله: الدالة على معنى واحد؛ لأن مدلولات هذه الأمور غير مدلولات لفظ الإنسان، وما تم مدلوله مدلول الإنسان إلا الحد التام، فزاد في حده "المفردة" ليخرجه، وهو لا يقع دائما إلا بلفظ مركب؛ لأنه لا يسمى حدا تاما حتى يذكر فيه الجنس والفصل، وهما له لفظان، فيتركب اللفظ من اللفظين.
(سؤال)
لم جعلتم الناطق داخلا في مفهوم الإنسان، والضاحك خارجا عنه، ولم لا كان العكس؟
جوابه: أن الداخل والخارج في جميع الحقائق للإنسان وغيره تابع لما يفهم عن واضع اللغة، فإن فهم عنه أخذ في المسمى الحيوان والناطق فقط، كان ما عداه خارجا أو أخذ الحيوان والضاحك وحده كان الناطق وغيره خارجا، وهاهنا فهمت الناس أن العرب وضعت لفظ الإنسان للحيوان والناطق وحدهما، فكان ما عداهما خارجا عن المسمى، فهذا هو قاعدة هذا الباب، وليس هو من باب التحكم.
تقرير: المهند معناه: المنسوب للهند من السيوف.
والصارم: البليغ في القطع فهما متغايران.
وإذا قلنا: زيد متكلم فصيح، كان زيد اسما لذاته، والناطق اسما لصفته، والفصيح اسما لصفته صفته؛ لأن الفصاحة صفة الكلام.
وقول العرب: جائع نائع، وعطشان نطشان، وحائر دائر، وحسن يسن، ونحو ذلك لم تضعه لمسمى في نفسه، وإنما وضعته العرب ليركب مع
стр. 610
ما قبله تابعا له على ما سمعت في المثل السابقة، قاله الآمدي، ولهذا قال ابن دريد: فسألت أبا حاتم عن معنى قولهم: "يسن" فقال: لا أدري [في نفسه، وإنما وضعته [العرب] ليركب مع ما قبله تابعا له على ما سمعت في المثل السابق] بخلاف المؤكدة نحو جاء القوم أجمعون أكتعون أبصعون وضعت للتقوية، والمرادف وضع لنفس المسمى فافترقت.
" فائدة"
قال الشيخ سيف الدين: وبين التابع والآخرين فرق آخر ، وهو أنه يشترط في التابع أن يكون على وزن المتبوع بخلافهما.
"سؤال"
قال النقشواني قوله: "باعتبار واحد" - حشو؛ فإن وحدة المسمى تحصل ذلك.
"تنبيه"
زاد "المنتخب" فقال: التأكيد هو اللفظ الموضوع لتقوية ما يفهم من لفظ آخر
وإنما قال في "المحصول": والتأكيد لا يفيد غير فائدة المؤكد، وليس جميعها وضع لتقوية ما يفهم من الأول، بل هي ثلاثة أقسام:
стр. 611
الأول: وضع للتقوية نحو: أجمعون، أكتعون، أبصعون، أتبعون، وأن وإن بالفتح والكسرن ولام التأكيد نحو إن زيدا لقائم.
الثاني: ما وضع لمعنى إنشائي، ويقع به التأكيد في الاستعمال من غير أن يكون وضع له نحو قولنا: زيد قائم، ونحو ذلك، فإن هذه الألفاظ لم توضع إلا للإنشاء.
الثالث: كل كلمة زائدة في الكلام نحو: (الكاف) في قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) [الشورى: ١١]
و (الباء) في قوله تعالى: (وكفى بالله شهيدا) [النساء: ٧٩].
و (ما) في قوله: (فبما نقضهم ميثاقهم) [المائدة: ١٣].
و (لا) في قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد) [البلد: ١].
وهو كثير في الكتاب والسنة ولسان العرب.
قال ابن جني: جميع ذلك للتأكيد وبسط كلامه، فقال: أصل التأكيد في لسان العرب إعادة الكلام الأول بعينه، ثم اختصرت العرب الكلام، فأقاموا مقام [إعادة] الجملة اسما واحدا نحو: أجمعون، أو حرفا واحدا نحو: إن زيدا قائم.
فإذا قلنا: إن زيدا لقائم، فهو تقدير ثلاث جمل: زيد قائم، زيد قائم، زيد قائم؛ لأن "إن" لجملة، "واللام" لجملة، وأصل الكلام، صارت الجمل ثلاثا.
وإذا قلنا: (كفى بالله شهيدا) فهو تقدير جملتين: كفى بالله شهيدا،
стр. 612
كفى بالله شهيدا؛ لأن الحرف الزائد قائم مقام جملة، فعلى قول صاحب "المنتخب" يكون ضابطه للتأكيد غير جامع لخروج القسمين الآخرين عنه؛ لأنهما لم يوضعا للتقوية.
" تنبيه "
وينبغي أن تعلم أنا إن فرعنا على أن العرب وضعت المركبات كما وضعت المفردات لا يرد السؤال؛ لأن العرب وإن وضعت: زيد قائم للإنشاء دون التقوية في مفرداته، لكن أمكن أن يقال: وضعت هذا المركب للتقوية من حيث هو مركب، وكذلك وضعت الكلمات لتركبها زائدة، ولا ينافي بين وضعها مفردة للإنشاء دون التقوية، ووضعها مركبة للتقوية، فتأمل ذلك.
"فائدة"
سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ يقول: اتفق الأدباء على أن التأكيد في لسان العرب إذا وقع بالتكرار لا يزيد على ثلاث مرات.
وأما قوله تعالى في سورة المرسلات: (ويل يومئذ للمكذبين) [المرسلات: ١٥] في جميع السورة نحو العشرة، فذلك ليس تأكيدا، بل كل آية قيل فيها: "ويل يومئذ للمكذبين" في هذه السورة، فالمراد المكذبون بما تقدم ذكره قبل هذا اللفظ، ثم يذكر الله - تعالى - معنى آخر، ويقول: "ويل
стр. 613
يومئذ للمكذبين" أي هذا الذي تقدم أيضا، وهو غير الأول، فلا يجتمعان على معنى واحد، فلا تأكيد؛ لأن من شرط التأكيد الإجماع على معنى. وكذلك قوله تعالى في سورة الرحمن: فبأي آلاء ربكما تكذبان) [الرحمن: ١٣].
المراد ما تقدم من ذكر النعم قبل ذلك اللفظ، فلا يجتمع لفظان على معنى واحد، فلا تأكيد.
" فائدة"
يقال: تأكيد وتوكيد بالألف والواو لغتان، وأكدت، ووكدت لغتان.
" فائدة"
يقال: التأكيد بالتكرار قد يكون اللفظ الأول والثاني في معنى واحد من غير زيادة، ولا نقصان ، نحو قام زيد قام زيد، وقد يكون الثاني يتناول الأول وغيره معه، فيكون تأكيدا في الأول، وإنشاء في غيره الذي زاد به، نحو قوله تعالى: (وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم) [البقرة: ١٣٦].
فإن لفظ "النبيون" يتناول موسى وعيسى وغيرهما من النبيين، فهو تأكيد فيهما، إنشاء في غيرهما، وقد يكون الثاني في بعض الأول عكس القسم الثاني، كقوله تعالى: (وملائكته ورسله وجبريل وميكال) [البقرة: ٩٨]، فإن "جبريل" مؤكدة لنفسه المندرجة في صيغة الملائكة، فهذه ثلاثة أقسام في التأكيد: متساويان، الأول أكثر، الثاني أكثر.
" قاعدة"
والناس متفقون على أن الإنشاء لا يكون تأكيدا ، وأن المؤكد لا يزيد على الأصل من حيث هو تأكيد، فقوله تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) [سورة ص: ٧٣].
стр. 614
قال بعضهم: قوله تعالى: (أجمعون) يفيد الاجتماع في فعل السجود، ورد عليه بأن هذا المعنى لم يفهم من الأول، فيكون إنشاء.
والتقدير أنه تأكيد، هذا خلف.
" المسألة الأولى: في إثبات الترادف "
قال المنكرون للترادف: القمح والبر والحنطة متباينة، لا مترادفة، والقمح
стр. 615
اسم صفة من قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون) [يس: ٨].
وهذه الحبة يحصل فيها تعب في حرثها وحصادها [ودراسها]، وغير ذلك، فسميت قمحا لذلك، والبر من البر؛ لأنها قوا بنية الإنسان، والحنطة اسم الذات، والإنسان والبشر متباينان، فالإنسان من النسيان. لقول الشاعر: [الطويل]:
.............................. [وسميت إنسانا لأنك ناسي]
ويعضده قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى [ولم نجد له عزما]) [طه: ١١٥] فسميت ذريته بذلك، وقيل: من الأنس؛ لأنه يتأنس به، ويأنس بعضه ببعض ما لا يأنس غيره من الحيوان بعضه ببعض.
وقيل: من النوس الذي هو الحركة، وعلى هذا سمى الجان بالناس، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: (من الجنة والناس) [الناس: ٦].
هذه ثلاثة أقوال في اشتقاقه، فهو اسم صفة، والبشر من البشر.
وقول العرب: بشر يبشر بشرا إذا انتشر وسوى، والإنسان قد سويت ظواهر أعضائه.
ومنه قوله ﵊: "خللوا الشعر وأنقوا البشر".
стр. 616
أي: أنقوا ظواهر أجسادكم، فعلى هذا هو اسم صفة، أو نجعله اسم الذات، والأول اسم صفة.
" سؤال"
قوله: "لا يشهد بصحة اشتقاقهم عقل، ولا نقل " - ممنوع، فقد تقدم بيان وجه الاشتقاق في هذا المثل، وتقدم أيضا في "باب الاشتقاق" الفرق بين الاشتقاق الأكبر والأصغر، وأن هذه الاشتقاقات من الاشتقاق الأكبر.
" المسألة الثانية: في الداعي للترادف "
قوله: الأول: "هو السبب الأقلي" - يشير إلى أن الترادف نقل من الواضع الواحد؛ لأن العادة جارية أن الإنسان إذا سمى شيئا، وجعل له ما يعرفه عند التخاطب لا يسميه مرة أخرى إلا مثله للتسهيل لمن يعسر عليه النطق بالراء، فيقول: القمح، ولا يقول: البر، ورعاية السجع نحو ركبت البر، واشتريت البر، وهو جناس، والمقلوب نحو واو ونون وميم وساس وكلك، إذا سمى بها، فإنها تنقلب واوا وميما ونونا وساسا وكلكا بعينها.
هذا في المفردات، أما في المركبات، فكما يحكي عن القاضي الفاضل أنه قال في بعض أرض خضراء فقال أصحابه: إن هذا الكلام ليس في ظاهره فائدة، والفاضل لا يتكلم بمثل هذا، فوجدوه ينقلب أرضا خضراء قرئ من أوله إلى آخره، أو نطق به من أوله أو من آخره، ولذلك قال له العماد الأصفهاني يوما لما ركب: سر فلا كبابك الفرس، فقال له الفاضل: دام الله علا العماد، والكلامان ينقلبان نطقا وكتابة.
стр. 617
وفي "مقامات الحريري" أنواع من ذلك نحو ساكب كأس، وسكب من لك مكس ونحو ذلك، فيضع الواضع تلك الألفاظ المفردة بعد وضعه غيرها ليتأتى له القلب إذا أراده.
" سؤال"
قوله: ومن الناس من قال: إن الترادف خلاف الأصل يشعر بأن غير هذا القائل لم يوافقه، وكونه تعريف المعرف لا ينفي النزاع في أنه خلاف الأصل.
" المسألة الثالثة: في إقامة أحد المترادفين مقام الآخر "
إذا أبدلت لفظ "من" بلفظ آخر، والنسخة التي قرأتها على شمس الدين الخسروشاهي كان فيها إذا أبدلت لفظ "من" بلفظ "إن"، وكذلك كان الشيخ شمس الدين الذي يقربه يقول: هو هكذا لفظ الأصل، وكان عالما بلسان الفرس، غير أنا نحن لا نعلم لسان الفرس، فما نأخذ ذلك عن الإمام فخر الدين، والشيخ شمس الدين إلا تقليدا، وقد وجدت في لغة العرب ما يغني عن التقليد وهو مثال لذلك؛ لأن أئمة اللغة قالوا: صلى ودعا مترادفان.
مع أنه يجوز أن يقول: صلى عليه، فيركب صلى مع لفظ على في طلب الخير للمدعو له، ولو ركبت دعا مع على في طلب الخير، فقلت: دعا عليه لم يصح، وانعكس المعنى للشر؛ ولأن "ليت" موضوعة للتمني، فهي مرادفة للفظ التمني.
ويصح أن يركب مع لفظ التمني الخبر عن المبتدأ، فتقول: التمني تعلق الأمل، ولو قلت: "ليت" تعلق الأمل من غير إضمار شيء لم يكن كلاما عربيا؛ لأن العرب لا تجيز الإخبار عن المسمى للحرف معبرا عنه بلفظ الحرف.
стр. 618
وكذلك "حتى" موضوعة للغاية، فهي مرادفة للغاية، ويصح التركيب مع لفظ الغاية، فتقول: الغاية في الشيء نهايته.
ولو قلت: حتى في الشيء نهايته، لم يكن كلاما عربيا، وكذلك جميع حروف المعاني مرادفة في جميع معانيها للأسماء، ولا يصح إقامتها مقام تلك الأسماء، لا في الإخبار عنها، ولا في الإخبار بها، فهذه كلها مثل معلومة لنا، يستغنى بها عن التقليد، والنطق بما لا نفهمه.
ومما يرد عليه في قوله: صحة التركيب من عوارض المعاني دون الألفاظ أن قولنا: في الدار رجل، تركيب صحيح، ورجل في الدر، غير صحيح عند العرب، مع أن المعنى لم يختلف عند السامع، وكذلك "إلى" وجميع حروف الجر تركب مع جميع الأسماء إلا "عند" فلا يدخل عليها من حروف الجر إلا "من"، فتقول: خرجت من عنده، ولا تقول: ذهبت إلى عنده، ولفظ "رب" من حروف الجر لا يركب إلا مع النكرات.
وتقول: كيف زيد؟ فيصح، ولو قلت: زيد كيف؟ لم يصح، وهو كثير في لسان العرب، وهو وإن لم يكن من باب المترادفات، غير أنه يرد على قوله: إن الصحة من عوارض المعاني دون الألفاظ، فهذه صحة من عوارض الألفاظ دون المعاني.
"سؤال"
قال النقشواني: تنظيره باللغتين غير سديد، فمن ادعى ذلك، فإنما ادعاه من لغة واحدة، والصحيح أن اللغة الواحدة يفصل فيها، فيقال: إن لم يكن المقصود إلا مجرد الفهم قام أحد المترادفين مقام الآخر، وإن كان المقصود قافية القصيد، وروى الشعر، وأنواع الجناس، والسجع، فلا يقوم أحدهما مقام الآخر؛ فإن إحداهما لا تكون فيه الحروف المجانسة لتلك اللفظة التي يقصد جناسها، ولا يكون [فيها] حرف الروى، ويكون جميع ذلك في اللفظ الآخر المرادف.
стр. 619
وجوابه: أن الدعوى عامة، فتخصيصها بلغة دون لغتين خلاف الظاهر، ثم الإمام لم يذكر ذلك إلا على سبيل التأسيس، فقال إذا جاز ذلك في لغتين تطرق الجواز إلى اللغة الواحدة.
وأما التفصيل فلا يرد عليه؛ لأنه إنما ادعى أصل الجواز من حيث الجملة.
وأما روى القصيد وغيره، فلا يخطر لعاقل فضلا عن الإمام أن روى القصيد إذا كان راء يتعين البر دون القمح.
المسألة الرابعة: أن أحد المترادفين يكون شرحا للآخر عند من يكون أجلى عنده، كما شرح أهل "مصر" لأهل "الشام" لفظ الفول بلفظ الباقلاء؛ لأن الباقلاء هو المعروف عندهم، وبالعكس عند أهل مصر والشام.
سؤال: قوله: الماهية المفردة .
إذا حاولنا تعريفها لم يكن تعريفها إلى على الوجه الذي ذكروه، وإنما الحدود كلها من باب شرح أحد المترادفين بالآخر، وهذا لا يتم في شيء من الحدود التامة، ولا الناقصة، ولا الرسم التام، ولا الناقص، بل في تبديل لفظ بلفظ هو أشهر منه عند السامع، كما تقدم بسطها في تحديد المترادفة، فنحن قد نحاول تعريف الحقيقة المفردة بالرسم الناقص، فنذكر لازم تلك الماهية البسيطة، واللفظ الموضوع للازمها غير اللفظ الموضوع لها، فلا ترادف.
فإذا قلنا: النقطة طرف الخط، فالنقطة اسم ذاتها، وطرف الخط يدل على لازمها، وليس مرادفا للفظ النقطة، وكذلك تقول: مركز الدائرة هو الذي يكون بعده عن جميع أجزاء المحيط بعدا واحدا، والوحدة هي التي تكون نصف الاثنين، فهذه الألفاظ متباينة عرفا بأحدهما ماهية بسيطة من غير ترادف، فقوله: "لم يمكن إلا على الوجه الذي ذكروه" لا يتجه.
стр. 620
المسألة الخامسة في التأكيد: قوله: "هو الموضوع لتقوية ما يفهم من لفظ آخر" قد تقدم ما يرد عليه عند الفرق بينه وبين المرادف.
" قاعدة"
قال النحاة: التأكيد قسمان: لفظي، ومعنوي.
فاللفظي: هو إعادة اللفظ الأول بعينه.
والمعنوي: هو المؤكد بغيره نحو التأكيد بالنفس والعين.
" قاعدة"
قال النحاة: أكتعون أبصعون أبتعون لا تنفرد بأنفسها، ولا تتقدم على أجمعين، وما تصرف منه فتقول: جاء القوم أكتعون، ولا جاء القوم أكتعون أجمعون، بل لا ننطق بهذه الألفاظ إلا بعد النطق بـ"أجمعين" في الإفراد، والتثنية، والجمع.
" فائدة"
أكتعون مشتق من يكتع الجلد في النار إذا اجتمع كأن القوم اجتمعوا في المجيء كما يجتمع الجلد، وأبصعون من بصع العرق إذا خرج دمه دفعة، فكأن القوم لم يتأخر منهم أحد، وجاءوا جملة مع أنه قد تقدم أنه لا يجوز أن يراد معنى زائد على أصل المجيء، فإن التأكيد إنما يقويه الأول بإيفاد المجاز عنه من غير زيادة، وإنما ذكر هذه الاشتقاقات لوجه مناسبة التأكيد فقط؛ لأن الاجتماع مراد.
стр. 621
" قاعدة"
التأكيد يختلف في جواز النطق به بحسب الفعل المنطوق به ، "فكل" و"أجمع" لا يؤكد بهما إلا ما تتبعض حقيقته باعتبار الفعل المسند إليه، فتقول: اشتريت الفرس كلها، ولا تقول: جرت الفرس كلها؛ لأنها لا تتبعض باعتبار الجري، وإن تبعضت باعتبار الشراء.
تقرير قوله: "الكل أم الباب" أي هو أبلغ ما يذكر في أنه لم يتأخر من المخبر عنه شيء باعتبار ذلك الفعل المسند، وغيره دونه في المبالغة.
قوله: "والخلاف فيه مع الملحدة الطاعنين في القرآن الكريم" ظاهر الكلام يشعر بأنهم منعوا التأكيد في اللغة، وليس كذلك، بل نازعوا في أن القرآن كلام الله - تعالى - لأجل التأكيد؛ لأنهم اعتقدوه في لسان العرب لنوع من القصور عن تأدية ما في النفس، واحتيج إلى التأكيد، والله - تعالى - غير محتاج لذلك، فلو كان القرآن كلام الله - تعالى - لم يكن فيه تأكيد، وضلوا وكفروا من حيث جهلوا أن الله - تعالى - خاطب عباده بالقرآن على منوال العرب، وجعله قرآنا عربيا في جميع الأساليب العربية، فكل موطن يحسن فيه التأكيد لغة أكد، وكل موضع يحسن فيه التقدم قدم إلى غير ذلك من الأوضاع العربية؛ ليكون القرآن عربيا على وفق حال المرسل إليهم ليكون ذلك أقرب إليهم إلى هدايتهم لتلك المقاصد الإلهية كما قال تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين [لهم فيضل الله من يشاءن ويهدي من يشاء، وهو العزيز الحكيم) [إبراهيم: ٤].
فلو أتى الله- تعالى- به على غير هذه الأساليب لعسر عليهم فهمه إلا بعد تعليم وتعب طويل من الرسول- ﵇ فهذا معنى خلاف الملحدة فيه، فجاء اللفظ غير واضح لهذا المعنى.
стр. 622
" فائدة"
الملحدة واللحد في القبر والإلحاد جميعه معناه: الضم ؛ لأن الميت يضم في لحده، والملحد يضم الباطل للحق حتى يفسده، وقوله تعالى: (إن الذين يلحدون في آباتنا لا يخفون علينا، أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شيءتم إنه بما تعملون بصير) [فصلت: ٤].
أي يضموا إلينا أكاذيبهم وافتراءهم علينا، وفيها تقرير الأصل في وضع اللغات، والغالب عليها أنها إنما وضعت لتفيد معنى إنشائيا لم يفهم من غير ذلك اللفظ، والتأكيد قليل بالاستقراء، فإذا دار اللفظ بين النادر والغالب حمل على الغالب لفائدة زائدة غير التأكيد.
* * *
стр. 623
الباب الخامس في الاشتراك
قال الرازي: اللفظ المشترك هو: اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعا أولا من حيث هما كذلك.
فقولنا: "الموضوع لحقيقتين مختلفتين" احترزنا به عن الأسماء المفردة.
وقولنا: "وضعا أولا": احترزنا به عما يدل على الشيء بالحقيقة وعلى غيره بالمجاز.
وقولنا: "من حيث هما كذلك" احترزنا به عن اللفظ المتواطئ؛ فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث إنها مختلفة، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد.
المسألة الأولى: في بيان إمكانه ووجوده: وجود اللفظ المشترك: إما أن يكون واجبا، أو ممتنعا، أو جائزا، وقال بكل واحد من هذه الأقسام قائل: أما القائلون بالوجوب، فقد احتجوا بأمرين:
الأول: أن الألفاظ متناهية، والمعاني غير متناهية، والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي، لزم الاشتراك.
وإنما قلنا: "إن الألفاظ متناهية" لأنها مركبة من الحروف المتناهية، والمركب من المتناهي متناه.
وإنما قلنا: "إن المعاني غير متناهية" لأن الأعداد أحد أنواع المعاني، وهي غير متناهية.
стр. 624
وأما أن المتناهى إذا وزع على غير المتناهى، حصل الاشتراك، فهو معلوم بالضرورة.
الثاني: أن الألفاظ العامة كالوجود والشيء، لا بد منها في اللغات، ثم قد ثبت أن وجود كل شيء، نفس ماهيته، فيكون كل شيء مخالفا لوجود الآخر، فيكون قول الموجود عليها بالاشتراك.
والجواب عن الأول بعد تسليم المقدمتين الباطلتين أن نقول: الأمور التي يقصدها المسمون بالتسمية متناهية، فإنهم لا يشرعون في أن يسموا كل واحد من الأمور التي لا نهاية لها، فإن ذلك مما لا يخطر ببالهم، فكيف يقصدون تسميتها؟ بل لا يقصدون إلا إلى تسمية أمور متناهية، ويمكن أن يكون لكل واحد منها اسم مفرد.
وأيضا: فكل واحد من هذه الألفاظ المتناهية، إن دل على معان متناهية، لم يكن جميع الألفاظ المتناهية دالا على معان غير متناهية؛ لأن المتناهى، إذا ضوعف مرات متناهية، كان الكل متناهيا.
وإن دل كل واحد منها أو بعضها على معان غير متناهية، فالقول به مكابرة.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن الألفاظ العامة ضرورية فاللغات؛ وإن سلمنا ذلك، لا نسلم أن الوجود غير مشترك في المعنى.
وإن سلمنا؛ لكن لم لا يجوز اشتراك الموجودات بأسرها في حكم واحد سوى الوجود، وهو المسمى بتلك اللفظة العامة؟
أما القائلون بالامتناع، فقد قالوا: المخاطبة باللفظ المشترك لا تفيد فهم
стр. 625
المقصود على سبيل التمام، وما يكون كذلك، كأن منشأ للمفاسد على ما سيأتي تقريره في مسألة أن الأصل عدم الاشتراك، وما يكون منشأ للمفاسد، وجب ألا يكون.
والجواب: لا نزاع في أنه لا يحصل الفهم التام من سماع اللفظ المشترك؛ لكن هذا القدر لا يوجب نفيه، لأن أسماء الأجناس غير دالة على أحوال تلك المسميات لا نفيا ولا إثباتا، والأسماء المشتقة لا تدل على تعين الموصوفات ألبته، ولم يلزم من ذلك جزم القول بأنها غير موضوعة، فكذا هاهنا.
وإذا بطل هذان القولان، فنحن نبين الإمكان أولا، ثم الوقوع ثانيا: أما بيان الإمكان، فمن وجهتين:
الأول: أن المواضعة تابعة لأغراض المتكلم، وقد يكون للإنسان غرض تعريف غيره شيئا على التفصيل، وقد يكون غرضه تعريف ذلك الشيء على الإجمال؛ بحيث يكون ذكر التفصيل سببا للمفسدة، كما روى عن أبي بكر ﵁ أنه قال للكافر الذي سأله عن رسول الله ﵌ وقت ذهابهما إلى الغار: (من هو؟ فقال: رجل يهديني السبيل) ولأنه ربما لا يكون المتكلم واثقا بصحة الشيء على التعيين، إلا أنه يكون واثقا بصحة وجود أحدهما؛ لا محالة؛ فحينئذ يطلق اللفظ المشترك؛ لئلا يكذب، ولا يكذب ولا يظهر جهله بذلك؛ فإن أي معنى يصح، فله أن يقول: إنه كان مرادي.
الثاني: أن ما ذكروه من المفاسد، لو صح: فإنما يقدح في أن يضع الواضع لفظا لمعنيين على سبيل الاشتراك، لكنه يجوز أن يوجد المشترك بطريق آخر،
стр. 626
وهو أن تضع قبيلة اسما لشيء، وقبيلة أخرى ذلك الاسم لشيء آخر، ثم يشيع الوضعان، ويخفى كونه موضوعا للمعنيين من جهة القبيلتين.
وأما الوقوع، فمن الناس من قال: إن كل ما يظن مشتركا، فهو إما أن يكون متواطئا، أو يكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر؛ كالعين، فإنه وضع أولا للجارحة المخصوصة، ثم نقل إلى الدينار؛ لأنه في الغرة والصفاء كتلك الجارحة، وإلى الشمس؛ لأنها في الصفاء والضياء كتلك الجارحة، وإلى الماء؛ لوجود المعنيين فيه. وعندنا أن كل ذلك ممكن؛ والأغلب على الظن وقوع المشترك.
والدليل عليه: أنا إذا سمعنا (القراء) لم نفهم أحد المعنيين من غير تعيين، بل بقي الذهن مترددا، ولو كان اللفظ متواطئا، أو حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، لما كان كذلك.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: كان حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر، ثم خفي ذلك؟!
قلت: أحكام اللغات لا تنتهي إلى القطع المانع من الاحتمالات البعيدة، وما ذكرتموه لا ينفي كونه حقيقة فيهما الآن، وهو المقصود، والله أعلم.
المسألة الثانية: في أقسام اللفظ المشترك:
المفهومان: إما أن يكونا متباينين؛ كالطهر والحيض المسميين بالقراء/ أو لا يكونا متباينين، بل يكون بينهما تعلق، وحينئذ لا يخلو إما أن يكون أحدهما جزءا من الآخر، أو لا يكون.
стр. 627
فالأول: مثل ما إذا سمى معنى عام باسم، وسمى معنى خاص تحته بذلك الاسم، فوقوع الاسم عليهما، والحالة هذه، يكون بالاشتراك؛ مثل الممكن، إذا قيل لغير الممتنع، وقيل لغير الضروري؛ فإن غير الممتنع أعم من غير الضروري؛ فإذا قيل الممكن عليهما، فهو بالاشتراك.
وأيضا فقوله: (على الخاص وحده) قول بالاشتراك أيضا بالنظر إلى ما فيه من المفهومين المختلفين.
وأما إن لم يكن أحدهما جزءا من الآخر، فلا بد وأن يكون أحدهما صفة للآخر؛ وهو كما إذا سمى شخص أسود اللون بالأسود، فإن قول الأسود عليه؛ من حيث إنه لقب، ومن حيث إنه مشتق بالاشتراك، ثم إذا نسيت ذلك الشخص إلى القار، فإن اعتبرت لونه، كان الأسود مقولا عليه، وعلى القار بالتواطؤ، وإن اعتبرت اسمه، كان الأسود مقولا عليه، وعلى القار بالاشتراك.
دقيقة: لا يجوز أن يكون اللفظ مشتركا بين عدم الشيء وثبوته؛ لأن اللفظ لابد وأن يكون بحال متى أطلق أفاد شيئا، وإلا كان عبثا؛ والمشترك بين النفي والإثبات لا يفيد إلا التردد بين النفي والإثبات، وهذا معلوم لكل أحد.
المسألة الثالثة: في سبب وقوع الاشتراك:
السبب الأكثري هو: أن تضع كل واحدة من القبيلتين تلك اللفظة لمسمى آخر، ثم يشتهر الوضعان، فيحصل الاشتراك.
والأقلى هو: أن يضعه واضع واحد لمعنيين، ليكون المتكلم متمكنا من التكلم بالمجمل؛ وقد سبق في الفصل السالف: أن المتكلم بالكلام المجمل من مقاصد العقلاء ومصالحهم.
стр. 628
وأما السبب الذي يعرف به كون اللفظ مشتركا، فذلك إما الضرورة، وهو أن يسمع تصريح أهل اللغة به.
وإما النظر؛ وذلك أنا سنذكر إن شاء الله تعالى الطرق الدالة على كون اللفظة حقيقة في مسماها، فإذا وجدت تلك الطرق في اللفظة الواحدة بالنسبة إلى معنيين مختلفين، حكمنا بالاشتراك.
ومن الناس، من ذكر فيه طريقين آخرين:
أحدهما: أن حسن الاستفهام يدل على الاشتراك؛ لأن الاستفهام عبارة عن طلب الفهم، وطلب الشيء حال حصوله محال، والفهم إنما لا يكون حاصلا لو كان اللفظ مترددا بين المعنيين.
الثاني: قالوا: استعمال اللفظ في معنيين ظاهرا يدل على كونه حقيقة فيهما؛ وذلك يقتضي الاشتراك.
واعلم: أنا سنبين إن شاء الله تعالى في باب العموم: أن هذين الطريقين لا يدلان على الاشتراك.
المسألة الرابعة: في أنه لا يجوز استعمال المشترك المفرد في معانيه على الجمع . وذهب الشافعي، والقاضي أبو بكر ﵄ إلى جوازه، وهو قول الجبائي، والقاضي عبد الجبار بن أحمد.
وذهب آخرون إلى امتناعه، وهو قول أبي هاشم، وأبي الحسين البصري والكرخي.
стр. 629
ثم اختلفوا؛ فمنهم من منع منه؛ لأمر يرجع إلى القصد، ومنهم من منع منه؛ لأمر يرجع إلى الوضع، وهو المختار.
وقبل الخوض في الدليل لابد من مقدمة وهي: أنه ليس يلزم من كون اللفظ موضوعا لمعنيين على البدل أن يكون موضوعا لهما جميعا؛ وذلك لأنا نعلم بالضرورة المغايرة بين المجموع، وبين كل واحد من أفراده، ولا يلزم أن يكون المجموع مساويا لكل واحد من أفراده في جميع الأحكام، فلا يلزم من كون كل واحد من الشيئين مسمى باسم، كون مجموعهما مسمى به.
إذا ثبتت هذه المقدمة فالدليل على ما قلنا: أن الواضع إذا وضع لفظا لمفهومين على الانفراد، فإما أن يكون قد وضعه مع ذلك لمجموعهما، أو ما وضعه لهما:
فإن قلنا: إنه ما وضعه للمجموع، فاستعماله لإفادة المجموع استعمال اللفظ في غير ما وضع له؛ وإنه غير جائز.
وإن قلنا: إنه وضعه للمجموع، فلا يخلو إما أن يستعمل لإفادة المجموع وحده أو لإفادته مع إفادة الأفراد.
فإن كان الأول: لم يكن اللفظ إلا لأحد مفهوماته، لأن الواضع إن كان وضعه بإزاء أمور ثلاثة على البدل، وأحدهما ذلك المجموع فاستعمال اللفظ فيه وحده لا يكون استعمالا للفظ في كل واحد من مفهوماته.
فإن قلت: إنه يستعمل في إفادة المجموع والأفراد على الجمع، فهو محال؛ لأن إفادته للمجموع معناه: أن الاكتفاء لا يحصل إلا بهما، وإفادته للمفرد
стр. 630
معناه: أنه يحصل الاكتفاء بكل واحد منهما وحده، وذلك جمع بين النقيضين وهو محال.
فثبت أن اللفظ المشترك من حيث إنه مشترك لا يمكن استعماله في إفادة مفهوماته على سبيل الجمع.
واحتج المجوزون بأمور:
أحدها: أن الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ثم إن الله تعالى أراد بهذه اللفظة كلا معنييها في قوله تعالى:﴾ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴿(الأحزاب:٥٦).
وثانيهما قوله تعالى:﴾ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب .. ﴿؟! (الحج: ١٨).
أراد بالسجود هاهنا الخضوع؛ لأنه هو المقصود من الدواب، وأراد به أيضا وضع الجبهة على الأرض؛ لأن تخصيص كثير من الناس بالسجود دون ما عداهم ممن حق عليه العذاب مع استوائهم في السجود بمعنى الخشوع يدل على أن الذي خصوا به من السجود هو وضع الجبهة على الأرض، فقد صار المعنيان مرادين.
وثالثهما قوله تعالى:﴾ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴿(البقرة: ٢٢٨) إذا أراد به الحيض والطهر؛ لأن المرأة إذا كانت من أهل الاجتهاد، فالله تعالى أراد منها الاعتداد بكل واحد منهما بدلا عن الآخر، بشرط أن يؤدي اجتهادها إليه أو إلى الآخر.
стр. 631
ورابعها: قال سيبويه: قول القائل لغيره: (الويل لك) دعاء وخبر؛ فجعله مفيدا لكلا الأمرين.
والجواب عن هذه الوجوه بأسرها: أن ما ذكروه، لو صح لدل على أن هذه الألفاظ كما هي موضوعة للآحاد، فهي موضوعة للجمع، وإلا كان الله تعالى قد استعمل اللفظ في غير مفهومه؛ وهو غير جائز.
وعلى هذا التقدير: يكون استعماله لإفادة الجمع استعمالا له في إفادة أحد موضوعاته، لا في إفادة الكل على ما بيناه، والله أعلم.
فرعان:
الأول: بعض من أنكر استعمال المفرد المشترك في جميع مفهوماته جوز ذلك في لفظ الجمع، أما في جانب الإثبات، فكقوله للمرأة: اعتدي بالأقراء.
والحق أنه لا يجوز؛ لأن قوله: اعتدي بالأقراء معناه: اعتدي بقرء وقرء وقرء، وإذا لم يصح أن يفاد بلفظ القرء كلا المدلولين، لم يصح ذلك أيضا في الجمع الذي لا يفيد إلا عين فائدة الإفراد.
وأما في جانب النفي، فلم يقم دليل قاطع على أن الواضع ما استعمله في إفادة نفيهما جميعا.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن لا يفيد إلا رفع مقتضى الإثبات، فإذا لم
стр. 632
يفد في جانب الإثبات إلا أمرا واحدا، لم يرتفع عند حرف النفي إلا المعنى الواحد.
فأما إن أريد حمله على أن المراد منه: لا تعتدي بما هو مسمى الأقراء؛ فحينئذ يكون كون الحيض والطهر مسمى بالقرء وصفا معقولا مشتركا بينهما؛ فيكون اللفظ على هذا التقدير متواطئا، لا مشتركا.
الثاني: أنا لو جوزنا أن يفاد باللفظ المشترك جميع معانيه، فإنه لا يجب ذلك.
ونقل عن الشافعي ﵁، والقاضي أبي بكر أنهما قالا: المشترك إذا تجرد عن القرائن المخصصة، وجب حمله على جميع معانيه، وفيه نظر؛ لأنه إن لم يكن موضوعا للمجموع، فلا يجوز استعماله فيه، وإن كان موضوعا له، فهو أيضا موضوع لكل واحد من الأفراد، واللفظ دائر بين كل واحد من الفردين وبين المجموع، فيكون الجزم بإفادته للمجموع دون كل واحد من الفردين ترجيحا لأحد الجائزين على الآخر من غير مرجح؛ وهو محال.
فإن قلت: حمله على المجموع أحوط، فيكون الأخذ به واجبا:
قلت: القول بالاحتياط ستتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة في أن الأصل عدم الاشتراك:
ونعني به: أن اللفظ متى دار بين الاشتراك وعدمه، كان الأغلب على الظن عدم الاشتراك، ويدل عليه وجوه:
أحدها: أن احتمال الاشتراك، لو كان مساويا لاحتمال الانفراد، لما حصل
стр. 633
التفاهم بين أرباب اللسان حالة التخاطب في أغلب الأحوال، من غير استكشاف، وقد علمنا حصول ذلك، فكان الغالب حصول احتمال الانفراد.
وثانيهما: لو لم يكن الاشتراك مرجوحا، لما بقيت الأدلة السمعية مفيدة ظنا؛ فضلا عن اليقين؛ لاحتمال أن يقال: إن تلك الألفاظ مشتركة بين ما ظهر لنا منها وبين غيره؛ وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المراد غير ما ظهر لنا؛ وحينئذ لا يبقى التمسك بالقرآن والأخبار مفيدا للظن؛ فضلا عن العلم.
وثالثها: أن الاستقراء دل على أن الكلمات في الأكثر مفردة لا مشتركة، والكثرة تفيد ظن الرجحان، فإن قلت: لا نسلم أن الكلمات في الأكثر مفردة؛ لأن الكلمة إما حرف، أو فعل، أو اسم.
أما الحرف، فكتب النحو شاهدة بأنه مشترك.
وأما الفعل، فهو إما الماضي، أو المستقبل، أو الأمر.
أما الماضي والمستقبل، فهما مشتركان؛ لأنهما تارة يستعملان في الخبر، وأخرى في الدعاء، ولأن صيغة المضارع مشتركة بين الحال، والاستقبال، وأما صيغة (أفعل) فالقول بأنها مشتركة بين الوجوب والندب مشهور.
وأما الأسماء ففيها اشتراك كثير، فإذا ضممنا إليها الأفعال والحروف، كانت الغلبة للاشتراك!!
قلت: الأصل في الألفاظ الأسماء، والاشتراك نادر فيها، بدليل أنه لو كان الاشتراك أغلب، لما حصل فهم غرض المتكلم في الأكثر، ولما لم يكن كذلك، علمنا أن الغالب عدم الاشتراك.
стр. 634
ورابعها: أن الاشتراك يخل بفهم القائل والسامع؛ وذلك يقتضي ألا يكون موضوعا.
بيان أنه يقتضى الخلل في الفهم: أما في حق السامع، فمن وجهتين:
الأول: أن الغرض من الكلام حصول الفهم، وهو غير حاصل في المشترك؛ لتردد الذهن بين مفهوماته.
الثاني: أن سامع اللفظ المشترك ربما يتعذر عليه الاستكشاف؛ إما لأنه يهاب المتكلم، أو لأنه يستنكف عن السؤال، وإذا لم يستكشف، فربما حمله على غير المراد، فيقع في الجهل، ثم ربما ذكره لغيره، فيصير ذلك سببا لجهل جمع كثير؛ ولهذا قال أصحاب المنطق: إن السبب الأعظم في وقوع الأغلاط حصول اللفظ المشترك.
وأما في حق القائل؛ فلأن الإنسان إذا تلفظ باللفظ المشترك، احتاج في تفسيره إلى أن يذكره باسمه المفرد، فيقع تلفظه باللفظ المشترك عبئا، ولأنه ربما ظن أن السامع متنبه للقرينة الدالة على تعيين المراد، مع أن السامع لم يتنبه له، فيحصل الضرر؛ كمن قال لعبده: أعط الفقير عينا، على ظن أنه يفهم أن مراده الماء، ثم إنه يعطيه الذهب، فيتضرر السيد به.
فثبت بهذه الوجوه: أن الاشتراك منشأ للمفاسد، فهذه المفاسد إن لم تقتض امتناع الوضع، فلا أقل من اقتضاء المرجوحية.
وخامسها: أن الإنسان مضطر في بقائه إلى استعمال المفردات، ولا حاجة به إلى المشترك، فيكون المفرد أغلب في الوجود، وفي الظن.
стр. 635
بيان الحاجة إلى المفردات أن الإنسان لا يستقل بتكميل مهمات معيشته بدون الاستعانة بغيره، والاستعانة بالغير لا تتم إلا باطلاع الغير على حاجته، وقد عرفت أن ذلك لا يحصل إلا بالألفاظ المفردة.
وإنما قلنا: إن الحاجة إلى المشترك غير ضرورية؛ لأنهم إن احتاجوا إلى التعريف الإجمالي أمكنهم ذكر تلك المفردات مع لفظ الترديد، وحينئذ يحصل المطلوب في اللفظ المشترك.
وإذا ظهرت المقدمتان، ثبت رجحان المفرد على المشترك في الوجود وفي الذهن، وهو المطلوب، والله أعلم.
المسالة السادسة: فيما يعين مراد اللافظ باللفظ المشترك:
اللفظ المشترك: إما أن توجد معه قرينة مخصصة، أو لا توجد.
فإن لم توجد، بقي مجملا؛ لما ثبت من امتناع حمله على الكل.
وإن وجدت القرينة، فتلك القرينة: إما أن تدل على حال كل واحد من مسميات اللفظ؛ إلغاء أو اعتبارا، أو على حال البعض؛ إلغاء أو اعتبارا، وإما على حال الكل من حيث هو كل؛ إلغاء أو اعتبارا؛ فهو مندرج تحت حال البعض؛ لأن اللفظ إذا كان مفيدا لكل واحد من تلك الأفراد، وللكل من حيث هو، كل كان الكل أحد الأمور المسماة به، فتكون القرينة الدالة عليه؛ إلغاء أو اعتبارا دالة على بعض ما اندرج تحت تلك اللفظة.
فأما القسم الأول وهو: ما يفيد اعتبار كل واحد من تلك المعاني، فتلك: المعاني إما أن تكون متنافية، أو لا تكون.
следующие страницы →