← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ورابعها: قال سيبويه: قول القائل لغيره: (الويل لك) دعاء وخبر؛ فجعله مفيدا لكلا الأمرين. والجواب عن هذه الوجوه بأسرها: أن ما ذكروه، لو صح لدل على أن هذه الألفاظ كما هي موضوعة للآحاد، فهي موضوعة للجمع، وإلا كان الله تعالى قد استعمل اللفظ في غير مفهومه؛ وهو غير جائز. وعلى هذا التقدير: يكون استعماله لإفادة الجمع استعمالا له في إفادة أحد موضوعاته، لا في إفادة الكل على ما بيناه، والله أعلم. فرعان: الأول: بعض من أنكر استعمال المفرد المشترك في جميع مفهوماته جوز ذلك في لفظ الجمع، أما في جانب الإثبات، فكقوله للمرأة: اعتدي بالأقراء. والحق أنه لا يجوز؛ لأن قوله: اعتدي بالأقراء معناه: اعتدي بقرء وقرء وقرء، وإذا لم يصح أن يفاد بلفظ القرء كلا المدلولين، لم يصح ذلك أيضا في الجمع الذي لا يفيد إلا عين فائدة الإفراد. وأما في جانب النفي، فلم يقم دليل قاطع على أن الواضع ما استعمله في إفادة نفيهما جميعا. ويمكن أن يجاب عنه: بأن لا يفيد إلا رفع مقتضى الإثبات، فإذا لم

стр. 632

يفد في جانب الإثبات إلا أمرا واحدا، لم يرتفع عند حرف النفي إلا المعنى الواحد. فأما إن أريد حمله على أن المراد منه: لا تعتدي بما هو مسمى الأقراء؛ فحينئذ يكون كون الحيض والطهر مسمى بالقرء وصفا معقولا مشتركا بينهما؛ فيكون اللفظ على هذا التقدير متواطئا، لا مشتركا. الثاني: أنا لو جوزنا أن يفاد باللفظ المشترك جميع معانيه، فإنه لا يجب ذلك. ونقل عن الشافعي ﵁، والقاضي أبي بكر أنهما قالا: المشترك إذا تجرد عن القرائن المخصصة، وجب حمله على جميع معانيه، وفيه نظر؛ لأنه إن لم يكن موضوعا للمجموع، فلا يجوز استعماله فيه، وإن كان موضوعا له، فهو أيضا موضوع لكل واحد من الأفراد، واللفظ دائر بين كل واحد من الفردين وبين المجموع، فيكون الجزم بإفادته للمجموع دون كل واحد من الفردين ترجيحا لأحد الجائزين على الآخر من غير مرجح؛ وهو محال. فإن قلت: حمله على المجموع أحوط، فيكون الأخذ به واجبا: قلت: القول بالاحتياط ستتكلم عليه إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة في أن الأصل عدم الاشتراك: ونعني به: أن اللفظ متى دار بين الاشتراك وعدمه، كان الأغلب على الظن عدم الاشتراك، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن احتمال الاشتراك، لو كان مساويا لاحتمال الانفراد، لما حصل

стр. 633

التفاهم بين أرباب اللسان حالة التخاطب في أغلب الأحوال، من غير استكشاف، وقد علمنا حصول ذلك، فكان الغالب حصول احتمال الانفراد. وثانيهما: لو لم يكن الاشتراك مرجوحا، لما بقيت الأدلة السمعية مفيدة ظنا؛ فضلا عن اليقين؛ لاحتمال أن يقال: إن تلك الألفاظ مشتركة بين ما ظهر لنا منها وبين غيره؛ وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المراد غير ما ظهر لنا؛ وحينئذ لا يبقى التمسك بالقرآن والأخبار مفيدا للظن؛ فضلا عن العلم. وثالثها: أن الاستقراء دل على أن الكلمات في الأكثر مفردة لا مشتركة، والكثرة تفيد ظن الرجحان، فإن قلت: لا نسلم أن الكلمات في الأكثر مفردة؛ لأن الكلمة إما حرف، أو فعل، أو اسم. أما الحرف، فكتب النحو شاهدة بأنه مشترك. وأما الفعل، فهو إما الماضي، أو المستقبل، أو الأمر. أما الماضي والمستقبل، فهما مشتركان؛ لأنهما تارة يستعملان في الخبر، وأخرى في الدعاء، ولأن صيغة المضارع مشتركة بين الحال، والاستقبال، وأما صيغة (أفعل) فالقول بأنها مشتركة بين الوجوب والندب مشهور. وأما الأسماء ففيها اشتراك كثير، فإذا ضممنا إليها الأفعال والحروف، كانت الغلبة للاشتراك!! قلت: الأصل في الألفاظ الأسماء، والاشتراك نادر فيها، بدليل أنه لو كان الاشتراك أغلب، لما حصل فهم غرض المتكلم في الأكثر، ولما لم يكن كذلك، علمنا أن الغالب عدم الاشتراك.

стр. 634

ورابعها: أن الاشتراك يخل بفهم القائل والسامع؛ وذلك يقتضي ألا يكون موضوعا. بيان أنه يقتضى الخلل في الفهم: أما في حق السامع، فمن وجهتين: الأول: أن الغرض من الكلام حصول الفهم، وهو غير حاصل في المشترك؛ لتردد الذهن بين مفهوماته. الثاني: أن سامع اللفظ المشترك ربما يتعذر عليه الاستكشاف؛ إما لأنه يهاب المتكلم، أو لأنه يستنكف عن السؤال، وإذا لم يستكشف، فربما حمله على غير المراد، فيقع في الجهل، ثم ربما ذكره لغيره، فيصير ذلك سببا لجهل جمع كثير؛ ولهذا قال أصحاب المنطق: إن السبب الأعظم في وقوع الأغلاط حصول اللفظ المشترك. وأما في حق القائل؛ فلأن الإنسان إذا تلفظ باللفظ المشترك، احتاج في تفسيره إلى أن يذكره باسمه المفرد، فيقع تلفظه باللفظ المشترك عبئا، ولأنه ربما ظن أن السامع متنبه للقرينة الدالة على تعيين المراد، مع أن السامع لم يتنبه له، فيحصل الضرر؛ كمن قال لعبده: أعط الفقير عينا، على ظن أنه يفهم أن مراده الماء، ثم إنه يعطيه الذهب، فيتضرر السيد به. فثبت بهذه الوجوه: أن الاشتراك منشأ للمفاسد، فهذه المفاسد إن لم تقتض امتناع الوضع، فلا أقل من اقتضاء المرجوحية. وخامسها: أن الإنسان مضطر في بقائه إلى استعمال المفردات، ولا حاجة به إلى المشترك، فيكون المفرد أغلب في الوجود، وفي الظن.

стр. 635

بيان الحاجة إلى المفردات أن الإنسان لا يستقل بتكميل مهمات معيشته بدون الاستعانة بغيره، والاستعانة بالغير لا تتم إلا باطلاع الغير على حاجته، وقد عرفت أن ذلك لا يحصل إلا بالألفاظ المفردة. وإنما قلنا: إن الحاجة إلى المشترك غير ضرورية؛ لأنهم إن احتاجوا إلى التعريف الإجمالي أمكنهم ذكر تلك المفردات مع لفظ الترديد، وحينئذ يحصل المطلوب في اللفظ المشترك. وإذا ظهرت المقدمتان، ثبت رجحان المفرد على المشترك في الوجود وفي الذهن، وهو المطلوب، والله أعلم. المسالة السادسة: فيما يعين مراد اللافظ باللفظ المشترك: اللفظ المشترك: إما أن توجد معه قرينة مخصصة، أو لا توجد. فإن لم توجد، بقي مجملا؛ لما ثبت من امتناع حمله على الكل. وإن وجدت القرينة، فتلك القرينة: إما أن تدل على حال كل واحد من مسميات اللفظ؛ إلغاء أو اعتبارا، أو على حال البعض؛ إلغاء أو اعتبارا، وإما على حال الكل من حيث هو كل؛ إلغاء أو اعتبارا؛ فهو مندرج تحت حال البعض؛ لأن اللفظ إذا كان مفيدا لكل واحد من تلك الأفراد، وللكل من حيث هو، كل كان الكل أحد الأمور المسماة به، فتكون القرينة الدالة عليه؛ إلغاء أو اعتبارا دالة على بعض ما اندرج تحت تلك اللفظة. فأما القسم الأول وهو: ما يفيد اعتبار كل واحد من تلك المعاني، فتلك: المعاني إما أن تكون متنافية، أو لا تكون.

стр. 636

فإن كانت متنافية، بقي اللفظ مترددا بينها كما كان، إلى أن يظهر المرجح. وإن لم تكن متنافية، فقال بعضهم: الأدلة المقتضية لحمل اللفظة على كل معانيها معارضة للدليل المانع من حمل اللفظ المشترك على كل معانيه، فتعتبر بينهما الترجيحات. وهذا خطأ؛ لأن الدلالة المانعة من حمل اللفظ المشترك على كل معانيه دلالة قاطعة، فلا تقبل المعارضة. سلمنا قبوله للمعارضة؛ لكن لا معارضة هاهنا؛ فإن الدليلين، إذا اقتضيا حمل اللفظ على كلا مدلوليه أمكن أن يكون اللفظ كما كان موضوعا لكل واحد منهما بالاشتراك، فهو أيضا موضوع للجميع، أو أن المتكلم قد تكلم به مرتين، ومع هذين الاحتمالين زال التعارض، وإذا بطل التعارض، ثبت أنه متى قامت الدلالة على كون كل واحد منهما مرادا، وجب حمله عليهما. القسم الثاني، وهو: الذي يكون مفيدا إلغاء كل واحد من تلك المعاني؛ وحينئذ يجب حمل اللفظ على مجازات تلك الحقائق الملغاة. ثم لا يخلو: إما أن نكون تلك الحقائق الملغاة بحال لو لم تقم الدلالة على إلغائها، كان البعض أرجح من البعض، أو ليس الأمر كذلك. فإن كان الأول: فمجازاتها: إما أن تكون متساوية في القرب، أو لا تكون متساوية: فإن تساوت المجازات في القرب، وكانت إحدى الحقيقتين راجحة كان مجاز الحقيقة الراجحة راجحا.

стр. 637

وإن تفاوتت المجازات، نظر: فإن كان مجاز الحقيقة الراجحة راجحا، فلا كلام في رجحانه. وإن كان مجاز الحقيقة المرجوحة راجحا، وقع التعارض بين المجازين؛ لأن هذا المجاز، وإن كان راجحا إلا أن حقيقته مرجوحة، وذلك المجاز، وإن كان مرجوحا، إلا أن حقيقته راجحة، فقد اختص كل واحد منهما بوجه رجحان، فيصار إلى الترجيح. وأما إن كانت الحقائق متساوية، فإما أن يكون أحد المجازين أقرب إلى حقيقته من المجاز الآخر إلى الأخرى، أو لا يكون: فإن كان الأول، وجب العمل بالأقرب. وإن كان الثاني، بقيت اللفظة مترددة بين مجازات تلك الحقائق؛ لما ثبت من امتناع حمل اللفظ على مجموع معانيه، سواء كانت حقيقية أو مجازية. القسم الثالث: وهو الذي يدل على إلغاء البعض. فاللفظة المشتركة، إما أن تكون مشتركة بين معنيين فقط، أو أكثر. فإن كان الأول، فقد زال الإجمال؛ لأن اللفظ لما وجب حمله على معنى، ولا معنى له إلا هذان، وفد تعذر حمله على ذلك فيتعين حمله على هذا. وإن كان الثاني، وهو أن تكون المعاني أكثر من واحد، فعند قيام الدليل على إلغاء واحد منها، بقي اللفظ مجملا في الباقي. وأما القسم الرابع، وهو الذي يدل على اعتبار البعض، فهذا يزيل الإجمال، سواء كانت اللفظة مشتركة بين معنيين أو أكثر.

стр. 638

المسألة السابعة: في أنه يجوز حصول اللفظ المشترك في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ . والدليل على جوازه وقوعه، وهو في قوله تعالى:﴾ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴿(البقرة: ٢٢٨)، وفي قوله تعالى:﴾ والليل إذا عسعس ﴿(التكوير: ١٧) فإنه مشترك بين الإقبال والإدبار. واحتج المانع بأن ذلك اللفظ: إما أن يكون المراد منه حصول الفهم، أو لا يكون، والثاني عبث. والأول لا يخلو: إما أن يكون المراد منه حصول الفهم بدون بيان المقصود، أو مع بيانه. والأول: تكليف ما لا يطاق. والثاني: لا يخلو: إما أن يكون البيان مذكورا معه، أو لا يكون. فإن كان الأول، كان تطويلا من غير فائدة، وهو سفه وعبث. وإن كان الثاني، أمكن ألا يصل البيان إلى المكلف؛ فحينئذ يبقى الخطاب مجهولا. والجواب: أن هذا غير وارد على مذهبنا في أن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وأما الجواب على أصول المعتزلة، فسيأتي في مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب إن شاء الله تعالى. قال القرافي: قوله: اللفظ المشترك هو اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعا أولا من حيث هما كذلك، فاحترزنا بحقيقتين مختلفتين عن

стр. 639

الأسماء المفردة، وبالوضع الأول عن الحقيقة والمجاز، وبقولنا: (من حيث هما كذلك) عن المتواطئ لتناوله المختلفات لا من حيث هي مختلفة، بل من حيث اشتراكهما في معنى واحد، وعليه سبعة أسئلة: الأول: على قوله: (مختلفتين): فإن كل قيد في حد إنما يحترز به عن ضده، فيحترز (بالمختلفات) عن الوضع للمتمائلات، لكن الوضع للمثلين محال عقلا، فلا حاجة للاحتراز عنه. برهانه: أن المثلين لا بد أن يمتاز كل واحد منهما عن الآخر بشخصه، وبعينه عن الآخر، فالواضع إما أن يتخذ التعيين في المسمى أم لا، فإن أخذ جزءا من المسمى في كل واحد من المثلين، أو في أحدهما لزم أن يكون وضع للمختلفين، لا للمثلين، أو في أحدهما لزم أن يكون وضع للمختلفين، لا للمثلين؛ لأن المثل بعد التعيين مخالف للمثل الآخر بالضرورة، وإن لم يأخذ التعيين، وما وقع به التشخيص في التسمية، والقاعدة العقلية أن المثلين إذا حذف عنهما مشخصاتهما لم يبق إلا القدر المشترك بينهما، والمشترك بينهما واحد، والواحد ليس بمثلين، فما وضع حينئذ لمثلين، فعلمنا بالضرورة أن الوضع للمثلين متعذر مستحيل، والمستحيل لا يحترز عنه. الثاني: على قوله: (احترزنا به عن الأسماء المفردة)، فأقول: لفظ السواد والبياض لفظان مفردان، وقد وضعا للمختلفين، وهما السواد والبياض، وإن أراد به كل لفظ مفرد على حاله من غير أن يضاف إليه غيره، وهو الأقرب لمراده، فقد خرج بقوله: حقيقتين، فلا حاجة للاختلاف. الثالث: على قوله: (وضعا أولا) احترازا عن الحقيقة والمجاز: قلنا: لا نسلم أن المجاز فيه وضع ثان، حتى يحترز عنه بالوضع الأول.

стр. 640

سلمنا أن فيه وضعاً، لكن له ثلاثة معان: جعل اللفظ دليلا على المعنى، وهو وضع اللغات، وعليه استعمال اللفظ في المعنى، وهو وضع الحقائق العرفية والشرعية؛ فإن أهل العرف لم يجتمعوا في صعيد واحد حتى اتفقوا على جعل اللفظ لذلك المعنى، بل استعمل هذا وهذا، حتى كثر الاستعمال، واشتهر اللفظ في تلك الحقيقة، فهذا معنى آخر من الوضع. والقسم الثالث: أصل الاستعمال، ولو مرة واحدة، فإذا سمع من الغرب التجوز مرة واحدة باعتبار المشابهة، كان مجاز التشبيه موضوعا، والوضع في هذا الباب مفسرا بأصل الاستعمال، وإذا كان لفظ الاستعمال مشتركا بين معان ثلاثة، فقول: في أصل الحد (هو اللفظ الموضوع) إن أراد المعاني الثلاث، فهذا لا يحسن في الحد؛ إما لأن اللفظ المشترك لا يجوز أن يقع في الحد، وإما لأن المشترك لا يجوز استعماله في جميع مفهوماته، وإن أراد الوضع الذي هو الجعل فقط، وهو الظاهر؛ لأنه وضع اللغات لا يندرج المعنى الآخر، وهو الوضع المفسر بأصل الاستعمال، فلا يحتاج إلى إخراجه. الرابع: على قوله: (من حيث هو كذلك) احترازا عن المتواطئ؛ فإنه يتناول المختلفات. قلنا لا نسلم أن اللفظ المتواطئ يتناول المختلفات، ولا يدل عليها البتة؛ فإن القاعدة أن الدال على الأعم غير دال على الأخص. فلفظ الحيوان غير دال على الإنسان البتة فلا يتناوله؛ لأن التناول هو الدلالة. الخامس: سلمنا أنه يتناول المختلفات، لكنه خرج بقوله: الموضوع لحقيقتين؛ لأن المتواطئ لم يوضع إلا للمشترك، وهو حقيقة واحدة.

стр. 641

السادس: قال النقشواني: إذا اشتهر المجاز حتى يساوي الحقيقة، ولم يعلم ذلك (١) يتعين أن يقال: هو مشترك لضرورة المساواة، وعدم النقل أنه مجاز في أحدهما، مع أن الوضع في هذا المشترك لم يكتف فيه بالأول، فخرج عن حده. السابع: قال: إذا استعمل أهل العرف اللفظ في معنيين مختلفين حتى ينتج الوضع الأول، ولم يعلم ذلك، فإنا نعد ذلك اللفظ مشتركا مع أن الوضع ليس أولا. قال: وبهذا قد يكون مستويا في المعنيين عند قوم، فيكون مشتركا عند من يثبت عندهم الاستواء، وكذلك إذا كان موضوعا لهما معا أولا، فربما اشتهر في أحدهما دون الآخر عند قوم، فلا يكون مشتركا بالنسبة إليهم، فإن ضابط الاشتراك هو التساوي، ويكون هذا سؤالا آخر على خد المصنف. (تنبيه) قد نقل أئمة اللغة أن اللفظ حقيقة في معنى، مجاز في معنى آخر ، ثم يساوي المجاز الحقيقة، فلا نقول: هو مشترك لقول أئمة اللغة: إنه غير مشترك، بل نقول: اشترك في مجازه، مثاله لفظ النكاح. قال أئمة اللغة: إنه موضوع للتداخل، ومنه نكحت الحصاة خف البعير، وهو مجاز في العقد، وقد ساواه في العرف. فإذا قلنا: نكح فلان عند فلان. معناه: عقد، ومع ذلك فلا يقال: هو مشترك، وبهذا يظهر سؤال على النقشواني في قوله: إذا اشتهر واستوى صار مشتركا، بل نقول: ليس مشتركا.

стр. 642

(فائدة) نقول المشترك الموضوع لحقيقتين فأكثر باعتبار واضع واحد ظاهرا فقولنا: (لحقيقتين) احترازا عن الموضوع لمعنى واحد. وقولنا: (فأكثر) ليدخل الذي وضع لثلاث فأكثر. وقولنا: (باعتبار واضع واحد) احترازا عن الموضوع لمعنيين في أحدهما بوضع العرف، والآخر بوضع اللغة. وقولنا: ظاهرا احترازا من أن يخفى علينا وضعه لأحدهما بالعرف، والآخر باللغة ونحن لا نشعر، لكن الظاهر أن الكل وضع واحد؛ لأن الأصل عدم تعداد الواضع، فلا جرم لا يزال يقتدى بالاشتراك عند التساوي حتى يقال: إنه في أحدهما باللغة، وفي الآخر بالعرف. المسألة الأولى: قوله: (الألفاظ متناهية، والمعاني غير متناهية) . قلنا: قد تقدم في أنه لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ؛ لأن الألفاظ والمعاني سواء في التناهي وعدمه، وأن ما لا يتناهى له تفسيران: ما لا نهاية له، كمعلومات الله ﵎ وما لا نهاية، لكن لا يجب الوقوف عندها كنعيم الجنة، ومقدورات الله تعالى والمعاني فهما سواء، وبسطه هناك. قوله: (لأن الألفاظ مركبة من الحروف المتناهية، والمركب من المتناهى متناه). قلنا: هذا باطل من وجهين: أحدهما: أن العشرة متناهية، وإذا علمنا منها سلسلة غير متناهية صدق عليها عدم التناهي، مع أنها مركبة من المتناهى، فحروف التركيب ثمانية وعشرون.

стр. 643

قلنا إن تركب من اثنين منها فقط ما لا يتناهى، فنقول: كاف وصاد، وكافان وصاد، وثلاث كافات وصاد ونزيد أبدا في عدد الكافات واحدا حتى نذهب إلى غير النهاية، فلابد أن نقول: المركب من المتناهى مرارا متناهية متناه. وثانيهما: سلمنا أنه يتركب منها مرارا متناهية، غير أنه قيد يكون لا يجب الوقوف عندها، فتكون الألفاظ غير متناهية على ما تقدم بيانه من تفسير غير المتناهي. قوله: (المعاني غير متناهية؛ لأن أحد أنواعها العدد). قلنا، والعدد متناه إن فسرنا غير المتناهي بما لا غاية له، فإن كل شيء نتصوره من الأعداد له أول، وهو الواحد، وآخر وهي المرتبة التي وصلنا إليها، غير المتناهي بما لا غاية له. قلنا: المنع لأجل ذلك. (سؤال) قوله: (الألفاظ العامة كالوجود والشيء) . مراده هاهنا لفظ (وجود، وشيء) بالتنكير لا بالتعريف، وهي على هذا التقدير ليست عامة؛ فإن صيغ العموم لا تدخل فيها النكرات في الثبوت، وإنما العام معانيها، فكان الواجب أن يقول: ألفاظ المعاني العامة، وهو مقصودة، غير أنه توسع، وسمي اللفظ بما يستحقه مدلوله. قوله: (فيكون لفظ الوجود مقولا عليهما بالاشتراك). قلنا: هذا ما قاله أكثر الأصحاب، وهو غير صحيح، فإن معنى قولنا: الوجود نفس الموجود أنه ليس زائدا عليه في الخارج، بل أمر يعتبره الذهن،

стр. 644

كما قلنا: الخلق نفس المخلوق، بمعنى أنه أمر ذهني لا خارجي، فهو في الحقيقة متواطئ باعتبار ذلك الأمر الذهني لا مشترك. ويؤكد ذلك أنه يطلق على ما لا يتناهى من الموجودات، والمشترك لا تكون مسمياته غير متناهية، ولا يطلق على غير المتناهى من غير احتياج لوضع جديد إلا المتواطئ، فلفظ الوجود والشيء متواطئ، على تقدير تفسير الوجود بأنه نفس الموجود. قال الإمام في (المباحث المشرقية): اتفق الناس على أن الشاعر لو قال في رؤية الموجود مرارا كثيرا كان إيطاء وإعادة لعين المعنى الأول، واتفقوا على جواز تكرار اللفظ المشترك في الروى، باعتبار تعدد المعاني، فللشاعر أن يقول: زيد ذهبا، وانتقدت الذهبا، ولا يكون إيطاء، فدل على أن لفظ الوجود غير مشترك لما تقدم بيانه أنه موضوع لمعنى ذهني. تقرير قوله: (المقدمتين الباطلتين) . معناه: أنا نمنع أن الألفاظ متناهية، والمعاني غير متناهية، ومستند المنع ما تقدم من أن الكل من باب واحد، إما أن يكونا غير متناهيين، أو متناهيين على اختلاف تفسير غير المتناهي، فهو يشير لما تقدم من السؤال. قوله: (المعاني التي لا تتناهى لا تخطر ببالهم). يريد لا يتصورون ما لا غاية له على التفصيل إذا فسر ما لا يتناهى بمسلوب النهاية، أما بالتفسير الآخر، وهو ما له غاية لا يجب الوقوف عندها، كما في نعيم أهل الجنة، ومقدورات الله تعالى فيمكن تصورهم له. تقرير قوله: (لا نسلم أن الألفاظ العامة ضرورية في اللغات) . يؤيده أن اللغة قد تترك مثل هذا، وقد تقدم في أنه لا يجب أن يكون لكل

стр. 645

معنى لفظ، وأن لغة العرب تركت ألفاظا كثيرة أخذتها من الفرس، والفرس تركت ألفاظا كثيرة أخذتها من العرب على سبيل الاستعارة، فهو يؤيد هذا البحث. وقوله: (لا نسلم أن الوجود غير مشترك). يعني: بل هو مشترك عرض زائد، كالألوان والطعوم والروائح، فلفظه حينئذ متواطئ. (قاعدة) المضاف للمعلوم ثلاثة أقسام: قسم اتفق الناس على أنه زائد على المضاف إليه، كحركة زيد ولونه وعلمه. وقسم اتفق الناس على أنه غير زائد على المضاف إليه في الخارج، كذات زيد وماهيته وحقيقته، فذات الشيء نفسه في الخارج اتفاقا، فإن كان مدلول الذات يصدق على ذات السواد، وذات البياض، وجميع الذوات الممكنة وغيرها، فهو عام زائد في الذهن دون الخارج، وكذلك جميع ما ذكر معه. وقسم اختلف الناس فيه، هل هو من القسم الأول، أو من القسم الثاني؟ كوجود زيد، فهل هو نفسه كذاته، أو غيره كحركته؟ مذهبان، فالخصم فرع على أنه مثل ذاته غير زائد. والإمام منع على المذهب الآخر، والتزم أنه زائد عليه، كحركته ولونه. تقرير قوله: لم لا يجوز اشتراك الموجودات كلها في معنى عام؟ معناه: أن يكون لفظ الوجود موضوعا لنسبة وإضافة عامة، نحو كون الحقيقة قبالة العدم في خبر الوجود الذي هو زائد على الماهية، فعلى ما قاله يكون معنى

стр. 646

الوجود غير مسمى بهذه اللفظة، فإما أن يكون له لفظ آخر لا يعلمه، أو يكون لم يوضع لجواز خلو اللغة عن الوضع لبعض المعاني كما تقدم بيانه. (تنبيه) زاد التبريزي بأنه قال: وقولهم: المتناهي إذا وزع على غير المتناهي لزم الاشتراك، هفوة ؛ لأن المتناهي لا يفي بغير المتناهي لا بالتعبير، ولا بالاشتراك، ثم معاني الألفاظ المشتركة لها أسام مفردة ليصح أن يقال: هذا اللفظ المشترك، واستغنت اللغة عن الاشتراك على أن في التركيبات أقساما مهملة، فلو كان وقوع الاشتراك لضرورة الإعواز لما أخلو بتلك التركيبات. بمعنى أن خنفشار وشيبصان وديز، ونحوها مركبات مهملة لم توضع لشيء، فلو كان الاشتراك لعدم ما يوضع لوضعت هذه الألفاظ. ويرد عليه في قوله: إن المتناهي إذا وزع على غير المتناهي لا يفي به، أن ذلك يتم له إذا كان الواضع هو الخالق؛ لأن وضع المخلوق فرع تصوره، وتصور دائما متناه. أما إذا فرضنا الواضع هو الله تعالى أمكن أن يضع لفظا واحدا لجميع المعلومات بمعنى يجعله علما عليه، ويخصه به بإرادته تعالى وعلمه المحيطين، ويكون هو عالما بذلك، ونحن يتعذر علينا علم ذلك، ولا يلزم من تعذر علمنا بالشيء عدمه في نفسه، وبهذا يتجه السؤال عليه في قوله: لابد لكل واحد من معاني اللفظ المشترك من أسام مفردة، بل نقول: لا يكفي لشيء منها البتة (غير) (١) ذلك اللفظ المشترك، وعلم الله تعالى كاف في ذلك، ومن أراد تعريفه من خلقه بذلك، خلق له علما ضروريا بأن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فيعلم

стр. 647

ذلك المخلوق منا، ولا نعلم لذلك المعنى لفظا آخر غير ذلك اللفظ المشترك الذي وجد في نفسه العلم به. مثال لقوله: يطلق المشترك حتى لا يكذب، ولا يكذب بأن العلم أن زيدا اشترى دارا، وشك هل الثمن ذهبا أو ركية؟ فيقول: اشتراها بعين، فإن ظهر أنه (ذهب) (١) قال: هو الذي أردته بلفظ العين، أو ركية وهي عين الماء، قال: هي التي أردتها بلفظ العين، وهذا وإن كان حراما شرعا إلا أنه من أغراض الناس، وقد يباح أحيانا، أو يجب الكذب، والتمويه لسبب شرعي يقتضي ذلك من تخليص أحد من القتل، أو حفظ مال معصوم (٢)، ثم الواضع، بل هذه أحكام تنشأ عن الشرائع، لا عن الوضع. تقرير لقوله: (المفاسد إنما تلتزم في الواضع الواحد، أما في القبيلتين فلا). معناه: أن هذه المفاسد تمنع الواضع أن يضع اللفظ مشتركا، وإحدى القبيلتين إنما وضعت اللفظ على أنه غير مشترك ووضعته القبيلة الأخرى على أنه غير مشترك، ثم شاع الوضعان، فلزم الاشتراك من (غير) قصد بين الطهر والحيض، بل هو موضوع للقدر المشترك بينهما، واختلف في تعيين ذلك المشترك على ثلاثة أقوال: أحدها: هو الجمع من قولك: قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه، والدم يجتمع في زمن الطهر في الجسد، وفي زمن الحيض في الرحم. وثانيها: هو الانتقال سمي قرءا لغة، والحائض تتنقل من الطهر للحيض، والطاهر تتنقل من الحيض للطهر.

стр. 648

وثالثها: الزمان تقول العرب: جاءت الريح لقرئها، أي لزمانها، والحيض له زمان، والطهر له زمان، فسمي قرءا لذلك. ومن ذلك التعزيز قيل: مشترك بين الإهانة والتعظيم، لقولنا: عزر الحاكم الجاني، فهو إهانة، وقوله تعالى:﴾ لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ﴿(الفتح: ٩)، أي: تعظموه، فهو ليس بمشترك حينئذ، قالوا: بل هو متواطئ للقدر المشترك بين الموضعين (وهو المنع) (١) فتعزيز الجناة يمنعهم من العود للجنايات، وتعزيز رسول الله ﷺ منعه من أعدائه ن جميع المكاره، ومن ذلك العسعسة في قوله تعالى:﴾ والليل إذا عسعس ﴿(التكوير: ١٧)، قالوا: هو مشترك بين أول الليل وآخره. قال النفاة للاشتراك: بل هو متواطئ للقدر المشترك بينهما، وهو اختلاط الظلام بالضياء، وعلى هذا النحو جروا في جميع المشتركات من الألفاظ. المسألة الثانية: في أقسام اللفظ المشترك: قوله: مثل تسميته الخاص باسم العام، مثاله: تسمية الإنسان بالحيوان، فإن الحيوان جزء الإنسان، فيصير اللفظ مشتركا بين الجزء والكل، وأما تمثيله بالإمكان، إذا قيل لغير الممتنع ولغير الضروري، فإن غير الممتنع يشمل الواجب والممكن، وغير الضروري هو الممكن، فلذلك قال: إن غير الممتنع أعم من غير الضروري لصدقه على غير الضروري الذي هو الممكن، وعلى الضروري الذي هو الواجب، وإذا اعتبرت هذا اللفظ بالنسبة إلى الإنسان وحده في المثال السابق كان مشتركا أيضا؛ لأنه يصدق على جزئه وكله.

стр. 649

قوله: (وإذا لم يكن أحدهما جزء الآخر، فلابد وأن يكون صفة) ممنوع؛ لأن التقسيم وقع فيها إذا كان بينهما تعلق، والتعلق قد يكون بالجزئية وبالصفة وبالشرطية والعلية والمانعية، أو يكون جزء علة أو شرطه أو مانعه، فلو وضع لفظ الشمس لسخونة الماء الناشيء عن الشمس كان مشتركا، وبينهما تعلق، وليس السخونة الحاصلة للماء صفة للشمس، وبقية النظائر كثيرة لا يعسر التمثيل بها. قوله: (المشترك بين الشيء وعدمه لا يفيد إلا التردد بين النفي، والإثبات المعلوم لكل أحد) ممنوع، بل يفيد استحضار السامع ذينك النقيضين، فإنه ليس من لوازم الإنسان أن يكون كل نقيضين حاصلين بباله. وثانيهما: يفيد أنه أحد هذين النقيضين مراد المتكلم، وهذا لم يكن عند السامع قبل ذلك. وثالثهما: أنه يفيد تعيين المراد، وحصول المقصود إذا اقترنت به قرينة ضعيفة لو انفردت لم يفد تعين المراد، والمجموع المركب منها، ومن اللفظ المشترك يفيد تعين المراد، فقد صار ما ليس مفيدا بسبب وضع هذا اللفظ المشترك، وهي فائدة جليلة، ثم ينتقض ما ذكره بلفظ القرء للحيض والطهر، وهو عدم الدم، فهما نقيضان. وأجيب عن الأخير بأنه عدم الدم عمن شأنها أن تحيض، وعلى هذا يكون ضدا لا نقيضا، ويبنى على هذا التردد هل بنت المهد طاهر أم لا؟ فعلى توجه المنع لا تسمى حائضا ولا طاهرا، كما لا يسمى (الخراز) (١) لا بصيرا ولا أعمى ولا سميعا، ولا أصم لعدم قبوله لذلك (٢).

стр. 650

(سؤال) قال سراج الدين: منع الوضع للنقيضين لأجل العبث، إنما يمنع من الواضع الواحد، أما من قبيلتين فلا، لعدم استشعار كل واحدة منهما هذه المفسدة، كما تقدم في مفاسد الاشتراك. (تنبيه) زاد التبريزي: قد يكون للضدين كالجون للأسود والأبيض ، والناهل للريان والعطشان، وبين المختلفات كالعين والشيء، ووصفه نحو: تأبط شرا إذا تأبط شرا. وبين الفاعل والمفعول كالمختار يقال للذي اختار الثوب: مختار، وللثوب أيضا مختار، والمختص والمعتد يقال لزيد الذي اختص بعمرو ولعمرو المختص، وللذي اعتد بالدين، وللمعتد به، وقد يكون في التركيب، وقد يكون في الحروف، ويجوز للشيء وعدمه، وكيف تستقيم حجة المصنف على نفيه مع قوله: الكلام لم يوضع لإفادة المعاني المفردة بالألفاظ المفردة؟ بل وضع لأجل نسبة بعضها لبعض، وكيف يمكن أن يقال للمشترك بين النفي والإثبات: يفيد التردد بينهما، فإنه تصديق، والمفرد لا يفيد التصديق، ولو كان معينا لا مشتركا، نعم اللفظ يفيد بذكر مسماه، فإن كان متعينا عرفنا أنه المراد، أو مشتركا ترددنا في مراده لشمول صلاحية اللفظ، وعدم التعيين، وهو غير التردد في ثبوت المسمى وانتفائه، على أن دليله مقوض بكل لفظ مفرد، أو مركب وضع للأوليات، أو لمعنيين متضادين على التقابل. تقرير قوله: قد يكون في المركب. مثاله: قول العرب: خرج زيد وأبوه مسافر، هذا التركيب في الجملة الثانية وضعته العرب ليكون حالا من زيد، وتكون الجملة في (موضع) نصب؛ وليكون إخبارا لا تعلق له بالأول، وإما يعلم ذلك بالقرائن، وكذلك زيد في الدار جالس، وضعت العرب الجار والمجرور في هذا

стр. 651

التركيب ليكون خبرا عن المبتدأ؛ وليكون في موضع نصب على الحال، وليكون متعلقا بجالس لا موضع له من الإعراب. وفي الحروف نحو (الواو) للقسم والعطف، وهو كثير. ومعنى قوله: (كيف يجتمع دليله؟) مع قاعدته: أن العرب لم تضع لإفادة المعاني المفردة أن التردد إنما يحصل بين مسميات الألفاظ، والنقيضان مفردان، فلا يفيدهما اللفظ على قاعدته، ويرد عليه أن الإمام إنما ادعى التردد حالة التركيب إذا قلنا: هند ذات قرء مثلا نسب إليها الدم أو عدمه، فما أفاد إلا التردد بين نسبتين بين النقيضين. وكذلك قوله: التردد تصديق، وهو لا يفيده المفرد، إنما أراد الإمام التردد حالة التركيب، لا باللفظ المفرد وحده، كما في قولنا: هند في قرئها. ومعنى قوله: وضع للأوليات، أو المتضادين على التقابل: أن الموضوع للبديهات من التصورات نحو: الحرارة والبرودة والجوع والعطش، وجميع أحوال النفس الوجدانية هي معلومة بالضرورة، فما لزم من كونها حاصلة بالعقل عدم الوضع لها، فكذلك التردد يون حاصلا بالعقل ويوضع له. وكذلك كل أحد يعلم أن الجسم إما متحرك، أو ساكن، أو حي أو ميت، أو عالم أو جاهل، مجتمع مع غيره أو مفترق، وكل ضدين لا ثالث لهما، العقل يعلم أن الواقع أحدهما لا بعينه، فالتردد الذي بين النقيضين حاصل في التردد الذي بين الضدين اللذين لا ثالث لهما. المسألة الثالثة: في سبب وقوع الاشتراك: قوله: (يعرف الاشتراك بالضرورة بأن يعلم (١) تصريح أهل اللغة به). يريد بأهل اللغة العلماء المتصدين لضبط اللغة، كالخليل والأصمعي ونحوهما، لا واضع اللغة؛ فإن ذلك لم يظفر به أحد، بل هو مجهول كما تقدم في الخلاف في أن اللغات توقيفية أم لا؟

стр. 652

وقوله: (إذا وجدت الطرق الدالة على أن اللفظ حقيقة في معناه في لفظ واحد بالنسبة إلى معنيين، دل على الاشتراك) لا يتم له ذلك في كل تلك الطرق، فيتم له مثل تعذر السلب يدل على الحقيقة، وإمكانه يدل على المجاز، كمن رأى حيوانا مفترسا، فقال: رأيت أسدا لا يمكن أن يقال: ما رأى أسدا، وإن عبر بذلك عن زيد الشجاع أمكن أن يقال: ما رأى أسدا، بهذا يتم له في المشترك؛ فإنه لا يمكن أن يقال في الحدقة: إنها ليست بعين إلا أن يراد العين بمعنى الذهب ونحو ذلك، أما بمعنى الحدقة فلا، ومن أدلة الحقيقة تجريدها عند الاستعمال عن القرينة، فإذا أرادوا استعمال اللفظ في حقيقته في الأسد لم يأتوا بقرينة، أو في الرجل الشجاع أتوا بقرينة، فيكون ذلك دليل المجاز، هذا لا يتم له في المشترك؛ لأنه لا يستعمل إلا مع القرينة كالمجاز، وقد يقصد الإلغاز فيهما، فلا يؤتى بالقرينة فيهما، فهما سواء في ذلك. قوله: (سنبين أن الاستفهام لا يدل على الاشتراك). معناه: أن الاستفهام كما يكون لطلب الفهم في المجملات يكون في النصوص أيضا التي لا إجمال فيها لمقاصد: أحدها: حب السامع لذلك المعنى، كما تقول لزيد: بعث لك السلطان بألف دينار، فتقول: بألف دينار يكرر ذلك لشدة فرحه به. وثانيها: شدة كراهية السامع لذلك المعنى، كقولك له: طلب السلطان منك ألف دينار، فيقول لك: ألف دينار ألف دينار، فيكرر ذلك رجاء أن يفسر بتفسير أقل من ذلك، مع أن لفظ الألف نص لا يحتمل المجاز، فضلا عن كونه مجملا. وثالثها: استعباد السامع ذلك المعنى، كمن قال: حفظت البارحة

стр. 653

(ألف) (١) ورقة، فيكرر ذلك رجاء أن يكذب نفسه، أو يفسر الحفظ بمنعها من الضياع، أو غير ذلك. ورابعها: رفع احتمال المجاز البعيد، فإن اللفظ وإن كان ظاهرا، إلا أنه يحتمل المجاز (البعيد) (٢) كمن دخل داري فاقتله، فتقول له: أتريد أقاربك وأصدقاءك؟. وخامسها: كون السامع يعلم أن المتكلم كثير الكذب، فيأتي باللفظ النص، فيستفهمه السامع رجاء أن يظهر له صدقة، أم الاستعمال فلا يدل على الاشتراك؛ لأنه كما يقع بين المعنيين في اللفظ المشترك يقع بين المجاز والحقيقة، والمجاز مقدم على الاشتراك، فلا يدل الاستعمال على الاشتراك لتقدم المجاز عليه. المسألة الرابعة: لا يجوز استعمال المشترك في معانيه على الجمع، هذه عبارته. وقال الشيخ سيف الدين: اللفظة الواحدة من متكلم واحد في وقت واحد، إذا كانت مشتركة بين معنيين، أو حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، ولم تكن الفائدة فيهما واحدة، هل يجوز أن يراد بها كلا المعنيين؟ خلاف، وهذه العبارة أضبط للمسألة من كلام المصنف؛ لأنه أطلق. وانعقد الإجماع على أن اللفظ المشترك المفرد يجوز استعماله في معانيه، في أزمنة عدة، وفي إطلاقات عدة (ومن متكلمين عدة) (٢)، ولذلك

стр. 654

غلطنا من استدل من الحنفية على أن المراد بآية العدة الحيض، لقوله ﵊: (دعى الصلاة أيام أقرائك) (١).

стр. 655

فقد صرح- ﵇ بأن الصلاة تترك في القرء، فدل على أن المراد به الحيض، فيكون المراد بآية العدة الحيض، وهذا غلط؛ لأن المتكلم الواحد إذا قال: رأيت عينا، وقال عقبيها: وبعت عينا، فإنه يجوز أن يريد بالعين الأولى الباصرة، وبالثانية الفوارة. ولا يجوز أن يستدل أنه أراد في المرة الثانية الفوارة أنه أراد بإطلاقه الأول الفوارة، هذا إذا كان المتكلم واحدا، فكيف والآية قرآن، والحديث سنة؟ فيندرج إطلاق اللفظ المفرد مرات في كلام المصنف، وهو لا خلاف فيه، ولا يندرج في عبارة سيف الدين (١)، ثم قول سيف الدين: أو حقيقة ومجازا ليعلمنا أن النزاع كما هو في الجمع بين الحقيقتين، فهو في الجمع بين الحقيقة والمجاز، وبين مجازين. وقد صرح الإمام بهذا القسم الثالث في المسألة السادسة بعد هذه، إذا دل الدليل على أن الحقائق غير مرادة، والمجازات مستوية، وحقائقها مستوية، أن الحمل على جميع المجازات يتخرج على استعمال المشترك في مفهوميه، على ما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى، ونص على الثلاثة أبو الحسين في كتاب (المعتمد)، واختار المنع. وقوله: (ولم تكن الفائدة فيهما واحدة). يريد أن المستعمل قد يجمع بين حقيقتين، أو حقيقة ومجاز لمعنى عام اشتراكا فيه، يريد ذلك المشترك دون خصوص كل واحد منها، فهذا مجمع عليه، فيتعين إخراجه من الموطن الذي يحكى فيه الخلاف. قوله: (منهم من منع منه لأمر يرجع إلى القصد). قال سيف الدين: لهم شبهات ثلاث:

стр. 656

الأولى: أن المستعمل إذا استعمل في الحقيقة يكون مستعملا في موضوعه، وباعتبار كونه مستعملا في مجازه لا يكون مستعملا في موضوعه، فيكون في الموضوع، لا في الموضوع، وهو جمع بين النقيضين، وكذلك باعتبار كونه مستعملا للمشترك في المفهوم الآخر، لا يكون مستعملا في الأول، وقد كان مستعملا فيه، فيجتمع النقيضان. (الثانية: أن استعماله في المجاز يقتضي إضمار (كاف) التشبيه، وفي الحقيقة لا يقتضي ذلك، فتكون (كاف) التشبيه مضمرا لا مضمرا، فيجتمع النقيضان) (١). الثالثة: استعماله في المجموع يقتضي عدم الاكتفاء بأحدهما، واستعماله في أحد المفردات نقيض الاكتفاء به، فيلزم أن يحصل الاكتفاء بالمفرد وحده، وألا يحصل، وهو جمع بين النقيضين. والجواب عن الأولى: أن اجتماع النقيضين باعتبار إضافتين ليس بمحال، فهو من جهة أحدهما في الموضوع، ومن جهة الآخر ليس في الموضوع، فهما جهتان، كما قلنا: زيد أبو عمرو، وليس أبا خالد، فهو أب، وليس أبا، ولا تناقض، وهو الجواب عن الثانية، فتضمر (الكاف)، ولا تضمر باعتبار شيئين. وعن الثالثة: ما سيأتي في الجواب عن نكتة الإمام. وقال صاحب (المعتمد) (٢): في الإرادة معنى آخر، فقال: استعمال صيغة الأمر إذا استعملت في الطلب تقتضي إرادة الفعل، وفي التهديد تقتضي كراهيته، فيكون مريدا للضدين، بناء على أصله أن الصيغة تدل على إرادة

стр. 657

المأمور، دون كلام النفس، ثم إن هذا المانع لا يعم جميع الصور، فإن إرادة الاعتداد بالطهر والحيض، وتحريم الموطوءة والمعقود عليها على الأبناء لا يقتضي ذلك، وهو كثير. قوله: ومنهم من منعه لأمر يرجع إلى الوضع. (قاعدة) إن المجاز ثلاثة أقسام: قسم اتفق الناس جوازه، وهو ما قربت علاقته، واتحد مجمله أعنى لم يجمع فيه بين مجازين. وقسم اتفق الناس على منعه، وهو مجاز التعقيد، وهو ما بعدت علاقته، كقول القائل: تزوجت بنت الأمير، ويفسر ذلك باجتماعه بوالد عاقد الأنكحة بالمدينة، معتمدا على أن زواج بنت الأمير من لوازمه في العقد؛ لأنه سببه المبيح ومن لوازم العقد العاقد؛ لأنه فاعله ومن لوازم العاقد أبوه؛ لأنه والده، فلأجل هذه الملازمات يجوز، وهذه علاقة بعيدة لا تجيزها العرب، واتفق الناس على منعه. وقسم اختلف الناس فيه، وهو الجمع بين حقيقتين، أو مجازين، أو مجاز وحقيقة، فإن الجمع بين حقيقتين مجاز؛ لأنه استعمال اللفظ في غير ما وضع له، فهذه الثلاثة أنواع من المجاز، ومن الناس من منعها بناء على أن العرب لم تجزها. ومن الناس من أجازها بناء على أن العرب أجازتها، واستعمالات الكتاب والسنة، وكلام العرب يحكم بين الفريقين، فهذا تقرير الطريقين في المنع. قوله: (إن لم يضعه للمجموع امتنع استعماله في المجموع) مصادرة على مذهب الخصم، فإن الخصم يقول: هذا من المجاز الجائز، فيجوز على

стр. 658

تقدير عدم الوضع، فادعاؤه المنع مصادرة على مذهب الخصم بغير دليل، وهذا أول المسألة، هل يجوز هذا أم لا؟ قوله: استعمال اللفظ في إفادة المفردين يقتضي الاكتفاء بكل واحد منهما، واستعماله في المجموع يقتضي أن الاكتفاء يحصل بكل واحد من المفردين، فيجتمع النقيضان. عليه ثلاثة أسئلة: الأول: أن قوله: الاكتفاء به، وعدم الاكتفاء إنما يتأتى في الأوامر، والنزاع في هذه المسألة لا يختص بالأوامر، بل في مطلق الاستعمال الذي يشمل الأمر والنهي، والخبر في الثبوت، والخبر في النفي، والتخصيص في الجواب، أو الدليل مع عموم الدعوى لا يصح. الثاني: يتعين بمقتضى السؤال الأول أن يفسر المسألة بما يشمل جميع صورها الأربعة، وهو إضافة الحكم الذي يشمل الأمر والنهي، وخبر الثبوت، وخبر النفي، ونقول: الاستعمال له تفسيران: تفسير أعم، وتفسير أخص، فالتفسير الأخص أن استعمال اللفظ معناه: أن الحكم مضاف للمستعمل فيه، ومسكوت عن غيره، والتفسير الأعم أنه مضاف إليه مع السكوت عن غيره، والنكتة إنما تتم على تقدير تفسير الاستعمال بالمعنى الأخص، حتى يكون استعمال اللفظ في المفرد. معناه: أنه مطلوب وغيره غير مطلوب (وقد كان مطلوبا) من جهة طلب المجموع، فيكون مطلوبا وغير مطلوب، فيجتمع النقيضان، وهذا هو معنى قوله: يحصل الاكتفاء به أن غيره غير مطلوب. وإذا تقرر أن النكتة إنما تتم على تقدير (تفسير) (١) الاستعمال بالمعنى

стр. 659

الأخص، فحينئذ نقول: التفسير الأخص باطل قطعا؛ لأنه لو صح فإذا أوجب الشرع الصلاة أو الإسلام، فيكون معناه أنها واجبة، وغيرها غير واجب، فإذا أوجب بعد ذلك الصوم، أو غيره يكون ذلك ناسخا، أو معارضا لما تقدم من الدليل الدال على وجوب الصلاة، ويكون كل نص يأتي بالثبوت يناقض ما تقدمه؛ لأنه تقدم نفيه، وهو باطل إجماعا. وإذا قال القائل: زيد موجود، يقتضي أن غيره غير موجود، أو أنا مسافر معناه: وليس في العالم مسافر غيري أو أنا عطشان معناه: وليس في العالم عطشان غيري، وهو باطل بالضرورة، وأن العرب لا تقصد مثل هذا، فضلا عن أن يكون ذلك تفسيرا استعمالها لألفاظها، وإذا ظهر بطلان التفسير الأخص تعين أن يكون مفسرا بالمعنى الأعم، وهو أن الخبر مطلوب، وغيره مسكوت عنه، ولا تناقض بين كونه مطلوبا من جهة طلب المجموع، وكونه مسكوتا عنه من جهة استعمال اللفظ في الفرد الآخر فإن السكوت عن الطلب ليس تصريحا بعدم الطلب، ففرق بين عدم الدلالة، وبين الدلالة على العدم. والتناقض إنما يأتي من الثاني دون الأول. الثالث: سلمنا تفسير الاستعمال بالمعنى الأخص، ومع ذلك فلا يحصل مقصود الإمام، وذلك أن موارد الاستعمال أربعة كما تقدم فيحصل مقصوده في الأمر، وخبر الثبوت، دون خبر النفي والنهي؛ لأن الأمر بالمجموع أمر بأجزائه، والخبر عن ثبوت المجموع خبر عن ثبوت أجزائه، فيلزم حصول حكم المجموع في أجزائه طلبا أو خبرا، والنهي عن المجموع ليس نهيا عن أجزائه، فإذا حرم الله تعالى الظهر خمس ركعات لا يلزم أن يحرم جميع ركعات الخمس، بل يكفي في النهي عن المجموع ترك جزء منه، أي جزء كان، ويخرج عن عهدة النهي، ولذلك حرم الله تعالى

стр. 660

مجموع الأختين، ومجموع المرأة وبنتها، وخرجنا عن عهدة ذلك النهي بترك إحديهما، وكذلك الخبر عن النفي يكفي فيه نفي جزء من ذلك المجموع. فإذا قلنا: ليس عنده نصاب صدق ذلك بنفي دينارين من النصاب؟ إذا تقرر هذا فنقول: النهي عن المجموع يقتضي أن يخرج عن عهدة النهي بترك جزء لا بعينه لا يتعين له جزء معين، واستعمال لفظ النهي في أحد الأجزاء عينا يقتضي أن يكون ذلك الجزء الذي استعمل اللفظ فيه منهيا عنه، وغيره غير منهى عنه، فيكون الجزء الآخر غير منهى عنه، ولم يثبت له أنه منهى عنه من جهة النهى عن المجموع، فلم يوجد إلا أحد النقيضين، وهو كونه غير منهى عنه، أما منهى عنه فلا، وكذلك استعمال اللفظ في الجزء الآخر يقتضي أنه منهى عنه، وهذا الجزء غير منهى عنه، ولم يكن هذا الجزء منهيا عنه من جهة النهى عن المجموع، فلم يجتمع النقيضان، وكذلك في خبر النفي، إذا أخبر عن نفي المجموع يكون منفيا لجزء منه غير معين، ويكون استعمال اللفظ في أحد الفردين معناه: أنه منفي، وغيره غير منفي، فيكون الجزء الآخر غير منفي، وإن لم يكن منفيا من جهة نفي المجموع، فلم يجتمع فيه النقيضان، وكذلك استعمال اللفظ في الآخر كما تقدم في النهي، فعلمنا حينئذ أن نكتته لا تتم، وإن فسرنا الاستعمال بالمعنى الأخص إلا في قسمين، ويبطل في قسمين، ومتى كانت الدعوى عامة، والدليل خاص لا يسمع ذلك الدليل، كمن قال: الحيوان كله حرام؛ لأن الخنزير، حرام، أو العدد كله زوج؛ لأن العشرة زوج، فلا يتم ذلك في شرع الاستدلال. فإن قلت: بل اجتماع النقيضين على هذا التقدير في هذين القسمين حاصل؛ لأن المجموع إذا كان منهيا عنه، وغيره غير منهى عنه، ومن جملة اعتباره ذلك الجزء، وذلك الجزء الآخر، فيكون كل واحد منهما غير منهى عنه.

стр. 661

ومن جهة استعمال اللفظ في كل واحد منهما يكون منهيا عنه، فيجتمع فيه أنه منهى عنه، وغير منهى عنه، وهو جمع بين النقيضين. وكذلك إذا استعمل اللفظ في أحد الجزئين كان منهيا عنه، والجزء الآخر غير منهى عنه، فثبت له عدم النهي من هذا الوجه، ومن جهة استعمال اللفظ فيه يكون منهيا (عنه) (١)، فيجتمع فيه النقيضان، وكذلك القول في خبر النفي، فعلمنا أن الجمع بين النقيضين لازم أيضا على هذا التقدير في هذين القسمين، كما هو لازم في الأمر، وخبر الثبوت. قلت: ما ذكرته مسلم، غير أن المقصود إنما هو إبطال اجتماع النقيضين من جهة استعمال اللفظ في المجموع، ومن جهة استعمال اللفظ في أحد الجزءين، وكون أحد النقيضين يحصل من جهة استعمال اللفظ في المجمع، والنقيض الآخر من استعمال اللفظ في الجزء الذي يقابله، فثبت أن هذه المقدمة بما هي هذه المقدمة لا تتم. أما أن النقيضين يجتمعان بطريق آخر فلا أمنعه، لكن المصنف لم يدعه، إنما ادعى تلك المقدمة فقط، فكان الإيراد عليها أسئلة خمس: الأول: قال سراج الدين: النزاع في استعماله في كل واحد من المفهومات، لا في كلها، وبينهما فرق بمعنى أن المحال إنما ينشأ من الاستعمال في المجموع من حيث هو مجموع، والنزاع إنما هو في كل فرد فرد على حياله، لا في مجموعهما، فمحل النزاع كلية، والمحال إنما نشأ عن الكل، والفرق بين الكلية والكل ما تقدم في دلالة اللفظ. الثاني: قال: استعمال اللفظ في المعنى لا يوجب الاكتفاء به مع استعماله في غيره معه، كاستعمال العام في كل واحد واحد من أفراده، وأفراد أنواعه.

стр. 662

الثالث: قال: المحال المذكور يلزم من استعماله في كل واحد من الفردين، فلا حاجة إلى المقدمة الأولى، يعنى بالمقدمة وضع اللفظ للمجموع، واستعماله فيه؛ لأن استعمال اللفظ في أحد المفردين يوجب أن الآخر غير مطلوب، (وفي المفرد الآخر يقتضي أن الأول غير مطلوب، فيكون كل واحد منهما مطلوبا، وغير مطلوب) (١). الرابع: قال: إن عنى بالوضع ما يعم الحقيقة والمجاز، لم يلزم من استعمال اللفظ في جميع معانيه استعماله في المجموع، وإن عنى به المختص بالحقيقة لا يلزم من عدم الوضع له عدم جواز استعماله فيه، يعنى: إن أراد أنه موضوع للمجموع (بطريق المجاز) لا يكون من جملة معاني اللفظ لأن معنى اللفظ إنما يتناول المسمى بطريق الحقيقة، فلا يلزم الاستعمال (فيه) (١)، وإن عنى بالوضع الحقيقة لا يلزم من عدم الوضع بهذا التفسير عدم جواز الاستعمال بطريق المجاز؛ لأنه عند الخصم مجاز جائز. الخامس: قال الشيخ تقي الدين: أصل هذه المسألة يشكل الخلاف فيها بما أجمعوا عليه من جموع الأعلام، نحو الزيدين، ولفظ العلم مشترك قطعا لوضعه للمختلفات، وإذا جمع أريد جميع تلك المختلفات، وكذلك التثنية فقد استعمل اللفظ المشترك في الاثنين من مسمياته، وفي جميع مسمياته، وهي صورة النزاع، ولا خلاف فيه، فيكون حجة لمن أراد أجاز على من منع. والجواب عن الأول: أن البحث في الكل من حيث هو كل إنما نشأ من الترديد في أنه وضع للكل أم لا؟ فلما فرضنا أنه وضع للكل صار الكل أحد المسميات، ولزم من عموم الاستعمال في الجموع، والمفردات اجتماع النقيضين

стр. 663

وأيضا فقد يكون لفظ في اللغة موضوعا للمفردات والجموع، فيكون محل النزاع في المفردات والجموع؛ لأنه بعض مفردات اللفظ، فما ذكره الإمام لا ينافي محل النزاع، بل هو يعضه. وعن الثاني: أن مسمى العام شيء واحد، وهو القادر المشترك بين أفراده، بقيد يتبعه في محاله بحكمه على ما يأتي بسطه في العموم إن شاء الله تعالى، فالعام إنما استعمل في معنى واحد، فليس هو نظير المشترك؛ لأن مسمياته متباينة، بل منع الاكتفاء صحيح كما تقدم، أما التشبيه بالعموم فلا. وعن الثالث: أن المحال إذا كفى فيه مقدمات، وألزم ذلك المحال بمقدمات أخرى لا يقدح ذلك في إثبات الدعوى، فإن اللازم للمستدل إثبات دعواه بطرق، أما أنه يمكنه اختصاره، أو العدول عنه إلى غيره، فليس ذلك من الأسئلة المتوجهة من أن تلك المقدمة أدى إليها الغرض والبحث في الترديد، لا أنه قصدها ابتداء. (وعن الرابع: أنه سؤال صحيح، وقد تقدم أنه مصادرة، لكن هذا التقدير فيه ترديد، وذلك لا ترديد فيه) (١). وعن الخامس: أن الأعلام إذا جمعت ذهبت العملية عنها، ولذلك قال النحاة: يجب تعريف تثنية العلم وجمعه بالألف واللام ليخلف عليه بتعريف اللام ما ذهب عنه من تعريف العلمية، فلا يجوز أن تقول جاءني زيدون، بل الزيدون، فإذا ذهبت العلمية بسبب التثنية والجمع لم يبق إلا كونه مسمى باسم زيد، فيكون نكرة متواطئا بمعنى واحد لا مشتركا، بل يصير كالصالحين والمؤمنين، فلا حجة فيه للمجوزين، بخلاف إذا استعمل المشترك في

стр. 664

معانيه، كل واحد منها باق على خصوصه، حتى لو قصد إلى معنى عام بين أفراده كان مجازا جائزا إجماعا، وقد تقدمت الإشارة إليه في كلام سيف الدين. قوله: (الصلاة من الله رحمة). هذه العبارة لا يكاد يوجد للفضلاء والعلماء غيرها، وهي مشكلة؛ فإن الدعاء إذا كان محالا على الله تعالى يتعين صرفه لمجازه الجائز على الله تعالى وتفسيره به، والرحمة حقيقتها رقة الطبع، فهي أيضا مستحيلة على الله تعالى فتفسير المستحيل بالمستحيل غير لائق، ويصير كما إذا قيل لنا: ما معنى قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في سنة أيام ثم استوى على العرش) (الأعراف: ٥٤). فنقول: معناه: جلس، وإذا كان لابد من ذكر مستحيل يحتاج إلى تأويل، فيخلى اللفظ محتاجة للتأويل الأول على حاله، ولا حاجة إلى التطويل، فكذلك هاهنا الرحمة محتاجة للتأويل كالدعاء، فيقتصر على لفظ الدعاء والصلاة، ولا حاجة إلى تفسيرها، بل كان ينبغي أن يذكر المجاز على الله تعالى فيقال: الدعاء من الله تعالى معناه الإحسان، وهو جائز على الله تعالى. قوله: (ومن الملائكة استغفار) يوهم أن هذا متعين في حقهم، بل لو قال: الدعاء من الملائكة باق على حقيقته كان أصوب، وإنما بعثه على ذلك أن الدعاء المحكى عن الملائكة في الكتاب العزيز هو الاستغفار في قوله تعالى: (تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم) (الشورى: ٥).

стр. 665

ومع ذلك فقد حكى الله تعالى عنهم قولهم: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) (غافر: ٧ ٨)، فهذه أدعية متنوعة ليس الاقتصار على الاستغفار واقعا. قوله: (أراد بهذه اللفظة المعنيين) ممنوع، بل الخبر الأول مضمر، تقديره أن الله تعالى يصلى، والملائكة يصلون، فالمضمر يستعمل في معنى، والمنطوق به في معنى آخر. سلمنا أنه مستعمل في المعنيين، لكن أحدهما حقيقة، والآخر مجاز؛ لأن لفظ الصلاة لم يوضع للإحسان، بل هو سببه فهو من باب إطلاق السبب على المسبب، والدعوى استعمال المشترك في معانيه. فإن قلت: إنما حسن الاستدلال بمثل هذا؛ لأن محل النزاع في الحقيقتين يعتقد أن اللفظ كما وضع للمفردين وضع للمجموع، فجعله من باب المشترك لا بما ذكرته، فلا نجيب عنه بأنه أراد ما صرح بخلافه. سلمنا أنه حقيقة في الرحمة، كما قال الغزالي في (المستصفى) فلم لا يجوز أن يكون استعمل في معنى مشترك بينهما؟ وهو تعظيم الرسول ﷺ وهو معنى واحد مجاز مفرد متفق عليه، وحمل كتاب الله تعالى على المتفق عليه أولى من حمله على المختلف فيه من استعمال المشترك في مفهوميه.

стр. 666

قوله: (أراد بالسجود هاهنا الخشوع؛ لأنه المتصور من الذوات). قلنا: هذا يفهم في عرف الاستعمال أن المراد الخوف والخشية؛ لأنه المفهوم من خشوع قلوب العباد في الصلاة وغيرها، وذلك متعذر من الجبال والشجر، والكل مراد بمعنى واحد، بل المراد هاهنا بالخشوع الانقياد لقدرة الله تعالى بالتأثير فيها جحدت ذلك أو آمنت به، جهلت أو علمت، فالدهر تتصرف فيه قدرة الله تعالى قهرا، وإن كان غير مأمور بذلك، ولا عالم به، وكذلك الشجر والجبال تتصرف فيها قدرة الله تعالى قهرا وإن لم يكن لها شعور بذلك، فهذا هو الخشوع، وهو مسماه اللغوي. كما قال الشاعر (الطويل): ترى الأكم فيها سجدا للحوافر يصف جيشا عظيما مر على الآكام، وهي المواضع المرتفعة من الأرض، وشأن ذلك في العادة أنها تتهدد، وتذهب وتنقاد للحوافر بالسجود والسحق والهد والمحق. قوله: (أراد بالسجود المعنيين). قلنا: لا تسلم، بل يأتي سؤال الإضمار، ويكون التقدير: ويسجد له كثير من الناس، فصدق لدلالة الأول عليه كما حذف الخبر في الآية الأولى لدلالة الآخر عليه عكس هذه، ولا يأتي سؤال الغزالي في أنه مستعمل في معنى عام، وهو الدلالة على تعظيم الله تعالى لأن الدلالة لا تختص ببعض الناس، بل الجميع البار والفاجر، يدل وجوده على وجود الله تعالى وصفاته العلا، فالتنصيص يقتضي تغاير المعنى، غير أنه مجاز في وضع الجبهة على الأرض ويأتي السؤال السابق.

стр. 667

قوله: (إذا كانت المرأة من أهل الاجتهاد أراد الله تعالى منها الاعتداد بكل واحد منهما بدلا عن الآخر). قلنا: ليس هذا من صورة النزاع، إنما صورة النزاع في استعمال اللفظ المشترك على سبيل الجمع، وهاهنا إنما أراد أحدهما لا بعينه على ما يؤدي إليه اجتهادها فلا جمع، ولو صح هذا الدليل لكان المجوز أقوى منه، وهو أن الله تعالى أراد من كل مجتهد أن يعتقد أن مراده إما الحيض، وإما الطهر، وقد وقع القولان في علماء الأمة، فيكون الله تعالى قد استعمل لفظ الأقراء في المجموع بالإجماع؛ لأن كل طائفة قالت بأن الله تعالى أراد أحدهما. قالت الحنفية: الحيض. وقالت غيرها: الطهر، وكلاهما حكم الله صحيح مقرر في الشريعة، فيكون الله تعالى أرادهما على هذا التقدير. قوله: قال سيبويه: القائل لغيره: الويل لك دعاء وخبر، جعله مقيدا للأمرين. قلنا: قوله: دعاء وخبر لم يقل: موضوع لهما، بل معناه يستعمل في الخبر تارة، وفي الدعاء أخرى، وكذلك: (سلام عليكم) (الرعد: ٢٤) دعاء وخبر على هذا المعنى، بل الخبر ضد الدعاء، فلا يجتمع معه. بيانه: أن الخبر لا يكون إلا عما يعتقد حصوله، والدعاء لا يكون بمعلوم الحصول، فلا يجوز أن يقال: اللهم اجعل الأرض تحتا والسماء فوقا، ولا اللهم لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، لقوله ﵇ (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وكذلك كل ما هو من هذا الباب، فحينئذ هما ضدان، والضدان لا

стр. 668

يجمع بينهما في محل واحد. إذا تقرر هذا قال أرباب علم البيان: إن أصل الدعاء صيغة الأمر، فتقول: اللهم اغفر لنا، هذه هو الحقيقة، ثم يستعار لفظ المستقبل للدعاء مجازا، إلا أنه خبر، والخبر متعلقة واقع متقرر، يستعار للدعاء على سبيل التفاؤل بالوقوع، فهذا في الرتبة الثانية، والرتبة الثالثة أن يقال: غفر الله لنا، فيكون أبلغ من المضارع؛ لأن الماضي دخل مسماه في الوجود بخلاف المضارع، وهو وإن كان خبرا مجزوما بوقوع متعلقة، غير أنه لم يدخل الوجود، فتكون استعارة الماضي أبلغ من استعارة المضارع في معنى التفاؤل، وفي الأحوال كلها لم يخبر عن وقوع المغفرة، بل مقصودنا الطلب لما لا نعلم وقوعه، فكذلك ويل له، أصله الخبر، ويستعار للدعاء تفاؤلا، ووقت الاستعارة لا يكون خبرا، بل دعاء، ووقت عدم الاستعارة يكون خبرا، ولا يكون دعاء، فما اجتمع في الاستعمال. قال القاضي تاج الدين ﵀: الدعاء والخبر لا يكونان إلا في المركبات، والنزاع إنما وقع في الاشتراك في المفردات، فكيف يحسن الاستدلال بالمركبات، وهذا السؤال يتم إذا قلنا: إن العرب ما وضعت المركبات على رأي المصنف؛ لأنه جعل المجاز المركب عقليا، فيرد عليه السؤال التزاما. أما إذا قلنا: وضعتها على ما هو الحق، ويأتي بيانه في أن المجاز المركب عقلي، فلا يرد السؤال؛ لأنها إذا كانت موضوعة دخل فيها الاشتراك. قوله: في الجواب للألفاظ كما وضعت للآحاد وضعت للمجموع، يريد أن النكتة التي ذكرها قطعية عقلية، وإذا تعارض العقل والنقل يتعين تأويل النقل للعقل على القاعدة، فيتأول أن هذه الألفاظ وضعت للمجموع والأفراد، فيمكن الجمع بين النكتة وبينهما، إنما منع من استعمال اللفظ في جميع المسميات، وعلى هذا التقدير لم يستعمل إلا في أحد المسميات، فلا تعارض غير أنك قد علمت أن النكتة غير تعيينية ولا ظنية، فلا ضرورة لهذا

стр. 669

التأويل، بل لا يجوز حينئذ؛ لأن التأويل بغير عاضد من الأدلة الصحيحة غير جائز، بل هذا التأويل قصد به دفع سؤال عنه، فلم يندفع، وحق على نفسه به سؤال لا يندفع، وهو أن مراده حينئذ بتلك الآيات ليس الجمع بين الحقيقة والمجاز، بل الحقيقتين، وقد علمت أنه ليس كذلك، فسد باب التأويل له في تلك الآيات بهذا التأويل المذكور هاهنا. قوله: (بعض المانعين جوز ذلك في لفظ الجمع). قلت: وجه شبهته أن الجمع يتخيل فيه تكرر اللفظ، واللفظ إذا تكرر جازت المسالة إجماعا، فيجوز أن يريد بلفظه الأول غير ما يريد بلفظه الثاني كما تقدم. بيانه: لكن هذا التخيل باطل؛ فإن صيغة الجمع صيغة مفردة، وضعت للدلالة على الجمع، كما يدل المفرد على المفرد. فإذا قلنا: أقراء، فليس فيها ثلاث قافات، وثلاث راءات حتى يتخيل فيها ثلاث لفظات، بل قاف وراء واحدة، فهذه الشبهة ساقطة. قوله: الحق أنه لا يجوز؛ لأن معنى قوله: اعتدى بالأقراء: اعتدى بقرء وقرء. قلنا: هذه العبارة تقتضي أن الجمع معناه النطق بصيغة المفرد مرتين، وهذا يناسب الجواز لا المن، بل ينبغي أن يكون معنى اعتدى بالأقراء: اعتدى بثلاثة من مسمى هذا اللفظ، وهذا اللفظ له مسميان، فيتوقف الامتثال على بيان المراد بالقرينة، كما في المفرد. قوله: (الجمع لا يفيد إلا عين فائدة الإفراد). يريد في تعيين المسمى لا في التعدد والاتحاد، وإلا فالجمع فيه كثرة بالضرورة، وظاهر لفظه يقتضي أن المفهوم من الجمع هو المفهوم من المفرد،

стр. 670

وليس كذلك إجماعا، إنما اختلف الناس في الجمع هل يكون أقل الجمع اثنين الذي هو التثنية أم لا؟ فإن قلت: ذكر الإفادة في المشترك غير سائغ؛ لأن المشترك مجمل، والمجمل غير مفيد بمعنى غير دال. قلت: مسلم غير أن اللفظ المشترك يفيد أن المراد مسمياته دون غيرها كالقرء، فإنه يفيد أن المراد لا يعد الحيض أو الطهر، فهذا هو المراد فالإفادة لا تعين المراد عينا. قوله: (أما في جانب النفي، فلا يقم قاطع على أن الواضع ما استعمله في إفادتهما جميعا). قلنا: القصد بهذا الكلام التفرقة بين الإثبات والنفي، ولا فرق عند العرب بين قولنا: عند زيد عشرة، ليس عنده عشرة، فإن لم يكن لفظ العشرة موضوعا لمجموع الخمستين لا تثبت العشرة في الأول، ولا تنفي في الثاني. وإن كان مراده بالاستعمال في النفي على سبيل المجاز، فما الفرق بين المجاز في المجموع ثبوتا أو نفيا؟ هو جمع بين المسميين في الإثبات والنفي، فالجمع إن كان ممتنعا ففيهما، وإلا ففيهما. وإن قلت: الفرق أن نفي المجموع يكفي فيه جزء ما غير معين، بخلاف الثبوت لابد فيه من جميع الأجزاء، والاستعمال على هذا في النفي إنما وقع في مطلق الجزء السابع، لا في المعين، فافترقا. قلت: مسلم، هذا تخيل حسن، غير أن القضاء على المجموع بالنفي فرع الجمع بين المعنيين في الذهن، حتى يقضي على مجموعهما بالنفي، والاستعمال حينئذ في المجموع، وهو المقصود بالاستعمال، ومطلق الجزء يحصل المقصود؛ لأنه المستعمل فيه، ولو كان مطلق الجزء هو المستعمل فيه،
следующие страницы →