← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قوله: (أراد بالسجود هاهنا الخشوع؛ لأنه المتصور من الذوات). قلنا: هذا يفهم في عرف الاستعمال أن المراد الخوف والخشية؛ لأنه المفهوم من خشوع قلوب العباد في الصلاة وغيرها، وذلك متعذر من الجبال والشجر، والكل مراد بمعنى واحد، بل المراد هاهنا بالخشوع الانقياد لقدرة الله تعالى بالتأثير فيها جحدت ذلك أو آمنت به، جهلت أو علمت، فالدهر تتصرف فيه قدرة الله تعالى قهرا، وإن كان غير مأمور بذلك، ولا عالم به، وكذلك الشجر والجبال تتصرف فيها قدرة الله تعالى قهرا وإن لم يكن لها شعور بذلك، فهذا هو الخشوع، وهو مسماه اللغوي. كما قال الشاعر (الطويل): ترى الأكم فيها سجدا للحوافر يصف جيشا عظيما مر على الآكام، وهي المواضع المرتفعة من الأرض، وشأن ذلك في العادة أنها تتهدد، وتذهب وتنقاد للحوافر بالسجود والسحق والهد والمحق. قوله: (أراد بالسجود المعنيين). قلنا: لا تسلم، بل يأتي سؤال الإضمار، ويكون التقدير: ويسجد له كثير من الناس، فصدق لدلالة الأول عليه كما حذف الخبر في الآية الأولى لدلالة الآخر عليه عكس هذه، ولا يأتي سؤال الغزالي في أنه مستعمل في معنى عام، وهو الدلالة على تعظيم الله تعالى لأن الدلالة لا تختص ببعض الناس، بل الجميع البار والفاجر، يدل وجوده على وجود الله تعالى وصفاته العلا، فالتنصيص يقتضي تغاير المعنى، غير أنه مجاز في وضع الجبهة على الأرض ويأتي السؤال السابق.

стр. 667

قوله: (إذا كانت المرأة من أهل الاجتهاد أراد الله تعالى منها الاعتداد بكل واحد منهما بدلا عن الآخر). قلنا: ليس هذا من صورة النزاع، إنما صورة النزاع في استعمال اللفظ المشترك على سبيل الجمع، وهاهنا إنما أراد أحدهما لا بعينه على ما يؤدي إليه اجتهادها فلا جمع، ولو صح هذا الدليل لكان المجوز أقوى منه، وهو أن الله تعالى أراد من كل مجتهد أن يعتقد أن مراده إما الحيض، وإما الطهر، وقد وقع القولان في علماء الأمة، فيكون الله تعالى قد استعمل لفظ الأقراء في المجموع بالإجماع؛ لأن كل طائفة قالت بأن الله تعالى أراد أحدهما. قالت الحنفية: الحيض. وقالت غيرها: الطهر، وكلاهما حكم الله صحيح مقرر في الشريعة، فيكون الله تعالى أرادهما على هذا التقدير. قوله: قال سيبويه: القائل لغيره: الويل لك دعاء وخبر، جعله مقيدا للأمرين. قلنا: قوله: دعاء وخبر لم يقل: موضوع لهما، بل معناه يستعمل في الخبر تارة، وفي الدعاء أخرى، وكذلك: (سلام عليكم) (الرعد: ٢٤) دعاء وخبر على هذا المعنى، بل الخبر ضد الدعاء، فلا يجتمع معه. بيانه: أن الخبر لا يكون إلا عما يعتقد حصوله، والدعاء لا يكون بمعلوم الحصول، فلا يجوز أن يقال: اللهم اجعل الأرض تحتا والسماء فوقا، ولا اللهم لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، لقوله ﵇ (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وكذلك كل ما هو من هذا الباب، فحينئذ هما ضدان، والضدان لا

стр. 668

يجمع بينهما في محل واحد. إذا تقرر هذا قال أرباب علم البيان: إن أصل الدعاء صيغة الأمر، فتقول: اللهم اغفر لنا، هذه هو الحقيقة، ثم يستعار لفظ المستقبل للدعاء مجازا، إلا أنه خبر، والخبر متعلقة واقع متقرر، يستعار للدعاء على سبيل التفاؤل بالوقوع، فهذا في الرتبة الثانية، والرتبة الثالثة أن يقال: غفر الله لنا، فيكون أبلغ من المضارع؛ لأن الماضي دخل مسماه في الوجود بخلاف المضارع، وهو وإن كان خبرا مجزوما بوقوع متعلقة، غير أنه لم يدخل الوجود، فتكون استعارة الماضي أبلغ من استعارة المضارع في معنى التفاؤل، وفي الأحوال كلها لم يخبر عن وقوع المغفرة، بل مقصودنا الطلب لما لا نعلم وقوعه، فكذلك ويل له، أصله الخبر، ويستعار للدعاء تفاؤلا، ووقت الاستعارة لا يكون خبرا، بل دعاء، ووقت عدم الاستعارة يكون خبرا، ولا يكون دعاء، فما اجتمع في الاستعمال. قال القاضي تاج الدين ﵀: الدعاء والخبر لا يكونان إلا في المركبات، والنزاع إنما وقع في الاشتراك في المفردات، فكيف يحسن الاستدلال بالمركبات، وهذا السؤال يتم إذا قلنا: إن العرب ما وضعت المركبات على رأي المصنف؛ لأنه جعل المجاز المركب عقليا، فيرد عليه السؤال التزاما. أما إذا قلنا: وضعتها على ما هو الحق، ويأتي بيانه في أن المجاز المركب عقلي، فلا يرد السؤال؛ لأنها إذا كانت موضوعة دخل فيها الاشتراك. قوله: في الجواب للألفاظ كما وضعت للآحاد وضعت للمجموع، يريد أن النكتة التي ذكرها قطعية عقلية، وإذا تعارض العقل والنقل يتعين تأويل النقل للعقل على القاعدة، فيتأول أن هذه الألفاظ وضعت للمجموع والأفراد، فيمكن الجمع بين النكتة وبينهما، إنما منع من استعمال اللفظ في جميع المسميات، وعلى هذا التقدير لم يستعمل إلا في أحد المسميات، فلا تعارض غير أنك قد علمت أن النكتة غير تعيينية ولا ظنية، فلا ضرورة لهذا

стр. 669

التأويل، بل لا يجوز حينئذ؛ لأن التأويل بغير عاضد من الأدلة الصحيحة غير جائز، بل هذا التأويل قصد به دفع سؤال عنه، فلم يندفع، وحق على نفسه به سؤال لا يندفع، وهو أن مراده حينئذ بتلك الآيات ليس الجمع بين الحقيقة والمجاز، بل الحقيقتين، وقد علمت أنه ليس كذلك، فسد باب التأويل له في تلك الآيات بهذا التأويل المذكور هاهنا. قوله: (بعض المانعين جوز ذلك في لفظ الجمع). قلت: وجه شبهته أن الجمع يتخيل فيه تكرر اللفظ، واللفظ إذا تكرر جازت المسالة إجماعا، فيجوز أن يريد بلفظه الأول غير ما يريد بلفظه الثاني كما تقدم. بيانه: لكن هذا التخيل باطل؛ فإن صيغة الجمع صيغة مفردة، وضعت للدلالة على الجمع، كما يدل المفرد على المفرد. فإذا قلنا: أقراء، فليس فيها ثلاث قافات، وثلاث راءات حتى يتخيل فيها ثلاث لفظات، بل قاف وراء واحدة، فهذه الشبهة ساقطة. قوله: الحق أنه لا يجوز؛ لأن معنى قوله: اعتدى بالأقراء: اعتدى بقرء وقرء. قلنا: هذه العبارة تقتضي أن الجمع معناه النطق بصيغة المفرد مرتين، وهذا يناسب الجواز لا المن، بل ينبغي أن يكون معنى اعتدى بالأقراء: اعتدى بثلاثة من مسمى هذا اللفظ، وهذا اللفظ له مسميان، فيتوقف الامتثال على بيان المراد بالقرينة، كما في المفرد. قوله: (الجمع لا يفيد إلا عين فائدة الإفراد). يريد في تعيين المسمى لا في التعدد والاتحاد، وإلا فالجمع فيه كثرة بالضرورة، وظاهر لفظه يقتضي أن المفهوم من الجمع هو المفهوم من المفرد،

стр. 670

وليس كذلك إجماعا، إنما اختلف الناس في الجمع هل يكون أقل الجمع اثنين الذي هو التثنية أم لا؟ فإن قلت: ذكر الإفادة في المشترك غير سائغ؛ لأن المشترك مجمل، والمجمل غير مفيد بمعنى غير دال. قلت: مسلم غير أن اللفظ المشترك يفيد أن المراد مسمياته دون غيرها كالقرء، فإنه يفيد أن المراد لا يعد الحيض أو الطهر، فهذا هو المراد فالإفادة لا تعين المراد عينا. قوله: (أما في جانب النفي، فلا يقم قاطع على أن الواضع ما استعمله في إفادتهما جميعا). قلنا: القصد بهذا الكلام التفرقة بين الإثبات والنفي، ولا فرق عند العرب بين قولنا: عند زيد عشرة، ليس عنده عشرة، فإن لم يكن لفظ العشرة موضوعا لمجموع الخمستين لا تثبت العشرة في الأول، ولا تنفي في الثاني. وإن كان مراده بالاستعمال في النفي على سبيل المجاز، فما الفرق بين المجاز في المجموع ثبوتا أو نفيا؟ هو جمع بين المسميين في الإثبات والنفي، فالجمع إن كان ممتنعا ففيهما، وإلا ففيهما. وإن قلت: الفرق أن نفي المجموع يكفي فيه جزء ما غير معين، بخلاف الثبوت لابد فيه من جميع الأجزاء، والاستعمال على هذا في النفي إنما وقع في مطلق الجزء السابع، لا في المعين، فافترقا. قلت: مسلم، هذا تخيل حسن، غير أن القضاء على المجموع بالنفي فرع الجمع بين المعنيين في الذهن، حتى يقضي على مجموعهما بالنفي، والاستعمال حينئذ في المجموع، وهو المقصود بالاستعمال، ومطلق الجزء يحصل المقصود؛ لأنه المستعمل فيه، ولو كان مطلق الجزء هو المستعمل فيه،

стр. 671

ويلزم من نفي المعنى العام نفي جميع جزيئاته، فيلزم نفي كل فرد، وهو خلاف المقدر، ويكون حينئذ بمعنى التواطؤ، لا بمعنى الاشتراك. قوله: (ويمكن الجوب بأن النفي لا يفيد إلا رفع مقتضى الإيجاب). قلنا: لا نسلم، فإن مقتضى الإيجاب في قولنا: (في الدار رجل) مطلق لا يفيد إلا رجلا واحدا. وقولنا: (لا رجل في الدار) يفيد نفي كل رجل، فقد اختلف مقتضاهما لغة. قوله: (سنتكلم على الاحتياط). يريد أن الحمل على جميع المسميات ليس احتياطا في درء المفاسد؛ لأنه إذا قال لعبده: انظر إلى العين، فأخذ ينظر إلى ذهبه فيصادره، أو تمتد النفوس إلى امرأته فتفجرها. (تنبيه) زاد تاج الدين أن قوله: (يصلون) فيه ضمير عائد إلى الله تعالى وآخر إلى الملائكة ﵈ وتعدد الضمائر كتعدد الأفعال، ولا نزاع فيه إنما النزاع في المرأة، وهو الجواب عن الثاني؛ لأن المعطوف بمثابة الأفعال. وعن الثالث: أن ذلك بيان كون اللفظ مشتركا لا بيان الجمع، ويرد عليه أن قوله: (فيه ضمير) يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن الخبر مضمر كما تقدم، وهو لا ينتظم لقوله: وتعدد الضمائر كتعدد الأفعال، فيضير معنى كلامه تعدد الأفعال كتعدد الأفعال، فيضير نسبتها للشيء بنفسه؛ فإن الفعل المضمر غير المنطوق به، فالأفعال متعددة قطعا.

стр. 672

وثانيها: أن يريد أن ضمير (الواو) يشمل اسم الله تعالى لأنه من جملة الظواهر التي تقدم ذكرها، وهذا هو مقصود الخصم، ويبطل قوله: (تعدد الضمير كتعدد الأفعال)، وإلا لزم أن يكون هاهنا آلاف من الأفعال؟ لأن (الواو) مشتملة على آلاف من الملائكة. وثالثهما: أن يريد أن فيه ضميرا غير (الواو) ويعبر عنه، فهو مثلا وهو ظاهر كلامه، وهذا خلاف إجماع النحاة؛ لأنهم متفقون على أن (يصلون) ونحوه من الأفعال التي هي على هذا المنوال (يفعلون) ليس فيه ضمير إلا (الواو) فقط. وأما قوله: (وهو الجواب عن الثاني)؛ لأن المعطوف بمثابة الأفعال بخلاف المعلوم من اللسان؛ لأن المعطوف هاهنا الملائكة، ولا يقول أحد ممن له علم باللسان العربي: إنه فعل ولا بمنزلة الفعل هاهنا، ثم لو سلم له أن المعطوف كالفعل يبطل قوله، وهو الجواب عن الثاني؛ لأنه إنما قرر في الأول أن في (يصلون) ضميرا، والمعطوف ليس ضميرا، فليس هذا هو الأول حتى يقول: هو الجواب عن الثاني، بل كلام النحاة هاهنا في العطف، أن لهم ثلاثة مذاهب: أحدها: أن حرف العطف قام مقام العامل في المعطوف. وثانيها: أن المعطوف إنما ارتفع وانتصب وانخفض بحرف العطف نفسه. وثالثها: أن العامل مضمر مع حرف العطف، والأول المشهور عند البصريين، فإن أراده فلا ضمير حينئذ، ولا تعدد للأفعال هاهنا؛ لأن العطف على معمول (إن) لا على معمول (يصلون). وإن أراد الثاني، فلا ضمير أيضا ولا تعدد، وإن أراد الثالث، فلا ينبغي أن يقول: المعطوف يقوم مقام تعدد الأفعال، بل المعطوف هاهنا لم يقم

стр. 673

مقامه؛ لأنا أضمرنا (إن)، ولم نضمر فعلا، ولم نقم شيئا مقام شيء على هذا التقدير، وبالجملة فكأن في نفسه شيئا لم يأت بعبارة تدل عليه، بل بعبارة لا تستقيم على تقدير من التقادير الصحيحة عند أئمة اللغة. ويرد عليه في الثالث أنه سلم فيه الاشتراك، وهو غير مسلم. وزاد صاحب (المنتخب) وغيره، فقال في أول المسألة: لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه خلافا للشافعي (والقاضي عبد الجبار) (١) وغيرهما (٢) فإنهم قالوا: إذا تجرد عن القرائن المخصصة وجب حمله على الكل، وقد علمت فيما تقدم أن الاستعمال غير الحمل، وأن الاستعمال صفة للمتكلم، والحمل صفة للسامع، وأن الأول الدلالة باللفظ، والثاني دلالة اللفظ، وقد تقدم الفرق بينهما من خمسة عشر وجها، وإن جعل أحدهما عين الآخر غلطا، وإذا كانا خلافا للشافعي، فإنه قال: الترتيب في الوضوء واجب، وهذا غلط من القول، بل لا نذكر عن المخالف إلا نقيض ما ذكر عن المستدل، وهاهنا أحد النقيضين من مسألة والنقيض الآخر من مسألة أخرى ففسدت العبارة. والإمام في (المحصول) لم يقل هكذا، وإنما ذكر الحمل فرعا في آخر المسألة، وفرعه على القول بالجواز، فلم يرد عليه هذا الإشكال، بل صاحب المنتخب (٣) غير العبارة، فورد عليه ذلك.

стр. 674

وزاد سراج الدين] في (التحصيل) [: "ولقائل أن يقول: (إذا كان الجمع تعديد الأفراد جاز أن يراد به الكلى، كما في المفردات، ولأنهم يجمعون العلم لإفادة الأشخاص المختلفة) وهذان هما السؤالان السابقان اللذان وقعا لغيره. وزاد أيضا في الجواب عن حجة الشافعي في وجوب الحمل على المجموع، فقال: ولقائل أن يقول: هذا ينفي الجواز أيضا، فلا يتمسك به تفريعا عليه، وغير جواب الإمام؛ لأن اللفظ ما لم يوضع للمجموع لا يجوز استعماله، وإن وضع فحينئذ لو استعمل فيه مع أنه أحد المسميات لزم الترجيح بلا مرجح، والإمام لم يقل هكذا، وإنما قال: يكون الجزم بإفادته المجموع، دون المفردين ترجيحا بلا مرجح، وبين العبارتين فرق، فإن الجزم راجع إلى السامع بالإرادة من جهة المتكلم، وهو يرجع إلى الحمل، فعلى عبارة (المحصول) لا ينبغي التفريع على الجواز، وعلى عبارة (التحصيل) ينبغي التفريع، فلا يرد سؤاله على (المحصول) بل على نفسه. وغيّر التبريزي وزاد فقال: دليل المنع أنه لو جاز، فإما أن يجوز وضعا، أولا وضعا، ولا وضعا لا يكون لغة العرب. ومعنى قولنا: لا يجوز وضعا، لا يخلو إما أن يكون وضع لهما على الجمع، أو على الانفراد، والأول ليس مشتركا، بل متواطئ، أو المفرد الذي كل واحد منهما جزء مفهومه، كالأريكة التي تتناول السرير والفرش على الجمع، والحلة التي تتناول مجموع الثوبين، فإن كان الثاني وهو موضوع لها على الانفراد، فالاستعمال فيهما خلاف الوضع، وهو المراد بعدم الجواز، ويرد عليه أن قوله: إن كان لا وضعا لا يكون لغة العرب،

стр. 675

وهو معنى قولنا: لا يجوز إن أراد لا يكون لغة العرب حقيقة ولا مجازا ممنوع، وإن أراد حقيقة فقط لا يضر ذلك خصمه، فإنه يجوز مجازا. وقوله: (وإن كان الثاني)، فهو خلاف الوضع، وهو المراد بعدم الجواز، فسر عدم الجواز بعدم الوضع، وهذا لا ينازعه فيه خصمه القائل بالمجاز، وزاد فاحتج الشافعي في الحمل، فقال: العمل بالدليل واجب ما أمكن، وليس من عادة العرب تفهيم المراد باللفظ المشترك من غير قرينة، فيصير انتفاء القرينة المخصصة قرينة معممة، ولأنه إذا ثبت جواز إرادة الجميع، فالآحاد لا يصلح بعضها معارضا للبعض، ولا يصلح معارضا للمجموع، فإن مقتضى كل فرد الحمل عليه، نظرا إلى الصلاحية، وإمكان الإرادة لا ينفي الحمل على الغير، كما في المتواطئ، وقد وفًّينا بمقتضى كل فرد بالحمل على الجميع، ويحتاج كلامه إلى بسط. فقوله: (إذا ثبت جواز إرادة الجمع). يعني: لأن التفريغ على الجواز. وقوله: (وإمكان الإرادة لا ينفي الحمل على الغير). يريد إمكان إرادة الإفراد بالحكم لا ينفي إرادة الجموع الذي هو غير الإفراد؛ لأن إرادة المتواطئ لا ينافى إرادة قيد زائد عليه، وأن يراد به أخص من مسماه، فكذلك المجموع أخص من كل فرد لحصول الفرد في جميع صور إرادة المجموع دون العكس، والحمل على الأخص توفية بالحمل على الأعم، ويرد عليه أن القرينة المخصصة عند العرب هي سبب الحمل في الألفاظ المجملة، كانت مشتركة أو غير مشتركة، وعدم السبب سبب لعدم المسبب، فالقرينة إذا عدمت كان سببها سبب عدم الفهم، ويكون دليلا ظاهرا على إرادة المتكلم بقاء لفظه مجملا وأن الإجمال مقصوده، كما أن القرينة المخصصة دليل إرادته البيان.

стр. 676

قوله: إمكان الإرادة لا ينفي الحمل على الغير. قلنا: مسلم ولا نثبته أيضا. فلم قلت: إن أحد الجائزين واقع؟ هذا موضع النزاع، ولذلك يقول في المتواطئ: لا يحمله على أخص منه نوع أو شخص، إلا بدليل منفصل لا بمجرد اللفظ. وقوله: "وقد وفينا كل فرد بالحمل على المجموع"- ممنوع لاحتمال أن يكون اللفظ في سياق النهي أو النفي، فمتى حملناه على نفي المجموع لا يلزم نفي كل فرد على حياله، ولا النهي عنه، بل يكون اللفظ غير متعرض له ألبتة. (فوائد ثمانية) الأولى: قال سيف الدين] في (الإحكام) [: القائلون بجواز الاستعمال في جميع المعاني قالوا: بشرط ألا يمتنع الجمع بينهما. الثانية: قال المجوزون: لم يقل منهم بوجوب الحمل عند التجرد إلا الشافعي ﵁، وأما المعتزلة فلم يوجبوا الحمل عند التجرد. الثالثة: قال القائل بأن المنع لأجل الإرادة لا اللغة، وهو الغزالي وأبو الحسين البصري. الرابعة: قال بالتعميم في سياق النفي كان اللفظ مفردا أو جمعا، والبعض منع في الإثبات. قال أبو الحسين البصري: فيه احتمال واشتباه، فيجوز أن يقال بنفي

стр. 677

الاعتداد بالحيض والطهر معا، وهو إشارة لما تقدم في بحث (المحصول) في الإيراد عليه من جهة أن نفي المجموع غير ثبوت المجموع، وتقدم جوابه. الخامسة: قال: ليس اللفظ المشترك عند الشافعي والقاضي] عند الجبار [إذا أراد به مجموع مسمياته مجازا، بل حقيقة كسائر الألفاظ العامة في صيغ العموم، ولهذا حمله عند التجرد على العموم، كصيغ العموم، قال: وعلى هذا تبطل الأسئلة الواردة على المعتزلة القائلين بأنه وضع لأحد مسمياته على سبيل البدل حقيقة، وهذا كلام سيف الدين، وصمم على التعميم، وكونه حقيقة حتى أنه لم يضع هذه المسألة في (باب العموم) وهي في اللغات. وكذلك (المستصفى) و (البرهان) نقلا العموم، ووضعاها في باب العموم وقال شرف الدين بن التلمساني في (شرح المعالم): وقد اختلف المعممون فمنهم من قال: حقيقة، قال: ويعزي للشافعي، وهو بعيد، ومنهم من قال بطريق المجاز، وإليه مال إمام الحرمين. واعلم أنه من صيغ العموم مشكل؛ لأن مسمى العموم كما سيأتي إن شاء الله- تعالى- مسماه واحد، فلذلك حمل عليه، وها هنا المسميات متعددة، وإلا لما كان مشتركا، وحينئذ يأتي قول الإمام: إن لم يكن وضع للمجموع امتنع القول بالعموم الحقيقي لعدم الوضع، فإن كان وضع للمجموع كان المجموع أحد المسميات، فلا يعمم في جميعها إذا حمل على المجموع، ويكون حينئذٍ كلا ومجموعا لا كلية، والعام من شأنه أن يكون كلية على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في (باب العموم)، والعام لابد أن تكون أفراده غير متناهية، وهذا أفراده متناهية، وكيف يكون حقيقة مطلقا مع أنه لم

стр. 678

ينقل لنا أنه وضع للمجموع، بل هذا مجاز قطعا؟ ولعل الشافعي يريد بأنه حقيقة في كل فرد على حاله، لا في الجميع، ولما كان مشتملا على الحقيقة من حيث الجملة سماه حقيقة توسعا، ويكون مدركه في الحمل والتعميم إنما هو الاحتياط لتحصيل مراد المتكلم جزما، فهذا هو اللائق لمنصب هذا الإمام العظيم دون هذه النقول. السادسة: مثل شرف الدين بن التلمساني النفي في المشترك بقولنا: لا عين لي هل يعم جميع مسميات العين أم لا؟ السابعة: قال النقشواني: اللفظ المشترك إما فرد أو جمع، والمفرد إما معرف باللام أو منكر، والجمع إما مذكور بلفظ الكل والجمع نحو: اعتدى بكل قرء، أو بالأقراء جميعها بصيغة العموم، وعلى التقادير، فإما مكرر نحو: اعتدي بقرء قرء، أو اعتدي بالأقراء والأقراء، وكل ذلك إما في الثبوت، أو النفي كما في النهي. أما المفرد المنكر غير المكرر، فلا يستعمل في معنييه نفيا ولا إثباتا؛ لأن التنكير يقتضى التوحيد، وهو يضاد الجمع، وإن كرر فقد جوزوا استعماله في المعنيين؛ لأنه لما لم توجد قرينة تجمعهما في معنى واحد حملا على المعنيين، والمذكور بلفظ الكل والجمع قالوا: يجب الحمل على معانيه جمعا؛ لأنه لا كل ولا جمع في مثل هذه الصورة غير هذه المعاني؛ لأن الحيض والطهر لا يمكن الحمل على جميع أفرادهما، فتعين الحمل عليهما. وأما في مثل العين فقد يتصور ذلك، فلا يجب الحمل، وإن كان بصيغة العموم، أو مفردا محلى باللام، فهو كما سبق. والظاهر أن هذا التقسيم من عند النقشواني؛ لأنه منقول؛ لأن ظاهر كلامه وبحثه في كتابه، ونقلت كلامه؛ لأن فيه محلا للناظر، ويحرك أنواعا من البحث، وأقرب ذلك إذا كرر المنكر أمكن أن يقال: لا يتعين أن يكون اللفظ

стр. 679

الثاني في معنى ثانٍ لصدق اللفظ الأول، وأمكن أن يقال: بل يتعين لئلا يلزم التأكيد والتكرار، وهو خلاف الأصل، وكذلك العطف يضر أيضا نوعا من النظر؛ ولأن الشيء لا يعطف على نفسه، فيتأكد التغاير والجمع، بخلاف صورة عدم العطف، وكذلك إذا جاء التعريف بعد التنكير، نحو: اعتدّى بقرء، اعتدى بالقرء، هل تحمل اللام على العهد أو على العموم؟ موضع نظر. وكذلك إن اجتمع العطف واللام أمكن القول بحصول التعارض، كما في العطف من موجب التغاير، فيتعدد، وما في اللام من العهد، فلا يتعدد، وهذه كلها بحوث يمكن تحريكها، وأما النقل عن العلماء، فما من متبع، ولا مدخل للنظر فيه. الثامنة: قد تقدم أن محل الخلاف في هذه المسألة ثلاثة: الجمع بين مجازين أو حقيقتين أو مجاز وحقيقة. نقل إمام الحرمين في (البرهان) أن القاضي اشتد إنكاره للجمع بين مجاز وحقيقة؛ لأن كونه حقيقة يقتضى اعتبار كونه في موضوعه، وكونه مستعملا في مجازه يقتضي عدم اعتبار كونه في موضوعه، فيكون كونه في موضوعه معتبرا وغير معتبر، وهو جمع بين النقيضين. قال: وجوزه الشافعي؛ لأن النقيضين باعتبار إضافتين إلى معنيين ليس محالا، والمجاز مطلقا متفق عليه بين الكل فهو أرجح من التضمين، والفرق بينهما أنك في المجاز مطلقا تارك للحقيقة بالكلية، كما تقدم من كلام الغزالي في التعبير بلفظ الصلاة عن معنى التعظيم تاركا للدعاء بالكلية، والتضمين أن يريد الدعاء مع غيره، وعده أرباب علم البيان من فصيح إيجاز العرب واختصارها، فقالوا: إذا أرادت العرب أن تخبر عن معنيين بجملتين حذفت إحدى الجملتين، وجعلت معناها في الجملة الباقية بطريق الإرادة، وبقيت قرينة لفظية من المحذوفة تدل عليها، أو قرينة حالية، أو خارجية.

стр. 680

مثال اللفظية قوله تعالى: ﴿عينا يشرب بها المقربون﴾] المطففين: ٢٨ [، ويشرب لا يتعدى للمشروب بالباء، فكان الأصل: يشرب بها المقربون، ويروون بها، فحذفت الجملة الثانية، وبقي منها الباء، فأضيفت الجملة الباقية فقيل: "يشرب بها"، فالباء من الجملة المحذوفة وهي تدل عليها وأريد بـ (يشرب) المعنيان اختصارا وإيجازا. وكذلك قوله تعالى: ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾] الحديد: ٧ [أصل "آمن" "أمن" بالقصر إذا صار ذا أمن في نفسه قاصر غير متعدٍ تعدي بالألف فقيل: (أأمن) إذا (أأمن) غيره، أي صير غيره ذا أمن، ومنه قوله تعالى: ﴿أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾] قريش: ٤ [بغير حرف جر، فالمؤمن بكلام الشخص آمنه التكذيب فيه فأصل الآية: ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾] الحديد: ٧ [بغير حرف جر، والإيمان في القلب، فقصد معنى آخر، وهو الإقرار باللسان بما في القلب، والإقرار يتعدى الباء، تقول: أقررت بكذا، فصار المقصود حينئذ أن ينطق به (آمنوا الله ورسله) وأقروا بذلك، فحذفت الجملة الثانية، وخلى منها الباء دليلا عليها، فقيل: (آمنوا بالله)، فكذلك قال جمهور العلماء: إن الإيمان بالقلب لا يكون به الإنسان مسلما يستحق دخول الجنان والسلامة من النيران حتى يقول بلسانه، وإن سكت مع الإمكان خلد في النيران. وهذه المسألة مستوفاة الأقسام والأحكام في (الشفاء) عند القاضي عياض، وليس هذا موضعها. وهذا النوع كثير في القرآن، ومنه قول الفرزدق] الرجز [: كيف تراني قالبا مجني .... قد قتل الله زيادا عني

стр. 681

مع أن (قتل) لا يتعدى بـ (عن)، لكن أصل كلامه صرفه (عني) بأن قتله، فحذفت الجملة الأولى، وبقي منها (عن) مع الجملة الثانية كما تقدم. ومثال الحالية: تعدد إرادة الدعاء مضافا إلى الله- تعالى- في آية الصلاة؛ لأن شأن الله- تعالى- ألا يسأل؛ لأن المسئول الغني على الإطلاق، فيتعين الجمع بين الحقيقة والمجاز. ومثال القرينة الخارجية: أن يقول القائل: رأيت أسدا، ثم يقول: أردت الحقيقة والمجاز، فالتضمين موضع حسن، فتأمله، وتأمل تحقيقه. والفرق بينه وبين المجاز العرف، فهو محتاج إليه في كتاب الله- تعالى- وسنة رسوله احتياجا كثيرا لكثرة تكرره. (تنبيه) استشكل الأبياري في "شرح البرهان" قول القاضي بعموم المشترك مع توقفه في صيغ العموم، حيث اتحاد المسمى مع إمكان إرادة الجمع، بل أولى من المشترك للتباين في مسمياته، وهو مشكل كما قال، ولاسيما والمنقول عنه في دليل التعميم أنه قال: يصح أن يراد كل واحد منهما مفردا، فيجوز الجمع عموما، وهذا يتكرر في العموم بل أولى. المسألة الخامسة: الأصل عدم الاشتراك: قد تقدم أن الأصل في اصطلاح العلماء أربعة معان: أصل الشيء ما منه الشيء لغة، وأصل الشيء دليله، ومنه أصول الفقه، وأصل الشيء رجحانه، ومنه الأصل] عدم الاشتراك أي الراجح عند العقل احتمال عدم الاشتراك، والأصل عدم المجاز، والأصل براءة الذمة، والأصل [بناء ما كان على ما كان.

стр. 682

والرابع الصورة المقيس عليها في القياس يسمى أصلا. (تنبيه) الألفاظ ثلاثة أقسام: لفظ نقل الاشتراك فيه، واعتقدناه كالعين والجون. ولفظ نقل عدم الاشتراك فيه، واعتقدناه كلفظ الله، ولفظ الرحمن، فهذان القسمان لا نزاع فيهما، ولم نردهما بالاستدلال. وقسم نقل لنا أنه موضوع لمعنى، وسكت عن غيره كلفظ الفرس، فهذا هو المقصود بأن الأصل عدم الاشتراك فيه، والذي يريده بالأدلة. (سؤال) قوله: لو كان احتمال الاشتراك مساويا لاحتمال الانفراد لما حصل الفهم بين أهل اللسان في أغلب الأحوال. لا معنى لقوله: "في أغلب الأحوال"؛ لأن اللفظ إن تجرد عن المفيد للرجحان والتقدير والتساوي، فمن المحال أن يفيد في صورة، وإن اقترن به مفيد الرجحان حصل في كل صورة، فحينئذ الصادق السلب الكلي، أو الإيجاب الكلي، فلا وجه لدعوى الغلبة. (سؤال) ادعى الرجحان وأبطل المساواة، ولم يتعرض للمرجوحية، مع أن تعين رجحان عدم الاشتراك إنما يتعين عند انتفاء المساواة، وانتفاء مرجوحيته، ولم يتعرض لها، فلا تتعين دعواه في رجحان عدم الاشتراك. جوابه: أن الطريق الذي أبطل المساواة متقررة في المرجوحية، فإن احتمال عدم الاشتراك إذا كان مرجوحا تعذر الفهم عند التخاطب، كما في المساواة بطريق الأولى، فلذلك تركه.

стр. 683

(سؤال) قوله: "لما أفادت الأدلة السمعية الظن، فضلا عن اليقين"- مشكل؛ لأن الأدلة السمعية هي بعض الألفاظ التي وقع بها التخاطب، وقد بين في الوجه الأول أن الألفاظ لا تفيد عند التخاطب، وقد بين في الوجه الأول أن الألفاظ لا تفيد عن التخاطب، فهو إعادة لبعض ما ذكره أولا، فالدليل واحد وهو يعيد أجزاءه، فلا معنى له حتى يجعله دليلا ثانيا. جوابه: أن القاعدة عند النظار متى تنازعنا في الدليلين هل هما واحد أو اثنان؟ نظرنا اللازم عنهما إن كان واحدا فهو واحد، أو كان اللازم متعددا، فهما متعددان، واللازم هاهنا متعدد؛ لأن مقصوده بالأول: فساد المعاش بين الناس في التخاطب، فلا يتمكنون من إصلاح معاشهم. والمراد من الثاني: فساد المعاد؛ لأنا إذا لم نفهم الألفاظ الواردة في الشرائع لا نتمكن في طاعة الله تعالى؛ لعدم فهم مدلولات الألفاظ، فيفسد علينا المعاد؛ لأن السعادة لا تحصل فيه إلا بطاعة الله- تعالى- فاللازم مختلف، فهما دليلان، وكذلك إذا تنازعنا في القياسين، هل هما قياس واحد، أو اثنان؟ قال النظار: إن كان الجامع فيهما واحدا، فهما واحد، فلا يستحق الثاني جوابا، وهو ثمرة الخلاف في تعدد الأدلة والأقيسة، وإن كان الجامع متعددا فهما قياسان؛ لأن الدليل الذي هو روح القياس إنما هو الجامع الذي هو سره، فإذا تعدد] تعدد [القياس، فاستحق الثاني جوابا آخر. قوله: (كتب النحاة شاهدة بشركة الحرف). يريد نحو (الواو) فإنها عاطفة وللقسم، وواو (رب) وغير ذلك و (لا) النافية والناهية والزائدة وغير ذلك، وعلى هذه الطريقة كما وقع في كتب النحو.

стр. 684

قوله: الماضي والمستقبل مشترك؛ لأنه يستعمل خبرا ودعاء. قلنا: قد بينا في المسألة قبل هذه أن الدعاء إنما يستعمل فيه الخبر على سبيل الاستعارة للتفاؤل، فلا اشتراك. قوله: (المضارع مشترك بين الحال والاستقبال). قلنا: نقل الشيخ أبو عمر في شرح مقدمته في ذلك ثلاثة أقوال مشتركة كما قال: حقيقة في الحال مجاز في المستقبل، حقيقة في المستقبل مجاز في الحال. قلنا: المنع على القولين الآخرين. قوله: (الأصل في الألفاظ الأسماء) يريد الغالب الكثير، فاستعمل الأصل لمعنى الراجح عند العقل؛ فإن الأغلب هو الذي يسبق للعقل. وتقرير هذا الجواب أنه لا يلزم من تقسيم جنس إلى ثلاثة أنواع أن تكون أفراد كل نوع ثلث العدد الواقع من تلك الأنواع، كما إذا فرضنا مدينة فيها نصرانيان ويهوديان، وبقيتها مسلمون، صدق أن أهل هذه المدينة إما مسلمون أو يهود أو نصارى، مع أنه لا يصدق أن كل فريق ثلث عدد المدينة، كذلك الكلمات إما اسم، أو فعل، أو حرف، والأكثر الأسماء كالمسلمين في المدينة في المثال، فلا يلزم من تسليم أن القسمين الأولين مشتركان، وبعض الثالث في المثال، فلا يلزم من تسليم أن القسمين الأولين مشتركان، وبعض الثالث أن يكون الثلثان، وبعض الثلث الآخر وقع فيها الاشتراك. (سؤال) قوله: (الاشتراك يخل بفهم السامع والقائل) - مشكل؛ لأن التلفظ بكل لفظ كان مشتركا أو غيره لا يحصل فيهما للمتكلم، وإنما المقصود به فهم السامع، فكيف يجعل المشترك مخلا بفهم القائل؟

стр. 685

جوابه: أنه قد قال في آخر كلامه: إن المتكلم ربما ظن أن السامع فهم القرينة، أو فهم المقصود في قوله: أعط السائل عينا، ولا يكون السامع فهم ذلك، فهذا هو حظ المتكلم من عدم الفهم، وإنما نشأ ذلك الجهل، وعدم الهم عن كون اللفظ مشتركا، فلو كان اللفظ غير مشترك لم يقع المتكلم في ذلك الغلط. قوله: "يحصل مقصود اللفظ المشترك بالترديد بين المفردات بصيغة (أو) أو (أم) أو (إمَّا). فنقول: أعط ذهبا أو ماء. (سؤال) الترديد يحتاج فيه إلى التركيب، وتكثير الألفاظ، والمشترك يحصل منه الإجمال المقصود باللفظ المفرد، فكان أولى. (سؤال) قال النقشواني: قولنا: (الاشتراك أقل ومرجوح). يريد باعتبار كل الأمصار والأعصار، لا باعتبار مصر معين، وعلى هذا جاز أن يكون الغالب الاشتراك باعتبار مجموع الدنيا، واشتهر عند كل قوم فرد من تلك المسميات، فلا يختل فهمه، وإن كان الغالب الاشتراك ينتظم قوله: لو كان احتمال الاشتراك مساويا لما حصل الفهم، فيبطل استدلاله في الوجوه الثلاثة الأول، إلا أن يقصد بالمسألة مصرا معينا، أو قبيلة معينة، فيتم جوابه احتمال الاشتراك، باعتبار جملة العام مرجوح؛ لأن الأصل عدم تعدد مسميات الألفاظ، وهذه مقدمة ظنية، فيكتفي فيها بمثل هذا، ثم إنا نرده في كل قبيلة معينة على حيالها حتى يستوعب آخر الدنيا بما ذكرنا من الدليل.

стр. 686

(سؤال) قال: الوجهان الآخران إنما يتم الاستدلال بهما إذا كان الواضع واحدا حكيما يحدد تلك المفاسد، أما إذا جوزنا لكل واحد من القبائل أن يضع، فجاز أن تضع قبيلة لفظا لمعنى، وتضعه أخرى لغيره، فيحصل الاشتراك، ولا تمنعهم هذه المفاسد لعدم شعورهم بها. جوابه: أن الاستقراء دل على أن الوضع قليل التعدد، وإلا لكثر الاشتراك بغير ما ذكره، والاشتراك ليس كثيرا كملا بالاستقراء، وإذا كان الغالب اتحاد الواضع اتجه الوجهان الأخيران أيضا، بناء على الغالب. فإن قلت: هذا الجواب يبطل بما تقدم من كلامه أن السبب الأكثري للاشتراك وهو ضع القبيلتين، وإلا على وضع الواضع الواحد. قلت: لا يضر ما تقدم؛ لأن معناه إذا وقع الاشتراك كان أكثره عن وضع القبيلتين، والكلام في هذه المسألة في تقليل الاشتراك جملة. فنقول: اتفاقه أيضا من القبيلتين مرجوح، وإلا لكان أكثر الألفاظ مشتركا، وليس كذلك، فلا تناقض بين الوضعين. قال سراج الدين: ظن وضع اللفظ للمعنى يوجب حمله عليه، وإن أمكن وضعه لغيره احتمالا سواء. جوابه: لا نسلم أن ظن الوضع يوجب الحمل، بل لو قطعنا بالوضع، وجوزنا أنه موضوع لغيره احتمالا على السواء امتنع منا الحمل قطعا، لجواز أن يكون المتكلم أراد ذلك المسمى الآخر الذي ما علمناه. (سؤال) قال التبريزى: قوله: (لو كان الغالب الاشتراك لما أفاد كلام الشرع الظن) ممنوع لجواز أن يكون الغالب الاشتراك على اللغة، ولكن البليغ في الفصاحة

стр. 687

والبلاغة يحترز عنه، فلا يقع في الكتاب والسنة، أو يقع نادرا، أو محفوظا بالقرائن. جوابه: متى كان الاشتراك هو الغالب، فمتى وردت لفظة مجردة عن القرائن الحالية والمقالية تكون دائرة بين النادر والغالب، فيحمل على الغالب عملا بالقاعدة، ولا يحصل الهم جزما. فإن قلت: المجاز غالب على اللغة على ما سيأتي بيانه، ومع ذلك لا يحمل اللفظ على الغالب الذي هو المجاز، فلم لا يكون الاشتراك غالبا، ولا يعتقد في اللفظة أنها مشتركة كالمجاز؟ قلت: لغة العرب تقتضي أن المجاز لا يوقعونه مجازا إلا محفوظا بالقرينة، فإذا وجدنا اللفظة بغير قرينة اعتقدنا أنها ليست مجازا، ولم يلتزم العرب أنها لا تضع لفظة مشتركة إلا ومعها قرينة، فالاشتراك ينشأ عن الوضع، وهو لا قرائن معه، والمجاز ينشأ عن الاستعمال، وعادتهم لا يتركون القرائن في استعمالهم المجاز، فافترقا. فإن قلت: وعادتهم أيضا لا يتركون القولين في استعمال المشترك، إلا أن يريدوا التلبيس على السامع، وكذلك في المجاز إذا أرادوا التلبيس لم يأتوا بالقرينة، فاستويا. قلت: الاشتراك ثابت قبل الاستعمال؛ لأنه ينشأ عن الوضع، فإذا وقع اللفظ مجردا مع اعتقادنا أن الغالب هو الاشتراك وجب صرفه للاشتراك، وأما المجاز المجرد عن القرينة، فليس هو غالبا إجماعا، فليس هذا النوع من المجاز نوعا غالبا يصرف إليه فافترقا.

стр. 688

(سؤال) قال التبريزى: مما يدل على أن الغالب الاشتراك أن كل اسم هو موضوع لأربع مراتب: الوجود الخارجي، والوجود الذهني، والوجود النطقي، والوجود الكتابي، كما تقول للفرس الواقفة: فرس، وللمتخيل في الذهن فرس، فتقول: خطر ببالي اليوم فرس، وتقول: لفظ فرس على وزن (فعل) وهو اسم صحيح غير معتل، ورأيت فرسا مكتوبا بالحبر بخط منسوب، وكل اسم كذلك. وأجاب عنه بأن هذا ليس محل البحث، وإلا لزم أن تكون الأسماء كلها مشتركة، بل اللفظ حقيقة في العيني أو الذهني، وما عداه مجاز فيه. (سؤال) في (المعالم) الملازمة في قولك: لو استوى الاحتمالان لما حصل الفهم- ممنوعة، بل يحصل التصريح بالمراد، وأجاب عنه بوجهين: أحدهما: أنا نجد الفهم من غير تصريح، فدل على أن التساوي غير واقع، والفهم إنما حصل بالتصريح. وثانيهما: أن التصريح إنما يكون بلفظ، أو كتابة، أو إشارة، والكلام فيه كما في الأول، فيلزم التسلسل، يعني أن الكتابة والإشارة من جملة الموضوعات، فيكون الكلام فيها كما في اللفظ، وإن كان احتمال الاشتراك مساويا، ففي ذلك كله أجاب شرف الدين بن التلمساني في (شرح المعالم) عن هذا الأخير، فقال: يكون البيان بقرائن الأحوال، وهي لا يدخلها الوضع، فما ذكره غير لازم. المسألة السادسة: فيما يعين مراد اللافظ: قوله: إن كانت المعاني متناهية بقى اللفظ مترددا بينهما. مثاله: إذا قلنا: العسعسة مشتركة بين أول الليل وآخره، وأوجب الله-تعالى- صلاة في العسعسة، فلا ندري أيهما يصلى فيه؟، أو الأمر مشتركا بين الوجوب والندب، فلا ندري كيف نجعل نية الوجوب، أو نية الندب إلا

стр. 689

أن نقول: يحمل اللفظ على جميع مسمياته] فيفعلهما [. قله: أو أن المتكلم قد تكلم به مرتين، هذا إنما يأتي في ما إذا لم يكن السامع مباشرا للمتكلم، بل نقل إليه المشترك عنه، ونقل إليه أدلة دالة على أن الجميع مراد، فنقول: لعله تكلم به مرارا. أما إذا باشر المتكلم، فلا يتأتى بذلك. قوله: (إن كان بعض الحقائق أرجح من بعض). يعني يكون بعضها عادة ذلك المتكلم أن يتكلم بذلك المسمى أكثر من غيره من المسميات، أو يكون النطق به أفصح، أو أعذب، أو أخف حروفا، أو التجوز عنه قليل وغيره بخلاف ذلك، أو يكون عاما، وهو أقل أفراد من المسميات الأخرى، فإنه كلما قلت أفراد العموم قل احتمال تطرق التخصيص إليه. قوله: (إما أن تكون المجازات مستوية أم لا). معناه: أن المجاز قد يرجح إن كان بينه وبين حقيقته ملازمة ذهنية، والمجاز الآخر ليس كذلك. أو يكون في المرتبة الأولى من التجوز، والآخر ليس كذلك، كما نقول في الحقيقة: إنها مجاز في الرتبة الثالثة من المجاز، أو يكون بينه وبين حقيقته تسبب والآخر اتفاقي، كتسمية المرض الشديد بالموت؛ لأنه سبب الموت، وتسمية العنب بالخمر؛ لأنه آيل إليه، وقد لا يئول. قوله: إن كان مجاز الحقيقة مرجوحا وقع التعارض بين المجازين؛ لأن أحدهما راجح بنفسه، مرجوح من جهة حقيقته، والآخر على العكس، فيصار إلى الترجيح. قلنا: لا يلزم من ذلك التساوي حتى يصار للترجيح؛ لأن رجحان الحقيقة في أحدهما قد يكون أكثر من رجحان المجاز في الآخر فيرجح، أو رجحان المجاز في أحدهما قد يكون أكثر من رجحان الحقيقة في الآخر. وإنما يصار للترجيح من خارج إذا استوت أسباب الترجيح فيهما قوله: الدال على اعتبار البعض بنفي الإجمال- يستقيم إذا كان ذلك

стр. 690

البعض واحدا، وأما إن كان أكثر من واحد، فإن التردد يبقى بينهما كما سبق في الدال على اعتبار الكل. والفرق أن إلغاء البعض مع الكثرة، واعتبار البعض مع الكثرة أن واحدا من الجميع إذا ثبت أنه مراد أعرضنا عما عداه لحصول المقصود من التمكين من العمل، وأما إذا ثبت أن بعض العدد الكثير غير مراد بقى الذهن مترددا بين بقية العدد أيهما المراد. (سؤال) قال النقشوانى: جعل مورد التقسيم القرينة المخصصة، وقسمها للقرينة الموجبة لاعتبار الكل، مع أن الموجبة لاعتبار الكل لا تخصيص فيها. جوابه: أنه قال: إما أن يوجد مع اللفظ المشترك قرينة مخصصة، أو لا يوجد تقسيم القرينة المخصصة إلى وجودها وعدمها، ثم قسم وجودها إلى مخصصة للبعض، وإلى ما لا تخصيص فيه، كما قال السائل، وهذا لا غرو فيه لما تقدم أن المقسم قد يكون مقسما إلى الأعم مطلقا، وإلى الأعم من وجه، فالأعم مطلقا يلزم صدقه على كل أقسام المقسم إليه، وكتقسيم الحيوان إلى الناطق والأعجمي، والأعم من وجه لا يلزم صدقه على جميع أقسام المقسم إليه، كالحيوان المقسم إلى الأبيض والأسود، ثم الأبيض ينقسم إلى الجير والحيوان، فلا يلزم صدق الحيوان على الجبر، وإذا كان التقسيم أعم من كونه في الأعم مطلقا، فمن التزمه لا يرد عليه ما يرد على أحد نوعيه؛ لأن ذلك السؤال قد ينشأ عن خصوص ذلك النوع، وهذه القاعدة قد تقدمت في مواطن، ويتخرج بها أسئلة كثيرة. المسألة السابعة: يجوز حصول المشترك في كتاب الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾] البقرة: ٢٢٨ [. يرد عليه أن الخصم يقول: هذا متواطئ لا مشترك، وقيل في المتواطئ ثلاثة مذاهب: قيل: هو موضوع لمطلق الجمع؛ لأن الدم يجتمع في الطهر في الجسد، وفي الحيض في الرحم من قولك: قريت الماء في الحوض إذا جمعته. وقيل: اسم للانتقال، والطاهر تنتقل للحيض، والحائض تنتقل للطهر. وقيل: للزمان، تقول العرب: جاءت الريح لقرئها أي لزمانها، وقوله

стр. 691

تعالى: ﴿والليل إذا عسعس﴾] التكوير: ١٧ [. قيل: متواطئ، ومعناه: اختلاط الظلام بالضياء، وهو قدر مشترك بين أو الليل وآخر، فلا اشتراك. (سؤال) ادعى وقوعه في الكتاب والسنة ولم يذكر إلا الكتاب إما لثبوت الحكم فيها بطريق الأولى؛ لأنها أخفض وتبة؛ وإما أنه لا قائل بالفرق؛ وإما لظنه أنه ذكره وما ذكره. قوله: والأولى تكليف مالا يطاق. قلنا: ونحن نقول به. قوله: إن كان البيان مذكورا مع المشترك كان تطويلا بغير فائدة كان لا نسلم عدم الفائدة ونحن ننتزع بذكر فوائد منها كثرة الأجور في حروف التلاوة، ومنها: التشريف بالمخاطبة مع الله تعالى، وإن خطاب الله تعالى لعباده من أعلى مراتب الشرف؛ وذلك لما قاله الله تعالى ﴿وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى﴾] طه: ١٧ [وكان يكفيه هي عصاي، وإنما قصد تكثير الخطاب مع الله تعالى، ليحوز الشرف الأعلى. ومنها: امتحان العباد بذلك فجاهل يقول ما لي حاجة في الأدب، ولما لم يقول الله تعالى في هذا حكم وأسرار، ومواهب ربانية فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيا عن بينة. قوله: وإن كان البيان غيره مقرون بالمشترك أمكن ألا يصل إلى المكلف فيبقى الخطاب. قلنا: لا نسلم مجهولا، لكن يحصل للمكلف أجو الطلب ونجوز رتبة النسبة، ولا قائم ينزل العمل لعدم وجدانه البيان. قوله: (إما على أصول المعتزلة فسيأتي الجواب عنه في مسألة تأخير البيان إلى وقت الخطاب) يريد أن العرض قد يكون ذكر الشيء على سبيل التفصيل منشأ المفسدة، وعلى سبيل الإجمال منشأ المصلحة فخاطب المشترك في الصور التي يكون فيها التفصيل منشأ المفسدة.

стр. 692

الباب السادس في الحقيقة والمجاز وهو مرتب على مقدمة، وثلاثة أقسام: أما المقدمة ففيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في تفسير لفظتي الحقيقة والمجاز في أصل اللغة: أما الحقيقة فهي فعلية من الحق، ويجب البحث هاهنا عن أمرين: أحدهما: أن الحق في اللغة هو الثابت؛ لأنه يذكر في مقابلته الباطل، فإذا كان الباطل هو المعدوم، وجب أن يكون الحق هو الثابت. وثانيهما: البحث عن وزن الفعيلة، وفيه أيضا بحثان: الأول: أن الفعيل قد يكون بمعنى المفعول، وقد يكون بمعنى الفاعل فعلى التقدير الأول معنى الحقيقة المثبتة؛ وعلى التقدير الثاني: الثابتة. الثاني: أن الياء في الفعيلة؛ لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة؛ فلا يقال: شاة أكيلة ونطيحة. وأما المجاز، فهو مفعل من الجواز الذي هو التعدي في قولهم: جزت موضع كذا، أو من الجواز الذي هو قسيم الوجوب والامتناع، وهو في التحقيق راجع إلى الأول؛ لأن الذي لا يكون واجبا ولا ممتنعا كان مترددا بين الوجود والعدم؛ فكأنه ينتقل من الوجود إلى العدم، أو من العدم إلى الوجود، فاللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي شبيه بالمنتقل عن موضوعه؛ فلا جرم سمى مجازا.

стр. 693

المسألة الثانية: في حد الحقيقة والمجاز: أحسن ما قيل فيه ما ذكره أبو الحسين، وهو: أن الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به، وقد دخل فيه الحقيقة اللغوية، والعرفية، والشرعية. والمجاز: (ما أفيد به معنى مصطلح عليه، غير ما اصطلح عليه في أصل تلك المواضعة التي وقع التخاطب بها؛ لعلاقة بينه وبين الأول). وهذا القيد الأخير لم يذكره أبو الحسين، ولابد منه، فإنه لولا العلاقة، لما كان مجازا، بل كان وضعا جديدا. وقوله: (معنى مصطلح عليه): إنما يصح على قول من يقول: المجاز لابد فيه من الوضع، فأما من لم يقل به، فيجب عليه حذفه. وأما قوله: (غير ما اصطلح عليه في أصل تلك المواضعة) ففيه سؤال؛ وذلك أنه يقتضي خروج الاستعارة عن حد المجاز. بيانه: أنا إذا قلنا؛ على وجه الاستعارة: (رأيت أسدا) فالتعظيم الحاصل من هذه الاستعارة ليس لأنا سميناه باسم الأسد؛ ألا ترى أنا لو جعلنا الأسد علما له، لم يحصل التعظيم ألبتة؟ بل التعظيم إنما حصل؛ لأنا قدرنا في ذلك الشخص صيرورته في نفسه أسدا، لبلوغه في الشجاعة التي هي خاصية الأسد إلى الغاية القصوى، فلما قدرنا أنه صار أسدا في نفسه أطلقنا عليه اسم الأسد؛ وعلى هذا التقدير لا يكون اسم الأسد مستعملا في غير موضوعه الأصلي. وجوابه: أنه يكفي في تحصيل التعظيم أن يقدر أنه يحصل له من القوة مثل ما للأسد، فيكون استعمال لفظ الأسد فيه استعمالا للفظ في غير موضوعه الأصلي.

стр. 694

وأعلم: أن الناس ذكروا في تعريف الحقيقة والمجاز، وجوها فاسدة: أحدها: ما ذكره أبو عبد الله البصري، ألا وهو أن الحقيقة: ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة، ولا نقصان، ولا نقل. والمجاز هو: الذي لا ينتظم لفظه معناه: إما لزيادة، أو لنقصان، أو لنقل: فالذي يكون للزيادة هو الذي ينتظم عند إسقاط الزيادة؛ كقوله تعالى:﴾ ليس كمثله شيء ﴿] الشورى: ١١ [فإنا لو أسقطنا الكاف، استقام المعنى. والذي يكون للنقصان هو الذي ينتظم الكلام عند الزيادة؛ كقوله تعالى:﴾ واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢ [، ولو قيل: واسأل أهل القرية، صح الكلام. والذي يكون لأجل النقل قوله:) رأيت أسدا (وهو يعني الرجل الشجاع. واعلم أن هذا التعريف خطأ؛ لأن المجاز بالزيادة والنقصان إنما كان مجازا؛ لأنه نقل عن موضوعه الأصلي إلى موضوع أخر في المعنى، وفي الإعراب، وإذا كان كذلك، لم يجز جعلهما قسمين في مقابلة النقل. أما في المعنى؛ فلأن قوله تعالى:﴾ ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١ [يفيد نفي مثل مثله، وهو باطل؛ لأنه يقتضي نفيه - تعالى الله عن ذلك - إلا أنه نقل عن هذا المعنى إلى نفي المثل، وكذلك قوله تعالى:﴾ واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢ [موضوع لسؤال القرية، وقد نقل إلى أهلها. وأما في الإعراب؛ فلأن الزيادة والنقصان، متى لم يغير إعراب الباقي، لم يكن ذلك مجازا؛ فإنك إذا قلت: جاءني زيد وعمرو، فهو في الأصل: جاءني زيد وجاءني عمرو، إلا أنه حذف أحد اللفظين؛ لدلالة الثاني عليه، لكن لما لم يكن الحذف سببا لتغيير الإعراب، لم يحكم عليه بكونه مجازاً.

стр. 695

وهذا الكلام في جانب الزيادة. وأما إذا أوجبنا تغيير الإعراب، كانا مجازين؛ وذلك إنما يتحقق عند نقل اللغة اللفظة من إعراب إلى إعراب آخر. وثانيها أيضا: ما ذكره أبو عبد الله البصري ثانيا، فقال:) الحقيقة ما أفيد به غير ما وضعت له، والمجاز: ما أفيد به غير ما وضع له) وهذا أيضا باطل: أما قوله في الحقيقة: (إنها ما أفيد بها ما وضع له (فباطل؛ لأنه يدخل في الحقيقة ما ليس منها؛ لأن لفظة الدابة، إذا استعملت في الدودة والنملة، فقد أفيد بها ما وضعت له في أصل اللغة مع أنه بالنسبة إلى الوضع العرفي مجاز، فقد دخل المجاز العرفي فيما جعله حدا لمطلق الحقيقة؛ وهو باطل. وقوله في المجاز: (إنه الذي أفيد به غير ما وضع له) فهو باطل بالحقيقة العرفية والشرعية؛ فإن اللفظة أفيد بها، والحالة هذه، غير ما وضعت له في أصل اللغة، فقد دخلت هذه الحقيقة في المجاز. وأيضا فقوله:) ما أفيد به غير ما وضع له) إما أن يكون المراد منه انه أفيد به غير ما وضع له بدون القرينة، أو مع القرينة. والأول باطل؛ لأن المجاز لا يفيد البتة بدون القرينة، والثاني ينتقض بما إذا استعمل لفظ السماء في الأرض، فإن اللفظ قد أفيد به غير ما وضع له؛ مع أنه ليس بمجاز فيه، وأيضا ينتقض بالإعلام المنقولة. فإن قلت: العلم لا يفيد!

стр. 696

قلت: حق إن العلم لا يفيد في المسمى صفة، وليس بحق أنه لا يفيد أصلا، بل هو يفيد عين تلك الذات، لكنه يفيد صفة في الذات. وثالثها: ما ذكره ابن جني وهو) أن الحقيقة ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان بضد ذلك). وهذا ضعيف؛ لأن ما ذكره في حد الحقيقة تخرج عنه الحقيقة الشرعية والعرفية، وهما يدخلان فيما جعله حد المجاز. وأيضا فقوله: (والمجاز ما كان بضد ذلك) معناه: أن المجاز هو الذي ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، وهو باطل، وإلا لكان استعمال لفظ الأرض في السماء مجازا. ورابعها: ما ذكره عبد القاهر النحوي ﵀، فقال الحقيقة كل كلمة أريد بها عين ما وقعت له في وضع واضع وقوعا لا يستند فيه إلى غيره؛ كالأسد للبهيمة المخصوصة، والمجاز: كل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها؛ لملاحظة بين الأول والثاني). وهذا التعريف أيضا ليس بجيد؛ لأنه يقتضى خروج الحقيقة الشرعية والعرفية عن حد الحقيقة، ودخولهما في حد المجاز، وهو غير جائز. المسألة الثالثة: في أن لفظتي الحقيقة والمجاز بالنسبة إلى المفهومين المذكورين حقيقة أو مجاز ؟. الحق: أن هاتين اللفظتين في هذين المفهومين مجازان؛ بحسب أصل اللغة، حقيقتان؛ بحسب العرف. بيان الأول: أما في الحقيقة؛ فلأنا بينا أنها مأخوذة من الحق، وبينا أن الحق

стр. 697

حقيقة في الثابت، ثم إنه نقل إلى العقد المطابق؛ لأنه ولى بالوجود من العقد غير المطابق، ثم نقل إلى القول المطابق لعين هذه العلة، ثم نقل إلى استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي، لأن استعماله فيه تحقيق لذلك الوضع، فظهر أنه مجاز واقع في الرتبة الثالثة بحسب اللغة الأصلية. وأما المجاز: فإطلاقه على المعنى المذكور على سبيل المجاز أيضا؛ لوجهين: الأول: هو أن حقيقة العبور والتعدي، وذلك إنما يحصل في انتقال الجسم من حيز إلى حيز، فأما في الألفاظ فلا، فثبت أن ذلك إنما يكون على سبيل التشبيه. الثاني: هو أن المجاز مفعل، وبناء المفعل حقيقة: إما في المصدر، أو في الموضع، فأما الفاعل، فليس حقيقة فيه، فإطلاقه على اللفظ المنتقل لا يكون إلا مجازا. هذا إذا قلنا: إن المجاز مأخوذ من التعدي. وأما إذا قلنا: إنه مأخوذ من الجواز، كان حقيقة لا مجازا؛ لأن الجواز، كما يمكن حصوله في الأجسام، يمكن حصوله في الأعراض. فاللفظ يكون موضوعا لذلك الجواز؛ لأنه موضوع لجواز أن يستعمل في غير معناه الأصلي، فيكون حقيقة من هذين الوجهين، إلا أنا قد ذكرنا أن الجواز إنما سمي جوازا؛ مجازا عن معنى العبور والتعدي، والله أعلم بالصواب. قال القرافي: قوله: (لفظ فعيل يكون بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول) اعلم أن فعيلا يقع على قسمين:

стр. 698

أحدهما: أن يكون اسم فاعل من فعل - بضم العين - نحو كلام فهو كريم، وشرف فهو شريف، وظرف فهو ظريف، فهذا لا مبالغة فيه من جهة تكرار الفعل، غير أنه موضوع لما يكون سجية هو أبلغ مما لا يكون كذلك، كضارب وخارج، ولم يوجد اسم الفاعل لهذا النوع إلا على هذا الوزن. والقسم الثاني: ما كان له اسم فاعل يستحقه بأصل الوضع، ثم عدل عنه إلى فعيل؛ لأجل قصد المبالغة من جهة كثرة الفعل والمفعول؛ وهو ثلاثة أقسام: - منه: ما يتعين بأصل السياق للفاعل نحو: عليم، وقدير، ورحيم، بمعنى: قادر، وعالم، وراحم. - ومنه: ما يتعين للمفعول بالسياق نحو: جريح، وقتيل، بمعنى: مجروح، ومقتول. - ومنه: ما يحتمل الأمرين ولا يعين السياق أحدهما نحو نبى يحتمل أن يكون بمعنى فاعل إن أخذناه من النبوة أي: علا قدره وعظم، بمعنى مفعول، أي: نباه الله تعالى، وولي يحتمل أن يكون فاعل أي: تولى الله بطاعته، أو مفعول أي: تولاه الله بإعانته ولطفه، وشهيد، يحتمل أن يكون بمعنى فاعل، أي: شهد حضرة القدس، أو المفعول أي: أشهده الله - تعالى - ذلك، أو شهد له بالجنة، ومن ذلك حقيق الذي مؤنثه حقيقة يحتمل أن يكون فاعلا بمعنى: حاقق، ومفعولا بمعنى: محقوق. فائدة: المبالغة قد تكون في اللفظ لأجل تكرار الفعل نحو: قتال، وضراب ،

стр. 699

وقد تكون لتكرره في المفعول نحو: ذبحت الكباش، فإن الذبح لا يتكرر في المفعول الواحد، والأول يقبله، ولتكثيره من الفاعل نحو: يركب الإبل بالتشديد أي: كثر الفعل باعتبار كثرتها لا لتكرره من كل واحد منهما، فهذه ثلاثة أسباب للمبالغة. قوله: (التاء فيهما لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة). اعلم أن الحقيقة فيها) ياء وتاء) وكلاهما للنقل، (فالياء) باثنتين من تحتها للنقل من الاسمية إلى الوصفية؛ لأن (حقا) مصدر ليس بصفة. فإذا قلت (حقيق) صار صفة، تقول: زيد حقيق بكذا، فتصفه بذلك، ولو قلت: (زيد حق) امتنع إلا على التأويل في الوصف بالمصادر، نحو: زيد عدل ورضا، ونسخ اليمن، وضرب الأمير. و (التاء) باثنتين من فوقها - للنقل من الوصفية للاسمية عكس (الياء (؛ لأن العرب إذا وصفت بفعل، ونطقت معه بالموصوف اكتف بتأنيث الموصوف عن تأنيث الصفة، فيقولون: امرأة قتيل، وشاه نطيح، وكف خضيب، ولحية دهين، فالتأنيث في الأول أغنى عن التأنيث في الثاني، فإذا لم ينطقوا بالموصوف أثبتوا التاء، حذرا من اللبس فيقولون: رأيت قتيلة بنى فلان، وأكيلة السبع، ونطيحة الكبش، ونحو ذلك، فهي هاهنا مفعول لا صفة، فهو معنى قوله: للنقل من الوصفية إلى الاسمية الصرفة أي: لم تجر على موصوف في هذه الحالة، فهي اسم مجرد. قوله: (الجواز العقلي راجع للجواز الحسي). معناه: أن الجواز العقلي سمي جوازا، إما لأن الجائز ينتقل من حيز الوجود إلى حيز العدم، ومن حيز العدم إلى حيز الوجود على سبيل الاستعارة والمجاز، وإما لأن العقل يحكم بوجود، تارة، وبعدمه أخرى، فالعقل

стр. 700

ينتقل فيه من أحد النقيضين للأخر انتقالا مجازيا، فكان الأصل هو العبور من جسم إلى جسم كمعابر الأنهار وغيرها. المسألة الثانية: في حد الحقيقة والمجاز .

стр. 701

قوله: (الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الإصلاح). يقتضى أن الحقيقة اسم للفظة المستعملة في موضوعها لقوله: ما وضعت له، والتي وضعت إنما في اللفظة، فتكون الحقيقة اسما للفظة المستعملة لا نفس الاستعمال، وهذا يناقضه قوله بعد هذا:) إن الحقيقة نقلت لاستعمال اللفظ في موضوعه الأصلي). فإن مقتضاه أن مسمى الحقيقة هو استعمال في الموضوع، لا اللفظة بوصف الاستعمال، وبينهما فرق يوجب التناقض في المعنى. (سؤال) قوله: (قولنا: أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع به التخاطب ، وقد دخل فيه الحقيقة اللغوية، والحقيقة العرفية، والشرعية) مشكل؛ لأن الاصطلاح المفهوم منه الوضع، وقد تقدم أن الوضع له ثلاثة معان: جعل اللفظ دليلا على المعنى، كتسمية الولد زيدا، ومنه تسمية اللغات

стр. 702

ووضعها، ويقال: الوضع على غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر من غيره، وهذا هو وضع الحقائق الثلاثة الشرعية، كالصلاة للفعل المخصوص، والعرفية العامة كالدابة والجماد، والعرفية الخاصة كالجوهر والعرض عند المتكلمين، ويقال: الوضع على مطلق الاستعمال ولو مرة واحدة في صورة واحدة، وهو قولهم: من شرط المجاز الوضع أي سمع منهم مرة واحدة التجوز لذلك النوع من المجاز، ولم يسموا مطلق الاستعمال وضعا إلا في هذا الموضع. إذا تقرر أن الوضع لفظ مشترك فإن أراد بالاصطلاح الوضع اللغوي الذي هو جعل اللفظ دليلا على المعنى، فهذا لا يندرج فيه الشرعية والعرفية؛ لآن الوضع فيها ليس بهذا التفسير، وإن أراد بالاصطلاح المعاني الثلاثة أو بعضها، فهذا استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه، وهو مختلف فيه، وبتقدير تسليمه، فهو مجاز على التصحيح، ومثل هذا المجاز الخفي يجتنب في الحدود، فاللازم أحد أمرين: إما عدم الاندراج، وإما دخول المجاز الخفي في الحدود، وكلاهما محدود. تنبيه: اشتراطه الاصطلاح في الحقيقة والمجاز يخرج الألفاظ المهملة نحو خنفشار، فإن المهمل لا حقيقة ولا مجاز لفقدان شرطهما، وهو الوضع. وقوله: (لولا العلاقة لم يكن مجازا، بل وضعا مستأنفا). معناه: أن يكون كما يقول العلماء في قول القائل لامرأته: سبحان الله، واسقني الماء، ويريد الطلاق، فإن هذا ليس مجازا لعدم العلاقة، وهو وضع من قائله لهذا المعنى، وبذلك فارق الكناية، لأن الكناية فيها العلاقة، وهذا الباب ليس فيه علاقة، ولهذا لم يقل به الشافعي في الطلاق ونحوه، وقال به مالك. قوله في الجواب عن الاستعارة: (يكون لفظ (الأسد) مستعملا في موضوعه الأصلي).

стр. 703

معناه: أن العرب وضعت لفظ (الأسد) للحقيقي، وهذا أسد متخيل، فيكون غير الموضوع، فيكون اللفظ فيه مجازا. (فائدة) قوله تعالى:﴾ ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١ [. قال العلماء: (الكاف) يجب أن تكون رائدة؛ لأنها لو كانت أصلية لكان معنى الكلام (ليس مثل مثله شيء)، فتكون الآية تقضي أن له مثلا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ لأنك إذا قلت: ليس مثل ابن زيد احد، يكون له ابن، فيتعين أن تكون الكاف زائدة، فيصير معنى الكلام) ليس مثله شيء)، ولا يكون للكاف معنى البتة غير تأكيد نفى المثل عنه ، كما تقدم النقل عن (ابن جني) أنه قال: (كل حرف زيد في كلام العرب فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى)، فيكون معنى هذه الآية: ليس مثله شيء مرتين للتأكيد. وقال الشيخ شرف الدين بن أبي الفضل:) أجعل الكاف أصلية، ولا يلزم محذور، فأقول: نفي المثل له طريقتان: إما بذاته، أو بنفي لازمه، ويلزم من نفى اللازم نفي الملزوم، ومن لوازم المثل أن له مثلا، فإذا نفينا مثل المثل انتفى لازم المثل، فينتفي المثل لنقي لازمه). قلت له: إذا نفيت مطلق المثل الذي هو لازم المثل، ومن جملة أمثال مثل الله - تعالى - الله - فيلزم نفيه، وهو محال. قال: ليس محالا؛ لأن الله - تعالى - على هذا التقدير له اعتباران من حيث ذاته، ومن حيث هو مثل مثله، والثاني أخص من الأول. والقاعدة: انه يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فلا يلزم القضاء بالنفي في حق الله - تعالى - من حيث هو مثل مثله نفيه؛ لأن النفي إنما حصل

стр. 704

للأخص، فيؤول الحال أن النفي إنما حصل للمماثلة، وذلك ليس بمحال، بل واجب. قلت له: القاعدة في القضايا التصديقية أن الحكم فيها يكون على ما صدق عليه العنوان، ونعنى بالعنوان: ما عبر عن المحكوم عليه به، وقد يكون نفس المحكوم عليه، كما إذا قلنا: الإنسان حيوان، وقد يكون جزؤه، كقولنا: الإنسان ناطق، وقد يكون لازمه، كقولنا: الضاحك بالقوة حيوان، وقد يكون عارضا له، كقولنا: الضاحك بالفعل حيوان، وفي جميع هذه المثل إنما حكمنا على ماصدق عليه أنه ضاحك هو المحكوم عليه بأنه حيوان لا نفس الضاحك، وكذلك جميع القضايا التصديقية. إذا تقررت هذه القاعدة؛ فيظهر حينئذ إذا حكمنا بالنفي على جميع أمثال المثل، فقد حكمنا على ما صدق عليه أنه مثل المثل، لا على المماثلة، كما قال: فيلزم القضاء بالنفي على ذات واجب الوجوب، وهو محال، فما أفضى إليه يكون باطلا، وذلك إنما نشأ عن كون (الكاف) ليست بزائدة، فتعين ما قاله العلماء أنها زائدة. (تنبيه) المجاز بالزيادة والنقصان مشكل ؛ لأن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وجميع الألفاظ المذكورة في الآيتين مستعملة في ما وضعت له، والقرية في القرية، والسؤال في السؤال، وكذلك الآية الأخرى، فلم يبق إلا المحذوف وهو الأهل، والمحذوف مسكوت عنه لم يستعمل، وما لا يستعمل لا يكون حقيقة ولا مجازا، وكذلك الكاف الزائدة ليست مستعملة في شيء، وكل زائد من هذا النوع ليس مستعملا في شيء لا مجازا ولا حقيقة، فلا مجاز البتة. واتفق العلماء على انه مجاز فتأمل ذلك، فيتعين أن يكون من مجاز

стр. 705

التركيب لا من مجاز الإفراد؛ لأن لا من مجاز الإفراد؛ لأن العرب وضعت السؤال ليركب لفظه مع لفظ من يصلح للإجابة، فحيث ركبته مع ما لا يصلح للإجابة عدلت عن التركيب الأصلي إلى تركيب آخر غير الأصلي، ولا نعني بالمجاز في التركيب إلا هذا القدر، وهو استعمال المركب على خلاف التركيب الأصلي، فمتى رأيت لفظة وضعت لتركيب مع لفظة فركبت مع غيرها، فهو مجاز في التركيب، نحو: أكلت الماء، وشربت العلم، ودخلت في الفضيلة، وخرجت من الشبه، ونحو ذلك، وكذلك الكلمات الزوائد كلها من الأفعال، والحروف وضعت لتركب مع ما ينتظم معناها مع معناه، فإذا ركبت مع مالا ينتظم معناها مع معناه كانت زائدة. (فالكاف) وضعت لتركب مع المشبه به، فإذا ركبت) لا) معه، كان مجازا في التركيب، و (لا) في قوله تعالى:﴾ لا أقسم بهذا البل﴾ [البلد:١ [إذا جعلناها زائدة، وضعت لتركب مع منفى، وهاهنا ركبت (لا) مع منفى، فهي مجاز في التركيب. وكذلك سائر الزوائد. (تنبيه) ليس كل مضاف محذوف يوجب مجازا في التركيب ؛ فإنك إذ قدرت في قوله تعالى:﴾ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢ [وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون لينتظم المعنى، فإن الرزق لا يكون تكذيبا، وأما كونهم يجعلون الشكر تكذيبا، فيحسن ذكر ذلك لأمثالهم كما تقول: فلان يشكر الله بمعاصيه على سبيل التهكم، والإنكار عليه، فكذلك قدرة العلماء، ولا ينتظم المعنى إلا به، فهذا المضاف المحذوف لا يوجب مجازا؛ لأن العرب وضعت الجعل تركبه مع الرزق، فكان النطق به نطقا بالوضع، بخلاف السؤال مع القرية، وكذلك ما قدروه في قوله تعالى:﴾ لتسألن عن النعيم﴾ [التكاثر: ٨ [، وقالوا: عن شكر النعيم، ونظائره في
следующие страницы →