Полный текст (4 032 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
قوله: (الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الإصلاح).
يقتضى أن الحقيقة اسم للفظة المستعملة في موضوعها لقوله: ما وضعت له، والتي وضعت إنما في اللفظة، فتكون الحقيقة اسما للفظة المستعملة لا نفس الاستعمال، وهذا يناقضه قوله بعد هذا:) إن الحقيقة نقلت لاستعمال اللفظ في موضوعه الأصلي).
فإن مقتضاه أن مسمى الحقيقة هو استعمال في الموضوع، لا اللفظة بوصف الاستعمال، وبينهما فرق يوجب التناقض في المعنى.
(سؤال)
قوله: (قولنا: أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع به التخاطب ، وقد دخل فيه الحقيقة اللغوية، والحقيقة العرفية، والشرعية) مشكل؛ لأن الاصطلاح المفهوم منه الوضع، وقد تقدم أن الوضع له ثلاثة معان:
جعل اللفظ دليلا على المعنى، كتسمية الولد زيدا، ومنه تسمية اللغات
стр. 702
ووضعها، ويقال: الوضع على غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر من غيره، وهذا هو وضع الحقائق الثلاثة الشرعية، كالصلاة للفعل المخصوص، والعرفية العامة كالدابة والجماد، والعرفية الخاصة كالجوهر والعرض عند المتكلمين، ويقال: الوضع على مطلق الاستعمال ولو مرة واحدة في صورة واحدة، وهو قولهم: من شرط المجاز الوضع أي سمع منهم مرة واحدة التجوز لذلك النوع من المجاز، ولم يسموا مطلق الاستعمال وضعا إلا في هذا الموضع.
إذا تقرر أن الوضع لفظ مشترك فإن أراد بالاصطلاح الوضع اللغوي الذي هو جعل اللفظ دليلا على المعنى، فهذا لا يندرج فيه الشرعية والعرفية؛ لآن الوضع فيها ليس بهذا التفسير، وإن أراد بالاصطلاح المعاني الثلاثة أو بعضها، فهذا استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه، وهو مختلف فيه، وبتقدير تسليمه، فهو مجاز على التصحيح، ومثل هذا المجاز الخفي يجتنب في الحدود، فاللازم أحد أمرين: إما عدم الاندراج، وإما دخول المجاز الخفي في الحدود، وكلاهما محدود.
تنبيه:
اشتراطه الاصطلاح في الحقيقة والمجاز يخرج الألفاظ المهملة نحو خنفشار، فإن المهمل لا حقيقة ولا مجاز لفقدان شرطهما، وهو الوضع.
وقوله: (لولا العلاقة لم يكن مجازا، بل وضعا مستأنفا).
معناه: أن يكون كما يقول العلماء في قول القائل لامرأته: سبحان الله، واسقني الماء، ويريد الطلاق، فإن هذا ليس مجازا لعدم العلاقة، وهو وضع من قائله لهذا المعنى، وبذلك فارق الكناية، لأن الكناية فيها العلاقة، وهذا الباب ليس فيه علاقة، ولهذا لم يقل به الشافعي في الطلاق ونحوه، وقال به مالك.
قوله في الجواب عن الاستعارة: (يكون لفظ (الأسد) مستعملا في موضوعه الأصلي).
стр. 703
معناه: أن العرب وضعت لفظ (الأسد) للحقيقي، وهذا أسد متخيل، فيكون غير الموضوع، فيكون اللفظ فيه مجازا.
(فائدة)
قوله تعالى:﴾ ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١ [.
قال العلماء: (الكاف) يجب أن تكون رائدة؛ لأنها لو كانت أصلية لكان معنى الكلام (ليس مثل مثله شيء)، فتكون الآية تقضي أن له مثلا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ لأنك إذا قلت: ليس مثل ابن زيد احد، يكون له ابن، فيتعين أن تكون الكاف زائدة، فيصير معنى الكلام) ليس مثله شيء)، ولا يكون للكاف معنى البتة غير تأكيد نفى المثل عنه ، كما تقدم النقل عن (ابن جني) أنه قال:
(كل حرف زيد في كلام العرب فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى)، فيكون معنى هذه الآية: ليس مثله شيء مرتين للتأكيد.
وقال الشيخ شرف الدين بن أبي الفضل:) أجعل الكاف أصلية، ولا يلزم محذور، فأقول: نفي المثل له طريقتان: إما بذاته، أو بنفي لازمه، ويلزم من نفى اللازم نفي الملزوم، ومن لوازم المثل أن له مثلا، فإذا نفينا مثل المثل انتفى لازم المثل، فينتفي المثل لنقي لازمه).
قلت له: إذا نفيت مطلق المثل الذي هو لازم المثل، ومن جملة أمثال مثل الله - تعالى - الله - فيلزم نفيه، وهو محال. قال: ليس محالا؛ لأن الله - تعالى - على هذا التقدير له اعتباران من حيث ذاته، ومن حيث هو مثل مثله، والثاني أخص من الأول.
والقاعدة: انه يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فلا يلزم القضاء بالنفي في حق الله - تعالى - من حيث هو مثل مثله نفيه؛ لأن النفي إنما حصل
стр. 704
للأخص، فيؤول الحال أن النفي إنما حصل للمماثلة، وذلك ليس بمحال، بل واجب.
قلت له: القاعدة في القضايا التصديقية أن الحكم فيها يكون على ما صدق عليه العنوان، ونعنى بالعنوان: ما عبر عن المحكوم عليه به، وقد يكون نفس المحكوم عليه، كما إذا قلنا: الإنسان حيوان، وقد يكون جزؤه، كقولنا: الإنسان ناطق، وقد يكون لازمه، كقولنا: الضاحك بالقوة حيوان، وقد يكون عارضا له، كقولنا: الضاحك بالفعل حيوان، وفي جميع هذه المثل إنما حكمنا على ماصدق عليه أنه ضاحك هو المحكوم عليه بأنه حيوان لا نفس الضاحك، وكذلك جميع القضايا التصديقية.
إذا تقررت هذه القاعدة؛ فيظهر حينئذ إذا حكمنا بالنفي على جميع أمثال المثل، فقد حكمنا على ما صدق عليه أنه مثل المثل، لا على المماثلة، كما قال: فيلزم القضاء بالنفي على ذات واجب الوجوب، وهو محال، فما أفضى إليه يكون باطلا، وذلك إنما نشأ عن كون (الكاف) ليست بزائدة، فتعين ما قاله العلماء أنها زائدة.
(تنبيه)
المجاز بالزيادة والنقصان مشكل ؛ لأن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وجميع الألفاظ المذكورة في الآيتين مستعملة في ما وضعت له، والقرية في القرية، والسؤال في السؤال، وكذلك الآية الأخرى، فلم يبق إلا المحذوف وهو الأهل، والمحذوف مسكوت عنه لم يستعمل، وما لا يستعمل لا يكون حقيقة ولا مجازا، وكذلك الكاف الزائدة ليست مستعملة في شيء، وكل زائد من هذا النوع ليس مستعملا في شيء لا مجازا ولا حقيقة، فلا مجاز البتة.
واتفق العلماء على انه مجاز فتأمل ذلك، فيتعين أن يكون من مجاز
стр. 705
التركيب لا من مجاز الإفراد؛ لأن لا من مجاز الإفراد؛ لأن العرب وضعت السؤال ليركب لفظه مع لفظ من يصلح للإجابة، فحيث ركبته مع ما لا يصلح للإجابة عدلت عن التركيب الأصلي إلى تركيب آخر غير الأصلي، ولا نعني بالمجاز في التركيب إلا هذا القدر، وهو استعمال المركب على خلاف التركيب الأصلي، فمتى رأيت لفظة وضعت لتركيب مع لفظة فركبت مع غيرها، فهو مجاز في التركيب، نحو: أكلت الماء، وشربت العلم، ودخلت في الفضيلة، وخرجت من الشبه، ونحو ذلك، وكذلك الكلمات الزوائد كلها من الأفعال، والحروف وضعت لتركب مع ما ينتظم معناها مع معناه، فإذا ركبت مع مالا ينتظم معناها مع معناه كانت زائدة.
(فالكاف) وضعت لتركب مع المشبه به، فإذا ركبت) لا) معه، كان مجازا في التركيب، و (لا) في قوله تعالى:﴾ لا أقسم بهذا البل﴾ [البلد:١ [إذا جعلناها زائدة، وضعت لتركب مع منفى، وهاهنا ركبت (لا) مع منفى، فهي مجاز في التركيب.
وكذلك سائر الزوائد.
(تنبيه)
ليس كل مضاف محذوف يوجب مجازا في التركيب ؛ فإنك إذ قدرت في قوله تعالى:﴾ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢ [وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون لينتظم المعنى، فإن الرزق لا يكون تكذيبا، وأما كونهم يجعلون الشكر تكذيبا، فيحسن ذكر ذلك لأمثالهم كما تقول: فلان يشكر الله بمعاصيه على سبيل التهكم، والإنكار عليه، فكذلك قدرة العلماء، ولا ينتظم المعنى إلا به، فهذا المضاف المحذوف لا يوجب مجازا؛ لأن العرب وضعت الجعل تركبه مع الرزق، فكان النطق به نطقا بالوضع، بخلاف السؤال مع القرية، وكذلك ما قدروه في قوله تعالى:﴾ لتسألن عن النعيم﴾ [التكاثر: ٨ [، وقالوا: عن شكر النعيم، ونظائره في
стр. 706
القرآن كثيرة، وإنما يكون مجازا في التركيب إذا ركبت اللفظة مع ما لا يصلح له في أصل الوضع، والزوائد من الأفعال مثل) كان (في مثل قول الشاعر] الوافر [:
سراة بني أبي بكر تساموا ... على كان المسومة العراب
تقديره على المسومة، و (كان (زائدة، ونظائره في القرآن وغيره كثيرة، كما في قوله تعالى:﴾ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ [سورة ق: ٣٧ [، أي: لمن له قلب، وكان زائدة على أحد الوجوه.
قوله: (والنقل نحو: رأيت أسدا).
استعمل هاهنا في المعنى اللغوي دون الاصطلاحي على سبيل المجاز؛ لأن النقل لغة: هو التحويل، وكأن اللفظ حول من وضعه الأول إلى الرجل الشجاع مجازا، فإن اللفظ لا ينفي زمنين حتى يقبل التحويل.
وأما النقل في الاصطلاح: وهو غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه من غيره، فلم يوجد الأسد، فظهر أن مراده النقل اللغوي.
قوله:) لا يجوز جعل الزيادة والنقصان قسمين قبالة النقل (.
стр. 707
معناه: أن المقسم أبدا لا يجعل قسما مع جملة أقسامه، فلا يقول: العدد إما زوج أو فرد أو عدد، والحيوان إما ناطق أو أعجمي أو حيوان، فيأتي بالمقسم مع جملة الأقسام؛ لأن شأن الأقسام أن يكون بينهما تعاند، وتضاد، كما رأيت في الزوج، والفرد، فإذا جعل المقسم أحدها صار بينه وبينها تضاد، مع انه جزؤها، والشيء لا يضاد جزءه، وجنسه، وهو معنى قولهم: القسم لا يكون قسما؛ لأن الفرد قسم من العدد، وقد صار قسما له؛ لأنه جعل أحد الأقسام، وكل قسم منها يسمى قسما لصاحبه.
قوله:﴾ واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢ [موضوع لسؤال القرية فيه بحث دقيق، وهو أن المضاف المحذوف هل سبب التجوز، أو محل التجوز.
وبيانه: أن الإمام يلاحظ قاعدة، وهي أن العرب شأن لغتها أن يكون المنصوب بالفعل هو المفعول، فيكون هذا اللفظ في هذه المادة موضوعا لسؤال القرية، فتقدير مضاف محذوف، يكون سبب التجوز، وصيرورة اللفظ مجازا وغيره من أرباب علم البيان، يقول: لفظ السؤال وضع ليركب مع من يصلح للإجابة، فإذا ركب مع غيره صار مجازا، فيكون المضاف المحذوف هو محل التجوز، أي: المتجوز عنه لا سبب المجاز، وينبني على الطريقتين أن المضافات المحذوفات كلها التي يثبت أنها لا توجب مجازا نحو:﴾ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢ [، ونحوه: هل تكون مجازات أم لا؟
فعلى طريقة تكون كلها مجازات؛ لآن الذي باشره العامل عدل عنه إلى غيره.
وعلى الطريق الأخرى لا يوجب مجازا في التركيب، كما تقدم بيانه، فتأمل هذه المواضع؛ فإنها نادرة الوقوع في كتب العلماء وقل من يقف عليها.
قوله: (وكذلك الزيادة إذا لم تغير إعراباً).
стр. 708
مثاله: قوله تعالى:﴾ فبما نقضهم ميثاقهم﴾ [المائدة:١٣ [. فإن الباء خافضة لـ) نقضهم (أثبتت بها أم لا، بخلاف:﴾ وكفى بالله شهيدا﴾ [النساء:٧٩ [، فإن الإعراب تغير بزيادة الباء.
وقوله: (أن المجاز لا يكون بالزيادة والنقصان حتى تغير الإعراب).
] ممنوع في جميع الصور [، أما في العطف فمسلم، فإن جاءني زيد وعمرو حقيقة لغوية، وأما في مثل هذه الزيادة في قوله تعالى:﴾ فبما نقضهم ميثاقهم﴾ [المائدة: ١٣ [، فممنوع على طريق أرباب علم البيان المتقدم من أن العرب وضعت (ما) لتركبها مع صلتها أو صفتها أو جزئها إن كانت مبتدأة فحيث ركبتها لا مع ذلك عريت عن جمعيه يكون مجازا في التركيب للعدول عن الوضع الأصلي إلى غيره، كما تقدم بيانه، فحينئذ لا يشترط في مجاز التركيب تغير المعنى والتركيب معا، بل قد يكون، وقد لا يكون، كما تقدم في المثل السابقة.
قوله: (إذا استعملت لفظة (الدابة (في الدودة والنملة فقد أفيد بها ما وضعت له لغة مع أنها مجاز عرفي (.
قلنا: اجتمع فيها الاعتباران، فهي من وجه حقيقة، ومن وجه مجاز، وقلنا:) ما وضعت له (، يخرج ذلك من الاعتبار المجازى، فإنها من ذلك الوجه لم تفد ما وضعت له، ونظيره قوله في دلالة التضمن: من حيث هو جزؤه، وغيره اكتفى بقرينة الجزئية، كما تقدم بيانه وكذلك قوله في الإيراد على حد المجاز؛ لأن قوله:) غير ما وضع له (يخرج الحقيقة العرفية؛ لأنها من جهة الحقيقة العرفية موضوعة.
قوله: "لفظ السماء في الأرض ليس مجازا فيها".
يريد لعدم العلاقة، وهي شرط في المجاز، ويشكل عليه بما نقله من
стр. 709
علاقات المجاز، فجعل منها إطلاق أحد الضدين على الآخر كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠] والسماء ضد الأرض؛ لأن السماء من العلو، فكل ما علا فهو سماء، حتى سقف البيت، ومنه قوله تعالى:﴾ فليمدد بسبب إلى السماء﴾ [الحج: ١٥ [.
قال المفسرون: يمدد بحبل إلى سقف بيته، والسحاب سماء، والأرض من التسافل.
ومنه قول العرب: فلان شديد الأرض أي: شديد التسافل والدناءة من الأخلاق، فالسماء ضد الأرض، لآن العلو ضد التسافل، فكان إطلاق لفظ أحدهما على الآخر جزءا مجازا، أو لأن السماء محيطة بالأرض، فيكون من باب إطلاق لفظ السبب المادي على المسبب، كتسمية الماء بالوادي في قولهم: سال الوادي، أو لأنها تقابلها فبينهما ملازمة عادية، والملازمة علاقة في المجاز كالتعبير عن الإحسان بالرحمة.
قوله: (ينتقض بالأعلام المنقولة).
قوله: بعض الأعلام قد تنقل، ويسمى بها لعلاقة، كتسمية ولد بـ (رمضان)؛ لأنه ولد في رمضان، أو مكي لأنه ولد ب (مكة)، أو حنظلة؛ لأنه ولد في سنة جدبة، أو حرب لأنه ولد في وقت حرب، وهو كثير قصدته العرب وأهل العرف، وتلك المقاصد منقولة عنهم، وقد يكون النقل لا لعلاقة كمن سمى جعفر مع عدم العلاقة؛ لأن الجعفر: النهر الصغير، فالصحيح أنه ينتقض ببعض الأعلام لا بكلها.
стр. 710
(سؤال)
قال التبريزي: حد للمجاز في قوله: أفيد به معنى مصطلحا عليه غير ما اصطلح عليه أولا - ينتقض بالمشترك إذا وضع لأحد المعنيين قبل الآخر.
قال: بل يقال: هو اللفظ المطلق على غير ما وضع له في الوضع الذي به التخاطب استعارة عن محل الوضع؛ فإنه لولا ملاحظة محل الحقيقة في إطلاق الاسم لدخل فيه الوضع الجديد، والاسم العرفي.
قلت: وأهمل ذكر العلاقة، وهي شرطه، فإنه لا يلزم من ملاحظة الأصل حصول العلاقة بينهما.
قال: والحقيقة: اللفظ المطلق على الموضوع له في الوضع الذي به التخاطب.
قال: وهو معنى ما ذكره أبو الحسين قال: إلا أن هذه العبارة أبلغ، وتشمل الحقيقة الشرعية والعرفية.
مسألة سادسة: في لفظي الحقيقة والمجاز .
قوله: الحق هو الثابت، ثم نقل إلى العقد المطابق؛ لأنه أولى بالوجود من العقد غير المطابق، ثم نقل للقول المطابق لعين هذه العلة، ثم نقل لاستعمال اللفظ في موضوعه؛ لأن الاستعمال تحقيق لذلك الوضع؛ فهو مجاز في الرتبة الثالثة بحسب العلة الأصلية.
قال قبل هذا في أول الباب: (والحق يذكر قبالة الباطل).
فدل على انه نقيضه، وعلى قول المصنف يلزم أن يكون لفظ الحق مرادفا للفظ الموجود؛ لأن الباطل هو المعدوم.
стр. 711
وكذلك صرح به "التبريزي" فقال: الحق في اللغة الموجود.
وقال سيف الدين الآمدي: هو الثابت اللازم؛ لأنه يذكر قبالة الباطل.
قال صاحب (المجمل) في اللغة وهو (ابن فارس): (الحق نقيض الباطل، حق الشيء إذا وجب، وحاق الرجل الرجل إذا خاصمه، وادعى كل واحد منهما الحق، وأحق الحق إذا أثبته، ومنه قوله تعالى:﴾ ويحق الحق﴾ [يونس: ٨٢ [- بضم الياء- وفلان حامي الحقيقة إذا حمى ما يحق عليه أن يحميه، وحق لك أن تفعل كذا، وحققت الأمر وأحققته إذا تيقنته.
قال الزبيدي في (مختصر العين): حق الشيء يحق- بكسر الحاء وضمها- وهذه حقيقتي أي حقي، والحقيقة ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه.
قال (التبريزي): (الحق الموجود والحقيقة فعليه منه، ثم جعلت عبارة عن الذات والماهية، تقول: ذات الجوهر وحقيقته وماهيته، ثم نقل عن المسمى الدال على نفس المسمى وحقيقته تمييزا له عنه إذا دل على غير المسمى الحقيقي).
والمجاز مفعل من الجواز الذي هو العبور حقيقته، فاستعير للأمر الذي يشابه الحق من بعض الوجوه، فقيل: ملك الله حق، وملك الآدمي مجاز، وحياة الآخرة حق، وحياة الدنيا مجاز، بمعنى أنه باطل معدوم، أو يؤول لذلك من حيث إن القانع بالشبه جاوز الحقيقة إليه، ثم نقل اللفظ المستعمل فيه، فإذا هما مجازان واقعان في الرتبة الثالثة، فظهر من مجموع هذه النقول أن لفظ الحق مرادف للموجود والشيء عندنا؛ لآن لفظ الشيء عندنا
стр. 712
يختص بالموجود، والمعتزلة يجعلونه اسما للمعلوم الشامل للمعدوم والموجود، وعندنا على هذا التقدير تترادف هذه الثلاثة الألفاظ، وإذا كان الحق اسما للموجود ترد سبعة أسئلة.
الأول: أن قوله: نقل الاعتقاد؛ لأنه أولى بالوجود من العقد غير المطابق فكونه أولى بالوجود الذي هو الثبوت كما قال، يقتضي أن اللفظ مشكل، واللفظ المشكل لا يكون مجازا في الأكثر منهما، بل ذلك يقتضي كونه حقيقة فيه، فتعليله المجاز يفضى إلى إبطاله، كما أن لفظ النور مشكل، وإطلاق لفظة الشمس الذي هو أقوى من السراج، لا يقتضي أن لفظ النور مجاز فيه، فكذلك هاهنا، بل يكون حقيقة في الجميع، وكذلك يتجه السؤال في القول المطابق.
الثاني: قوله: (نقل لاستعمال اللفظ في موضوعه الأصلي؛ لأن الاستعمال فيه تحقيق لذلك الوضع).
يرد عليه أن الاستعمال أعم من كونه مع الوضع بدليل المجاز، والأعم من الشيء لا يدل على الحقيقة لعدم استلزامه إياه.
جوابه: أن اللفظ متى أستعمل في غير موضعه كان لعلاقة، فحيث لا علاقة في الموضوع فلم يكن الاستعمال على هذه الوجه أعم من الاستعمال في غير الموضوع، وهذه الاستعمال هو مراد المصنف.
الثالث: أن الوضع ليس وجوديا، بل نسبة يجعلها الواضع بين اللفظ والمعنى، والنسب لا وجود لها في الأعيان بل هي عدمية، والحق هو الوجود أو الموجود، وعلى كل تقدير لا يكون التحقيق، ولا الحق موجودا في الوضع إلا مجازا، وكلامه يشعر أن العلاقة فيهما واحدة، وكذلك قال في الثاني لعين هذه العلة ثم استطرد الثالث٠
الرابع: على قوله: إنه مجاز في الرتبة الثالثة ولعله في الرتبة الأولى أو
стр. 713
في الثانية، وما الدليل على أن التجوز أولا وقع الاعتقاد، ثم إلى اللفظ المصدق، ثم إلى ما ذكرناه؟
ولو قال قائل: هذه مجازات لا يترتب بعضها على بعض، بل كل مجاز على حدة عسر الرد عليه.
الخامس: أن الذي تقتضيه النقول المتقدمة أن يكون إطلاق لفظ الحقيقة على الاعتقاد، واللفظ الصدق والاستعمال حقيقة لغوية، لأن الجميع موجود كما يقال: الجميع شيء وموجود حقيقة إجماعا، وان يصدق الحق على الاعتقاد الباطل واللفظ الكذب، والاستعمال المجازي أيضا التي هي مقابلات تلك الثلاثة؛ لأنها موجودة، فالكفر موجود، والكذب موجود، والمجاز موجود بالضرورة، فإذا كانت الألفاظ الثلاثة مترادفة، واثنان منها حقيقة في الستة، كان الثالث الذي هو الحق كذلك، وهذا ضروري، بل الذي يتلخص في هذه الأمور الثلاثة من المجاز مجاز واحد، وهو التعبير بلفظ الأعم عن الأخص من باب تخصيص بعض مسميات العام بلفظ العام، كتخصيص لفظ الدابة بالحمار، أو الفرس، فإن الوجود قدر مشترك بينهما، فتخصيص بعضها في العرف للفظ دون بعض لا يكون إلا على هذا التجوز، وهو ظاهر جدا، فيكون المجاز واحدا في الجميع، والعلاقة واحدة في الجميع، وهى مابين الخاص والعام من الملابسة، فإن الخاص عارض للعام، فعبر بلفظ العام عنه، وهذا هو الذي يظهر في هذا الموضع، وما عداه لا يقاس على تلك النقول ألبتة.
السادس: أن قوله: (في الرتبة الثالثة) يظهر أنه أراد في الرتبة الثالثة من المجاز، فإن المجاز الأول الاعتقاد المطابق، ثم اللفظ الصدق، ثم الاستعمال، وإذا لاحظت قول التبريزي لم يكن ما قاله في الثالثة؛ بل في الرابعة، فإن اللفظ نقل عن الموجود لنفس الموجود، فيقولون: ذات السواد، ويريدون ذاته لا وجوده للاعتقاد، ثم اللفظ الصدق، ثم الاستعمال، فيصير أربع مراتب في نفس المجاز.
стр. 714
السابع على قول التبريزى:
ثم نقل عن المسمى للاسم الدال على نفس المسمى حقيقة مع أنه قد قال: إن الحق هو الوجود، والاسم موجود، فينبغي أن يكون اللفظ في حقيقة في الاسم لما تقدم، لأنه موجود إلا أن يقول: هذا تخصيص اللفظ العام ببعض موارده.
قوله: (المجاز مفعل).
وهو حقيقة في المصدر أو الوضع ينبئ عليه الزمان، فإن النحاة قالوا: مفعل للثلاثة تقول: هذا الشهر محصد الزرع وتريد الزمان، وهذه الأرض كانت محصد الزرع وتريد المكان، وأعجبني محصدك أي: حصادك إذا أردت المصدر، وتقول: مررت بمقتله ومصابه أي: بقتله وإصابته.
قوله: (فإطلاقه على اللفظ المتنقل مجاز).
يعنى: أن اللفظ جائز من محل الوضع لموضع التجوز فهو اسم فاعل، ولم يوضع مفعل لاسم الفاعل.
قوله: (أما إذا كان مأخوذا من الجواز كان حقيقة).
لأن الجواز كما يمكن حصوله في الأجسام يمكن حصوله في الأعراض، فاللفظ يكون موضعا لذلك الجواز، لأنه موضع لجواز أن يستعمل في غير معناه الأصلي، فيكون حقيقة في هذين الوجهين.
(سؤال)
قوله: (هذين الوجهين) ولم تتقدم الأوجه مشكل ، وقد كشفت عدة نسخ فوجدتها بلفظ التثنية، وقد يكون ذلك سهوا من النساخ.
стр. 715
(سؤال)
قوله: (فيكون حقيقة، لأن الجواز كما في الأجسام يمكن حصوله في الأعراض) .
يقتضى أن اللفظ متى كان في أمر عام يكون حقيقة في جميع أنواعه وأفراده، وهو حق غير أنه قد خالف هذه القاعدة في الحقيقة، حيث أخذها من الحق الذي هو الموجود، وهو أمر عام في تلك الموارد، ولم يجعلها حقيقة في الجميع، وكلامه هاهنا إيراد تلك الأسئلة عليه.
ويلزمه سؤال آخر أنه يلزم من كونه مأخوذا من الجوار الذي هو مشترك بين الأعراض والأجسام أن يكون حقيقة، لأن إطلاقه ها هنا ليس باعتبار ذلك القدر العام، بل باعتبار خصوصه، فيكون من باب تخصيص اللفظ العام ببعض موارده كالدابة فيكون مجازا.
وقوله: (موضع)، أي: مكان جواز التجوز، لأن كل أخص فهو محل لأعمه، وليس اللفظ محلا لهذا الجواز فقط بل لأنواع كثيرة من الجواز لا ينضبط عددها، فيجوز في اللفظ أن يوجد وأن يعدم، وأن يوضع لكل مسمى في العالم، وأن ينطق به كل مصوت في العالم، وهذا باب متسع جدا.
***
стр. 716
القسم الأول
في أحكام الحقيقة وفيه مسائل
المسألة الأولى: في إثبات الحقيقة اللغوية:
والدليل عليه: أن ها هنا ألفاظا وضعت لمعان، ولا شك أنها قد استعملت بعد وضعها فيها، ولا معنى الحقيقة إلا ذلك.
واحتج الجمهور عليه بأن اللفظ: إن استعمل في موضوعه الأصلي فهو الحقيقة، وإن استعمل في غير موضوعه الأصلي، كان مجازا، لكن المجاز الحقيقة، وإن استعمل في غير موضوعه الأصلي، كان مجازا، لكن المجاز فرع الحقيقة، ومتى وجد الفرع، وجد الأصل، فالحقيقة موجودة، لا محالة، وهذا ضعيف، لأن المجاز لا يستدعى إلا مجرد كونه موضوعا قبل ذلك لمعنى آخر، وستعرف أن اللفظ في الوضع الأول لا يكون حقيقة ولا مجازا، فالمجاز غير متوقف على الحقيقة.
المسألة الثانية: في الحقيقة المعرفية:
اللفظة المعرفية هي: التي انتقلت عن مسماها إلى غيره، بعرف الاستعمال، ثم ذلك العرف قد يكون عاما، وقد يكون خاصا، ولا شك في إمكان القسمين، إنما النزاع في الوقوع فتقول:
أما القسم الأول، فالحق أن تصرفات أهل العرف منحصرة في أمرين:
أحدهما: أن يشتهر المجاز، بحيث يستنكر معه استعمال الحقيقة، ثم للمجاز جهات، كما سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى:
стр. 717
منها: حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كإضافتهم الحرمة إلى الخمر، وهى في الحقيقة مضافة إلى الشرب.
ومنها: تسميتهم الشيء باسم شبيهه، كتسميتهم حكاية كلام زيد، بأنه كلام زيد.
ومنها: تسمينهم الشيء باسم ما له به تعلق، كتسميتهم المزادة بالرواية التي هي اسم الجمل الذي يحملها.
وثانيهما: تخصيص الاسم ببعض مسمياته، كالدابة، فإنها مشتقة من الدبيب، ثم إنها اختصت ببعض البهائم، والملك: مأخوذ من الألوكة وهى الرسالة، ثم اختص ببعض الرسل، والجن: مأخوذ من الاجتنان، ثم اختص ببعض من يستتر عن العيون، وكذا القارورة والخابية: موضوعتان لما يستقر فيه الشيء وتخبأ فيه، ثم خصصا بشيء معين.
فالتصرف الواقع على هذين الوجهين هو الذي ثبت أهل العرف، فأما على غير هذين الوجهين، فلم يثبت عنهم، فلا يجوز إثباته.
والذي يدل على وجود هذا القدر من التصرف أن علامات الحقيقة كما سنذكرها حاصلة في الألفاظ عرفا، فوجب كونها حقيقة فيه.
وأما القسم الثاني، وهو التعرف الخاص فهو ما لكل طائفة من العلماء من الاصطلاحات التي تخصهم، كالنقض والكسر والقلب والجمع والفرق- للفقهاء.
стр. 718
والجوهر والعرض والكون- للمتكلمين.
والرفع والنصب والجر- للنحاة ولاشك في وقوعه.
المسألة الثالثة: في الحقيقة الشرعية:
وهى: اللفظة التي استفيد من الشرع وضعها للمعنى، سواء كان المعنى واللفظ مجهولين عند أهل اللغة أو كانا معلومين، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، أو كان أحدهما مجهولا، والآخر معلوما، واتفق على إمكانه، واختلفوا في وقوعه.
فالقاضي أبو بكر منع منه مطلقا، والمعتزلة أثبتوه مطلقا، وزعموا أنها منقسمة إلى أسماء أجريت على الأفعال، وهى: الصلاة، والزكاة، والصوم، وغيرها.
وإلى أسماء أجريت على الفاعلين، كالمؤمن، والفاسق، والكافر، وهذا الضرب يسمى: بالأسماء الدينية، تفرقة بينها وبين ما أجريت على الأفعال، وإن كان الكل على السواء في أنه اسم شرعي.
والمختار أن إطلاق هذه الألفاظ على هذه المعاني على سبيل المجاز - من الحقائق اللغوية.
لنا: أن إفادة هذه الألفاظ لهذه المعاني، لو لم تكن لغوية، لما كان القرآن كله عربيا وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
أما الملازمة، فلأن هذه الألفاظ مذكورة في القرآن، فلو لم تكن إفادتها لهذه المعاني عربية، لزم ألا يكون القرآن كله عربياً.
стр. 719
وأما فساد اللازم فلقوله تعالى:﴾ قرآنا عربيا ﴿[يوسف: ٢]، وقوله تعالى:﴾ وما أرسلنا من رسول، إلا بلسان قومه ﴿[إبراهيم: ٤].
فإن قيل: هذا الدليل فاسد الوضع، لأنه يقتضى أن تكون هذه الألفاظ مستعملة في عين ما كان العرب يستعملونها فيه، وبالاتفاق ليس كذلك.
فإن الصلاة لا يراد بها في الشرع نفس الدعاء، أو المتابعة فقط، فإذن ما يقتضيه هذا الدليل لا تقولون به، وما تقولون به لا يقتضيه هذا الدليل، فكان فاسدا.
سلمنا أنه ليس فاسد الوضع، لكن الملازمة ممنوعة:
بيانه: أن إفادة هذه الألفاظ لهذه المعاني، وإن لم تكن عربية، لكنها في الجملة ألفظ عربية، فإنهم كانوا يتكلمون بها في الجملة، وإن كانوا يعنون بها غير هذه المعاني، وإذا كان كذلك كانت هذه الألفاظ عربية.
سلمنا أنها، إذا استعملت في غير معانيها العربية، لا تكون عربية، لكن لم يلزم ألا يكون القرآن عربيا؟.
بيانه: أن هذه الألفاظ قليلة جدا، فلا يلزم خروج القرآن بسببها عن كونه عربيا، فأن الثور الأسود لا يمتنع إطلاق اسم الأسود عليه، لوجود شعرات بيض في جلده، والشعر الفارسي يسمى فارسيا، وإن وجدت فيه كلمات كثيرة عربية.
سلمنا ذلك، لكن لا يجوز خروج القرآن عن كونه عربيا؟!
стр. 720
وأما الآيات، فهي لا تدل على أن القرآن بكليته عربي، لأن القرآن يقال بالاشتراك على مجموعة، وعلى كل بعض منه لأربعة أوجه:
أحدها: لو حلف ألا يقرأ القرآن، فقرأ آية، حنث في يمينه، ولولا أن الآية الواحدة مسماة بالقرآن، وإلا لما حنث.
الثاني: أن الدليل يقتضى أن يسمى كل ما يقرأ قرآنا، لأنه مأخوذ من القرأة أو القرء، وهو الجمع، خالفناه فيما عدا هذا الكتاب، فنتمسك به في الكتاب بمجموعه وأجزائه.
الثالث: أنه يصح أن يقال: هذا كل القرآن، وهذا بعض القرآن، ولو لم يكن القرآن إلا اسما للكل، لكان الأول تكرارا، والثاني نقضا.
الرابع: قوله تعالى في سورة يوسف:﴾ إنا أنزلنه قرآنا عربيا ﴿[يوسف: ٢] والمراد منه تلك السورة.
فثبت أن بعض القرآن قرآن، وإذا ثبت هذا لم يلزم من كون القرآن عربيا كونه بالكلية كذلك.
سلمنا أن ما ذكرتم من الدليل يقتضى كون القرآن بالكلية عربيا، لكنه معارض بما يدل على أنه ليس بالكلية عربيا، فإن الحروف المذكورة في أوائل السور ليست عربية، والمشكاة من لغة الحبشة، والإستبراق والسجيل فارسيتان معربتان، والقسطاس من لغة الروم.
سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على مذهبكم، لكنه معارض بأدلة أخرى من حيث الإجمال والتفصيل:
стр. 721
أما الإجمال: فهو أنه قد ثبت بالشرع معان لم تكن ثابتة قبله، وما لم يكن معقولا للعرب لا يجوز أن يضعوا له اسما، وإذا لم يكن لها شيء من الأسمى واحتيج إلى تعريفها فلابد من الأسامي لها، كالولد الحادث، والأداة الحادثة.
أما التفصيل فهو: أن يتبين في كل واحد من هذه الألفاظ أنها مستعملة لا في معانيها الأصلية.
أما الإيمان فهو، في أصل اللغة عبارة عن التصديق، وفى الشرع: عبارة عن فعل الواجبات، يدل عليه ثمانية أوجه:
الأول: أن فعل الواجبات هو الدين، والدين هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان، ففعل الواجبات هو الإيمان.
وإنما قلنا: إن فعل الواجبات هو الدين، لقوله تعالى:﴾ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة ﴿(البينة:٥) فقوله تعالى:﴾ وذلك دين القيمة ﴿يرجع إلى كل ما تقدم، فيجب أن يكون كل ما تقدم دينا.
وإنما قلنا: إن الدين هو الإسلام، لقوله تعالى:﴾ إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران:١٩].
وإنما قلنا: إن الإسلام هو الإيمان لوجهين:
أحدهما: أن الإيمان، لو كان غير الإسلام، لما كان مقبولا ممن ابتغاء، لقوله تعالى:﴾ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ﴿[آل عمران: ٨٥]
стр. 722
والثاني: أنه تعالى استثنى المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى:﴾ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴿[الذاريات:٣٥ - ٣٦]، ولولا الاتحاد، لما صح الاستثناء.
الثاني: قوله تعالى:﴾ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴿[البقرة: ١٤٣]، قيل: صلاتكم.
الثالث: قوله تعالى:﴾ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ﴿[النور:٦٢] إلى آخر الآية، ثم إن الله تعالى أمر الرسول ﷺ في آخر هذه الآية أن يستغفر لهم، والفاسق لا يستغفر له الرسول حال كونه فاسقا بل يلعنه، ويذمه، فدل على أنه غير مؤمن.
الرابع: أن قاطع الطريق يخزى يوم القيامة، وكل من كان كذلك، فقد أخزى: أما الأول، فلقوله تعالى في صفتهم:﴾ ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴿[المائدة: ٢٣].
وأما الثاني: فلقوله تعالى حكاية عنهم:﴾ إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴿[آل عمران:١٩٢]، ولم يكذبهم، فدل على صدقهم فيه.
وإنما قلنا: إن المؤمن لا يخزى يوم القيامة، لقوله تعالى:﴾ يوم لا يخزى لله النبي والذين آمنوا معه ﴿[التحريم:٨].
الخامس: لو كان الإيمان في عرف الشرع عبارة عن التصديق، لما صح
стр. 723
وصف المكلف به إلا في الوقت الذي يكون مشتغلا به، على ما مر بيانه في باب الاشتقاق، لكن ليس كذلك، لآن من أتى بأفعال الإيمان، ولم يحبطها يقال: ـه مؤمن، بل حال كونه نائما يوصف بأنه مؤمن.
السادس: يلزم أن يوصف بالإيمان كل مصدق بأمر من الأمور، سواء كان مصدقا بالله تعالى أو بالجبت والطاغوت.
السابع: من علم بالله تعالى، ثم سجد للشمس، وجب أن يكون مؤمنا، وبالإجماع ليس كذلك.
الثامن: قوله تعالى:﴾ وما يومن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴿[يوسف:١٠٦] أثبت الإيمان مع الشرك، والتصديق بوحدانية الله لا يجامع الشرك، فالإيمان غير التصديق.
أما الصلاة: فهي في أصل اللغة: إما للمتابعة، كما يسمى الطائر الذي يتبع السابق (مصليا).
وإما للدعاء، كما في قول الشاعر [المتقارب].
وصلى على دنها وارتسم
أو لمعظم الورك كما قال بعضهم: الصلاة إنما سميت صلاة، لأن العادة في الصلاة أن يقف المسلمون صفوفا، فإذا ركعوا كان رأس أحدهم عند صلا الآخر، وهو: عظم الورك.
ثم إنها في الشرع لا تفيد شيئا من هذه المعاني الثلاثة لوجهين:
стр. 724
الأول: أنا إذا أطلقناها، لم يخطر ببال السامع شيء من هذه الثلاثة، ومن شأن الحقيقة المبادرة إلى الفهم.
الثاني: أن صلاة الإمام والمنفرد صلاة، ولم يوجد فيها شيء من المتابعة، ولا يكون رأسه عند عظم ورك غيره.
وإذا انتقل الإنسان من الدعاء إلى غيره، لا يقال: إنه فارق صلاته.
ولأن صلاة الأخرس صلاة، ولا دعاء فيها؛ فدل على أن هذه اللفظة غير مستعملة في معانيها اللغوية.
وأما الزكاة: فإنها في اللغة للنماء والزيادة، وفى الشرع لتنقيص المال على وجه مخصوص.
وأما الصوم: فإنه في اللغة: لمطلق الإمساك، وفى الشرع: للإمساك المخصوص، ولا يتبادر الذهن عند سماعه إلى مطلق الإمساك.
والجواب: قوله: الدليل فاسد الوضع؛ لأنه يقتضى كون هذه الألفاظ موضوعة في المعاني التي كانت العرب يستعملونها فيها.
قلنا: هذا الدليل يقتضى كون هذه الألفاظ مستعملة في المعاني التي كانت العرب يستعملونها فيها على سبيل الحقيقة فقط، أو سواء كانت حقيقة، أو مجازا؟!
الأول ممنوع، والثاني مسلم.
بيانه: أن العرب كما كانوا يتكلمون بالحقيقة، يتكلمون بالمجاز.
ومن المجازات المشهورة: تسميتهم الشيء باسم جزئه، كما يقال للزنجي:
стр. 725
إنه أسود؛ والدعاء أحد أجزاء هذا المجموع المسمى بالصلاة، بل هو الجزء المقصود؛ لقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] ولأن المقصود من الصلاة التضرع والخضوع؛ فلا جرم لم يكن إطلاق لفظ الصلاة عليه خارجا عن اللغة، فإن كان مذهب المعتزلة في هذه الأسماء الشرعية- ذلك، فقد ارتفع النزاع، وإلا فهو مردود بالدليل المذكور.
فإن قلت: من شرط المجاز اللغوي تنصيص أهل اللغة على تجويزه، وهاهنا لم يوجد ذلك؛ لأن هذه المعاني كانت معقولة لهم، فكيف يمكن أن يقال: إنهم جوزوا نقل لفظ الصلاة من الدعاء الذي هو أحد أجزاء هذا المجموع إليه؟ ّ!
قلت: لا نسلم أن شرط حسن استعمال المجاز تصريح أهل اللغة بجوازه.
سلمنا ذلك؛ إلا أنهم صرحوا بأن إطلاق اسم الجزء على الكل على سبيل المجاز- جائز، فدخلت هذه الصورة فيه.
قوله: إفادة هذه اللفظة لهذا المعنى، وإن لم تكن عربية، فلم لا يجوز أن يقال: هذه اللفظة عربية؟ ّ
قلنا: لأن كون اللفظة عربية ليس حكما حاصلا لذات اللفظة من حيث هي، بل من حيث هي دالة على المعنى المخصوص، فلو لم تكن دلالتها على معناها عربية، لم تكن اللفظة عربية.
قوله: اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة لا يخرجه عن كونه عربيا.
قلنا: لا نسلم؛ فإنه لما وجد فيه ما لا يكون عربيا، وإن كان في غاية القلة؛
стр. 726
لم يكن المجموع عربيا، وأما الثور الأسود الذي توجد فيه شعرة واحدة بيضاء، والقصيدة الفارسية التي توجد فيها ألفاظ عربيه، فلا نسلم جواز إطلاق الأسود والفارسي على مجموعهما على سبيل الحقيقة.
والدليل عليه: جواز الاستثناء، ولولا أنه بمجموعه لا يسمى بهذا الاسم حقيقة، وإلا لما جاز الاستثناء.
قوله: القرآن اسم لمجموع الكتاب، أو له ولبعضه؟!
قلنا: بل للمجموع؛ بدليل إجماع الأمة على أن الله تعالى ما أنزل إلا قرآنا واحدا، ولو كان لفظ القرآن حقيقة في كل بعض، منه لما كان القرآن واحدا.
وما ذكروه من الوجوه الأربعة معارض بما يقال في كل آية وسورة: إنه من القرآن، وإنه بعض القرآن.
قوله: وجد في القرآن ألفاظ عربية.
قلنا: لا نسلم؛ أما الحروف المذكورة في أوائل السور، فعندنا أنها أسماء السور.
وأما المشكاة والقسطاس والإستبرق، فلا مانع من كونها عربية، وإن كانت موجودة في سائر اللغات؛ فإن توافق اللغات غير ممتنع.
سلمنا: أنها ليست بعربية؛ لكن العام إذا خص، يبقى حجة فيما وراءه.
قوله: هذه المسميات حدثت، فلابد من حدوث أسمائها.
قلنا: لم لا يكفى فيها المجاز، وهو تخصيص هذه الألفاظ المطلقة ببعض مواردها؟ فإن الإيمان والصلاة والصوم كانت موضوعة لمطلق التصديق،
стр. 727
والدعاء، والإمساك، ثم تخصصت بسبب الشرع؛ بتصديق معين، ودعاء معين، وإمساك معين، والتخصيص لا يتم إلا بإدخال قيود زائدة على الأصل.
وحينئذ يكون إطلاق اسم المطلق على المقيد إطلاقا لاسم الجزء على الكل.
وأما الزكاة: فإنها من المجاز الذي ينقل فيه اسم المسبب إلى السبب.
والجواب عن المعارضة الأولى: أنا لا نسلم أن فعل الوجبات هو الدين، أما قوله تعالى: ﴿وذلك دين القيمة﴾ [البينة: ٥] فنقول: لا يمكن رجوعه إلى ما تقدم؛ لوجهين:
أحدهما: أن ذلك لفظ الوجدان؛ فلا يجوز صرفه إلى الأمور الكثيرة.
والثاني: أنه من ألفاظ الذكران؛ فلا يجوز صرفه إلى إقامة الصلاة، وإذا كان كذلك، فلابد من إضمار شيء آخر وهو أن يقولوا: ذلك الذي أمرتم به دين القيمة.
وإذا كان كذلك، فليسوا بأن يضمروا ذلك أولى منا بأن نضمر شيئا آخر؛ وهو أن نقول: أن ذلك الإخلاص، أو ذلك التدين دين القيمة، ويكون قوله تعالى: ﴿مخلصين له الدين﴾ (البينة: ٥) دالا على الإخلاص.
وإذا تعارض الاحتمالان، فعليهم الترجيح، وهو معنا؛ لأن إضمارهم يؤدى إلى تغيير اللغة، وإضمارنا يؤدى إلى عدم التغيير.
والجواب عن الثاني: أنا لا نسلم أن المراد في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، بل المراد منه موضوعه اللغوي، وهو التصديق بوجوب تلك الصلاة.
стр. 728
وعن الثالث: لا نسلم أن كلمة (إنما) للحصر.
سلمناه؛ لكنه معارض بآيات؛ منها: ما يدل على أن محل الإيمان هو القلب، وذلك يدل على مغايرة الإيمان لعمل الجوارح؛ قال تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ [المجادلة: ٢٢]، ﴿وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦]، ﴿يشرح صدر للإسلام﴾ [الأنعام: ١٢٥٠].
وكان النبي ﵌ يقول: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك).
ومنها: الآيات الدالة على أن الأعمار الصالحة أمور مضافة إلى الأيمان، قال الله تعالى: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [الرعد: ٢٩] و ﴿من يؤمن بالله ويعمل صالحا﴾ [التغابن: ٩] ﴿ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات﴾ [طه: ٧٥]، ﴿فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمنا﴾ [الأنبياء: ٩٤].
ومنها: الآيات الدالة على مجامعة الإيمان مع المعاصي؛ قال الله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢]، ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] وهذا هو الجواب عن سائر الآيات التي تمسكوا بها.
والجواب عن الخامس: أن ما ذكروه لازم عليهم؛ لأنه قد يسمى مؤمنا حال كونه غير مباشر لأعمال الجوارح.
والجواب عن السادس: أنا نعترف بأن الإيمان في عرف الشرع ليس لمطلق التصديق، بل التصديق الخاص، وهو تصديق محمد- صلى الله عليه وآله
стр. 729
وسلم- في كل أمر ديني علم بالضرورة مجيئه به، وهو الجواب عن السابع والثامن.
وأما الذين احتجوا به من أن الصلاة والصوم غير مستعملين في موضوعيها اللغويين، فمسلم، ولكنهما مستعملان في أمور هي مجازات بالنسبة إلى تلك الموضوعات الأصلية، وهم ما أقاموا الدلالة على فساده، والله أعلم.
فروع على القول بالنقل
الأول: النقل خلاف الأصل ؛ ويدل عليه أمور:
أحدها: أن النقل لا يتم إلا بثبوت الوضع اللغوي، ثم نسخه، ثم ثبوت الوضع الآخر.
وأما الوضع اللغوي، فإنه يتم بوضع واحد، وما يتوقف على ثلاثة أشياء مرجوح بالنسبة إلى ما لا يتوقف إلا على شيء واحد.
وثانيها: أن ثبوت الحكم في الحال يفيد ظن البقاء على ما سنقيم الدليل عليه في باب الاستصحاب، ذلك يدل على أن البقاء على الوضع الأول أرجح.
وثالثها: أنه لو كان احتمال بقاء اللغة على الوضع الأصلي معارضا لاحتمال التغيير، لما فهمنا عند التخاطب شيئا إلا سألنا في كل لفظة: هل بقيت على وضعها الأول؟! وإذا لم يكن كذلك، ثبت ما قلناه.
الفرع الثاني: لا شك في ثبوت الألفاظ المتواطئة في الأسماء الشرعية ، واختلفوا في وقوع الأسماء المشتركة
والحق وقوعها؛ لأن لفظ الصلاة مستعمل في معان شرعية لا يجمعها جامع؛
стр. 730
لأن اسم الصلاة يتناول ما لا قراءة فيه؛ كصلاة الأخرس، وما لا سجود فيه، ولا ركوع؛ كصلاة الجنازة، وما لا قيام فيه؛ كصلاة القاعد. والصلاة بالإيماء على مذهب الشافعي- ﵁ ليس فيها شيء من ذلك، وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك يجعل مسمى الصلاة فيها حقيقة.
وأما المترادف، فالأظهر انه لم يوجد؛ لأنه ثبت أنه على خلاف الأصل؛ فيقدر بقدر الحاجة.
الفرع الثالث: كما وجد الاسم الشرعي، فهل وجد الفعل الشرعي والحرف الشرعي؟
الأقرب أنه لم يوجد؛ أما أولا: فبالاستقراء، وأما ثانيا: فلأن الفعل صيغة دالة على وقوع المصدر بشيء غير معين، في زمان معين.
فإن كان المصدر لغويا، استحال كون الفعل شرعيا، وإن كان شرعيا، وجب كون الفعل أيضا شرعيا، تبعا لكون المصدر شرعيا، فيكون كون الفعل شرعيا- أمر حصل بالعرض لا بالذات.
الفرع الرابع: في أن صيغ العقود إنشاءات، أم إخبارات؟
لا شك أن قوله: نذرت وبعت واشتريت، صيغ الأخبار في اللغة، وقد تستعمل في الشرع أيضا للإخبار، وإنما النزاع في أنها حيث تستعمل لاستحداث الأحكام إخبارات أم إنشاءات.
والثاني: هو الأقرب لوجوه:
стр. 731
الأول: أن قوله: (أنت طالق) لو كان إخبارا، لكان إما أن يكون إخبارا عن الماضي أو الحال أو المستقبل، والكل باطل، فبطل القول بكونها إخبارا.
أما أنه لا يمكن أن يكون إخبارا عن الماضي والحاضر؛ فلأنه لو كان كذلك، لا امتنع تعليقه على شرط؛ لأن التعليق عبارة: عن توقيف دخوله في الوجود على دخول غيره في الوجود، وما دخل في الوجود لا يمكن توقيف دخوله في الوجود على دخول غيره في الوجود، ولما صح تعليقه على الشرط، بطل كونه إخبارا عن الماضي أو الحال.
وأما أنه لا يمكن أن يكون إخبارا عن المستقبل؛ فلان قوله: (أنت طالق) في دلالته على الإخبار عن صيرورتها موصوفى بالطلاق في المستقبل- ليس أقوى من تصريحه بذلك، وهو قوله: (ستصيرين طالقا في المستقبل) لكنه لو صرح بذلك، فإنه لا يقع الطلاق؛ فما هو أضعف منه- وهو قوله: (أنت طالق) - أولى بألا يقتضى وقوع الطلاق.
الثاني: أن هذه الصيغ لو كانت إخبارا، لكانت إما أن تكون كذبا أو صدقا: فإن كانت كذبا، فلا عبرة بها، وإن كانت صدقا، فوقوع الطالقية: إما أن يكون متوقفا على حصول هذه الصيغ، أو لا يكون:
فإن كان متوقفا عليه، فهو محال؛ لأن كون الخبر صدقا يتوقف على وجود المخبر عنه، والمخبر عنه هاهنا هو وجود الطالقية، فالإخبار عن الطالقية يتوقف كونها صدقا على حصول الطالقية، فلو توقف حصول الطالقية على هذا الخبر، لزم الدور، وهو محال.
стр. 732
وإن لم يكن متوقفا عليه، فهذا الحكم لابد له من سبب آخر، فبتقدير حصول ذلك السبب؛ تقع الطالقية، وإن لم يوجد هذا الخبر.
وبتقدير عدمه؛ لا توجد، وإن وجد هذا الإخبار، وذلك باطل بالإجماع!!
فإن قيل لم لا يجوز أن يكون تأثير ذلك المؤثر في حصول الطالقية يتوقف على هذه اللفظة؟
قلت: هذه اللفظة، إذا كانت شرطا المؤثر المؤثر في الطالقية، وجب تقدمها على الطالقية، لكنا بيتا أنا متى جعلناها خبرا صادقا، لزم تقدم الطالقية عليها؛ فيعود الدور.
الثالث: قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] أمر بالتطليق؛ فيجب أن يكون قادرا على التطليق، ومقدوره ليس إلا قوله: (طلقت) فدل على أن ذلك مؤثر في الطالقية.
الرابع: لو أضاف الطلاق إلى الرجعية، وقع، وإن كان صادقا بدون الوقوع؛ فثبت أنه إنشاء لا إخبار، والله أعلم.
قال القرافي: قوله: (إن استعمل في غير موضوعه، كان مجازا) ممنوع لاحتمال عدم العلاقة كما إذا قال لامرأته: سبحان الله، ويريد الطلاق، فإن هذا واقع إجماعا إنما الخلاف في لزوم الطلاق به.
قوله: (المجاز لا يستدعى إلا مجرد كونه موضوعا).
تقريره: أن الواضع لو وضع لفظ الأسد للحيوان المفترس، ويكون أول مستعمل يستعمله، يقول: رأيت أسدا، ويريد الرجل الشجاع، فهذا مجاز لم يقدمه إلا الوضع، ولم تتقدمه الحقيقة، فعلمنا أنه ليس من لوازم وقوع المجاز وقوع الحقيقة، والوضع الأول ليس مجازا ولا حقيقة لاشتراطنا فيهما
стр. 733
الاستعمال، ولم يوجد؛ لأن الإطلاق لإرادة الحكم في المسمى، أو في غيره، ولم يوجد ذلك.
(سؤال)
سيقول بعد هذا: إن اللفظ متى كان مجازا في شيء فلابد وأن يكون حقيقة في غيره ، فجعل الحقيقة لازمة للمجاز، وهاهنا نفى ذلك؟
والجواب: أنه هاهنا نفى أن يكون الوقوع لازما للوقوع لازما للوقوع، وثمت ادعى أن القبول لازم للقبول، ولذلك لم يذكر إلا المستقبل؛ لأن صيغة (أن) للمستقبل فقال: فلابد وأن يكون حقيقة في غيره، كما تقول: كل من كان ضاحكا بالقوة فلابد وأن يكون كاتبا بالقوة، فيجعل القولين متلازمين، والوقوع فيهما لا يلزم فيه حكم من شخص ضاحك بالفعل، وهو ليس بكاتب بالفعل، فلا تنافى بين التلازم بين القبولين، وعدم التلازم بين الوقوعين.
المسألة الثانية: في الحقيقة العرفية
قوله: (هي التي انتقلت عن مسماها إلى غيره بعرف الاستعمال).
يشكل فإن حملة الشريعة إذا غلب استعمالهم لفظ الصلاة والصوم في العبادتين المخصوصتين سميتا حقيقتين شرعيتين؛ لأن صحة النسب إلى الشرع إما أن يكون صاحب الشرع نقل، أو حملته نقلوا، فنسب للشرع؛ لأن النسبة تكفى فيها أدنى مناسبة كما تقول لمن سافر ل (مكة): مكي، وإن لم يكن من أهلها، بل سافر إليها، أو حصلت له نسبة إليها.
قوله: (من جهات المجاز حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه).
يشكل عليه بأن هذا مجاز في التركيب، وهو قد قال بعد هذا: (المجاز المركب عقلي) وهاهنا جعله لغويا، ويمكن الجواب بأنه لم يفرع على مذهبه، بل على غيره.
стр. 734
قوله: (كتسميتهم الحاجة بالغائط).
مراده بالحاجة: الفضلة الخارجة من الإنسان، والغائط: المكان المطمئن، كما أن النجو: المكان المرتفع، والخلا: المكان الفارغ، فلما كان الناس يقصدون النزول للمكان المطمئن، والاستتار بالمرتفع، والإبعاد للخالي، فسميت الفضلة بذلك.
قوله: (ومنه المزادة بالرَّاوية) يعنى: أن الراوية الأصل فيه للجمل الحامل الماء؛ لأن الراوية اسم مبالغة في اسم الفاعل يقول: رجل راوية إذا كَثُرت روايته للحديث، وعلامة إذا كَثُرَ تعليمه، ونَسَّابة إذا كثر إثباته لأنساب الناس، ونحو ذلك، فالهاء للمبالغة في اسم الفاعل، وعلى هذا يتصور أن تكون الراوية حقيقة في المزادة، فإن الجمل كما يروى بالحمل للمزادة يروى بما فيها كما تقول: أرْوَتَني شربةُ الماء، وكوز الماء، بل الري في الحقيقة إنما يصدق حقيقة لغوية على الماء؛ لأنه الذي يروى العطشان، والجمل والمزادة لا يرويان، فإطلاق اللفظ عليهما مجاز، أما كونه منقولا عن الجمل للمزادة كما قاله فبعيد.
(تنبيه)
تلخيص ما قاله من المثل أن الحقيقة العرفية تنحصر في شيئين ما هو أجنبي عن الحقيقة كالغائط، فإن الفضلة ليس بعض المواضع المطمئنة، وبعض أنواع الحقيقة كالدابة للحمار بـ (مصر) والفرس بـ (العراق).
(تنبيه)
أطلق جماعة من الأصوليين أن لفظ (الدابة) منقول في العرف لذوات الأربع ، وهذا لم يوجد قط بالاستقراء، فإن الكلب والأسد ونحوهما لا يسمى دابة بالإطلاق العرفي، بل اللُّغوي.
стр. 735
(سؤال)
قوله: (الجَان مأخوذ من الاجْتِنَان، ثم اختص ببعض ما يستتر عن العيون) .
ليس هذا التمثيل مستقيما، لأن النقل إنما هو أن يوضع لفظ لمعنى كلى، ثم يختص ذلك اللفظ ببعض أنواع ذلك الكلى، كما إذا وضع لفظ الحيوان للجسم الحسّاس، ثم يختص بالإنسان، ولفظ الدابة لمطلق مَا دَبَّ، ثم يختص بالفرس، وفرق بين وضع اللفظ لمعنى كلى، فيخصص ببعض أنواعه، وبين وضعه لمعنى كل، وذلك اللفظ مشتق من لفظ آخر، فالاشتقاق لا عبرة به في هذا الباب، بل العرب وضعت لفظ المجنِّ للدَّرَقة، والجَنِيْنِ لما في بطن الحامل، والجنون لمَا ستر العقل، والجان للفريق الخاص الذي هو أحد الثَّقَلَيْن، والكل لاحظت في لفظه اشتقاقا من لفظ الاستتار، فلو خصصت لفظ المجنّ ببعض الدرق، أو الجان ببعض قبائله كان ذلك مثالا للمسألة.
أما إذا وضعت لفظ لمعنى كلى لملاحظة اشتقاق، ولم تخصصه ببعض أنواعه، فهذه حقيقة لغوية لا عرفية، فتأمل الفرق فلا تقع في الغلط، وجميع مُثُلِهِ باطلة بهذا التقرير، فإنه بنى الأمر فيها على الاشتقاق لا على الاختصاص، وينهما فرق كبير.
قوله: (علامة الحقيقة حاملة في هذه الألفاظ).
تقريره: أن علامة الحقيقة السبق إلى الفهم مع التجرد عن القرينة، والتجريد عن القرينة عند إرادة الاستعمال، وتعذر السلب، فإذا قيل: الفضلة غائط لا يقول أحد: ليس هي بغائط.
أمثلة النقص وجود العلّة بدون المعلول، أو الحد بدون المحدود، أو دليل بدون المدلول.
стр. 736
والكسر: هو النقض على جزء العلة.
والقلب: إثبات نقيض الدعوى بعين الدليل الذي استدل به الخصم.
والجامع: علة القياس.
والفرق: معنى مناسب في الأصل مفقود في الفرع.
والجَوْهَر: هو المتحيز الذي لا يقبل القسمة.
والعرض: هر المفتقر للمحل كالألوان، والطعوم ونحوها.
والكون: هو الحصول في الحَيّز، وبسط هذا في مواطنه.
(تنبيه)
متى وضع اللفظ لمعنى عام، ثم نقل لبعض أنواعه إنما يكون حقيقة عرفية من جهة الخصوص لا من جهة العموم ؛ لأن المجموع من حيث هو مجموع الذي هر الأخص لم يوضع اللفظ له، فإطلاق اللفظ عليه استعمال اللفظ في غير ما وضع له؛ فيكون حقيقة عرفية من هذا الوجه، ومجازا لُغويا أيضا، كما أنه إذا وُضع في العرف لهذا المجموع الخاص، ثم استعمل في المعنى العام كان مجازا عرفيا حقيقة لغوية.
(فائدة جليلة)
أهل العرف كما ينقلون المفرد كذلك ينقلون المركب ، فمن ذلك قولهم: (الميتة حرام)، فيضيفون الأحكام الشرعية للأعيان، وإنما هي في أصل الوضع مضافة للأفعال.
ومنه قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾] النساء: ٢٣ [.
ومن ذلك ضربت زيدا، ويريدون بعضه، وكذلك رأيته، والأصل يقتضى الإضافة لبعضه فيقول: ضربت الموضع المخصوص الذي ضربه، ومن ذلك ما جرت به عادتهم أن ركبوه من الإيمان، فيقولون: والله لا أكلت رأسا. فغالب تركيبهم إنما هو في رءوس الأنعام إذا اختلفوا، فلا جرم اختلف
стр. 737
العلماء هل يحنث بغيرها أم لا؟ بناء على أن ذلك الاستعمال، هل وصل إلى النقل فلا يحنث، أو لم يصل فيحنث؟
فهذا منشأ الخلاف، ولو قال: رأيت رأسا، لم يختلفوا أن لفظه لا يتعين للأنعام؟ لأن هذا التركيب لم يشتهر في الأنعام، وإنما اشتهر في تركيب الأيمان، وهذا هو المدرك في أن مالكا أوجب في (أيمان المسلمين)، الصوم دون الاعتكاف؛ لأن التركيب الغالب في الأيمان يقع في الحج، والصدقة، والصوم دون الاعتكاف، فتأمل هذه المواطن، فهي شريعة في الأصول والفروع.
المسألة الثالثة: في الحقيقة الشرعية
قال: (وهي اللفظة التي استفيد من الشرع وضعها للمعنى).
(سؤال)
ينبغي أن يقول: من صاحب الشرع؟ لأن الشرع هو الرسالة ، والرسالة لا تضع لفظا، إنما يتصور الوضع من صاحب الشرع الذي هو الله تعالى.
قوله: (كان اللفظ والمعنى مجهولين في اللغة أم لا)؟
تقريره: أن العلماء قالوا: إن العرب لم تعرف لفظ (المنافق) إنما عرفت (النافقاء)، وهو باب بيت اليربوع، يستره بيسير من تراب، ويكون بعيدا من غيره، فإذا اضطره الصيادون دخل من بابه المعروف، وخرج من ذلك الباب، والصياد لا يعلم، فالمنافق لما كان يظهر الإيمان، ويبطن الكفر، حصل له ذلك الشبه فسمى منافقا، فاللفظ مجهول، والمعنى أيضا مجهول؛ لأن الشرع نقل مخالفة الظاهر للباطن للمخالفة الخاصة بين الكفر والإيمان الخاص، وهذا لم يكن معلوما لهم بخصوصه، والمعلومان؛ كالزكاة، وإخراج المال- كانا معلومين، ولم يضعوا لفظ الزكاة لإخراج المال، بل
стр. 738
صاحب الشرع وضعه له، ولفظ بـ (الصلاة) كان معلوما لهم اسما للدعاء، والعبادة المخصوصة كانت مجهولة لهم، فأحدهما مجهول والأخر معلوم.
قوله: (منع منه القاضي مطلقا، وأثبته المعتزلة مطلقا).
يريد بالإطلاق عموم الأقسام الثلاثة المعلومين والجهولين، والمعلوم والمجهول التي تقدم تمثيلها، فإن المذهبين اطردا في الجميع، فالقاضي يقول: جميع ما أطلق في الشريعة، إنما أريد به مسماه اللغوي، وأراد الله -تعالى- بـ (الصلاة) الدعاء، ودلت الشريعة أنه لا بد من إضافة أمور أخر للدعاء، وأن ذلك الدعاء يتعين أن يكون دعاء الفاتحة، وهو قوله تعالى: ﴿أهدنا الصراط المستقيم﴾] الفاتحة: ٦ [، وأن يضاف إليه جميع الفاتحة مع جميع الشروط والأركان.
والمعتزلة يقولون: بل نقل صاحب الشرع هذه الألفاظ، وجعلها اسما لهذه الحقائق المتحددة، كما يسمى الإنسان ولده جعفرا باسم النهر الصغير.
والمصنف وغيره قالوا: استعملها صاحب الشرع مجازا عن الحقائق اللغوية، فهذه ثلاثة مذاهب.
وقال سيف الدين: نفى (القاضي) الوضع الشرعي، وأثبته (المعتزلة) والفقهاء والخوارج)، فجعل الفقهاء مع المعتزلة، ولم يتعرض له المصنف، وكذلك نقله أبو الحسين في (المعتمد).
وقال أبو إسحاق في (اللمع (: هذه أول مسألة نشأت في الاعتزال؛ لأنه لما قتل عثمان ﵁ ونشأت الفتنة، ثم جاءت المعتزلة، قدحوا في الصحابة ﵃ وقالوا: لا نجعلهم مؤمنين، بل منزلة بين منزلتين.
стр. 739
قيل لهم: إنهم مصدقون، والإيمان هو التصديق، والمؤمن المصدق
قالوا: إن اسم الإيمان قد انتقل لمن لم يعمل كبيرة.
قال: وسمعت (أبا الطيب) يقول: سمعت القاضي أبا بكر يقول: ذهبت ناشئة المعتزلة، وناشئة القدرية، وقوم من المتفقهة إلى أن في الأسماء منقولا، ولم يعلموا ما في ذلك من الكفر والطغيان، وذكر ما تقدم من أمر الصحابة ﵃.
قال أبو إسحاق: ويمكننا آن نحترز من هذه المسألة فنقول: الأسماء منقولة إلا هذه المسالة فإنها أول بدعة ظهرت في الإسلام.
وقال الإمام في (البرهان): قال القاضي، وطوائف بعدم النقل، وأنها مقرة على معناها، ولم يرد فيها شيء.
وقالت طوائف من الفقهاء: أقرت وزيد في معناها، وقالت المعتزلة بالنقل.
واستمر القاضي على لجاج ظاهر فقال: الصلاة الدعاء، والمسمى بها في الشرع الدعاء عند وقوع أفعال وأقوال، قال: والمختار أنها مجارات عن اللغوية، فتصير المذاهب أربعة.
(تنبيه)
يشكل تصميم القاضي على هذه المسألة، وهذا التصميم مع أنه يساعد على إمكان المجاز في كلام صاحب الشرع، ووقوعه في القرآن، والسنة فلم لا قال بالمذهب الثالث وهو أن اللفظ استعمل فيها مجازا، ويستريح من
стр. 740
التشنيعات التي تنشأ عن إرادة الحقيقة اللغوية في قوله- ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور).
وقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾] البقرة: ١٨٥ [مع
следующие страницы →