← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والكسر: هو النقض على جزء العلة. والقلب: إثبات نقيض الدعوى بعين الدليل الذي استدل به الخصم. والجامع: علة القياس. والفرق: معنى مناسب في الأصل مفقود في الفرع. والجَوْهَر: هو المتحيز الذي لا يقبل القسمة. والعرض: هر المفتقر للمحل كالألوان، والطعوم ونحوها. والكون: هو الحصول في الحَيّز، وبسط هذا في مواطنه. (تنبيه) متى وضع اللفظ لمعنى عام، ثم نقل لبعض أنواعه إنما يكون حقيقة عرفية من جهة الخصوص لا من جهة العموم ؛ لأن المجموع من حيث هو مجموع الذي هر الأخص لم يوضع اللفظ له، فإطلاق اللفظ عليه استعمال اللفظ في غير ما وضع له؛ فيكون حقيقة عرفية من هذا الوجه، ومجازا لُغويا أيضا، كما أنه إذا وُضع في العرف لهذا المجموع الخاص، ثم استعمل في المعنى العام كان مجازا عرفيا حقيقة لغوية. (فائدة جليلة) أهل العرف كما ينقلون المفرد كذلك ينقلون المركب ، فمن ذلك قولهم: (الميتة حرام)، فيضيفون الأحكام الشرعية للأعيان، وإنما هي في أصل الوضع مضافة للأفعال. ومنه قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾] النساء: ٢٣ [. ومن ذلك ضربت زيدا، ويريدون بعضه، وكذلك رأيته، والأصل يقتضى الإضافة لبعضه فيقول: ضربت الموضع المخصوص الذي ضربه، ومن ذلك ما جرت به عادتهم أن ركبوه من الإيمان، فيقولون: والله لا أكلت رأسا. فغالب تركيبهم إنما هو في رءوس الأنعام إذا اختلفوا، فلا جرم اختلف

стр. 737

العلماء هل يحنث بغيرها أم لا؟ بناء على أن ذلك الاستعمال، هل وصل إلى النقل فلا يحنث، أو لم يصل فيحنث؟ فهذا منشأ الخلاف، ولو قال: رأيت رأسا، لم يختلفوا أن لفظه لا يتعين للأنعام؟ لأن هذا التركيب لم يشتهر في الأنعام، وإنما اشتهر في تركيب الأيمان، وهذا هو المدرك في أن مالكا أوجب في (أيمان المسلمين)، الصوم دون الاعتكاف؛ لأن التركيب الغالب في الأيمان يقع في الحج، والصدقة، والصوم دون الاعتكاف، فتأمل هذه المواطن، فهي شريعة في الأصول والفروع. المسألة الثالثة: في الحقيقة الشرعية قال: (وهي اللفظة التي استفيد من الشرع وضعها للمعنى). (سؤال) ينبغي أن يقول: من صاحب الشرع؟ لأن الشرع هو الرسالة ، والرسالة لا تضع لفظا، إنما يتصور الوضع من صاحب الشرع الذي هو الله تعالى. قوله: (كان اللفظ والمعنى مجهولين في اللغة أم لا)؟ تقريره: أن العلماء قالوا: إن العرب لم تعرف لفظ (المنافق) إنما عرفت (النافقاء)، وهو باب بيت اليربوع، يستره بيسير من تراب، ويكون بعيدا من غيره، فإذا اضطره الصيادون دخل من بابه المعروف، وخرج من ذلك الباب، والصياد لا يعلم، فالمنافق لما كان يظهر الإيمان، ويبطن الكفر، حصل له ذلك الشبه فسمى منافقا، فاللفظ مجهول، والمعنى أيضا مجهول؛ لأن الشرع نقل مخالفة الظاهر للباطن للمخالفة الخاصة بين الكفر والإيمان الخاص، وهذا لم يكن معلوما لهم بخصوصه، والمعلومان؛ كالزكاة، وإخراج المال- كانا معلومين، ولم يضعوا لفظ الزكاة لإخراج المال، بل

стр. 738

صاحب الشرع وضعه له، ولفظ بـ (الصلاة) كان معلوما لهم اسما للدعاء، والعبادة المخصوصة كانت مجهولة لهم، فأحدهما مجهول والأخر معلوم. قوله: (منع منه القاضي مطلقا، وأثبته المعتزلة مطلقا). يريد بالإطلاق عموم الأقسام الثلاثة المعلومين والجهولين، والمعلوم والمجهول التي تقدم تمثيلها، فإن المذهبين اطردا في الجميع، فالقاضي يقول: جميع ما أطلق في الشريعة، إنما أريد به مسماه اللغوي، وأراد الله -تعالى- بـ (الصلاة) الدعاء، ودلت الشريعة أنه لا بد من إضافة أمور أخر للدعاء، وأن ذلك الدعاء يتعين أن يكون دعاء الفاتحة، وهو قوله تعالى: ﴿أهدنا الصراط المستقيم﴾] الفاتحة: ٦ [، وأن يضاف إليه جميع الفاتحة مع جميع الشروط والأركان. والمعتزلة يقولون: بل نقل صاحب الشرع هذه الألفاظ، وجعلها اسما لهذه الحقائق المتحددة، كما يسمى الإنسان ولده جعفرا باسم النهر الصغير. والمصنف وغيره قالوا: استعملها صاحب الشرع مجازا عن الحقائق اللغوية، فهذه ثلاثة مذاهب. وقال سيف الدين: نفى (القاضي) الوضع الشرعي، وأثبته (المعتزلة) والفقهاء والخوارج)، فجعل الفقهاء مع المعتزلة، ولم يتعرض له المصنف، وكذلك نقله أبو الحسين في (المعتمد). وقال أبو إسحاق في (اللمع (: هذه أول مسألة نشأت في الاعتزال؛ لأنه لما قتل عثمان ﵁ ونشأت الفتنة، ثم جاءت المعتزلة، قدحوا في الصحابة ﵃ وقالوا: لا نجعلهم مؤمنين، بل منزلة بين منزلتين.

стр. 739

قيل لهم: إنهم مصدقون، والإيمان هو التصديق، والمؤمن المصدق قالوا: إن اسم الإيمان قد انتقل لمن لم يعمل كبيرة. قال: وسمعت (أبا الطيب) يقول: سمعت القاضي أبا بكر يقول: ذهبت ناشئة المعتزلة، وناشئة القدرية، وقوم من المتفقهة إلى أن في الأسماء منقولا، ولم يعلموا ما في ذلك من الكفر والطغيان، وذكر ما تقدم من أمر الصحابة ﵃. قال أبو إسحاق: ويمكننا آن نحترز من هذه المسألة فنقول: الأسماء منقولة إلا هذه المسالة فإنها أول بدعة ظهرت في الإسلام. وقال الإمام في (البرهان): قال القاضي، وطوائف بعدم النقل، وأنها مقرة على معناها، ولم يرد فيها شيء. وقالت طوائف من الفقهاء: أقرت وزيد في معناها، وقالت المعتزلة بالنقل. واستمر القاضي على لجاج ظاهر فقال: الصلاة الدعاء، والمسمى بها في الشرع الدعاء عند وقوع أفعال وأقوال، قال: والمختار أنها مجارات عن اللغوية، فتصير المذاهب أربعة. (تنبيه) يشكل تصميم القاضي على هذه المسألة، وهذا التصميم مع أنه يساعد على إمكان المجاز في كلام صاحب الشرع، ووقوعه في القرآن، والسنة فلم لا قال بالمذهب الثالث وهو أن اللفظ استعمل فيها مجازا، ويستريح من

стр. 740

التشنيعات التي تنشأ عن إرادة الحقيقة اللغوية في قوله- ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور). وقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾] البقرة: ١٨٥ [مع

стр. 741

أنه لا يفهم أحد من ذلك إلا الصلاة المخصوصة، والإمساك المخصوص، فلو قال بالمجاز لم يكن في ذلك محذور، وما الفرق بين المجاز في هذه اللفظات، وبين سائر الألفاظ التي وقع فيها المجاز، وهى كثيرة جدا؟. تقرير: إنما سمت المعتزلة أسماء الأفعال بالشرعية؛ لأنها شرائع ، وسمت أسماء الفاعلين دينية؛ لأن الدين له معان أحدها: الطاعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وذلك الدين القيمة﴾] البينة: ٥ [، ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾] آل عمران: ١٩ [، وهو المراد هاهنا، والفاعلون هم المطيعون، والطاعة متأتية منهم، بخلاف الأفعال، فلذلك خصصوا الشرعية بالأفعال، والدينية بالفاعلين. (قاعدة) اللفظ العجمي إنما كان عجميا؛ لأن واضعه الأول العجم، واستعماله بعد ذلك من العرب لا يبطل ذلك، ولا يحدد له عربية، وكذلك وضع العرب له، فإذا سمت العرب ولدها بإبراهيم وغيره من الألفاظ العجمية، لا تصير تلك الألفاظ عربية بالأوضاع الطارئة بعد ذلك وإن كانت عربية، ومقتضى هذا أن اللفظ لا يكون عربيا إلا لكون واضعه الأول عربيا، وإن وضعه غير العرب بعد ذلك، كوضع الشرع وغيره لا يخرجه ذلك عن كونه عربيا، فظهر حينئذ انحصار أسباب كون اللفظ عربيا، وعجميا في واضعه الأول. وكذلك أيضا الإفادة لا توصف بكونها عربية ولا عجمية؛ لأن الإفادة هي المفهم من اللفظ لمسماه، والمفهوم في العرب والعجم نشأ عن الطباع البشرية، وذلك لا يغيره كون السامع عربيا أو عجميا، فكما لا يقال: في علم العرب إنه عربي، ولا في علم العجم إنه عجمي، لمعنى تباين النوع، لا لمعنى صحة النسبة للمحل، فكذلك لا يقال في الإفادة: إنها عربية ولا عجمية.

стр. 742

إذا تقرر هذا كان قوله (إن الإفادة لو لم تكن عربية لم يكن القرآن عربيا) كلام بعيد عن الصواب إلا أن يريد بأن الإفادة عربية أنها نشأت عن وضع عربي، فهذا مجاز لا حاجة إليه. بل فيقول: لأن هذه الألفاظ لو لم تكن عربية؛ لأن واضعها الأول هو العرب لما كان القرآن كله عربيا، واستقام البحث من غير حاجة لوصف المفهوم بوصف لا يقبله إلا على طريق المجاز. تقرير كلامه في هذا الدليل دائر بين نصرة مذهبه، ومذهب القاضي، ولا يتعين لأحدهما؛ لأن المجاز عن اللفظ اللغوي لا يخرج عن كون اللفظ عربيا، بل لو قيل: هذا الدليل ظاهر في إثبات مذهب القاضي دون مذهبه لم يبعد؛ لأن اللفظ المجازى لا يفيد أصلا، بل المفيد هو المجموع من اللفظ والقرينة. أما على مذهب القاضي فالمفيد هو اللفظ، هذا إذا جرينا على قوله في الإفادة، ويمكن أن يقال: بل هو ظاهر في مذهبه، وقوله بالمجاز فقط لقوله: لو لم تكن إفادتها لهذه المعاني، وهذه إشارة إلى العبادات بخصوصها، وهذه بخصوصها لم يقل القاضي: إن الألفاظ أفادتها ألبتة، بل اللفظ إنما أفاد المسميات اللغوية، والعمائم التي ضمت المسميات اللغوية بأدلة خارجية. وقوله:) وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم). تقريره: أنه جعل عدم كون إفادة هذه الألفاظ لغوية ملزوما لعدم كون القرآن عربيا، فالملازمة واقعة بين عدمين، واللازم منفى؛ لأن القرآن عربي عملا بالنص، فينتفي الملزوم، وهو عدم كون إفادة هذه الألفاظ لغوية.

стр. 743

(قاعدة) (الملزوم): ما يحسن فيه (لو) كانت فيه (لو) أم لا. (واللازم) ما يحسن فيه اللام كانت فيه أم لا، نحو إن كان العدد عشرة فهو زوج، فلو قلت:.لو كان العدد عشرة لكان زوجا لصح، ولو قلت: لو كان زوجا لكان عشرة لم يصح، كقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾] الأنبياء: ٢٣ [، فجعل الملزوم بصيغة (لو) وهو الشريك، ولازمه الذي هو الفساد بصيغة (اللام)، ويؤنس ذلك أن تقول: الواو للواو، واللام للام؛ لأن الواو في ملزوم، والواو في لو، واللام في اللازم، وله اللام. (قاعدة) اللازم والملزوم لكل واحد منهما وجود وعدم، وأحدهما عقيم، والآخر منتج ، فالمنتج عدم اللازم ينتج عدم الملزوم، ووجود الملزوم ينتج وجود اللازم، فنقول: لو كان عشرة لكان زوجا، لكنه ليس بزوج، وليس بعشرة، لكنه عشرة فهو زوج، وعدم اللزوم ووجود اللازم عقيمان، فلو قلت: لكنه ليس بعشرة فليس زوجا لم يصح لاحتمال أن يكون زوجا كالستة أولا زوجا كالخمسة، فالثابت على تقدير عدم العشرة يحتمل أن يكون زوجا، وغير زوج، ووجود اللام لا يفيد شيئا، فلو قلت: لكنه زوج، فهو عشرة أو لا عشرة لم يلزم لاحتمال أنه ستة أو عشرة، فكل ما وجوده منتج فعدمه عقيم، وكل ما عدمه منتج فوجوده عقيم. (قاعدة) اللازم والملزوم قد يكون كل واحد منهما عدما نحو: لو لم يكن زوجا لم يكن عشرة، أو كل واحد منهما وجودا نحو: لو كان عشرة لكان زوجا، أو الملزوم وجودا، واللازم عدما نحو: لو كان عشرة لم يكن فردا أو الملزوم

стр. 744

عدما، واللازم وجودا نحو: لو لم يكن زيد ساكنا لكان متحركا، فهذه أربعة أقسام، وقد تقدم في أول الكتاب عند باب النظر اللازمة العلمية والظنية والكلية والجزئية، فيطالع من هناك. قوله: (أما فساد اللازم فكقوله تعالى: ﴿قرأنا عربيا﴾] يوسف: ٢ [. يرد عليه أن المحكوم به على الشيء الذي يسميه أهل المنطق المحمول، والنحاة الخبر قد يصح ثبوته لذلك الشيء باعتبار وجه من وجوهه، ولا يقتضى ذلك الشمول فيه، ويثبت له ضد ذلك الحكم باعتبار آخر في ذلك المحكوم عليه؛ كما نقول: زيد صديق باعتبار المؤمنين، وعدو باعتبار الكافرين، وكذلك مائل نافر، محب كاره، مؤمن كافر باعتبار الله تعالى، وباعتبار الطاغوت، وكذلك صور كثيرة تجتمع فيها الأحكام المتضادة بوجوده واعتبارات، فوصف القرآن بأنه عربي لا يقتضى أنه ليس بعجمي، فلعله مما تقدم من النظائر. وتقريره: أنه جاز أن يكون عربيا باعتبار صيغه ونظمه وتركيبه، لا باعتبار مفرداته كما قيل فيه: إنه معجز والمراد غير المفردات، فعلى هذا احتمل أن تكون فيه ألفاظ كثيرة غير عربية، وهو موصوف بأنه عربي كما تقدم. قوله: (دليلكم يقتضى أن هذه الألفاظ مستعملة فيما كانت العرب يستعملونها فيه). ] قلنا: لا نسلم أنه يلزم من كون الإفادة عربية أن تكون مستعملة فيما كانت العرب يستعملونها فيه [ بيانه: وذلك أن إفادة اللفظ ترجع لدلالة اللفظ، وقد تقدم في دلالة الألفاظ مباحث. أحدهما: في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل. والحمل: هو دلالة اللفظ، فقد يدل اللفظ على شيء، ويكون السامع

стр. 745

فهمه منه، ويكون المتكلم قد استعمله في غيره، بل صيغة العموم إذا ورد عليها التخصيص بالعقل أو غيره؛ لا تكون مستعملة في العموم، واللفظ العام إنما يفيد العموم، فالإفادة في شيء، والاستعمال في غيره. قوله: (الملازمة ممنوعة؛ لأن هذه الإفادة وإن لم تكن عربية، لكن العرب كانوا يعنون بها عين هذه المعاني، فكانت عربية). قلنا: قد تقدم أن اللفظ لا يكون عربيا لكون المستعمل عربيا، ولا عجميا، ولا عنى به هو ولا غيره معنى يريده، بل لكون الواضع الأول عجميا أو عربيا، فلا يصح قوله: فكانت في الجملة عربية كذلك. قوله: (القرآن يقال بالاشتراك على مجموعه، وعلى كل جزء منه). قلنا: هذا يقتضى أنه متواطئ، وأدلته بعد ذلك تقتضى التواطؤ، وأن لفظ القرآن موضوع للقدر المشترك بين أجزائه، وهو مطلق الجمع، وإذا كان موضوعا للقدر المشترك لا يكون اللفظ مشتركا؛ لأن المتواطئ مسماه واحد، والمشترك مسماه متعدد، فهما ضدان، والجمع بينهما محال. قوله: (القرآن مأخوذ من القراءة وهى الجمع). قلنا: النقول في كتب اللغة في الجمع قول العرب: قريت الماء، في الحوض إذا جمعته، فهو من ذوات الياء، ولم يقولوا: قرأت الماء بالهمزة. والقاعدة: أن الهمزة تخفف كحروف العلة، لا أن حروف العلة تصير همزة؛ لأن القاعدة الانتقال من الثقل للخفة لا من الخفة للثقل، فأخذ القرآن من قريت الماء في الحوض مشكل. قوله: (إذا ثبت أن بعض القرآن يسمى قرآنا لا يلزم من تسمية القرآن عربيا أن يكون كله عربيا.

стр. 746

تقريره: أن لفظ (قرآن) على هذا التقدير دائر بين جميع أجزاء القرآن، والمطلق يتأدى بصورة كما تقول: عند زيد ماء حلو لا يلزم أن جميع الماء، حلو؛ لأن الحكم كان على مطلق الماء لا على كل ماء فقوله تعالى: ﴿قرآنا عربيا﴾] يوسف: ٢ [يحتمل أنه أراد به الجزء الذي في القرآن عربي دون ما هو غير عربي. قوله: (الحروف التي في أوائل السور ليست عربية). قلنا: لا نسلم بل هي عربية؛ لأنه قد تقدم في حد الكلام أن العرب وضعت كل لفظة من هذه اللفظات لحرف من حروف الكلم، فالقاف للحرف الأول من قال،] الألف للثاني، واللام للثالث منه [، فجميع الحروف التي في أوائل السور موضوعة وضعا عربيا، وجمعها في أوائل السور كجمع كلمات عربية في اسم علم، فلو سمى شخص بإنسان طير سمك لم يقل أحد: إن هذا الاسم عجمي بل عربي، نعم يمنعه الصرف للتركيب والعلمية لا العجمة، فكذلك هذه الحروف التي في أوائل السرر كلها عربية. (التنبيه) العجب، من نقضهم بأربع كلمات فيها النزع وهي: المشكاة، والإستبرق، والقسطاس، والسجيل، والكلمات العجمية في القرآن كثيرة جدا، فقد قال النحاة: أسماء الملائكة كلها عجمية إلا أربعة: منكر، ونكير، ومالك، ورضوان، وأسماء الأنبياء كلها عجمية إلا أربعة: شعيب، وصالح، وهود، ورسول الله- ﷺ وعليهم أجمعين، فعلى هذا كل نبي أو ملك ذكر اسمه في القرآن فهو أعجمي، وكذلك ما ذكر مضافا من العجم غير هؤلاء نحو: فرعون، وهامان، وقارون، وآذر، وهو كثير، فالكلمات العجمية في القرآن مجمع عليها، ولا تحتاج لهذا التكلف، والقرآن إنما هو عربي باعتبار تراكيبه، واستعمالاته، ونظمه لا باعتبار جميع مفرداته.

стр. 747

قوله: (استثنى الله- تعالى- المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى: ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾] الذاريات: ٣٦ [). قلنا: هذا ليس استثناء؛ لأن النحاة إنما تعرب (غير) هاهنا مفعولا بـ (وجدنا) لا بالنصب على الاستثناء سلمنا أنه استثناء، لكن الاستثناء لا يقتضى اتحاد اللفظ، ولا اتحاد المعنى، وان كان الاستثناء، متصلا تقول: لبست كل ثوب إلا الكتان فهذا متصل، واللفظ متباين، فإن الكتان لم يوضع للثوب، والمعنى غير متحد؛ فإن عموم الثياب غير خصوص الكتان، فدعوى الاتحاد استدلالا بالاستثناء لا تصح، بل كان ينبغي أن يقول: لو كان معنى الإسلام مباينا للإيمان، ومغايرا له لما انتظم الكلام؛ فإنك إذا قلت: أخرجت جميع أعدائك فما وجدت غير بيت من أصدقاتك لم ينتظم لتباين المعنيين حتى تقول: فما وجدت غير بيت من أعدائك. قوله: (والفاسق لا يستغفر له الرسول حال كونه فاسق، بل يلعنه (. قلنا: لا نسلم، بل نحن مأمورون بالاستغفار للعصاة، والدعاء لهم بالمغفرة والهداية، وتيسير الطاعة، بل نفعل ذلك مع اليهود فضلا عن الفسقة، بل العاصي أحوج للشفاعة، والدعاء من الطائع، وأما اللعنة فمنهي عنها، وقد قال ﵇: (المؤمن لا يكون لعانا). قوله: (قالوا: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾] آل عمران: ١٩٢ [، ولم يكذبهم). قلنا: قد حكى الله -تعالى- أقوالا كثيرة باطلة ولم يكذب قائلها نحو

стр. 748

قولهم: ﴿ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾] المائدة: ١٩ [، وقولهم: ﴿لو أن لي كرة فأكون من المحسنين﴾] الزمر: ٥٨ [، ولم يكذب الله -تعالى- هذا القول مع أنه باطل؛ لأن من قدر الله -تعالى- عليه العذاب لا يكون محسنا أبدا، وقد قال الله تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا﴾] الأنعام: ٢٨ [غير أن بعض العلماء قال: إنما يترك الله -تعالى- الرد على الأقوال الباطلة إذا كانت ظاهرة البطلان، أما إن خفي البطلان، فيحتمل الصدق، فيرده، وقوله تعالى: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾] آل عمران: ١٩٢ [ليس ظاهر البطلان، بل مقطوع الصحة، وكفى بالنار خزيا للمعذب بها. (سؤال) هذا الوجه الرابع وضع في الشكل الثاني، وشرطه: اختلاف مقدمته في الكيف وكلية الكبرى ، والكبرى هاهنا جزئية؛ لأن قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا معه﴾] التحريم: ٨ [، هذه المعية إن حملناها على المعية في عدم الجزئي دخله التخصيص بما دلت عليه أحاديث الشفاعة أن طوائف من المؤمنين يدخلون النار، وإن حملناها على المعية في الإيمان في زمانه كان أرجح لوجهين: الأول: أن المعية حقيقة في الزمان دون المعية في الصفة. الثاني: أن يكون أبعد عن التخصيص فيتعين، وعلى هذا التقدير يكون المراد بعض المؤمنين، فتكون الكبرى جزئية فلا تنتج. قوله: (حال كونه مؤمنا يسمى مؤمنا). قلنا: مجاز، فاستوي الإيمان بمعنى التصديق، وبمعنى الأعمال في كونه حالة البر، وفيه مجاز.

стр. 749

قوله: (يلزم أن يكون المصدق بالطاغوت مؤمنا). قلنا: نحن نقول: حيث أطلق الشرع لفظ الإيمان أراد اللغوي، ثم دلت الدلائل من خارج على أن المراد خصوصيات أخر، كما قلنا في الصلاة والصوم، فدلالة الدليل على الخصوصية لا يكون الشارع أراد باللفظ مطلق التصديق الذي يصدق بكل تصديق، وهو الجواب عن السابع. قوله: (التصديق بوحدانية الله -تعالى- لا يجامع الشرك يعنى في القلب، فيتعين صرف الإيمان للأعمال). قلنا: لا يمتنع اجتماعهما في القلب؛ لأن النفس ذات جواهر نورانية يقبل كل جوهر منها ضد ما قبله الآخر، فيقوم بجوهرين منها التوحيد، والشرك، ويكون الإيمان على بابه للتصديق من غير نقل، ولذلك يقول: يقوم بالنفس العلم بشيء،، والجهل بشيء آخر، فكذلك هاهنا يمكن التصديق ببعض ما جاءت به الشريعة، والشرك لا ينافيه كما أن المشرك يصدق بتحريم القتل وغيره مع أنه مشرك. قوله: (سمى الطائر الذي مع السابق مصليا). قال أئمة اللغة: أسماء الخيل في حلبة السباق عشرة يجمعها قول الشاعر] الطويل [: أتانا المجلى والمصلى وبعده الـ .... مسلى ونال بعده عاطف يسرى ومرتاحها ثم الحظى مؤمل .... وجاء اللطيم والسكيت له يبرى فهذه أسماؤها على التوالي من أولها إلى آخرها السابق فالسابق. قوله: (الصلا عظم الورك). المشهور: أن الصلا عرق في الظهر عند العجز، ثم يتفرع في الوركين عرقان مسميان صلوين، ومنه قول ابن دريد في صفة الفرس] الرجز [:

стр. 750

قريب ما بين القطاة والمطا ... بعيد ما بين القذال والصلا فالقطاة: مقعد الرديف، والمطا: الظهر، والقذال: ما بين الأذنين، فهو يصفه بطول العنق. قوله: (الصلاة لا يفهم منها اليوم الدعاء ولا غيره مما قيل فيها). قلنا: عدم الفهم قد يكون لغلبة الاستعمال، ولا نزاع فيه، إنما النزاع في نقل الله -تعالى- لها أول نزول هذه الألفاظ، أما اشتهارها بعد ذلك بغلبة الاستعمال فمتفق عليه، وهو الجواب عن كثير من أسئلتهم. قوله: (الصلاة الأخرس صلاة ولا دعاء فيها). قلنا: هذا يتخرج على أن الكلام وتوابعه موضوع للساني، أو النفساني، أو هو مشترك، وهو المشهور، يمنع ألا يكون للأخرس دعاء، فإنه يدعو بكلامه النفساني حقيقة لغوية. قوله: (الزكاة للزيادة، وفى الشرع للتنقيص). قلنا: مال الإنسان ما ينتفع به، فالمال في الحقيقة ما كان عند الله -تعالى- كما قال ﵇: (يربى الله -تعالى- لأحدكم صدقته كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله).

стр. 751

وقال ﵇: (ليس لك من مآلك إلا ما أنققت في فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت). وقال الله تعالى: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ﴾] النحل: ٩٦ [، والمخرج في الزكاة زائد في المال الأخروي، ولذلك كان بعض السلف يقول للسائل: مرحبا بمن جاء يحول مالنا لدارنا. قوله: (الدعاء هو الجزء المقصود في الصلاة لقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لذكرى﴾] طه: ١٤ [). قلنا: هذا يبطل بوجوده: أحدهما: أن الأركان مجمع عليها بخلافه. وثانيها: قوله ﵇: (أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا). ولم يقل: قارئا ولا داعيا، وذلك يدل على أن السجود أفضل. وثالثها: قوله ﵇: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا

стр. 752

ذكرها)، فإن الله -تعالى يقول: ﴿أقم الصلاة لذكرى﴾] طه: ١٤ [أخرجه مسلم، وهو يدل على أن المراد بالذكر ذكر العبادة لا ذكر الله تعالى، وإلا لما ارتبط الكلام. قوله: (كون اللفظ ليس عربيا ليس لذاته، بل لكونه دالا على المعنى المخصوص (. قلنا: لا نسلم ذلك، بل إنما تكون عربية لكون واضعها الأول عربيا، كما تقدم بيانه. قوله: (لو كان القرآن يصدق على أجزائه لما صدق أن الله -تعالى- إنما أنزل قرأنا واحدا). قلنا: كما يصدق أن ماء النيل ماء واحد، وماء البحر المالح ماء واحد، مع أن كل جزء من أجزائه يسمى ماء، وما ذلك إلا أن الوحدة تطلق

стр. 753

باعتبارات عديدة، فيقال: واحد بالنوع، وواحد بالشخص، وواحد بالمذهب، وواحد بالصفة، وواحد بالزمان، وواحد بالمكان، وكل شيء أضيفت إليه الحقيقة أمكن أن تكون واحدة به، كذلك القرآن واحد بالنوع لا واحد بالأجزاء، أو واحد بالمبدأ والمختم، وكما يقول: كلام الله- تعالى- واحد، وهو أمر، ونهى، وخبر، وكل واحد منها يسمى كلاما لله تعالى. قوله: (يقال في كل سورة: إنها بعض القرآن، ومن القرآن، فدل على أن القرآن لا يصدق على كله). قلنا: نقول في كل غرفة من الماء من البحر: إنها من الماء، وبعض. الماء، مع صدق لفظ الماء على جميع أجزاء الماء، وكذلك بقية النظائر المتقدمة. (سؤال) قال (سراج الدين): كل القرآن وبعضه لا يعارض الذي ذكره؛ لصدق القرآن على الجزء والكل بالاشتراك اللفظي والمعنوي يعنى: أن لفظ القرآن لما كان مشترك بين البعض والكل عندهم صدق بعض القرآن باعتبار أحد المسميين، وذلك لا ينافى الاشتراك في اللفظ، ولم يدعوا غيره. وقوله: (الحروف التي في أوائل السور أسماء السور). قلنا: هذا لا يخلص من السؤال؛ لأن الخصم قال: وجد في القرآن ما ليس بعربي، وإذا كانت أسماء السور، فالمسمى بها هو الله تعالى، وإنما يكون اللفظ عربيا، إذا كان المسمى عربيا،، وهاهنا ليس كذلك، فإذا جعلها أسماء السور لا تكون عربية، وهو مطلوب الخصم، بل الجواب عن ذلك ما تقدم في الإيراد على هذا الوضع عند ذكره في هذا الشرح. قوله: (في المشكاة ونحوها لا مانع من كونها عربية أيضاً).

стр. 754

قلنا: مسلم، ولكن ما الموجب لكونها عربية، فلا يلزم من عدم المانع من وقوع الشيء وقوعه، بل الوقوع يتوقف على السبب بعد انتفاء المانع، لاسيما وقد نقل أنها عجمية، والأصل عدم وضع العرب لها، فمذهب الخصم معضود بأصلين: عدم السبب، وعدم الوضع، وأنتم لم تقيموا الدلالة على خلاف ذلك. قوله: (العام إذا خص بقى فيما عدا محل التخصيص حجة). قلنا: القرآن على رأيك اسم للكل لا لكلية، والعام: هو الموضوع للكلية، فاسم القرآن ليس من باب العموم، غير أن المقصود يحصل من جهة أن الدليل إذا دل على أن كل العشرة دراهم جياد، فخصص ذلك بدرهم منها بقى الدليل معمولا به، فيما عدا ذلك الدرهم مع أن العشرة كل لا كلية كما سيأتي في الفرق بينهما في (العموم) إن شاء الله تعالى. قوله: (الزكاة نقل فيها اسم السبب للمسبب). تقريره: إن الزكاة اسم للزيادة والنماء، وسبب وجوب الزكاة ملك الأموال النامية: العين، والحرث، والماشية، فسمى المسبب الذي هو إخراج ذلك الجزء زكاة إطلاقا لاسم السبب على المسبب. وقيل: من مجاز التشبيه؛ لأنها تزيد في تزكية نفس مخرجها، وصفات كماله لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾] التوبة: ١٠٣ [. قوله: ﴿وذلك دين القيمة﴾] البينة: ٥ [من لفظ الوجدان أي: وضع للمفرد). قلنا: مسلم، ولكن يعود على جميع ما مضى وصف مفرد مذكر تقديره: ذلك المذكور، والمذكور مفرد مذكر كما قال الله تعالى: ﴿والذين لا يدعون

стр. 755

مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾] الفرقان: ٦٨ [. أي: ومن يفعل ذلك المذكور، وقوله تعالى: ﴿عوان بين ذلك﴾] البقرة: ٦٨ [، مع أن (بين) لفظ لا يكون إلا بين اثنين، فعبر بذلك عن مجموعهما، وهذا الإضمار أولى من إضمار الدين والإخلاص؛ لأن الإشارة كالضمائر الأصل أن تعود إلى الملفوظ، أو ما هو أقرب إليه، والمذكور أقرب من الإخلاص للمنطوق. وقوله: (إضمارهم يؤدى إلى تغيير اللغة، بخلاف إضماره). ممنوع؛ لأن إضمارهم ذلك الذي أمرهم به كما قدره لهم، وهو لو صرح بهذا لم يكن فيه تغيير اللغة، غير أنه يريد بالتغير إطلاق لفظ دين القيمة على العبادات، وهذا أيضا ليس فيه تغير؛ لأن لفظ الدين له محامل نقلها أئمة اللغة أحدهما الطاعة، وهو المراد هاهنا فلا تغير ألبتة. قوله: (الإيمان في عرف الشرع: تصديق رسول الله ﷺ في كل أمر ديني علم بالضرورة مجيئه به). يريد أن جاحد ما لم يعلم بالضرورة لا يخل بكونه مؤمنا، ولا تزول عصمة دمه بذلك. (الفرع الأول) قوله: (النقل يتوقف على نسخ الوضع السابق) لم يرد به النسخ الاصطلاحي الذي هو رفع الحكم الشرعي، بل اللغوي بمعنى أن ذلك الرجحان، والسبق إلى الذهن الذي كان للمسمى الأول عند الإطلاق بطل وصار للثاني، وهذا هو النسخ اللغوي؛ لأنه للإزالة. (الفرع الثاني) (قاعدة) متى كان اللفظ مطلقا على أشياء لا باعتبار مشترك بينها، فاللفظ مشترك

стр. 756

كلفظ (العين)، و (القرء)، ونحوهما لا يطلقان على تلك المسميات باعتبار مشترك بينها، ومتى كان يطلق باعتبار مشترك لم يكن اللفظ مشتركا من ذلك الوجه، كلفظ الحيوان يطلق على أنواعه باعتبار كونها جسما حساسا، فلا جرم لم يكن مشترك بل متواطئا، فلفظ الصلاة كلفظ العين على ما بينه. (سؤال) قال سراج الدين: يكون اللفظ موضوعا للفعل الواقع على أحد هذه الوجوه المخصوصة ، وعلى هذا يكون متواطئا. قوله: (والأظهر أن المترادفة لم توجد) يشكل عليه بما قدم أول الكتاب من أن الفرض مرادف للواجب، وقد وجدا معا في أصل الشريعة مطلقين على شيء واحد، ففي الحديث الصحيح خرجه مسلم، قال رسول الله- ﷺ حكاية عن الله تعالى: (ما تقرب إلى عبد بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه). فالمراد: هاهنا جميع الواجبات إجماعا؛ ولأنه قابلها بالنوافل، وقد سماها قربا، فثبت الترادف. (الفرع الثالث) قوله: (الفعل دال على حصول المصدر لشيء غير معين في زمان معين) . يريد بغير المعين الفاعل، وبالزمان المعين أحد الأزمنة الثلاث، فتعين الزمان بالنوع لكونه يعين أحد الثلاثة، إما الماضي، أو الحال، أو المستقبل،

стр. 757

والفاعل لم يتعين بشيء من ذلك، فجعله غير معين، وكلاهما غير معين بالشخص، بل التعين في أحدهما بالنوع، والآخر مسلوب التعين مطلقا. (سؤال) قوله: (إذا كان المصدر لغويا استحال كون الفعل شرعيا) . قلنا: لا نسلم لأن المصدر، والفعل صيغتان لكل واحدة منهما مسمى يخصها، لا يلزم من حصول النقل في إحديهما النقل في الأخرى، ولا التجوز بإحديهما التجوز بالأخرى؛ لأنك تعلم بالضرورة أنه إذا نطق الإنسان بالمصدر قد سكت عن لفظ الفعل، وبالعكس، نعم مسمى المصدر هو جزء مسمى الفعل، لا أن المصدر نفسه جزء الفعل، بل هما صيغتان مختلفتان في البناء، ويكفى أن إحداهما اسم والأخرى فعل، وحينئذ جاز أن ينقل الشرع الفعل دون المصدر فيكون المصدر لغويا، والفعل شرعيا، وكذلك قد ينقل صاحب الشرع المصدر دون الفعل، فيكون المصدر شرعيا، والفعل لغويا فلا ملازمة بين الطرفين، وبحثه هاهنا كبحثه في أن المصدر لا يكون بالذات إلا في (أسماء الأجناس)، وهو باطل على ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى. (الفرع الرابع) الخلاف في صيغ العقود الذي أشار إليه هو مع الحنفية، مع أن بعضهم يقول: المنقول عندنا أنها إنشاءات ، واحتجوا لكونها إخبارات: بأن الإخبارات هو أصلها إجماعا غير أن الشرع ربط الأحكام بها، وذلك لا يقتضى إخبارا إن كانت أخبارا أن تكون كاذبة، فهل نجعلها إنشاء، فلا يدخلها الصدق ولا الكذب؟ أو نقول: الشرع يقدر تقدم مخبراتها عليها بالزمن الفرد لضرورة تصديقه، قالوا: هذا أولى لوجوه. أحدها: لأن التقدير متفق عليه إجماعا، والنقل مختلف فيه

стр. 758

وثانيها: أن التقدير من باب الإضمار الذي تكفى فيه أدنى قرينة، والنقل يحتاج لمقدمات لأكثر كما تقدم تقريره. وثالثها: على تقدير الإضمار يكون اللفظ حقيقة لغوية، وعلى تقدير النقل يكون مجازا لغويا، والحقيقة أولى من المجاز، ثم إن التقدير واقع في الذي قال: اعتق عبدك عنى، فيقدر دخول العبد في ملك الآمر قبل العتق بالزمن الفرد، وتقدير الدية في ملك المقتول خطأ قبل موته بالزمن الفرد، وتقدير، النقود، والقيم والأعيان في السلم، والمنافع في الإجارات في الذمم حتى يصح ورود العقد عليها، وقد بينت في كتاب (الأمنية في إدراك النية) أن غالب أبواب الفقه لا بد فيه من التقدير، فالعدول إلى القاعدة العامة أولى من النقل المختلف فيه، احتج المخالفون بأن علامة الحقيقة موجودة في هذه الألفاظ من المبادرة عند عدم القرينة، والاستعمال مع التجريد عنها وغير ذلك، فوجب القول بأنها حقيقة، ولا نعنى بالنقل إلا ذلك. (قاعدة) الفرق بين الإنشاء والخبر من ثلاثة أوجهٍ: الأول: أن الأخبار يدخلها التصديق والتكذيب، بخلاف الإنشاء. الثاني: أن الخبر تابع لتقرر مخبره في زمانه ماضيا وحالا أو مستقبلا، والإنشاء، يتبعه مدلوله ومتعلقه، فالخبر تابع، والإنشاء متبوع. الثالث: أن الخبر ليس سببا لمدلوله، والإنشاء سبب لمدلوله، قولنا: قام زيد، ليس سببا لقيامه

стр. 759

وقولنا: أنت حر سبب للعتق. قوله: (لو كانت إخبارا عن الماضي أو الحال لامتنع تعليقه). قلنا: لا نسلم، ومستند المنع أنه إذا قال: إن دخلت الدار فأنت حر، هذا عندنا إخبار عن ارتباط العتق بالدخول، فنحن نقدر بعد نطقه بصيغة التعليق الارتباط قبل نطقه بالزمن الفرد لضرورة تصديقه، ومتى كان المخبر قبل الخبر، ولو بالزمن الفرد صدق على ذلك الخبر أنه ماض؛ لأنا لا نعنى بالخبر عن الماضي إلا الذي يتقدمه مخبره، فقد اجتمع التعليق، وكونه خبرا عن ماضٍ من غير محال، وإما يمتنع تعليق الماضي إذا كان واقعا قبل النطق بالخبر، أما (ذا كان معدوما قبله، وقدرناه بعده بالزمن الفرد فليس محالا، وإذا كان الماضي أعم مما يصح تعليقه صح المنع في أنه لو كان ماضيا امتنع تعليقه لما بيّنا. (قاعدة) عشر حقائق في اللغة لا تتعلق إلا بالاستعمال دون الحال والماضي: الأمر، والنهي، والدعاء، والشرط وجزاؤه، والوعد، والوعيد، والترجي، والتمني، والإباحة. فهذه القاعدة هي أصل هذا البحث، ويبنى عليها فوائد كثيرة في الأصول، والفروع، والكتاب، والسنة، ويفهم منها معنى قوله ﵇: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم ...) الحديث، ويندفع الإشكال في أن هذا الحديث يقتضى تفضيل إبراهيم على محمد عليهما أفضل السلام؛ لأن المشبه دون المشبه فتأمل ذلك، فليس هذا موضع بسطه، وهي قاعدة جليلة، فاضبطها ضبطا حسنا.

стр. 760

قوله: (لو كانت الصيغة كذبا لم يعتبرها الشرع. تقريره: أن الشرع لا يعتبر الخبر الكذب في أن يرتب عليه ما يرتبه على الصدق، فمن قال: أنا زنيت بهذه وهو مجبوب لا نحده، أو قال: اليوم سرقت من الهند مالا لا نقطعه ونحو ذلك؛ لأن الأحكام تتبع المصالح والمفاسد، والخبر الكاذب ليس معه مفسدة المخبر عنه، ولا مصلحته، فلا يترتب حكم. قوله: (الخبر الصدق يتوقف على وجود المخبر عنه). قلنا: لا نسلم؛ فإن الخبر عن المستقبل صدق، ومخبره لم يوجد بعد، بل ينبغي أن يقول: الخبر الصدق يتوقف على تقرير مخبره في زمانه ماضيا أو حالا أو مستقبلا، فلولا تقرر قيام الساعة لما صح إخبارنا عنها، وكذلك جميع المستقبلات فلفظ التقرر أولى من لفظ الوجود، ثم إنه ينتقض بالخبر عن المستحيلات نحو الخبر عن اجتماع النقيضين، وغيره فإنه إخبار عما لا يقبل الوجود ألبتة، وبالخبر عن عدم العالم وجميع أجزائه، فإن العدم لا يقبل الوجود وإن قبله المعدوم. قوله: (يلزم الدور). قلنا: لا نسلم بل هاهنا ثلاثة أمور: الخبر، وتقدير الطالقية قبله بالزمن الفرد، وصدق الخبر، فالواقع في الرتبة الأولى الخبر، ثم تقدر بعد النطق به الطالقية لضرورة التصديق، فيصير صادقا بعد التقدير، فاللفظ متوقف عليه مطلقا، ولم يتوقف على شيء، والصدق متوقف مطلقا، ولم يتوقف عليه شيء، وتقدير الطالقية متوقف عليه، فيتوقف على اللفظ، ويتوقف عليه الصدق، وإذا كان الأمر واقعا على هذا الترتيب بين ثلاثة أشياء فلا دور، إنما الدور بين شيئين يتوقف كل واحد منهما على الآخر توقفا سبقيا احترازاً

стр. 761

عن التوقف المعى؛ فإنه لا دور فيه، فإذا قلت: (لا أخرج حتى يخرج زيد معي)، وقال زيد: (لا أخرج حتى يخرج عمرو معي). خرجتما معا من غير محال، بخلاف إذا قال كل واحد منكما قبل قوله، ومقدوره ليس إلا قوله: طلقت، فيكون مؤثرا في الطالقية. (قاعدة) متى ورد التكليف بشيء غير مكتسب تعين صرفه لسببه ، أو لثمرته، ويعنى بالمكتسب ما يقدر المأمور على إيجاده أو إعدامه عادة إما متعين الوقوع، أو متعين الانتفاء لا يرد التكليف به في عادة الشرع، وان جوزنا تكليف ما لا يطاق؛ لأن الشرع لم يجزه في عوائد شرعه، فالنازل من الشاهق لا يكلف بالنزول؛ لأنه متعين الوقوع، ولا بالطلوع؛ لأنه متعين الانتفاء عادة. مثال ما يتعين صرفه لثمرته قوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾] النور: ٢ [. والرأفة أمر يهجم على القلب اضطرارا عند وجود سببه، فلا يمكن رفعه، فيتعين صرفه لثمرته. قال ابن عباس- ﵁: معنى الآية لا تنقصوا الحدود؛ لأن الإنسان إذا غلب عليه الإشفاق كان ذلك سببا لتنقيصه الحد، فهو المنهي عنه لا الرأفة التي هي الرقة والرحمة الواقعة في القلب، فإنها ضرورية للبشر، وكذلك قوله تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن﴾] الحجرات: ١٢ [مع أن الظن يهجم عند قيام أسبابه، ولا قدرة لأحد على دفعه عن نفسه؛ فيتعين صرفه لآثاره، فإذا حصل ظن من الظن المنهي عنه، وهو الظن الناشيء من غير سبب شرعي، كأن دلت الأمارة العادية لا الشرعية على أنه زنا، لا يجوز لنا أن نقول: فلان زنا، فلا نتحدث، ولا نفسق، ولا نرتب في حقه شيئا من الأحكام والآثار التي شأنها أن تترتب في حق الزناة، فالنهي

стр. 762

منصرف لهذه الآثار، دون أصل الظن، فالذي قال لعمر ﵁: (رأيت استا ينبو ونفسا يعلو، ورجلين كأنهما أذنا حمار، ولم أدر ما وراء ذلك يا أمير المؤمنين). ليس في قدرته أن يدفع الظن عن نفسه في أن المرء، كذلك زنا لكن النهى عن الآثار. مثال ما ينصرف لسببه قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾] آل عمران: ١٠٢ [نهي الموتى متعذر فيتعين صرفه للأسباب السابقة، أي: تعاطوا الأسباب التي تقتضى أن يكون الموت آت في حالة الإسلام، وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾] النساء: ٤٣ [. السكران ليس أهلا للنهى، بل معناه النهي عن الأسباب التي تفضي لهذه الحالة عند الصلاة. إذا تقرر هذا قلنا قواعد: (القاعدة الأولى) أن التحريم كلام الله تعالى القديم، القديم لا يتصور كسبه للعبد . (القاعدة الثانية) أن الطلاق فيه معنيان: أحدهما: قول القائل: أنت طالق. الثاني: التحريم المترتب عليه، والثاني غير مقدور لما تقدم في الفروق الثلاثة، فإذا تعذر صرف الأمر للطلاق بمعنى التحريم تعين حمله على سببه، وهو قوله: أنت طالق إذ غيره منفى إجماعا، فيكون اللفظ سببا، ولا نعنى بكونه إنشاء إلا كونه سببا، فهذا تقرير هذا الموضع.

стр. 763

قوله: (لو أضاف الطلاق للرجعية وقع، وإن كان صادقا بدون الوقوع). تقريره: أن تقدير المخبر قبل التلفظ إنما كان لضرورة التصديق، وهذا صادف لتقدم الطلاق منه فصدق في قوله: أنت طالق، فانتفى سبب التقدي، فلا يثبت التقدير، ولا يلزم الرجعية طلاق أبدا، وهو خلاف الإجماع، ويرد عليه أنه إخبار عن طلقة أخرى بعد الأولى، ويقدر وقوع طلقة أخرى بعد الأولى لضرورة تصديقه، فنحن على القاعدة المتقدمة لم تنتقض. (سؤال) جعل كون صيغ العقود إنشاءات مفرعا على الحقيقة الشرعية مع أنها إنشاءات في زمن العرب قبل ورود الشرع، فيكون هذا الفرع مفرعا على الحقيقة العرفية لا الشرعية، ويمكن أن يقال: إن الشرع لما وضعها أسبابا فقد وضعها، فهي من فروع الحقيقة الشرعية، لكنه لا يصح؛ لأن هذه الصيغ من (بعت) و (اشتريت) كانت أسبابا عند العرب، وكانت تنشئ هذه الأحكام بها، فأقرها صاحب الشرع، واستثنى بعضها عن الحل، وزاد في بعضها شروطا. (تنبيه) في (الحاصل) عبارة مشكلة التقدير . فقال: لنو كانت لم إخبارات كاذبة فلا عبرة بها أو صادقة، فإما آن يتوقف وجود مفهوماتها عليها؛ فيدور لتوقف الصادقية على وجود المفهوم، وبالعكس بالتقدير،) أو لا يتوقف، وهو باطل بالإجماع. فقوله: (وبالعكس بالتقدير هو المشكل). ومراده بالتقدير ما تقدم من قوله: إما أن يتوقف وجود مفهوماتها عليها.

стр. 764

فهذا التقدير هو توقف المفهومات التي هي الطلاق وغيره على صيغ العقود، فقوله: لتوقف الصادقية على وجود المفهوم، هذا في نفس الأمر. وقوله: (وبالعكس). يعنى، ويتوقف المفهوم عليها بالتقدير المتقدم، فيلزم الدور. وقال التبريزى: وقع في الحقيقة الشرعية ما وقع في العرفية من النقل عن المسمى اللغوي إلى مسمى آخر، ومن التخصيص ببعض المسميات، فالنقل كلفظ الصلاة، نقل عن الدعاء للأفعال المخصوصة، والتخصيص كالصوم ونحوه يخصص ببعض أنواع الإمساك. قال: واحتج القاضي على امتناع النقل بأمرين: أحدهما: خروج القرآن عن كونه عربيا. وثانيهما: أن النبي- ﵇ لو فعل ذلك للزمه تعريف الأمة كيلا يكون تجهيلا، أو تلبيسا؛ لأنهم لا يفهمون عند الإطلاق إلا المعنى اللغوي، ولو وقع التعريف لكان متواترا؛ إذ لا حجة في الآحاد. قال: والجواب عن الأول أنه إنما يلزم المعتزلة قالوا بالنقل، وأما نحن فنقول بالاستعارة. وعن الثاني: أن القرائن دلت على ذلك مع الإجماع على أن هذه المسميات هي مقاصد الشرع. قال: ومن الدليل على العرف الشرعي قوله ﵇: (الفضل

стр. 765

ربا)، وقوله ﵇: (الطواف بالبيت صلاة)، وقوله عليه

стр. 766

السلام في الصلاة: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، وقوله عليه

стр. 767

السلام: (الذكاة ما أنهر الدم وفرى الأوداج). وحمل هذه على المسمى اللغوي يفسد الكلام، ويصيره خلفا، فتعين الشرعي. (تنبيه) كلام التبريزى هذا يدل على أن المعتزلة ينازعون القاضي، وينازعهم في النقل من قبل الله تعالى، ومن قبل رسوله- ﷺ وأن النقل لا يختص بالله تعالى، وإن كان وضع الشرع يختص به، ورسول الله- ﷺ وهو مبلغ، فقد يسبق إلى الذهن أن وضع اللفظ كذلك، وأن النزاع خاص بالوضع من قبل الله- تعالى- فقط. (التنبيه) قال الشيخ سيف الدين، والغزالي في (المستصفى): اختلفوا في اشتمال القرآن على كلمة غير عربية ، فأثبته ابن عباس، وعكرمة- ﵄ ونفاه الباقون، واحتج النافون بقوله ﴿بلسان عربي مبين﴾] الشعراء: ١٩٥ [، واحتج المثبتون بالمشكاة وما تقدم، وأجيبوا بأن اللغات قد تشترك في الكلمة كلفظ (ثبور)، فقد قيل: اتفقت فيه جميع اللغات، وقد علمت مما تقدم أن في القرآن كلمات عجمية كثيرة جدا، وأن العجاب من وقوع

стр. 768

الخلاف فيه، إلا أن يكون الخلاف في أسماء الأجناس دون الأعلام، فيتجه غير أنه يرد عليه أمران: الإطلاق في موضع التفصيل، وصحة حجة النفاة؛ فإن الوصف بالعربية كما ينتفي بالجنس ينتفي بالعلم. (فائدة) قال موفق الدين المقدسي في كتاب (الروضة): الأسماء الشرعية التي اختلف فيها إذا أطلقت قال القاضي: (هي مجملة). وقال الفقهاء: تحمل على عرف الشرع ؛ لأن القاعدة أن كل متكلم يحمل لفظ على عرفه، فهذه فائدة تظهر في الخلاف في هذه المسألة. ***

стр. 769

القسم الثاني في المجاز وفيه مسائل قال الرازي: المسألة الأولى: في أقسام المجاز: المجاز: إما أن يقع في مفردات الألفاظ فقط، أو في مركباتها أو فيهما معا: أما الذي يقع في المفردات فكإطلاق لفظ (الأسد) على الشجاع، و (الحمار) على البليد. وأما الذي يقع في التركيب، فهو أن يستعمل كل واحد من الألفاظ المفردة في موضوعه الأصلي، لكن التركيب لا يكون مطابقا لما في الوجود؛ كقوله] المتقارب [: أشاب الصغير وأفنى الكبيـ .... ر كر الغداة ومر العشى فكل واحد من الألفاظ المفردة التي في هذا البيت مستعمل في موضوعه الأصلي، ولكن إسناد (أشاب) إلى (كر الغداة) غير مطابق لما عليه الحقيقة؛ فإن الشيب يحصل بفعل الله تعالى لا بكر الغداة. وأما الذي يقع في المفردات والتركيب معا، فكقولك لمن تداعبه: أحياني اكتحالي بطلعتك؛ فإنه استعمل الإحياء لا في موضوعه الأصلي، ولفظ الاكتحال لا في موضوعه الأصلي، ثم الإحياء إلى الاكتحال، مع أنه غير منتسب إليه.

стр. 770

وقد جاء في القرآن والأخبار من الأقسام الثلاثة شيء كثير، والأصوليون لم يتنبهوا للفرق بين هذه الأقسام، وإنما لخصه الشيخ عبد القاهر النحوى. المسألة الثانية: في إثبات المجاز المفرد: الدليل عليه: أنهم يستعملون (الأسد) في الشجاع، و (الحمار) في البليد؛ مع اعترافهم بان الأسد والحمار غير موضوعين في أول الأمر لهذين المعنيين، بل أنهما أطلقا عليهما؛ لما مفهوميهما، وبين هذين الأمرين من المشابهة، ولا معنى للمجاز إلا ذلك. واحتج المانعون منه: بان اللفظ لو أفاد المعنى على سبيل المجاز، فإما أن يفيده مع القرينة، أو بدون القرينة. الأول باطل؛ لأنه مع القرينة المخصوصة لا يحتمل غير ذلك، فيكون هو مع تلك القرينة حقيقة فيه لا مجازا، وبدون تلك القرينة غير مفيد له أصلا، فلا يكون حقيقة ولا مجازا. فظهر أن اللفظ على هذا التقدير لا يكون مجازا لا حال القرينة، ولا حال عدم القرينة. والثاني أيضا باطل: لأن اللفظ لو أفاد معناه المجازى بدون قرينة، لكان حقيقة فيه؛ لأنه لا معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالإفادة بدون القرينة. الجواب: أن هذا نزاع في العبارة؛ ولنا أن نقول: اللفظ الذي لا يفيد إلا مع القرينة هو المجاز، ولا يقال: اللفظ مع حقيقة فيه؛ لأن دلالة القرينة ليست دلالة وضعية، حتى يجعل المجموع لفظا واحدا دالا على المسمى.

стр. 771

المسألة الثالثة: في أقسام هذا المجاز ، والذي يحضرنا منه اثنا عشر وجها: أحدهما: إطلاق اسم السبب على المسبب، والأسباب أربعة: القابل والصورة والفاعل والغاية. مثال تسمية الشيء باسم قابلة قولهم: سال الوادى. ومثال التسمية باسم الصورة: تسميتهم اليد بالقدرة. ومثال التسمية باسم الفاعل حقيقة أو ظنا: تسمية المطر بالسماء. ومثال التسمية باسم الغاية: تسمية العنب بالخمر، والعقد بالنكاح. وثانيهما: إطلاق اسم المسبب على السبب: كتسمية المرض الشديد والمذلة العظيمة بالموت، ويحتمل أن يكون وجه المجاز هاهنا ما بين الأمرين من المشابهة، ثم هاهنا بحثان: البحث الأول: أن العلة الغائية حال كونها ذهنية- علة العلل، وحال كونها خارجية- معلولة العلل، فقد حصلت لها علاقتا العلية والمعلولية؛ وكل واحدة منهما علة لحسن التجوز إلا أن نقل اسم السبب إلى المسبب، أحسن من العكس؛ لأن السبب المعين يقتضى المسبب المعين لذاته. وأما المسبب المعين فإنه لا يقتضى لذاته السبب المعين على ما بينا الفرق بينهما في الكتب العقلية. وإذا كان كذلك كان إطلاق اسم السبب على المسبب أولى من العكس. الثاني هو: أن العلة الغائية لما اجتمع فيها الوجهان: السببية، والمسببية، كان استعمال اللفظ المجازى فيها أولى من سائر المواضع؛ لاجتماع الوجهين.

стр. 772

وثالثها: تسمية الشيء باسم ما يشابهه؛ كتسمية _الشجاع) أسدا، و (البليد) حمارا، وهذا القسم على الخصوص هو المسمى بالمستعار. ورابعها: تسمية الشيء باسم ضده؛ كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾] الشورى: ٤٠ [، ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾] البقرة: ١٩٤ [، ويمكن جعل ذلك من باب المجاز للمتشابهة؛ لأن جزاء السيئة يشبهها في كونها سيئة، بالنسبة إلى من يصل إليه ذلك الجزاء. وخامسها: تسمية الجزاء باسم الكل؛ كإطلاق اللفظ العام، مع أن المراد منه الخصوص. وسادسها: تسمية الكل باسم الجزء، كما يقال للزنجى: إنه أسود والأول أولى؛ لأن الجزء لازم الكل، أما الكل فليس بلازم للجزء. وسابعها: تسمية إمكان الشيء باسم وجوده، كما يقال للخمر التي في الدن: إنها مسكرة. وثامنها: إطلاق اللفظ المشتق بعد زوال المشتق منه؛ كقولنا للإنسان بعد فراغه من الضرب: إنه ضارب. وتاسعها: المجاورة؛ كنقل اسم الرواية من الجمل إلى ما يحمل عليه من ظرف الماء، وكتسمية الشراب بالكأس، ويمكن جعله من المجاز بسبب القابل. وعاشرها: المجاز بسبب أن أهل العرف استعماله فيما كانوا يستعملونه فيه؛ كالدابة، إذا استعملت في الحمار.

стр. 773

فإن قلت: لفظ الدابة: إما أن يكون مجازا من حيث إنه صار مستعملا في الفرس وحده أو من حيث منع من استعماله في غيره. والأول من باب إطلاق اسم العام على الخاص، فلا يكون قسما آخر. والثاني: باطل؛ لأن المجازية كيفية عارضة للفظة؛ من جهة دلالتها على المعنى، لا من جهة عدم دلالتها على الغير. قلت: لفظ الدابة إذا استعمل في الحمار والكلب، كان ذلك مجازا بالنسبة إلى الوضع العرفي؛ لأنه يكون مستعملا في غير موضعه، لعلاقة بينه وبين موضوعه، ويكون ذلك حقيقة بالنسبة إلى الوضع اللغوي، إلا أن هذا المجاز من باب المشابهة؛ فلا يكون في الحقيقة قسما آخر. وحادي عشرها: المجاز بسبب الزيادة والنقصان، وقد ذكرنا مثاليهما، وبينا كيفية الحال فيهما. وثاني عشرها: تسمية المتعلق باسم؛ كتسمية المعلوم علما، والمقدور قدرة. المسألة الرابعة: في أن المجاز بالذات لا يدخل دخولا أوليا إلا في أسماء الأجناس . أما الحرف فلا يدخل فيه المجاز بالذات؛ لأن مفهومه غير مستقل بنفسه، بل لابد وأن ينضم إليه شيء آخر لتحصل الفائدة. فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه، فهو حقيقة فيه، وإلا فهو مجاز في المركب لا في المفرد.

стр. 774

وأما الفعل فهو لفظ جال على ثبوت شيء لموضوع غير معين، في زمان معين، فيكون الفعل مركبا من المصدر وغيره، فما لم يدخل المجاز في المصدر، استحال دخوله في الفعل الذي لا يفيد إلا ثبوت ذلك المصدر لشيء. وأما الاسم فهو: إما علم، أو مشتق، أو اسم جنس. أما العلم: فلا يكون مجازا؛ لأن شرط المجاز أن يكون النقل لأجل علاقة بين الأصل والفرع، وهي غير موجودة في الأعلام. وأما المشتق: فما لم يتطرق المجاز إلى المشتق منه، فلا يتطرق إلى المشتق الذي لا معنى له إلا أنه أمر ما حصل له المشتق منه. فإذن المجاز لا يتطرق في الحقيقة إلا إلى أسماء الأجناس، والله أعلم. المسألة الخامسة: أن لفظ الأسد لا يستعار للرجل الشجاع إلا لأجل المشابهة في الشجاعة ، لكن الرجل الشجاع كما يشبه الأسد في شجاعته، فقد يشبهه في صفات أخر؛ كالبخر وغيره، فلو كانت المشابهة كافية في ذلك، لجاز استعارة الأسد للأبخر، ولما لم يجز ذلك، صح قولنا. ولأنهم قد يطلقون النخلة على الرجل الطويل، ولا يطلقونها على غير الإنسان، وذلك يدل على اعتبار الاستعمال في المجاز. واحتج المخالف بوجهين: الأول: اتفقوا على أن وجوه المجازات والاستعارات مما يحتاج في استخراجها إلى تدقيق النظر، وما يكون نقليا لا يكون كذلك.

стр. 775

الثاني: أنك إذا قلت: (رأيت أسدا) وعنيت به الشجاع- فالغرض من التعظيم إنما يحصل بإعارة معنى الأسد له، فإنك لو أعطيته الاسم بدون المعنى، لم يحصل التعظيم. وإذا كانت إعارة اللفظ تابعة لإعارة المعنى، وإعارة المعنى حاصلة بمجرد قصد المبالغة، وجب ألا يتوقف استعمال اللفظ المستعار على السمع. والجواب عن الأول: أن المستخرج بالفكر جهات حسن المجاز. وعن الثاني: أن هذه الإعارة ليست أمرا حقيقيا، بل أمرا تقديريا، فلم لا يجوز أن يمنع الواضع منه في بعض المواضع، دون البعض؟! المسألة السادسة: في أن المجاز المركب عقلي: ومثاله في القرآن: قوله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة: ٢] وقوله: ﴿مما تنبت الأرض﴾ [يس: ٣٦]. فالإخراج والإنبات غير مستندين في نفس الأمر إلى الأرض، بل إلى الله تعالى، وذلك حكم عقلي ثابت في نفس الأمر، فنقله عن متعلقه إلى غيره نقل لحكم عقلي، لا للفظ لغوي؛ فلا يكون هذا المجاز إلا عقليا. فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: صيغة (أخرج وأنبت) وضعت في أصل اللغة بإزاء صدور الخروج والنبات من القادر، فإذا استعملت في صدورهما من الأرض، فقد استعملت الصيغة في غير موضوعها؛ فيكون هذا المجاز لغويا؟! قلت: إن أمثلة الأفعال لا تدل بالتضمن على خصوصية المؤثر:
следующие страницы →