← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

المسألة الثالثة: في أقسام هذا المجاز ، والذي يحضرنا منه اثنا عشر وجها: أحدهما: إطلاق اسم السبب على المسبب، والأسباب أربعة: القابل والصورة والفاعل والغاية. مثال تسمية الشيء باسم قابلة قولهم: سال الوادى. ومثال التسمية باسم الصورة: تسميتهم اليد بالقدرة. ومثال التسمية باسم الفاعل حقيقة أو ظنا: تسمية المطر بالسماء. ومثال التسمية باسم الغاية: تسمية العنب بالخمر، والعقد بالنكاح. وثانيهما: إطلاق اسم المسبب على السبب: كتسمية المرض الشديد والمذلة العظيمة بالموت، ويحتمل أن يكون وجه المجاز هاهنا ما بين الأمرين من المشابهة، ثم هاهنا بحثان: البحث الأول: أن العلة الغائية حال كونها ذهنية- علة العلل، وحال كونها خارجية- معلولة العلل، فقد حصلت لها علاقتا العلية والمعلولية؛ وكل واحدة منهما علة لحسن التجوز إلا أن نقل اسم السبب إلى المسبب، أحسن من العكس؛ لأن السبب المعين يقتضى المسبب المعين لذاته. وأما المسبب المعين فإنه لا يقتضى لذاته السبب المعين على ما بينا الفرق بينهما في الكتب العقلية. وإذا كان كذلك كان إطلاق اسم السبب على المسبب أولى من العكس. الثاني هو: أن العلة الغائية لما اجتمع فيها الوجهان: السببية، والمسببية، كان استعمال اللفظ المجازى فيها أولى من سائر المواضع؛ لاجتماع الوجهين.

стр. 772

وثالثها: تسمية الشيء باسم ما يشابهه؛ كتسمية _الشجاع) أسدا، و (البليد) حمارا، وهذا القسم على الخصوص هو المسمى بالمستعار. ورابعها: تسمية الشيء باسم ضده؛ كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾] الشورى: ٤٠ [، ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾] البقرة: ١٩٤ [، ويمكن جعل ذلك من باب المجاز للمتشابهة؛ لأن جزاء السيئة يشبهها في كونها سيئة، بالنسبة إلى من يصل إليه ذلك الجزاء. وخامسها: تسمية الجزاء باسم الكل؛ كإطلاق اللفظ العام، مع أن المراد منه الخصوص. وسادسها: تسمية الكل باسم الجزء، كما يقال للزنجى: إنه أسود والأول أولى؛ لأن الجزء لازم الكل، أما الكل فليس بلازم للجزء. وسابعها: تسمية إمكان الشيء باسم وجوده، كما يقال للخمر التي في الدن: إنها مسكرة. وثامنها: إطلاق اللفظ المشتق بعد زوال المشتق منه؛ كقولنا للإنسان بعد فراغه من الضرب: إنه ضارب. وتاسعها: المجاورة؛ كنقل اسم الرواية من الجمل إلى ما يحمل عليه من ظرف الماء، وكتسمية الشراب بالكأس، ويمكن جعله من المجاز بسبب القابل. وعاشرها: المجاز بسبب أن أهل العرف استعماله فيما كانوا يستعملونه فيه؛ كالدابة، إذا استعملت في الحمار.

стр. 773

فإن قلت: لفظ الدابة: إما أن يكون مجازا من حيث إنه صار مستعملا في الفرس وحده أو من حيث منع من استعماله في غيره. والأول من باب إطلاق اسم العام على الخاص، فلا يكون قسما آخر. والثاني: باطل؛ لأن المجازية كيفية عارضة للفظة؛ من جهة دلالتها على المعنى، لا من جهة عدم دلالتها على الغير. قلت: لفظ الدابة إذا استعمل في الحمار والكلب، كان ذلك مجازا بالنسبة إلى الوضع العرفي؛ لأنه يكون مستعملا في غير موضعه، لعلاقة بينه وبين موضوعه، ويكون ذلك حقيقة بالنسبة إلى الوضع اللغوي، إلا أن هذا المجاز من باب المشابهة؛ فلا يكون في الحقيقة قسما آخر. وحادي عشرها: المجاز بسبب الزيادة والنقصان، وقد ذكرنا مثاليهما، وبينا كيفية الحال فيهما. وثاني عشرها: تسمية المتعلق باسم؛ كتسمية المعلوم علما، والمقدور قدرة. المسألة الرابعة: في أن المجاز بالذات لا يدخل دخولا أوليا إلا في أسماء الأجناس . أما الحرف فلا يدخل فيه المجاز بالذات؛ لأن مفهومه غير مستقل بنفسه، بل لابد وأن ينضم إليه شيء آخر لتحصل الفائدة. فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه، فهو حقيقة فيه، وإلا فهو مجاز في المركب لا في المفرد.

стр. 774

وأما الفعل فهو لفظ جال على ثبوت شيء لموضوع غير معين، في زمان معين، فيكون الفعل مركبا من المصدر وغيره، فما لم يدخل المجاز في المصدر، استحال دخوله في الفعل الذي لا يفيد إلا ثبوت ذلك المصدر لشيء. وأما الاسم فهو: إما علم، أو مشتق، أو اسم جنس. أما العلم: فلا يكون مجازا؛ لأن شرط المجاز أن يكون النقل لأجل علاقة بين الأصل والفرع، وهي غير موجودة في الأعلام. وأما المشتق: فما لم يتطرق المجاز إلى المشتق منه، فلا يتطرق إلى المشتق الذي لا معنى له إلا أنه أمر ما حصل له المشتق منه. فإذن المجاز لا يتطرق في الحقيقة إلا إلى أسماء الأجناس، والله أعلم. المسألة الخامسة: أن لفظ الأسد لا يستعار للرجل الشجاع إلا لأجل المشابهة في الشجاعة ، لكن الرجل الشجاع كما يشبه الأسد في شجاعته، فقد يشبهه في صفات أخر؛ كالبخر وغيره، فلو كانت المشابهة كافية في ذلك، لجاز استعارة الأسد للأبخر، ولما لم يجز ذلك، صح قولنا. ولأنهم قد يطلقون النخلة على الرجل الطويل، ولا يطلقونها على غير الإنسان، وذلك يدل على اعتبار الاستعمال في المجاز. واحتج المخالف بوجهين: الأول: اتفقوا على أن وجوه المجازات والاستعارات مما يحتاج في استخراجها إلى تدقيق النظر، وما يكون نقليا لا يكون كذلك.

стр. 775

الثاني: أنك إذا قلت: (رأيت أسدا) وعنيت به الشجاع- فالغرض من التعظيم إنما يحصل بإعارة معنى الأسد له، فإنك لو أعطيته الاسم بدون المعنى، لم يحصل التعظيم. وإذا كانت إعارة اللفظ تابعة لإعارة المعنى، وإعارة المعنى حاصلة بمجرد قصد المبالغة، وجب ألا يتوقف استعمال اللفظ المستعار على السمع. والجواب عن الأول: أن المستخرج بالفكر جهات حسن المجاز. وعن الثاني: أن هذه الإعارة ليست أمرا حقيقيا، بل أمرا تقديريا، فلم لا يجوز أن يمنع الواضع منه في بعض المواضع، دون البعض؟! المسألة السادسة: في أن المجاز المركب عقلي: ومثاله في القرآن: قوله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة: ٢] وقوله: ﴿مما تنبت الأرض﴾ [يس: ٣٦]. فالإخراج والإنبات غير مستندين في نفس الأمر إلى الأرض، بل إلى الله تعالى، وذلك حكم عقلي ثابت في نفس الأمر، فنقله عن متعلقه إلى غيره نقل لحكم عقلي، لا للفظ لغوي؛ فلا يكون هذا المجاز إلا عقليا. فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: صيغة (أخرج وأنبت) وضعت في أصل اللغة بإزاء صدور الخروج والنبات من القادر، فإذا استعملت في صدورهما من الأرض، فقد استعملت الصيغة في غير موضوعها؛ فيكون هذا المجاز لغويا؟! قلت: إن أمثلة الأفعال لا تدل بالتضمن على خصوصية المؤثر:

стр. 776

والدليل عليه وجوه: أحدهما: أنه لو كان كذلك، لكان المفهوم من لفظة (أخرج) أن القادر صدر عنه هذا الأثر، فيكون مجرد قولنا: (أخرج) خبرا تاما فكان يلزم أن يتطرق إليه وحده التصديق والتكذيب، ومعلوم أنه ليس كذلك. وثانيها: أنه يصح أن يقال: أخرجه القادر، ولو كان القادر جزءا من مفهوم (أخرج) لكان التصريح بذكر القادر تكرارا. وثالثها: هب أنها دالة على صدور الفعل عن القادر، فأما عن القادر المعين، فلا؛ وإلا لزم حصول الاشتراك اللفظي بحسب كل واحد من القادرين. إذا ثبت هذا فنقول: إذا أضيف ذلك الفعل إلى غير ذلك القادر الذي هو صادر عنه، لم يكن التغيير واقعا في مفهومات الألفاظ، بل في إسناد مفهوماتها إلى غير ما هو مستندها. فإذا قال قائل: ما الفرق بين هذا المجاز، وبين الكذب؟ قلنا: الفارق هو القرينة، وهي قد تكون حالية، وقد تكون مقالية. أما الحالية فهي: ما إذا علم أو ظن أن المتكلم لا يتكلم بالكذب؛ فيعلم أن المراد ليس هو الحقيقة، بل المجاز. ومنها: أن يقترن الكلام بهيئات مخصوصة قائمة بالمتكلم، دالة على أن المراد ليس هو الحقيقة، بل المجاز. ومنها: أن يعلم بسبب خصوص الواقعة أنه لم يكن للمتكلم داع إلى ذكر الحقيقة؛ فيعلم أن المراد هو المجاز.

стр. 777

وأما القرينة المقالية فهي: أن يذكر المتكلم عقيب ذلك الكلام ما يدل على أن المراد من الكلام الأول، غير ما أشعر به ظاهره. المسألة السابعة: في جواز دخول المجاز في خطاب الله تعالى وخطاب رسوله ﷺ : الأكثرون: جوزوا ذلك؛ خلافا لأبي بكر بن داود الأصفهاني. لنا قوله تعالى: ﴿جدار يريد أن ينقض فأقامه﴾ [الكهف: ٧٧]، ﴿وجاء ربك﴾ [الفجر: ٢٢]. وقد ثبت بالدليل أنه لا يجوز أن يكون المراد منها ظواهرها؛ فوجب صرف إلى غير ظواهرها، وهو المجاز. واحتج المخالف بأمور: أحدها: لو خاطب الله بالمجاز لجاز وصفه بأنه متجوز، ومستعير. وثانيها: أن المجاز لا ينبئ بنفسه عن معناه، فورود القرآن به يقتضي الالتباس. وثالثها: أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة، وهو على الله تعالى محال. ورابعها: أن كلام الله تعالى كله حق، وكل حق، فله حقيقة وكل ما كان حقيقة، فإنه لا يكون مجازا. والجواب عن الأول: أن أسامي الله تعالى توقيفية، وبتقدير كونها اصطلاحية، لكن لفظ المتجوز يوهم كونه تعالى فاعلا ما لا ينبغي فعله، وهو في حق الله تعالى محال. وعن الثاني: أنه لا التباس مع القرينة الدالة على المراد.

стр. 778

وعن الثالث: أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز لأغراض سنذكرها، إن شاء الله تعالى. وعن الرابع: أن كلام الله تعالى كله حقيقة؛ بمعنى أنه صدق، لا بمعنى كون ألفاظ بأسرها مستعملة في موضوعاتها الأصلية، والله أعلم. المسألة الثامنة: في الداعي إلى التكلم بالمجاز . العدول عن الحقيقة إلى المجاز: إما لأجل اللفظ، أو المعنى، أولهما. أما الذي لأجل اللفظ فإما أن يكون لأجل جوهر اللفظ، أو لأجل أحوال عارضة للفظ. أما الأول فهو: أن يكون اللفظ الدال على الشيء بالحقيقة ثقيلا على اللسان: إما لأجل مفردات حروفه، أو لتتنافر تركيبه، أو لثقل وزنه، واللفظ المجازي يكون عذبا، فتترك الحقيقة إلى هذا المجاز. وأما الثاني وهو: أن يكون لأجل أحوال عارضة للفظ، فهو أن تكون اللفظة المجازية صالحة للشعر، أو السجع، وسائر أصناف البديع؛ واللفظة الحقيقية لا تصلح لذلك. وأما الذي يكون لأجل المعنى: فقد تترك الحقيقة إلى المجاز؛ لأجل التعظيم والتحقير، ولزيادة البيان، ولتلطيف الكلام. أما التعظيم، فكما يقال: سلام على المجلس العالي؛ فإنه تركت الحقيقة ها هنا لأجل الإجلال.

стр. 779

وأما التحقير، فكما يعبر عن قضاء الحاجة بالغائظ الذي هو اسم للمكان المطمئن من الأرض. وأما زيادة البيان: فقد تكون لتقوية حال المذكور، وقد تكون لتقوية الذكر: أما الأول؛ فكقولهم: (رأيت أسدا)، فإنه لو قال: (رأيت إنسانا يشبه الأسد في الشجاعة) لم يكن في البلاغة كما إذا قال: (رأيت أسدا) وتحقيق هذا الفرق مذكور في كتابنا في (الإعجاز). وأما الثاني فهو: المجاز الذي يذكر للتأكيد. وأما تلطيف الكلام فهو: أن النفس إذا وقفت على تمام كلام، فلو وقفت على تمام المقصود، لم يبق لها شوق إليه أصلا؛ لأن تحصيل الحاصل محال، وإن لم تقف على شيء منه أصلا، لم يحصل لها شوق إليه. فأما إذا عرفته من بعض الوجوه دون البعض، فإن القدر المعلوم يشوقها إلى تحصيل العلم بما ليس بمعلوم، فيحصل لها بسبب علمها بالقدر الذي علمته - لذة، وبسبب حرمانها من الباقي - ألم، فتحصل هناك لذات، وآلام متعاقبة، واللذة إذا حصلت عقيب الألم، كانت أقوى، وشعور النفس بها أتم. إذا عرفت هذا فنقول: إذا عبر عن الشيء باللفظ الدال عليه؛ على سبيل الحقيقة، حصل كمال العلم به؛ فلا تحصل اللذة القوية. أما إذا عبر بلوازمها الخارجية، عرف لا على سبيل الكمال؛ فتحصل الحالة المذكورة التي هي كالدغدغة النفسانية؛ فلأجل هذا، كان التعبير عن المعاني بالعبارات المجازية ألذ من التعبير عنها بالألفاظ الحقيقية، والله أعلم.

стр. 780

المسألة التاسعة: في أن المجاز غير غالب على اللغات: قال أبو الفتح بن جني: أكثر اللغة مجاز: أما في الأفعال، فنحو قولك: (قام زيد، وقعد عمرو) فإن الفعل يفيد المصدر، فقولك: (قام زيد) معناه: كان منه القيام، أي: هذا الجنس من الفعل، والجنس يتناول جميع الأفراد، ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام؛ لأنه لا يجتمع لإنسان واحد في وقت واحد، ولا في مائة ألف سنة- القيام كله الداخل تحت الوهم. أقول: هذا ركيك؛ لأنه ظن أن المصدر لفظ دال على جميع أشخاص تلك الماهية، وهو باطل، بل المصدر لفظ دال على الماهية، أعني: القدر المشترك بين الواحد والكل، والماهية من حيث هي هي لا تستلزم الوحدة ولا الكثرة؛ وإذا كان كذلك، كان الفعل المشتق منه لا دلالة له على الكثرة، ولا على الوحدة. وقال أيضا: قولك (ضربت عمرا) مجاز من جهة أخرى؛ لأنك إنما ضربت بعضه لا جميعه، ولهذا احتاط الإنسان قال: ضربت رأسه، وهذا أيضا يكون مجازا، وذلك عندما إذا ضربت جانبا من جوانب رأسه فقط. اعترض أبو محمد بن متويه، فقال: المتألم بالضرب جملة عمرو، لا عضو منه. أقول: هذا الاعتراض ساقط؛ لأن ابن جني إنما ألزم المجاز في لفظ الضرب لا في لفظ التألم، والضرب عبارة عن إمساس جسم حيوان بعنف، والإمساس حكم يرجع إلى الأجزاء، لا إلى الجملة بالاتفاق؛ فكان المضروب بالحقيقة هو الجزء الممسوس فقط؛ فظهر سقوط هذا الاعتراض. وأقول: هاهنا وجوه أخر من المجازات السائغة؛ فإني إذا قلت: (ضربت

стр. 781

زيدا)، فزيد ليس عبارة عن جملة البنية المشاهدة؛ لأنا نعلم أن زيدا هو الذي كان موجودا وقت ولادته، ونعلم أن أجزاءه وقت شبابه أكثر مما كانت وقت ولادته، ولا شك أن زيدا هو تلك الأجزاء الباقية من أول حدوثه إلى آخر فنائه، وتلك الأجزاء قليلة؛ فإذن المسمى بزيد هو تلك الأجزاء. فإذا قلت: (ضربت زيدا) فلعل هذا الإمساس ما وقع على تلك الأجزاء؛ فيكون الكلام أيضا مجازا؛ من هذا الوجه. ثم هاهنا دقيقة، وهي أن هذه المجازات من باب المجاز العقلي؛ لأنك إذا قلت: (رأيت زيدا، وضربت عمرا) فصيغتا (رأيت) و (ضربت) مستعملتان في موضوعيهما الأصليين؛ فلا يكون مجازا، وأما لفظة (زيد) فهي من الأعلام؛ فلا تكون مجازا؛ فلم يبق إلا أن المجاز واقع في النسبة فيكون مجازا عقليا، والله أعلم. المسألة العاشرة: في أن المجاز على خلاف الأصل، والذي يدل عليه وجوه: أحدها: أن اللفظ، إذا تجرد: فإما أن يحمل على حقيقته أو على مجازه، أو عليهما، أو لا على واحد منهما؛ والثلاثة الأخيرة باطلة، فتعين الأول. وإنما قلنا: إنه لا يجوز حمله على مجازه؛ لأن شرط الحمل على المجاز حصول القرينة؛ فإن الواضع، لو أمر بحمل اللفظ عند تجرده على ذلك المعنى، لكان حقيقة فيه؛ إذ لا معنى للحقيقة إلا ذلك. وأما أنه لا يجوز حمله عليهما معا، فظاهر؛ لأن الواضع لو قال: (احملوه وحده عليهما معا) كان اللفظ حقيقة في ذلك المجموع، ولو قال: (احملوه إما على هذا، أو على ذاك) كان مشتركا بينهما.

стр. 782

وأما أنه لا يجوز أن يحمل على واحد منهما البتة؛ فلأنه على هذا التقدير يكون اللفظ حال تجرده من المهملات، لا من المستعملات، وإذا بطلت هذه الأقسام الثلاثة، تعين القسم الأول، وهو المطلوب. وثانيها: أن المجاز لا يتحقق إلا عند نقل اللفظ من شيء إلى شيء، لعلاقة بينهما، وذلك يستدعي أمورا ثلاثة: وضعه للأصل، ثم نقله إلى الفرع، ثم علة للنقل. وأما الحقيقة، فإنه يكفي فيها أمر واحد، وهو: وضعه للأصل. ومن المعلوم أن الذي يتوقف على شيء واحد، أغلب وجودا مما يتوقف على ذلك الشيء، مع شيئين آخرين معه. وثالثهما: أن واضع اللفظ للمعنى، إنما يضعه له، ليكتفي به في الدلالة عليه، وليستعمل فيه؛ فكأنه قال: إذا سمعتموني أتكلم بهذا الكلام، فاعلموا أنني أعني هذا المعنى؛ وإذا تكلم به متكلم بلغتي، فليعن به هذا. فكل من تكلم بلغته يجب أن يعني به ذلك المعنى؛ ولهذا يسبق إلى أذهان السامعين ذلك المعنى، دون ما هو مجاز فيه. ولو قال لنا مثل ذلك في المجاز، لكان حقيقة، ولم يكن مجازا. ورابعها: إجماع الكل على أن الأصل في الكلام الحقيقة، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (ما كنت أعرف معنى الفاطر، حتى اختصم إلي شخصان في بئر، فقال أحدهما: فطرها أبي، أي: اخترعها).

стр. 783

وقال الأصمعي: (ما كنت أعرف الدهاق، حتى سمعت جارية بدوية تقول: اسقني دهاقا، أي: ملآنا). فهاهنا استدلوا بالاستعمال على الحقيقة، فلولا أنهم عرفوا أن الأصل في الكلام الحقيقة، وإلا لما جاز لهم ذلك. وخامسها: لو لم يكن الأصل في الكلام الحقيقة، لكان الأصل إما أن يكون هو المجاز، وهو باطل بإجماع الأمة، أو لا يكون واحد منهما أصلا؛ فحينئذ يتردد كل كلام الشارع بين أمرين، فيصير الكل مجملا، وهو باطل بالإجماع. ويلزم أن يصير كل متكلم به في العرف مجملا؛ لتردد تلك الألفاظ بين حقائقها ومجازاتها، ولو كان الكل مجملا، لما فهمنا المراد في شيء من الألفاظ، إلا بعد الاستفسار، وطلب تعيين المراد، ولما كان ذلك باطلا، علمنا أن الأصل في الكلام الحقيقة. فرع: إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة، والمجاز الراجح، فأيهما أولى؟ فعند أبي حنيفة ﵁: الحقيقة المرجوحة أولى. وعند أبي يوسف ﵀: المجاز الراجح أولى. ومن الناس من قال: يحصل التعارض؛ لأن كل واحد منهما راجح على الآخر من وجه، ومرجوح من وجه آخر؛ فيحصل التعارض. قال القرافي: اعلم أن المجاز المفرد أن ينقل الاسم المفرد عن المعنى المفرد إلى معنى مفرد فأكثر.

стр. 784

فقولنا: (الاسم المفرد) - نريد به ما عدا الجملة كان اسما واحدا كزيد، أو مركبا كعبد الله، وبعلبك. وقولنا: (إلى معنى مفرد) نريد به ما لا إسناد فيه احترازا عن الجمل؛ فإن فيها إسنادا. وقولنا: (فأكثر) احترازا عما يقال: إن الجمع بين مجازين فأكثر جائز، وهو مذهب مالك، والشافعي وغيرهما، كما تقدم في مسألة أن المشترك لا يستعمل في مفهوميه. والمجاز في التركيب: أن يكون اللفظ وضع ليركب مع لفظ معنى، فركب مع غيره، كما إذا قلت: شربت العلم، وأكلت الماء، ووزنت. المسائل، فإن الوضع الأول يقتضى أن الشرب يركب مع المائعات، والأكل مع الجامدات، والوزن في ذوات الثقل من الأجرام، والعدول عن هذا مجاز في التركيب، ومنه تركيب السؤال مع القرية؛ لأن الوضع الأول يقتضى أن يركب مع لفظ من يصلح للجواب. ومنه قول الشاعر [المديد]: وتركت الموت جريان ينظر فإن الموت لا يجرى ولا ينظر. فهذا كله مجاز في التركيب، فتأمله ونظائره في الصفات والأفعال، وسائر الكلمات. قوله: (التركيب لا يكون مطابقا لما في الوجود). قلنا: هذه عبارة مجملة تحتمل الصدق والكذب؛ لأنه غير مطابق لما في الوجود، ويحتمل غير مطابق للوضع الأول، والثاني هو الحق، والأول قد

стр. 785

يكون حقيقة، فليس مراد الحق قول القائل: الواحد نصف العشرة لا يقول أحد: إنه مجاز في التركيب، وكذلك أنوع الكذب قوله-[المتقارب]: أشاب الصغير وأفنى الكبيـ ... ر كر الغداة ومر العشى وأن جميع المفردات مستعملة في موضوعاتها يبطل بأشاب الصغير؛ فإن الشيب لا يأتي على صغير حقيقة، بل من تقدم فيه الصغر، وهو كقوله: تحرك الساكن، وسكن المتحرك: أي من كان متحركا، فالشيب والصغر ضدان، وإنما يصدق ذلك باعتبار ما كان عليه، وتسمية الشيء باعتبار ما كان عليه مجاز. قوله: (الشيب يحصل بفعل الله- تعالى- لا بكر الغداة). قلنا: كر الغداة هو طول العمر، وهو سبب عادى للإشابة، والعرب لم تخص الوضع في الأفعال بالمؤثر الحقيقي العقلي، بل تقول العرب: قتل زيد عمرا، وهو باعتبار أنه استعمال اللفظ فيما وضع له، وكذلك برد الماء، وسقط الحائط ونحوه مما لا كسب فيه، أو ما فيه كسب نحو صلى، وصام، أو هو مؤثر حقيقي نحو خلق الله العالم، فالوضع اللغوي أعم من كل واحد من الثلاثة، ولا أجد أشابه طول العمر إلا من باب نسبة الفعل إلى السبب العادي نحو: أماته الجوع، وأهرمه الهم، مع أن الفاعل للهرم هو ألله تعالى فكذلك هاهنا، ونبه عليه التبريزي. (أحياني اكتحالي بطلعتك) تقريره: أن القائل استعمل الإحياء مجازا في السرور، والعلاقة بينهما أن الحياة إذا كانت في محل ظهرت آثاره، وتنوعت حركاته، وكثرت قوته

стр. 786

وأفعاله، وعكسه الموت، وكذلك السرور إذا حصل في محل توفرت قوته، وظهرت بهجته واشتدت عزيمته، وعكسه الخوف والحزن، فلما تشابها استعار الإحياء، للسرور، وعبر بالاكتحال عن الرؤية، ووجه الشبه أن المكتحل يحيط جفنيه وحدقتيه بالمرود المكتحل به، والرائي يحيط بالرئى بإدراكه فتشابها في الإحاطة، فاستعير لفظ الاكتحال للرؤية، فاللفظان مجازان في الإفراد، وإسناد الإحياء إلى الاكتحال مجاز في التركيب. (سؤال) يلزم أحد الأمرين إما عدم المجاز في المفردات، أو في المركبات . بيانه: أن المفردات لم ن استعملت في موضوعاتها بطل مجاز الإفراد، وثبت مجاز التركيب، فإن العرب لا تقول: إن ميتا أحياه الكحل؛ فإن الإحياء هو تحصيل الحياة في المحل بدلا عن الموت، وإن كانت المفردات مجازات، وقد عبر بالإحياء عن السرور، وبالاكتحال عن الرؤية حصل المجاز في الإفراد، لكن يبطل مجاز التركيب لأن التقدير يبقى سررت برؤيتك، وهذا التركيب حقيقة في التركيب، فإن السرور يركب مع الرؤية حقيقة، فظهر أن المجاز في الإفراد والتركيب غير حاصلين في هذا المثال، ونبه على هذا السؤال التبريزى. جوابه أنا في مجاز التركيب لا نلاحظ المعنى أصلا، والنية بل مجرد اللفظ هل وضع ليركب مع هذا اللفظ أم لا؟، فإن كان وضع ليركب مع غيره لا معه كان مجازا في التركيب، وإلا فلا، ثم هذا السؤال مغالطة؛ لانا ادعينا أن تركيب لفظ الإحياء مع لفظ الاكتحال مجال في التركيب، أتى السائل بتركيب آخر غير المدعى، وهو تركيب لفظ السرور مع الرؤية، وهذا لم ينازع فيه، ولا ادعينا أن كل مركب مجاز بل بعض المركبات، فلا يتجه السؤال البتة؛ لأنه في غير محلى النزاع.

стр. 787

(سؤال) قد قال بعد هذا (إن المجاز المركب عقلي). ومعناه: أنه ليس لغويا، وهاهنا جعله من أقسام اللغوي، فيتناقض كلامه . جوابه: أنه لم يفرع على ذلك المذهب، بل على المذهب الآخر في أن المجاز المركب لغوى، وأن العرب وضعت المركبات، كما وضعت المفردات، وحينئذ يدخلها المجاز اللغوي. (تنبيه) المجاز المركب قد يكون مع عدم الحذف كما تقدم في شربت العلم، وأكلت الماء، وقد يكون مع حذف مضاف نحو: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، وقد تقدم أن في هذا القسم طريقين: هل المضاف المحذوف سبب التجوز أو محل التجوز؟ فعند المصنف سبب التجوز؛ لأنه يعتقد أن أصل الوضع يقتضى أن الأحكام تابعة لعمل العوامل. فيقول: الأصل أن تكون القرية هي المفعولة؛ لأنها المنصوبة، فلما قدرنا مضافا كان ذلك التقدير سبب حصول المجاز في التركيب مع القرية. وغيره من أرباب علم البيان يقول: الواضع حكيم وضع على وفق الحكمة، فوضع السؤال ليركب مع لفظ من يصلح للإجابة، والأكل مع الجامدات، والشرب مع لفظ المائعات، فإذا ركبنا السؤال مع القرية فقد تجوزنا عن أهلها، فهو محل التجوز لا سببه، فتنبه لهذه الدقائق، وما في المجاز المركب من الدقائق.

стр. 788

(المسألة الثانية: في إثبات المجاز المفرد) قوله: (احتج المانع من المجاز المفرد بأن إفادة اللفظ للمعنى المجازى إن كان مع القرينة فمحال أن يكون مجازا؛ لأنه مع القرينة لا يحتمل غيره، وبدون القرينة لا يكون حقيقة ولا مجازا). قلنا: لا يلزم من عدم احتماله لغيره ألا يكون مجازا؛ لأن حد المجاز هو: (استعمال اللفظ في غير موضوعه)، وهذا كذلك، ولذلك نمنع أنه مع عدم القرينة لا حقيقة ولا مجازا، أما لا حقيقة فمسلم؛ لأن التقدير أنه مجاز، وأما أنه ليس مجازا فممنوع، وإنما يلزم ذلك أن لو كانت القرينة هي العلاقة لكنها غيرها؛ لأن العلاقة هي الارتباط الذي بين محل التجوز ومحل الحقيقة، وهى حاصلة سواء تجوزنا أم لا؛ لأن لفظ الأسد إذا استعمل في الحيوان المفترس وهو موضوعه الأصلي لا يخرجه ذلك عن أن يكون مشابها للرجل الشجاع، والقرينة هي الأمارة المرشدة للسامع أن المتكلم أراد المجاز، وهذا قد يوجد مع المجاز، وقد يعدم، وليست مصححة للمجاز، بل الكلام في نفسه مجاز علمه السامع أم لا، فقوله: (لا يكون مجازا) ممنوع. قوله: (دلالة القرينة ليست وضعية حتى يكون المجموع لفظا واحدا دالا على المسمى). قلنا: إن القرينة قد يكون لها دلالة بالوضع كما تقول: رأيت أسدا يجاهد في سبيل الله؛ فإن يجاهد في سبيل الله دلالته وضعية، وإن أراد دلالة وضعية على المسمى بطريق المطابقة بطل بقوله: المجموع لفظ واحد دال على المسمى؛ فإن القرينة حينئذ جزء الدال، وجزء الدال غير دال بالمطابقة، فلم يبق إلا مطلق الدلالة، وهى حاصلة في أكثر القرائن اللفظية ثم إن جزء الدال قد يكون غير دال، فإن ز يدا وعامة الألفاظ كل حرف منها غير دال، والمجوع دال، وقيل: من الألفاظ جزؤه دال مثل: معا ومعاليق، ومسا

стр. 789

ومساليق، فإن معا ومسا اسمان للمعا والمسا، ثم بتقدير التسليم أن دلالتها غير وضعية أن المجموع من اللفظ المتجوز به، ولفظ القرينة ليس موضوعا لمحل التجوز حتى يكون حقيقة فيه. (فائدة) نقل سيف الدين أن المنازع في وجود المجاز في اللغة ومانعه هو الأستاذ أبو إسحاق ومن تابعه .

стр. 790

(المسألة الثالثة: في أقسام هذا المجاز) قوله: (الأسباب أربعة: القابل، والفاعل، والصورة، والغاية). تقريره: أن السبب القابل هو: ما يصلح في العادة أن يرد عليه مسببه، كالحفيرة تقبل أن يرد عليها الماء فتسمى: واديا، وكذلك الزير، والكوز، والكأس، وجميع هذا النوع كذلك، وتارة يقبل أن يرد عليه وينقام منه المسبب كما تعمل من الشمع قدحا، ومن الخشب بابا، ومن الحدي سكينا وهو الهيولى عند الفلاسفة، فالسبب المادي فيه هذان القسمان. والفاعل: هو كالنجار بالنسبة إلى السرير. والصورة: هي الهيئة التي تتأتى بها من تلك الحقيقة، مقصوده بالصور البيت للسكن، وصورة السرير للنوم عليه، فلو كان البيت غير ساتر لم يحصل المقصود من الشيء، ولو كان السرير محدبا لم يتأت عليه النوم، وكذلك بقية النظائر. والسبب الغائي: هو الثمرة المقصودة من الشيء الباعثة عليه كالنوم على السرير والسكنى في البيت، وهذا السبب الغائي هو المراد بقول القدماء: أول الفكر آخر العمل، وآخر العمل أول الفكر، فأول ما يخطر للإنسان أن يكون له بيت يؤويه يشرع في تحصيل اللبن، والبناء، وتصوير البيت، وبعد

стр. 791

ذلك يحصل له أول فكرته وهو الاستتار والإيواء، في البيت، وكل شيء في العالم له هذه الأسباب الأربعة، فالكتاب مادته الورق والحبر، وسببه الفاعل الناسخ، وسببه الصوري هو انتظام حروفه على الصورة المخصومة، فلو كان محيطا لم يحصل المقصود، وغايته حفظ الأسرار فيه والعلوم ليطلع عليها عند حاجتها، ويحفظ عند الغفلة عنها. والإنسان له أربعة أسباب: النطفة سببه المادي، وما جعله الله - تعالى في الرحم من الحرارة الخاصة، والرطوبة، والكيفية فاعلة في مجارى العادات بقدرة الله تعالى، وصورته الخاصة، وشكله الإلهي، وتوفيق مزاجه، وتهذيب أخلاقه، ورقة طبعه، وشفوف روحانيته هو سببه الصوري، وغايته القيام بأوامر الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]. قال ابن عباس- ﵁: (لآمرهم بعبادتي)، وكذلك جميع الكائنات على هذا الترتيب في هذه الأسباب الأربعة. قوله: (مثال التجوز بالسبب الصوري تسميتهم اليد بالقدرة). وقع في كثير من النسخ هكذا اليد بالقدرة، وهو غلط وصوابه القدرة باليد، فإن الموجود في لسان العرب إطلاق اليد على القدرة، كقوله تعالى: (قل لمن في أيديكم من الأسرى) [الأنفال: ٧٠] أي: في قدرتكم، ... وقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [سورة ص: ٧٥]، أي بقدرتي ﴿ومما عملت أيدينا﴾ [يس: ٧١]، أي قدرتنا، ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح: ١٠]، أي قدرته محيطة بأيديهم، ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: قدرته عاجزة، وكذبوا في ذلك، فالاستقراء دل على استعارة لفظ اليد للقدرة لا لفظ القدرة لليد، ولو

стр. 792

استعيرت صح، وكان من باب التجوز بلفظ المسبب عن السبب، وهو لم يقصد تمثيله، وإنما مثل التعبير بلفظ السبب عن المسبب، فلذلك كان الصواب في المثال العكس (فائدة) إطلاق اليد في حق الله تعالى، وسائر الآيات والأحاديث الدالة بظاهرها على التجسيم اختلف فيها أهل الحق، هل يتعين مجازها أم لا؟ بعد إجماعهم على أن ظواهرها غير مرادة، وإذا قلنا بالمجاز وتعينه فقيل: هي صفات مجهولة لنا لا نعرفها تضاف للصفات السبع التي دلت الصيغة عليها. وقيل: بل تتعين مجازها في الصفات السبع التي دلت الصيغة عليها، وهى: القدرة، والعلم، والإرادة، والكلام النفساني، والسمع، والبصر، والحياة، فعبر بالعين عن العلم، وباليد عن القدرة، والرحمة والغضب عن الإرادة، والجنب والوجه عن الذات، وإذا قلنا بأن اليد القدرة فلم ثنيت وجمعت وأفردت في مواطن مع أنها واحدة؟ والجواب: أنها أفردت باعتبار ذاتها، لا أنها واحدة؟ وجمعت باعتبار متعلقاتها، واستعير لها ما صدر عنها من الآثار العديدة مجازا، وثنيت باعتبار أن آثارها قسمان، واختلف في تعيين القسمين. فقيل: جميع آثارها منحصرة في الدنيا والآخرة. وقيل: الجواهر، والأعراض. وقيل: الحبور، والسرور، فلما كان جميع آثارها قسمين ثنيت باعتبارها مجازا. تقرير: ووجه كون صورة اليد للاقتدار؛ أنها لو خلقت رخوة كالجلد، لم يقتدر أحد بها على عمل، أو صلبت عظما واحدا تعذر العمل بها، فجعلت مركبة

стр. 793

من عظام عديدة، وأربطة، وعضل متعددة؛ ومن ورائها، وقدامها، وورائها، وألا تقبض وتبسط، وتدار، وطولت أصابعها لتحيط بالأشياء الغليظة، وقعر كفها لتشتمل على الأشياء، الكروية، وجعل إبهاماها أمام أصابعها لتقابله ويقابلها، فتقوى كل منهما بصاحبتها، بخلاف لو جعلت كلها في جهة واحدة ضعفت، ورققت أظافرها لتمسك بها الأشياء الدقيقة، وجعل جلدها أقوى الجلد حسا لتدرك به الكيفيات المختلفة، فيتناول منها عند عدم الإدراك بالبصر مقصوده، ويجتنب مكروهه، فهذه الصورة على هذه الهيئة أوجبت هذه الأعمال، فكان إطلاق لفظ اليد على القدرة من باب إطلاق اسم السبب الصوري على المسبب. قوله: (ومثال التسمية باسم الفاعل حقيقة أو ظنا: تسميتهم المطر بالسماء (. إنما قال: حقيقة أو ظنا؛ لأن قرائن الأحوال في العادة اقتضت أن السحاب أجسام لطيفة يخلقها الله- تعالى- من بخار الأرض أو من غير ذلك، الله اعلم بأسرار ملكه، الأول قول الفلاسفة، والثاني قول أصحابنا، فإن فرعنا على الأول فيكون اللطيف من البخار يختفي في بطن السحاب، وينعكس، ويقطر ماء، كما تراه في غطاء القدر يصعد البخار من القدر، فإذا انعكس من غطائها رجع ماء وقطر، وعلى هذا التقدير يكون تكون الماء في بطون السحاب كتكون الأجنة في بطون الأمهات، فكما يقال: إن رحم المرأة فاعل عادة لا حقيقة في تكوين الجنين، كذلك السحاب فاعل عادة في تكوين الماء، كما تقول: الشمس تفعل في العادة نضج الثمار، ويبس الحبوب، وإذابة الشمع، وتجفيف الماء من الثياب وغيرها، أو الله- تعالى- يلقح السحاب بالرياح، ويجعلها تولد الماء بطريق آخر الله- تعالى- يعلمه، فلما كانت هذه الاحتمالات قائمة لم يحصل الجزم بأنها فاعل عادة.

стр. 794

فقال: (أو ظنا). فاليقين والظن يرجحان لكون السحاب فاعلا، ومن ذلك قول الشاعر [الوافر]: إذا نزل السحاب بأرض قوم ... رعيناه ولو كانوا غضابا فالسماء، اسم السحاب؛ لأنه يعلونا، وكل ما علانا فهو سماء، حتى سقف البيت، ومنه قوله تعالى: ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ [الحج: ١٥] أي: بحبل إلى سقف بيته، والسحاب لم ينزل، وإنما نزل المطر، فسمى سماء، باعتبار اسم فاعله، ومنه ما جاء في السنة: (أصابتنا سماء) أي: مطر، وهو كثير. (سؤال) المطر كان فوقنا في السحاب فهو سماء في نفسه، فلا حاجة إلى المجاز، بل اللفظ حقيقة . قوله:) مثال التسمية باسم الغاية: تسمية العنب بالخمر، والعقد بالنكاح). تقريره: أن العنب غالب القصد من زراعته وعصره إنما هو الخمر، والقصد لذلك أكثر من القصد للخل والحصرم وغير ذلك، فكان هو الباعث عليه، فكان سببا غائبا كما تقدم تقريره، والعقد المقصود منه النكاح، فأطلق لفظ النكاح الذي هو التداخل على العقد؛ لأنه المقصود من العقد، ومنه قوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ [يوسف: ٣]، ﴿ولا

стр. 795

تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢]، والعقد محرم؛ فكان مرادا؛ لأن الإجماع، أو الدليل عينه. (تنبيه) قوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ [يوسف: ٣٦] دخله مجاز التركيب أيضا؛ فإن لفظ العصر لم يوضع ليركب مع المائعات من الخمر وغيرها، بل مع الجامد الذي فيه رطوبة، فلما ركب مع لفظ الخمر كان على خلاف الوضع الأول، فكان من مجاز التركيب. (تنبيه) لا يتعين المجاز في الاثنين، ولا في كل موضع فيه إطلاق اسم السبب الغائي على المسبب أنه من باب إطلاق السبب على المسبب، بل يصح أن يكون من باب إطلاق المسبب على السبب عكس ما قال؛ لأن السبب الغائي مسبب في الأعيان؛ وسبب في الأذهان على ما سيأتي تقريره، فيصح فيه الوجهان لوجود العلاقتين. قوله: (وثانيها: إطلاق اسم المسبب على السبب كتسميتهم المرض الشديد بالموت، والمذلة العظيمة بالموت). معناه: أنهما مسببان فيه في العادة في بعض الأحوال. قوله: (ويحتمل أن يكون من باب المشابهة). أي: أنهما تشابها في أن كل واحد منهما فيه مؤلمات وشدائد. قوله: (العلة الغائية حال كونها ذهنية علة العلل، وخارجية معلولة العلل). معناه: أن الإنسان أول ما يتصور سترة البيت وإيواءه، فيبعثه ذلك على

стр. 796

تحصيل السبب المادي وهو اللبن وغيره، والسبب الفاعل وهو البناء، والصوري وهو تشكيل البيت على وجه تحصل السترة بالبيت في الخارج، وحينئذ إذا فرعت الأسباب الثلاثة، حصلت السترة بالبيت في الخارج، فهي مترتبة على الثلاثة، فهي مسببة عنها، وهى الباعثة عليها، حال كونها في الذهن، فهي سبب في الذهن، ومسبب في المخارج. قوله: (نقل السبب إلى المسبب أحسن من العكس). لأن السبب المعين يقتضى المسبب المعين لذاته، بخلاف المسبب. مثاله في الشرعيات: وجوب الوضوء له أسباب عديدة، فإذا قيل لك: زيد لامس، تقول: وجب عليه الوضوء، فإذا قيل لك: وجب عليه الوضوء، لا تقول: لامس، بل تقول: حصل منه سبب يقتضى ذلك، فتشير إلى نوع السبب، لا إلى عين مسبب معين، وفي المسبب تشير إلى عين السبب، وكذلك الغسل، والحدود، وغيرها من الشرعيات. ومثاله من العقليات: أن الحصول في الحيز المعين بعد أن كان في غيره له سببان: الحركة إليه، والثاني: أن يعدمه الله- تعالى- من ذلك الحيز، ويوجده في هذا الحيز. فإذا قيل لك: انه قد تحرك إليه. قلت: حصل هو في ذلك الحيز. أما إذا قيل لك: هو في ذلك الحيز. تقول: الغالب أنه تحرك، ولا تجزم قطعا بالحركة، كما تجزم في الأول، بل يجوز ترتبه على كل واحد من السببين. فإن قلت: هذا لا يطرد، أما في الشرعيات؛ فلأن جلد المائة لا يكون إلا عن زنا، وأخذ الجزية لا يكون إلا عن الكفر، وهو كثير، وأما في

стр. 797

العقليات فلأن العالمية لا تكون إلا عن العلم، وكذلك القادرية لا تكون إلا عن القدرة، وكذلك بقية أحكام المعاني. قلت: معنى قولنا: أن المسبب يقتضى نوع السبب لا عينه، أي: لا ذاته ما لم يعرض له عارض من خارج من خصوص مادة، أو غير ذلك. وأما بالنظر إلى ذاته فلا، ولا تناقض بين عدم اقتضائه لذاته من غير سبب، وبين حصول الاقتضاء لأمر خارجي، بخلاف السبب، فإنه لذاته يقتضى عين المسبب، وذلك كافه في الترجيح. قوله: (وهذا القسم هو المستعار). للعلماء في المستعار مذهبان: قيل: كل مجاز مستعار؛ لأن اللفظ إذا وضع لمعنى استحقه بسبب الوضع، فاستعماله في غيره يكون على وجه العارية، فيكون كل مجاز مستعارا. وقيل: المستعار أخص من المجاز، وهو أحد أنواع المجاز، وهو ما كانت العلاقة فيه مشابهة خاصة. قوله: (تسمية الشيء باسم ضده كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾) [الشورى: ٤٠]. تقريره: أن القاعدة: أن من له عرف في لفظ، فإنما يحمل لفظه على عرفه، والشرع له عرف في السيئة أنها: الذنب المحرم، بخلاف اللغة هي: ما يسوء وإن كان واجبا. إذا تقررت هذه القاعدة قلنا: (قاعدة أخرى) وهى أن الأحكام الشرعية أضداد لا يجتمع منها اثنان في شيء واحد باعتبار

стр. 798

واحد، والجناية محرمة، والعقوبة مباحة، والتحريم ضد الإباحة، والتحريم هو السيئة في عرف الشرع، فتسمية القصاص سيئة إطلاق لأحد الضدين على الآخر، وفي هذه الآية ونحوها أربعة طرق، يحتمل أن اللفظ حقيقة فيها تغليبا للغة؛ لأن القصاص يسوء الجاني، كما ساءت الجناية المجني عليه، وإذا قلنا: إنه مجاز فثلاثة طرق ما تقدم، ومن مجاز التشبيه كما قرره في الكتاب، ومن باب إطلاق لفظ السبب على المسبب؛ لأن الجناية سبب العقوبة. قوله: (تسمية الجزء باسم الكل كإطلاق اللفظ العام، ويراد الخاص). قلنا: صيغ العموم ليس مدلولها كلا بل كلية، وقد تقدم الفرق بينهما أن الكل هو المجموع، والكلية هي القضاء على واحد واحد بحيث لا يبقى واحد، وأن مدلول العموم لو كان الكل لتعذر الاستدلال به في النفي والنهى على ثبوت حكمه بجزء من جزئياته، فإنه لا يلزم من النهى عن المجموع النهى عن فرد معين منه، وكذلك النفي، لا يلزم من نفي المجموع نفي أجزائه كلها، فإذا قلنا: لا يقتل مجموع النفوس جاز قتل الألف منه، فإذا كان هذا هو مدلول قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) [الإسراء: ٣٣]، فيجوز قتل كل من على وجه الأرض، ولا يعصى لبقاء بعض آخر، وهو الماضي؛ أو المستقبل من النفوس ويكون قولنا: لا رجل في الدار معناه: ليس المجموع في الدار، فيجوز أن يكون في الدار آلاف، إذا تقرر أن مدلول العموم كلية لا كل لا يكون الخصوص جزءا، فلا يكون إطلاق العموم لإرادة الخصوص من باب إطلاق لفظ الكل على الجزء، بل ذلك كقوله- ﵇ حكاية عن الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين).

стр. 799

والمراد: قراءة الفاتحة التي هي جزء الصلاة، وكذلك قوله ﵇ (فصلى الظهر حين زالت الشمس). والظهر اسم لمجموع الركعات الأربع، فلو صلاها كلها عد الزوال، لكان قد شرع فيها قبل الزوال، فيتعين أنه أراد بلفظ الظهر جزءها، وهو افتتاحها. قوله: (تسمية الكل باسم الجزء، كما يقال للزنجي: إنه أسود). معناه: أن الأسود بعضه، وهو جلده دون أسنانه وعينيه، ويرد عليه أن المحمول على الشيء لا يقتضى أن يكون ثابتا لكله، كما تقول للرجل. إنه أبخر، وأشهل، وأعرج، وأحدب، وإنما ذلك في بعض أعضائه، وذلك الإطلاق حقيقة، فكذلك قولنا: انه أسود إنما حمل على الزنجي، وإذا كان الحمل اعم مما ثبت للكل أو البعض، والأعم لا يستلزم الأخص، فلا بد من دليل يدل على أن هذا المحمول من قبيل ما يكون المحمول فيه ثابتا للكل، وحينئذ يلزم المجاز، وإلا فلا، وتمييز ذلك بالضوابط عسر جدا. قوله: (الجزء يلازم الكل دون عكس). معناه: أنه متى وجد الكل وجد الجزء من غير عكس، فقوله: يلازم معناه لازم. قوله: (تسمية إمكان الشيء باسم وجوده) الإمكان هو: القبول. ومراده بوجوده: وجود المقبول، وهذه العبارة فيها مناقشة؛ لأنا إذا قلنا

стр. 800

الخمر إنها مسكرة لم يطلق هذا الاسم على القبول، بل على المحل الذي ثبت له القبول، ولا بد من ملاحظة قاعدة في هذا المثال، وهى: أن الأوصاف إنما تصدق حقيقة في الحال دون الاستقبال، كما تقدم في إطلاق المشتق على المحل، فعلى هذا مسكر لا يصدق إلا على الخمر الذي شرب وسيطر على الدماغ حتى حصل منه تغطية العقل، ولا يصدق على الماء أنه يروى حتى يشرب ويزيل العطش، وأما قبل ذلك فمجاز، وكان حق العبارة أن يقول: تسمية الشيء بما هو قابل له. قوله: (إطلاق المشتق بعد زوال المشتق منه). هذا على غير مذهب ابن سينا كما تقام أول الكتاب. قوله: (مجاز المجاورة: نقل اسم الراوية من الحمل إلى ما يحمل عليه من ظرف الماء، وتسمية الشراب بالكأس). أما الراوية: فقد تقدم أنها مبالغة في اسم الفاعل، فمن كثرت روايته للحديث سمى راوية، ومن كثرت معرفته للأنساب سمى نسابة، وعلى هذه الطريقة، وهذا المعنى يقتضى أن يكون الذي يستحق هذا اللفظ بأصل الوضع هو الماء؛ لأنه هو الذي يكثر إرواؤه، وهو فاعل الري في مجرى العادة، ويكون إطلاقه على الحمل والمزادة مجازا من باب مجاز المجاورة. وأما الحمل فلا يفعل الري، حتى يستحق اسم الفاعل من الري فتبنى له صيغة المبالغة. وأما الكأس فالمشهور في النقل أنه: الزجاجة إذا وضع فيها الشراب سميت كأسا، إلا سميت زجاجة، وكذلك الخوان لا يسمى بذلك إلا إذا كان عليه الطعام قاله الثعالبي في: (فقه اللغة)، ونقل غيره أن الكأس من أسماء الخمر نفسه من غير ظرف هي فيه.

стр. 801

قال ومنه قوله تعالى ﴿يتنازعون فيها كأسا﴾ [الطور: ٢٣]، أي: خمرا: (لا لغو فيها ولا تأثيم) [الطور: ٢٧]، فعلى هذا النقل الأول يكون تسمية الشراب بالكأس من باب تسمية الجزء باسم الكل؛ لأن الكأس اسم للمجموع، كالحلة اسم لمجموع الثوبين، على النقل الثاني يكون اللفظ فيها حقيقة، ويكون إطلاق الكأس على القدح مجازا من باب إطلاق المسبب على السبب المادي، أو من مجاز المجاورة. قوله: وعاشرها المجاز بسبب أن أهل العرف تركوا استعمال ما كانوا يستعملونه فيه كالدابة إذا استعملت في الحمار عليه سؤالان: (السؤال الأول) أن البحث في هذه المسألة من أولها إلى هاهنا في أنواع العلاقة الموجبة لصحة المجاز، وترك أهل العرف ليس من العلاقة في شيء، فجعله أحد أنواع العلاقة غير معقول، بل هذا نوع من أنواع المنقول عنه؛ لأن المنقول عنه، قد يكون موضوعا لغة، أو عرفا، أو شرعا، أما من أنواع العلاقات فلا، فجعله من أنواع العلاقة لا معنى له. (السؤال الثاني) إن إطلاق الدابة على الحمار حقيقة عرفية؛ لأن اللفظ في العرف نقل إلى الحمار في الديار المصرية، غير أن المصنف مثل باعتبار عرف (العراق)، أن لفظ الدابة نقل للفرس، فعلى هذا استعمال لفظ الدابة باعتبار عرفهم يكون تركا للحقيقة العرفية. قوله: (فإن قلت: لفظ الدابة إما أن يكون مجازا من حيث صار مستعملا في الفرس وحده، أو من حيث منع من استعماله في غيره، والأول من باب إطلاق اسم العام على الخاص، فلا يكون قسما آخر).

стр. 802

يقتضى كلامه هذا أمرين يندفع بهما إشكالان: أحدهما: أنه أراد بالعام والخاص فيما تقدم المعنى العام لا اللفظ العام، وعلى هذا يصدق، ثم إن الخاص كل والعام جزء، فإن الحيوان الأعم جزء الإنسان الأخص ٠ وكذلك كل أعم مع أخصه، ولذلك قال هاهنا: (فلا يكون هذا قسما آخر) دل على أنه تقدم، ولم يتقدم له إلا هذا المثال من هذه الصيغة، وهذه المادة، غير أن ما ورد عليه ئمت من أن صيغة العموم كلية لا كل يرد عليه سؤال آخر، وهو أنا إذا حملنا كلامه ئمت على أنه أراد العموم المعنوي لا اللفظي انعكس الحال عليه في التمثيل؛ لأنه جعله لإطلاق اسم الكل على اسم الجزء، والعام ليس هو كل الخاص، بل جزء الخاص كل؛ لأن الخاص مركب من العام، وزيادة الفصل، وإن لم يكن هذا مراده بطل قوله: لا يكون هذا قسما آخر؛ لأنه حينئذ لم يتقدم له ذكر. والأمر الثاني: المستفاد من كلامه هاهنا أن مراده بقوله: المجاز مسبب أن أهل العرف تركوا استعماله في الذي كانوا يستعملونه فيه، أن أهل العرف تركوا المعنى العام الذي هو مطلق الدابة، وجعلوا اللفظ لبعض أنواعه الذي هو الفرس أو الحمار، لا أنهم تركوا الحقيقة العرفية بل اللغوية، ولو لم يكن هذا مراده لما كان لقوله: فإن قلت: اللفظ إما أن يكون مجازا من حيث هو مستعمل في الفرس وحده، السؤال إلى آخره معنى، بل إنما يتجه السؤال إذا كان المصنف ادعى هذا المجاز الذي ردد فيه السائل، غير أن جوابه يبطل ذلك. قوله: (والثاني باطل؛ لأن المجارية كيفية عارفة للفظة من جهة دلالتها على المعنى لا من جهة عدم دلالتها على الغير). تقريره. أن الجاز لا يتصور بدون الاستعمال؛ لأن حده اقتضى ذلك، حيث قلنا: هو اللفظة المستعملة في غير ما وضع له لعلاقة بينهما، والمهجور

стр. 803

ترك الاستعمال فيه، فلا يكون مجازا فيه، وعليه مناقشة في قوله: (المجازية كيفية عارضة من جهة دلالتها على المعنى)؛ لأن اللفظ إذا استعمل مجازا لا يدل على المعنى المجازى، بل الدال القرينة، فنسبة الدلالة للفظ فيه توسع، ويمكن أن يقال: اللفظ دل بواسطة القرينة، فله نوع من الدلالة، كما أن اللفظ المشترك إذا احتفت به قرينة، صار المجموع دالا على ذلك المعنى المعين. قوله: (وثاني عشرها المجاز بسبب الزيادة والنقصان). قلنا: هذا من مجاز التركيب كما تقدم بيانه، وهو لا يعتقده مجازا لغويا، بل عقليا، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، فلم جعله قسما منه؟ وجوابه: أنه لم يفرع على مذهبه، بل على المذهب الآخر. (سؤال) مجاز التركيب ما العلاقة فيه ؟ فماذا قلنا: ﴿كفي بالله شهيدا﴾ [الإسراء: ٩٦، الرعد: ٤٣]، (الباء) زائدة، وهو من مجاز التركيب، وكذلك قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ [النساء: ١٥٥، المائدة: ١٣]، (ما) زائدة، وهو من مجاز التركيب، فإن هاتين الكلمتين لم توضعا لتركبا هذا التركيب، بل (الباء) تركب مع الذي يلتصق به الفعل، أو تكون أداه أو سببا على اختلاف أحوالها، وكذلك (ما) لم توضع للزيادة، بل الأقسام الأحد عشر التي لها مذكورة مفصلة في كتب النحاة، ولا يمكن أن تكون العلاقة إحدى العلاقات المتقدمة؛ لأن التقدير أن المجاز بالزيادة والنقصان قسم آخر غيرها. أو يقولون: هذا مجاز لا علاقة له، فيبطل قولكم في حد المجاز: لعلاقة بينهما، ولا بد من علاقة عامة تشمل جميع مجاز التركيب على اختلاف أنواعه ومواده، فإنه كثير جداً.

стр. 804

جوابه: أن أصل العلاقة هو الارتباط بوجه ما، وهي متنوعة، فذكر المصنف أحد عشر نوعا غير هذا النوع، وهذا النوع فيه نوع خاص من العلاقة، وهو متشابهة التركيب الكائن مع الزيادة أو النقصان، للتركيب الكائن في التركيب الذي هو الوضع الأصلي، فالتشبيه واقع في صورة التركيب، وبهذا يفارق المستعار المتقدم ذكره؛ لأن المستعار شبهه في المعنى، وهذا شبهه في تركيب اللفظ، ولهذا جعل المصنف الزيادة والنقصان نوعا واحدا؛ لأن علاقتهما واحدة، وإن اختلفا في المعنى، فالزيادة أبدا للتأكيد، كما تقدّم نقله عن ابن جنى، فلا زيادة إلا للتأكيد، تقدم بسطه في باب التأكيد، وأما النقص فلا تأكيد فيه، فحينئذ هما متباينان، فلا جامع يجمعهما جمعا عاما إلا ما ذكرته لك من مشابهة التركيب، وهذا الموضع من مشكلات مجازات العرب؛ لأن مجاز التركيب في نفسه قل من يعرفه، وعلاقته أقل من ذلك ظهورا، وأخفى سبيلا. قوله: (تسمية المتعلق به باسم المتعلق، كتسمية المعلوم علما، والمقدور قدرة). مثاله: قوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾] البقرة: ٢٥٥ [. فلفظ (من) يقتضى أن العلم نفسه ليس مرادا، فإن (من) هاهنا ظاهرة في التبعيض، علم الله- تعالى- لا يتبعض، ومعلوماته تتبعض، فتعين الصرف لها، فيكون التقدير: ولا يحيطون بشيء من معلوماته (إلا بما شاء)، وتقول العرب للأمر العظيم إذا رأته كالأهرام ونحوها: ما هذا إلا قدرة عظيمة، أي: مقدور عظيم، فالقدرة والعلم متعلقان، والمعلوم والمقدور متعلق بهما. (تنبيه) قال التبريزي في قوله: (سال الوادي) يحتمل أن يكون المجاز في

стр. 805

(سال) لا في (الوادي) يريد بأن يكون معناه: دفع الوادي بما فيه من الماء قال: ويجوز أن يكون على حذف المضاف تقديره: سال ماء الوادي. وعلى قول المصنف وقول التبريزي يجوز أن يكون من مجاز التركيب؛ لأن السيلان لم تضعه العرب لتركبه مع لفظ ما لا يصلح للسيلان، فإذا ركبته معه كان مجازا في التركيب. قال: (ويجوز في تسمية المرض الشديد والمذلة بالموت أن يكون من إطلاق اسم الغاية). وقول التبريزي هذا لا يتجه، فإنه يتخيل أن غاية المرض الموت، وهذا ليس كافيا في السبب الغائي؛ فإن الذي يفضى إليه الشيء، ويكون نهايته وغايته قسمان: تارة تكون الغاية هي الباعثة عليه كالخمر في العنب، والسترة في الدار، والنوم على السرير، فإن هذه الأمور هي الباعثة على هذه الحقائق. وتارة لا تكون الغاية، والنهاية المترتبة على الشيء هي المقصودة منه كصيرورة الإنسان للموت، والدار للخراب، والثوب للإخلاق، ونحو ذلك فهذه لا تسمى في عرف أهل هذا اللسان علة غائية؛ لأنها لم تبعث عليه، وإن ترتبت عليه، ولذلك قالوا: أول الفكرة آخر العمل، وقالوا: العلة الغائية علة في الأذهان، معلولة في الأعيان، وذلك لا يصح في هذا القسم الثاني، إنما يصح في الأول، والذي يوقع الذل بالإنسان ما يتعين أن يكون مقصوده كالموت لا كليا ولا أكثريا. نعم قد يقصد وذلك لا يكفى حتى يكون كليا أو أكثريا، ولذلك خلق الله- تعالى- الأمراض المقصود منها تكفير السيئات، ورفع الدرجات، وإظهار مكارم العباد، وتفاوت رتبهم، وإن قلنا: أفعال الله -تعالى- لا تعلل بالأغراض بطل ذلك بالكلية لا نادرا ولا أكثرياً.

стр. 806

قال التبريزي في إطلاق الكل على الجزء قال: (كإطلاق اللفظ العام على الخاص). فصرح باللفظ، وحقق ورود الإشكال على هذا الموضع، ثم قال: وهذا بإطلاق اسم الجزء على الكل أشبه، وهذا الذي قاله لا يتجه، فإن اللفظ العام ليس جزء الخاص، وإنما يتأتى ذلك في المعنى العام، كما تقدم بيانه. (المسألة الرابعة: لا يدخل المجاز دخولا أولياء إلا في أسماء الأجناس) هو يحترز بهذا التقييد من ثلاثة أشياء: المشتقات، والأعلام، والحروف، ويتعين أن يكون إطلاقه هاهنا أسماء الأجناس، باعتبار اصطلاح النحاة في وضعهم الأسماء لقبيل خاص من الكلمات، وما عداها يسمى فعلا أو حرفا. وأما لو فرضناه أطلق باعتبار اللغة، فالحروف أيضا من أسماء الأجناس، وكذلك الأفعال؛ لأن كل واحد منها وضع لمسمى ذلك المسمى جنس في نفسه؛ لأن الجنس في اللغة: (كل حقيقة خالفت حقيقة أخرى في مقصود)، لقوله ﵇: (فإذا أختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم). قوله: (مفهوم الحرف غير مستقل بنفسه، بل لابد أن ينضم إلى شيء آخر لتحصل الفائدة). قلنا: قوله: غير مستقل بنفسه، إن أراد لا يستقل بصورة تصوره فمحال عند العالم بالوضع، فإن كل من سمع (ليت) انتقل ذهنه للتمني، و (ثم) انتقل ذهنه للعطف، وكذلك جميع الحروف المركبة، إلا أن يعرض لها اشتراك يصيرها مجملة، لكن ذلك لا يقدح، فإن الأسماء أيضا كذلك، وإن أراد أنه لا يستقل معناه بمعنى تصديقي، فكذلك جميع أسماء الأجناس، إنما تستقل قبل التركيب بالتصورات.

стр. 807

قوله: (إن ضم الحرف لما ينبغي ضمه إليه فهو مجاز في التركيب، لا في المفرد، وإن ضم لما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة). قلنا: قد يضم لما ينبغي ضمه إليه من حيث اللفظ، بأن يركب مع لفظ وضعته العرب ليركب معه، ومع ذلك يكون مجازا لا حقيقة، قوله تعالى: ﴿لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾] الأعراف: ١١ [، -فثم- وضعت للتراخي في الزمان، وأن ما بعدها يكون واقعا في الزمان بعد الذي قبلها متراخيا عنه، مقتضى هذه القاعدة، أن يكون أمر الملائكة بالسجود متأخرا بالزمان عن خلقنا وتصويرنا، والواقع خلافه، فتعين المجاز، كذلك قوله تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾] البلد: ١١ [بعد قوله: ﴿فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة﴾] البلد: ١٣ - ١٥ [. وأجمعت الأمة على أن الأمر بالإيمان متقدم على الأمر بالإعتاق والإطعام، فيتعين المجاز، وكذلك قول الشاعر] الخفيف [: إن من ساد ثم ساد أبوه .... ثم ساد قبل ذلك جده وقال الأدباء: معنى هذا البيت أن الشاعر أراد الإخبار بأن هذا وإن عظمت سيادته فلم تأته السيادة عن كلالة بل ان أبوه أعظم منه، وجده أعظم من أبيه، فصار المذكور بعد (ثم) واقعا قبلها، وهذا خلاف الوضع الأصلي، فاختلف الأدباء في هذا المقام.

стр. 808

فقال بعضهم وهو أكثرهم: أصل الترتيب في المخبر عنه، واستعمل هاهنا مجازا في ترتيب الخبر. وقال الأقلون وهم المحققون: يلزم على هذا تراخي الكلام المتأخر عن الكلام المتقدم، والآيات نزلت جملة واحدة، وبيت الشعر أنشد جملة واحدة. بل الصحيح أن هذا من مجاز التشبيه، وأن الرتبة العالية تشبه بالبعيد في الزمان، فشبه البعد بين الرتب بالبعد بين الأزمان، والتراخي بالتراخي، فيصير معنى الآية: أن أمر الملائكة في السجود لآدم كان أعظم في التشريف والتكريم من نفس الخلق والتصوير، ومرتبة الإيمان أشرف من رتبة العتق والإطعام، وسيادة الأب كانت أعظم من سيادة الابن، وسيادة الجد كانت أعظم من سيادة الأب. وهذا معنى جميل مقصود للبلغاء، فيتعين الحمل عليه لعظم فائدته، وجلالة معناه، وعلى كلا المذهبين تكون (ثم) مستعملة في غير موضعها، إما في الخبر دون المخبر عنه كما قال الأولون، وإما في الترتيب، وهي لم توضع إلا للتراخي في الزمان، فيكون هذا مجازا في المفرد، ثم أسندت وركبت مع ما يصلح أن تركب معه، فإن تركبت (ثم) مع القول، وبقية النظائر ليس على خلاف الوضع اللغوي في التركيب. وكذلك (بل) وضعت للإضراب عن المخبر عنه، فإذا قلت: قام زيد بل عمرو، أبطلت قيام زيد، وأثبت القيام لعمرو، وقد يستعمل الإضراب عن الخبر دون المخبر عنه، كما قال الله تعالى: ﴿بل إدارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون﴾] النمل ٦٦ [فإن المعنى المتقدم على (بل) لم يضرب عنه، بل قال العلماء: معناه يكفي من الإخبار عن هذا

стр. 809

المعنى، يشرع في الإخبار عن القصة الثانية، فهي إضراب عن الخبر، لا عن المخبر عنه، وهو كثير في القرآن، وكلام العرب، فقد استعملت (بل) مجازا في الإضراب عن الخبر؛ لأنها لم توضع له، وهو من مجاز المفرد، ووقع ذلك كثيرا في الحروف تكون مجازا في الإفراد مع تركيبها مع ما يصلح أن تركب معه. و (لعل) للترجي، ثم تستعمل في غيره كما في قوله تعالى: ﴿لعلهم يهتدون﴾] الأنبياء: ٣١ [. قال العلماء: الترجي على الله-تعالى- محال، فتصرف (لعل) لطلب الاهتداء، فتكون أمرا بالاهتداء، وهذا مجاز في المفرد. وقيل: تجعل إخبارا عن المبالغة في الفعل المتقدم، فيكون المعنى: فعلنا ذلك على أتم درجاته فعلا بليغا، فعل من يريد هدايتكم، ويتمناها، كونها أيضا استملت في المسألة مجازا في الإفراد، وعلى القولين هي مركبة مع ما يصلح للتركيب معه. وكذلك (في) للظرفية، وتستعمل في السببية كقوله ﵇: (في النفس المؤمنة مائة من الإبل)، أي: بسبب قتلها، وفعله ﵇ في الحميرية التي وجدها ليلة الإسراء في النار، فقالت: (حبست هرة حتى ماتت جوعا وعطشا فدخلت النار فيها)، أي: بسبب قتلها.

стр. 810

وقولنا: يحب في الله، ويبغض في الله، أي: بسبب طاعة الله معصيته، وهو كثير. ثم قوله: (إن ضم لما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة). قلنا: الضم ليس شرطا في كونه حقيقة، فإنا إذا نطقنا بلفظ، ثم بدا لنا في الكلام، فإن كان مرادنا بتلك اللفظة الظرفية الحقيقة، كانت حقيقة، أو غيرها كانت مجازا، فقد تقررت الحقيقة والمجاز بدون التركيب، فلا يكون التركيب شرطا كما إذا قلنا: الأسد، ونريد أن نقول: الأسد مفترس، ثم سكتنا، فإن كنا قد أردنا الحيوان المفترس، فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز إن أردنا زيدا الشجاع، ولا عبرة بالتركيب في استعمال مفردات الألفاظ] حقائق ولا مجازات بعد الأسماء، والأفعال، والحروف [. قوله: (الفعل دال على ثبوت شيء لموضوع غير معين في زمان معين). معناه: انك إذا قلت: قام، دل على ثبوت القيام لفاعل غير معين من جهة اللفظ، وقد يكون معلوما لا من جهة هذه اللفظة، وإن قصد بذلك اللفظ التحديد، بطل بقولنا: الصبوح، والغبوق، والمتقدم، والمتأخر، والماضي، والحال، والمستقبل، فإنها تدل على شيء لموضوع غير معين في زمان معين، ومع ذلك فهي أسماء، فيكون الخبر غير مانع. قوله: (فيكون مركبا من المصدر وغيره، وما لم يدخل المجاز في المصدر، استحال دخوله في الفعل الذي لا يفيد إلا ثبوت ذلك المصدر لشيء). قلنا: مسمى الفعل مركب من مسمى المصدر والزمان، ليس الفعل في نفسه مركبا، ولا مدلوله مركبا من المصدر، ثم نقول؛ المصدر له معنيان:
следующие страницы →