← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قال التبريزي في إطلاق الكل على الجزء قال: (كإطلاق اللفظ العام على الخاص). فصرح باللفظ، وحقق ورود الإشكال على هذا الموضع، ثم قال: وهذا بإطلاق اسم الجزء على الكل أشبه، وهذا الذي قاله لا يتجه، فإن اللفظ العام ليس جزء الخاص، وإنما يتأتى ذلك في المعنى العام، كما تقدم بيانه. (المسألة الرابعة: لا يدخل المجاز دخولا أولياء إلا في أسماء الأجناس) هو يحترز بهذا التقييد من ثلاثة أشياء: المشتقات، والأعلام، والحروف، ويتعين أن يكون إطلاقه هاهنا أسماء الأجناس، باعتبار اصطلاح النحاة في وضعهم الأسماء لقبيل خاص من الكلمات، وما عداها يسمى فعلا أو حرفا. وأما لو فرضناه أطلق باعتبار اللغة، فالحروف أيضا من أسماء الأجناس، وكذلك الأفعال؛ لأن كل واحد منها وضع لمسمى ذلك المسمى جنس في نفسه؛ لأن الجنس في اللغة: (كل حقيقة خالفت حقيقة أخرى في مقصود)، لقوله ﵇: (فإذا أختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم). قوله: (مفهوم الحرف غير مستقل بنفسه، بل لابد أن ينضم إلى شيء آخر لتحصل الفائدة). قلنا: قوله: غير مستقل بنفسه، إن أراد لا يستقل بصورة تصوره فمحال عند العالم بالوضع، فإن كل من سمع (ليت) انتقل ذهنه للتمني، و (ثم) انتقل ذهنه للعطف، وكذلك جميع الحروف المركبة، إلا أن يعرض لها اشتراك يصيرها مجملة، لكن ذلك لا يقدح، فإن الأسماء أيضا كذلك، وإن أراد أنه لا يستقل معناه بمعنى تصديقي، فكذلك جميع أسماء الأجناس، إنما تستقل قبل التركيب بالتصورات.

стр. 807

قوله: (إن ضم الحرف لما ينبغي ضمه إليه فهو مجاز في التركيب، لا في المفرد، وإن ضم لما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة). قلنا: قد يضم لما ينبغي ضمه إليه من حيث اللفظ، بأن يركب مع لفظ وضعته العرب ليركب معه، ومع ذلك يكون مجازا لا حقيقة، قوله تعالى: ﴿لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾] الأعراف: ١١ [، -فثم- وضعت للتراخي في الزمان، وأن ما بعدها يكون واقعا في الزمان بعد الذي قبلها متراخيا عنه، مقتضى هذه القاعدة، أن يكون أمر الملائكة بالسجود متأخرا بالزمان عن خلقنا وتصويرنا، والواقع خلافه، فتعين المجاز، كذلك قوله تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾] البلد: ١١ [بعد قوله: ﴿فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة﴾] البلد: ١٣ - ١٥ [. وأجمعت الأمة على أن الأمر بالإيمان متقدم على الأمر بالإعتاق والإطعام، فيتعين المجاز، وكذلك قول الشاعر] الخفيف [: إن من ساد ثم ساد أبوه .... ثم ساد قبل ذلك جده وقال الأدباء: معنى هذا البيت أن الشاعر أراد الإخبار بأن هذا وإن عظمت سيادته فلم تأته السيادة عن كلالة بل ان أبوه أعظم منه، وجده أعظم من أبيه، فصار المذكور بعد (ثم) واقعا قبلها، وهذا خلاف الوضع الأصلي، فاختلف الأدباء في هذا المقام.

стр. 808

فقال بعضهم وهو أكثرهم: أصل الترتيب في المخبر عنه، واستعمل هاهنا مجازا في ترتيب الخبر. وقال الأقلون وهم المحققون: يلزم على هذا تراخي الكلام المتأخر عن الكلام المتقدم، والآيات نزلت جملة واحدة، وبيت الشعر أنشد جملة واحدة. بل الصحيح أن هذا من مجاز التشبيه، وأن الرتبة العالية تشبه بالبعيد في الزمان، فشبه البعد بين الرتب بالبعد بين الأزمان، والتراخي بالتراخي، فيصير معنى الآية: أن أمر الملائكة في السجود لآدم كان أعظم في التشريف والتكريم من نفس الخلق والتصوير، ومرتبة الإيمان أشرف من رتبة العتق والإطعام، وسيادة الأب كانت أعظم من سيادة الابن، وسيادة الجد كانت أعظم من سيادة الأب. وهذا معنى جميل مقصود للبلغاء، فيتعين الحمل عليه لعظم فائدته، وجلالة معناه، وعلى كلا المذهبين تكون (ثم) مستعملة في غير موضعها، إما في الخبر دون المخبر عنه كما قال الأولون، وإما في الترتيب، وهي لم توضع إلا للتراخي في الزمان، فيكون هذا مجازا في المفرد، ثم أسندت وركبت مع ما يصلح أن تركب معه، فإن تركبت (ثم) مع القول، وبقية النظائر ليس على خلاف الوضع اللغوي في التركيب. وكذلك (بل) وضعت للإضراب عن المخبر عنه، فإذا قلت: قام زيد بل عمرو، أبطلت قيام زيد، وأثبت القيام لعمرو، وقد يستعمل الإضراب عن الخبر دون المخبر عنه، كما قال الله تعالى: ﴿بل إدارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون﴾] النمل ٦٦ [فإن المعنى المتقدم على (بل) لم يضرب عنه، بل قال العلماء: معناه يكفي من الإخبار عن هذا

стр. 809

المعنى، يشرع في الإخبار عن القصة الثانية، فهي إضراب عن الخبر، لا عن المخبر عنه، وهو كثير في القرآن، وكلام العرب، فقد استعملت (بل) مجازا في الإضراب عن الخبر؛ لأنها لم توضع له، وهو من مجاز المفرد، ووقع ذلك كثيرا في الحروف تكون مجازا في الإفراد مع تركيبها مع ما يصلح أن تركب معه. و (لعل) للترجي، ثم تستعمل في غيره كما في قوله تعالى: ﴿لعلهم يهتدون﴾] الأنبياء: ٣١ [. قال العلماء: الترجي على الله-تعالى- محال، فتصرف (لعل) لطلب الاهتداء، فتكون أمرا بالاهتداء، وهذا مجاز في المفرد. وقيل: تجعل إخبارا عن المبالغة في الفعل المتقدم، فيكون المعنى: فعلنا ذلك على أتم درجاته فعلا بليغا، فعل من يريد هدايتكم، ويتمناها، كونها أيضا استملت في المسألة مجازا في الإفراد، وعلى القولين هي مركبة مع ما يصلح للتركيب معه. وكذلك (في) للظرفية، وتستعمل في السببية كقوله ﵇: (في النفس المؤمنة مائة من الإبل)، أي: بسبب قتلها، وفعله ﵇ في الحميرية التي وجدها ليلة الإسراء في النار، فقالت: (حبست هرة حتى ماتت جوعا وعطشا فدخلت النار فيها)، أي: بسبب قتلها.

стр. 810

وقولنا: يحب في الله، ويبغض في الله، أي: بسبب طاعة الله معصيته، وهو كثير. ثم قوله: (إن ضم لما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة). قلنا: الضم ليس شرطا في كونه حقيقة، فإنا إذا نطقنا بلفظ، ثم بدا لنا في الكلام، فإن كان مرادنا بتلك اللفظة الظرفية الحقيقة، كانت حقيقة، أو غيرها كانت مجازا، فقد تقررت الحقيقة والمجاز بدون التركيب، فلا يكون التركيب شرطا كما إذا قلنا: الأسد، ونريد أن نقول: الأسد مفترس، ثم سكتنا، فإن كنا قد أردنا الحيوان المفترس، فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز إن أردنا زيدا الشجاع، ولا عبرة بالتركيب في استعمال مفردات الألفاظ] حقائق ولا مجازات بعد الأسماء، والأفعال، والحروف [. قوله: (الفعل دال على ثبوت شيء لموضوع غير معين في زمان معين). معناه: انك إذا قلت: قام، دل على ثبوت القيام لفاعل غير معين من جهة اللفظ، وقد يكون معلوما لا من جهة هذه اللفظة، وإن قصد بذلك اللفظ التحديد، بطل بقولنا: الصبوح، والغبوق، والمتقدم، والمتأخر، والماضي، والحال، والمستقبل، فإنها تدل على شيء لموضوع غير معين في زمان معين، ومع ذلك فهي أسماء، فيكون الخبر غير مانع. قوله: (فيكون مركبا من المصدر وغيره، وما لم يدخل المجاز في المصدر، استحال دخوله في الفعل الذي لا يفيد إلا ثبوت ذلك المصدر لشيء). قلنا: مسمى الفعل مركب من مسمى المصدر والزمان، ليس الفعل في نفسه مركبا، ولا مدلوله مركبا من المصدر، ثم نقول؛ المصدر له معنيان:

стр. 811

حركات الفاعلين، واللفظ الدال عليها، والأول لغوي، والثاني اصطلاحي، فإن أراد اللغوي صح قوله: إنه جزء مسمى الفعل، وبطل قوله: إن المجاز يدخل فيه؛ لأن المجاز من عوارض الألفاظ، دون المعاني، وإن أراد المصدر الاصطلاحي الذي هو اللفظ، بطل قوله: إنه جزء الفعل، فإنا نعلم بالضرورة أن من نطق بصيغة (ضرب)، ما نطق بصيغة (ضرب) - بتسكين الراء-، فلابد من بطلان إحدى المقدمتين بالضرورة، ثم إن الفعل له مسمى وهو الحركة والزمان، والمصدر له مسمى، وهو الحركة فقط، فهما لفظان متباينان، ومسمياهما متغايران، فقد ينطق الإنسان بلفظ الفعل مجازا، ولا ينطق بلفظ المصدر، كما قال الله تعالى: ﴿جدارا يريد أن ينقض﴾] الكهف: ٧٧ [، فدخل المجاز في لفظ (أراد)، والإرادة نفسها لم ينطق بلفظها حتى يدخله المجاز، فإن المجاز فرع النطق باللفظ، ويلزم من هذا بطلان قوله: إنه ما لم يدخل المجاز في المصدر لا يدخل في الفعل، بل قد يدخل في الفعل طول الدهر، ولا يدخل في المصدر مرة واحدة؛ لأنهما لفظان متباينان، لا يلزم من التلفظ بأحدهما التلفظ بالآخر، ويظهر هذا بطلان قوله: إن المجاز لا يدخل في الفعل إلا بطريق العرض، بل يدخل بالذات كما تقدم، ولا يدخل بالعرض في صورة واحدة، فإنه ليس لنا صورة يتعذر فيها التجوز بالمصدر والنطق به، إلا حتى بنطق بالفعل التزاما، فيحصل في المصدر بالذات، وفي الفعل بالعرض، بل جميع الصور يصح النطق فيها بالفعل وحده، والمصدر وحده بحسب ما تدعو الضرورة إلى هذا أو هذا، وليس لنا صورة يجب اجتماعهما فيها، فلا يلزم المجاز بالعرض في حالة من الحالات، بل بالذات في جميع الصور في المصدر، وفي الفعل. قوله: (الأعلام يتعذر فيها المجاز لعدم العلاقة).

стр. 812

قلنا: لا نسلم عدم العلاقة لا عند الوضع، ولا بعده. أما عند الوضع فلأن كثيرا من الناس يسمون أولادهم بأمور قارنت ولادتهم، فيسمون رمضان من ولد في رمضان، ومكي من ولد بـ (مكة)، وجمرة وحرب من ولد في زمن الشدائد، وكان كثير من الجاهلين يسمون بذلك، وبضده من قارن مولده الخير: بمفلح، حارث، وصالح، وغير ذلك، والمقارنة أحد أنواع العلاقة، وهي حاصلة هاهنا. غايته: أن ذلك لم يوجد في كل الأعلام، وكذلك ليس كل أسماء الأجناس يصح التجوز عنها، لعدم العلاقة في بعضها. وأما بعد الوضع فكقول العرب: زيد زهير شعرا، وحاتم جودا، وعلى شجاعة، وأبو يوسف أبو حنيفة، فالعلم الثاني أبدا مجاز عبر به عن الأول لمشاركته له في نقل الصفة، وهذا متيسر في كل علم شارك غيره في صفة، فظهر أن العلم يدخله المجاز عند الوضع وبعده دخولا بالذات لا بالعرض، مع أن مجاز العرض لا يتصور أبدا كما تقدم بيانه، بل إما مجاز بالذات، وإلا فلا مجاز ألبتة. قوله: (وأما المشتق فلما لم يتطرق المجاز للمشتق منه، لا يتطرق إلى المشتق منه الذي لا معنى له إلا أنه أمر ما حصل له المشتق منه). قلنا: المشتق لفظ، وله مسمى، وهو ذات ما قام بها مسمى المشتق منه لا المشتق منه، والمشتق منه: لفظ له مسمى آخر، هو جزء مسمى المشتق منه، فهما لفظان متباينان، ومسمياهما متغايران، ولا يلزم من النطق بأحدهما النطق بالآخر نحو: المريد، والإرادة، والعالم، والعلم، فقد يقول: جدار مريد السقوط، ولا يتلفظ بلفظ الإرادة، فيقول: فلان عالم بصنيع فلان، يريد أنه ظان إياه، أو مجاز له عليه؛ فإن العلم، وما يصرف منه يستعمل في هذين المعنيين مجازا، ولا ينطق بلفظ العلم ألبتة، فيدخل المجاز

стр. 813

بالذات في المشتق، ولا يدخل في المشتق منه ألبتة، وقد يتجوز بالعلم، والإرادة، ولا ينطق بلفظ المريد، والعالم ألبتة فلا يدخلها المجاز لا بالذات ولا بالعرض، وينبغي أن تعلم هاهنا أمرين: أحدهما: أن المشتق منه اللفظ دون المعنى، فلفظ (ضارب) مشتق من لفظ الضرب لا من معناه، فإن الاشتقاق من عوارض الألفاظ باعتبار معانيها، لا من عوارض المعاني باعتبار ألفاظها. وثانيهما: أن المجاز من عوارض الألفاظ دون المعاني، وحينئذ يبطل جميع هذا الكلام، ولا يدخل مجاز في لفظ بطريق العرض ألبتة، بل في الذات فقط، ومتى دخل في لفظ لا يلزمه دخوله في لفظ آخر؛ لأن النطق به غير لازم، وهذه المقدمات ظاهرة جدا، ومقتضاها ألا يتحصل من هذه المسألة شيء ألبتة، بل تبطل من أولها إلى آخرها في الحروب، والأعلام، والمشتقات، كانت أفعالا أو أسماء. فإن قلت: الأفعال والمشتقات] لها [كلها أحكامها كلها بطريق] العرض [فيها، وبالذات في المشتق منه، فالخبر نحو: قام زيد، والإخبار في الظاهر بالفعل، وفي التحقيق بالمصدر فما حصل له الإخبار بالفعل إلا بواسطة الإخبار بالمصدر، وكذلك النفي] نحو [: ما قام زيد، النفي في الزاهر للفعل، وفي التحقيق للمصدر، فما دخل في الفعل إلا بواسطة دخوله في المصدر، وكذلك التأكيد، والتشبيه، فكذلك ينبغي في المجاز. قلت: هذا صحيح؛ لأن العرب وضعت الأفعال، والمشتقات لتضيف بها مسميات الأجناس إلى المحكوم عليه. وأما المجاز فهو] استعمال [لأسماء الأجناس لا لمسمياتها، والفعل

стр. 814

إنما يستتبع مسمى اسم الجنس لا لفظه عملا بالجنس، فإن الناطق بلفظ الفعل لم ينطق بلفظ المصدر، فالفعل يستلزم معنى المصدر لا لفظه، والمجاز إنما هو من عوارض اللفظ دون المعنى، فهذا هو الفرق بين المجاز، وبين ما ذكرتموه من النظائر. (سؤال) قال النقشواني: قوله: إن الحرف لا يدخله المجاز لعدم استقلاله بالإفادة . يلزمه ألا تدخله الحقيقة، فإنه إذا لم يستقل بإفادة معنى لا يكون حقيقة فيه، فيلزم من عدم المجاز عدم الحقيقة، مع أنه قد صرح في الباب الثامن بمعاني الحروف، فتكون حقائق فيها، ومجازات في غيرها بالذات. (سؤال) قال النقشواني: (لم لا يجوز أن ينضم الحرف لما لا ينبغي ضمه إليه، ويكون مجازا في الإفراد مع كونه مجازا في التركيب؟). (سؤال) قال: قوله: لا يدخل في المشتق إلا بواسطة دخوله في المشتق منه، ينتقض بقوله: إن إطلاق المشتق بعد زوال المشتق منه مجاز، فقد دخله المجاز بالذات كما قال هناك. (سؤال) بقى عليه علم الجنس لم يذكره، فإنه غير اسم الجنس، وغير الأعلام، والمشتقات، والحروف ، وقد تقدم تقريره عند تقسيمات الألفاظ. (تنبيه) زاد التبريزي فقال: لا يدخل المجاز في العلم؛ لأن كل مسمى فاسمه

стр. 815

حقيقة فيه، إذا نظرنا إلى الحد المذكور، ويدخل متأصلا في المشتق، وصيغة الفعل والحرف، كما تسمى المريد للسفر: مسافرا، وللحج: حاجا. وأما الفعل فتقول: مات فلان، وسافر، ووصل، و ﴿أتى أمر الله﴾] النحل: ١ [، و ﴿إذا وقعت الواقعة﴾] الواقعة: ١ [، إذا لم يبق تردد في أنه يقع، مع تقرر اسم المصدر، وأما الحرف، و (الواو) إذا استعملت بمعنى (أو)، و (الفاء) لمجرد العطف، و (من) بمعنى (في)، فإنه مجاز بالتأصل كالأسماء. قال: فإن قيل: قد ذكرتم أن العلم لا يدخله المجاز، وهو ينتقض بقولكم: أبو يوسف أبو حنيفة، ونحوه إذا وقعت المشابهة بينهما في المعنى الذي يختص بأحدهما: قال: والجواب من وجهين: أحدهما: أنه لابد من إخراج هذه الأعلام عن العملية لتصلح للاستعارة؛ لأنها إنما وضعت لتعريف الذات بما هي عين تلك الذات، من غير اعتبار صفة نفسية أو معنوية، فأبو حنيفة يتناول الشخص المسمى به حالة كمال علمه، كما كان يتناول وهو رضيع، وبهذا الاعتبار لو قضيت على شخص بأنه أبو حنيفة لم يفد صفة بأصل العلم فضلا عن كماله، فإذا لابد أن يجعل اسما للمعين بما هو عليه من الوصف المشهور به، فيصير عبارة عن ذات هي كذا، فتبطل العلمية عنه، ويلحق بأسماء الأجناس، فعند ذلك يصلح للاستعارة في كمال العلم. وثانيهما: أن اسم العلم إذا لم يفد إلا العين كما تقدم، فهو بمثابة الإشارة بان هذا ذاك، فإذا لم يكن كذلك بقرينة الحس، فهو مجاز عقلي؛ لأنه حكم باتحاد العين لأجل اتحاد الصفة، وليس فيه مخالفة وضع في استعمال

стр. 816

هذا وذاك، فكذلك في اسم العلم، فإنه أريد به نفس موضوعه الأصلي، ولأن اختصاصه بمحل الوضع وليس تقتضيه اللغة، ولا تبينه على المشاركة في صفة يقتضيه وضع المسمى، ولابد للمجاز من ظهور في محل الاستعمال أولا واحتمال لمحل الاستعمال ثانيا، بالإضافة إلى الإشعار اللغوي. قال: وهذا من لطائف المباحث. قلت: والجواب عن كلامه: أما الوجه الأول: فقوله: (إن العلم إنما وضع لتلك الذات مع قطع النظر عن الصفة) - فمسلم، ولكن قوله: (ولابد وأن يجعل في ثاني حال عبارة عن ذات هو كذا، فتبطل العلمية عنه). قلنا: إن أراد أن اللفظ ينتقل عن الذات، ويصير اسما للمجموع المركب من الذات والصفة فممنوع، ولا ضرورة لذلك، والأصل عدم النقل، ويدل على ذلك أن الصفة قد تذهب، ولا يتغير ذلك الاسم، ولا يحتاج لنقل آخر لنفس الذات، ولا يصير اللفظ مجازا في تلك الذات بعد ذهاب الصفة، بل كل صفة تطرأ ويشتهر بها المحل أمكننا أن نقول لكل من شارك في تلك الصفة: إنه زيد، فنقول: عمر زيد، إذا اشتركا في السمن، وإن كان السمن قد يعقبه الهزال، والأسماء في أنفسها لا تتغير. وإن أراد أن الاسم وضع لنفس الذات، ثم اتفق أن تلك الذات حدث لها أمر صارت مشهورة به، فصار لازما لتلك الذات، والاسم موضوع للملزوم دون اللازم، فنقول نحن في الذات الأخرى: إنها منزلة منزلة الذات الأولى ونستعير لها لفظا؛ لأن لازمها أشبه لازم الأخرى، فهذا حق، وليس فيه نقل الاسم عن عين الذات مع الصفة، بل التعبير بلفظ الذات عن ذات أخرى حصل لها مثل تلك الصفة العارضة للذات الأولى، وهذا لا يخرج اللفظ الأول عن علميته، ولا يبطل المجاز فيه لاندراجه في حد المجاز،

стр. 817

وهو استعمال اللفظ في غير وضع له، فإن وضع لذات فاستعمل في غيرها، فلفظ الخبر أبدا هو المجاز. فإذا قلنا: أبو يوسف أبو حنيفة، فأبو حنيفة هو المجاز؛ لأنه استعمل في أبي يوسف، ولم يوضع له، وكذلك زيد زهير شعرا، وحاتم جودا، المجاز في زهير، وحاتم، ولو صح قوله: إنه صار اسم جنس لكان نكرة، وصح نعته بالنكرات، واتفق النحاة على أنه لا ينعت بالنكرات، ولذلك اتفقوا على أنه لا تدخله الألف ولام التعريف، ولو كان اسم جنس لعرف باللام، اتفقوا على عدم صحة إضافته، وهو في هذه الحالة، ولو كان اسم جنس لصحت إضافته، فظهر أنه لا نقل، وإنما استعرنا لفظ إحدى الذاتين لأجل ما عرض لها للذات الأخرى، كأنا قلنا: هذا الاسم عرض لمسماه، مثل ما عرض لمسمى ذلك الاسم مع بقاء الاسمين على ما وضعا له. وقوله: (إذا كان العلم لا يفيد إلا اسم العين، فهو بمثابة الإشارة بأن هذا ذاك، فإذا لم يكن بقرينة الحس فهو مجاز عقلي). معناه: أن لفظ أحد العلمين لم يوضع ليركب مع هذا العلم، فلما ركب معه كان مجازا عقليا، مع أن النحاة يقولون: تقديره أنه منزل منزلته، وإذا تقرر أنه مجاز عقلي فهو كونه مجازا في الإفراد. وأما قوله: (ليس في مخالفة وضع في استعمال هذا وذاك). قلنا: لا نسلم بل خولف الوضع؛ فإن زهيرا وضع ليعبر به عن مسمى مخصوص عبر به عن غيره، وهو زيد. قوله: (ولابد للمجاز من ظهور في محل الاستعمال أولا، واحتماله لمحل الاستعمال ثانيا).

стр. 818

قلنا: لما عرضت لمسمى العلم تلك الصفة، واشتهرت فيه، صارت الصفة تفهم عند إطلاق ذلك العلم، لا لوضعه بإزاء تلك الصفة، بل لعروض تلك الصفة فقط، فحصل الإشعار الموجب] لحسن [استعمال لفظ ذلك العلم فيما حصل له تلك الصفة، كما أن نقول: الثلاثة مشتهرة بأنها فرد، والستة بأنها زوج، ولم يلزم من ذلك أن لفظ الثلاثة موضع لتلك المرتبة من العدد بوصف الفردية، حتى تكون الفردية جزء المسمى، بل لازم المسمى، وكذلك كل لفظ وضع لحقه لها لوازم. (المسألة الخامسة في أن المجاز يتوقف على السمع) قوله: (الرجل الشجاع كما يشابه الأسد في الشجاعة، فهو يشابهه في البخر وغيره مع أن الأبخر لا يستعار له لفظة الأسد). قلنا: القائلون بعدم اشتراط السمع في المجاز، وأن المشابهة تكفي -يقولون: لابد أن تكون الصفة أشهر صفات المحل، والبخر ليس أشهر صفات المحل. قوله: (ولأنهم يطلقون النخلة على الرجل الطويل، ولا يطلقونها على غيره، وهو دليل اشتراط السمع). قلنا: بل لأن قوة المشابهة لم تحصل لغير الإنسان، فقد شارك الإنسان النخلة في الشكل الآدمي، وكون رائحة ذكارها تشبه رائحة مني الرجل، وجريدها يشبه ذوائب بنات آدم، ولا تحمل الثمرة إلا بعد زمن طويل كالإنسان، وحملها من أول زمن يخلق الطلع في قبلها إلى حين صيرورته تمرا تسعة أشهر، كذلك مدة حمل بنات آدم، ولا يحصل حملها إلا بالذكر بخلاف غيرها من الشجر، وذكر بعض الفضلاء في قوله ﵇:

стр. 819

(أكرموا عمتكم النخلة إنها خلقت من فضل طين آدم)، وأنها شابهت بنيته من أربعة عشر وجها، فهذا هو سبب الاختصاص، لا اشتراط السمع في المجاز. قوله: المستخرج بالفكر جهات حسن المجاز. تقريره: أن السمع إذا كان شرطا لا يمنع ذلك الفكرة، كما ورد السمع بقطع السارق، ويفكر هل معنى السرقة في هذا الشخص الذي وضع المتاع على ظهر الدابة، فخرجت به، أو رماه إلى خارج الحرز، ولم يخرج به، أو ربطه لمن جره؟ وكذلك إذا ورد عن العرب مجاز التشبيه، فينظر هل حصلت الصفة التي بها المشابهة في زيد أم لا؟ وهل هذه الصفة هي أشهر صفات المحل أم لا؟ وقد تكون هذه الصورة دائرة بين أنواع من المجاز، فينظر أي تلك الأنواع أولى بها؟ فلا تنافي بين الفكر واشتراط السمع، وهذا بسط جوابه في الكتاب. قوله: لأن التعظيم إنما يحصل بتخيل المعنى في موضع التجوز. قلنا: هذا لا يأبى المجاز فإن العرب إنما وضعت لفظ الأسد للمحقق لا للمتخيل وهذا متخيل، فقد استعمل اللفظ في غير ما وضع له. (تنبيه) (معنى قولهم: المجاز يتوقف على السمع) .

стр. 820

معناه: لا يكون مجازيا عربيا في صورة حتى يسمع من العرب نوع ذلك المجاز، فإذا سمعناهم في صورة تجوزوا بعلاقة الشجاعة تجوزنا نحن في كل صورة بها على ذلك الشرط، وكذلك جميع العلاقات الاثنتى عشرة التي تقدم ذكرها في أنواع المجاز، فإذا وجدنا نحن علاقة أخرى غير الاثنتى عشرة المسموعة، لا نتجوز بها حتى ينقل عن العرب أنهم تجوزوا بها، ولا يشترط أنه سمع من العرب التجوز بلفظ الأسد لزيد نفسه؛ لأن العرب لم تعلم بزيد؛ لكونه كان معدوما مجهولا، بل المراد السماع في النوع في تلك العلاقة لا في كل صورة جزئية. (سؤال) قال النقشوانى: لا يبعد أن بعض الشجر إذا عظم طوله، واستقامته، ومشابهته للنخلة، أن يتجوز له بلفظ النخلة ، فاستدلاله بعدم إطلاق النخلة على غير الرجل الطويل ضعيف. (تنبيه) قال التبريزى: استدلال المصنف ضعيف؛ لأن الشجاع لم يسم أسدا للمشابهة في مسمى الشجاعة، بل قولنا: هو شجاع أبلغ من قولنا: هو فلان الذي فيه الشجاعة، بل الغرض المبالغة، ولا يحصل ذلك ما لم يكن محل الاستعارة منه مشهورا بأقصى مراتب الوصف، فلا جرم كل من اختص لمبالغة في وصف، جازت الاستعارة لمن شاركه في أصله إذا أردنا المبالغة، وللاستعارة مراتب في الجواز، ودقائق في الحسن، فليس من شبه الساق المليح بالقمر كمن شبه الوجه المليح به، وإن زعم أنه يشاركه في كمال الحسن. قال: والأشبه أن ذلك لا يتوقف على السماع، فإنا وإن قدرنا عدم السماع، فلا يمتنع أن نقول: فلان كالأسد أي: في الشجاعة، ويفهم منه المقصود، وإن لم يذكر مناقب التشبيه، ثم تدرج زيادة في التخفيف،

стр. 821

ومبالغة في الوصف، فنقول: فلان أسد، أي: كالأسد، كما قال الشاعر] الطويل [: فعيناك عيناها، وجيدك جيدها ... ولكن عظم الساق منك دقيق ثم الدليل عليه أنا بينا أن العرف الشرعي مجاز عن العرف اللغوي، وتقرير الإذن اللغوي في أعيان المعاني الشرعية محال. قلت: (قوله: قولنا: شجاع أبلغ من قولنا: فلان الذي فيه الشجاعة) ليس كذلك بل الأمر بالعكس؛ لأن اسم الفاعل الذي هو شجاع، لا يدل إلا على أصل المعنى، وأما الشجاعة كما قال بالألف واللام فهي للعموم، أو للكمال، وأيهما كان فهو أبلغ من أصل المعنى، ولو كانت الشجاعة نكرة أيضا؛ لأن النكرة من المصدر تدل على أصل المعنى، واسم الفاعل يدل على أصل المعنى تضمنا؛ لأنه يدل على الذات الموصوفة بالمعنى، فالمعنى جزء مسماه، والدلالة بالمطابقة أبلغ من دلالة التضمن؛ لأنها مقصودة بالذات، والتضمن مقصود بالعرض. وقوله: نحن نشبه الوجه بالقمر دون الساق صحيح؛ لأن العرب تقصد في التشبيه معنى خاصا بذلك المشبه به، فالوجه أخص بالقمر من حيث الاستدارة، والوضاءة، والأنس، والجمال، وميل النفوس إليه، وهذا المجموع لم يحصل للساق، فكل شيء يقصد فيه أخص الأشياء به شبهاً.

стр. 822

قال المبرد في (الكامل): يقصد في كل مشبه به معنى يخصه، فلا يقصد من الظبية قرونها ولا جلدها، بل حلاوتها في رأى العين، وكذلك يقصدون من القمر ما تقدم. ويحكى أن ذا الرمة، واسمه (غيلان) - كانت جاريته تحفظ من شعره كثيرا، فعبر يوما عن الحى الذي هي فيه، فوجدها تستقى الماء، فطلب منها ماء يشربه فسقته، فقصد مداعبتها، فقال لها: إن ماءك حار يشير إلى ماء منيها الذي تنزله عند الجماع، وكانت تحفظ له قصيدته التي منها] الطويل [: أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أم سالم؟ فأنشدته: أأنت الذي شبهت عنزا بقفرة ... لها ذنب فوق استها أم سالم جعلت لها قرنين فوق جبينها ... وظبيين مسودين مثل المحاجم وساقين إن يستمكنا منك يتركا ... بجلدك يا غيلان مثل المباسم أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أم سالم؟

стр. 823

فعلم أنها انتقدت عليه التشبيه، وخشي من شده هجوها، فقال لها: خذي ناقتي هذه، ولا تحدثي بذلك أحدا، فردت إليه ناقته، ووعدته بكتمانها، وما جاء انتقادها عليه إلا من وجهة أنها عممت، أما لو أنصفته في التشبيه، وخصصته بحلاوة الغزالة؛ لا ندفع تشنيعها عنه. قوله: (لا نمنع أن نقول: فلان كالأسد عند عدم السماع، ويفهم المقصود). قلنا: ليس النزاع بين الفريقين في فهم المقصود، إنما النزاع في أنه مجاز عربي أم لا؟ كما أنا لو قلنا: إن قائم زيدا فهم المقصود، ورجل في الدار فهم المقصود، ولا يكون كلاما عربيا حتى نقول: إن زيدا قائم، وفي الدار رجل. وقوله: (يقصد بحذف الكاف التخفيف، والمبالغة). قال الأدباء: أصل التشبيه زيد كالأسد، وفي الرتبة الثانية زيد الأسد، وفي الرتبة الثالثة الأسد كزيد، وفي الرتبة الرابعة الأسد زيد. ووجه المبالغة: أن مع حذف الكاف جعل زيد نفس الأسد، وهو أبلغ من الأسد به؛ لأن المشبه أقصر رتبة من المشبه به، ثم إذا عكسنا القضية صيرنا الأسد يشبه زيدا، فهو أبلغ في شجاعة زيد، ومن هذا الباب مكان ورد في السنة الصحيحة في (مسلم)، وغيره ظل يجهله كثر من غلاة الصوفية فيه، واعتقدوا الاتحاد في حق الله تعالى، وفي حق صفاته العلا، وهو قوله- ﵇ حكاية عن الله تعال: (ما تقرب إلى أحد بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها). فقال أهل الضلال: أخبر الله- تعالى- أن ذاته- تعالى- تصير صفات العبيد.

стр. 824

ووجه تقرير الحديث: أن أصل الكلام: فإذا أحببته صار سمعه كسمعي، وبصره كبصري، ويده كقدرتي، ثم بالغ في التشبيه، فحذف أداة التشبيه، فقال: سمعه سمعي، وبصره بصري، ويده قدرتي، ثم عكس مبالغة فقال: كان سمعي سمعه، وبصري بصره، وقدرتي يده، ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وإذا حذف السمع من قوله: سمعي، لم يبق إلا الياء، والياء ضمير مخفوض لا يصلح أن يكون اسم كان، فعوضت بالتاء المرفوعة التي تصلح أن تكون اسم كان، فقال: كنت سمعه، وبصره، ويده. ومعنى حصول الشبه: أن سمع العبد يصير مشبها بسمع الله- تعالى- من جهة أنه مخالف لمجرى العادة، كما اتفق لسارية يسمع عمر، وعمر (بالمدينة)، وسارية- ﵁ ببلاد الترك، وهو يقول: يا سارية الجبل، صار بصر عمر- ﵁ على خلاف العادة، لكونه رأى سارية ببلاد الترك من (المدينة)، وصارت يد رسول الله- ﷺ ، على خلاف مجرى العادة في رميه بكف من حصا؛ فعميت

стр. 825

جيش الكفار، فهذا وجه المشابهة، ومعنى الحديث، وهو مبني على هذه القواعد من التشبيه، فلجهلهم بها وقعوا في الكفر والإلحاد. (فائدة) زيد كالأسد حقيقة ؛ لأن الكاف وضعت للتشبيه، فكل لفظ هو مستعمل في موضوعه. وقوله: (زيد الأسد، والأسد زيد). هو المجاز؛ لأن لفظ الأسد لم يستعمل في الحيوان المفترس، كما في المثال الأول بل في زيد، ولم يوضع له. قوله: (والدليل القاطع أن الأسماء الشرعية مجازات عن اللغة). قلنا: ليس في هذا دليل قطعي، ولا ظني؛ لأن الذي يشترط السمع، إنما يشترطه في النوع، لا في آحاد الصور، والحقائق الشرعية كلها إما من باب التعبير باسم الجزء عن الكل كالصيام، والصلاة، أو من باب إطلاق السبب على المسبب، كإطلاق اسم الزكاة على الزكاة الشرعية، كما تقدم بسطه في الحقيقة الشرعية، وكلاهما سمعا من العرب في هذا النوع في غير هذه الصورة الشرعية.

стр. 826

(فائدة) قال سيف الدين: احتج مشترط السماع بأنه لولا اشتراطه لسمى الصيد شبكة ، وغير الإنسان نخلة، والثمرة شجرة، وظل الحائط حائطا، والابن أبا، لما بين هذه المواطن من العلاقات، وليس كذلك. ثم قال: ولقائل أن يقول: جاز أن تكون العلاقة كافية ما لم يمنع مانع من أهل اللغة، وها هنا منعوا، فيجوز في غيره بمجرد العلاقة. (المسألة السادسة: في أن المجاز المركب عقلي) هذه المسألة مبنية على قاعدة، وهي: أن العرب لما وضعت المفردات هل وضعت المركبات؟ في ذلك قولان لأرباب علم البيان، والصحيح أنها وضعت المركبات، كما وضعت المفردات. احتج المانع بأنا قول: مات زيد، فيكون كلاما عربيا، مع أن العرب لم تعرف زيدا حتى تركب الفعل أو غيره معه، وكذلك التركيب مع سائر الحقائق المجهولة للعرب، يكون التركيب معها كلاما عربيا، مع أنها لم تعرفها حتى تضع التركيب معها، بل وضعت المفردات، وجرت في تركيبها مع ما علمته العرب، ومع ما لم تعلمه، فلا جرم كان كل مركب من هذا النوع عربيا، باعتبار مفرداته، دون مركبه. وجوابه: أن القائل بالوضع إنما ادعى الوضع للنوع دون الشخص، فوضع نوع الفاعل، والمفعول، ونوع (أن (، واسمها، وخبرها، ونوع المبتدأ والخبر، وكذلك بقية أنواع كلام العرب، فاندفع الإشكال.

стр. 827

واحتج المثبتون بأن العرب لما قالت في المفردات: إنسان على وزن إفعال- بكسر الهمزة- من كلامنا،-وبضمها وفتحها- ليس من كلامنا فحجروا، وأطلقوا. كذلك قالوا: إن زيدا قائم من كلامنا، وقائم إن زيدا ليس من كلامنا، وإن قائما زيدا ليس من كلامنا، وفي الدار رجل من كلامنا، ورجل في الدار ليس من كلامنا، ورب رجل من كلامنا، ورب زيد ليس من كلامنا، فحجرت، وأطلقت في المركبات، كما حجرت وأطلقت في المفردات، ولا نعني بالوضع إلا ذلك. إذا تقررت القاعدة فمن قال بأن العرب وضعت المركبات، قال بأنها وضعت كل لفظ ليركب مع ما يناسبه، فيركب لفظ السؤال مع لفظ من يصلح للإجابة، ولفظ الأكل مع الأغذية، والشرب مع الأشربة، فمتى وقع التركيب هكذا، فهو حقيقة لغوية، وإن ركب لفظ الأكل مع المائعات، فيقال: أكلت الماء، أو شربت الخبز، أو ركبت الشدائد، أو اتسعت أخلاقه، أو ضاقت أخلاقه، فهو مجاز لغوي في التركيب، وقد يصحبه المجاز في المفردات، وقد لا يصحبه. والقائل بأن العرب لم تضع المفردات يقول: المركبات مهملة، والمهمل لا يوصف بكونه حقيقة ولا مجازا لاشتراطه الوضع في الجميع، فالحقيقة: اللفظة المستعملة في موضعها، والمجاز هو: المستعمل في غير موضعه، فاشترطا الوضع في الحقيقة والمجاز، فحيث لا وضع لا حقيقة ولا مجاز، وكما إذا أطلقنا لفظ خنفشار، وأردنا به الحصير، لا يقال: هو حقيقة فيه، ولا مجاز، فيقول هذا القائل بعدم الوضع إذا سمع قوله تعالى (وأخرجت الأرض أثقالها)] الزلزلة: ٢ [، (مما تنبت الأرض)] البقرة: ٦١ [ليس للغة ها هنا مدخل لعدم الوضع، فلم يبق إلا تصرف العقل.

стр. 828

وهو أن العقل أدرك أن الأرض لا تفعل شيئا، وإنما الفاعل هو الله تعالى، فحقيقة الفعل لم توجد من الأرض، فسمته مجازا عقليا، لأنه ليس فيه إلا العقل فينسب إليه، وحيث نسب الفعل لفاعله حقيقة، كقولنا: خلق الله- تعالى- العالم، نسميه حقيقة عقلية؛ لأنها مدركة بالعقل، فهذا هو تحرير قوله: المجاز المركب عقلي. فإن قلت: (فإذا قلنا: خنفشار، وأردنا الحصير ليس هو من موضوعات العرب، فهو مهمل كالمركبات عند هذا القائل، فلم لم نسمه مجازا عقليا؟ قلت: نسبة الأفعال لمستحقها والمؤثر فيها، ولغير المؤثر فيها يدركه العقل، وهو من أحكامه التي يقدر أن يستقل بها وجوبا واستحالة. وأما إطلاق اللفظ المهمل المفرد على محل معين، فهو يجوز أن يكون اسما له، وأن يطلق عليه، وألا يكون شيء من ذلك، فالعلم بذلك إنما يحصل من أمر غير العقل؛ لأن حظ العقل فيه التجويز ليس إلا، ولا يحكم بوجوب، ولا استحالة، ولا يعين شيئا من ذلك، بخلاف نسبة الأفعال يوجبها الله- تعالى- ويحيلها على غيره، فلما كان العقل يستقل بها نسبت هذه المركبات له، بخلاف اللفظ المفرد. (قاعدة) وضعت العرب الأفعال حقيقة في استعمالها ، وقد تستعمل مع الفاعل حقيقة، نحو: خلق الله ورزق، وفي الفاعل نسبا، وعادة لا حقيقة نحو: قتل زيد عمرا، وما لم يفعل حقيقة ولا نسبا نحو: برد الماء، وسقط الحائط، ومات زيد، وتحركت الريح. إذا تقررت هذه القاعدة، وأن ليس من شرط نسبة الفعل حقيقة، أن يكون الفاعل فاعلا مؤثرا مخرجا من] العدم [إلى الوجود.

стр. 829

قلنا: أن نمنع أن تنبت الأرض وتخرج مجاز بل تنبت، كما نقول. أروي الماء وأشبع الخبز، وأحرقت النار، ولا يقول أحد: إن هذه مجازات، بل حقيقة، وإنما يكون المجاز حيث يعلم أن العرب وضعت اللفظ ليركب مع غير هذا، فركب مع هذا كما تقدمت المثل، ولا تنافي بين نسبة الفعل إلى الله- تعالى- بالإيجاد وحده، ويكون تركيب اللفظ مع لفظ محل ذلك الفعل حقيقة لغوية؛ فإن الله- تعالى- هو فاعل الري عند شرب الماء. وقولنا: أروي الماء حقيقة لغوية، وكذلك قام زيد، الله- تعالى- فاعل قيامه، واللفظ فيه حقيقة. قوله: (أمثلة الأفعال لا تدل بالتضمن على خصوصيات المؤثر). قلنا: عليه سؤالان: الأول: أن الدلالة غير منحصرة في التضمن، فلم لا يجوز أن تكون دلالة الفعل بالالتزام، وهو الصحيح، فإن الفاعل لازم للفعل؟ الثاني: أن تجد لفظ (أروى) يدل على المائعات، وأشبع على الأغذية، وابتاع على ما يصلح للبيع، وأجاب يدل على ما يصلح للإجابة، وهو كثير، فقد دلت الأفعال على خصوصيات المؤثر. قوله: (لو كان لفظ أخرج يدل على القادر، لكان قولنا: أخرج وحده معناه: أخرجه القادر، وكان يلزم أن يكون وحده خبرا يدخله التصديق والتكذيب). قلنا: لا يلزم من دلالة لفظ على شيء، وأنه إذا فسر به كان جملة أن يكون في نفسه جملة، فإن لفظ العشرة يدل على خمسة مع خمسة. ولو قلنا: خمسة مع خمسة كان خبرا، ولفظ العشرة في نفسها] ليس [خبرا، والصبوح: الشرب أول النهار.

стр. 830

وقولنا: الشرب أول النهار خبر، والصبوح ليس خبرا، وكذلك الغبوق: الشرب آخر النهار، وليس خبرا في نفسه، وتفسيره خبر، والمتقدم هو: المعلوم الواقع قبل غيره. وقولنا: المعلوم الواقع قبل غيره خبر، وكذلك المتأخر، والماضي، والمستقبل، والحاضر، بل لفظ الخبر مدلوله يدخله التصديق، والتكذيب، وهو في نفسه لا يدخله ذلك، وكذلك الشأن، والقصة، والحديث، والكلام، والقصيدة، والجملة، وهو كثير، فلا يلزم من كون اللفظ يفسر مدلوله بما يقبل التصديق أن يكون في نفسه خبرا يقبل التصديق. قوله: (يلزم أن يكون قولنا: أخرجه القادر تكرارا). قلنا: لا نسلم أنه تكرار؛ لأن قولنا: أخرجه القادر قضية فيها حكم، وأخرج في نفسه ليس فيه حكم، فقد أنشأنا ما لم يكن في نفس اللفظ. (قاعدة) دلالة اللفظ على المعنى ثلاثة أقسام: أحدها: دلالته على إضافة معنى لمعنى على سبيل التقييد بالتركيب، كدلالة لفظ العشرة على خمسة مركبة مع خمسة من الألفاظ المفردة. وثانيها: دلالة اللفظ على تقييد معنى لمعنى على سبيل الإضافة، نحو: غلام زيد. وثالثها: دلالة اللفظ على تقييد معنى لمعنى على سبيل الصفة، نحو: كان زيد الكاتب مسافرا، فالكاتب صفة لا خبر، وهذه كلها يدل اللفظ فيها على إضافة معنى لمعنى خاص، وليست خبرا، وظهر بهذه القاعدة أن دلالة اللفظ على المعاني المركبة أعم من الدلالة التصورية، والتصديقية، فالذي تقدم كله دلالته على التركيب دلالة تصورية.

стр. 831

وأما الدلالة التصديقية، فهي كقولنا: زيد قائم ونحوه من القضايا خبرا أو طلبا. ثم نقول: التفاسير لمسميات الألفاظ كلها كذلك، فإن كان الإنسان عالما بمدلول اللفظة لم يجز أن يفسر له؛ لأنه تحصيل الحاصل. فقد منع ابن السراج- في كتاب (الأصول) في النحو- أن يقال: النار حارة، والثلج بارد لمن هو عالم بذلك، وإن كان السامع لا يعلم ذلك حسن التفسير له، وكذلك ها هنا، وكل حد مع محدوده كذلك، فإنا إذا قلنا: الإنسان هو الحيوان الناطق، مع أنه لا معنى للإنسان إلا الحيوان الناطق يلزم ما ذكره من التكرار، فلو كان هذا محذورا انسد باب التحديد، وهو باطل. قوله: (إذا كانت موضوعة لمطلق القادر لا لقادر معين، لم يكن التعيين واقعا في مفهومات الألفاظ، بل في إسناد مفهوماتها إلى غير ما هو مسند إليه). قلنا: وهذا هو المجاز في التركيب لغة؛ لأن اللفظ إذا وضع ليركب مع لفظ من هو قادر من حيث الجملة، فركب مع لفظ من لا قدرة له البتة، كان هذا التركيب على خلاف الوضع اللغوي، فكان مجازا في التركيب، فإنا لا نعني به إلا ذلك، كما أن لفظ السؤال لما وضع ليركب مع لفظ من يصلح للإجابة، فلما ركب مع لفظ القرية التي لا تصلح للإجابة في مجرى العادة، كان مجازا في التركيب، فكذلك ها هنا. قوله: (فإن قلت: ما الفرق بين هذا المجاز وبين الكذب)؟ تقرير السؤال: أنه أسند الإنبات إلى الأرض، وهو غير مطابق للوضع اللغوي، فهو كمن قال: الواحد نصف العشرة في عدم المطابقة، فيلزم التسوية بينهما، واعلم أن هذا السؤال لا يخص المجاز في التركيب، بل

стр. 832

والمفرد أيضا، فإن الإنسان إذا قال: (الحائط يريد أن يقع مع أن الجدار لا يريد، أو فلان أسد، أو حمار مع أنه ليس كذلك، فهو غير مطابق، فينبغي أن يفرق بينه وبين الكذب، إذ لا معنى للكذب إلا عدم المطابقة. قوله: (الفرق بينهما هو القرينة). قلنا: المجاز قد يعري عن القرينة، ويكون مع الكذب القرينة، فيلزم أن يكون الكذب مجازا، والمجاز كذبا لما ذكره من الفرق. أما عرو المجاز فلأن المتكلم قد يقصد الإلغاز، والإلباس على السامع، فإنه من مقاصد العقلاء، فيتجوز، ولا يبدي قرينة أو تكون حقيقة لا يفهمها السامع، ولا يخل ذلك بحقيقة المجاز، فإن المجاز إنما يشترط فيه العلاقة وهي لابد منها، أما القرينة فهي شرط في فهم السامع المجاز، لا في حقيقة المجاز. وأما اقتران القرينة بالكذب، فإن الإنسان إذا قال: أنا أقدر على إزالة الشمس من الفلك، وشرب البحر الملح، وغير ذلك مما يعلم أو يظن أنه كذب، لقرينة حالة تعجزه عن ذلك، أو دلالة الدليل العقلي، أو الشرعي، أو العادي على كذبه، قطعنا بكذبه لأجل القرينة، فلا يمكن أن تجعل القرينة هي الفارق المميز، فإنه يؤدي إلى خلط الحقائق، بل الفارق أن الكاذب لفظه ليس مطابقا لما استعمله فيه، كان حقيقة أو مجازا، والمتجوز لفظه مطابق لما استعمله فيه، كانت معه قرينة أم لا. بيان أن الكذب كذلك: أن من قال: الواحد نصف العشرة، فهو مستعمل لفظه فيما فهم عنه، وهو غير مطابق، ولفظه هذا حقيقة لغوية، وإذا قال: فلان أسد، وفلان في غاية الجبن، وقلة الشجاعة كان كذبا؛ لأنه استعمل لفظه في معنى المبالغة في الشجاعة، وهو غير مطابق، فظهر أن الكذب إنما يكون عن عدم المطابقة في الحقيقة والمجاز.

стр. 833

وأما أن المجاز مطابق فلأن الإنسان إذا قال: أوجدت الأرض النبات، ومراده أن السبب العادي في تخليق النبات بقدرة الله تعالى، قد وجد منها، ولم يستعمل اللفظ في أنها هي الموجدة تأثيرا حقيقيا، وإذا قال: (اسأل القرية)، إنما استعمل لفظه في إسناد السؤال إلى أهل القرية، وهذا مطابق، ولا يستعمل لفظه في أن الجدران تجيب، وكذلك في مجاز الإفراد، لم يرد إلا المعنى المجازي، وهو واقع، فهذا هو المجاز، كانت معه قرينة أم لا، وبهذا يظهر أن المجاز قد يكون كذبا، وقد يكون صدقا، والحقيقة قد تكون كذبا، وقد تكون صدقا، ونحن إنما نفرق بين المجاز الصادق، والكذب، كيف كان مجازا أو حقيقة، وبهذا الفرق تطرد الحقائق، ولا يختلط منها شيء بشيء. (سؤال) قال النقشواني: (هذه المسألة تناقض اعترافه أول الكتاب بأن الألفاظ المفردة إنما وضعت ليفاد بها معانيها المركبة ، وذلك يدل على أن مقصود الواضع إنما هو التركيب، فيكون التركيب موضوعا للعرب على وجه كلي، أن الاسم إذا أسند إلى الاسم على كم ضرب يكون؟ وماذا يفيد كل ضرب؟ وما يفيد كل ضرب؟ وهكذا في الأفعال والحروف). (تنبيه) زاد التبريزي على المصنف: المجاز في التركيب من المجاز اللغوي، حيث عدد أنواع المجاز، مع أن أبنية الأفعال مرشدة وضعا على خصوص الإسناد، وهو غير خصوصية المؤثر، فتحرك لا ينبئ عن قدرة المتحرك، ولا تفرق اللغة بين تحرك الشجر، وتحرك القادر، حتى إن القادر لو تحرك بحركة

стр. 834

اضطرارية لم يخرج عن كونه متحركا حقيقة، بخلاف قولنا: تحرك الشعر، وتحركت شهوة المرأة، وتحركت همة الرجل، فإنه مجاز لانتفاء المؤثرية عن المسند إليه لعدم القيام به، وهو موجب اللغة، وعلى هذا نقول: قتله الحجز إذا وقع عليه فمات، بموجب اللغة، وليس مجازا، وإن كان الفاعل هو الله- تعالى- حقيقة بدليل العقل، بخلاف قتله الحوض، إذا غرق في البحر حيث ركبه حرصا؛ لاختلافهما في المصدر الذي هو موجب اللغة، ويكون ذلك مجازا لغويا، الذي أنكره هو في المركب. (المسألة السابعة: يجوز دخول المجاز في الكتاب والسنة) قوله: (جدارا يريد أن ينقض)] الكهف: ٧٧ [. تقريره: أنه مجاز أن الإرادة متعذرة من الجدار؛ لأنها مشروطة بالحياة، وهو ليس بحي، لكن من لوازم إرادة الشيء من الحي مقاربة ذلك المراد، فعبر بالإرادة عن لازمها الذي هو المقاربة، فيصير معنى الكلام: فوجدا فيها جدارا يقارب الوقوع، والتعبير عن المقاربة بالإرادة مجاز، ﴿وجاء ربك﴾] الحجر: ٢٢ [، من باب الحذف أي: أمر ربك أو جند ربك، ونحو ذلك، فهو من مجاز التركيب، والأول من مجاز الإفراد. قوله: (لو وقع المجاز في القرآن لسمي الله- تعالى- متجوزا مستعيرا). قلنا: ممنوع؛ لأن المتجوز هو فاعل المجاز، وهو القاعدة في كل اسم فاعل، أنه لمباشر الفعل، والله- ليس هو الناطق باللفظ المجازي، بل جبريل، ورسول الله- ﷺ والناس بعدهما، فهذا الاسم، لا يصدق على الله- تعالى- لعدم اتصافه بفعل المجاز. قوله: (أسامي الله- تعالى- توقيفية).

стр. 835

هذه قاعدة، وهي أن أسماء الله- تعالى- أربعة أقسام: ثلاثة متفق عليها، وواحد مختلف فيه؛ لأن الاسم إن كان غير موهم، وورد السمع به جاز إطلاقه في كل موطن إجماعا كعالم. وإن كان موهما، ولم يرد السمع به امتنع إطلاقه إجماعا، كالدليل للمرشد فاعل الدلالة؛ لإيهامه الدليل نفسه، وكذلك مغن، لإيهامه التنقل في مراتب العزائم. وإن كان موهما، وورد السمع به، اقتصر به على محله إجماعا نحو: ماكر، ومستهزئ الوارد في قوله تعالى: ﴿والله خير الماكرين﴾] آل عمران: ٥٤ [، و ﴿الله يستهزئ بهم﴾] البقرة: ١٥ [، فلا يقال: يا مستهزئ، ولا يا ماكر. وغير موهم لم يرد السمع به قال القاضي: يجوز إطلاقه لعدم الإيهام للنقص. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: لا يجوز؛ لأن أسماء الله- تعالى- تتوقف على ورود السمع، فلا يجوز لنا، أن نطلق على الله- تعالى- ما يأذن فيه كسيد، لا يقال لله تعالى: يا سيد عند الشيخ، ويجيزه القاضي. ومتجوز لم يرد السمع به، فيمتنع إطلاقه، ولو فرعنا على مذهب القاضي، فهو موهم المجاوزة عن الحق في العرف إذا قيل: في كلامه تجوز، وذلك يوهم الكذب. فيمتنع. (فائدة) قال سيف الدين: منع المجاز في القرآن أهل الظاهر، والرافضة .

стр. 836

(المسألة الثامنة: الداعي للمجاز) قوله: (يكون لفظ الحقيقة ثقيلا؛ إما لجوهر لفظه، أو لتنافر تركيبه، أو لثقل وزنه (. تقريره: أما جوهر اللفظ فكالحروف الثقيلة، فالكاف، والراء، والقاف، وكل حرف يعسر على الأطفال النطق به إلا بعد قوة ألسنتهم. وتنافر التراكيب، كما أنشدوا] السريع [: قبر حرب بمكان قفر وليـ ... ـس قرب قبر حرب قبر فهذا البيت في غاية التنافر، والثقل، ومن حفظه لا يقدر أن ينشده ثلاث مرات سردا مسرعا، والأدباء يتطارحونه بينهم لذلك، ويقال: إنه من شعر الجن. وثقل الوزن نحو: فعل- بضم الفاء، وكسر العين- مثل: ﴿قتل الإنسان﴾ فهو أثقل من فعل- بفتح الجميع- لعدم الخروج من الضد إلى الضد. قوله: (لفظ المجاز يصلح للشعر والسجع، دون الحقيقة). يعني تكون قافية القصيدة دالا، فيقول: زيد أسد، ولو قال: زيد شجاع، لم تحصل له القافية. وكذلك السجع تكون القرينة الأولى دالا، فيحتاج للفظ الأس دون الشجاع.

стр. 837

قوله: (زيادة البيان قد تكون لتقوية حال المذكور، وقد تكون لتقوية الذكر إلى قوله: ذكرنا الفرق في كتاب الإعجاز). قلت: الفرق أن قولنا: زيد يشبه الأسد لا يدل التشبيه إلا على أصل الشجاعة، من غير مبالغة. وإذا قلنا: زيد أسد كان اللفظ يقتضي أنه لعظم شجاعته صار نفس الأسد، وهذا أوقع في نفس السامع. قوله: (تقوية حال المذكور هو المجاز، الذي يذكر للتوكيد). تقريره: أنا نقول: فلان ذكي يشقق الشعر. فقولنا: يشقق الشعر، لم ترد به الحقيقة، بل المجاز للمبالغة، والتأكيد لقوة ذهنه، كأنه يعبر به في أجزاء الشعر فيفرقه، وكذلك قوله تعالى ﴿بل هم في شك منها﴾] النمل: ٦٦ [، جعل الشك ظرفا مجازا عن تأكيد شكهم، أي: عظم شكهم حتى أحاط بهم، كما يحيط الظرف بالمظروف، وهو كثير. (سؤال) جعل هذا القسم لتقوية حال الذكر دون المذكور لا يتجه ؛ فإن التقوية أبدا إنما تكون في نسبة المسند للمسند إليه، فالتقوية أبدا إنما تكون النسبة لا للفظ، فتقسيمه التقوية للذكر والمذكور لا يتجه. قوله: (تردد آلام الجهالات، ولذات العلوم كالنفس تكون كالدغدغة النفسانية). يريد سببه ما يحصل من حك الأجسام في الجرب، والرمد، وقرص القمل، وغيره، فإن المادة الجربية تفرق اتصال الجسم، وهو ألم، والمر

стр. 838

باليد على ذلك التفريق يوجب اتصاله، ويقوي لذاته، فيحصل في النفس شبه ذلك. (سؤال) قال النقشواني: فهم المحبوب بلفظه الحقيقي أتم لذة؛ لأن العاقل لو خير بين التصريح باسم محبوبه، وبين التعريض، لاختار التصريح، والمبادرة إليه، بل لو أمكن الزيادة على التصريح لاختاره العاقل. قال: (فإن قيل: نحن نجد الواقع خلاف ذلك، وهو أن الألفاظ المستعارة والمجازية أتم عند السامع). قال: قلت: هو كذلك، لكن لا لما ذكره، بل لأن السامع حصل له شعور بجودة فكرة المتكلم، وتأنيه في تعبيره، وعثوره على المعنى المناسب في ذلك المعنى البديع، وحسن اختياره لذلك اللفظ، فتضاعفت لذته لذلك، ولذلك لو سئل السامع عن سبب لذته لصرح بذلك. (المسألة التاسعة: المجاز غير غالب على اللغات) (سؤال) صدر المسألة بعدم الغلبة، ولم يدل عليه، بل البحث كله مع ابن جني . قوله: (لفظ المصدر لا دلالة له على الوحدة، ولا على الكثرة). تقريره: أنه دال على القدر الأعم، والدال على الأعم غير دال على الأخص، وكل واحد منهما أخص منه؛ لأنهما نوعاه. قوله: ضربت عمرا مجاز، لأنه ضرب بعضه لا جميعه. (قاعدة) تقدم أن الصفات منها ما يقتضي الوصف به حقيقة تعميمه في الموصوف

стр. 839

كالأسد، والأحمر، وجميع الألوان، والطعوم، والروائح، ومنها ما لا يقتضي التعميم في الموصوف، كقولنا: أعرج، وأحدب، وأشهل، وأقرع، ونحو ذلك من العيوب، والمحاسن، وكذلك خالق، وواهب، وراحم، وسميع، وبصير] وعليم [، فإنا لا نشترط] في صدق هذه [أن يكون خلق، أو رحم، أو سمع بجميع أجزائه، بل كل أمر مأخوذ من النسب، والإضافات، لا يشترط فيه ذلك، بل تحقق تلك النسبة لتلك الذات من حيث الجملة، أما استيعاب الموصوف فلا، وهذا الباب بخلاف مسافر، ومنتقل، ومتحرك، ومعتق، وحلال، وحرام، ونحو ذلك، لا يصدق باعتبار بعضه إلا مجازا، بخلاف محرم ومبيح، ومعتق في جميع اسم الفاعل في هذا كله لا يشترط أن يصدر الفعل عن اليد والرجل، وجميع الأجزاء، بل ينطق بذلك لسانه فقط بخلاف المفعول، لابد من الحكم على جميع أجزائه بتلك الصفة، فتفقد هذه المواطن، واستقرئها بجودة الاعتبار. وإذا تقرر ذلك في الصفات، اتجه في الأفعال ضرورة، واستقراؤك يظهر لك ذلك، ومن الأفعال إذا قلنا: قطعت الخشبة، أو العمامة، وكنت قد قطعتها من وسطها بنصفين؛ صدق اللفظ حقيقة، وإن كان القطع إنما حصل في بعض أجزائها، وهو الوسط منها دون بقيتها، وكذلك لو حاول إنسان سلب هذا الفعل فقال: ما قطع فلان الخشبة، أنكره أهل العرف. وضابط هذا الباب أبدا متجه السلب وتعذره، فمتى صح فاللفظ مجاز، وإلا حقيقة. فإذا قلنا: ضرب زيد عمرا، أمكن أن يقال: ما ضرب إلا يده، فما ضربه، ولا يصح ذلك في الفاعل إذا ضرب بيده فقط أن يقال: ما ضربه؛ لأنه لم يضربه بجملته، بل الطعن، والضرب، والمس، ونحو ذلك يكفي

стр. 840

فيه بعض الفاعل حقيقة لغوية، فهذه التحريكات، هي تفيدك الحقيقة في هذا الباب من المجاز. فائدة متويه أصله متويه، مثل، مثل سيبويه، ونفطويه، وحمويه ، وهو مركب من اسم وصوت، وهو عجمي كره المحدثون النطق به لما فيه من لفظ (ويه) الذي هو مشعر بالتفجع، والألم فقلبوه، وقالوا: (متويه) بضم التاء، وتسكين الواو، وفتح الياء والهاء، وزادوا في ذلك فجعلوا (هاءه) (تاء) لشبهها بتاء التأنيث في (خارجة وذاهبة)، واعترض عليهم؛ فإن أصله (الهاء)، فكان الأصل أن تبقى (هاءً)، و (التاء) لا حاجة إليها. وأجيب عنهم بأن اللفظ العجمي جرت العادة بتغييره من غير حد يوقف عنده، ولذلك قالت العرب: (جبرين)، و (جبريل)، و (جبرائيل)، وأكثرت من اللغات في ذلك من غير تحديدها بحد يوقف عنده في ذلك، فكذلك هاهنا. قوله: (المتألم عمرو لا عضو منه). قلنا: لا نسلم؛ لأن العلم إن كان اسما للنفس فقط دون الشكل الذي هو الغالب، فقد برهن الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني على أن النفس ذات جواهر بقوله: النوم ضد الإدراك عقلا، والمنامات إدراك للمثل الدالة على المعاني، فكيف يجتمع مع النوم؟! وأجاب بأن (اليقين) ذات جواهر بقوله: النوم ضد الإدراك عقلا، والمنامات إدراك للمثل الدالة للمعاني، فكيف يجتمع مع النوم؟ وأجاب بأن (النفس) ذات جواهر إن عمها النوم فلا قيام حينئذ، وإن قام النوم ببعض أجزائها قام عرض الإدراك بالبعض الآخر، وقيام الضدين بموضعين لا محال فيه، ولذلك المنام إنما يكثر آخر الليل عند خفة النوم عن النفس، وهذا كلام ظاهر.

стр. 841

إذا تقرر هذا فنقول: جاز قيام الألم ببعض جواهر النفس، فلا يكون المتألم كله. إن قلنا: العلم الذي هو عمرو، وضع للنفس فقط. وإن قلنا: لها مع الشكل، القدر المشترك بين أطوار الشكل على ما يأتي تقريره، فالمنع أظهر؛ فإن الألم قائم بالنفس دون الشكل، وينعطف هذا البحث أيضا على بحث آخر، وهو أن الحواس مع النفس كحجبة مع ملك يحصل لكل واحد منهم علم وإدراك لشيء، فإذا حصل له نقله للملك فنظر فيه بوافر عقله، أو الحواس كطاقات في بيت ينظر منها الملك من كل طاقة إلى نوع من المدركات ليس قبالة الطاقة الأخرى، فعلى هذا ليس في الحواس إدراك البتة، لا للألم، ولا لغيره، وهما قولان للعقلاء في النفس مع الحواس، فعلى الأولى يكون المتألم النفس فقط، فعلى تقدير أن العلم موضوع للنفس مع غيرها، يبطل قوله: المتألم كله. قوله: (الضرب إمساس جسم لجسم حيواني بعنف). الظاهر أن اللغة لا تشترط في المضروب أن يكون حيوانا كقوله تعالى ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾] الشعراء: ٦٣ [، وفي الآية الأخرى ﴿أن اضرب بعصاك الحجر﴾] الأعراف: ١٦٠ [. الظاهر أن هذا حقيقة، والأصل عدم المجاز. قوله: (زيد هو الموجود من وقت الولادة، وهو الأجزاء الباقية من أول حدوثه إلى آخر فنائه). قلنا: الإنسان إذا ولد له ولد، فهو لا يرى نفسه، بل يعلم أن له نفسا وأخلاقا من حيث الجملة، فهو يلاحظها مجملة غير مفصلة، ويضع لها من القدر المشترك بين أطوار الشكل أمثالها؛ فلأنه لم يقصد تسميته من حيث إنه

стр. 842

جسم حي، أو من حيث إنه شكل آدمي، بل لاحظ كونه إنسانا ناطقا ذا نفس إنسانية، فإنه لا يعتقد أن زيدا غير إنسان ناطق. وأما أنه لاحظ المشترك بين أطوار شكله، فإن الشكل هو أولى بالوضع، لكونه المرئي المعلوم حسا، والنفس إنما هي معلومة بالعقل والعادة، وكذلك إنه إذا أراد أن يعلم أنه زيد أم لا؟ نظر في صفحات وجهه، فإن وجد ما عهده من الشكل قال: هو زيد، وإلا فلا، ولا يقال: إنه وضع للشكل الموجود عند الولادة؛ لأن ذلك الشكل ورد عليه التحلل بسبب ما في جسده من الحرارة، والرطوبة، ومتى اجتمعت الحرارة والرطوبة حللت الحرارة الرطوبة في مجرى العادة، فبدن الإنسان دائما في تحليل لحمه، وعظمه وعصبه، وسائر أجزائه، والغذاء يخلف ما تحلل في جسده، فهو كل يوم في مصروف، ومقبوض، وبدل، ومبدل، فذهبت رأس الإنسان مرارا في عمره وهو لا يشعر، وكذلك جميع أجزائه، فالشكل الكائن عند الولادة ذهب، وأتى غيره مرارا كثيرة، فلا يمكن أن يقال: وضع زيد له، ولا يمكن أن يقال: أعرض عن الشكل بالكلية؛ لأنا لا نجزم بأنه زيد حتى نجد الشكل، فدل على أنه معتبر في التسمية، فتعين أن يكون العلم موضوعا للقدر المشترك بين جميع أطوار الشكل من الصغر، والكبر، والسمن، والهرم والاصفرار باليرقان، والسواد بغلبة السواد، والبرص بغلبة البلغم، والجذام بتقطع الأطراف، وغير ذلك من العوارض التي لا تخل بقولنا: هو زيد، فإنا نسميه زيدا في جميع هذه الحالات، وما ذلك إلا أنا نلاحظ تخطيطا خاصا، وكيفية خاصة في محاسنه وأجزاء أعضائه، وارتسم في ذهننا أن له نسبة خاصة في أنفه وعينيه ووجهه، وأعضائه الأصلية، فمتى وجدنا ذلك من المشترك الذي امتاز به عن غيره، قلنا: هو زيد، ولو تغير منه ما تغير، وإن وجدنا قد مسخ قردا، وغير ذلك، أو كشط وجهه بحيث ذهب ذلك القدر الذي امتاز به طول عمره.

стр. 843

قلنا: لا نعلم: أنه زيد، فظهر حينئذ أن المعتبر هو النفس مع القدر المشترك بين أطوار الشكل، وهذا المجموع ثابت من أول العمر إلى فنائه، وكلام صاحب الكتاب يشعر بأن المسمى بزيد إنما هو نفسه فقط؛ لأنها الأجزاء الباقية من أول العمر إلى آخره، فإنها جواهر شفافية غير الرطوبات، ولا تسلط عليها الحرارة بالتحليل، ولا يخلفها الغذاء، فهذا هو سبب بقائها. فصاحب الكتاب يقول: إن جواهر النفس لعل الضرب لم يصادفها، فيكون الكلام مجازا، وعلى ما قررته أيضا أن المجموع هو المسمى، لا يكون ضرب المجموع؛ لأن جواهر النفس من جملته، ولم يعلم ملاقاة الضرب لها. (فائدة) بهذا التفسير تظهر رؤية رسول الله- ﷺ في النوم، فإن العلماء قالوا: في قوله ﵇: (من رآني فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بي)، إن المرئى في النوم إنما هو مثاله- ﵇ لرؤيته في المواضع] المتعددة [في وقت واحد . وأما جواب الصوفية بأنه ﵇ كالشمس في موضعها وهو يرى في الأرض كلها، فهو من الترهات التي لا فكرة لقائلها؛ لأنا نرى النبي- عليه

стр. 844

السلام- في بيت مخصوص، ويراه الآخر في موضع مخصوص، ولو رأيت الشمس بذاتها في موضع مخصوص ما رئيت بذاتها في موضع آخر مخصوص، بل الحق أن الله - تعالى - يخلق له أمثلة كثيرة، يأتي لكل إنسان بمثاله ﵇، فيكون تقدير الحديث: من رأى مثالي، فقد رأى مثالي حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بمثالي، ومثاله ﵇ هو المعصوم، وإنما يعلم أن هذا مثاله ﵇، أحد رجلين: صحابي رآه حيا، ورجل وصف له، وتكررت الصفة عليه حتى ارتسم في ذهنه طور خاص، وصورة خاصة، لا يغيرها في ذهنه تغير الأحوال الواردة على المثال من السواد، والشيخوخة والشبوبية، وعدم الأعضاء، وغير ذلك، فإن صفة الرائي تظهر في مثاله ﵇، فمن رآه أسود فهو كافر، أو شيخا فهو يعظمه، أو أمرد فهو يستهزئ به، إلى غير ذلك مما تقرر في علم التأويل، فلا بد للرائي من ضبط القدر المشترك بين الأطوار، بحيث لا يشك أن هذا المتغير بصفة الرائي هو الصورة التي حققها قبل التغير كما تقدم تقريره في زيد، وإلا فلا تصح له رؤية البتة، بل يحتمل الصدق، والكذب. قوله: (ضربت زيدا مجاز عقلي)؛ لأن زيدا علم لا يدخله المجاز، والضرب مستعمل في موضوعه، فلم يبق المجاز إلا في النسبة، فيكون مجازا عقليا) عليه سؤالان: (السؤال الأول) أنه قد تقدم أن العلم يدخله المجاز، وها هنا دخله المجاز من باب التعبير بالكل عن الجزء، إن جعلنا المضروب بعضه، أو التعبير بالحال عن المحل إن جعلناه اسما للنفس خاصة. (السؤال الثاني) أن مجاز التركيب إنما يكون إذا وضعت العرب اللفظ ليركب مع لفظ

стр. 845

معنى، فركب مع غير ذلك اللفظ، وتركيب لفظ الضرب مع لفظ زيد ليس على خلاف الوضع الأول، فلا يكون مجازا في التركيب، بل في المفرد فقط، وهو زيد، وزيد ليس من الألفاظ اللغوية، حتى يكون مجازا لغويا، فتلخص أن هذا المجاز ليس لغويا، ولا عقليا إن كان المتكلم تفطن لمعنى زيد، واستعمال لفظه في بعضه، وإلا فهو كذب محض، ولا مجاز فيه بطريق أصلا، وهذا أحد الفروق بين الكذب والمجاز. (سؤال) قال النقشواني: (العرب دائما تستعمل هذا اللفظ، وتخبر عن وقوع الضرب بـ (زيد (، وذلك يستدعي إمكان الوقوع دائما، فيكون الواقع هو الموضوع له، وهو حقيقة، وكذلك رأيت أنه لا تقصد العرب دائما إلا هذا، سواء كان زيد هذا القدر، أو جوهرا مفارقا أو جسمانيا (. (تنبيه) إن صح كلام النقشواني بطل كلام الإمام، وإن صح كلام الإمام بطل كلام النقشواني ، وكان ما ذكره من غلبة الاستعمال يجب أن يكون حقيقة عرفية، ومجازا راجحا غلب على الحقيقة اللغوية، لابد من أحد هذين جزما، فإن أهل العرف كما ينقلون المفردات، ينقلون المركبات، ومن ذلك قولهم: حرمت الخمر، والميتة، ولحم الخنزير، ونحو ذلك مما يتعين فيه غير المذكور، فإن الأحكام الشرعية، إنما تتعلق بالأفعال، فالوضع اللغوي يقتضي أن نقول: حرم شرب الخمر، وأكل الميتة، فغلب التركيب مع الأعيان فكان حقيقة عرفية، وهو كثير،] يحتاج الفقهاء إلى معرفته في الأعيان وغيرها، وقد تقدم بسط هذا في الحقيقة العرفية [.
следующие страницы →