← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

إذا تقرر هذا فنقول: جاز قيام الألم ببعض جواهر النفس، فلا يكون المتألم كله. إن قلنا: العلم الذي هو عمرو، وضع للنفس فقط. وإن قلنا: لها مع الشكل، القدر المشترك بين أطوار الشكل على ما يأتي تقريره، فالمنع أظهر؛ فإن الألم قائم بالنفس دون الشكل، وينعطف هذا البحث أيضا على بحث آخر، وهو أن الحواس مع النفس كحجبة مع ملك يحصل لكل واحد منهم علم وإدراك لشيء، فإذا حصل له نقله للملك فنظر فيه بوافر عقله، أو الحواس كطاقات في بيت ينظر منها الملك من كل طاقة إلى نوع من المدركات ليس قبالة الطاقة الأخرى، فعلى هذا ليس في الحواس إدراك البتة، لا للألم، ولا لغيره، وهما قولان للعقلاء في النفس مع الحواس، فعلى الأولى يكون المتألم النفس فقط، فعلى تقدير أن العلم موضوع للنفس مع غيرها، يبطل قوله: المتألم كله. قوله: (الضرب إمساس جسم لجسم حيواني بعنف). الظاهر أن اللغة لا تشترط في المضروب أن يكون حيوانا كقوله تعالى ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾] الشعراء: ٦٣ [، وفي الآية الأخرى ﴿أن اضرب بعصاك الحجر﴾] الأعراف: ١٦٠ [. الظاهر أن هذا حقيقة، والأصل عدم المجاز. قوله: (زيد هو الموجود من وقت الولادة، وهو الأجزاء الباقية من أول حدوثه إلى آخر فنائه). قلنا: الإنسان إذا ولد له ولد، فهو لا يرى نفسه، بل يعلم أن له نفسا وأخلاقا من حيث الجملة، فهو يلاحظها مجملة غير مفصلة، ويضع لها من القدر المشترك بين أطوار الشكل أمثالها؛ فلأنه لم يقصد تسميته من حيث إنه

стр. 842

جسم حي، أو من حيث إنه شكل آدمي، بل لاحظ كونه إنسانا ناطقا ذا نفس إنسانية، فإنه لا يعتقد أن زيدا غير إنسان ناطق. وأما أنه لاحظ المشترك بين أطوار شكله، فإن الشكل هو أولى بالوضع، لكونه المرئي المعلوم حسا، والنفس إنما هي معلومة بالعقل والعادة، وكذلك إنه إذا أراد أن يعلم أنه زيد أم لا؟ نظر في صفحات وجهه، فإن وجد ما عهده من الشكل قال: هو زيد، وإلا فلا، ولا يقال: إنه وضع للشكل الموجود عند الولادة؛ لأن ذلك الشكل ورد عليه التحلل بسبب ما في جسده من الحرارة، والرطوبة، ومتى اجتمعت الحرارة والرطوبة حللت الحرارة الرطوبة في مجرى العادة، فبدن الإنسان دائما في تحليل لحمه، وعظمه وعصبه، وسائر أجزائه، والغذاء يخلف ما تحلل في جسده، فهو كل يوم في مصروف، ومقبوض، وبدل، ومبدل، فذهبت رأس الإنسان مرارا في عمره وهو لا يشعر، وكذلك جميع أجزائه، فالشكل الكائن عند الولادة ذهب، وأتى غيره مرارا كثيرة، فلا يمكن أن يقال: وضع زيد له، ولا يمكن أن يقال: أعرض عن الشكل بالكلية؛ لأنا لا نجزم بأنه زيد حتى نجد الشكل، فدل على أنه معتبر في التسمية، فتعين أن يكون العلم موضوعا للقدر المشترك بين جميع أطوار الشكل من الصغر، والكبر، والسمن، والهرم والاصفرار باليرقان، والسواد بغلبة السواد، والبرص بغلبة البلغم، والجذام بتقطع الأطراف، وغير ذلك من العوارض التي لا تخل بقولنا: هو زيد، فإنا نسميه زيدا في جميع هذه الحالات، وما ذلك إلا أنا نلاحظ تخطيطا خاصا، وكيفية خاصة في محاسنه وأجزاء أعضائه، وارتسم في ذهننا أن له نسبة خاصة في أنفه وعينيه ووجهه، وأعضائه الأصلية، فمتى وجدنا ذلك من المشترك الذي امتاز به عن غيره، قلنا: هو زيد، ولو تغير منه ما تغير، وإن وجدنا قد مسخ قردا، وغير ذلك، أو كشط وجهه بحيث ذهب ذلك القدر الذي امتاز به طول عمره.

стр. 843

قلنا: لا نعلم: أنه زيد، فظهر حينئذ أن المعتبر هو النفس مع القدر المشترك بين أطوار الشكل، وهذا المجموع ثابت من أول العمر إلى فنائه، وكلام صاحب الكتاب يشعر بأن المسمى بزيد إنما هو نفسه فقط؛ لأنها الأجزاء الباقية من أول العمر إلى آخره، فإنها جواهر شفافية غير الرطوبات، ولا تسلط عليها الحرارة بالتحليل، ولا يخلفها الغذاء، فهذا هو سبب بقائها. فصاحب الكتاب يقول: إن جواهر النفس لعل الضرب لم يصادفها، فيكون الكلام مجازا، وعلى ما قررته أيضا أن المجموع هو المسمى، لا يكون ضرب المجموع؛ لأن جواهر النفس من جملته، ولم يعلم ملاقاة الضرب لها. (فائدة) بهذا التفسير تظهر رؤية رسول الله- ﷺ في النوم، فإن العلماء قالوا: في قوله ﵇: (من رآني فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بي)، إن المرئى في النوم إنما هو مثاله- ﵇ لرؤيته في المواضع] المتعددة [في وقت واحد . وأما جواب الصوفية بأنه ﵇ كالشمس في موضعها وهو يرى في الأرض كلها، فهو من الترهات التي لا فكرة لقائلها؛ لأنا نرى النبي- عليه

стр. 844

السلام- في بيت مخصوص، ويراه الآخر في موضع مخصوص، ولو رأيت الشمس بذاتها في موضع مخصوص ما رئيت بذاتها في موضع آخر مخصوص، بل الحق أن الله - تعالى - يخلق له أمثلة كثيرة، يأتي لكل إنسان بمثاله ﵇، فيكون تقدير الحديث: من رأى مثالي، فقد رأى مثالي حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بمثالي، ومثاله ﵇ هو المعصوم، وإنما يعلم أن هذا مثاله ﵇، أحد رجلين: صحابي رآه حيا، ورجل وصف له، وتكررت الصفة عليه حتى ارتسم في ذهنه طور خاص، وصورة خاصة، لا يغيرها في ذهنه تغير الأحوال الواردة على المثال من السواد، والشيخوخة والشبوبية، وعدم الأعضاء، وغير ذلك، فإن صفة الرائي تظهر في مثاله ﵇، فمن رآه أسود فهو كافر، أو شيخا فهو يعظمه، أو أمرد فهو يستهزئ به، إلى غير ذلك مما تقرر في علم التأويل، فلا بد للرائي من ضبط القدر المشترك بين الأطوار، بحيث لا يشك أن هذا المتغير بصفة الرائي هو الصورة التي حققها قبل التغير كما تقدم تقريره في زيد، وإلا فلا تصح له رؤية البتة، بل يحتمل الصدق، والكذب. قوله: (ضربت زيدا مجاز عقلي)؛ لأن زيدا علم لا يدخله المجاز، والضرب مستعمل في موضوعه، فلم يبق المجاز إلا في النسبة، فيكون مجازا عقليا) عليه سؤالان: (السؤال الأول) أنه قد تقدم أن العلم يدخله المجاز، وها هنا دخله المجاز من باب التعبير بالكل عن الجزء، إن جعلنا المضروب بعضه، أو التعبير بالحال عن المحل إن جعلناه اسما للنفس خاصة. (السؤال الثاني) أن مجاز التركيب إنما يكون إذا وضعت العرب اللفظ ليركب مع لفظ

стр. 845

معنى، فركب مع غير ذلك اللفظ، وتركيب لفظ الضرب مع لفظ زيد ليس على خلاف الوضع الأول، فلا يكون مجازا في التركيب، بل في المفرد فقط، وهو زيد، وزيد ليس من الألفاظ اللغوية، حتى يكون مجازا لغويا، فتلخص أن هذا المجاز ليس لغويا، ولا عقليا إن كان المتكلم تفطن لمعنى زيد، واستعمال لفظه في بعضه، وإلا فهو كذب محض، ولا مجاز فيه بطريق أصلا، وهذا أحد الفروق بين الكذب والمجاز. (سؤال) قال النقشواني: (العرب دائما تستعمل هذا اللفظ، وتخبر عن وقوع الضرب بـ (زيد (، وذلك يستدعي إمكان الوقوع دائما، فيكون الواقع هو الموضوع له، وهو حقيقة، وكذلك رأيت أنه لا تقصد العرب دائما إلا هذا، سواء كان زيد هذا القدر، أو جوهرا مفارقا أو جسمانيا (. (تنبيه) إن صح كلام النقشواني بطل كلام الإمام، وإن صح كلام الإمام بطل كلام النقشواني ، وكان ما ذكره من غلبة الاستعمال يجب أن يكون حقيقة عرفية، ومجازا راجحا غلب على الحقيقة اللغوية، لابد من أحد هذين جزما، فإن أهل العرف كما ينقلون المفردات، ينقلون المركبات، ومن ذلك قولهم: حرمت الخمر، والميتة، ولحم الخنزير، ونحو ذلك مما يتعين فيه غير المذكور، فإن الأحكام الشرعية، إنما تتعلق بالأفعال، فالوضع اللغوي يقتضي أن نقول: حرم شرب الخمر، وأكل الميتة، فغلب التركيب مع الأعيان فكان حقيقة عرفية، وهو كثير،] يحتاج الفقهاء إلى معرفته في الأعيان وغيرها، وقد تقدم بسط هذا في الحقيقة العرفية [.

стр. 846

(المسألة العاشرة: المجاز خلاف الأصل) (فائدة) تقدم أن الأصل له أربعة معان: أصل الشيء: ما منه الشيء لغة، وأصل الشيء: دليله، ومنه أصول الفقه، أي: أدلته، وأصل الشيء رجحانه، ومنه الأصل عدم المجاز، والأصل عدم الاشتراك، والأصل براءة الذمة، والأصل الرابع الصورة المقيس عليها في القياس. (سؤال) كيف يجمع بين هذه المسألة، وبين قوله في التي قبلها: المجاز غالب على اللغات على ما قاله ابن جنى، وشاهده هو الاستدلال، فإذا كان المجاز غالبا كان هو الأصل، كما نقول: الأصل في كأس الحجام النجاسة، وفي سوسية القصار الطهارة، بناء على الغالب. جوابه: أن المجاز إنما غلب وقوعه مقرونا بالقرينة، وهذا الذي ادعينا أن الأصل عدمه هو المجاز المجرد عن القرينة فلا تناقض. (سؤال) القاعدة المشهورة أن الشيء إذا دار بين النادر والغالب لحق بالغالب دون النادر، والغالب على اللغات المجاز، فإذا وردت صيغة، يجوز أن تكون حقيقة، ويجوز أن تكون مجازا يتعين إلحاقها بالمجاز؛ لأنه الغالب، عملا بالقاعدة، وكذلك ما من عام إلا وقد خص إلا قليل منها، فإذا ورد عموم، وجوز أن يكون خص، أو هو باق على عمومه، ينبغي أن يعتقد أنه مخصوص، بناء على الغالب، والناس قد عملوا على خلاف ذلك، فكيف خولفت القاعدة؟ جوابه: أن المتردد بين النادر والغالب له شرط خفي على مورد السؤال،

стр. 847

وهو خفي على أكثر الناس، وهو أن من شرط المتردد بين النادر والغالب أن يكون من جنس الغالب لا مباينا له، فالسوسية التي للقصار إن كنا قضينا عليها بالطهارة؛ لكونها سوسية قصار، فالمتردد بين الطهارة والنجاسة، إن كان سوسية قصار قضينا بطهارتها؛ لأنها من جنس ذلك الغالب، فلو كنا إنما قضينا بطهارة تلك السواسي، لا لكونها سوسية قصار، بل لكوننا غسلناها بعد القصارة، وهذه السوسية لم تغسل، فلم نلحقها بالسواسي المقصورة؛ لأن المعنى الذي لأجله قضينا بالطهارة لم يوجد فيها، كذلك ها هنا جميع المجازات الواقعة في اللغة ما قضينا بأنها مجازات، لكونها ألفاظا تحتمل المجاز، والحقيقة، بل لكونها معها قرائن دلت على ذلك، وهذا اللفظ المجرد عن القرينة ليس معه قرينة، فلم يكن من جنس الغالب، بل هذه الصورة لم يوجد منها شيء مجاز البتة، لا غالب ولا نادر، بل هذه حقيقة ليس إلا، وكذلك جميع ما قضينا به من العمومات المخصوصة، لم نقض فيه بالتخصيص، إلا لاقتران المخصص به، وهذا العام المتردد ليس معه مخصص، فليس من جنس العمومات التي وقع فيها التخصيص، فلم يقع لنا عام هكذا مخصوص قط، فلا يلحق بالعمومات المخصوصة، فهذا هو الجواب، وهو وجه الجمع بين القاعدتين. قوله: (إن قال الواضع: احمل اللفظ إما على هذا أو على ذاك كان اللفظ مشتركا بينهما). قلنا: هذه العبارة غير كافية في حصول الاشتراك، بل هذه العبارة تناسب المتواطئ أقرب؛ فإن صيغة (أو) إنما تكون في (الحمل) إذا كان اللفظ للقدر المشترك، مع أن اللفظ المشترك لا يصدق عليه أنه يحمل فيه على هذا، أو على هذا، بل الماهية الكلية فقط، لكن كان ينبغي أن يقول: احملوه على ما دلت عليه القرينة، وإن فقدت القرينة فتوقفوا، أما التخيير هكذا فليس في الألفاظ المشتركة.

стр. 848

قوله: (وإن لم يحمل اللفظ على واحد منهما، كان اللفظ من المهملات، لا من المستعملات). قلنا: لا نسلم أنه يلزم من عدم الحمل الإهمال، بل المشتركات كلها عند عدم القرينة لا تحمل على شيء، ولا يصدق عليها أنها مهملة بل موضوعة قطعا، فكان ينبغي أن يقول: يلزم عدم حصول الفائدة من الوضع؛ لأن فائدة الوضع هي الحمل فإذا لم يحمل تعذرت هذه الفائدة، ولعل المصنف يريد أنه من المهملات أي: أهملت فيه فائدة الوضع، لكنه قال: لا من المستعملات، واللفظ إذا لم يحمل في الاشتراك فهو مستعمل، فعدم الاستعمال يأبى ما قاله مع أن عدم الاستعمال لا يلزم من الإهمال؛ لأن المهمل قد يستعمل، فإذا قلنا: رأيت خنفشارا، ونريد هذا الحصير، كان هذا مستعملا في مهمل، وهذا غير متعذر، نعم ليس هو كلاما عربيا. قوله: (وإذا بطلت الثلاثة تعين الأول، وهو المطلوب، فإن قلت: كيف يلزم من الحمل وتعينه للحقيقة أن تكون هي الأصل؟) قلت: لا نعني بالحقيقة إلا الذي يحمل عليه اللفظ عند التجرد، ثم إن الحمل إنما كان لها لرجحانها، ورجحانها هو المعنى بأنها هي الأصل؛ لأن الأصل ها هنا الرجحان. قوله: (المجاز متوقف على النقل). يريد بالنقل ها هنا النقل اللغوي المجازي؛ لأن النقل العرفي هو غلبة الاستعمال، وهو ليس شرطا في المجاز، بل المراد النقل بمعنى التحويل من شيء لشيء آخر، والتحويل في اللفظ الموضوع إنما يصدق بطريق المجاز؛ لأنه لا يبقى زمانين حتى يحول؛ ولأن العرض لا يقوم به عرض الحركة، والنقلة، ولا غيرها من الأعراض.

стр. 849

ونبه في كلامه على شرط في الترجيح بالكثرة، والقلة، وهو أن العلماء قالوا: ما قلَّت مقدماته يكون أرجح من كثير المقدمات، بشرط أن يكون الأقل بعض الأكثر حذرا من ألا يكون بعضه، فلا يلزم الرجحان، لأن المقدمة الواحدة قد تكون أعسر من مقدمات كثيرة، كما أن أخذ ألف دينار من الكيمياء، أو من السلطان مقدمة واحدة، وتحصيلها بالمتجر يحتاج لمقدمات كثيرة، إلا أن هذه الكثرة أيسر وقوعا من تلك المقدمة النادرة، فلذلك قالوا:" من شرط الترجيح أن يكون الأقل بعض الأكثر"، وقد أشار إليه المصنف بقوله: على سببين آخرين معه. فرع: قال (إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة، والمجاز الراجح، تقدم الحقيقة المرجوحة عند أبي حنيفة، والمجاز الراجح عند أبى يوسف). وقال قوم: يحصل التعارض؛ لأن كل واحد منهما راجح من وجه، ومرجوح من وجه. وقال في (المعالم): (لا ينصرف لواحد منهما إلا بالنية؛ لأن الحقيقة من جهة أنها حقيقة توجب القوة، ومن جهة أنها مرجوحة توجب الضعف فاستويا). والحق في هذه المسألة مذهب أبى يوسف؛ لأن كل شيء قدم في الكلام، إنما قدم لرجحانه، والتقدير رجحان المجاز فيقدم، ولذلك قدم عدم الاشتراك عليه، وعدم المجاز عليه، وعدم الإضمار عليه، وسائر ما قدم، إنما قدم لرجحانه. وأما قول أبي حنيفة: (الحقيقة مقدمة على المجاز) فغير متجه؛ لأنا إنما قدمنا الحقيقة على المجار لرجحانها، والتقدير أن هذه الحقيقة مرجوحة فلا تقدم.

стр. 850

وهذه المسألة متصورة في المقولات الثلاث؛ لأنها مجازات راجحات بغلبة الاستعمال إلا الذات والجوهر كما تقدم بيانه، فإنهما منقولان، وليسا مجازين لعدم العلاقة فيهما. وأما مدرك الإمام، ومن معه في التوقف فيرد عليه أربعة أسئلة: الأول: لا نسلم أن كون الحقيقة حقيقة توجب القوة، وإنما توجب القوة لو كانت راجحة، والمقدر خلافه. الثاني: لا نسلم أن المجاز لكونه مجازا يوجب الضعف، وإنما يكون المجاز ضعيفا، إذا كان مرجوحا، والتقدير أنه راجح غير محتاج إلى القرينة في الحمل عليه. الثالث: سلمنا ما ذكره من الموجبات القوة والضعف، لكن لا نسلم التساوي والتعادل، فلم لا يجوز أن يكون موجب القوة في أحدهما أرجح من موجب القوة في الآخر أضعافا مضاعفة؟! أو يكون موجب الضعف في أحدهما، أرجح من موجب الضعف في الآخر أضعافا مضاعفة؟! فمهما لم يثبت أن موجب الراجحية والمرجرحية مستوية في كليهما لا يحصل المطلوب. الرابع: سلمنا التساوي والتعادل، ولكن لم يلزم ألا ينصرف إلى أحدهما إلا بالنية، ويكون اللفظ مجملا فيهما، وذلك أن المجاز قد يكون بعض أفراد الحقيقة كالدابة؛ فإنها مجاز راجح في الفرس في (العراق)، والحمار بـ (مصر)، وكذلك أكثر الحقائق الشرعية، وقد تكون أجنبية عن الحقيقة كالغائط اسم للمكان المطمئن، وهو مجاز راجح في الفضلة المستقذرة، وهي ليست بعض المواضع المطمئنة، بل أجنبية عن الحقيقة. إذا تقررت هذه القاعدة، فنقول: إن كان الكلام في المجار الذي هو بعض أفراد الحقيقة، والكلام في سياق الثبوت كان الكلام نصا في الحقيقة

стр. 851

المرجوحة، فلا يحتاج إلى النية؛ لأن النية إنما يحتاج إليها في المتردد بين الإفادة، وعدم الإفادة، ولهذا افتقرت الكنايات في أبواب الفقه للنيات دون الصرائح لتردد الكنايات دون الصرائح. بيان كون اللفظ نصا فيها، فإن القائل إذا قال: في الدار دابة، إن أراد المجاز الراجح، ومتى ثبت الأخص ثبت الأعم، فثبتت الحقيقة المرجوحة التي هي مطلق الدابة، وإن أراد الحقيقة المرجوحة ثبتت الحقيقة المرجوحة، فالحقيقة المرجوحة ثابتة قطعا، فاللفظ نص فيها، فلا يحتاج إلى النية ومتى كان الكلام في سياق النفي، والمجاز بعض أفراد الحقيقة، كان الكلام نصا في المجاز الراجح؛ لأنه إذا قال: ليس في الدار دابة إن أراد المجاز انتفي قطعا، وإن أراد الحقيقة المرجوحة انتفي المجاز الراجح أيضا قطعا؛ لأنه يلزم من نفي الأعم نفي الأخص، فالمجاز الراجح منفي قطعا. فاللفظ نص فيه، فلا يحتاج للنية، ولا للقرينة، ولا يكون اللفظ مجملا فيه، فحينئذ إنما يحسن التوقف في الحقيقة المرجوحة، والكلام في سياق النفي، أو المجاز الراجح. والكلام في سياق الثبوت، أو في المجاز الأجنبي عن الحقيقة كالغائط، فتصير الصور خمسا: يحسن التوقف في ثلاثة، ويمتنع في اثنتين. والقاعدة: أن الدعوى متى كانت عامة، والدليل خاص، لا يسمع ذلك الدليل، كقولنا: الحيوان كله حرام؛ لأن الخنزير حرام، أو الشراب كله حرام؛ لأن الخمر حرام، فكذلك هاهنا الدعوى في خمسة، والدليل إذا سلمت مقدماته إنما يفيد ثلاثة، فلا يسمع، غير أن له في هذا المقام أن يجعل دليله من باب الفرض، والبناء، وهي قاعدة مشهورة عند النظار، إذا كان الدليل إنما يتم في بعض صور النزاع، يفرضون] ذلك [البعض،

стр. 852

الدليل فيه، ثم يقولون: إذا ثبت في هذا البعض بهذا الدليل، وجب أن يثبت في الباقي؛ لأنه لا قائل بالفرق، ويسمون الباقي بناء، والأول فرضا، فنقول هاهنا كذلك، غير أن مجرد ما اعتمد عليه لا يكفي حتى يضم إليه هذه المقدمة، وهي قوله: لا قائل بالفرق. تنبيه)) قال شرف الدين بن التلمساني في (شرح المعالم): تمثيل الإمام لهذه المسألة بلفظ الطلاق لا يتجه ، فإنه لا خلاف أنه يحمل على المجاز الراجح، وإنما الخلاف في هذه المسألة، إذا ساوى المجاز الحقيقة كأن يمثله بلفظ النكاح، فإنه حقيقة في الوطء، وهو مجاز في العقد، وقد ساواه ووافقه على تخطئة الإمام بعض أهل العصر، وتخطئتهم له خطأ. وبيانه: أن هذه المسألة هي للحنفية فإنها بين أبي حنيفة، وأبي يوسف، والحنفية أخبر بمذهبهم من غيرهم، وقد سألت أعيانهم ومشايخهم كصدر الدين قاضي القضاة، ومجد الدين بن العديم قاضي القضاة، وغيرهما، فكلهم يخبر بما أنا ذاكره لك، ورأيته في كتبهم، وهو أن الحقيقة متى ساوت المجاز الراجح، فلا خلاف بين أبي حنيفة، وأبي يوسف أن الحقيقة مقدمة، ومتى كان المجاز أرجح من الحقيقة فله حالتان: تارة تأتي الحقيقة بحيث لا يستعمل اللفظ فيها ألبتة، ولا على وجه الندرة، فلا خلاف بينهما أن المجاز الراجح مقدم، ومتى كان اللفظ مستعملا في الحقيقة، ولو على وجه الندرة، فهو موضع الخلاف بينهما، وذكروا، لذلك فروعا أنا ذاكرها إن شاء الله تعالى، وهذا عين ما قاله الإمام، وعكس ما قاله هؤلاء الرادون عليه. أما الفروع فقالوا: إذا حلف لا يشرب من النهر، فهذا في العرف قد رجح في الشرب منه بآلة، وأصل الوضع لا يقتضي ذلك، وهذه الحقيقة لم تترك

стр. 853

بالكلية؛ لأن بعض الرعاة. وغيرهم قد يكرع بعمه من النهر، فعند أبي حنيفة إن شرب بفمه حنث، وإلا فلا؛ لأنه الحقيقة، وعند أبي يوسف بالآلة حنث، وإلا فلا، وكذلك إذا حلف ليشربن من النهر، يتخرج على ذلك، وإذا حلف لا يأكل من هذه النخلة اتفقا هاهنا على أنه لا يحنث إلا بأكله من ثمرها؛ لأن الخشب لا يؤكل، ولا على الندرة، فهي حقيقة أميتت، وكذلك إذا حلف ليأكلن هذه الحنطة لا يبر بأكلها نيئة؛ لأنه حقيقة أميتت، بل لابد من القلى أو تغييرها بوجه تؤكل فيه عادةً، وجعل الحقيقة من الحقائق التي أميتت الطلاق، فإنه لمطلق القيد تقول: وجه طلق. بالفتح في الطاء- وحلال طلق- بكسرها-، وانطلقت بطنه، وانطلق من الحبس، ومع ذلك لم يفهم منه إلا المجاز الراجح، الذي هو إزالة القيد الخاص الذي هو ملك النكاح، وجعله الإمام في (المعالم). مثال المسألة، فيكون السؤال عليه في التمثيل لا في دعواه، ولعل لفظ الطلاق لم تمت حقيقته في زمانه، أو في بلده، فلذلك مثل به المسألة، فاندفع عنه الإشكال مطلقا، لاسيما وقد نقل عن الشافعي- ﵀ أنه قال: إذا قال لأمته (أنت طالق)، وأراد إزالة قيد الملك لا تعتق إلا بالنية؛ لأنه حقيقة مرجوحة ومذهب مالك أنه إذا قال (أنت طالق)، وأراد من وثاق، أو طلق الولد قبلت نيته في الفتيا من غير قرينة، وفي القضاء مع القرينة، وهذه الفروع كلها من العلماء تدل على أن اللفظ بصدد الاستعمال في الحقيقة المرجوحة.

стр. 854

(سؤال) قال في (المعالم). لفظ الطلاق لإزالة مطلق القيد ، يقال: لفظ مطلق، وحلال طلق، ووجه طلق، وانطلقت بطنه، وأطلق من الحبس، وليس كذلك، بل حقيقة في إزالة القيد الحسي، مجاز في المعاني، وهر مجاز راجح في العرف، حقيقة عرفية، هذا هو الذي يظهر لي من اللغة. (سؤال) قال الإمام في (المعالم): فإن قلت: إذا قال لامرأته: (أنت طالق)، ينبغي ألا ينصرف لإزالة قيد النكاح إلا بالنية لما ذكرته من أن اللفظ لا ينصرف لأحدهما إلا بالنية. قال: قلت: الفرق أنه إن أراد إزالة قيد النكاح، فقد طلقت، وإن أراد مطلق القيد، فيلزم من زوال مطلق القيد زوال القيد المخصوص، فلما كانت تطلق على كلا التقديرين لم يفتقر إلى النية، بخلاف قوله لأمته: (أنت طالق) لا تعتق على تقدير إرادة المجاز الراجح، فلا جرم افتقر العتق للنية، بخلاف الطلاق، وهذا الكلام منه، وإن كان في غاية الجودة، غير أنه نقض به أصله في قوله: إنه لا ينصرف لأحدهما إلا بالنية. جوابه: أنه أراد أن ينبه بهذا البحث على أن دعواه إنما ينبغي أن يخرج منها المجاز الراجح إذا كان بعض أفراد الحقيقة، والكلام في سياق النفي؛ لأن الطلاق إزالة قيد فهو سلب، وأن الاحتياج للنية فيهما إنما يكون في المجاز الأجنبي من الحقيقة، أو في الجاز الراجح، والكلام في سياق الثبوت على ما تقدم من البحث في تلك الصور الثلاث في السؤال الرابع:

стр. 855

(سؤال) قال بعد هذا: إن الكلام يجب حمله على الحقيقة الشرعية ثم العرفية، ثم اللغوية ، وهو ينقض أصله هذا؛ فإن الحقيقة العرفية، هي المجاز الراجح، وقد قدمه على الحقيقة المرجوحة، وهو مذهب أبي يوسف جوابه: أنه لم يفرع هذه المسألة على مذهبه، بل على مذهب الجمهور، وهو مذهب أبي يوسف (مسألة) قال في (المعالم): (من شرط المجاز الملازمة الذهنية ؛ لأنه إذا حصل ينهما ..). ثم قال: (وملازمة العلة للمعلول لفظ يفيد معنى، فهناك أمران: اللفظ ومعناه، فإذا لم يفد ذلك اللفظ ذلك المعنى، ولا كان فهم معناه مستلزما لفهمه، امتنع فهمه) وجوابه: أنه يفهم بالقرينة، وهذه الدعوى باطلة قطعا؛ لأنه قد ذكر من المجاز التعبير بلفظ الجزء عن الكل، والكل ليس بينه وبين الجزء ملازمة ذهنية؛ لأن الكل لا يلزم الجزء، ونحن نتجوز بالأسد لزيد الشجاع، وزيد ليس لازما للأسد، ولا الأسد لازم له، لا ذهنا، ولا خارجا، ولا يقال: الشجاعة لازمة للأسد، وهي في زيد؛ لأنا نقول: نحن لم نتجوز للشجاعة بل لزيد، فزيد هو المجاز، لا الشجاعة، والشجاعة شرط مصحح، فهذا وهم، وهذه من المسائل التي وقع الغلط فيها بسبب اللبس بين دلالة اللفظ، والدلالة باللفظ، فإن الملازمة إنما هي شرط في دلالة الالتزام التي هي أحد أنواع دلالة اللفظ، فجعلها شرط المجاز الذي هو من

стр. 856

أنواع الدلالة باللفظ، وقد تقدمت الفروق بينهما، ثم قال: والملازمة ثلاثة أقسام: ملازمة العلة للمعلول كالنار للإحراق. والمعلول للعلة كالإحراق للنار. وأحد المعلولين المتساويين كالإحراق، والإشراق. والأول أقوى من الثاني، والثاني أقوى من الثالث عند التعارض، وقد تقدم تعليل ذلك في أنواع المجاز عند ذكر السبب والمسبب. ***

стр. 857

القسم الثالث في المباحث المشتركة بين الحقيقة والمجاز وفيه مسائل قال الرازي: المسألة الأولى: في أن دلالة اللفظ بالنسبة إلى المعنى قد تخلو عن كونها حقيقة ومجازا: أما في الأعلام فظاهر، وأما في غيرها، فالوضع الأول ليس بحقيقة ولا مجاز؛ لأن الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه؛ فالحقيقة لا تكون حقيقة إلا إذا كانت مسبوقة بالوضع الأول. والمجاز هو: المستعمل في غير موضوعه الأصلي، فيكون هو أيضا مسبوقا بالوضع الأول. فثبت أن شرط كون اللفظ حقيقة، أو مجازا حصول الوضع الأول؛ فالوضع الأول وجب ألا يكون حقيقة ولا مجازا. المسألة الثانية: في أن اللفظ الواحد، هل يكون حقيقة ومجازا معا ؟ - أما بالنسبة إلى معنيين، فلا شك في جوازه، وأما بالنسبة إلى معنى واحدٍ، فإما أن يكون بالنسبة إلى وضعين، أو إلى وضع واحدٍ: أما الأول، فجائز؛ لأن لفظ الدابة بالنسبة إلى الحمار حقيقة بحسب الوضع اللغوي، مجاز بحسب الوضع العرفي. وأما الثاني، فهو محال؛ لامتناع اجتماع النفي والإثبات في جهةٍ واحدةٍ. المسألة الثالثة: في أن الحقيقة قد تصير مجازا، وبالعكس:

стр. 858

الحقيقة، إذا قل استعمالها، صارت مجازا عرفيا، والمجاز، إذا كثر استعماله، صار حقيقة عرفية. المسألة الرابعة: في أن اللفظ، متى كان مجازا، فلابد وأن يكون حقيقة في غيره، ولا ينعكس: أما الأول؛ فلأن المجاز هو المستعمل في غير موضعه الأصلي؛ وهذا تصريح بأنه وضع في الأصل لمعنى آخر، فاللفظ متى استعمل في ذلك الموضوع، كان حقيقة فيه. وأما الثاني؛ فلأن المجاز هو المستعمل في غير موضعه الأصلي؛ لمناسبة بينهما، وليس يلزم من كون اللفظ موضوعا لمعنى- أن يصير موضوعا لشيء آخر، بينه وبين الأول مناسبة. المسألة الخامسة: فيما به تنفصل الحقيقة عن المجاز: الفروق المذكورة منها صحيحة، ومنها فاسدة: أما الصحيحة فنقول: الفرق بين الحقيقة والمجاز: إما أن يقع بالتنصيص، أو الاستدلال: أما التنصيص، فمن ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقول الواضع: هذا حقيقة، وذلك مجاز. - وثانيها: أن يذكر أحدهما. وثالثها: أن يذكر خواصهما. وأما الاستدلال، فمن وجوهٍ أربعةٍ: أحدها: أن يسبق المعنى إلى أفهام جماعة أهل اللغة عند سماع اللفظ من دون قرينة؛ فيعلم أنها حقيقة فيه؛ فإن السامع لولا أنه اضطر من قصد الواضعين إلى أنهم وضعوا اللفظ لذلك المعنى، لما سبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره.

стр. 859

وثانيها: أن أهل اللغة، إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى، اقتصروا على عبارات مخصوصة، وإذا عبروا عنه بعبارات أخرى، لم يقتصروا عليها، بل ذكروا معها قرينة؛ فيعلم أن الأول حقيقة؛ إذ لولا أنه استقر في قلوبهم استحقاق تلك اللفظة لذلك المعنى، لما اقتصروا عليها. وثالثها: إذا علقت الكلمة بما يستحيل تعليقها به، علم أنها في أصل اللغة غير موضوعة له، فيعلم أنها مجاز فيه؛ كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾] يوسف: [. ورابعها: أن يضعوا اللفظ لمعنى، ثم يتركوا استعماله إلا في بعض مجازاته، ثم استعملوه بعد ذلك في غير ذلك الشيء، علمنا كونه مجازا عرفيا؛ مثل استعمال لفظ الدابة في الحمار. فالخاصيتان الأوليان للحقيقة، والأخريان للمجاز. وأما الفروق الضعيفة، فقد ذكر منها الغزالي وجوها أربعة: أحدها: أن الحقيقة جارية على الأطراد؛ فقولنا: (عالم) لما صدق على ذي علم واحد، صدق على كل ذي علم، والمجاز ليس كذلك؛ فإنه لما صح: ﴿واسأل القرية﴾] يوسف: ٨٢ [صح (واسأل البساط). وهذا ضعيف؛ لأن الدعوى العامة لا تصح بالمثال الواحد. وأيضا، إن أراد باطراد الحقيقة استعمالها في جمع موارد نص الواضع، فالمجاز أيضا كذلك؛ لأنه يجوز استعماله في جميع موارد نص الواضع، فلا يبقى بينهما فيه فرق. وإن أراد استعمال الاسم في غير موضع نص الواضع؛ لكونه مشاركا للمنصوص عليه في المعنى، فهذا هو القياس، وعنده لا قياس في اللغات.

стр. 860

سلمنا جواز القياس في اللغة؛ لكن دعوى اطراد الحقيقة ممنوعة؛ لأن الحقيقة لا تطرد في مواضع كثيرة: الأول: أن يمنع منه العقل؛ كلفظ الدليل عند من يقول: إنه حقيقة في فاعل الدلالة؛ فإنه لما كثر استعماله في نفس الدلالة، لا جرم لم يحسن استعماله في حق الله تعالى إلا مقيدا. الثاني: أن يمنع السمع منه؛ كتسمية الله تعالى (بالفاضل والسخي) - فإنها ممنوعة شرعا مع حصول الحقيقة فيه. الثالث: أن تمنع منه اللغة؛ كامتناع استعمال (الأبلق) في غير الفرس. فإن اعتذروا عنه بأن الأبلق موضوع للمتلون بهذين اللونين بشرط كونه فرسا!!. فنقول: جوز في كل مجاز لا يطرد أن يكون سبب عدم اطراده- ذلك؛ وحينئذٍ، لا يمكن الاستدلال بعدم الاطراد على كونه مجازا. وثانيها: قال الغزالي ﵀: امتناع الاشتقاق دليل كون اللفظ مجازا؛ فإن الأمر، لما كان حقيقة في القول، اشتق منه الآمر والمأمور، ولما لم يكن حقيقة في الفعل، لم يوجد منه الاشتقاق. وهذا ضعيف؛ لما تقدم أن الدعوى العامة لا تصح بالمثال الواحد، ولأنه ينتقض بقولهم للبليد: حمار، وللجمع: حمر، وعكسه: أن الرائحة حقيقة في معناها، ولم يشتق منها الاسم. وثالثها: أن تختلف صيغة الجمع على الاسم، فيعلم أنه مجاز في أحدهما؛ إذ الأمر الحقيقي يجمع على الأوامر، وإذا أريد به الفعل، يجمع على أمورٍ.

стр. 861

وهو ضعيف؛ لأن اختلاف الجمع لا إشعار له البتة بكون اللفظ حقيقة في معناه، أو مجازا. ورابعها: أن المعنى الحقيقي، إذا كان متعلقا بالغير، فإذا استعمل فيما لا تعلق له بشيء، كان مجازا، فالقدرة إذا أريد بها الصفة، كان متعلقا بالمقدور، وإذا أطلق على البيان الحسن، لم يكن له متعلق، فيعلم كونه مجازا فيه. وهذا أيضا ضعيف جدا؛ لاحتمال أن يكون اللفظ حقيقة فيهما، ويكون له بحسب إحدى الحقيقتين متعلق، دون الأخرى، والله أعلم. قوله: المسألة الأولى في أن دلالة اللفظ بالنسبة إلى المعنى قد تخلو عن كونها حقيقة ومجازا ، أما في الأعلام فظاهر. قال القرافي: قلنا: قد تقدم أن العلم يدخله المجاز، ولكن ذلك لا ينافي صحة قوله: قد يخلو، فإنه ليس كل علم يكون كذلك، وإنما قصدت التنبيه على قوله: (فظاهر)، إشارة إلى البحث المتقدم منه، وما عليه قوله: (الوضع الأول ليس بحقيقة، ولا مجاز). قلنا: نسلم، ولكن قولك: إن دلالة اللفظ قد تخلو عنهما، ومثله بالوضع الأول غير متجه؛ لأن دلالة اللفظ إنما تكون حالة الاستعمال، والوضع الأول ليس فيه استعمال، وقد تقدم الفرق بين الوضع، والحمل، والاستعمال في البحث عن دلالة اللفظ المطابقة، والتضمن، والالتزام، وإذا كان الوضع لا استعمال فيه، فلا يكون من أقسام دلالة اللفظ، بل المطابق أن نقول: اللفظ قد يعرى عن الحقيقة والمجاز. (المسألة الثانية) قوله: (لفظ الدابة في الحمار مجاز بحسب الوضع العرفي متجه بل اصطلاح (العراق) أن لفظ الدابة نقل للفرس، فيكون في الحمار مجازا عرفيا.

стр. 862

قوله: (وأما الثاني فمحال لامتناع اجتماع النفي والإثبات في الجهة الواحدة). تقريره: أن كونه حقيقة، يقتضي أنه موضوع له، وكونه مجازا يقتضي أنه غير موضوع له، فيكون موضوعا (له) غير موضوع له، وهو جمع بين النقيضين. (المسألة الثالثة) (متى كان اللفظ مجازا في شيء، فلابد وأن يكون حقيقة في غيره) . قلت: هذه المسألة تناقض قوله في الحقيقة اللغوية، فيما تقدم: أن المجاز قد ينقل عن الحقيقة، وأن المجاز يكفي فيه تقدم الوضع، وقد تقدم تقريره، وهو صحيح، وهاهنا جعل من لوازم المجاز الحقيقة، وهو تناقض، حتى قال بعضهم: إنه لما بحث في هذه المسألة نسي تلك المسألة، ولذلك جعله النقشواني نقيض أصله في ذلك الوضع. وجوابه: أن الإشكال إنما جاء من جهة عدم فهم لفظه وتأمله، فإن المستدلين ئمت على الحقيقة اللغوية قالوا: الواقع من الاستعمال إن كان مجازا، فالحقيقة واقعة منهم هو ذلك، والبحث ئمت باعتبار الواقع، والبحث هاهنا باعتبار التوقع، والقبول فقط يدل على ذلك. قوله: (متى كان مجازا). وهو صيغة شرط، والشرط لا بد وأن يكون معدوما مستقبلا. وقوله: (فلابد وأن يكون مجازا في غيره مستقبل أيضا، من جهة أنه جواب الشرط، وجواب الشرط يجب أن يكون مستقبلا، ومن جهة صيغة (أن) فإنها لا تكون مع الفعل المضارع إلا للاستقبال، والمستقبل لا وقوع فيه، فلم يبق إلا القبول، ولا تناقض بين تلازم القبولين، وعدم تلازم الوقوعين

стр. 863

فإن ضحك الإنسان بالقوة، وكتابتة بالقوة متلازمان بالضرورة، فكل كاتب بالقوة، ضاحك بالقوة، وبالعكس، والوقوع لا تلازم فيه، فرب ضاحك بالفعل غير كاتب بالفعل، إما لعدم علمه بالكتابة، أو لأنه في تلك الحالة غير كاتب، فاندفع التناقض. قوله: (المجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأول لمشابهة بينهما). قلنا: قد تكون العلاقة غير المشابهة، فقد تقدم أن أنواع العلاقة اثنا عشر، فالمتجه أن يقول: لعلاقة، وليس يلزم أن يكون بين الموضوع له، وبين غيره علاقة ألبتة. (المسألة الرابعة: في فروق الحقيقة من المجاز) قوله: (التنصيص أن يقول الواضع: هذه حقيقة، وهذا مجاز). قلنا: هذا فرض مستحيل عادة، وأين الواضع؟، ومن الواضع؟ وهذا شيء ما علمه أحد، فكيف ينقل عنه؟ والصحيح مما تقدم الوقف في الواضع، هل هو الله تعالى، أو غيره، بل المتجه أن يقول: التنصيص: أن يقول أئمة اللغة، مع أنى لم أر أحدا تعرض لذلك تعرضا كليا إلا الزمخشري في (أساس البلاغة) يقول في كل لفظ: هو حقيقة في كذا، مجاز في كذا، وغيره من أئمة اللغة، إنما يذكر ذلك في بعض الألفاظ، ويسردون الباقي سردا من غير تعيين. قوله: (وثانيهما: أن يذكروا حديهما). يريد بقولون: هذا استعمال اللفظ فيما وضع له، وهذا في غير ما وضع له، وهذان هما حدّا الحقيقة والمجاز. قوله: وثالثها: أن يذكروا خواصهما. معناه: يقولون: لفظ الأسد مثلا يتعذر سلبه عن الحيوان المفترس، ويمكن

стр. 864

سلبه عن الرجل الشجاع، وهذه خاصية الحقيقة والمجاز، وكذلك قولهم: اللفظ يستعمل في الحيوان المفترس، بغير قرينة، ولا يستعمل مع الرجل الشجاع إلا مع القرينة، وكذلك جميع الخواص يذكرونها، ولا يذكرون الحدود، ولا بقولون: اللفظ حقيقة في كذا، ولا مجاز في كذا. (تنبيه) اعلم أن اسم الحقيقة قد يسلب عنها، فلا يعبر بذلك؛ لأنه ليس بنقض على ما تقدم كقوله ﵇: (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)، فقد سلب اسم الشدة عن الذي يصرع الناس مع أنه شديد حقيقة، وكذلك قوله تعالى: ﴿صم بكم عمي فهم لا يرجعون﴾ (البقرة: ١٨) مع أنهم يبصرون ويسمعون، وكذلك قوله تعالى: ﴿إنهم لا إيمان لهم﴾ (التوبة: ١٢)، مع أنهم حلفوا، ونظائره كثيرة في الكتاب، والسنة. ومعناه: ليس الشديد الذي تنفعه شدته عند الله تعالى، فهو نفي للشدة النافعة. قوله: (إنما لم يسبق اللفظ إلى فهم السامع؛ لأنه اضطر من قصد الواضعين إلى أنهم وضعوا ذلك اللفظ لذلك المعنى). عليه سؤالان:

стр. 865

الأول: أن المرجح للفهم قد يكون حال المستعملين لا حال الواضع، فإن الاستعمال في ظاهر الحال، إنما يكون في الحقيقة حتى يأتي صارف عنها، أو غير ذلك من أن الأصل عدم التجوز؛ لاحتياجه لأمور من العلاقة، وغيرها، والحقيقة مستغنية عنها، وهذه أمور توجب الرجحان، فما تعين قصد الواضعين. الثاني: قوله: (الواضعين) يقتضي أن الواضع جماعة، ومن أين له ذلك؟ فلعله الله تعالى، أو يعرب بن قحطان، أو شخص غيره. قوله: إذا علقت الكلمة، بما يستحيل تعليقها به علم في أصل اللغة أنه غير موضوع له، فيعلم أنه مجاز، ونحو قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ (يوسف: ٨٢). قلنا: هذا يناقض كلامين تقدما: أحدهما: قوله: (إن المجاز المركب عقلي لا لغوي، وهاهنا جعله لغويا. وثانيهما: أنه لما بحث فيما تقدم في هذا المجاز، جعل الأصل في القرية المنصوبة أنها هي المفعول، وتقدير المضاف يوجب المجاز فيها، فجعل المضاف ئمت سبب التجوز، وهاهنا يشير إلى أنه محل التجوز، وأنه ليس الأصل أن يكون المنصوب هو المفعول، بل ينظر إلى ذلك الكلام هل وضع ليعلق ويركب مع هذه الكلمة أم لا؟ فكلامه هاهنا يقتضي أن لفظ السؤال وضع ليركب مع لفظ من يصلح للإجابة، فلما ركب مع القرية، ركب مع غير من وضع له، فكان مجازا، وذلك يقتضي أن الأهل هو المتجوز عنه، وأنه محل التجوز، لا سبب التجوز، وهذا هو الصحيح المختار، وقد تقدم تقرير المذهبين هل المضاف المحذوف، سبب المجاز أو محل المجاز؟ قوله: ورابعها: (أن يضعوا اللفظ لمعنى، ثم يتركوا استعماله في بعض

стр. 866

مجازاته، ثم يستعملونه بعد ذلك في غير ذلك الشيء، فيكون مجازا عرفيا، كالدابة في الحمار). قلنا: لا يكفي في النقل الترك، فقد يترك مع البعض الآخر، بل ينبغي أن يصرح فيقول: يضعون اللفظ لمعنى عام، ثم يضعونه لكثرة الاستعمال لما هو أخص منه، فالحقيقة العرفية التي هي مجاز لغوي إنما تنشأ عن الاستعمال في الأخص لا عن الترك في غيره، فالترك لا يوجب مجازا، ولا حقيقة، بل الاستعمال هو الذي يقع فيه المجاز والحقيقة، والنقل عن اللغة للعرف. ثم قوله: (يستعملونه في غير ذلك الشيء) - هذا الشيء لم يجر له ذكر حتى يسميه، لكنه مراد في قوة كلامه، ومراده غلبة الاستعمال في الأخص كما تقدم، أو يكون المجاز أجنبيا كالغائط، كما تقدم تقريره). قوله: (لا يصح اسأل البساط، كما يصح اسأل القرية). قلنا: لا نسلم أنه يمتنع، بل كلام سيبويه، وغيره يقتضي الجواز. قال سيبويه: لا يجوز أن تقول: قامت هند، ومرادك غلامها، يعني لأن قرينة التعذر في القرية هي الدالة على الإضمار، ولا تعذر هاهنا في هند، فلا يجور إضمار بغير دليل، وهذا يقتضي (اسأل السباط) لقرينة التعذر، فينصرف السؤال إلى صاحبه كما انصرف لأهل القرية. قوله: (الدعوى العامة لا تصح بالمثال الواحد). يعني: أن الإنسان لو قال: كل حيوان حرام الأكل؛ لأن الخنزير حرام الأكل ما صح، أو كل عدد زوج؛ لأن العشرة زوج لم يصح، فالكليات لا تثبت بثبوت الحكم في بعض أفرادها، لكن ينبغي أن يعلم أن ذكر الصورة الجزئية قد يكون للاستدلال فلا يصح، وقد يكون للتنبيه للسامع على الحق في

стр. 867

المسألة لا على سبيل الدليل، كما لو قيل لك: أهل هذه المدينة لا يستعملون النظام الفلاني، فيقال: ليس كذلك: ألا ترى أن فلانا يستعمله؟ يريد تنبيهه على الاستقراء لأحوال تلك البلدة. وكذلك إذا قيل لك: لم قلت: إن الشرع يبيح الغرر للضرورة، والرخصة للمشقة؟ فتقول: كما أباح القراض، والمساقاة مع الغرر والقصر والفطر للمشقة، ونحو ذلك، وليس مرادك إلا التنبيه لا إقامة الدليل، ولو أردت الدليل لامتنع مع أن الناس مجمعون على ذلك. قوله: (إن أراد بالاطراد في جميع الصور نص الواضع، فالمجاز كذلك). قلنا: هذا إنما يتم إذا قلنا: المجاز من شرطه الوضع. أما على القول بالاكتفاء بمجرد الحقيقة، فلا يتجه. قوله: (الحقيقة قد لا تطرد؛ لأنه يمنع منه العقل، كإطلاق الدليل على الله تعالى؛ لأنه فاعل الدليل، لكنه اشتهر في الدلالة فمنع إطلاقه). قلنا: لا نسلم أن هذا يمتنع إطلاقه للإبهام، لكن للسمع؛ لأن هذا المنع حكم شرعي، والأحكام الشرعية إنما تثبت من جهة السمع لا بالعقل. قوله: يمتنع سمعا كتسمية الله- تعالى- بالفاضل، والسخي مع وجود الحقيقة). قلنا: لا نسلم وجود الحقيقة؛ لأن العرب وضعت الفاضل للمتصف بالعلوم المكتسبة، وعلم الله تعالى ليس مكتسبا، ولذلك إن من لم يشتغل بالعلوم، ويكتبها، لا يسمونه فاضلا، والسخي لمن طبعه الله- تعالى- منقاد للعطاء، والله- تعالى- منزه عن الطباع كلها، وذلك فإن السحاب يعطى

стр. 868

جميع ما عنده من الماء، والأرض تخرج جميع ما فيها من النبات، ولا يسميان بالسخي. قوله: (وقد يمنع من ذلك اللغة كالأبلق للفرس). تقريره: قال ابن عطية في تفسيره: قال اللغويون: تقول العرب: فرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وكلب أبقع، وثور أشيه، ومنه قوله تعالى في البقرة لبني إسرائيل: ﴿لاشية فيها﴾ (البقرة: ٧١)، أي ليس فيها ألوان مختلفة، وكل هذه الأسماء لمعنى البلقة اختلفت باختلاف المحل. قوله في الرد على الغزالي: (إن امتناع الاشتقاق دليل المجاز، أنه ينتقض بقولهم للبليد: حمار، وللجمع حمر هذا إنما يتجه إذا كان الجمع مشتقا من المفرد، حتى تكون حمر مشتقة من حمار، وهو مجاز فيكون الاشتقاق دخل في المجاز، وهذا لم يقل به أحد فيما علمت، بل قالوا: الحمار مشتق من الحمرة؛ لأنها الغالبة على حمر الوحش، ولكن حد الميداني الذي قدمه أول الكتاب يقتضيه في قوله: أن يجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب، فيرد أحدهما إلى الآخر، ولا شك أن بين حمار، وحمر، مناسبة في المعنى والتركيب، فيكون أحدهما مشتقا من الآخر. قوله: (الرائحة حقيقة في معناها، ولم يشتق منها). قلنا: قد ورد في البخاري عن رسول الله ﷺ :) من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة)، فقد اشتق منها الفعل.

стр. 869

وقال ابن عطية في تفسيره) والطرطوشي في (سراج الملوك) في قول الشاعر (الخفيف): ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء إن (استراح) من الرائحة لا من الراحة، أي: ليس من مات، وأنتن، ووصل إلى هذه الغاية من الموت بميت، وإذا اشتقت الأفعال اشتقت الأسماء لأن اسم الفاعل يتبع الفعل، والفعل يتبع المصدر. فوله: (اختلاف صيغة الجمع دليل أن اللفظ حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر). قلنا: ينتقض بقولهم في اليد بمعنى العضو: أيدي، وبمعنى النعمة أيادي، واللفظ المفرد مشترك بينهما حقيقة في كل واحد منهما، فاختلف الجمع مع عدم المجاز. قوله: (إذا كان اللفظ موضوعيا بإزاء ماله تعلق بالغير، فأطلق على ما لا تعلق له بالغير، كالقدرة إذا أطلقت على الشاب الحسن، دل على أنه مجاز فيه ثم قال: وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون مشتركا بين المعنيين، وله تعلق بحسب أحدهما دون الآخر). قلنا: إذا دار الأمر بين المجاز والاشتراك كان المجاز راجحا على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، فقول الغزالي مقدم على القول بالاشتراك. (تنبيه) قال النقشواني: (كان تقديم الحد للحقيقة والمجاز كافيين عن هذه الفروق ،

стр. 870

ولكن لما علم الأصوليون أن الإنسان قد يحيط بالحدود، ومع ذلك فقد تلتبس عليه أفراد الحقائق المحدودات، فإن الحد إنما يفيد الماهية على وجه كلي، ومع ذلك فقد يقع اللبس، في المفردات، فيجد الإنسان لفظ مستعملا في شيئين ولا يدري أهو حقيقة فيهما، أو مجاز في أحدهما لكثرة العوارض، وهجوم اللبس وكذلك في الفقهيات يعلم حد الإ باحة. وإذا قلت له: معنى كون العين ظاهرة إباحة الصلاة بها، وأكلها إن أمكن يستبعد ذلك، وكذلك يعلم حد التحريم، ويجهل أن النجاسة ترجع إلى تحريم الملابسة في الصلاة، والأغذية فلما كان اللبس يعرض بعد الحد تعرض لذكر هذه الفروق؛ تقوية للبصيرة، ودفعا للشكوك في موارد الاستعمال. ***

стр. 871

الباب السابع في التعارض الحاصل بين أحوال الألفاظ / اعلم أن الخلل الحاصل في فهم مراد المتكلم، يبنى على خمس احتمالات في اللفظ: أحدها: احتمال الاشتراك. وثانيها: احتمال النقل ́ بالعرف أو بالشرع. وثالثها: احتمال المجاز. ورابعها: احتمال الإضمار. وخامسها احتمال التخصيص. فإن قلت: تركت احتمال القضاء! قلت: الاقتضاء إثبات شرط يتوقف عليه وجود المذكور، ولا يتوقف عليه صحة اللفظ لغة؛ كقول القائل: (اصعد السطح) فإنه يقتضي نصب السلم، لكن نصب السلم لا يتوقف عليه وجود الصعود، ولا يتوقف عليه صحة اللفظ. وإنما قلنا: إن الخلل في الفهم لابد وأن يكون لأحد هذه الخمس، لأنه إذا انتفي احتمال الاشتراك والنقل، كان اللفظ موضوعا لمعنى واحد. وإذا انتفي المجاز والإضمار، كان المراد باللفظ ما وضع له؛ فلا يبقى عند

стр. 872

ذلك خلل في الفهم، وإذا انتفي احتمال التخصيص، كان المراد باللفظ جميع ما وضع له. واعلم: أن التعارض بين هذه الاحتمالات يقع في عشرة أوجه ؛ لأنه يقع التعارض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية، ثم بين النقل والثلاثة الباقية، ثم بين المجاز والوجهين الباقيين، ثم بين الإضمار والتخصيص؛ فكان المجموع عشرة. المسألة الأولى: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والنقل، فالنقل أولى ؛ لأن عند النقل يكون اللفظ لحقيقة مفردة في جميع الأوقات، إلا أنه في بعض الأوقات مفرد بالإضافة إلى معنى، وفي بعض الأوقات مفرد بالإضافة إل معنى آخر. والمشترك مشترك في الأوقات كلها، فكان الأول أولى. فإن قيل: لا، بل الاشتراك أولى؛ لوجوه: أحدها: أن الاشتراك لا يقتضي نسخ وضع سابق، والنقل يقتضيه؛ فالاشتراك أولى من النسخ؛ على ما سيأتي بيانه؛ فوجب أن يكون أولى مما لا يحصل إلا عند حصول النسخ. وثانيها: أن الاشتراك ما أنكره أحد من العلماء المحققين، والنقل أنكره كثير من المحققين، فالأول أولى. وثالثها: أن الاشتراك: إما أن يوجد مع القرينة أو لا يوجد مع لقرينة: فإن حصلت القرينة معه، عرف المخاطب المراد على التعيين. وإن لم توجد القرينة معه، تعذر عليه العمل، فيتوقف.

стр. 873

وعلى التقديرين لا يخطئ في العمل. أما في النقل: فربما لا يعرف النقل الجديد؛ فيحمله على المفهوم الأول، فيقع الغلط في العمل. ورابعها: أن الاشتراك يمكن حصوله بوضع واحد؛ فإن المتكلم قد يحتاج إلى التكلم بالكلام المجمل؛ فيقول: الواضع وضع هذا اللفظ لهذا ولهذا بالاشتراك. أما النقل: فيتوقف على وضعه أولا، ثم على نسخه ثانيا، ثم على وضعٍ جديد، والموقوف على أمرٍ واحدٍ أولى من الموقوف على أمور كثيرة. وخامسها: أن السامع قد يسمع استعمال اللفظ في المعنى الأول، وفي المعنى الثاني، ولا يعرف أنه نقل من الأول إلى الثاني؛ فيظنه مشتركا. فحينئذ؛ يحصل فيه كل مفاسد الاشتراك مع مفاسد أخرى، وهي جهله بكون اللفظ منقولا، مع جميع المفاسد الحاصلة من النقل. وسادسها: أن المشترك أكثر وجودا من المنقول، فلو كانت المفاسد الحاصلة من المشترك أكثر، لكان الواضع قد رجح ما هو أكثر مفسدة على ما هو أقل مفسدة، وهو غير جائز. والجواب: أن الشرع إذا نقل اللفظ عن معناه اللغوي، إلى معناه الشرعي، فلابد أن يشتهر ذلك النقل، وأن يبلغ إلى حد التواتر. وعلى هذا التقدير تزول المفاسد المذكورة، والله أعلم.

стр. 874

المسألة الثانية: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والمجاز، فالمجاز أولى ؛ ويدل عليه وجهان: الأول: أن المجاز أكثر الكلام من الاشتراك، ولكثرة أمارة الظن في محل الشك. الثاني: أن اللفظ الذي له مجاز: إن تجرد من القرينة، حمل على الحقيقة، وإن لم يتجرد عنها، حمل على المجاز؛ فلا يعرى عن تعيين المراد، والمشترك لا يفيد عين المراد عند العراء عن القرينة. فإن قيل: بل الاشتراك أولى؛ لوجوه: أحدها أن السامع للمشترك، إن شمع القرينة معه، علم المراد عينا؛ فلا يخطئ، وإن لم يسمه، توقف؛ وحينئذ لا يحصل إلا محذور واحد، وهو الجهل بمراد المتكلم. أما اللفظ المحمول على المجاز بالقرينة: فقد يسمع اللفظ، ولا تسمع القرينة، وحينئذ يحمل على الحقيقة فيحصل محذوران، أحدهما: الجهل بمراد المتكلم، والأخر: اعتقاد ما ليس بمراد مرادا. وثانيها: أن اٌشترك يحصل بوضع واحد؛ على ما تقدم بيانه. وأما المجاز: فيتوقف على وجود الحقيقة، وعلى وجود ما يصلح مجازا، وعلى العلاقة التي لأجلها يحسن جعله مجازا، وعلى تعذر الحمل على الحقيقة، وما يتوقف على شيء واحد أولى مما يتوقف على أشياء.

стр. 875

وثالثها: أن اللفظ المشترك، إذا دل دليل على تعذر أحد مفهوميه، يعلم منه كون الآخر مرادا. والحقيقة، إذا دل الدليل على تعذر العمل بها، فلا يتعين فيها مجاز يجب حملها عليه. ورابعها: أن اللفظ المشترك يفيد أن المراد هذا وذاك، ودلالة اللفظ على هذا القدر من المعنى حقيقة لامجاز، والحقيقة راجعة على المجاز؛ فالاشتراك راجح على المجاز. وخامسها: أن صرف اللفظ إلى المجاز يقتضي نسخ الحقيقة، وحمله على الاشتراك لا يقتضي ذلك، فكان الاشتراك أولى. وسادسها: أن المخاطب في صورة الاشتراك يبحث عن القرينة؛ لأن بدون القرينة لا يمكنه العمل؛ فيبعد احتمال الخطأ. أما في صورة المجاز، فقد لا نبحث عن القرينة؛ لأن بدون القرينة يمكنه العمل؛ فينصرف احتمال الخطأ. سابعها: أن الفهم في صورة الاشتراك يحدث بأدنى القرائن؛ لأن ذلك كاف في الرجحان. أما في صورة المجاز، فلا يحصل رجحان المجاز إلا بقرينة قوية جدا؛ لأن أصالة الحقيقة لا تترك إلا لقرينة. والجواب: أن هذه الوجوه معارضة بما ذكرناه في الباب المتقدم من فوائد المجازات.

стр. 876

المسألة الثالثة: إذا وقع التعارض بين اشتراك والإضمار، فالإضمار أولى ؛ لأن الإجمال الحاصل بسبب الإضمار مختص ببعض الصور، والإجمال الحاصل بسبب الاشتراك عام في كل الصور، فكان الاشتراك أخل بالفهم. فإن قلت: الإضمار يفتقر إلى ثلاث قرائن: قرينة تدل على الإضمار، وقرينة تدل على موضع الإضمار، وقرينة تدل على نفي المضمر، والمشترك يفتقر إلى قرينة واحدة؛ فكان الإضمار أكثر إخلالا بالفهم. قلت: هذا لا ينفعكم؛ لأن الإضمار يحتاج إلى ثلاث قرائن صورة واحدة، والمشترك يحتاج غلى قرائن في صور متعددة؛ فيبقى بعضها معارضا للبعض؛ على أن الإضمار من باب الإيجاز والاختصار، وهو من محاسن الكلام؛ قال ﵊: (أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارا) وليس المشترك كذلك. المسالة الرابعة: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والتخصيص، فالتخصيص أولى ؛ لأن التخصيص خير من المجاز؛ على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. والمجاز خير من الاشتراك؛ على ما تقدم، فالتخصيص خير من الاشتراك؛ لا محالة. المسألة الخامسة: إذا وقع التعارض بين النقل والمجاز، فالمجاز أولى لأن النقل يحتاج إلى اتفاق أهل اللسان على تغيير الوضع، وذلك متعذر أو متعسر، والمجاز يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الحقيقة، وذلك متيسر؛ فكان المجاز أظهر.

стр. 877

فإن قلت: ما ذكرته معارض بشيء آخر وهو أنه إذا ثبت النقل، فهم كل أحد مراد المتكلم؛ بحكم الوضع؛ فلا يبقي خلل في الفهم. وفي المجاز إذا خرجت الحقيقة، فربما خفي وجه المجاز، أو تعدد طريقه، فيقع خلل في الفهم!! قلت: ما ذكرتموه يعارضه شيئان آخران: أحدهما: أن الحقيقة تعين على فهم المجاز؛ لأن المجاز لا يصح إلا إذا كان بين الحقيقة والمجاز اتصال، وفي صورة النقل، إذا خرج المعنى الأول لقرينة، لم يتعين اللفظ للمنقول إليه، فكان المجاز أقرب إلى الفهم من هذا الوجه. الثاني: أن في المجاز ما ذكرنا من فوائد، وليس في النقل ذلك، فكان المجاز أولى. المسألة السادسة: إذا وقع التعارض بين النقل والإضمار، فالإضمار أولى ؛ والدليل عليه ما ذكرناه في أن المجاز أولى سواء بسواء. المسألة السابعة: إذا وقع التعارض بين النقل والتخصيص، فالتخصيص أولى ؛ لأن التخصيص خير من المجاز؛ على ما سيأتي، والمجاز خير من النقل على ما تقدم، فالتخصيص خير من النقل. المسألة الثامنة: إذا وقع التعارض بين المجاز والإضمار، فهما سواء ؛ لأن واحد منهما يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الظاهر. وكما يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المضمر، كذلك يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المجاز.

стр. 878

فإن قلت: الحقيقة تعين على فهم المجاز، فكانت أولى! قلت: والحقيقة تعين على فهم الإضمار؛ أن يسقط من الكلام شيء يدل عليه الباقي. المسألة التاسعة: إذا وقع التعارض بين المجاز والتخصيص، فالتخصيص أولى ؛ لوجهين: الأول: أن في صورة التخصيص، إذا لم يقف عن القرينة، يجريه على عمومه، فيحصل مراد المتكلم، وغير مراده. الثاني: أن في صورة التخصيص: انعقد اللفظ دليلا على كل الأفراد، فإذا خرج البعض بدليل بقى معتبرا في الباقي؛ فلا يحتاج فيه إلى تأمل واستدلال واجتهاد. وفي صورة المجاز: انعقد اللفظ دليلا على الحقيقة، فإذا خرجت الحقيقة بقرينة، احتيج- في صرف اللفظ إلى المجاز- إلى نوع تأمل واستدلال؛ فكان التخصيص أبعد عن الاشتباه، فكان أولى. المسألة العاشرة: إذا وقع التعارض بين الإضمار والتخصيص، فالتخصيص أولى ؛ والدليل عليه: أن التخصيص خير من المجاز، والمجاز والإضمار سيان، فيلزم أن يكون التخصيص خيرا من الإضمار.

стр. 879

فروع: الأول: أنك ستعرف- إن شاء الله تعالى- أن النسخ تخصيص في الأزمان، فحيث رجعنا التخصيص على الاشتراك، فإنما أردنا به التخصيص في الأعيان. أما لو وقع التعارض بين الاشتراك والنسخ، فالاشتراك أولى؛ لأن النسخ يحتاط فيه ما لا يحتاط في تخصيص العام؛ ألا ترى انه يجوز تخصيص العام بخبر الواحد والقياس، ولا يجوز نسخ العام بينهما؟!! والفقه فيه أن الخطاب، بعد النسخ، يصير كالباطل، وبعد التخصيص، لا يصير كالباطل؛ فلا جرم يحتاط في النسخ ما لا يحتاط في التخصيص. الثاني: أن اللفظ، إذا دار بين التواطؤ والاشتراك، فالتواطؤ أولى؛ لأن مسمى اللفظ المتواطئ واحد، والتعدد واقع في محاله، ومسمى المشترك ليس بواحد، والإفراد أولى من الاشتراك؛ على ما تقدم به. الثالث: إذا وقع التعارض بين أن يكون مشتركا بين علمين، وبين ومعنيين- كان جعله مشتركا بين علمين أولى؛ لأن الأعلام إنما تنطلق على الأشخاص المخصوصة؛ كزيد وعمرو. وأما أسماء المعاني، فإنها تتناول المسمى في أي ذات كان، فكان احتلال الفهم يجعله مشتركا بين علمين- أقل؛ فكان أولى. الرابع: جعل اللفظ مشتركا بين علم ومعنى- أولى من جعله مشتركا بين معنيين؛ لأن الاختلال الحاصل عند الاشتراك بين العلم والمعنى- أقل مما عند الاشتراك بين المعنيين.

стр. 880

الخامس: اللفظ إذا تناول الشيء بجهة الاشتراك، وبجهة التواطؤ، كان اعتقاد أنه مستعمل بجهة التواطؤ أولى. وبيانه: أن لفظ (الأسود) يتناول القار والزنجي؛ بالتواطؤ، ويتناول القار والرجل المسمى بالأسود؛ بالاشتراك. فإذا وجد شخص أسود اللون، ومسمى بالأسود، ثم أطلق عليه لفظ الأسود، فاعتقاد أنه أطلق عليه هذا الاسم باعتبار كونه ملونا- أولى؛ لأن الإطلاق بهذا الاعتبار إطلاق بجهة التواطؤ، والإطلاق بجهة التقليب إطلاق بجهة الاشتراك، والتواطؤ أولى من الاشتراك؛ فكان ذلك أولى، والله أعلم. قال القرافي: قال: اعلم أن الخلل إنما يحصل في فهم التسامع بناء على خمسة احتمالات: الاشتراك والنقل والإضمار والمجاز والتخصيص. وأقول: هاهنا مباحث: (المبحث الأول) اعلم أن المراد بالخلل هاهنا اختلاف القطع بمراد المتكلم ؛ لأن الظن حاصل مع هذه الاحتمالات، فاحتمال المجاز لا يمنع الظن بل القطع. (المبحث الثاني) في تحديد هذه الخمسة: فالاشتراك هو: كون اللفظ موضوعا بين معنيين فأكثر وقد تقدم تحريره، وما عليه. والنقل: غلبة استعمال اللفظ في معنى حتى يصير أشهر فيه من غيره، أو جعله اسما لمعنى، بعد أن كان اسما لغيره. فالقسم الأول: هو نقل الحقيقة العرفية العامة كالدابة، أو الخاصة كالجوهر، والعرض، والشرعية كغلبة استعمال الصلاة في الأفعال المخصوصة، بناء على أن صاحب الشرع لم يسم في أصل الإطلاق.
следующие страницы →