← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

المسألة الثالثة: إذا وقع التعارض بين اشتراك والإضمار، فالإضمار أولى ؛ لأن الإجمال الحاصل بسبب الإضمار مختص ببعض الصور، والإجمال الحاصل بسبب الاشتراك عام في كل الصور، فكان الاشتراك أخل بالفهم. فإن قلت: الإضمار يفتقر إلى ثلاث قرائن: قرينة تدل على الإضمار، وقرينة تدل على موضع الإضمار، وقرينة تدل على نفي المضمر، والمشترك يفتقر إلى قرينة واحدة؛ فكان الإضمار أكثر إخلالا بالفهم. قلت: هذا لا ينفعكم؛ لأن الإضمار يحتاج إلى ثلاث قرائن صورة واحدة، والمشترك يحتاج غلى قرائن في صور متعددة؛ فيبقى بعضها معارضا للبعض؛ على أن الإضمار من باب الإيجاز والاختصار، وهو من محاسن الكلام؛ قال ﵊: (أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارا) وليس المشترك كذلك. المسالة الرابعة: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والتخصيص، فالتخصيص أولى ؛ لأن التخصيص خير من المجاز؛ على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. والمجاز خير من الاشتراك؛ على ما تقدم، فالتخصيص خير من الاشتراك؛ لا محالة. المسألة الخامسة: إذا وقع التعارض بين النقل والمجاز، فالمجاز أولى لأن النقل يحتاج إلى اتفاق أهل اللسان على تغيير الوضع، وذلك متعذر أو متعسر، والمجاز يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الحقيقة، وذلك متيسر؛ فكان المجاز أظهر.

стр. 877

فإن قلت: ما ذكرته معارض بشيء آخر وهو أنه إذا ثبت النقل، فهم كل أحد مراد المتكلم؛ بحكم الوضع؛ فلا يبقي خلل في الفهم. وفي المجاز إذا خرجت الحقيقة، فربما خفي وجه المجاز، أو تعدد طريقه، فيقع خلل في الفهم!! قلت: ما ذكرتموه يعارضه شيئان آخران: أحدهما: أن الحقيقة تعين على فهم المجاز؛ لأن المجاز لا يصح إلا إذا كان بين الحقيقة والمجاز اتصال، وفي صورة النقل، إذا خرج المعنى الأول لقرينة، لم يتعين اللفظ للمنقول إليه، فكان المجاز أقرب إلى الفهم من هذا الوجه. الثاني: أن في المجاز ما ذكرنا من فوائد، وليس في النقل ذلك، فكان المجاز أولى. المسألة السادسة: إذا وقع التعارض بين النقل والإضمار، فالإضمار أولى ؛ والدليل عليه ما ذكرناه في أن المجاز أولى سواء بسواء. المسألة السابعة: إذا وقع التعارض بين النقل والتخصيص، فالتخصيص أولى ؛ لأن التخصيص خير من المجاز؛ على ما سيأتي، والمجاز خير من النقل على ما تقدم، فالتخصيص خير من النقل. المسألة الثامنة: إذا وقع التعارض بين المجاز والإضمار، فهما سواء ؛ لأن واحد منهما يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الظاهر. وكما يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المضمر، كذلك يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المجاز.

стр. 878

فإن قلت: الحقيقة تعين على فهم المجاز، فكانت أولى! قلت: والحقيقة تعين على فهم الإضمار؛ أن يسقط من الكلام شيء يدل عليه الباقي. المسألة التاسعة: إذا وقع التعارض بين المجاز والتخصيص، فالتخصيص أولى ؛ لوجهين: الأول: أن في صورة التخصيص، إذا لم يقف عن القرينة، يجريه على عمومه، فيحصل مراد المتكلم، وغير مراده. الثاني: أن في صورة التخصيص: انعقد اللفظ دليلا على كل الأفراد، فإذا خرج البعض بدليل بقى معتبرا في الباقي؛ فلا يحتاج فيه إلى تأمل واستدلال واجتهاد. وفي صورة المجاز: انعقد اللفظ دليلا على الحقيقة، فإذا خرجت الحقيقة بقرينة، احتيج- في صرف اللفظ إلى المجاز- إلى نوع تأمل واستدلال؛ فكان التخصيص أبعد عن الاشتباه، فكان أولى. المسألة العاشرة: إذا وقع التعارض بين الإضمار والتخصيص، فالتخصيص أولى ؛ والدليل عليه: أن التخصيص خير من المجاز، والمجاز والإضمار سيان، فيلزم أن يكون التخصيص خيرا من الإضمار.

стр. 879

فروع: الأول: أنك ستعرف- إن شاء الله تعالى- أن النسخ تخصيص في الأزمان، فحيث رجعنا التخصيص على الاشتراك، فإنما أردنا به التخصيص في الأعيان. أما لو وقع التعارض بين الاشتراك والنسخ، فالاشتراك أولى؛ لأن النسخ يحتاط فيه ما لا يحتاط في تخصيص العام؛ ألا ترى انه يجوز تخصيص العام بخبر الواحد والقياس، ولا يجوز نسخ العام بينهما؟!! والفقه فيه أن الخطاب، بعد النسخ، يصير كالباطل، وبعد التخصيص، لا يصير كالباطل؛ فلا جرم يحتاط في النسخ ما لا يحتاط في التخصيص. الثاني: أن اللفظ، إذا دار بين التواطؤ والاشتراك، فالتواطؤ أولى؛ لأن مسمى اللفظ المتواطئ واحد، والتعدد واقع في محاله، ومسمى المشترك ليس بواحد، والإفراد أولى من الاشتراك؛ على ما تقدم به. الثالث: إذا وقع التعارض بين أن يكون مشتركا بين علمين، وبين ومعنيين- كان جعله مشتركا بين علمين أولى؛ لأن الأعلام إنما تنطلق على الأشخاص المخصوصة؛ كزيد وعمرو. وأما أسماء المعاني، فإنها تتناول المسمى في أي ذات كان، فكان احتلال الفهم يجعله مشتركا بين علمين- أقل؛ فكان أولى. الرابع: جعل اللفظ مشتركا بين علم ومعنى- أولى من جعله مشتركا بين معنيين؛ لأن الاختلال الحاصل عند الاشتراك بين العلم والمعنى- أقل مما عند الاشتراك بين المعنيين.

стр. 880

الخامس: اللفظ إذا تناول الشيء بجهة الاشتراك، وبجهة التواطؤ، كان اعتقاد أنه مستعمل بجهة التواطؤ أولى. وبيانه: أن لفظ (الأسود) يتناول القار والزنجي؛ بالتواطؤ، ويتناول القار والرجل المسمى بالأسود؛ بالاشتراك. فإذا وجد شخص أسود اللون، ومسمى بالأسود، ثم أطلق عليه لفظ الأسود، فاعتقاد أنه أطلق عليه هذا الاسم باعتبار كونه ملونا- أولى؛ لأن الإطلاق بهذا الاعتبار إطلاق بجهة التواطؤ، والإطلاق بجهة التقليب إطلاق بجهة الاشتراك، والتواطؤ أولى من الاشتراك؛ فكان ذلك أولى، والله أعلم. قال القرافي: قال: اعلم أن الخلل إنما يحصل في فهم التسامع بناء على خمسة احتمالات: الاشتراك والنقل والإضمار والمجاز والتخصيص. وأقول: هاهنا مباحث: (المبحث الأول) اعلم أن المراد بالخلل هاهنا اختلاف القطع بمراد المتكلم ؛ لأن الظن حاصل مع هذه الاحتمالات، فاحتمال المجاز لا يمنع الظن بل القطع. (المبحث الثاني) في تحديد هذه الخمسة: فالاشتراك هو: كون اللفظ موضوعا بين معنيين فأكثر وقد تقدم تحريره، وما عليه. والنقل: غلبة استعمال اللفظ في معنى حتى يصير أشهر فيه من غيره، أو جعله اسما لمعنى، بعد أن كان اسما لغيره. فالقسم الأول: هو نقل الحقيقة العرفية العامة كالدابة، أو الخاصة كالجوهر، والعرض، والشرعية كغلبة استعمال الصلاة في الأفعال المخصوصة، بناء على أن صاحب الشرع لم يسم في أصل الإطلاق.

стр. 881

والقسم الثاني: هو كتسمية الولد جعفرا، فإنه نقل بالجعل لا بغلبة الاستعمال، وقد نقدم في الحقيقة العرفية أن النقل قد يكون في أسماء الأجناس، وغيرها. والإضمار المراد به هاهنا: إسرار كلمة فأكثر، أو جملة فأكثر على حسب ما يقتضيه حال ذلك الكلام والمجاز: حده تقدم قريبا. والتخصيص هو: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ العام، أو ما يقوم مقامه قبل تقرر حكمه. فقولنا: أو ما يقوم مقامه ليدخل تخصيص المفهومات؛ لأنها تقوم مقام العموم في شمول الحكم، كقوله ﵇: (إنما الماء من الماء). مفهومة: أن ما ليس بإنزال لا يجب منه غسل، فإذا ورد قوله ﵇: (إذا التقا الختانان فقد وجب الغسل)، أخرج التقاء الختانين من ذلك المفهوم.

стр. 882

وقولنا: قبل تقرير حكمه احترازا من إخراج بعضه بعد تقرر حكمه، فإنه يكون تعميما لا تخصيصا. (المبحث الثالث) في حصر هذه الاحتمالات المخلة في هذه الخمسة . قال في دليل الحصر: (إذا انتفى احتمال الاشتراك والنقل بقى اللفظ موضوعا لمعنى واحد). يعنى: أن المسمى إنما يتعدد بهذين الطريقتين فقط؛ لأن المسمى إذا تعدد فإما أن يجتمعا معا في زمان واحد وهو الاشتراك، أو لا وهو النقل، فإن زمان كون اللفظ موضوعا للمنقول إليه هو بعد زمان كونه للمنقول عنه، وأعنى بكونه منقولا عنه: أنه يكون يتبادر الذهن إليه؛ فإنه بعد النقل لا يتبادر إلى الذهن، بل المنقول إليه، وإن كان خرج عن كونه مسماه، وقد يستعمل فيه اللفظ على وجه الندرة، ما أن الصلاة نقلت للأفعال المخصوصة عن الدعاء، ومع ذلك فمتى قلنا: (اللهم صل على محمد) إنما يريد الدعاء. قال: (وإذا انتفى احتمال الإضمار يبقى اللفظ مستعملا في ما وضع له). كلامه هذا يشعر بأن أحدهما متى وجد كان الكلام مجازا، وليس كذلك، فإن الإضمار أربعة أقسام: قسم يتقاضاه اللفظ، ومعناه لعدم صلاحية الإسناد المنطوق به للمعنى المراد كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [سورة يوسف: ٨٢]، فإن المعنى المراد

стр. 883

يتقاضى إضمار الأهل، فإن إسناد السؤال إلى القرية لا يفيد مقصود القائل لهذا اللفظ، ويكون الإسناد في التركيب. وقسم لا يكون اللفظ بدونه مجازا في التركيب، وتتقاضاه الأحكام الشرعية، نحو قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [سورة البقرة: ١٨٤]، فيضمر فأفطرتم، وكقوله تعالى: ﴿إذا فمتم إلى الصلاة فاغتسلوا﴾ [المائدة: ٦]، يضمر محدثين. وقسم تتقاضاه العادة دون الشرع كقوله تعالى: ﴿أن اضرب بعضاك البحر فانفلق﴾ [الشعراء: ٦٣]، تقتضى العادة أنه ما انفلق بمجرد هذا القول، بل لابد من سبب آخر، فيضمر فضرب فانفلق. وكذلك قوله تعالى: ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون، فلما جاء سليمان﴾ [النمل: ٣٥]، تقديره: (فأرسلت). وقسم يدل عليه دليل غير شرع ولا عادة، كقوله تعالى: ﴿فقبضت قبضة من اثر الرسول﴾ [طه: ٩٦]، دل الدليل المسمى على أنه إنما قبض من أثر حافر فرس الرسول، فيضمر ذلك، وليس فيه إضمار يوجب المجاز إلا القسم الأول، وهو مجاز في التركيب لا في الإفراد، فعلمنا حينئذ أن المجاز لا يترتب على الإضمار كله مع المجاز قطعا لا ينفى مجازا، وإنما السؤال على مفهوم كلامه، وهو مفهوم الشرط قوى في نوع المفهومات، وهو أقوى من مفهوم الصفة. (سؤال) قوله: (إذا انتفى المجاز والإضمار كان المراد باللفظ ما وضع له) - يقتضى أنه إذا كان الإضمار لا يكون المراد باللفظ ما وضع له، فيكون مجازا على حده للمجاز، فيلزم أن يكون المجاز المركب لغويا، وهو لم يثبته حيث قال:

стр. 884

(المجاز المركب عقلي)، ثم قوله: (ما وضع له)، ظاهر في العموم، فلا تبقى فائدة من إخراج التخصيص فيما وضع له وصيغته لا تقتضى عموما. فإن قولنا: زيد في البلد، لا يقتضى انه في جملتها. (سؤال) دليل الحصر إنما يكون بالتردد بين النفي والإثبات ، وهذا تردد بين الثوابت، فلا يفي حصرا، ثم إن هذا الحصر في الخمسة غير صحيح قطعا، فإنها احتمالات مخلة بالقطع كما تقدم، وهو قد قال بعد هذا: الألفاظ لا تفيد اليقين إلا بعشرة شروط، فذكر هذه الخمسة، وذكر معها نقل اللغة، والنحو، والتصريف، والتقديم والتأخير، والنسخ، والمعارض العقلي، فاحتمال كل واحد من هذه الخمسة الآخر مخل باليقين، ومع ذلك فلم يحصل الحصر فيها؛ غايته إنما علمنا أن هذه مخلة أما انه لا مخل غيرها فلم نعلمه. (سؤال) ذكره لهذه الخمسة إما أن يريد مفهوماتها الكلية أو أنواعها الجزئية ، فإن اقتصر على الأول يلزم أن تكون ثلاثة؛ فقط لاندراج الإضمار والتخصيص تحت مفهوم المجاز، وإن أراد الأنواع، فأنواع المجاز كما تقدم اثنا عشر، وهى غير محصورة، وأنواع النقل ثلاثة، فهذه خمسة عشر في اثنين منها فقط، فلا حصر في الخمسة على كل تقدير، وإما لأنها أقل. قوله في الاعتذار عن الاقتضاء: إنه إثبات شرط يتوقف عليه وجود المذكور، ولا يتوقف عليه صحة اللفظ.

стр. 885

وتقدم أن دلالة الاقتضاء هي من باب دلالة الالتزام على ما يتوقف عليه التصديق، ودلالة الالتزام لا توجل خللا في أن الملزوم مراد باللفظ، بل ضم إليه غيره فقط، وكلامه في هذا المقام إنما هو فيما يوجب خللا في أن الظاهر مراد أم لا؟ (المسألة الأولى: في التعارض بين الاشتراك والنقل) اعلم أن هذه المسائل العشرة لها ثلاثة ضوابط إذا استحضرها الطالب كفته مؤنتها، فضابط الاشتراك مع الأربعة الأخرى كونه مجملا حالة عدم القرينة، وكلها لا تكون مجملة في حالة، بل إن وجدت القرينة أتبعت، وإلا حمل على الحقيقة الأولى من غير نقل، وعدم الإضمار، والعموم من غير تخصيص، فهذه أربعة مسائل. وضابط النقل مع الثلاثة الأخرى: أن النقل أكثر مقدمات، والثلاثة تكفى فيها القرينة، فترجع على النقل، فهذه ثلاثة مع الأربعة المتقدمة، صارت سبعة، وضابط التخصيص مع المجاز والإضمار- أنه مستعمل في بعض الحقيقة، وهما اجتياز عن الحقيقة، فيكون أرجح منها، فهذه تسع مسائل هي الإضمار والمجاز هما عنده متساويان، فلا يحتاج لترجيح بينهما مع أنه في (المعالم) رجع المجاز على الإضمار بالكثرة، فتصير الضوابط على ما قاله في (المعالم) أربعة. قوله: (الاشتراك لا يقتضى نسخ وضع سابق بخلاف النقل والاشتراك، فيقدم على النسخ). قلنا: النسخ الذي قدمنا الاشتراك عليه وهو رفع الحكم الشرعي، لكونه يحتاط فيه احتياطا شديدا لما فيه من رفع الشرائع المقررة، وأما نسخ الوضع، فهذا ليس من النسخ في الاصطلاح، إنما هو نسخ لغوى ليس فيه تلك العناية، فيقدم الاشتراك عليه.

стр. 886

قوله: (الاشتراك ما أنكره أحد معتبر، والنقل أنكره كثير من المحققين). قلنا: الذي أنكره القاضي إنما هو نقل صاحب الشرع في الأسماء الشرعية، والنقل قد يكون بغلبة استعمال حملة الشريعة، وغلبه استعمال أهل العرف العام أو الخاص، وهذا النقل لم ينكره أحد، فلا يتم مطلوبكم في الترجيح. قوله: (إذا فقدت القرينة في الاشتراك توقف فلا يخطئ وفى النقل ربما جهل النقل، فحمل على الأول فيخطئ). قلنا: احتمال جهله بالنفل كاحتمال جهله بالقرينة المعينة لهذا الفرد، فقد يظن أنها تعين الآخر فيخطئ، فاحتمالات الجهالات عقلا متنوعة، وقائمة في جميع ذلك، فإن بيننا على الظاهر أنه يعلم القرينة، فيحملها على غير محملها، فاستوى الأمران فتساقطا، فيرجع ألى دليلنا السالم عن المعارض٠ قوله: (الاشتراك يكفى فيه واضع واحد بخلاف النقل). قلنا: هذا ترجيح حسن، ولكن مفسدة الإجمال عند عدم القرينة أتم وأنكى في الوجود على المتكلم بتعطيل مصلحته، وعلى السامع بتألمه بالجهالة، فيكون النقل أرجح. قوله: (السامع قد يسمع اللفظ المنقول يستعمل في المعنيين فيظنه مشتركا، فتحصل مفاسد الاشتراك، مضافة لمفاسد النقل فيكون الاشتراك أولى). قلنا: هذا الاحتمال مرجوح، بل اللفظ المنتقل للغالب من أهل زمانه، ومكانه، أعنى مصره وعصره اشتهار ذلك بينهم، فلا يعتقد الاشتراك، والاستقراء دل على ذلك، فإنا نجد كل لفظ نقل في العرف يصير في المعنى الأول في أذهان أهل ذلك المصر مرجوحا، فلا يحصل الاشتراك.

стр. 887

قوله: (الاشتراك أكثر فلو كان أكثر مفسدة لكان الواضع جعله أقل) قلنا: إنما جاء من أهل العرف بعد الوضع الأول، والمنقول ليس من الوضع الأول أصلا حتى يقال: لم لا يرجحه، ويجعله أكثر ثم إن هذه المشتركات التي يقولون: إنها أكثر إنما جاء أكثرها بطريق النقل، فإن النقل أصله أن يكون مجازا مرجوحا إذا ترجح وصل إلى التساوي، ثم ينتقل إلى الرجحان بعد ذلك فيصير منقولا، ومجازا راجحا، وربما لم تنهض داعية المستعملين بكثرة استعماله بعد أن صار مساويا، فيبقى مساويا للحقيقة الأولى، وضابطنا في الاشتراك التساوي عند السماع، وتردد الذهن على السواء، فنعتقده إذا سمعناه مشتركا، وإنما هو منقول لم ينتهض إلى درجة النقل الصريح، فالكثرة إنما جاءت من قبل النقل، فبطل ترجيحكم. قوله: (النقل لابد أن يصير إلى حد التواتر فتندفع هذه المفاسد). قلنا: هذا إذا وقع، والبحث في هذه المسألة ليس في نقل وقع، ولا في شيء من الخمسة وقع، بل في احتمالاتها فقط، والاحتمال ليس من لوازمه وقوع ولا تواتر، وإنما النظر لهذه الأمور باعتبارها ذواتها، ولوازمها، وكثرة مقدماتها أن لو فرضت واقعة، لا باعتبار وقوعها، فكل حقيقة كانت في ذاتها راجحة، فهي راجحة وقعت أم لا، بل لو وقعت لم يحصل نزاع ولا تعارض، بل يتعين الواقع في ذلك اللفظ، فهذا ليس بمتجه. (تنبيه) زاد التبريزى فقال: أخل من الاحتمالات بأربعة:

стр. 888

الزيادة: كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. والتقديم والتأخير كقوله تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه، ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١]. معناه: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه، وكقوله تعالى: ﴿مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة﴾ [عبس: ١٣ - ١٤]. والقلب كقولهم: (أدخلت الخف في رجلي)، (والرجل هي التي تدخل في الخف)، وعرضت الناقة على الحوض. وتعارض مرجع الضمير، وأسماء الإشارة، كقولنا: كلما علمه الحكيم فهو كما علمه، وقد يعد هذا من باب الاشتراك اللفظي، وليس هو منه، والفرق بينهما لطيف. ووجه الحصر فيما ذكرناه: أنه إذا انتفت الزيادة والنقصان، وهو الإضمار استقلت ألفاظ القول بالإفادة، وإذا انتفى التقديم، والتأخير، والقلب طابق التركيب المفهوم من المفردات، وإذا انتفى المجاز تعين محل الحقيقة، وإذا انتفى التصرف الشرعي، والعرفي اتحدت جهة الحقيقة، وإذا انتفى الاشتراك اتحد المحمل، وإذا انتفى التخصيص انطبق المراد على ظاهر مفهومه عينا، فانتفى الخلل مطلقا. قلت: وقيل: ﴿فتول عنهم﴾ [القمر: ٦] مستمرا من حيث لا يرونك، فانظر ماذا يرجعون إليك الجواب؟ وقوله: (فهو كما علمه) إن أعدناه على الحكيم يلزم تشبيهه بعلمه، وهولا يشبه علمه، وإن أعدناه على (معلومه) يكون معناه: فهو كما هو في نفس الأمر.

стр. 889

وقوله: (والفرق بينهما لطيف) يعنى أن الغزالي عده من الاشتراك اللفظي، والفرق أن الاشتراك اللفظي له معنيان: أحدهما: وضع اللفظ لمعنيين كالقرء. والثاني: تردد بين معنيين من حيث التركيب لا من حيث الوضع، فسمى إشتراكا لفظيا لاشتراك معنيين في طلب ذلك المتردد بينهما، وذكر غير التبريزى من الاحتمالات المخلة اشتباه الوقف، والابتداء، كقوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: ٧]، وكقوله تعالى:﴾ وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم﴾ [الأنعام: ٣]، فالوقف عند قوله: (الله)، والابتداء بقوله تعالى: ﴿في السموات والأرض﴾، أي يعلم سركم وجهركم في السموات والأرض، ومن التقديم والتأخير قوله تعالى: ﴿والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥]، أي: أحوى غثاء، لأن الأحوى: الشديد الخضرة، والغثاء: ما يحمله السيل، ثم يسود من الماء والشمس. وأصل الحوة: السواد، ويسمى الأخضر الشديد أحوى لمقاربة السواد. وكقوله تعالى: ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١]، أي: اثنين إلهين، ومن الاحتمالات اشتباه الإعراب، كقوله ﵇: (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، روى (زكاة أمه) بالرفع فلا يحتاج إلى ذكاة، وبالنصب فيحتاج، وفيه بحث مذكور في الخلافيات.

стр. 890

ثم قال التبريزي: وأرجع هذه الاحتمالات التخصيص ثم المجاز فإنه اقل؛ وفيه ترك العمل بالحقيقة مطلقا، ثم الإضمار لأنه اعتماد على مجرد القرينة دون اللفظ، ثم الزيادة فإنها إهمال للفظ الموضوع عن الفائدة، ثم التصرف العرفي، والشرعي لأنه نسخ للحقيقة الوضعية، ثم الاشتراك أبعد المراتب، لأنه لا فائدة فيه عند عدم القرينة، ولم يزد التريزي في المسائل العشرة على هذه الكلمات. وزاد سراج الدين فقال على جوابه على النقل ولقائل أن يقول: اشتهار النقل كيف يزيل نسخ الوضع الأول، ويوقفه على وضع أخر، وقلة وجوده؟ سلمناه لكن التواتر لا يحصل إلا متدرجا، والمفاسد قائمة قبله، ولأنهما إنما يتعارضان في لفظ لا يعلم كونه منقولا ولا مشتركا، نعم لو تعارض لفظ منقول مع أخر مشترك في اثنين مثلا، كان المنقول أولى، لاقتضاء النقل إرادة معين دون الاشتراك، ولا يرد عليه شيء من تلك الوجوه. مثال المسألة: يقول الحنفي: يجوز للمرأة الرشيدة مباشرة العقد في النكاح على نفسها لقوله تعالى: ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾ [البقرة: ٢٣٢].

стр. 891

ولقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فقد سلطها على العقد، فوجب ألا يحجر عليها بقول الشافعي أو المالكي، النكاح لفظ مشترك بين التداخل كقولهم: نكحت الحصاة خف البعير، وبين الأسباب الموصلة إليه كقولهم: نكح فلان عند بنى فلان، ويريدون بذلك السبب المبيح في عوائدهم، ولذلك كانوا يفرقون بين البغايا وغيرهن، وإذا كان مشتركا سقط الاستدلال به، حتى يبين المستدل الرجحان، يقول المستدل: بل هو منقول في عرف الشرع للعقد، ولم يكن مشتركا، ولذلك قال العلماء: كل نكاح في كتاب الله تعالى، فالمراد به العقد إلا قوله تعالى ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة ٢٣٠]، والنقل أولى من الاشتراك لما تقرر في علم الأصول. (المسألة الثانية) إذا وقع التعارض بين الاشتراك والمجاز، فالمجاز أولى . قوله: (إذا خفيت القرينة الدالة على المجاز جهل مراد المتكلم، وأعتقد ما ليس بمراد مرادا. قلنا: الغالب ظهور القرينة، لأن البيان الكافي لابد من جهة المتكلم، وحينئذ يبقى الترجيح للنقل بعد الإجمال، والكثرة، والدائر بين الحقيقة والمجاز إنما يحوج للقرينة إذا أريد المجاز. أما إذا أريدت الحقيقة فلا، والمشترك محوج للقرينة في كلا معنييه. قوله: (الاشتراك يحصل بوضع واحد، والمجاز يحتاج الوضع، والعلاقة، وغير ذلك، فالاشتراك أقل توقف. قلنا: الاشتراك أيضا قد تقدم أن سببه الأكثرى إنما هو وضع قبيلتين، فاحتاج لوضعين ووضعين وقرينة في كل مسمى له عند الاستعمال.

стр. 892

أما المجاز فوض واحد، وقرينة واحدة عند إرادة المجاز، وإن سلمنا أن الاشتراك يكون من واضع واحد، فلابد له أيضا من أن يضعه، ثم يضعه حتى يحصل على الاشتراك، فالوضع الواحد غير كافي. قوله: (إذا تعذر أحد المسمى المشترك في تعيين الآخر، بخلاف المجاز لا يتعين عند إرادة الحقيقة). قلنا: قد يكون الاشتراك بين أشياء، فيبقى مجملا بين الباقي، وهو الغالب وقوع الاشتراك في المشتركات بين أكثر من واحد، ثم الحقيقة قد تنحصر جهات المجاز فيها بتعذر العلاقة في غيره، فيصير احتمال انحصار الاشتراك في شيئين كاحتمال انحصار المجاز في واحد، فلا ترجيح، ويبقى ما تسلم لنا سالما عن المعارض. قوله: (دلالة اللفظ في أحد المفهومين حقيقة، والحقيقة مقدمة على المجاز). قلنا: إذا كانت مفردة، وأما مع التعدد فلا. قوله: (الحمل على المجاز لا يقتضى نسخ الحقيقة). قلنا: نسخها معناه: عدم الفهم أنها مرادة، وهذا في المشترك هو في المعنيين، ولا نفهم المراد منها ألبتة. قوله: (البحث عن القرينة في الاشتراك أكثر). قلنا: كثرة البحث مقدمات رائدة توجب مرجوحية الاشتراك. قوله: (المجاز يحوج إلى قرينة قوية، لأن الحقيقة متأصلة). قلنا: قوتها معارض بأن أفراد المشترك يحوج كل واحد منها إلى قرينة، فالقوة معارضة بالكثرة، بل القوة اخف ظاهراً.

стр. 893

قوله: (الوجوه كلها معارضة بفوائد المجاز). قلنا: هذا ضعيف؛ لأن تلك الوجوه كثيرة- التي ذكرها الخصم- ووجوه المجاز لا يجتمع فيها، بل واحد منها كاف في المجاز، وأدلة الخصم كلها تجتمع فترجح ما قاله. مثال هذه المسالة: يقول المالكي: بيع الغائب على الصفة جائز لقوله تعالى: ﴿واحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهو عام يتناول صورة النزاع، فيحل عملا بالعموم. يقول الشافعي: هذه الصيغة وردت للعموم تارة، وللخصوص أخرى، والأصل في الاستعمال، فتكون مشتركة، وهو مذهب جماعة في هذه الصيغة، وإذا كانت مشتركة كانت مجملة فيسقط الاستدلال. يقول المالكي: جعلها مجازا في الخصوص أولى من الاشتراك لما تقرر في على الأصول (تنبيه) اعلم أني لم أجد هذه المسائل العشرة في شيء من كتب الأصول التي رأيتها إلا في (المحصول)، ومختصراته ، مع أنى استحضرت لهذا الشرح نيفا وثلاثين تصنيفا، و (الإحكام) مع بسطه، وكثرة حجمه، لم يذكر منها إلا مسألة واحدة في (الأوامر) وهى: الاشتراك والمجاز، ورجح الاشتراك على المجاز من عشرة أوجه: الأول: أن المشترك حقيقة في الكل فيطرد، بخلاف المجاز. الثاني: يصح منه الاشتقاق لكونه حقيقة بخلاف المجاز، فكان أكثر فائدة. الثالث: أن يصبح التجوز عنه لكونه حقيقة، فكان أكثر فائدة. الرابع: يكفي فيه ادني قرينة، بخلاف المجاز.

стр. 894

الخامس: لا يفتقر للعلاقة، بخلاف المجاز. السادس: أنه غير متوقف على فهم غيره، والمجاز يتوقف على فهم الحقيقة المتجوز عنها حتى يحصل معنى المبالغة في التجوز. السابع: انه مستغن عن تصرف من قبلنا. الثامن: لا يلزم منه مخالفة ظاهر، والمجاز يخالف ظاهر الحقيقة. التاسع: انه غير تابع والمجاز تابع للحقيقة. العاشر: أنه عند عدم القرينة لا يخطئ فيه السامع، وفي المجاز يحمله على الحقيقة، فيخطئ، وقد عرفت وجه البحث في هذه الوجوه مما تقدم. (المسألة الثالثة: التعارض بين الاشتراك والإضمار) قوله: (الإجمال الحاصل بسبب الإضمار خاص ببعض الصور، ويسبب الاشتراك العام. تقريره: أن كل لفظ نسمعه من لسان العرب، لو جوزنا قيه أن يكون مشتركا، ولم يكن ذلك مخلا بكونه عربيا، واحتمال الاشتراك العام. وإما الإضمار فلا تجيزه العرب إلا حيث دل عليه دليل، فلو فرضنا في محل ليس فيه دليل إضمارا، أخرجه ذلك عن نمط كلام العرب، فصار إجماله خاصا ببعض الصور، فإنه لا يجوز أن يقول: قامت هند، ومراده غلامها. قوله: (الإضمار يفتقر إلى ثلاث قرائن). تقريره: أنا إذا سمعنا قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]. فنقول: يتعذر إجراء الكلام على ظاهره، فقرينة التعذر هي الدالة على أصل

стр. 895

الإضمار فنقول: ذلك المضمر هل هو جبال القرية؟ أو شجرها؟ فنقول: مناسبة السؤال تقتضى أن يكون المضمر يصلح للإجابة، وقيام الحجة، فنضمر الأهل، فقرينة هذه المناسبة الخاصة هي المعينة لنوع الضمير، ثم نقول: أين نضمره قبل الكلام أَهل اسأل القرية؟ أو بعده اسأل القرية أَهل؟ أو بين الكلمتين اسأل أَهل القرية؟ فنقول: مناسبة النظم تقتضى بينهم، فهذه هي القرينة الثالثة الدال على المحل. قوله: (الإضمار يفتقر إلى ثلاث قرائن في صورة واحدة، والاشتراك يفتقر إلى قرائن في صور متعددة). قلنا: (في صورة واحدة) غير متجه، فإنه إن أراد أن الإضمار لا يقع إلا في صورة واحدة فباطل بالضرورة، وإن أراد أنه يقع في صور كثيرة لكن الصورة الواحدة منه تحتاج لثلاث قرائن، فالذي يقابل الصورة الواحدة من الإضمار الصورة الواحدة من الاشتراك، فتبقى ثلاث قرائن قبالة واحدة، فلا يتجه. قوله: (لأن كل صورة معارضة بصورة، والمجموع بالمجموع). هذا هو المتجه، أما مقابلة الفرد من الإضمار بجملة أفراد من الاشتراك فتحكم، فكان المتجه أن يقول: صور الإضمار ليست شاملة لجميع الألفاظ لما تقدم، فقرائن إضمار كثيرة، وصور قليلة، وقرائن الاشتراك قليلة وصور كثيرة فيحصل التعارض. مثال هذه المسألة: يقول الشافعي: يجوز الاقتصار على مسح بعض الرأس في الموضوع لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦]، وجه التمسك: أن) الباء (مشتركة في الإلصاق في الفعل القاصر نحو: مررت بزيد، وبين التبعيض في الفعل المعتدى.

стр. 896

ولو قال في الآية: (وامسحوا رءوسكم) لصح. يقول المالكي: هاهنا مضمر، تقديره: 'وامسحوا أيديكم برءوسكم'، فالمفعول الأول المنصوب محذوف، وهو الممسوح، والرءوس ممسوح بها، والفعل لا يتعدى للمسوح به إلا 'بالباء'، فلا تكون 'الباء' مشتركة لما ذكرناه من الإضمار، والإضمار أولى من الاشتراك لما تقرر في علم الأصول. (المسألة الرابعة: في تعارض الاشتراك والتخصيص) مثالها: يقول المالكي: يجوز للعبد أن يتزوج أربعا لقوله تعالى: (فنكحوا ما طاب لكم من النساء)﴾ النساء: ٣ ﴿، والطيب ميل النفس، وقد مالت نفسه إلى الثالثة والرابعة، فوجب أن تحلا معا. يقول الشافعي: لو كان المراد بالطيب ميل النفس لزم التخصيص، فإن زوجة الغير قد تميل إليها نفسه مع أنها محرمة، بل المراد بالطيب هاهنا الحلال، كقوله ﵇ (من تصدق بكسب طيب) (ولا يقبل الله إلا طيبا)، صونا للكلام من التخصيص. يقول المالكي: الطيب حقيقة فيما ذكرناه، لأنه المتبادر للفهم، فلو كان حقيقة في غيره لزم الاشتراك، والتخصيص أولى من الاشتراك لما تقرر في علم الأصول. (المسألة الخامسة: في تعارض النقل والمجاز) مثالها: يقول المالكي: يجزى رمضان كله بنية واحدة من أوله لأخره لقوله ﵇ (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)، وجه التمسك به: أن الصيام منقول عن أصل الإمساك المخصوص الشرعي، والمعرف بالألف واللام يفيد العموم، واستغراق الصوم إلى الأبد، ورمضان من جملة ذلك، فيكون مفهوم ذلك: أن من بيت كان له الصوم، وهذا قد ثبت.

стр. 897

يقول الشافعي: لا نسلم انه منقول، بل مجاز في إمساك جزء من الليل قبل الفجر، ويكون من مجاز التعبير بالأعم من الأخص، فإن الشرع لم يصرح بتبييت النية، وإنما صرح بتبييت الصوم، وما ذكرنا مجمل صالح له والمجاز أولى من النقل لما تقرر في على الأصول. (المسألة السادسة: في انقل والإضمار) مثالها: يقول المالكي: لا يجوز إخراج الزكاة قبل الحول لقوله ﵇: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول). والزكاة منقولة في عرف الشرع إلى الزكاة الشرعية، وإذا نفى الشرع الزكاة الشرعية، وجب ألا تجزيء عنه قبل الحول؛ لن ما ليس بمشروع، لا يبرى الذمة من الواجب. يقول الشافعي: لم لا يجوز حمل الزكاة هاهنا على التطهير؟ ومنه قوله

стр. 898

تعالى: ﴿أقتلت نفسا زكية بغير نفس﴾ [الكهف: ٧٤]، ويكون في الكلام إضمار. تقديره: لا وجوب بطهر مال حتى يحول عليه الحول، ونحن نقول: الوجوب لا يتحقق إلا بعد الحول، والإضمار أولى من النقل لما تقرر في علم الأصول. (المسألة السابعة: النقل والتخصيص) مثالها: يقول المالكي: يلوم الظهار من الأمة وأم الولد، لقوله تعالى ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ [المجادلة: ٣]، وهما من جملة النساء. يقول الشافعي: لفظ النساء صار منقولا في العرف للحرائر، فوجب ألا يتناول محل النزاع، ولو لم يكن منقولا للزم أن يكون مخصصا بذوات المحارم، فإنهن من نسائهم، ولا يلزم الظهار منهن. يقول المالكي: إذا تعارض النقل، والتخصيص، فالتخصيص أولى لما تقرر في علم الأصول. (المسألة الثامنة: المجاز والإضمار) قوله: هما سواء، هو خلاف قوله في) المعالم (قال: المجاز أولى، لأنه أكثر، والكثرة تدل على الرجحان. قوله: (الحقيقة تعين على فهم الإضمار؛ لأنه يسقط من الكلام شيئا يدل على الباقي). قلنا: قد تقدم أن الإضمار أربعة أقسام:

стр. 899

أحدها هذا، وهو الذي يوجب مجازا في التركيب، والثلاثة الباقية ليست كذلك كما تقدم بيانه. مثالها: يقول المستدل: المرفقان لا يجب غسلهما، لقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [النساء: ٤٣]، والحد لا يدخل في المحدود، يقول السائل: يلزم أن يكون إطلاق لفظ اليد هاهنا مجازا أريد به البعض، لأنه يجب ثبوت المغيا قبل الغاية، ويتكرر إلى الغاية، وجملة اليد لم تثبت قبل المرفق، بل هاهنا إضمار تقديره: اتركوا من أباطكم إلى المرافق، فيبقى المرفق في المغسول، فيقول المستدل: المجاز أولى من الإضمار لما تقرر في علم الأصول. (المسألة التاسعة: المجاز والتخصيص) مثالها: يقول الشافعي: العمرة فرض لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [الحج: ١٩٦]، والمر للوجوب. يقول المالكي: يخصص النص بالحج والعمرة المشروع فيهما؛ لأن استعمال الإتمام في الابتداء مجاز. قال: (والتخصيص أولى من المجاز، لما تقرر في علم الأصول). (المسألة العاشرة: الإضمار والتخصيص) يقول المالكي: إذا أسلم المرتد لا يقضي الصلاة لقوله ﵇ (الإسلام يجب ما قبله).

стр. 900

يقول الشافعي: هذا مخصوص بالديون والودائع إجماعا، والتخصيص على خلاف الأصل، فيتعين أن يكون في الكلام إضمار صونا له عن التخصيص، تقديره: يجب إثم ما قبله، وكون الصلاة في الذمة ليس إثما، فلا تسقط. يقول المالكي: التخصيص أولى من الإضمار لما تقرر في علم الأصول. (فروع) الأول: تعارض النسخ والاشتراك قوله: (يجوز تخصيص العام بخبر الواحد، والقياس، ولا يجوز نسخ العام بهما). يريد العام المتواتر، لأنا نشترط في الناسخ أن يكون مساويا أو أقوى، فلو كان آحادا صح التساوي. قوله: (والفقه فيه أن الخطاب بعد النسخ يصير كالباطل، وبعد التخصيص لا يصير كالباطل). قلنا: هذا متجه من النسخ قبل العمل البتة، كنسخ ذبح إسحاق ﵇، أما غالب النسخ كوقوف الواحد للعشرة، فلما نسخ بعد مدة تبين أن غير تلك الندة لم ترد، وأن المراد تلك المدة فقط، فما بطل شيء كان مرادا، فبطلن الإرادة فيه، بل بين الناسخ أن الزمان المستقبل لم يكن مردا، وإلا لزمت المحالات التي لزمت القاضي في كتاب النسخ من انقلاب العلم والخبر، فحينئذ الذي أريد باللفظ لم يبطل، فهو كالتخصيص سواء. وقوله: كالباطل إن أراد في الذي كان مرادا معناه، وإن أراد في أزمنة لم تكن مراده، فهذه الأزمان في النسخ كالأفراد في التخصيص، لم يتصف القسمان بالإرادة قط، ولم يزالا باطلين، غير مقصودين، فبطل هذا الفقه

стр. 901

الذي قاله، غايته أن المحكوم عليه بالإرادة في الزمن الماضي، بين الناسخ أنه لم يرد في المستقبل فورد الإبطال على ما كان موصوفا بالإرادة باعتبار الماضي، والمخرج بالتخصيص لم يكن قط موصوفا بالإرادة، وفى النسخ أتصف بها، ولكن في زمان غير الزمان الذي قال الناسخ هو غير مراد فيه، فما صار النص باطلا مطلقا، بل في بعض وجوهه كالتخصيص، وإنما يتجه في النسخ قبل الفعل، لكن الحكم العام يحتاج إلى فرق عام وهذا الخاص. قال سراج الدين: ما ذكره في النسخ من أنه يصير اللفظ كالباطل، لا يقتضي ترجيح الاشتراك عليه، بل ينبغي له أن يبين أن مفاسد الاشتراك أقل من مفاسد النسخ، يعنى لأن جهة العملية اشتراك وإجمال، والتواطؤ لا إجمال فيه، واستعمال اللفظ من جهة لا إجمال فيها أولي. * * * تم الجزء الثاني بحمد الله ويليه الجزء الثالث إن شاء الله وأوله الباب الثامن

стр. 902

نفائس الأصول في شرح المحصول تأليف الإمام الفقيه شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبدالرحمن صنهاجي المصري المشهور بالقرافي المتوفى سنة ٦٨٤ هـ

стр. 903

الباب الثامن في تفسير حروف تشتد الحاجة في الفقه إلى معرفة معانيها وفيه مسائل المسألة الأولى: في أن الواو العاطفة لمطلق الجمع: قال أبو علي الفارسي: ((أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق)). وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه: أنها للجمع المطلق، وقال بعضهم: إنها للترتيب: الأول: أن (الواو) قد تستعمل فيما يمتنع حصول الترتيب فيه؛ كقولهم: تقاتل زيد وعمرو، ولو قيل تقاتل زيد فعمرو، أو تقاتل زيد ثم عمرو، لم يصح.

стр. 904

والأصل في الكلام الحقيقة؛ فوجب أن يكون حقيقة في غير الترتيب، فوجب ألا يكون حقيقة في التريب؛ دفعا للاشتراك. الثاني: لو اقتضت (الواو) الترتيب، لكان قوله: (رأيت زيدا وعمرا بعده) تكريرا، ولكان قوله: (رأيت زيدا وعمرا قبله) متناقضا، ولما لم يكن كذلك بالإجماع، صح قولنا. فإن قلت: يجوز أن يكون الشيء بإطلاقه لا يفيد حكما، ثم إذا أضيف إليه شيء آخر، تغير عما كان عليه، قوله: (زيد في الدار) يفيد الجزم، فإذا أدخلت عليه الهمزة، فقيل: (أزيد في الدار؟) صار للاستخبار، وبطل معنى الجزم. قلت: حاصل هذا السؤال يرجع إلى أن قوله: (قبله) أو (بعده) كالمعارض لمقتضى الواو، إلا أن التعارض خلاف الأصل، فالمفضى إليه وجب ألا يكون. الثالث: قوله تعالى في سورة البقرة: (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) [البقرة:٥٨] وفي الأعراف: (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) [الأعراف:١٦١] والقصة واحدة، وقوله تعالى: (واسجدي واركعي) [آل عمران:٤٣] مع أن من شرعها تقدم الركوع، وقوله تعالى: (فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) [النساء:٩٢] وقوله تعالى: أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) [المائدة:٣٣]، وقوله تعالى: (والسارق والسارقة) [المائدة:٣٨]، وقوله: (والزانية والزاني) [النور:٢] ففي شيء من هذه المواضع لاتفيد الترتيب. الرابع: السيد إذا قال لعبده: (اشتر اللحم والخبز) لم يفهم منه الترتيب.

стр. 905

الخامس: روي عن النبي ﵌، أنه قيل له، حين أرادوا السعي بين الصفا والمروة: (بأيهما نبدأ؟ فقال ابدءوا بما بدأ الله به) ولو كانت الواو للترتيب، لما اشتبه ذلك على أهل اللسان، ولما احتيج في بيان وجوب الابتداء من الصفا، إلى الاستدلال بأنه مذكور أولا؛ فوجب أن تقع به البداءة. السادس: لو كانت (الواو) للترتيب، لوجب أن القائل إذا قال: (رأيت زيدا وعمرا) ثم علم أنه رآهما معا- أن يكون كاذبا، وبالإجماع ليس كذلك. السابع: قال أهل اللغة واو العطف في الأسماء المختلفة، كواو الجمع وباء التثنية في الأسماء المتماثلة؛ فإنهم لما لم يتمكنوا من جمع الأسماء المختلفة بواو الجمع، استعملوا فيها واو العطف. ولما كان قولهم: (جاءني الزيدان، واجتمع الزيدون) يفيد الاشتراك في الحكم، ولا يفيد الترتيب فيه، فكذا القول في واو العطف وواو الجمع؛ يجوز أن يشتركا في إفادة الاشتراك. فإن قلت: واو العطف وواو الجمع يجوز أن يشتركا في إفادة الاشتراك، ثم واو العطف يختص بفائدة زائدة، وهي الترتيب. قلت: إنهم نصوا على أن فائدة إحداهما عين فائدة الأخرى، وذلك بنقي الاحتمال المذكور. أحدهما: أن واحدا قام عند رسول الله ﵌، وقال: (من أطاع الله ورسوله، فقد اهتدى، ومن عصاهما فقد غوى) فقال عليه الصلاة

стр. 906

والسلام: (بئس الخطيب أنت؛ هلا قلت: ومن عصى الله ورسوله، فقد غوى) ولو كانت الواو للجمع المطلق، لما افترق الحال بين ما علمه الرسول- ﵌ وبين ما قاله الرجل. وعن عمر ﵁ أنه سمع شاعرا يقول [الطويل]: (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا) فقال له عمر ﵁: (لو قدمت الإسلام على الشيب، لأجزتك) وهذا يدل على أن التأخير في اللفظ، يدل على التأخير في الرتبة. وروي أن الصحابة ﵃ قالوا لابن عباس ﵄: لم تأمرنا بالعمرة قبل الحج، وقد قال الله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله)؟ [البقرة:١٩٦] وهو كانوا فصحاء العرب؛ فثبت أنهم فهموا من الواو الترتيب. وثانيها: إذا قال الزوج لامرأته التي لم يدخل بها: (أنت طالق، وطالق) طلقت طلقة واحدة، ولم تلحقها الثانية، ولولا أن الواو تقتضي الترتيب. للحقتها الثانية، كما أنها تطلق طلقتين، إذا قال لها: (أنت طالق طلقتين). وثالثتها: إذا قال: (أيت زيدا وعمرا) فالترتيب يستدعي سببا، والترتيب في الوجود صالح له؛ فوجب جعله سببا إلى أن يذكر الخصم سببا آخر. ورابعها: أن الترتيب (على سبيل التعقيب) وضعوا له (الفاء) والترتيب (على سبيل التراخي) وضعوا له (ثم). ومطلق الترتيب، وهو: القدر المشترك بين هذين النوعين، معنى معقول أيضًا؛ فلا بد له من لفظ يدل عليه، وما ذاك إلا (الواو).

стр. 907

فإن قلت: الجمع المطلق معنىً معقول أيضًا؛ فلابد له من لفظ يدل عليه، وماذاك إلا (الواو)!!. قلت: لما حصل التعارض، وجب الترجيح، وهو معنا؛ وذلك لأنا لو جعلناه للترتيب المطلق، كان معنى الجمع المطلق جزءا من المسمى، ولازما له؛ فجاز جعله مجازا؛ بسبب الملازمة. وأما لو جعلناه للجمع المطلق، لم يكن الترتيب المطلق لازما له؛ فلا يمكن جعله مجازا عنه؛ لعدم الملازمة والجواب عن الأول: أن الواو في قوله: (،من عصى الله ورسوله) لا تقتضي الترتيب لأن معصية الله تعالى ومعصية ريوله ﷺ لا تنفك إحداهما عن الأخرى، فهذا بأن يدل على فساد قولكم- أولى، بل السبب في أن قوله: (ومن عصى الله ورسوله) إفراد لذكر الله تعالى عن ذكر غيره؛ فكان أدخل في التعظيم. وأما أثر عمر ﵁: فهو محمول على أن الأدب أن يكون المقدم في الفضيلة مقدما في الذكر، وأما أثر ابن عباس ﵄: فهو معارض بأمر ابن عباس إياهم بتقديم العمرة على الحج. وعن الثاني: أن السبب في أن الطلقة الثانية لا تلحقها: أن الطلاق الثاني -ليس تفسيرا للكلام الأول، والكلام الأول تام؛ فبانت به، وأما إذا قال: (أنت طالق طلقتين) فالقول الأخير في حكم البيان للأول؛ فكان تمام الكلام بآخره. وعن الثالث: أن الابتداء بالذكر، لما كان دليلا على الترتيب، لم تكن بنا حاجة إلى جعل الواو للترتيب.

стр. 908

وعن الرابع: أن ما ذكرتموه من الترجيح معارض بوجه آخر؛ وهو أن الحاجة إلى التعبير عن المعنى الأعم أشد من الحاجة إلى التعبير عن المعنى الأخص؛ لأنه حيث يحتاج إلى ذكر الأخص يحتاج إلى ذكر الأعم؛ لا محالة ضمنا، وقد يحتاج إلى ذكر الأعم حيث لا يحتاج إلى ذكر الأخص ألبتة؛ فكانت الحاجة إلى ذكر الأعم أشد. المسألة الثانية: الفاء للتعقيب على حسب ما يصح: فلو قال: (دخلت بغداد فالبصرة) أفاد التعقيب على ما يمكن، لا على ما يمتنع، وإنما قلنا: إنها للتعقيب؛ لإجماع أهل اللغة عليه. ومنهم من استدل عليه: بأنها لو لم تكن للتعقيب، لما دخلت على الجزاء إذا لم يكن بلفظ الماضي والمضارع، لكنها تدخل فيه؛ فهي للتعقيب. بيان الملازمة: أن جزاد الشرط قد يكون بلفظ الماضي؛ كقوله: (من دخل داري أكرمته) وقد يكون بلفظ المضارع؛ كقوله (من دخل داري يكرم) وقد يكون لا يهاتين اللفظتين؛ وحينئذ لا بد من ذكر الفاء؛ كقوله: (من دخل داري، فله درهم) وقول الشاعر [البسيط]: (من يفعل الحسنات الله يشكرها) فقد أنكره المبرد، وزعم أن الرواية الصحيحة [البسيط]: (من يفعل الخير فالرحمن يشكره) وإذا وجب دخول الفاء على الجزاء، وثبت أن الجزاء لا بد أن يحصل عقيب الشرط، علمنا أن الفاء تقتضي التعقيب.

стр. 909

واحتج المنازع بأمور: أحدها: أن الفاء جاء في كتاب الله تعالى لا بمعنى التعقيب في قوله تعالى: (لا تفتروا على الله كذبا؛ فيسحتكم بعذاب) [طه:٦١] والإسحات لا يقع عقيب الافتراء على الله كذبًا؛ بل يتراخى إلى الآخرة، وقال : (وإن كنتم على سفر، ولم تجدوا كتابا، فرهانا مقبوضة) [البقرة:٢٨٣] مع أن ذلك قد لا يحصل عقب المداينة. وثانيها: أن الفاء قد تدخل على لفظ التعقيب، ولو كانت الفاء للتعقيب لما جاز ذلك. وثالثها: أن التعقيب يصح الإخبار به وعنه، والفاء ليست كذلك؛ فالفاء مغايرة للتعقيب. والجواب عن الكل: أن ماذكرتموه استدلال في مقابلة النص؛ فلا يقدح في قولنا، بل وجب حمل ما ذكره أولا: على المجاز، وثانيا: على التوكيد. وأما الثالث: ففيه بحث دقيق، ذكرناه في كتاب (المحرر في دقائق النحو). المسألة الثالثة: لفظة (في) للظرفية محققا، أو مقدرا: أما المحقق، فكقولهم: زيد في الدار وأما المقدر، فكقوله تعالى: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) [طه:٧٢] لتمكن المصلوب على الجذع تمكن الشيء في المكان. وقولنا: فلان في الصلاة، وشاك في هذه المسألة من هذا الباب. ومن الفقهاء من قال: إنها السببية؛ مقوله ﵊: (في النفس المؤمنة مائة من الإبل) وهو ضعيف؛ لأن أحدا من أهل اللغة ما ذكر ذلك، مع أن المرجع في هذه المباحث إليهم.

стр. 910

المسألة الرابعة: المشهور أن لفظة (من) ترد: لابتداء الغاية؛ قولك: سرت من الدار إلى السوق. وللتبعيض؛ كقولك: باب من حديد. وللتبيين؛ كقوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) [الحج:٨٠] وقد تجيء صلة في الكلام؛ كقولك: ماجاءني من رجل. والحق عندي: أنها للتمييز؛ فقولك: (سرت من الدار إلى السوق) ميزت مبدأ السير عن غيره، وقولك: (باب من حديد) ميزت الشيء الذي يكون منه الباب عن غيره، وقوله : (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) [الحج:٣٠] ميزت الرجس الذي يجب اجتنابه عن غيره، وكذلك قولك: (ماجاءني من أحد) ميزت الذي نفيت عنه المجيء. وأما (إلى) فهي لانتهاء الغاية، وقيل: إنها مجمبة؛ لأنها في قوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) [المائدة:٦] تستدخل الغاية، وفي قوله تعالى: (ثم أتمو الصيام إلى الليل) [البقرة:١٨٧] تقتضي خروجها. وهذا ضعيف؛ لأن هذه اللفظة إنما تكون مجملة، لو كانت موضوعة لدخول الغاية، وعدم دخولها على سبيل الاشتراك؛ لكنا بينا أن اللفظ لا يجوز أن يكون مشتركا بالنسبة إلى وجود الشيء وعدمه. بل الحق أن الغاية، إن كانت متميزة عن ذي الغاية بمفصل حسي؛ كما في الليل والنهار، وجب خروجها، وإن لم تكن متميزة عنها بمفصل حسي كما في اليد والمرفق، وجب دخولها؛ لأنه ليس بعض المقادير أولى من بعض، فليس تقدير القدر الذي يجوز إخراجه من المرفق عن وجوب الغسل بقدر معين- أولى من تقديره بما هو أزيد أو أنقص.

стр. 911

المسألة الخامسة: (الباء): إذا دخلت على فعل بتعدى بنفسه؛ كقوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) [المائدة:٦] تقتضي التبعيض؛ خلافا للحنفية. وأجمعنا على أنها دخلت على فعل لا يتعدى بنفسه؛ كقولك: (كتبت بالقلم، ومررت بزيد) فإنها لا تقتضي إلا مجرد الإلصاق. لنا أنا نعلم بالضرورة الفرق أن يقال: (مسحت يدي بالمنديل والبالحائط) وبين أن يقال: (مسحت المنديل والحائط) في أن الأول يفيد التبعيض، والثاني يفيد الشمول. واحتج المخالف بأمرين: الأول: أن القائل إذا قال: (مررت بزيد، وكتبت بالقلم، وطفت بالبيت) عقلوا منه إلصاق الفعل بالمفعول به؛ فدل على أن مقتضى اللفظ ليس إلا إلصاق الفعل بالمفعول به. الثاني: أن أبا الفتح بن جني ذكر الذي يقال؛ من أن الباء للتبعيض، شيء لا يعرفه أهل اللغة. والجواب عن الأول: أن قولهم: (مررت بزيد، وكتبت بالقلم) إنما أفاد ذلك؛ لأنه لايتعدى بنفسه؛ فلا يجوز أن يقال: (مررت زيدا، وكتبت القلم) فلذلك أفاد ماقالوه؛ بخلاف ماذكرنا. وأما الطواف: فهو عبارة عن الدوران حول جميع البيت؛ ولهذا لا يسمى من دار ببعضه طائفا بخلاف مانحن فيه فإن من مسح بع الرأس يسمى ماسحاً. وعن الثاني: أن الشهادة على النفي غير مقبولة؛ فلنا أن نخطئ ابن جني؛ بالدليل الظاهر الذي ذكرناه.

стр. 912

المسألة السادسة: لفظة (إنما) للحصر؛ خلافا لبعضهم، لنا ثلاثة أوجه: أحدها: أن الشيخ أبا علي الفارسي حكى ذلك في كتاب (الشيرازيات) عن النحاة، وصوبهم فيه، وقولهم حجة. وثانيها: التمسك بقول الأعشى [السريع]: ولست بالأكثر منهم حصىً وإنما العزة للكاثر وبقول الفرزدق [الطويل]: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي ولو لم تحمل (إنما) هاهنا على الحصر، لما حصل مقصود الشاعر. وثالثها: أن كلمة (إن): تقتضي الإثبات، و (ما) تقتضي النفي، فعند تركيبهما يجب أن يبقى كل واحد منهما على الأصل؛ لأن الأصل عدم التغيير. فإما أن نقول: كلمة (إن): تقتضي ثبوت عين المذكور، وكلمة (ما): تقتضي نفي المذكور، وهو باطل بالإجماع. وإما أن نقول: كلمة (إن): تقتضي ثبوت المذكور، وكلمة (ما): تقتضي نفي غير المذكور، وهذا هو الحصر؛ وهو المراد. واحتج المخالف بقوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) [الأنفال:٢]، وأجمعنا على أن من ليس كذلك، فهو مؤمن أيضًا!! والجواب: أنه محمول على المبالغة. قال القرافي: قوله: ((الواو) قد تستعمل فيما يمتنع وقوع الترتيب فيه كقولهم: تقاتل زيد وعمرو) وعليه سؤالان:

стр. 913

((السؤال الأول)) لا نسلم أن المقاتلة ليس فيه ترتيب، بل ذلك مسلم باعتبار جملة المقاتلة، زما باعتبار أجزاء المقاتلة فممنوع، فإن المقاتلة أن يضرب هذا، فيضربه هذا، فيضرب الآخر، ومن النادر زن تقع الضربتان معا، وإذا كان الترتيب واقعا بحسب الأفراد صدق مطلق الترتيب، فدعوى نفيه مطلقا باطلة، فلعل الواو للترتيب، ودخلت في المقاتلة لنا بين أجزاءها من مطلق الترتيب. جوابه: لو كان هذا النوع من الترتيب معتبرا لغة، لصح دخول الفاء في المقاتلة، فيقول: تقاتل زيد فعمرو، ولم يجزه أحد. ((السؤال الثاني)) أن هذه الثلاثة مقلوبة، فتقول: استعملت (الواو) فيما فيه ترتيب، فيكون فيه حقيقة، فلا يتكون حقيقة في غير الترتيب دفعا للاشتراك. بيان الأول: قوله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا) [الأحقاف:١٥]، والفصال بعد الحمل، وقوله تعالى: (وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي) [هود:٤٤] واستواؤها كان بعد غيض الماء. بيان الثاني: ظاهر جوابه أن الترتيب واقع مع اللفظ، لأن اللفظ مستعمل فيه، ولا يلزم من وقوع المعنى مع اللفظ استعماله فيه، كما إذا عطفنا شيئين أحدهما على الآخر في المدح، أو الذم، أو الامتنان، فإن تقديم أحدهما يدل على الاهتمام به، وتأخير الآخر يدل على اهتضامه في العطف، وعلى العكس في المدح والذم، فإن الثاني أبلغ أبداً، وكذلك الامتنان، فهذه معان كثيرة واقعة مع (الواو)، وليست (الواو) مستعملة فيها إجماعاً. قوله: (لو كانت للترتيب لكان قولنا: رأيت زيدا وعمرا بعده تكرارا، وقبله نقضا).

стр. 914

تقريره: أنك إذا قلت بعده، فقد أتيت بالبعدية مرتين بلفظين، لأن الواو عند الخصم تدل على بعده، وقولك: بعده يدل على بعده، فيلزم التكرار. وقوله: (قبله نقضا) لأن النقض: وجود الدليل بدون المدلول، أو العلة بدون المعلول، أو الحد بدون المحدود، وهاهنا وجدت الواو الدالة على البعدية على رأي الخصم ولم توجد البعدية، لقول القائل قبله فلزم النقض على الدليل؛ لأن الألفاظ اللغوية كلها أدلة على مسمياتها، لا علل لها، والنقض عام في الأبواب الثلاثة فاعلم ذلك، ويقع في بعض النسخ متناقضًا، وتقريره غير تقرير النقض؛ لأنه الجمع بين النقيضين، فنقول: قوله: وعمرو يقتضي أنه بعده لأجل أن الواو تقتضي الترتيب. وقوله: قبله يقتضي أنه ليس بعده، فيكون بعده لا بعده، وهو جمع بين النقيضين. قوله: (وليس كذلك بالإجماع). عجبت كيف يدعى الإجماع في نفي التكرار، مع أن القائل بأن الواو للترتيب يقول به، بل الذي يتجه أن يقول: وهذان المحذوران لا يلزمان على مذهبنا، فيكون أرجح، ولا نتعرض للإجماع. قوله: (قيل لرسول الله ﷺ : نبدأ بالصفا أو بالمروة، فقال: (نبدأ بما بدأ الله به). فلو كان للترتيب لما اشتبه ذلك على أصحابه عليه وعليهم السلام.

стр. 915

قلنا: ولو لم تكن للترتيب لما قال ﵇: (أبتدي بما بدأ الله به)، وما يدريهم ما بدأ الله به لولا دلالة الواو، فهذا الموضع يصلح لاستدلال الفريقين، ورسول الله ﷺ أرجح وأقوى إجماعا. قوله: (لو كانت للترتيب لكان القائل: رأيت زيدًا، وعمرًا، ثم تبين أنه رآهما معه أنه يعد كاذبا، وليس ذلك إجماعاً). قلنا: لا نسلم الإجماع، بل الخصم يكذبه، باعتبار ما دلت عليه الواو، لا باعتبار مدلول الرؤية. قوله: (الواو) في الأسماء المختلفة كـ (الواو) في الأسماء المتفقة، ثم قال: وفائدة إحديهما فائدة الأخرى). تقريره: أن المراد بالمختلفة جاءني الزيدون، لأجل أن من شرط التثنية والجمع اتفاق الألفاظ، ويرد عليه أنهم قالوا: هذه مثل هذه، والمشبه بالشيء لا يلزم أن يكون مثله من كل وجه. وقوله: بغير ذلك، نصّوا على أن فائدة إحديهما عين فائدة الأخرى، يريدون في معنى الجمع في أصل العامل فقط، لا من جميع الوجوه، ويدل على ذلك أمور:
следующие страницы →