Полный текст (4 032 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
المسألة الخامسة: (الباء): إذا دخلت على فعل بتعدى بنفسه؛ كقوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) [المائدة:٦] تقتضي التبعيض؛ خلافا للحنفية.
وأجمعنا على أنها دخلت على فعل لا يتعدى بنفسه؛ كقولك: (كتبت بالقلم، ومررت بزيد) فإنها لا تقتضي إلا مجرد الإلصاق.
لنا أنا نعلم بالضرورة الفرق أن يقال: (مسحت يدي بالمنديل والبالحائط) وبين أن يقال: (مسحت المنديل والحائط) في أن الأول يفيد التبعيض، والثاني يفيد الشمول.
واحتج المخالف بأمرين:
الأول: أن القائل إذا قال: (مررت بزيد، وكتبت بالقلم، وطفت بالبيت) عقلوا منه إلصاق الفعل بالمفعول به؛ فدل على أن مقتضى اللفظ ليس إلا إلصاق الفعل بالمفعول به.
الثاني: أن أبا الفتح بن جني ذكر الذي يقال؛ من أن الباء للتبعيض، شيء لا يعرفه أهل اللغة.
والجواب عن الأول: أن قولهم: (مررت بزيد، وكتبت بالقلم) إنما أفاد ذلك؛ لأنه لايتعدى بنفسه؛ فلا يجوز أن يقال: (مررت زيدا، وكتبت القلم) فلذلك أفاد ماقالوه؛ بخلاف ماذكرنا.
وأما الطواف: فهو عبارة عن الدوران حول جميع البيت؛ ولهذا لا يسمى من دار ببعضه طائفا بخلاف مانحن فيه فإن من مسح بع الرأس يسمى ماسحاً.
وعن الثاني: أن الشهادة على النفي غير مقبولة؛ فلنا أن نخطئ ابن جني؛ بالدليل الظاهر الذي ذكرناه.
стр. 912
المسألة السادسة: لفظة (إنما) للحصر؛ خلافا لبعضهم، لنا ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الشيخ أبا علي الفارسي حكى ذلك في كتاب (الشيرازيات) عن النحاة، وصوبهم فيه، وقولهم حجة.
وثانيها: التمسك بقول الأعشى [السريع]:
ولست بالأكثر منهم حصىً وإنما العزة للكاثر
وبقول الفرزدق [الطويل]:
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
ولو لم تحمل (إنما) هاهنا على الحصر، لما حصل مقصود الشاعر.
وثالثها: أن كلمة (إن): تقتضي الإثبات، و (ما) تقتضي النفي، فعند تركيبهما يجب أن يبقى كل واحد منهما على الأصل؛ لأن الأصل عدم التغيير.
فإما أن نقول: كلمة (إن): تقتضي ثبوت عين المذكور، وكلمة (ما): تقتضي نفي المذكور، وهو باطل بالإجماع.
وإما أن نقول: كلمة (إن): تقتضي ثبوت المذكور، وكلمة (ما): تقتضي نفي غير المذكور، وهذا هو الحصر؛ وهو المراد.
واحتج المخالف بقوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) [الأنفال:٢]، وأجمعنا على أن من ليس كذلك، فهو مؤمن أيضًا!!
والجواب: أنه محمول على المبالغة.
قال القرافي: قوله: ((الواو) قد تستعمل فيما يمتنع وقوع الترتيب فيه
كقولهم: تقاتل زيد وعمرو)
وعليه سؤالان:
стр. 913
((السؤال الأول))
لا نسلم أن المقاتلة ليس فيه ترتيب، بل ذلك مسلم باعتبار جملة المقاتلة، زما باعتبار أجزاء المقاتلة فممنوع، فإن المقاتلة أن يضرب هذا، فيضربه هذا، فيضرب الآخر، ومن النادر زن تقع الضربتان معا، وإذا كان الترتيب واقعا بحسب الأفراد صدق مطلق الترتيب، فدعوى نفيه مطلقا باطلة، فلعل الواو للترتيب، ودخلت في المقاتلة لنا بين أجزاءها من مطلق الترتيب.
جوابه: لو كان هذا النوع من الترتيب معتبرا لغة، لصح دخول الفاء في المقاتلة، فيقول: تقاتل زيد فعمرو، ولم يجزه أحد.
((السؤال الثاني))
أن هذه الثلاثة مقلوبة، فتقول: استعملت (الواو) فيما فيه ترتيب، فيكون فيه حقيقة، فلا يتكون حقيقة في غير الترتيب دفعا للاشتراك.
بيان الأول: قوله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا) [الأحقاف:١٥]، والفصال بعد الحمل، وقوله تعالى: (وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي) [هود:٤٤] واستواؤها كان بعد غيض الماء.
بيان الثاني: ظاهر جوابه أن الترتيب واقع مع اللفظ، لأن اللفظ مستعمل فيه، ولا يلزم من وقوع المعنى مع اللفظ استعماله فيه، كما إذا عطفنا شيئين أحدهما على الآخر في المدح، أو الذم، أو الامتنان، فإن تقديم أحدهما يدل على الاهتمام به، وتأخير الآخر يدل على اهتضامه في العطف، وعلى العكس في المدح والذم، فإن الثاني أبلغ أبداً، وكذلك الامتنان، فهذه معان كثيرة واقعة مع (الواو)، وليست (الواو) مستعملة فيها إجماعاً.
قوله: (لو كانت للترتيب لكان قولنا: رأيت زيدا وعمرا بعده تكرارا، وقبله نقضا).
стр. 914
تقريره: أنك إذا قلت بعده، فقد أتيت بالبعدية مرتين بلفظين، لأن الواو عند الخصم تدل على بعده، وقولك: بعده يدل على بعده، فيلزم التكرار.
وقوله: (قبله نقضا) لأن النقض: وجود الدليل بدون المدلول، أو العلة بدون المعلول، أو الحد بدون المحدود، وهاهنا وجدت الواو الدالة على البعدية على رأي الخصم ولم توجد البعدية، لقول القائل قبله فلزم النقض على الدليل؛ لأن الألفاظ اللغوية كلها أدلة على مسمياتها، لا علل لها، والنقض عام في الأبواب الثلاثة فاعلم ذلك، ويقع في بعض النسخ متناقضًا، وتقريره غير تقرير النقض؛ لأنه الجمع بين النقيضين، فنقول:
قوله: وعمرو يقتضي أنه بعده لأجل أن الواو تقتضي الترتيب.
وقوله: قبله يقتضي أنه ليس بعده، فيكون بعده لا بعده، وهو جمع بين النقيضين.
قوله: (وليس كذلك بالإجماع).
عجبت كيف يدعى الإجماع في نفي التكرار، مع أن القائل بأن الواو للترتيب يقول به، بل الذي يتجه أن يقول: وهذان المحذوران لا يلزمان على مذهبنا، فيكون أرجح، ولا نتعرض للإجماع.
قوله: (قيل لرسول الله ﷺ : نبدأ بالصفا أو بالمروة، فقال: (نبدأ بما بدأ الله به). فلو كان للترتيب لما اشتبه ذلك على أصحابه عليه وعليهم السلام.
стр. 915
قلنا: ولو لم تكن للترتيب لما قال ﵇: (أبتدي بما بدأ الله به)، وما يدريهم ما بدأ الله به لولا دلالة الواو، فهذا الموضع يصلح لاستدلال الفريقين، ورسول الله ﷺ أرجح وأقوى إجماعا.
قوله: (لو كانت للترتيب لكان القائل: رأيت زيدًا، وعمرًا، ثم تبين أنه رآهما معه أنه يعد كاذبا، وليس ذلك إجماعاً).
قلنا: لا نسلم الإجماع، بل الخصم يكذبه، باعتبار ما دلت عليه الواو، لا باعتبار مدلول الرؤية.
قوله: (الواو) في الأسماء المختلفة كـ (الواو) في الأسماء المتفقة، ثم قال: وفائدة إحديهما فائدة الأخرى).
تقريره: أن المراد بالمختلفة جاءني الزيدون، لأجل أن من شرط التثنية والجمع اتفاق الألفاظ، ويرد عليه أنهم قالوا: هذه مثل هذه، والمشبه بالشيء لا يلزم أن يكون مثله من كل وجه.
وقوله: بغير ذلك، نصّوا على أن فائدة إحديهما عين فائدة الأخرى، يريدون في معنى الجمع في أصل العامل فقط، لا من جميع الوجوه، ويدل على ذلك أمور:
стр. 916
أحدها: صحة الاستثناء في (الواو) في صيغة الجمع، فتقول: قام الزيدون إلا أخاك، وفي العاطفة يمتنع، فلو قلت: قام زيد وعمرو إلا عمراً امتنع.
وثانيها: أن دلالة اللفظ في واو الأسماد المتماثلة في الجمع على كل واحد من الأشخاص بالتضمن، وفي العاطفة بالمطابقة.
وثالثها: أن المتأخر في العاطفة يقتضي الأبلغية في المدح نحو: الفارس البطل، ولو عكست قبح، وفي الذم نحو: شيطان مارد، ولو عكست امتنع، وثبوت التقديم، والتأخير، وأحكامهما، هذه أحكام لم تثبت لواو الجمع، فعلمنا أن مرادهم التسوية في أصل العامل، لا في جميع الأحكام.
قوله في الحديث: (ومن عصاهما فقد غوى، فقال ﵇: بئس خطيب القوم أنت).
(سؤال)
قال العلماء: ذمه لكونه جمع بينهما في الضمير، لأن الجمع يوهم (التسوية) ، وقد ورد جمعهما في الضمير في قوله ﵇: (لا يؤمن أحديكم بالله حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).
جوابه: قال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام: إنما منع الشاعر من الجمع؛ لأن الجمع يوهم التسوية من قصده؛ لأن نزول منصبه لا يأبى قصده لذلك، لأن نزول منصبه لا يأبى قصده لذلك، فقد يحمل لفظه على ذلك لقبول حاله لذلك، ورسول الله ﷺ منصبه.
стр. 917
عظيم لا يظن به قصد التسوية، فلا ينصرف الوهم لذلك ألبتة، فلم يكن في نطقه بذلك مفسدة، بخلاف الشاعر.
وقال الشيخ تقي الدين بن رزين: كلام رسول الله ﷺ جملة واحدة فيكره لغة إقامة الظاهر فيها مقام الضمير، فلذلك حسن الجمع، وكلام الشاعر جملتنا لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام الضمير.
(قاعدة)
الترتيب له سببان: أداة لفظية كـ (الفاء)، و (ثم)، وطبيعة زمانية ؛ لأن الزمان مرتب بالطبع، فيستحيل وقوع أول النهار آخره، وآخره أوله، ولا يقع الزمان إلا مرتبا، الماضي قيل الحاضر، والحاضر قبل المستقبل، والأفعال متوزعة على أجزاء الزمان، فكل فرد من أفراد الزمان فيه جزء من الفعل، والواقع في المرتب مرتب، فيصير القول والفعل مرتبًا؛ لأنهما وقعا في الزمان المرتب، فالنطق الواقع في الزمان المتقدم متقدم على النطق الواقع في الزمان المتأخر، فهذا ترتيب نشأ على طبيعة الزمان، لا على أداة لفظية، وهذا هو السر في قول العلماء: إن التقديم في النطق دليل الإهتمام في المقدم، ويتأخر الأهم في المدح والذم والامتنان فذمه ﵇ للشاعر إنما كان لكونه عدل عن التقديم، والترتيب الناشئ عن الزمان لا لكونه لم يترتب بالواو، بل لكونه لم يترتب بالزمان، ويقدم النطق بالأهم في الزمان المتقدم، فنحن نسلم لهم أن الشاعر لو عطف رتب لأجل (الواو)، أو لأجل الزمان المتقدم، الأول ممنوع، والثاني: مسلم، فهذا هو الفرق بين ما أمر به ﵇، لا ما ذكروه، وهو الجواب على قول عمر ﵁: لو قدمت الإسلام لأجزتك، وعن قول الصحابة رضوان الله عليه: إن الله تعالى قدم
стр. 918
الحج، أي: بإيقاع اللفظ الدال عليه في زمان قبل الزمان الذي وقع فيه لفظ العمرة، فكل ما قدم شيء بالزمان دل على أن المتكلم قصد تفضيله، والاهتمام به على المتأخر، فلذلك أرادوا أن يقدموا ما قدم الله -تعالى- بالزمان لا بالواو، وهو الجواب عن لزوم الطلاق باللفظ المتقدم في غير المدخول بها؛ لأنه لم يأت الزمان الثاني إلا وقد بانت بالأول، فلم يبق محلا للطلاق للترتيب الزماني، لا لأجل الواو.
قوله: (إذا قال: جاءني زيد وعمرو، والترتيب يستدعي سببا، والترتيب في الوجود صالح له).
قلنا: هذا الكلام غير مفيد، فإنا نسلم أن الترتيب حاصل، وأن له سببا غير ما ذكرتموه، لكن لم قلتم: إن الواو وضعت للدلالة على هذا المعنى، فنحن نقول: الدال عليه الطبيعة الزمانية، وهو النطق به أولاً، وسببه كون زيد قبل أولا، ولا يحصل لكم مقصود ألبتة، فالنزاع في هذا المقام في الدال على الترتيب، لا في سبب الترتيب، وأنتم جعلتم النزاع في السبب،
стр. 919
ولا يتعلق به غرض ألبتة، كما أنه لو عطف بالفاء، كان الدال هو الفاء، والسبب الترتيب في الوجود.
قوله: (إذا كان (الواو) موضوعًا لمطلق الجمع، لا يمكن جعله مجازا في مطلق الترتيب).
قلت: ممنوع بل يجوز التعبير، والتجوز بلفظ أعم إلى ما هو أخص منه، لأنه قد قال في أنواع المجاز: يجوز التعبير بلفظ الجزء عن الكل، والأعم جزء الأخص فيجوز، وهذا الكلام منه مبنى على أن المجاز من شرطه الملازمة الذهنية، وقد تقدم إبطاله، وهذا أحد المواضع الدالة على التباس دلالة اللفظ بالدلالة باللفظ؛ لأن الملازمة إنما هي شرط في دلالة الالتزام، التي هي أحد أنواع دلالة اللفظ، والمجاز أحد أنواع الدلالة باللفظ، وهما متباينان كما تقدم في موضعه، نعم اللازم في هذا المقام أن يكون المجاز مرجوحًا، فإن المجاز الملازمة أرجح منه لا مع الملازمة إجماعا، فإن قوة العلاقة ترجح المجاز، وهذا الترجيح يعارضه أن اللفظ لو كان موضوعا للمعنى العام كانت إفادته أكثر؛ لأن أفراد العام أكثر من أفراد الخاص، وهذان الترجيحان أبدا يجريان في هذه المواضع.
قوله: (يدل على فساد قولكم أولى).
معناه: أنهما إذا كانا لا يفترقان، وقد أمره بالواو، فقد دخلت الواو فيما لا يتقدم في الوجود، فيكون نقضا عليها.
قوله: (الصحابة ﵃ معارضون بأمر ابن عباس).
قلنا: لكن الجمع مقدم على الواحد عند التعارض.
قوله: (الابتداء بالذكر لما كان دليلا على الترتيب لم يكن بنا حاجة لجعل الواو للترتيب)
стр. 920
قلنا الابتداء دليل اهتمام المتكلم بالمبتدأ بذكره، ولعله بعد المذكور بعده، والخصم يريد أن يجعل الواو دليل على أن الذي قبلها وقع في الوجود قبل الذي بعدها، فلم تندفع الحاجة بما ذكرتم.
قوله: أن كل من عبر عن الإنسان الأخص من الحيوان، بلفظ الإنسان، فقد عبر عن الأخص مطابقة، وعن الأعم تضمينا؛ لأنه جزؤه، وإذا عبر الحيوان بلفظ الحيوان مطابقة، لم يكن معبرا عن الإنسان ألبتة، لعدم استلزام الأعم الأخص.
(فائدة)
من أحسن ما استدل به على أن (الواو) لا تقتضي الترتيب قوله تعالى: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت، ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر) [ الجاثية:٢٤]، فهذه مقالة من يجحد البعث، ويرى الأمر مفوضا للدهر، فعند هؤلاء لا حياة بعد الموت، مع أن لفظ الموت قد قدم، وهو عندهم مؤخر في الزمان والوقوع، فقد وقع المتأخر زمانا متقدما، والمتقدم متأخرًا، ولا يعني بأنها لا تقتضي الترتيب إلا ذلك، أو رد هذا بعض نحاة المغرب، وقال عقيبه: لو وجده ابن الخطيب لطرز به أسطره، وهو بحث حسن، غير أن ابن عطية، وغيره نقل من المفسرين أقوالا:
أحدها: ماتقدم
وثانيها: أن المعنى كله في النوع، أي يموت الآباء، ويحيا الأبناء بعدهم لا أنه البعث، والمتأخر متأخر، وقيل: نموت عند صيرورتنا نطفا ونحيا عند نفخ الروح، وقيل: كنا موتى في الآباء، ثم حيينا بالأرواح بعد التخليق،
стр. 921
وعلى هذه الأقول لا حجة في البحث إنما يتم على الأول، وهو ظاهر الآية، لأن الموت المعروف هو الذي يكون عند كمال العمر.
فالحجة من الآية ظاهرة بناء على الظاهر.
(تنبيه)
زاد تاج الدين في قوله: أنت طالق، وطالق طلقتين، ففرق بغير عبارة (المحصول) في الجواب فقال: وحاصله أنه يمكن استقلال الأول في الأول دون الأول في الثاني، يعني بالثاني: أنت طالق طلقتين، وهذه العبارة لا تتجه، بل الأول فيهما يمكن استقلاله، وإنما كان يليق أن يقول: إنه يمكن استقلال الثاني في الأول بخلاف الثاني في الثاني، فإن التفسير هو الذي لا يستقل، وهو الثاني في الثاني، فيتعين ضمه للأصل، فلا يكمل الكلام إلا صونا له عن اللغو، ولو سكت المتكلم في الثاني على قوله: أنت طالق، ولم يقل: اثنتين استقل، ولزمته طلقة، غير أنه إن أراد، لم يستقل بإفادة اثنتين فصحيح غير أنه لا ينتظم كلامه؛ لأن الأول في الأول إنما فيه استقلال بمعنى الإفادة فقط، لا بمعنى إفادة طلقتين، والاستقلال إنما هو راجع إلى كون الكلام يستقل بالإفادة، ويحسن السكوت عليه، وهذا مشترك بين الأول في الأول، والأول في الثاني.
(فائدة)
قال سيف الدين: لو كانت للترتيب لدخلت في جواب الشرط كفاء، فتقول: من دخل داري وله درهم، كما تقول: فله درهم.
جوابه أن الفاء إنما دخلت في جواب الشرط، لا لمجرد وقوع الشرط.
стр. 922
قبل وجود المشروط في زمان متقدم، بل ليصير المشروط مرتبطا بالشرط، فإن أئمة النحاة قد نصوا على أن الإنسان إذا قال: إن دخلت الدار أنت طالق، طلقت الآن؛ لأنه لم يأت بالفاء المصيرة للطلاق مرتبا على الدخول، ومرتبطا به، فالارتباط بالشرط أخص من وقوعه بعده، فكم من واقع بعد شيء لا يكون مرتبطا به، والواو على تقدير كونها موضوعة للترتيب لا تفيد الارتباط، فلا يحسن دخولها مكان الفاء، فظهر الفرق.
(فائدة)
قال سيف الدين: نقل عن جماعة أنها للترتيب مطلقا، وعن الفرء أنها للترتيب حيث يستحيل الجمع كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا
стр. 923
واسجدوا) [الحج:٧٧]، وترد بمعنى (أو) كقوله تعالى: (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) [فاطر:١].
стр. 924
والاستئناف كقوله: (والراسخون في العلم يقولون: آمنا به) [آل عمران: ٧].
وبمعنى (مع) نح،: جاء البرد والجباب.
وبمعنى (إذ) كقوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا) [آل عمران:١٥٤] إلى قوله تعالى: (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم)
قال إمام الحرمين في (البرهان): اشتهر من مذهب الشافعي أنها للترتيب، وعند بعض الحنفية للجمع المطلق، قال: وقد زل الفريقان؛ لأن الواو لو كانت للجمع لكان القائل: رأيت زيدًا وعمرًا أنه رآهما معًا، وهذا لا يفهم من اللسان، بل الواو لا تفيد الجمع، ولا الترتيب بل التشريك، وإنما ترد للجمع في غير العطف في قولهم: لا تأكل السمك، وتشرب اللبن، ول كانت عاطفة لجزم الفعلان معًا.
((المسألة الثانية))
((الفاء للتعقيب))
قوله: لو لم تكن للتعقيب لما دخلت على الجزاء إذا لم يكن بلفظ الماضي والمضارع).
يريد أنها لا تدخل في هذين، وتدخل في جواب الشرط في غيرهما، وفيه مناقشة.
قال الزمخشري في (المفصل)، وغيره: يجب دخول الفاء في الجزاء إذا كان أمرا أو نهيا، أو ماضيا مضيا صحيحا أو مبتدأ أو خبرا نحو: إن جاء زيد فأكرمه، وإن أكرمك، فلا تهنه، وإن أكرمتني اليوم، فقد أكرمتني أمس، وإن أكرمتني فأنت سيد، فقد وجب دخول الفاء في الماضي، وإنما مقصود المصنف إذا كان اللفظ ماضيًا، والمعنى مستقبلا، أما الماضي الصريح في
стр. 925
المعنى فتجب الفاء فيه
ووجه الاستدلال بدخوله في الجزاء على أنها للتعقيب: أن النحاة قالوا: إذا لم تدخل الفاء في هذه المواطن لا يرتبط الجزاء بالشرط، ويتعجل فإذا قال: إن دخلت الدار أنت حر؛ عتق الآن لعدم الفاء الموجبة لارتباط عتقه بدخول الدار، فالفاء حينئذ هي الموجبة لتأخره عقب الشرط، وارتباطه به، فلو لم تكن للتعقيب لما حصل هذا المعنى بين الشرط، وجزائه.
((سؤال))
التعاليق اللغوية أسباب؛ لأنها يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم ، وهذا شأن السبب وإذا كان الشرط سبباً، وشأن السبب أن يتعقبه مسببه، فصار النظر إلى هذا المعنى يوجب التعقيب من غير القائل، يقول: دخولها ها هنا يدل على عدم كونها للتعقيب، لئلا يلزم التكرار، والترادف في نفس التعقيب، بل دخلت الفاء لجعل الجزاء مسبباً عن الشرط كما تقدم، أما أنه عقيبه، فأمكن أن يقال ذلك الشرط لكونه سبباً لا للفاء كما تقدم.
قوله: ((الفاء تدخل على التعقيب))، مثاله: جاء زيد فتعقبه عمرو، فلو كانت للتعقيب لزم التكرار.
قوله: ((التعقيب يصح الإخبار به، وعنه)).
تقريره: أنك تقول: التعقيب ضد التراخي، وموالاة الشيء للشيء تعقيب، فلو كانت الفاء للتعقيب لكانت مرادفة للفظ التعقيب، والقاعدة: أن
стр. 926
المترادفين يصح إقامة كل واحد منهما مقام الآخر، فإذا قلت: البر غذاء تقول: القمح غذاء، فتقيم أحد المترادفين مقام الآخر، ولو حاولت إقامة الفاء مقام التعقيب لقلت: (الفاء) ضد التراخي، تريد بـ (الفاء) ما أردته بلفظة التعقيب من ذلك المعنى لم يكن كلاما عربياً، فحينئذ ليس هما مترادفين، فلا تكون (الفاء) للتعقيب.
قوله: فيه بحث دقيق، ذلك البحث هوأن معنى قول النحاة: الاسم يخبر به وعنه، أي: يخبر بمسماه، وعن مسماه معبرا عنه بلفظ الاسم، والفعل يخبر به، ولا يخبر عنه.
أي: يخبر بمسماه معبرا عنه بلفظ الفعل، فنقول: قام زيد، ولا يخبر عن مسماه معبرا عنه بلفظ الفعل، فسمى (قام) المصدر في الزمان الماضي.
فإذا قلت: مسمى (قام) مركب من المصدر والزمان، صح الإخبار عن مسمى (قام)، لكن معبرا عنه بلفظ مسمى)، لا بلفظ (قام)، ولفظ الفعل يخبر به وعنه مطلقا فنقول: قام فعل ماض، فقولك: (فعل) مرفوع على خبر الابتداء، فيكون (قام) هو المبتدأ، وهو لفظ الفعل دون مسماه، ويخبر به، فتقول: أحد الأفعال (ٍام)، فنجعل لفظ الفعل خبرا عن أحد الأفعال، وقد غلط بعضعن فقال: المخبر عنه في هذه القضية هو اسم، ولو كان اسما لكذبت القضية، فإن الاسم لا يخبر عنه بأنه فعل ماض، وكذلك نقول: في قولنا: (الفعل لايخبر عنه.
فإذا قيل لك: قولك: لا يخبر عنه خبر عنه بأنه لا يخبر عنه، فقد تناقضت القضية، وأخبرت عن الفعل.
فنقول: المخبر عنه بأنه لا يخبر عنه اسم، يقال له: فإخبارك عن الاسم حينئذ بأنه لا يخبر عنه كذب، لأن كل اسم يصح الإخبار عنه.
стр. 927
فالجواب الصحيح في هذه المواطن كلها أن تقول: المخبر عنه فعل، وهو لفظ الفعل، وما وضعنا قولنا) فعل) إلا للفظ الفعل، وهو يصح الإخبار به وعنه، وحيث قلنا: لا يخبر عنه نريد مسماه لا يخبر عنه بلفظه.
وقولهم: الحرف لا يخبر عنه، ولا يخبر به.
يريدون: لا يخبر بمسماه، ولا عن مسماه معبرا عنه بلظفه، ف (حتى) موضوعة للغاية، فإذا قلت: غاية الشيء نهايته، فقد أخبرت عن مسمى (حتى) معبرا عنه بلفظة الغاية، لا بلفظ (حتى) الذي هو الغاية خبرا عن النهاية، لكن معبرا عنه بالغاية، ولو عبرت عنه بلفظ الحرف فقلت: حتى نهاية الشيء لم يكن كلاما عربيا.
وكذلك (ليت) موضوعة للتمني، فتخبر عن مسماها، فتقول: التمني تعلق الأمل، فتخبر عن التمني معبرا عنه بغير (ليت)، بل بلفظ التمني ولو قلت: ليت تعلق الأمل، لم يكن كلاما عربيا، وكذلك يخبر به فتقول: تعلق الأمل التمني، ولو قلت: تعلق الأمل ليت لم يصح، حيث عبرت عن مسمى ليت ب (ليت)، ويصح الإخبار عن لفظ الحرف، وبلفظ الحرف مطلقا، فتقول: حتي حرف غاية، فرفعت حرف غاية على خبر الابتداء، فيكون (حتى) هو المبتدأ، وكذلك تخبر بها فتقول: أحد حروف الغاية (حتى) فتجعلها خبر المبتدأ، وكذلك (ثم) حرف عطف، و (إن) حرف تأكيد إلى غير ذلك مما لا ينحصر.
ومن يقول: إن المخبر به وعنه في هذه القضايا اسم يلزمه كذبها كما تقدم فإنه لا شيء من الأسماء بحرف بالضرورة، بل الحق أن هاهنا ثلاثة أمور:
مسمى الحرف إن عبر عنه بغير الحرف صح الإخبار به وعنه مطلقًا.
стр. 928
ومسمى الحرف إن عبر عنه بلفظ الحرف امتنع الإخبار به وعنه مطلقاً.
ولفظ الحرف يصح الإخبار به وعنه مطلقا، وقد تقدم عند تحديد الكلام بيان أنه ليس من شرط المبتدأ أن يكون اسما، بل قد يكون فعلا وحرفا ومهملا لا يوصف بواحد منها نحو: (ديز مهمل، فديز مبتدأ، ولذلك رفعنا (مهمل)، وبهذا البيان يظهر بطلان ظاهر كلام النحاة في قولهم: إن الحرف لا يخبر به ولا عنه؛ لأن لفظ الفعل، والحرف، والاسم إنما وضعت للألفاظ لا للمعاني، واللفظ في الأقسام الثلاثة يصح الإخبار به وعنه مطلقا، إنما التفصيل في المسميات كما تقدم، فهذا هو البحث الدقيق الذي يشير إليه ﵀، وهو بحث حسن لا يدركه أكثر النحاة المتأخرين، وهو مراد المتقدمين.
(تنبيه)
زاد سراج الدين فقال: لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يجب دخول (الفاء) علي المذكور عقيب الشرط لنجعله جزاء ، ويكون التعقيب مقتضى الجزاء؟
قلت: أما قوله: لنجعله جزاء فصحيح لما تقدم من أنه إذا لم تدخل (الفاء) يتعجل الطلاق المعلق الآن لعدم الارتباط.
وأما قوله: (ويكون التعقيب للجزاء) فلا يتجه بل التعقيب للشرط؛ لأنه السبب، وذات السبب هي المقتضية، وهي التي نسب إليها الاقتضاء.
أما الجزاء فمسبب، والمسبب أثر لا اقتضاء له، وقد تقدم أن التعاليق اللغوية أسباب مقتضية
стр. 929
ولذلك فإن صاحب (البرهان) قال: من ضرورة السبب التعقيب.
(فائدة)
في (البرهان) قال: (الفاء) للترتيب، والتعقيب، والتسبيب ، يدل علي الثلاثة قولك: زالت الشمس فوجب الظهر، فالوجوب عقيبه؛ ومرتب عليه، ويدل على أن السابق سببه قال: وقد ترد (الفاء) بمعنى (الواو)، وأكثر ما تجد ذلك في أسماء البقاع، كقوله،: [الطويل]
...... بين الدخول فحومل
(المسألة الثالثة)
لفظ (في) للظرفية، أو مقدرا.
стр. 930
قلت قوله (أو مقدرا) غير متجه، لأن البحث في هذه المسائل، بل في جميع الألفاظ في أصول الفقه إنما هو عن تحرير الحقيقة اللغوية، وهي المراد بقولنا الأمر للوجوب، الأمر للتكرار، الصيغة للعموم إلى غير ذلك، والظرفية كقوله تعالى: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) [طه:٧١]
قال العلماء: هو مجاز تشبيه أي شبه تمكن المصلوب من الجذع بتمكن المظروف من الظرف، وإذا كان مجازا لا يذكر؛ لأن المقصود ضبط الحقائق ليستقر كل لفظ في مركزه وموضوعه.
(فائدة)
قال العلماء: (في) تكون للسببية، والظرفية ، والثاني أربعة أقسام: في القناعة، والسعادة في طاعة الله، والظرف جسم، والمظروف معني نحو: الإيمان في القلب، والعكس نحو قوله تعالى: (بل الذين كفروا في تكذيب) [البروج:١٩]، (إنا نراك في ضلال مبين) [الأعراف:٦٠].
قالوا: والحقيقة هو الأول، والأقرب إليه من المجازات الثلاث: الظرف.
стр. 931
جسم، والمظروف معنى، ثم العكس لوجود الجسمية فيه من حيث الجملة، والأبعد كلية أن يكونا معنيين لانتفاء الجسمية بالكلية، التي هي الملاحظة في الوضع في الأوعية والموعا فيها، وإذا كان المعنى ظرفا للجسم فهو للمبالغة أي: كثر المعنى حتي أحاط به، كما يحيط الظرف بمظروفه، كقوله تعالى" (إنا لنراك في ظلال مبين) [الأعراف:٦٠]
أي كثر حتى صار محيطا به في المعنى، والتقدير: ولاجرم لم يقل: ما أنا في ضلالة، بل قال: (ياقوم ليس بي ضلالة) [الأعراف:٦١] لأنه لو نفى أنه في ضلالة، لم يلزم من ذلك أنه غير ضال؛ لأنه لا يلزم من نفى الشيء بوصف الكثرة نفيه، فلذلك عدل إلى أصل المعنى، وكذلك قوله تعالى: (بل هم في شك منها) [النمل:٦٦]، أبلغ من قوله: بل هم شاكون للدلالة على الكثرة، فتأمل ذلك في كتاب الله ـ- تعالى - - فهو كثير.
(تنبيه)
وأما إذا قلنا: هو مصلوب في الجذع، فهذا ليس من هذا الباب، بل (في) هاهنا مجاز في الإفراد استعمله فيما يشبه الظرفية بسبب التمكن، وليس فيها مجاز تركيب.
وإذا قلنا: زيد في ضلالة، فهو مجاز تركيب؛ لأن لفظ (في) لم يوضع ليركب مع المعاني التي لا تتجوف بل ليركب مع ما يقبل التجويف، ويصلح لأن يكون وعاء لغيره، والمعاني ليست كذلك، فتنبه لهذه الدقائق.
قوله: (لم يقل أحد من أئمة اللغة: (إنها للسببية)
قلنا: بل قد نقله جماعة، ولا يستقيم كثير من الكتاب والسنة إلا عليه كقوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله) [البقرة:١٩٠] أي: بسبب طاعة الله - تعالى- بالتوحيد، وقوله ﵇: (من أحب في الله،
стр. 932
وأبغض في الله)، أي: بسبب طاعة الله. وبسبب معصية الله، وكذلك قوله- حكاية عن الله تعالى: (وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتزاورين فيّ)، أي: بسبب طاعتي، وكذلك في حديث الإسراء قال ﵊: (فوجدت امرأة جمرة قد عجل الله بروحها إلى النار، لأنها ربطت هرة حتي ماتت جوعا وعطشا، فدخلت النار فيها).
أي بسببها، وهو كثير جدا في الكتاب والسنة وكلام العرب، فلا أطول بالمثل التي لا تمشي إلا بالقول بالسببية، فلا يكون ضعيفا كما قال
(المسألة الرابعة: (من) ترد لابتداء الغاية)
اعلم أن (من) لها ثمانية معان:
стр. 933
لابتداء الغاية نحو: سرت من مصر إلى مكة.
ولانتهاء الغاية نحو: شممت المسك في داري من السوق، ورأيت الهلال في داري من خلل السحاب، أي: انتهت الرؤية والشم إلى ذلك الموضع.
وقيل: بل هي هاهنا لابتداء الغاية، أي: ابتداء الشم والرؤية من ذلك الموضع
стр. 934
ولبيان الجنس نحو (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) [الحج:٣] فيذكر أولا أمر عام، ثم يخص بذكر جنسه.
وللتبعيض نحو: قبضت من المال، وضابطها أنه يحسن مكانها بعض، فلو قلت: قبضت بعض المال صح.
وبمعنى البدل، نحو قوله تعالى (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون) [الزخرف:٦٠] أي: بدلا منكم، قال النحاة، وفي التحقيق هي لابتداء غاية البدل، وبمعنى (عند) كقوله ﵇، (ولاينفع ذا الجد منك الجد).
أي: لا ينفع صاحب الحظ عندك حظه، وفي التحقيق لابتداء الغاية من العصمة من عذاب الله.
وزائدة نحو قول؛: ماجاءني من أحد.
أي: ماجاءني أحد، ومن زائدة.
وفعل أمر من المين الذي هو الكذب، وللعموم في قولك: ماجاءني من رجل، وتقريره في (باب العموم) إن شاء الله تعالى.
قوله: (وللتبعيض) نحو: (خاتم من حديد) هذا عند النحاة لبيان الجنس لا للتبعيض.
стр. 935
قوله: (والحق عندي أنها للتمييز)
يرد عليه أن النقل مقدم على الاستدلال، وأعجب من ذلك قوله: وقولك. ماجاءني من أحد، ميزت الشيء الذي نفيت عنه المجيء مع أنه كان متميزا بقولنا: ماجاءني أحد قبل دخول (من)، ولو صح ماقاله، تناقض ذلك مع قوله: إنها زائدة؛ لأن الزيادة تقتضي عدم اعتبارها في المعنى، وما قاله يقتضي أنها معتبرة في المعنى.
قوله: (إلى) لانتهاء الغاية، وقيل: إنها مجملة؛ لأنها في قوله:
стр. 936
تعالى (وأيديكم إلى المرافق) [النساء:٤٣] تستدخل الغاية، وفي قوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) [البقرة:١٨٧] تخرج منها)
قلنا: لا نسلم أن الغاية دخلت في آية الوضوء؛ لأن القاعدة أن المغيا يجب ثبوته قبل الغاية، وتكرره إليها كقولك: سرت من مصر إلى مكة، فالسير الذي هو المغيا، قد ثبت قبل (مكة)، وتكرر إليها، وهاهنا المغيا هو غسل جملة اليد لقوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) [النساء:٤٣] واليد اسم للجملة، وثبوت غسل كل اليد قبل المرفق محال، فيتعين ألا يكون هو المغيا، ويتعين أن يكون العامل في قوله تعالى: (إلى المرافق) فعلا مضمرا، وهو المغيا، تقديره: اتركوا من آباطكم إلى المرافق، فـ (إلى) غاية للمتروك لا للمغسول للقاعدة المتقدمة، وعلى هذا البحث يتعارض في هذا المقام المجاز والإضمار، فإن الغسل لا يمكن أن يكون مغيا حتى نعبر باليد عن
стр. 937
جزئها، وهو مجاز، فإن فعلته استغنيت عن الإضمار، لأن الغسل حينئذ يتكرر في أبعاض اليد إلى المرافق، وإن لم يعتقد هذا المجاز يتعين أن يكون الإضمار المذكور، والإضمار والمجاز سواء على طريقه في (المحصول)، والمجاز أرجح علي قوله في (المعالم).
(فائدة)
في دخول الغاية في المغيا أربعة مذاهب:
ثالثها: إن كانت متميزة عن ذي الغاية بمنفصل حسي، لم تدخل كقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) [البقرة:١٨٧]، فإن الليل بسواده متميز عن النهار بالحس.
ورابعها: إن كانت الغاية من الجنس اندرجت، وإلا فلا، كقوله: بعتك من هاهنا إلى تلك الشجرة، فإن كانت تلك الشجرة رمانا والمبيع رمان اندرجت، وإلا فلا، وهذا الخلاف يحكي في الحد هل يدخل في المحدود، وهو الغاية فلا فرق.
(تنبيه)
اتفق النحاة - فيما علمت - على أن المعطوف بـ (حتى) لا بد وأن يكون داخلا في حكم ما قبلها ، فإذا قلت: أكلت السمكة حتي رأسها، فلا بد وأن يكون الرأس مأكولا، وإلا فلا يصح الكلام، وهي حينئذ لا تنفك عن الغاية، فلا تصح حكاية الخلاف في الغاية مطلقا، كما حكاه جماعة، بل ينبغي أن يخصص ذلك بـ (إلى) وحدها، وأما (حتى) فلا.
قوله: (قد بينا أن اللفظ لا يكون مشتركا بين وجود الشيء وعدمه).
قلنا: وقد بينا هنالك جوازه، والجواب عن دليل المنع.
قوله: (ليس بعض المقادير من المرفق بالدخول أولى من بعض)
стр. 938
قلنا: بل يخرج الجزء المسمى بالمرفق، ولا ضرورة لدخوله، ولا حاجة إلى تجزئة مقاديره.
(فائدة)
لفظ (إلى) مشترك بين حرف الجر المتقدم، وبين واحد الآلاء، التي هي النعم ، وهذا ينون دون الأول؛ لأنه اسم منصرف.
(المسألة الخامسة)
(الباء) إذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه تقتضي التبعيض، كقوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) [المائدة:٦]
قلنا: لا نسلم أن الفعل هاهنا يتعدى للرءوس بنفسه، وتقرير المنع بقاعدتين:
(القاعدة الأولى)
أن لفظ (مسح) يتعدى لمفعولين، أحدهما بنفسه، والآخر بحرف جر، وهو (الباء) ولم تخبر العرب في حرف الجر، بل عينته للمفعول الذي هو الممسوح به، الذي هو الآلة، وعينت النصب للمزال عنه الشيء الممسوح، فإذا كانت الرطوبة في يدك قلت: مسحت يدي بالجدار، ولا يجوز مسحت الجدار بيدي، وإن كان الشيء المزال على الجدار قلت:
стр. 939
مسحت الجدار بيدي، ولا تجيز العرب غير هذا، ولا تجيز تعدية هذا الفعل للآلة المزيلة بغير الباء، والباء هي للاستعانة في هذا الفعل.
(القاعدة الثانية)
أن الأمة مجمعة على أن الله ـ تعالى - لم يوجب علينا أن نزيل شيئا من رءوسنا، بل زوجب علينا نقل الماء لرءوسنا، فحينئذ الرأس هي المزيلة، واليد هي المزال عنه، فلا يجوز زن يتعدى الفعل إلى الرءوس بغير (الباء) لأنه الآلة المزيلة، وحينئذ المنصوب محذوف تقديره: امسحوا أيديكم برءوسكم، وقد اتفقنا على حذف زحد مفعولي مسح، فنحن نقول: المحذوف المنصوب وهو يقول: المجرور، والقاعدتان المتقدمتان يرجحان ما ذكرناه.
قوله: (لنا أنا نعلم بالضرورة الفرق بين قوله: مسحت يدي بالمنديل، وبالجدار، وبين مسحت المنديل بيدي، أن الأول يقتضي التبعيض، والثاني الشمول).
قلنا: لا نسلم أن هذا هو الفرق، بل الفرق ما ذكرناه من أن الأول آلة، والثاني مزال عنه ليس بمزيل، فالفرق مسلم، لكن تعيينه في التبعيض ممنوع.
قوله: (من مسح ببعض الرأس سمى ماسحا)
قلنا: نسلم، ولكن هل يسمى ما سحا رأسه، فلو كانت الآية امسحوا، ولم يذكر الرءوس، سلمنا جواز الاقتصار على البعض، لكن لما ذكر الرأس تعين جميعه، كما إذا قال الله تعالى: (صوموا)، اكتفينا بما يسمى صوما، وهو يوم.
أما إذا قال صوموا رمضان، لا يجزئ اليوم الواحد، لأجل تعين.
стр. 940
الشهر باسمه الدال على جملته، كذلك هاهنا ذكر الرأس بلفظه الدال على جملته، فيتعين جميعه.
قوله: (الشهادة على النفي غير مقبولة).
قلنا: الشهادة على النفي ثلاثة أقسام:
معلومة نحو: إن العرب لم تنصب الفاعل وترفع المفعول بل عكست.
وظنية عن استقراء صحيح، كقولنا: ليس في كلام العرب اسم آخره واو قبلها ضمة.
وشائعة غير منحصرة، كقولنا: لميطلق زيد امرأته في هذه السنة، زو لم يدخل بيت فلان عمره، من غير دليل على ذلك، فهذا هو المردود، والأولان مقبولان، وكلام ابن جني من الثاني فيقبل؛ لأنه شديد الاطلاع على لسان العرب، فله الحكم بالنفي ـاهرا، كما يقول المحدث: هذا لم يرد في السنة النبوية، بناء علي تمكن اطلاعه، وجود استقراءه، والسر أن الشهادة على أن النفي مقبولة في النفي المنحصر المعلوم، والمظنون دون غيرهما.
(فائدة)
(الباء) لها سبعة معان:
الإلصاق نحو: مررت بزيد.
والاستعانة نحو: كتبت بالقلم، وفحرت بالقدوم.
والسببية نحو: سعدت بطاعة الله.
والمصاحبة نحو: خرجت زيد بثيابه أي: مصاحبا لها.
والتبعيض عند بعضهم.
وبمعنى (في) للظرفية نحو: زيد بمصر أي فيها.
стр. 941
وزائدة نحو قوله تعالى: (وكفى بالله شهيدا) [النساء:٧٩]
(المسألة السادسة: (إنما) للحصر).
стр. 942
...............
стр. 943
...............
стр. 944
قال سيف الدين: (قال القاضي أبو بكر والغزالي وجماعة من الفقهاء (إنما)، ظاهرة في الحصر، محتملة لتأكيد الإثبات)
وقال الحنفية وجماعة ممن ينكر دليل الخطاب: هي لتأكيد الإثبات فقط، قال: وهو المختار.
قوله: (ولست بالأكثر منهم حصى)
يريد بالحصى العشيرة والقبيلة، وأصل ذلك أن العرب تشبه الجمع الكثير بالحصى فيقولون: جاءوا مثل الرمل والحصى أي في كثرة العدد، فصار ذلك لكثرة دورانه على ألسنتهم، يعبر به عن الجمع، والعصبات، فمعنى البيت: فلست بالأكثر منهم قبيلة ولا جمعًا وعصبة، وصحفه بعضهم بالخاء المضمونة المنقوطة من فوقها، فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال: لأن إحدى البيضتين للنسل، والأخرى للحية، وهي اليمنى فإذا كبرتا عظمت اللحية، وكثر النسلوالإنسان يحترم لكثرة ولده، وكبر لحيته، والكاثر هو صاحب الكثرة مثل: لابن وتامر أي: صاحب لبن وصاحب تمر.
قوله [الطويل]:
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
стр. 945
الذائد بالدالين الأولى منقوطة، والثانية مهملة، معناه: المانع، ومنه قوله ﵇: (ليذادن رجال عن حوضي)، أي: يمنعون، ويقع في بعض النسخ الزائد بـ (الزاي)، وهو غلط، والذمار اسم مفرد.
قال صاحب (العين)، وصاحب (المجمل): هو ما يلزمك حمايته، فهو يصرف للعيال والماشية، والبيوت وغيرها، وهو بالذال المعجمية، والذمر: الرجل الشجاع، والذمر: الحب والموعظة، والحث على الشيء.
قوله: (إن للإثبات، و (ما) للنفي).
قلنا: (ما) لفظ مشترك بين أحد عشر معنى:
الشرطية نحو: ما يصنع زصنع.
والاستفهامية نحو: ماعندك؟
وخبرية بمعنى (الذي نحو): ماعندك ينفعنا.
وتعجبية نحو: ما أحسن زيدا.
ونافية نحو: مافي الدار أحد.
ومصدرية نحو: أعجبني ما صنعت، أي: أعجبني صنيعك.
وكافة مع (إن) نحو: إنما قام زيد.
стр. 946
ومهيئة لدخول (رب) على الأفعال نحو: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) [الحجر:٣].
ونكرة موصوفة نحو: مررت بما معجب لك.
ونكرة غير موصوفة نحو قوله تعالي: (مابعوضة) [البقرة:٢٦]
أي: شيئا بعوضة.
وزمانية نحو: لأكرمنك كلما طرد الليل النهار، وإذا كانت مشتركة بين النفي وغيره، فما الدليل علي أنها هاهنا مراد بها النفي؟
وإن أريد بها مطلق الكف، وليس في استعمال المشترك في أحد معانيه نقلولا تغيير) حتى يلزم خلاف الأصل.
(فوائد عشر)
الأولى: إني رأيت أبا علي الفارسي في مسألة (الشيرازيات* نقل أن (ما) في (إنما) للنفي، وهو من أئمة اللغة وقولهم حجة.
стр. 947
الثانية في تقرير العبارة في تلخيص أنها للحصر فنقول: (إن) للإثبات، و (ما) للنفي، فإذا اجتمعتا، ولم تبقيا على حالهما لزم التغيير، وإن بقيتا، أو انصرفتا للمنطوق، أو المسكوت، اجتمع النقيضان؛ فيتعين التوزيع، وإن انصرف النفي للمنطوق، والإثبات للمسكوت لزم خلاف الإجتماع، فيتعين العكس، وهو المطلوب، فهذه عبارة وجيزة في التقرير.
الثالثة: أن القاعدة: أن النفي والإثبات في لسان العرب، إنما ينصرفان للخبر بإجماع النحاة.
فإذا قلت: إن زيدا قائم، فالمثبت القيام لزيد لا نفس زيد، وليس زيد قائما، المنفي القيام عنه لا نفسه، ولذلك لزم الكفر إذا قرأ الإنسان: (ولم يكن له كفوا أحد) [الإخلاص:٤] برفع (كفوًا)، و (نصب أحد)؛ لأنك نفيت الأحدية عن الكفوية، فتكون الأكفاء كثيرة، وهو كفر، والنفي هاهنا ليس في الخبر، فإنك إذا قلت: إنما زيد قائم، فقائم هو الخبر، وهو مثبت، فقد انتقضت القاعدة في أن النفي لم يكن في الخبر، فهذا النقض نورده في موطنين:
أحدهما: إذا قال النحوي: النفي إنما يرد علي الأخبار، نورد عليه هذا النقض.
الثاني: إذا ادعى أحد أن (إنما) للحصر، وأن (ما) فيها للنفي، نقول له: لو كانت للنفي، لوردت على الخبر على القاعدة المنصوصة، وليس كذلك إجماعا لو كانت للنفي، لوردت على الخبر على القاعدة المنصوصة، وليس كذلك إجماعا فلا تكون (ما) هاهنا للنفي، فيحصل لك سؤال في هذا المقام، ولك جعله دليلا ابتداءا على أن (إنما) ليست للحصر، والجواب:
أن هذا مستثنى عن القاعدة.
الرابعة: أدوات الحصر خمسة: (إنما)، والنفي قبل (إلا) نحو: ماقام
стр. 948
إلا زيد، لم يقم إلا زيد، ليس في الدار إلا زيد، كيف لما قلت النفي قبل إلا؟!
الثالث: المبتدأ مع الخبر، نحو قوله ﵇: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، أي: تحريمها منحصر في التكبير، فلا يحرم عليه الكلام وغيره إلا بالتكبير، ولا يحل له ما كان حلالا له قبل الإحرام إلا بالتسليم، وقوله ﵇: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) برفع ذكاة أمه، فيقتضي انحصار ذكاته في ذكاه أمه، فلا يفتقر الجنين إلى ذكاة، ومن روى ذكاة أمه بالنصب استدل به على افتقار للذكاة؛ لأن معناه عنده: ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه، ثم حذف (مثل) والعامل فيه، وأقيم المضاف إليه مقامه، فنصب؛ لأنه إعراب المحذوف، والقاعدة: أن أن المضاف إليه إذا أقيم مقام المضاف أعرب كإعرابه، وأجاب الفريق الأول بزن تقدير النصب: ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه، ثم حذفا وفيه جمع بين الروايتين، ولا يلزم احتياجه للذكاة.
الرابع: تقديم المعمولات قاله الزمخشري وغيره كقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) [الفاتحة:٥] أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، وقوله تعالى: (وهم بزمره يعملون) [الأنبياء:٢٧]، أي: لا يعملون إلا بأمره، وقولهم: (إياك أعني واسمعي يا جارة)، أي: لا أعني إلا إياك، وخالف في هذا الرابع جماعة.
الخامس: الألف، واللام، قال الرمام فخر الدين في كتاب (الإعجاز) الذي له إن لام التعريف تكون للخصر في قولك (زيد القائم) أي القيام منحصر فيه، وأبو بكر الصديق الخليفة بعد رسول الله ﷺ أي الخلافة بعده ﵇ منحصرة في الصديق
стр. 949
الخامسة: أن الحصر مقسم إلى حصر الصفات في الموصوفات، وإلى حصر الموضوفات في الصفات، والصفات في الصفات.
فالأول كقولنا: العالم زيد.
والثاني: زيد العالم، ثم قال الغزالي في (المستصفى): إذا قلت: صديقي
تنحصر صداقتك فيه فلا تصادق غيره، ويجوز أن يصادق غيرك، وإذا قلت: زيد صديقي حصرته في صداقتك، فلا يصادق هو غيرك، وأنت يجوز أن تصادق غيره.
والثالث نحو قولك: الغنى القنوع، والغني في القناعة، والراحة في الزهد.
أي: وصف الغنى منحصر في القناعة والراحة منحصرة في الزهد، ومن هذا الباب قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر:٢٨]، حصر الله تعالى الخوف منه في العلم والعلماد، فلا يخشاه إلا عالم به علي قدر علمه به، قل أو كثر، فأقل الناس علما أقلهم خشية، ويطرد ذلك في العامة والخاصة، فإن الجاهل بالشيء لا يخافه، هذا إذا قدم المنصوب، فلو أخر وقيل: إنما يخشى العلماء الله انحصر العلماء في الخشية له تعالى،
فلا يخشون غيره، ويجوز أن يخشاه تعالى غيرهم، وعلى الأول لا يخشاه غيرهم، ويجوز من جهة هذا اللفظ أن يخشوا غيره
قال سيف الدين: اختلفوا في قوله ﵇: (الأعمال بالنيات) وصديقي زيد، والعالم زيد.
стр. 950
فقالت الحنفية، والقاضي أبو بكر، وجماعة معهما: لا يدل شيء من ذلك على الحصر.
وقال الغزالي وجماعة معه: يدل عليه، واختلفوا في قولنا: لا عالم في البلد إلا زيد، فأكثر منكري المفهوم على أنه للحصر.
وقال بعضهم: لا يدل على نفي كل عالم سواه، وكذلك نقله الغزالي في (المستصفى).
السادسة: أن الحصر قد يذكر ويقرر، ولا يتعرض فيه لاعتبار مخصوص
следующие страницы →