Полный текст (4 032 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
ومهيئة لدخول (رب) على الأفعال نحو: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) [الحجر:٣].
ونكرة موصوفة نحو: مررت بما معجب لك.
ونكرة غير موصوفة نحو قوله تعالي: (مابعوضة) [البقرة:٢٦]
أي: شيئا بعوضة.
وزمانية نحو: لأكرمنك كلما طرد الليل النهار، وإذا كانت مشتركة بين النفي وغيره، فما الدليل علي أنها هاهنا مراد بها النفي؟
وإن أريد بها مطلق الكف، وليس في استعمال المشترك في أحد معانيه نقلولا تغيير) حتى يلزم خلاف الأصل.
(فوائد عشر)
الأولى: إني رأيت أبا علي الفارسي في مسألة (الشيرازيات* نقل أن (ما) في (إنما) للنفي، وهو من أئمة اللغة وقولهم حجة.
стр. 947
الثانية في تقرير العبارة في تلخيص أنها للحصر فنقول: (إن) للإثبات، و (ما) للنفي، فإذا اجتمعتا، ولم تبقيا على حالهما لزم التغيير، وإن بقيتا، أو انصرفتا للمنطوق، أو المسكوت، اجتمع النقيضان؛ فيتعين التوزيع، وإن انصرف النفي للمنطوق، والإثبات للمسكوت لزم خلاف الإجتماع، فيتعين العكس، وهو المطلوب، فهذه عبارة وجيزة في التقرير.
الثالثة: أن القاعدة: أن النفي والإثبات في لسان العرب، إنما ينصرفان للخبر بإجماع النحاة.
فإذا قلت: إن زيدا قائم، فالمثبت القيام لزيد لا نفس زيد، وليس زيد قائما، المنفي القيام عنه لا نفسه، ولذلك لزم الكفر إذا قرأ الإنسان: (ولم يكن له كفوا أحد) [الإخلاص:٤] برفع (كفوًا)، و (نصب أحد)؛ لأنك نفيت الأحدية عن الكفوية، فتكون الأكفاء كثيرة، وهو كفر، والنفي هاهنا ليس في الخبر، فإنك إذا قلت: إنما زيد قائم، فقائم هو الخبر، وهو مثبت، فقد انتقضت القاعدة في أن النفي لم يكن في الخبر، فهذا النقض نورده في موطنين:
أحدهما: إذا قال النحوي: النفي إنما يرد علي الأخبار، نورد عليه هذا النقض.
الثاني: إذا ادعى أحد أن (إنما) للحصر، وأن (ما) فيها للنفي، نقول له: لو كانت للنفي، لوردت على الخبر على القاعدة المنصوصة، وليس كذلك إجماعا لو كانت للنفي، لوردت على الخبر على القاعدة المنصوصة، وليس كذلك إجماعا فلا تكون (ما) هاهنا للنفي، فيحصل لك سؤال في هذا المقام، ولك جعله دليلا ابتداءا على أن (إنما) ليست للحصر، والجواب:
أن هذا مستثنى عن القاعدة.
الرابعة: أدوات الحصر خمسة: (إنما)، والنفي قبل (إلا) نحو: ماقام
стр. 948
إلا زيد، لم يقم إلا زيد، ليس في الدار إلا زيد، كيف لما قلت النفي قبل إلا؟!
الثالث: المبتدأ مع الخبر، نحو قوله ﵇: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، أي: تحريمها منحصر في التكبير، فلا يحرم عليه الكلام وغيره إلا بالتكبير، ولا يحل له ما كان حلالا له قبل الإحرام إلا بالتسليم، وقوله ﵇: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) برفع ذكاة أمه، فيقتضي انحصار ذكاته في ذكاه أمه، فلا يفتقر الجنين إلى ذكاة، ومن روى ذكاة أمه بالنصب استدل به على افتقار للذكاة؛ لأن معناه عنده: ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه، ثم حذف (مثل) والعامل فيه، وأقيم المضاف إليه مقامه، فنصب؛ لأنه إعراب المحذوف، والقاعدة: أن أن المضاف إليه إذا أقيم مقام المضاف أعرب كإعرابه، وأجاب الفريق الأول بزن تقدير النصب: ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه، ثم حذفا وفيه جمع بين الروايتين، ولا يلزم احتياجه للذكاة.
الرابع: تقديم المعمولات قاله الزمخشري وغيره كقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) [الفاتحة:٥] أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، وقوله تعالى: (وهم بزمره يعملون) [الأنبياء:٢٧]، أي: لا يعملون إلا بأمره، وقولهم: (إياك أعني واسمعي يا جارة)، أي: لا أعني إلا إياك، وخالف في هذا الرابع جماعة.
الخامس: الألف، واللام، قال الرمام فخر الدين في كتاب (الإعجاز) الذي له إن لام التعريف تكون للخصر في قولك (زيد القائم) أي القيام منحصر فيه، وأبو بكر الصديق الخليفة بعد رسول الله ﷺ أي الخلافة بعده ﵇ منحصرة في الصديق
стр. 949
الخامسة: أن الحصر مقسم إلى حصر الصفات في الموصوفات، وإلى حصر الموضوفات في الصفات، والصفات في الصفات.
فالأول كقولنا: العالم زيد.
والثاني: زيد العالم، ثم قال الغزالي في (المستصفى): إذا قلت: صديقي
تنحصر صداقتك فيه فلا تصادق غيره، ويجوز أن يصادق غيرك، وإذا قلت: زيد صديقي حصرته في صداقتك، فلا يصادق هو غيرك، وأنت يجوز أن تصادق غيره.
والثالث نحو قولك: الغنى القنوع، والغني في القناعة، والراحة في الزهد.
أي: وصف الغنى منحصر في القناعة والراحة منحصرة في الزهد، ومن هذا الباب قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر:٢٨]، حصر الله تعالى الخوف منه في العلم والعلماد، فلا يخشاه إلا عالم به علي قدر علمه به، قل أو كثر، فأقل الناس علما أقلهم خشية، ويطرد ذلك في العامة والخاصة، فإن الجاهل بالشيء لا يخافه، هذا إذا قدم المنصوب، فلو أخر وقيل: إنما يخشى العلماء الله انحصر العلماء في الخشية له تعالى،
فلا يخشون غيره، ويجوز أن يخشاه تعالى غيرهم، وعلى الأول لا يخشاه غيرهم، ويجوز من جهة هذا اللفظ أن يخشوا غيره
قال سيف الدين: اختلفوا في قوله ﵇: (الأعمال بالنيات) وصديقي زيد، والعالم زيد.
стр. 950
فقالت الحنفية، والقاضي أبو بكر، وجماعة معهما: لا يدل شيء من ذلك على الحصر.
وقال الغزالي وجماعة معه: يدل عليه، واختلفوا في قولنا: لا عالم في البلد إلا زيد، فأكثر منكري المفهوم على أنه للحصر.
وقال بعضهم: لا يدل على نفي كل عالم سواه، وكذلك نقله الغزالي في (المستصفى).
السادسة: أن الحصر قد يذكر ويقرر، ولا يتعرض فيه لاعتبار مخصوص
стр. 951
بل يحكم به مطلقا في نفس الأمر مثل قوله ﵇: (إنما الماء من الماء)، وقد يقصد به بعض الاعتبارات، وبعض المتعلقات كقوله تعالى: (إنما أنت منذر) [الرعد:٧] حصر نبيه ﵇ في وصف النذارة، ومقتضى هذا الحصر ألا يوصف بالبشارة، ولا غيرها من الصفات، مع أن صفاته الجليلة الجميلة أكثر من أن نحصرها نحن.
وجوابه: أنه حصر له في النذارة باعتبار من لا يؤمن أي: إنما أنت منذر باعتبار من لا يؤمن، لأنه لاحظ له، ولا يتعلق به من جميع الصفات إلا النذارة، فتقوم الحجة عليه.
وكذلك قوله ﵇: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى) الحديث، حصر نفسه ﵇ في البشرية باعتبار الاطلاع على بواطن الخصوم، ولا صفة له ﵇ باعتبار الاطلاع علي ضمائرهم إلا البشرية، وإلا فمقتضى هذه الصيغة سلب كل صفة عنه غير البشرية، وكذلك قوله تعالى: (إنما الله إله واحد) [النساء:١٧١] أي باعتبار استحقاق العبادة، وقوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) [الحديد:٢٠] مع أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها تنال الدرجات العلية، والمقامات السنية، والأحوال الرضية، والأعمال المرضية، وإنما حصرها في ذلك باعتبار من أثرها، أي لا صفة لها باعتبار من أثرها إلا ذلك، فتأمل هذه القواعد تجد نفعها في الكتاب والسنة نفعا كبيرا عظيما جداً.
السابعة: أن الأول قد يكون محصورا في الثاني وهو الأصل، والكثير كما تقدم في جميع المثل المتقدمة، وقد يكون الثاني منحصرا في الأول، كما ذكرته في لام التعريف عن الإمام فخر الدين، ومثلته فيما تقدم في أدوات الحصر.
стр. 952
الثامنة: قال الجرجاني: يجوز أن تقول: إنما هو درهم لا دينار، ولا يجوز زن يقال: ماهو إلا درهم لا دينار، وهو فرق في غاية الإشكال فإن الكل حصر، والكل فقه، وقد رأيت للفصل بينهما فروقا:
أحدها: أن (ما) في (إنما) ليست صريحة في النفي، بل المجموع أداة وضعتها العرب لنفي الحكم عن المسكوت، وثبوته للمنطوق، وما هو إلا درهم لا دينار النفي فيه صريح، وشأن كلمة (لا) ألا يعطف بها إلا بعد الإيجاب، فالأول لما كان قريبا من الإيجاب صح العطف، كأنك تقول هو درهم لا دينار، بخلاف الثاني هو نفي صريح، فتصير عاطفا بها بعد النفي.
وثانيها: أن الإثبات قد يكون مقصودا أصالة نحو: قام زيد، وقد يكون مقصودا تبعا نحو قول الحالف لغريمه: والله ماعندي إلا درهمان، فلو وجد عنده درهم فقط لم يحنث؛ لأن المقصود نفي الزائد عليهما، وإنما ذكر إثباتهما غير مقصود في نفسه.
والمقصود إنما هو نفي الزائد، ولم يختل نفي الزائد بانحصار الموجود في درهم.
وقولنا: ماهو إلا درهم، الإثبات فيه غير مقصود، بل المقصود نفي غير الدرهم عن هذه الحقيقة، وإذا كان الإثبات غير مقصود امتنع العطف بـ (لا) فإنها لا يعطف بها إلا بعد الإثبات الصريح، والفرق بين هذا الجواب،
والأول أن هذا على أن (ما) للنفي في (إنما)، فهي تدل صريحاً، والشي إذا دل عليه بلفظ صريح قد يكون غير مقصود، بل المقصود هو المذكور بلفظ آخر معه، كما تقدم في مسألة الحلف، والجواب الأول مبني
стр. 953
على أن (ما) ليست للنفي، بل إنما وضعت لمجموع النفي في المسكوت، والإثبات في المنطوق
وثالثها: أن عادة العرب إذا فارقت شيئا لا ترجع إليه، بدليل إذا قطعت النعوت بإضمار فعل، أو إضمار مبتدأ لا ترجع للنعت بعد ذلك، وهاهنا إذا قلنا: ما هو إلا درهم، فـ (إلا) إيجاب بعد النفي، فقد أعرضت عن النفي بدخولها في الإثبات الناشيء عن إلا، فلا تعطف بـ (لا)، لأن ذلك من أحكام النفي الذي أعرضت عنه، وإذا قلنا: إنما هو درهم لم يوجد موجب الإعراض عن النفي بعد (إنما)، فعطفت بـ (لا) لبقاء النفي غير مرجوع عنه، ويرد على هذا هذا أن العرب إذا عاملت صيغة من يعود الضمير على لفظه الذي هو الأصل، ثم جمعت الضمير باعتبار المعنى قد ترجع إلى ما أعرضت عنه بأعادته مفردا، كقوله تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قريب، وإنهم ليصدونهم عن السبيل، ويحسبون أنهم مهتدون، حتى إذا جاءنا قال: ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) [الزخرف:٣٦ - ٣٨]، فقد ذكر الضمير أولا مفردا، ثم مجموعا، ثم مفردا، فقد حصلت العودة بعد المفارقة فما اطردت القاعدة التي ذكرها، مع أن الجماعة من النحاة منعوا الإفراد في الضمير بعد الجمع طردا لتلك القاعدة، ومواضع في الكتاب العزيز ترد عليهم.
ورابعها: قالوا: هذا يتخرج على أن الاستثناء من النفي ليس إثباتا، فقولنا: ماهو إلا درهم ليس إثباتا للدرهم، وإذا لم يتحقق ثبوته امتنع العطف بـ (لا)؛ لأن (لا) لا يعطف بها إلا بعد الإثبات.
وقولنا: إنما هو درهم ليس فيه استثناء، بل الدرهم مثبت، فعطفنا عليه بـ (لا)، ونظير هذه المسألة في الإشكال قول النحاة: يجوز أنا زيدا لا ضارب، ويمتنع أنا زيدًا غير ضارب، وأجابوا بأن ضاربا هو العامل في زيد،
стр. 954
فإذا أضيفت (غير) إلى ضارب امتنع عمله في زيد، لأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، لأن المعمول من صلة العامل، وجزء منه، ففيه صيرورة بعض أجزاء الكلمة قبل أولها، وهو عكس الكلام، وهذا المحذور منفى مع (لا)، وقد وقع في بعض الأشعار ما قبل (غير) معمولا لما هي مضاف إليه، قالوا: و (غير) هنالك يكون معناها (لا) مستعملة في مطلق السلب، فلذلك جاز ذلك.
التاسعة: القاعدة العقلية تقتضي أن كل مبتدأ محصور في خبره نكرة نحو زيد قائم، أو معرفة نحو: زيد القائم؛ لأن المبتدأ يجب عقلا أن يكون أخص من الخبر نحو: الحيوان جسم، أو مساويا نحو: الحيوان حساس، أما كونه أعم فمحال، فلو قلت: الجسم حيوان، كذب، لأن معناه: كل جسم فهو حيوان، وعلى هذا يلزم الحصر قطعا؛ لأن المساوي محصور في مساويه، والأخص محصور في أعمه بالضرورة، وإذا لزم الحصر في الجميع مع إجماعهم على قولنا: زيد قائم، لا يقتضي سلب غير القيام عنه، بخلاف إذا قلنا: إنما زيد قائم، أو زيد صديقي كما تقدم، فيتعين أن يكون الحصر في زيد قاذم باعتبار سلب النقيض، والضد المنافي لمطلق القيام أي: زيد لا يجوز اتصافه بنقيض ما حكم به عليه، وفي النظائر الأخر الحصر باعتبار سلب النقيض، والضد، والخلاف، لإنك إذا قلت: زيد قائم، فقد أثبت له مطلق القيام، ونقيض مطلق القيام سلب القيام دائما ومتى صدق مطلق القيام امتنع صدق سلب القيام دائما، فقد تعين الحصر في مفهوم القيام، وتعين سلب نقيضه عنه.
وإذا قلت: إنما زيد قائم معناه: لا صفة له إلا القيام فيسلب عنه نقيض القيام، والضد نحو الجلوس الدائم، والخلاف نحو الفقه، والطب، واللون، وجميع الصفات التي يمكن جمعها مع مفهوم القيام، وعلى هذا
стр. 955
البحث يكون الحصر الأول عقليا، والثاني لغويا يتوقف على النقل، فتأمل هذا الموضع.
العاشرة: ينبغي أن تعلم أن كل قضية فيها حصر لا يمكن أن تجعل مقدمة في دليل من حيث هدا ذات حصر؛ لأن الحصر معناه أن هذا المحمول ثابت لهذا الموضوع، ومسلوب عن غيره، فهي في قوة قضيتين، ولا بد معها من مقدمة أخرى، والدليل لا يتركب عن ثلاث مقدمات.
فإذا قلت: إنما الحيوان حساس، وكل حساس جسم ينتج: كل حيوان جسم، لكن يشترط أن يعتبر الثبوت دون السلب حتى يبقى معناه: الحيوان حساس، ويعوض عن السلب عن غير الحيوان؛ لئلا تصير ثلاث مقدمات، ولا قياس عن ثلاث مقدمات، ولأن صغرى الشكل الأول يجب أن تكون موجبة، فهذه القضية السالبة التي هي شرط الحصر، لا يصلح أن تكون فيه، وبهذا التمهيد أجاب الفضلاء عن قول القائل: الإنسان وحده ضاحك، وكل ضاحك حيوان ينتج: الإنسان وحده حيوان، وهو باطل، فقالوا: قولك: الإنسان وحده قضيتان؛ لأن معناهما: هو ضاحك، وغيره غير ضاحك، وصغرى القياس لا تكون قضيتين، ولا سالبة في الشكل الأول.
(تنبيه)
القول بأن الحصر يدل على السلب بطريق المفهوم يتوقف على أن (ما) في (إنما) ليست للنفي، بل المجموع وضع لثبوت الحكم للمنطوق، وسلبه عن المسكوت.
وإذا قلنا: إنها للنفي كان النفي مدلولا مطابقة لا مفهوما بطريق الالتزام؛ لأن دلالة المفهوم من باب دلالة الالتزام.
стр. 956
الباب التاسع
في كيفية الاستدلال بخطاب الله وخطاب رسوله ﷺ
على الأحكام وفيه مسائل
قال الرازي: المسألة الأولى: في أنه لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بشيء ولا يعني - به شيئا والخلاف فيه مع الحشوية.
لنا وجهان:
أحدهما: أن التكلم بما لا يفيد شيئا هذيان، وهو نقص، والنقص على الله تعالى محال.
وثانيهما: أن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى، وشفاء، وبيانات؛ وذلك لا يحصل بما لا يفهم معناه.
واحتج المخالف بأمور:
أحدها: أنه جاء في القرآن ما لا يفيد؛ كقوله: (كهيعص) [مريم:١] وما يشبهه. وقوله: (كأنه رءوس الشياطين) [الصافات:٦٥]
وقوله (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) [البقرة:١٩٦] فقوله: (عشرة كاملة) لا يفيد فائدة زائدة، وقوله: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ([الحاقة:١٣] وقوله: (لاتتخذوا إلهين اثنين) وثانيها: أن الوقف على قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران:
стр. 957
:٧] واجب؛ ومتى كان كذلك، لزم القول بأن الله تعالى قد تكلم بما لا يفهم منه شيد.
بيان الأول: أننا لو لم نقف هناك، بل وقفنا على قوله: (والراسخون في العلم) [آل عمران: ٧] فإذا ابتدأنا بقوله: (والراسخون في العلم) [آل عمران:٧]
كان المراد منه: (قائلين آمنا، كل من عند ربنا) ويصير ذلك عائدا إلى المذكورات السالفة؛ فيصير المعنى: كأن الله تعالى قال: (الراسخون في العلم قالوا: آمنا به كل من عند ربنا) وذلك غير جاذز علي الله تعالى؛ فبتث أن الوقف على قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران:٧] واجب، وإذا ثبت ذلك، ظهر أنا لا نعلم تأويل المتشابهات.
وثالثها: أن الله تعالى خاطب الفرس بلغة العرب، مع أنهم لا يفهمون شيئا منها، وإذا جاز ذلك، فليجز مطلقا.
والجواب عن الأول: أن لأهل التفسير فيها أقوالا مشهورة، والحق فيها أنها أسناء السور.
وأما (رءوس الشياطين) فقيل: إن العرب كانوا يستقبحون ذلك المتخيل، ويضربون به المثل في القبح.
وأما قوله ع: (عشرة كاملة): فذلك للتأكيد، وهو الجواب أيضا عن سائر الآيات.
وعن الثاني: أن موضع الوقف قوله: (والراسخون في العلم) وماذكروه من الإشكال، فغايته زنه عام خص منه البعض بدليل العقل؛ لامتناع عود ذلك الضمير إلى الله تعالى.
стр. 958
وعن الثالث: أن للفرس طريقا إلي معرفة الخطاب، بالرجوع إلى العرب.
قال القرافي: قلنا: مذهب أهل الحق: أن الله تعالى لا يجب تعليل أفعاله، ولا أحكامه بالأغراض. ولا يجب على الله تعالى رعاية مصلحة ولا درء مفسدة، وإنما تصح هذه الدعوى على قاعدة المعتزلة في
стр. 959
الحسن والقبح
стр. 960
....................
стр. 961
..................
стр. 962
......
стр. 963
...
стр. 964
....
стр. 965
........
стр. 966
.........
стр. 967
.............
стр. 968
.............
стр. 969
..........................................
стр. 970
قوله (التكلم بما لا يفيد هذيان ونقص)
قلنا: قد تقدم أن وصف الشيء بالصفة قد يصلح حقيقة، وإن لم يعم الموصوف، كقولنا زيد عالم.،سميع، وبصير، (وأدعج وأشهل)، ومكي، وقرشي، وإنما جميع ذلك باعتبار بعض الزعضاء أو نسبة خاصة عرضت له من بعض جهاته لا من جميع جهاته، بخلاف قولنا: أبيض، ونحوه من جميع الألوان، والطعوم، والروائح.
وبالجملة: الحمل على الشيء، والوصف له شيء لا يلزم فيه العموم، فلا يلزم من وصف القرآن بأنه بيان أن يكون كله كذلك، فلعل ذلك باعتبار بعضه، أو بعض اعتباراته كما تقدم في المثل.
وقد وصف الله - تعالى كتابه بالضدين فقال تعالى: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاءٌ، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى) [فصلت:٤٤].
فدل علي أن ذلك بحسب نسبة خاصة، وزحوال خاصة، وإلا فالضدين لا يجتمعان.
وهذا الموضع: من غوامض المباحث، وهو تحرير الفرق بين ما يلزم بالوصف به عموم، وبين ما لا يلزم، وقد حررته قبل هذا، وينبني على
стр. 971
خفائه مشكلات كثيرة، وتندفع بمعرفته، ويختلف لسان العرب كونه حقيقة أو مجازا باعتباره اختلافا كثيراً.
قوله: (كأنه رؤوس الشياطين) [الصافات:٦٥].
تقريره: أن المشبه به ينبغي أن يكون معلوما للمخاطب؛ لأن التشبيه بالمجهول لا يفيد، والشياطين غير معلومة للسامع، لعدم ظهورها للحس.
وجوابه أنه قد تقرر في أذهان السامعين أن الشياطين شيء وحشي الشكل والصورة، وأنه مرجف مزعج للبشرية، وهذا متقرر في أذهان الناس من الصغر إلى الكبر، كما اشتهر ذلك في العقل، فالتشبيه وقع بتلك الصورة المعلومة في الذهن، فما وقع التشبيه إلا بمعلوم.
قوله: (تلك عشرة كاملة) [البقرة:١٩٦]
الاستدلال بها اللخصم من وجهتين:
الأول: هي قوله: (تلك عشرة) فإن المتقدم سبعة، وثلاثة، ومن المعلوم بالضرورة أن السبعة والثلاثة: عشرة، فلا فائدة فيه.
الثاني: قوله: (كاملة) ومن المعلوم أن السبعة والثلاثة، عشرة لا تنقص، فقوله (كاملة لا فائدة فيه.
أجاب العلماء عن الأول: بأن قوله تعالى: (تلك عشرة) أفاد رفع المجاز المتوهم في (الواو) العاطفة [للسبعة على الثلاثة]، ولأن الواو يجوز استعمالها بمعنى (أو) كقوله تعالى: (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) [فاطر:١٠]، فإذن على تقدير قوله: (تلك عشرة) يعني أنها بمعنى (الواو) لا بمعنى (أو)، فقد حصلت فائدة زائدة .
وعن الثاني: أن السامع إذا سمع (ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) [البقرة:١٩٦] ربما توهم أن تأخير السبعة عن هذه المواطف الشريفة التي
стр. 972
تعظم فيها أجور الأعمال- وهو موضع العبادة المجبورة، وينبغي ألا يتأخر الجابر عن المجبور- أن ذلك ربما نقص الأجر، فأخبر الله تعالي أنها كاملة الأجر، ولا يتوهم المتوهم، فقوله تعالى: (كاملة) لم يرد كاملة العدد، بل كاملة الأجر وهذه هي الفائدة
قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) [الحاقة:١٣] و (لا تتخذوا إلهين اثنين) [النحل:٥١]
قال النحاة: النعت هاهنا للتأكيد، والتأكيد فيه فائدة، وهي: إبعاد المجاز عن ذهن السامع.
وفي الآية الثانية جواب آخر وهو: أن ال في الآية تقديما وتأخيرا تقديره، ولا تتخذوا إلهين، فقد استفدنا من المفعول الثاني مالم نستفده من المفعول الأول، ولا تأكيد هاهنا، بل استثناء.
قوله: (عام خص منه البعض)
اعلم أن في الآية ضميرين.
أحدهما: يستحيل عوده على الله تعالى.
والآخر يجوز. أما الضمير في قوله تعالى: (آمنا به) فلا يستحيل، لأن الإيمان هو التصديق، والتصديق على الله تعالى جائز وواحب فرن الله تعالى يصدق رسله ونفسه بالكلام النفساني وجوبا، فإن خبره تعالى عن الواقعات واجب الوجود لذاته.
والإخبار الجائز هو الإخبار بالكلام النفساني المخلوق في عباده، فيجوز ذلك كما قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) [آل عمران:١٨]، ونحوه فلا حاجة إلى التخصيص من هذا الضمير، والضمير الذي يستحيل عوده عليه
стр. 973
تعالى هو قولنا: (كل من عند ربنا) [آل عمران:٧] فالضمير (ربنا) يستحيل عوده على اللع تعالى، فهذا موضع التخصيص، فافهمه.
(تنبيه)
زاد التبريزي فقال: فرض الخلاف في الكلام القديم محال ، وأما لفظ القرآن فقد دل على الإجماع على امتناع ذلك فيما يتعلق منه بأحكام التكاليف، والشرائع، وما عدا ذلك فلا إحالة عقلا، ولا قاطع فيه سمعا، وكون القرآن هدى وشفاء لا يوجب كونه كذلك في كل حرف.
قال: وقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران:٧] إن سلم، فإنما يقتضي عدم علم غير الله، لا أن الله تعالى ما عنى شيئا، وهو محل النظر.
وقال سراج الدين في فهرسته المسألة: لا يجوز أن يرد في القآن والأخبار ما لا يفهم خلافا للحشوية.
وهذا مباين لـ) المحصول)، فإن هذا يقتضي أن الخلاف في فهمنا نحن لا في عدم إرادة الله تعالى بذلك اللفظ شيئا، فجاز أن يكون اللفظ أراد المتكلم به معنى، والسامع لم يفهمه.
ووافق (المنتخب) و (آلحاصل) فقالا: لا يخاطبنا الله تعالى بما لا يفيد وهو معنى عبارة سراج الدين.
وقال الشيخ سيف الدين في فهرسته المسألة: لا يتصور اشتمال القرآن الكريم على ما لا معنى له، وهو موافق لمعنى لفظ (المحصول)، بخلاف مختصراته.
стр. 974
(فائدة)
(الحشوية) من المشايخ من يرى: أنه لفظ يقال بسكون الشين ؛ لأن منهم المجسمة، والجسم محشو فهم ينسبون للحشو بشكون الشين
ومنهم من يقول: الحشوية بفتح الشين، ويقول: سبب هذا الاسم أن الحسن البصري كانوا في حلقته فوجد كلامهم ساقطا، وكانوا بين يديه، فقال ردوا هؤلاء لحشا الحلقة أي لجانبها، والجانب يسمى (حشا) ومنه (الأحشاء) لجوانب البطن، والنسبة إلى (الحشا) حشوى بفتح الشين، نحو عصى عصوي، ورحى رحويّ، وهذا هو أظهر القولين.
(تنبيه)
مراده بقوله: (خلافا للحشوية): الطائفة الذين لا يرون البحث في القرآن إذا تعذر إرادة ظاهرة، نحو آيات الصفات، فإنهم لا يعتقدون ظاهرها، بخلاف المجسمة منهم، فإنهم يجرونها على ظواهرها، وهؤلاء يقولون: ما يعرف معنى هذه الآيات أصلا، بل يفوضها إلى الله تعالى في تعين مجازها بعد أن يعتقد أن خفاءها غير مراده.
ومقتضى هذا أن تكون الفهرسة: لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بما لا يفهم، وهي عبارات المختصرات، وهذا هو الأقرب للصواب.
стр. 975
(المسألة الثانية)
في أنه لا يجوز أن يعني بكلامه خلاف ظاهره، ولا يدل عليه ألبتة.
والخلاف فيه مع المرجئة:
لنا: أن الفظ الخالي عن البيان أبدا، يكون بالنسبة إلى غير ظاهره مهملا، وقد بينا أن التكلم بالمهمل غير جائز على الله تعالى.
فإن قيل: إن عنيت بالمهمل ما لا فائدة فيه ألبتة، فلا نسلم أن الأمر كذلك؛ لأنه تعالى، إذا تكلم بما ظاهره يقتضي الوعيد مع أنه لا يريد ذلك، حصل منه تخويف الفساق، والتخويف يمنعهم من الإقدام؛ فقد حصلت هذه الفائدة.
وإن عنيت به أنه لا يحصل منه فائدة الإفهام، فهو مسلم؛ لكن لم قلت: إن ما يكون كذلك، فإنه غير جائز على الله تعالى؟ فإن هذا أول المسألة.
والجواب: لو فتحنا هذا الباب، لما بقي الاعتماد على شيء من خبر الله، وخبر رسوله ﷺ ؛ لأنه ما من خبر إلا ويحتمل أن يكون المقصود منه أمراً وراء الإفهام، ومعلوم أن ذلك ظاهر الفساد، والله أعلم.
(لا يجوز أن يعني الله تعالى بكلامه خلاف ظاهره، ولخلاف فيه مع المرجئة)
قال القرافي: تقريره: أن المرجئة تقول:
لا تضر معصية مع الإيمان كما لا تنفع طاعة مع الكفر، ويقولون: آيات الوعيد كلها التي ظواهرها العقوبة المراد منها خلاف ظواهرها وهو التخويف فقط، وناظرني بعضهم مرة واستدل على ذلك بقوله تعالى:
стр. 976
(ذلك يخوف الله به عباده ([آلزمر:١٦]، و (ما نرسل بالآيات إلا تخويفًا) [الإسراء:٥٩]، فقلت له: هذه الآيات عليكم لا لكم، فإنه إن يكن الحق ما تقولونه لا تكون الآيات مخوفة، وأي خوف مع الجزم بأن ظاهر الوعيد غير مراد.
والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها: أن المرجئة جزمت بمراد الله تعالى والحشوية قالت: لا نعلم مراد الله تعالى، فالنزاع مع الحشوية في أن معنى معقول أم لا؟، والنزاع مع هؤلاء على المعنى المعقول هل هو مراد الله تعالى أم لا؟.
(فائدة)
المرجئة من الإرجاء وهو التأخير ، كقوله تعالى: (زرجه وأخاه) [الأعراف:١١١] وهؤلاء المرجئة أخروا الأعمال أي أسقطوا اعتبارها، فلم يجعلوها تسقط عذابا عن العبد، فإنه لا عذاب مع الإيمان، فلم يبق للعمل أثر في إسقاط العذاب، فصار العمل مؤخرا، بمعنى: أنه داحض ساقط، كقوله: أخر الملك فلانا إذا عزله أو أبعده.
قوله: (اللفظ بالنسبة إلى غير ظواهره مهمل، والتكلم به غير جائز على الله تعالى).
قلنا: لا نسلم أنه مهمل؛ لأن المهمل في الصطلاح ما لم يوضع، وكون اللفظ أريد به غير ظاهره لا يقتضي عدم وضعه
سلمنا إهماله، لكن لا نسلم أنه محال على الله تعالى؛ لأن أفعال الله تعالى لا يجب تعليلها بالمقاصد كما تقدم.
والأقرب في هذه المسألة والتي قبلها أن يقال: (وذلك غير، اقع)، ولا يقال: (وذلك غير جائز)، فإن جوزنا عدم تعليل أفعال الله وشرائعه،
стр. 977
لكن الواقع أنها مصالح للعباد تفضلا من الله تعالى، لا على سبيل الوجوب، وبهذه الدقيقة تتم المباحث.
قوله: (لو صح ما ذكرتموه لم يبق الاعتماد على شيء من أخباره؛ لأنه ما منرخبر إلا ويحتمل أن يكون المراد به غير ظاهره).
قلنا الاحتمال لا ينفي الوثوق ظاهرا، ولم تحتف باللفظ قرائن غير دلالة الوضع، فإنا لا نقطع بأنه يجب على الهل تعالى ألا يخاطبنا إلا بمراد الظاهر، وهو المستند بجزمنا بخلود أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة، فإن لفظ (خالدين فيها) [الأحزاب:٦٥] لا يفيد القطع؛ لأنه عام في الأزمان، ودلالة العموم ظاهرة ظنية لا قطعية، لكنه حصل من القرائن الحالية من رسول الله ﷺ وتكرر الألفاظ في الكتاب والسنة إلى أن وصل ذلك إلى حد يفيد القطع عند من حصل له ذلك الاستقراء
(تنبيه)
زاد التبريزي فقال: هذه المسألة مثل التي قبلها، ما يتعلق بالشرائع والأحكام ظاهرة المراد ، بل ذلك مقطوع به لا سيما عند من يحيل تكليف ما لا يطاق، وفيما عدا ذلك لا مانع منه، وفي الحديث كان رسول الله ﷺ إذا أراد غزوة ورىّ بغيرها فعل ذلك، من باب الخدع في القتال لا من باب خائنة الأعين.
стр. 978
ثم لا معنى للتعريض إلا هذا، وقد أوجبته المعتزلة.
стр. 979
(المسألة الثالثة)
في أن الاستدلال بالخطاب، هل يفيد القطع أم لا؟
منهم من أنكره؛ وقال إن الاستدلال بالأدلة اللفظية مبني على مقدمات ظنية والمبني على المقدمات الظنية ظني؛ فالاستدلال بالخطاب لا يفيد إلا الظن: وإنما قلنا: إنه مبني على مقدمات ظنية؛ لأنه مبني على نقل اللغات، ونقل النحو والتصريف، وعدم الاشتراك، والمجاز، والنقل، والإضمار، والتحصيص، والتقديم والتأخير، والناسخ، والمعارض، وكل ذلك أمور ظنية.
أما بيان أن نقل اللغات ظني: فلأن المرجع فيه إلى أئمة اللغة، وأجمع العقلاء على أنهم ما كانوا بحيث يقطع بعصمتهم، فنقلهم لا يفيد إلا الظن وتمام الكلام في هذا المقاك قد تقدم.
وأما النحو والتصديف: فالمرجع في إثباتهما إلى أشعار المتقدمين، إلا أن التمسك بتلك الأشعار مبني على مقدمتين ظنيتين:
إحداهما: أن هذه الأشعار رواها الآحاد، ورواية الآحاد لا تفيد الظن.
وأيضا، إن الذين رواها، روايتهم مرسلة لا مسندة، والمرسل غير مقبول عند الأكثرين، إذا كان خبرا عن رسول الله ﵌، فكيف إذا كان خبرا عن شخص لا يؤبه لخ، ولا يلتفت إليه؟!
وثانيهما: هب أنه صح هذا الشعر عن هذا الشاعر؛ لكن لم قلت: إن هذا الشاعر لا يلحن؟
стр. 980
أقصى ما في الباب أنه عربي؛ لكن العربي قد يلحن في العربية، كما أن الفارسي قل يلحن كثيرا في الفارسية؛ والذي يؤيد هذا الاحتمال: أن الأدباء لحنوا أكابو شعراء الجاهلية: كامرئ القيس، وطرفة، ولبيد، وإذا كانوا معترفين بأنهم قد لحنوا، فكيف يجوز التعويل في تصحيح الألفاظ وإعرابها علي قولهم؟
ذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبدالعزيز الجرجاني في الكتاب الذي صنفه في (الوساطة بين المتنبي وخصومه): أن امرأ القيس أخطأ في قوله [السريع]:
(ياراكلا بلغ إخواننا ... من كان كندة أوائل)
فنصب بلغ
وفي قوله [السريع]:
(فاليوم أشرب غير مستعقب إثما من الله ولا واغل)
وقوله [المتقارب]:
(لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعدين النمر)
فأسقط النون من (خظاتا) بغير إضافة
وقول لبيد [آلكامل]:
تراك أمكنة إذا لم إضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها)
فسكن (يرتبط) ولا عمل لـ (لم) فيه.
стр. 981
وقول طرفة [الرجز]:
(وقد رفع الفخ فماذا تحذري)
فحذف النون.
وقول الأسدي [السريع]:
(كنا نرقعها فقد مزقت ... واتسع الخرق على الراقع)
فسكن ترقع.
وقول الفرزدق [الطويل]:
(وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف)
قضم (مجلف).
وقول ذي الخرق الطهوي [الطويل:
(يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع)
فأدخل الألف واللام على الفعل.
وقول رؤبة [الرجز]:
(أقفرت الوعثاء والعثائث من بعدهم والبرق والبرارث)
وإنما هي البراث جمع برث وهي: الأماكن السهلة من الأرض.
وقوله أيضا [الرجز]:
(قد شفها اللوح بما زول ضيق)
ففتح الياء فهذه وأمثالها كثيرة.
стр. 982
وجري بين الفرزدق وبين عبدالله بن اسحاق الحضرمي في إفوائه وفي لحنه في قوله [الطويل]:
(فلو كان عبدالله مولى هجوته ... ولكن عبداللع مولى مواليا)
ففتح الياء من (موالي) في حال الجر.
وجرى له مع عنبسة الفيل النحوي؛ حتى قال فيه [آلطويل]:
(لقد كان في معدان للفيل شاغل لعنبسة الراوي على القصائدا)
وكان القدماء يتبعون أشعار الأوائل من لحن وغلط، وإحالة وفساد معنىً
وقال الأصمعي في الميت: إنه جرمقاني من جرامقة الشام، لا يحتج بشعره، وأنكر من شعر الطرماح ولحن ذا الرمة.
ثم إن القاضي علي بن عبدالعزيز طوّل في هذا المعنى وفي هذا القدر كفاية ومن أراد الاستقصاء، فليطالع ذلك الكتاب.
وعند هذا نقول: المرجع في صحة اللغاة، والنحو التصريف إلى هؤلاء الأدباء، واعتمادهم على تصحيح الصحيح منها، وإفساد الفاسد على أقوال هؤلاء الأكابر من شعراء الجاهلية والمخضرمين وإذا كان الأدباء قد قدحوا فيهم، وبينوا لحنهم وخطأهم في اللفظ، والمعنى والإعراب؛ فمع هذا كيف يمكن الرجوع إلي قولهم، والاستدلال بشعدهم؟
أقصى ما في الباب أن يقال: هذه الأغلاط نادرة، والنادر لا عبرة به، لكنا نقول: النادر لا يقدح فيه في الظن، لكن لا شك أنه يقدح في اليقين؛ لقيام الاحتمال في كل واحد من تلك الألفاظ والإعرابات؛ أنه من ذلك اللحن النادر.
стр. 983
فثبت أن المقصد الأقصى في صحة اللغة والنحو والتصريف الظن
الظن الثاني: عدم الاشراك؛ فإن بتقدير الاشراك يجوز أن يكون مراد الله تعالى من هذا الكلام غير هذا المعنى الذي اعتقدناه لكن نفي الاشتراك ظني.
الظن الثالث: عدم المجاز؛ فإن حمل اللفظ على حقيقته، رنما يتعين، لولم يكن محمولا على مجازه، لكن عدم المجاز مظنون.
الظن الرابع: أنه لا بد من عدم النقل، فإن بتقدير أن يقال: الشرع، أو العرف نقله من معناه اللغوي إلى معنى آخر، وكأن المراد هو المنقول إليه، لا ذلك الأصل.
الظن الخامس: أنه لا بد من عدم الإضمار، فإنه لو كان الحق هو، لكان المراد الذي يدل عليه اللفظ بعد الإضمار، لا هذا الظاهر
الظن السادس: عدم التخصيص، وتقريره ظاهر.
الظن السابع: عدم الناسخ، ولا شكل في كونه محتملا في الجملة وبتقدير وقوعه؛ لم يكن الحكم ثابتا
الظن الثامن: عدم التقديم والتأخير، ووجهه ظاهر.
الظن التاسع: نفي المعارض العقلي؛ فإنه لو قام دليل قاطع عقلي على نفي ما أشعر به ظاهر النقل، فالقول بهما محال؛ لا ستحالة وقول النفي والإثبات؛ والقول بارتفاعهما محال؛ لاستحالة عدم النفي والإثبات.
والقول بترجيح النقل على العقل محال؛ لأن العقل أصل النقل، فلو كذبنا العقل، لكنا كذبنا أصل النقل، ومتى كذبنا أصل النقل، فقد كذبنا النقل.
стр. 984
فتصحيح النقل بتكذيب العقل يستلزم تكذيب النقل؛ فعلمنا أنه لا بد من ترجيح دليل العقل.
فإذا رأينا دليلا نقليا. فإنما يبقى دليلا عند السلامة عن هذه الوجوه التسعة، ولا يمكن العلم بحصول السلامة عنها إلا إذا قيل: بحثنا واجتهدنا، فلم نجدها؛ لكنا نعلم أن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود لا يفيد إلا الظن
فثبت أن التمسك بالأدلة النقلية مبني على مقدمات ظنية، والمبني على الظنيّ ظنيّ
وذلك لا شكل فيه؛ فالتمسك بالدلائل النقلية لا يفيد إلا الظن.
فإن قلت: المكلف إذا سمع دليلا نقليا، فلو حصل فيه شيء من هذه المطاعن، لوجب في حكمة الله أن يطلعه على ذلك.
قلت: القول بالوجوب على الله تعالى مبني على قاعدة الحسن والقبح العقليين، وقد تقدم القول فيهما.
سلمنا ولكننا نقطع بأنه لا يجب على الله تعالى أن يطلعه على ذلك، لما أنّا نجد كثيرا من العلماء يسمعون آية أو خبرا، مع أنهم لايعرفون ما في نجوها ولغتها وتصريفها من الاحتمالات التسعة التي ذكرناها، وإنكار ذلك مكابرة ولو كان ذلك واجبا، لما كان الزمر كذلك، فعلمنا ضعف هذا العذر وفيه وجوه أخر من الفساد، ذكرناها في الكتب الكلامية.
واعلم أن الانصاف أنه لا سبيل إلى استفادة اليقين من هذه الدلائل اللفظية، إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين، سواء كانت تلك القرائن مشاهدة أو كانت منقولة إلينا بالتواتر.
стр. 985
المسألة الثالثة
(في أن الاستدلال لالأدلة اللفظية مبني على مقدمات ظنية، والمبني على المقدمات الظنية لا يفيد إلا بالظن)
قلنا على هذه العبارة مناقشة، فإن الموقوف على المقدمات الظنية قد يكون قطعيا، بل الموقوف على الشكل قد يكون قطعيا فضلا عن الظن.
يدل على ذلك صور.
أحدها: ما تقدم أول الكتاب من أن الأحكام الشرعية كلها قطعية مع أنها موقوفة على مقدمات ظنية، ولكن إذا قال: الإجتماع عند ظن المجتهد هذا حكم الله تعالى، قطعنا بأنه حكم الله تعالى لإخبار المعصوم به
وثانيها: إذا قال الله تعالى: متى ظننتم وجود زيد في الدار، فاعلموا أني قد أوجبت عليكم ركعتين، فمتى حصل ذلك الظن قطعنا بوجوب الركعتين علينا، لإخبارا لله تعالى بذلك.
وثالثها: قوله ﵇: (إذا شكل أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، ثلاثا، أو أربعا؟ فليجعلها ثلاثا، وليضف إليها ركعة أخرى)
следующие страницы →