← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14284

ثم أبصرت الحقيقة

محمد سالم الخضر

Полный текст (554 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهذا تصريح من التبريزي بكون الأئمة والزهراء أفضل من الأنبياء ﵈ سوى محمد ﵊، وقد صرّح بهذا القول في "الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية" حيث أجاب على سؤال وُجّه له عن تفضيل الأئمة على أنبياء الله تعالى بقوله: (أئمتنا ﵈ أفضل من الأنبياء ما عدا الرسول ﵌ (١) ولا يخفى ما في هذا الغلو في أئمة أهل البيت من الإساءة إلى أنبياء الله تعالى الذين اصطفاهم الله تعالى لحمل رسالته وفضلهم على العالمين. إنّ هذه العقائد نموذج حَيَّ للغلو الذي دخل على التشيع لأهل البيت باسم حبهم ومناصرتهم. ٤ - آية الله العظمى محمد بن مهدي الحسيني الشيرازي يقول في كتابه "من فقه الزهراء" ما نصه: (ثم إنهم ﵈ ومنهم فاطمة (صلوات الله وسلامه عليها) يحيطون علماً وقدرة - بإذن الله تعالى - بالكائنات جميعاً إلا ما استثني وقد تقدّم في الزيارة الرجبية ما يدل على ذلك، كما في جملة من الأحاديث (يعلمون ما كان وما يكون وما هو كائن) فإنه ليس بمحال عقلاً! ويشبه ذلك في الماديات الهواء والحرارة والجاذبية وغيرها) ويقول أيضاً: (كما أنها (صلوات الله عليها) - يعني السيدة فاطمة - تعلم الغيب كسائر المعصومين ﵈ حسب مشيئته سبحانه. (٢)

стр. 107

ولها ولهم ﵈ الولاية التكوينية ومعناها: أنّ زمام العالم بأيديهم ﵈ ومنهم فاطمة (سلام الله عليها) حسب جعل الله سبحانه، كما أنّ زمام الإماتة بيد عزرائيل فلهم ﵈ التصرف فيها إيجاداً وعدماً، لكن من الواضح أنّ قلوبهم أوعية مشيئة الله تعالى، فكما منح الله سبحانه القدرة للإنسان على الأفعال الاختيارية منحهم ﵈ القدرة على التصرف في الكون. وما نذكره يشمل كل المعصومين ﵈، فإنّ كل الصلاحيات التي كانت للأنبياء ﵈ ثابتة للمعصومين ﵈ أيضاً، لأنهم أفضل منهم، وفاطمة (صلوات الله عليها) أفضل من جميع الأنبياء ﵈ إلا الرسول ﵌ (١). ٥ - آية الله العظمى محمد محمد صادق الصدر أما محمد الصدر فلديه ما هو أعجب. فهو يقارن بين صبر الإمام الحسين وبين صبر أنبياء الله تعالى بل وصبر أولي العزم من الرسل الذين أُطلق عليهم هذا الإسم لشدة صبرهم في دعوتهم وعلى ابتلائهم. وتبلغ المقارنة حداً تقشعر منه جلود الموحدين، حين يستخف محمد الصدر بأنبياء الله تعالى بأسلوب فج قبيح لا يمكن أن يُفسر إلا بأنه استهزاء صريح بأنبياء الله تعالى وملائكته. ففي خطب الجمعة المنشورة له يقول: (الحسين ﵇ صبر أكثر من آدم ﵇، يقول في القرآن ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٢) الحسين

стр. 108

صبر أكثر من نوح ﵇، الذي من أنبياء أولي العزم ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً. وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ (١)، نوح صبر مئات السنين، مع ذلك المتوقع منه أن لا يفتح فمه بالشكوى أمام الله !!!، الحسين لم يفتح فمه بالشكوى أمام الله . ثم يقول: (الحسين ﵇ صبر أكثر من ذي النون، فإنّ الأخير لم يستطع الصبر عدة سنوات، وانهزم من مجتمعه الذي كان مكلفاً حسب الرواية بالدعوة فيه، أي بالنبوة فيه ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) مريم بشرتها الملائكة بوجود عيسى وولادته. مع ذلك استشكلت ولم تسكت إلا أن تشكل ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾ (٣)، قضاه الله وقدره رغماً عنك! وليس باختيارك وإنما اختيار رب العالمين، لماذا تفتحين فمك بما لا ينبغي؟! فهل فتح واحد من المعصومين فمه بما لا ينبغي؟ حتى بالدقة العقلية لا يوجد مثل هذا الشيء. زكريا ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ. قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ

стр. 109

وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (١). الملائكة تقول له وجهاً لوجه وحساً بحس مع ذلك تأخذه الأسباب الطبيعية! وتصعب في نفسه أهمية هذه الأسباب فيفتح فمه بالإشكال أمامهم) (٢). هكذا يتكلم محمد الصدر عن أنبياء الله تعالى والبتول مريم بكل احتقار وسوء أدب، المهم أنّ الإمام الحسين أفضل من الكل وكفى، حتى لو كان في ذلك انتقاص لأنبياء الله وانتقاد لهم وتقليل من شأنهم وقلة حياء في الحديث عنهم. لكن يبدو أنّ محمد الصدر يرى نفسه أتقى من الملائكة وأورع منهم، فبعد أن قال في خطبته (صَبَر الحسين أكثر من الملائكة) أعقب ذلك بقوله: (﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة﴾ (٣) انفتحت ألسنتهم هذا ليس بكلام جيد منك. سمعت أحداً يقول لله مثل هذا الكلام؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)!! (٤)

стр. 110

ولا يكتفي آية الله العظمى محمد الصدر بكل هذا بل يعقد مقارنة بين مرقد الإمام علي وبين الكعبة المشرفة فيقول: (وقع الكثير من هذا الكلام بين المؤمنين الواعين أنّ الكعبة أفضل أم حرم أمير المؤمنين؟ أنا أقول: حرم أمير المؤمنين، بماذا تريد أن تجيب فأجب وكذلك المصلى مصلى أمير المؤمنين، وكذلك مسكن أمير المؤمنين، الله ما هي صداقته مع الكعبة؟ ولكن له صداقة مع أمير المؤمنين، ولي الله حقاً، فقط هذه؟ لا .... أكثر) (١). ٦ - آية الله العظمى وحيد خراساني يخاطب الوحيد الخراساني الإمام المهدي بقوله: (يا فاعل ما به الوجود، ويا من أينما كان ما منه الوجود] أي الله تعالى [كنت أنت أيضا هناك، فلا يخلو مكان - بحكم البرهان - (من فاعل ما منه الوجود)، ولا يخلو مكان منك أنت أيضاً، لأنّ أفعاله تعالى وإن كانت أفعاله ولكنها بواسطتك، فمنه تعالى كل شيء، لأنّ كل شيء منه لا إله إلا الله، ومنك كل شيء، لأنّ كل شيء يكون بواسطتك. إننا موحدون ... لا نعرف شيئاً منك، بل نعرف أن كل شيء من الله تعالى، ولكن في عين الحال التي نرى أن كل شيء منه هو، نرى أيضاً أن أنفاس صدورنا منه ولكن بك أنت، والنظرة والرؤية التي نتمتع بها، والخطوة التي نخطوها، كلها منه ، ولكنها بك أنت ... أيتها الرحمة التي وسعت كل شيء) (٢).

стр. 111

ويقول الوحيد الخراساني بصراحة مثيرة: (إنّ إمام العصر صار عبداً، وعندما صار عبداً صار رباً، فـ " العبودية جوهرة كنهها الربوبية" فمن ملك هذه الجوهرة تحققت ربوبيته -بالله تعالى لا بالاستقلال - بالنسبة إلى الأشياء الأخرى) (١). وتأييداً لأقواله الباطلة، يستورد الوحيد الخراساني حديثاً من أحد أقطاب الفرقة الخطابية الملعونة والبائدة التي كانت تؤله الإمام الصادق وهو المفضل بن عمر يقول فيه كذباً وزوراً وبهتاناً: (إنه سمع أبا عبد الله (ع) يقول في قول الله تعالى ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾: رب الأرض إمام الأرض. قلت: فإذا خرج يكون ماذا؟ قال: إذن يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ويجتزئون بنور الإمام) (٢). واستناداً إلى أقوال الغلاة هذه يعتقد الشيخ الوحيد الخراساني: (إنّ إمام العصر هو صاحب مقام الإمامة المطلقة، أي العلم المطلق والقدرة المطلقة والإرادة المطلقة والكلمة التامة والرحمة الواسعة) (٣). ويقول: (لا شك أنّ إمام الزمان جوال في زيارة أولياء الله ولا حجاب أمامه، فمن هو "فاعل ما به الوجود" لا يكون محجوباً) (٤). ومع أنّ الله ينهانا عن دعاء غيره ويقول ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُون﴾ (٥) ويقول ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا

стр. 112

لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّك﴾ (١) و ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (٢) فإنّ آية الله العظمى الوحيد الخراساني يوجه المسلمين وغير المسلمين إلى الاستغاثة بالإمام المهدي فيقول: (من الضروريات والمسلمات أنّ كل من تنقطع به السبل ويتيه في صحراء قاحلة لا يهتدي فيها إلى طريق، سواء كان يهودياً أو نصرانياً، أو مسلماً شيعياً او سنياً ـ لا فرق بتاتاً، إذا ما ندب في ذلك الحين وقال: (يا أبا صالح المهدي أدركني) فإنّ النتيجة قطعية الحصول ... والسر في ذلك أنّ الدعاء في تلك الحالة متوجه للإمام حقيقة لأنه نابع عن اضطرار واقعي يخرق الحجب، وفي غير تلك الحالة فإنّ الندبة غير متوجهة إليه! والأمر سيان بين الله وبين سبيل الله، "من منه الوجود ومن به الوجود" والحكم في الحالين واحد، فكما أنّ التوجه بالدعاء إلى "من منه الوجود" يجب أن يتحقق حتى تتحقق الاستجابة، كذلك الأمر بالنسبة إلى "من به الوجود" فهو السبيل الأعظم والصراط الأقوم، فإنّ التوجه إليه بالدعاء يجب أن يتحقق فتتحقق الاستجابة في ذلك الحين بالضرورة) (٣). ويقول: (وإذا اضطر أحد فتوجه إلى (السبيل الأعظم) أي "من به الوجود" للنجاة من صحراء تاه فيها وبلوغ المعمورة، فإنه ﵇ سيرشده إلى الطريق ويدله على ما يجب أن يفعله حتى ينجو ... لقد اضطرته تلك الحال فلجأ إليه وتوسل به، فينظر ﵇ إليه نظرة يكون فيها دواؤه وشفاؤه) (٤).

стр. 113

وكأنّ وحيد الخراساني لا يدرك حقيقة أنّ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وبقية الأئمة من أهل البيت كانوا في حياتهم محدودي القدرة ضمن أطر الزمان والمكان ولم يكونوا يخترقون الحجب ولا يمتلكون هذه القدرة الخارقة على نصرة أوليائهم أو المستغيثين بهم، وقد تعرضوا هم إلى أشد ألوان العذاب واستغاثوا بالله تعالى وطلبوا منه النصر والعون! لكنه الغلو وما يفعله في أصحابه. ٧ - آية الله العظمى المولى ميرزا حسن الحائري الإحقاقي سُئل الإحقاقي عن معنى كلمة (شديد القوى) في سورة النجم فأجاب (... كيف وقد صح، واشتهر عند الإمامية أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ هو معلم جبرائيل في العالم الأول (عالم النورانية) والرواية معروفة لا حاجة إلى ذكرها) (١). فهل علّم علي بن أبي طالب جبريل أمين وحي السماء؟!! غلو فاحش وضلال مبين لا يحتاج إلى تعليق. ويسأله أحد مقلديه قائلاً: (لما مرض النبي ﵌ مرضه الذي توفي فيه، أوصى إلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين ﵇ قائلاً: (إذا فاضت نفسي المقدسة فتناولها بيدك وامسح بها وجهك، ثم قال: وإذا مت غسلني وكفني واعلم أنّ أول من يصلّي عليّ الجبار ﷻ ، ثم أهل بيتي ثم الملائكة ثم الأمثل والأمثل من أمتي)، فما معنى إفاضة نفسه، وتناولها بيد علي (ع) ومسحها بوجهه ثم ما كيفية صلاة الجبار عليه؟ أفيدونا أطال الله بقاءكم.

стр. 114

يأتي جواب الحائري على هذا التساؤل فيقول: (النفس هنا معناها الروح، يعني خرجت روحي من جسدي، فتبارك بها وامسح بها وجهك، ولأنّ روحه الزكيّة أفضل روح، وأشرف روح بين الأرواح، فهي مباركة طيبة. هذا إذا كانت روحه البشرية وأما إذا كانت النفس اللاهوتية (١)، فهي التي تنتقل من معصوم إلى معصوم، بعد وفاة كل منهم، وهي الملك المسدد الذي جاء في أخبارنا. وفي بعض الروايات تتجسم كالزبدة على شفتي الإمام عند وفاته، فيتناولها الإمام من بعده بفمه ويأكلها. وفي بعضها: تتجسم كالعصفور فيبلعها وصيه والإمام من بعده، كما جرى ذلك بين الإمامين الرضا والجواد ﵉ (٢). ولا يمكنني أن أجد تعليقاً مناسباً لمثل هذا الكلام! ٨ - آية الله العظمى المولى ميرزا عبد الرسول الحائري الإحقاقي يقول مجيباً على سؤال طُرح عليه عن إحدى روايات المذهب: (وأما قوله ﵇: (إذا شئنا شاء الله) دلالة على أنّ مشيئتهم لا تخالف مشيئة الله مطلقاً بل كما قال مولانا الحجة أرواحنا فداه (بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله إذا شئنا شاء الله)، أما مسألة أنّ حساب الناس عليهم .. إلخ، فقد تردد كثيراً في أخبارهم ﵈ وزياراتهم

стр. 115

منها ما في الزيارة الجامعة الكبيرة (وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم وفصل الخطاب عندكم) وغيره من الأخبار الدالة على هذا المعنى، وإليك بعض هذه الأخبار، ففي صحيح الكافي ج٨ ص١٩٥ عن الباقر (ع) (إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوليين والآخرين لفصل الخطاب دعي رسول الله صلى الله عليه وآله ودعي أمير المؤمنين ﵇ فيُكسى رسول الله صلى الله عليه وآله حلة خضراء تضيء ما بين المشرق والمغرب، ويكسى علي (ع) مثلها ثم يصعدان عندها ثم يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار)، وفي الكافي ج٨ ص١٦٢ عن الكاظم (ع): (إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم .. إلخ)، وفي أمالي الطوسي ص٤٠٦ عن أبي عبد الله (ع): (إذا كان يوم القيامة وكلنا الله بحساب شيعتنا) وغيرها من الأخبار التي لا تقع تحت الحصر) (١). ومن حقي أن أسجل ملاحظة صغيرة على هذا الكلام المغالي أقول فيها: لو أننا رضينا جدلاً بأنّ مشيئة الأئمة هي مشيئة الله تعالى، وأنهم لا يفارقون هذه المشيئة طرفة عين، لأكن مغالياً وأتقبل معك هذه الفكرة، لكن ما لا أستطيع أن أفهمه هو قول الرواية (إذا شئنا شاء الله)، فكأنّ الله تعالى عياذاً بالله صار تبعاً للأئمة وليست القضية فقط اتحاد مشيئة، ولو كان عند هؤلاء المغالون ذرة حياء وخشية من الله تعالى لنسبوا إلى الأئمة قولهم (إذا شاء الله شئنا) وليس العكس .. ولكن ليس بعد هذه الزندقة من عتب.

стр. 116

٩ - آية الله العظمى محمد الحسيني الشاهرودي أجاب على سؤال وُجه إليه من قِبل طلبة الحوزة العلمية في قم نصه كالتالي: (س١٤ شكك أحدهم بالروايات الواردة في كون نور فاطمة ﵍ قد خُلق قبل أن يخلق الله الأرض والسماء، ما رأيكم بذلك؟ علماً أنّ التشدد السندي لا يخرج بعض الروايات من دائرة الاعتبار، كما نرى ذلك في رواية سدير الصيرفي التي يذكرها الشيخ الصدوق في معاني الأخبار). الجواب: (لا ريب أنّ الله تعالى خلق نور محمد ﵌ وعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵈ قبل أن يخلق العالم وآدم، فقد كانوا أنواراً وأشباحاً بظل العرش، والروايات في ذلك متظافرة بل متواترة ولا مجال للتشكيك في ذلك، راجع البحار ج٢٥ ص١٥، ٢٥؛ ج٢٨ ص٤٥، وبالنسبة لخصوص فاطمة الزهراء سلام الله عليها (راجع البحار ج٤٣ص٤ح٣) (١). ١٠ - الإمام الأكبر محمد الحسين آل كاشف الغطاء يصف الأئمة في أبيات شعر له فيقول: يا كعبة لله إن حجت لها ... الأملاك فعرشه ميقاتها أنتم مشيئته التي خُلقت بها الأشياء ... بل ذرئت بها ذراتها أنا في الورى قالٍ لكم إن لم أقل ... ما لم تقله في المسيح غلاتها (٢)

стр. 117

حيث يجعل كاشف الغطاء الأئمة كعبة تحج إليها الملائكة وجعل عرش الرحمن هو ميقاتها، وجعلهم هم مشيئة الله وقدرته التي خُلقت بها الأشياء، بل وقطع على نفسه عهداً أن يقول في الأئمة مالم تقله غلاة النصرانية في المسيح ﵇، ولعله بهذه الأوصاف قد وصل إلى ما أراد، والله المستعان. ١١ - العلامة جعفر التستري يقول في كتابه "الخصائص الحسينية": (اعلم أنّ الله ﷻ لم يزل متفرداً ولم يكن مخلوق ولا زمان ولا مكان، فلما ابتدأ بخلق أفضل المخلوقات اشتق من نوره نور علي وفاطمة والحسن والحسين ﵈ وجعل لهم محال متعددة وعوالم مختلفة كما يظهر من مجموع الروايات المعتبرة فمنها: قبل خلق العرش، ومنها: بعده خلق آدم، ومنها: بعده أنوار تارة وأشباح نور تارة، وظلال وذرات وأنوار في الجنة تارة، وعمود نور وأقذف في ظهر آدم ﵇ تارة، وفي أصابع يده الأخرى، وفي جبينه تارة، وفي جبين كل جد من الأجداد من آدم ﵇ إلى والد النبي ﵌ عبد الله بن عبد المطلب وفي جبين كل جدة عند الحمل ممن هو في صلبه من حواء، إلى أم النبي آمنة بنت وهب. ثم إنّ أنوارهم محال متعددة قدام العرش، وفوق العرش، وتحت العرش، وحول العرش، وفي كل حجاب من الحجب الإثني عشر، وفي البحار الأنوار، وفي السرادقات ولبقائهم في كل محل مدة مخصوصة. فمدة وجودهم قبل خلق العرش أربعمائة ألف وعشرون ألف، وزمان كونهم حول العرش خمسة عشر ألف عام قبل خلق آدم ﵈، وزمان كونهم تحت العرش اثنا عشر ألف سنة قبل آدم، وليس المقام مقام هذه التفاصيل فإنه يحتاج إلى كتاب مستقل، إنما المقصود بيان خصائص الحسين ﵇ في نوره وامتياز نوره من الأنوار في جميع هذه

стр. 118

العوالم والحالات في الظلال والأشباح والذرات، وحين تجسمه بالشجرة في الجنة والقرط في أذن الزهراء ﵍ وهي في الجنة في إحدى هذه العوالم. نقول: إنّ هذه الأنوار في هذه العوالم مصدرها نور النبي ﵌ وامتيازه كون نوره من نوره، فإنه من حسين وحسين منه، وحين افتراقهما قد كان لنور الحسين ﵇ خصوصية في أن رؤيته كان موجباً للحزن) (١). ويقول تحت عنوان (في أنّ الله خصه – ﵇ – بخصائص الكعبة) بعد مقارنة بين مقام وزيارة الحسين وبين الكعبة ما نصه: (التاسعة: جعل طوافه ركناً من أركان الإسلام فقال ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢) ومن لم يأت به نقص ركناً من أركان الإسلام والحسين – ﵇ – قد جعلت زيارته ركناً من أركان الإسلام والإيمان، فقد ورد في الحديث أنّ تارك زيارته منتقص الإيمان قاطع لحرمة رسول الله ﵌ ورحمه، وقد عق رسول الله ﵌، وفي رواية (ليس بشيعة)، وفي رواية (إن كان من أهل الجنة فهو من ضيفانهم)، وفي رواية (تارك حقاً من حقوق الله ولو حج ألف حجة)، وفي رواية (محروم من الخير)، وفي رواية بعد أن سمع أحدهم – ﵈ – أنّ جماعة من الشيعة تأتي عليهم السنة والسنتان لا يزورونه، قال: (حظهم أخطؤوا، وعن ثواب الله زاغوا وعن جوار رسول الله ﵌ تباعدوا)) (٣).

стр. 119

ويقول تحت العنوان نفسه أيضاً (الثالثة عشرة: جعله مطافاً للناس وجعل ثواب الطواف جزيلاً بالنسبة إلى أشواطه وخطواته، وقد زادت فضيلة زيارة الحسين ﵇ على ذلك أضعافاً كثيرة كما تبين في عنوان الزيارة. الرابعة عشرة: جعله مطافاً للملائكة كما ورد أنه لما بنى جبرائيل الكعبة بأمر الله طافت حولها الملائكة وهم سبعون ألف ملك كانوا يحرسون الخيمة التي أُنزلت من الجنة وبنيت على قواعد البيت التي بناها الملائكة قبل خلق آدم، ورفعت قواعدها بإزاء الضراح والبيت المعمور والعرش، ولما نحى الخيمة وبنى جبرائيل البناء الثاني وطافت الملائكة حوله نظر آدم وحواء إليهم فانطلقا وطافا سبعة أشواط، والحسين ﵇ قد كان مطافاً للملائكة حين كان نوراً مع الأنوار المحدقة بالعرش وكان شفيعاً للملائكة) (١). وتحت العنوان نفسه أيضاً: (التاسعة عشرة: أنّ الكعبة مطاف الأنبياء من آدم إلى خاتم النبيين ﵈ كما دلت عليه الروايات الكثيرة المتواترة. وقد ثبت مثل ذلك للحسين ﵇ بالنسبة إلى جسده تارة وبالنسبة إلى رأسه الشريف وبالنسبة إلى قبره المنيف) (٢). ويؤكد التستري على أنّ مرقد الحسين حرم كسائر بيوت الله بل هو عند الشيعة أعظم حرمة من الكعبة بحسب الروايات الشيعية الكثيرة. يقول التستري: (الثلاثون: أنّ الله خلق مكة واتخذها حرماً قبل دحو الأرض، ولكن قد ورد في كربلاء عن علي بن الحسين (ع) أنه قال: اتخذ الله أرض كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتخذها حرماً بأربعة وعشرين ألف عام، وأنه إذا زلزل الله تبارك

стр. 120

وتعالى الأرض وسيرها رفعت كما هي بتربتها نورانية صافية فجعلت في أفضل روضة من رياض الجنة، وأفضل مسكن في الجنة لا يسكنه إلا النبيون والمرسلون، أو قال: أولو العزم من الرسل وإنها لتزهر بين رياض الجنة كما يزهر الكوكب الدري بين الكواكب لأهل الأرض) (١). ويقول أيضاً: (الواحدة والثلاثون: أنّ مكة قد تكلمت وتفاخرت بكرامة الله لها فقالت: من مثلي وقد بني بيت الله على ظهري، يأتيني الناس من كل فج عميق. ولكربلاء فضل على ذلك أنها تفاخرت فأوحى الله إليها أن كفي وقري ما فضل ما فضلت به فيما أعطيت أرض كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غمست في البحر فحملت، ولولا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا من تضمنته أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي به افتخرت فقري واستقري وكوني دنية متواضعة ذليلة مهينة غير مستنكفة ولا مستكبرة لأرض كربلاء وإلا سخت بك وهويت بك في نار جهنم ...) إلى آخر كلامه (٢). ويقول تحت عنوان (ما أعُطي للأنبياء من الحسين (ع)) ما نصه: (المقصد الرابع: فيما أُعطي الأنبياء بالحسين (ع) اعلم أنه قد أُعطي جميع الأنبياء من الحسين (ع) شيئين: الأول: أنه أسوة لهم. فكان كل واحد منهم إذا أصابته مصيبة تأسى بالحسين (ع) وصبر عليها تأسياً بالحسين (ع) ولذا قال علي (ع) يوماً للحسين ﵇ يا أبا عبد الله أُسوة أنت قدماً. الثاني: أن كل ما وقع يعني في شدة فقد حصل الفرج له عند التلفظ باسم الحسين (ع) وفي ذلك روايات:

стр. 121

الأول: في قبول توبة آدم ﵇ حين علّمه الله الأسماء الخمسة فكانت الاستجابة عند قوله بحق الحسين. الثاني: في سكون سفينة نوح ﵇ حين أُوحي إليه أن يتوسل بالخمسة فكان الاستواء على الجودي عند قوله وبحق الحسين. الثالث: في استجابة دعاء زكريا ﵇ حين قال فهب لي من لدنك ولياً فعلمه الأسماء الخمسة فحصلت البشارة بيحيى عند قوله بحق الحسين. الرابع: في نجاة يونس من بطن الحوت فإنه دعا بحق الخمسة وحصل نبذه بالعراء عند قوله بحق الحسين. الخامس: في كشف الضر عن أيوب ﵇ فإنه حصل عند دعائه متوسلاً بالخمسة ونودي بقوله اركض برجلك هذا مغتسل بارد عند قوله بحق الحسين ﵇. السادس: حصول الفداء لإسماعيل فإنه قد ورد أنّ المراد بذبح عظيم هو الحسين ﵇ ولذلك معنى لا يلزم منه كون إسماعيل أعلى رتبة. السابع: في خروج يوسف ﵇ من غيابة الجب فإنه حصل بالتوسل بالخمسة وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه عند قوله (وبحق الحسين ﵇. الثامن: في خروج يوسف من السجن فإنه لما توسل بالخمسة بعد بضع سنين فلما قال (وبحق الحسين) جاء صاحب السجن وقال يا يوسف أيها الصديق أفتنا إلى آخر القصة. التاسع: في تفريج الغم ليعقوب ﵇ فإنه لما ضاق عليه الأمر قال: رب أما ترحمني، ذهبت عيناي ونور عيني فأوحى الله إليه (قل: اللهم إني أسألك بحق محمد وعلي

стр. 122

وفاطمة والحسن والحسين أن ترد علي عيني) فبمجرد التلفظ بالحسين جاء البشير وارتد بصيراً) (١). وهكذا قارن التستري بين أنبياء الله الذين اصطفاهم لحمل رسالاته وبين الحسين ابن بنت رسول الله، وفرق بين أن يكون الرجل قريباً من رسول الله وكونه سيد شباب أهل الجنة وله من الفضائل ما له وبين أن يقارن بنبي واحد فضلاً عن جميع الأنبياء كما حلا للتستري أن يقارن. والحقيقة أنّ التستري لم يكتف بمقارنة الإمام الحسين بأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام وبأولي العزم من الرسل بل تعدّى ذلك إلى مقارنة بين ما لله رب العباد من القدسية والعظمة سبحانه وبين ما لموت الحسين شهيداً من قدسية حيث يقول تحت عنوان (في خصوصية عطاياه ﵇ ما نصه: (الأول: إنّ من صفات الله ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَه﴾ وله خمس معان، وقد أُعطي الحسين ﵇ ما يناسب ذلك، فإن من شيء إلا وقد بكى لمصيبته ولكن لا نفقه بكاءهم فبكاء كل شيء بحسب حاله، ولا ينحصر في تقاطر الدمع من العين، فبكاء السماء تقاطر الدم، وبكاء الأرض أنّ كل حجر يُرفع يرى تحته دم، وبكاء السمك خروجها من الماء، وبكاء الهواء إظلامها، وبكاء الشمس كسوفها، وبكاء القمر خسوفه كما ورد كل ذلك في الروايات) (٢) ولا يخفى على القارئ اللبيب أنّ التستري فيما نقلناه عنه قد أتعب مَنْ بعده في أَنْ يأتي بغلو مشابه أو أكبر، اللهم إلا التصريح بألوهية الأئمة أو أنهم أبناء الله أسوة بالنصارى القائلين بأنّ المسيح ﵇ ابن الله الإنسي.

стр. 123

الخلافة والإمامة (أيها الناس؛ إنّ أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه، فإن شغب شاغب استعتب، فإن أبى قوتل. ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس؛ ما إلى ذلك من سبيل ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها؛ ثم ليس للشاهد أن يرجع، ولا للغائب أن يختار). نهج البلاغة

стр. 124

الخلافة والإمامة إنّ وجود نظام يكفل للمجتمع كيانه ويحفظه من الفوضى ضرورة لازمة لاستمراريته وبقائه وحفظ كيانه من الاندراس. يوضح ابن خلدون ماهية هذا النظام في مقدمته (فصل ٢٥ - ص٢٣٨) فيقول: (قوانين سياسية مفروضة يُسلّمها الكافة وينقادون إلى أحكامها، فإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها ولم يتم استيلاؤها ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾). والمسلمون بشتى توجهاتهم المذهبية ومشاربهم الفكرية مجمعون على أهمية وجود النظام وكونه ضرورة لا غنى عنها، بل كل من لديه مسحة عقل لا يجادل في هذا أصلاً. ولذلك تجد أنّ الخلاف السني الشيعي حول قضية الإمامة ليس منصباً على ضرورة وجود إمام يقود الأمة أو عدم وجوده، إذ كلا الفريقين يرى وجود إمام وقائد للأمة الإسلامية أمراً لا بد منه ولا محيص عنه، لكن مفترق الطريق بين الفريقين منصبّ على نمط هذه الإمامة .. هل لها القدسية التي أعطاها الله للنبوة بحيث يكون أمر الحاكم تماماً لو كان النبي ﵊ موجوداً، لا يخالف، ولا يعارض، ولا يُتصور فيه الخطأ ولا حتى النسيان أم أنها لا تعدو أن تكون ضرورة دينية واجتماعية لحفظ نظام المجتمع الإسلامي؟ هل تنحصر باثني عشر رجلاً منذ وفاة رسول الله ﵌ إلى قيام الساعة أم أنها غير محددة الحكام بحسب حاجة الأمة والتغيرات السياسية التي تحوطها وتتجدد معها؟ هل تنعقد بالنص الإلهي على أشخاص محددين أم بنظام الشورى الإسلامي وبضوابط شرعية تكفل أن لا يتصدر الحكم إلا من هو أهل له؟

стр. 125

هنا يكمن الخلاف، وهنا تتشعب القضية بل وتصل إلى طريق مسدود يوم أن تنتقل القضية المتنازع عليها من إطار الخلاف الفقهي إلى إطار الخلاف العقائدي بحيث تصير الإمامة أصلاً لقبول أعمال العباد عند خالقهم، وأصلاً في معرفة الدين، وأصلاً في تقييم صحابة الرسول وزوجاته وخلفاء المسلمين وعلماء الأمة والفتوحات الإسلامية!! فقضية تنصيب خليفة على المسلمين لا تعدو عند أهل السنة والجماعة أن تكون ضرورة اجتماعية لحفظ دين المجتمع وكيانه كما قرر ذلك جمع من علمائهم. ولكنها عند الشيعة الإثني عشرية لها شأن آخر، يصفها الإمام محمد آل كاشف الغطاء بأنها (منصب إلهي كالنبوة) (١)، ويقول عنها نعمة الله الجزائري: (الإمامة العامة التي هي فوق درجة النبوة والرسالة) (٢) ويصفها آية الله هادي الطهراني بأنها: (أجل من النبوة) (٣). بل إنّ الإمامة ليست من أصول الدين فحسب ولا ركناً من أركانه بل جاءت روايات شيعية لتجعل ولاية الأئمة الإثني عشر أعظم أركان الإسلام! روى الكليني بسند موثق عن أبي جعفر قال: (بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه - يعني الولاية) (٤)، فحتى الشهادتان قد قامت مقامهما الولاية!!

стр. 126

وورد الحديث بذاته بسند آخر مع زيادة (قلت (أي الراوي): وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل) (١). ووردت رواية ثالثة بنحو الرواية الأولى مع زيادة تقول: (فرخّص لهم في أشياء من الفرائض الأربع ولم يُرخّص لأحد من المسلمين في ترك ولايتنا، لا والله ما فيها رخصة) (٢) بل وصلت الأخبار إلى أكثر من هذا حينما قالت: (عُرج بالنبي ﵌ مائة وعشرين مرة ما من مرة إلا وقد أوصى الله فيها النبي ﵌ بالولاية لعلي والأئمة ﵈ أكثر مما أوصاه بالفرائض) (٣)! هذه الروايات الشيعية ومثيلاتها في كتب الشيعة ساهمت بشكل مباشر في جعل مسألة الإمامة النصية مسألة إيمان أو كفر، فبات المسلم معرضاً للاتهام بالكفر لمجرد اختلافه مع الشيعة الإمامية في عقيدة الإمامة التي يعتقدونها! ولذا رأينا بعض كبار علماء الشيعة الإمامية السابقين واللاحقين يصرّحون بهذه الحقيقة المرّة بكل جرأة واندفاع. يقول ابن بابويه القمي في رسالته "الاعتقادات": (واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر

стр. 127

بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وأنكر نبوة محمد صلى الله عليه وآله) (١). ويقول يوسف البحراني في موسوعته "الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة": (وليت شعري أي فرق بين من كفر بالله ورسوله وبين من كفر بالأئمة ﵈ مع ثبوت كون الإمامة من أصول الدين) (٢). ويقول المجلسي في موسوعته الحديثية "بحار الأنوار ٢٣/ ٣٩٠" (اعلم أنّ إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده ﵈ وفضّل عليهم غيرهم يدل أنهم مخلّدون في النار). وبهذا التشعب الكبير يسير الفريقان في خطين متوازيين، لا يلتقيان!! المرجعيات ولغة التكفير قد يتصور القارئ الكريم سنياً كان أو شيعياً بأنّ مثل هذه التصريحات التكفيرية لغير الشيعة المذكورة آنفاً باتت اليوم في طي النسيان، نقلتها بالأمس كتب صفراء يعلوها الحماس غير المنضبط الذي ما لبث أن تنحى عنها اليوم متجهاً نحو الاعتدال. لكن الواقع يحكي شيئاً آخر ... إنّ هذا الصوت التكفيري الإقصائي الذي وقفنا على بعض أطرافه كان ولا يزال جزءاً لا يتجزأ من النسيج العقدي الإمامي، ولن يستطيع الشيعة

стр. 128

التخلص منه إلا بالاعتراف بأنّ مسألة الخلافة وإمامة الإثنى عشر لا تستحق أن تكون بحال من الأحوال مسألة مفاصلة بين إيمان وكفر وإنما هي قضية اجتهادية في أحسن أحوالها. فإن لم يحن الوقت بعد لتخطي أحقاد الماضي وإلى الارتقاء بمستوى الحوار بين الطرفين بحيث لا تطغى لغة العاطفة على لغة الدليل، فمتى يحين الوقت؟! إنه لمن المحزن أن تجد الحوزات العلمية التي يُفترض فيها أن تقود شيعة اليوم نحو الوحدة الإسلامية أو لنقل نحو تقليل حدة الصراع بين أهل السنة والشيعة، تُصر وبكل ما أُوتيت من قوة على اجترار أحقاد الماضي وعلى المضي قُدماً على خطى السابقين في تكفير الخصوم واستحلال حُرماتهم بغيبة وسباب ولعن وبراءة وما إلى ذلك! يقول آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي في "مصباح الفقاهة في المعاملات": (ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين، ووجوب البراءة منهم، وإكثار السب عليهم واتهامهم والوقيعة فيهم: أي غيبتهم، لأنهم من أهل البدع والريب. بل لا شبهة في كفرهم لأنّ إنكار الولاية والأئمة حتى الواحد منهم، والاعتقاد بخلافة غيرهم وبالعقائد الخرافية كالجبر ونحوه يوجب الكفر والزندقة، وتدل عليه الأخبار المتواترة الظاهرة في كفر منكر الولاية، وكفر المعتقد بالعقائد المذكورة وما يشبهها من الضلالات. ويدل عليه أيضاً قوله ﵇ في الزيارة الجامعة (ومن جحدكم كافر) وقوله ﵇ فيها أيضاً: (ومن وحّده قُبِل عنكم)، فإنه ينتج بعكس النقيض أنّ من لم يقبل عنكم لم يوحده، بل هو مشرك بالله العظيم)!! (١)

стр. 129

وبهذه النظرة التكفيرية الضيقة وبأخلاقيات اللعن والسباب للمسلمين المخالفين تنشئ أجيالاً من المعممين الحانقين على الأمة، المتعاملين في الظاهر بالتقية وحسن المدارات والمضمرين في السريرة بالبغض والرغبة بالانتقام. ويقول آية الله العظمى محمد الحسيني الشيرازي في موسوعته "الفقه" ما نصه: (غير الإثنى عشرية من فرق الشيعة كالزيدية والواقفية والفطحية إذا لم يكونوا ناصبين ومعادين لسائر الأئمة ولا سابين لهم طاهرون (١)، وكذا المخالفون. أقول] الكلام للشيرازي [: دلت نصوص كثيرة على كفرهم، منها ما عن المفضل بن عمر قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر ﵉ وعلي ابنه في حجره – إلى أن قال- قلت: هو صاحب هذا الأمر من بعدك؟ قال: نعم، من أطاعه رشد، ومن عصاه كفر). وعن أبي حمزة عن أبي عبد الله ﵇ قال: منا الإمام المفروض طاعته من جحده مات يهودياً أو نصرانياً)). ثم ساق الشيرازي روايات كثيرة في تكفير المخالفين تأكيداً لما ذهب إليه من تكفير غير الإثني عشرية (٢). وليت الأمر يقف عند هذا الحد، فحتى منسك الحج الذي يُفترض فيه أن يكون فرصة للوحدة والالتقاء والأخوة الإسلامية يصر هؤلاء على جعله فرصة للفرقة وللتكفير!

стр. 130

ففي كتاب "مناسك الحج" لآية الله العظمى فاضل اللنكراني ولآية الله العظمى ميرزا جواد التبريزي (١) ولآية الله العظمى وحيد خراساني تتفاجئ وأنت تتصفح الكتاب بدعاء (الزيارة الجامعة) والذي فيه: (... ومن خالفكم فالنار مثواه ومن جحدكم كافر ومن حاربكم مشرك، ومن رد عليكم فى أسفل درك من الجحيم) (٢). إنّ أولئك الذين يكفرّهم هؤلاء المراجع هم مسلمون موحدون، ذنبهم الوحيد الذي ارتكبوه أنهم لم يعتقدوا ما اعتقده الشيعة الإثنا عشرية في الأئمة الإثني عشر، ولهذا يُكفّرون وتُستحل أعراضهم باللعن تارة وبالسباب تارة أخرى. المفارقة المضحكة والمبكية في آن واحد أن تجد هؤلاء المراجع هم من أكثر الناس انتقاداً للإرهاب والإرهابيين والتكفير والتكفيريين في بياناتهم وتصريحاتهم الإعلامية، وكأنّهم بمنئى عن الإرهاب الفكري وعن الفكر التكفيري في إطروحاتهم وفتاويهم! وما عشت أراك الدهر عجباً!

стр. 131

خطوات نحو إصلاح ما أفسدته الطائفية إنّ الحقيقة واضحة جلية، لا تحتاج إلى نقاشات مطوّلة تستهلك طاقات الأمة ويُحار فيها الفريقان (السنة والشيعة) إثباتاً ونفياً. لقد كان الشعور يراودني منذ أن دخلت هذا المعترك بأنّ الخط الفاصل بين الحق والباطل والذي تُعرف به الحقيقة من غيرها موجود لا خفاء فيه، ولكننا في غمرة التعصب المذهبي وغياب الموضوعية والتربّي على التراشق بالتهم غفلنا عن إدراكه. وإذا كان الله قد وضع بيننا -المسلمين- وبين أهل الكتاب وسائر أهل الملل معايير وأسساً يتفق عليها الطرفان وتقام بها الحجة الظاهرة لأهل الإسلام على الأمم الكافرة، فإنه من غير المعقول أن تُطالب الأمة بالوحدة دون إيجاد أسسٍ تتحد عليها ومعيارٍ يُعرف به الحق من الباطل؟! ومن يتصفح القرآن ويعيش مع آياته العظام ويراه وهو يناقش النصراني واليهودي ويراه وهو يناقش عابد الصنم وعابد القبر والدواب يدرك لأول وهلة بأنّ الله لا يترك الحقيقة معمّاة يتخبط الناس في طلبها وسلوك طريقها بل يرسم حداً فاصلاً بين الحق والباطل. وإذا كان الله عالم الغيب والشهادة بعلمه الأزلي قد علم أننا سنختلف كأمة مسلمة إلى سنة وشيعة، أيُظن به أن يتركنا دون وضوح تام بين الحق الذي جاء به محمد ﵊ وبين الباطل الذي أحدثته الأهواء والعصبيات؟ حاشا رب العزة ذلك. إذاً أين الطريق؟ وأين الحق في قضية كقضية الإمامة إذا كنا كسنة وشيعة لا نثق بأوثق كتب الحديث عند الطرفين؟

стр. 132

فلا الشيعة يؤمنون بصحة روايات أهل السنة ولا أهل السنة يؤمنون بصحة روايات الشيعة. إنّ خيطاً واحداً كان ولا يزال هو الحجة القاطعة التي يُحسم بها مثل هذه الخلافات العقائدية، ذاك هو (القرآن الكريم) الذي أمر الله تعالى المؤمنين بالتمسك به بقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (١) ووصفه النبي ﵌ بقوله: (كتاب الله هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة) (٢). وروى الحر العاملي (٣) في "وسائل الشيعة ٦/ ١٦٨" عن النبي ﵌ قوله: (إنّ هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته ما استطعتم، إنّ هذا القرآن حبل الله وهو النور البيّن والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه). وفي "نهج البلاغة" قول الإمام علي: (وإنّ الله سبحانه لم يعظ أحداً بمثل هذا القرآن، فإنه حبل الله المتين وسببه الأمين) (٤). وقد ذكر الإمام الرضا يوماً القرآن فعظّم الحجة فيه والآية والمعجزة في نظمه قال: (هو حبل الله المتين وعروته الوثقى وطريقته المثلى المؤدي إلى الجنة والمنجي من النار، لا يخلق على

стр. 133

الأزمنة (١) ولا يغث على الألسنة لأنه لم يُجعل لزمان دون زمان بل جُعل دليل البرهان والحجة على كل إنسان ﴿لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾) (٢). فهذه بضعة أحاديث وآثار من كتب الطائفتين تؤكد وبوضوح بالغ بأنّ المراد بحبل الله في الآية الكريمة هو (القرآن الكريم)، وأنّ العصمة من الضلالة والانحراف إنما تكون بالتمسك به. ولهذا كان القرآن الكريم ولا يزال هو الحجة الفاصلة بين الفرق والمذاهب العقائدية المتناحرة. (إنّ من مميزاته الظاهرة الجلية أنه يجعل صاحبه قادراً على نقض الحجج الباطلة بسهولة منقطعة النظير ومن أقرب طريق. ولن يحتاج - بعدُ - إلى كثرة الردود والتفريعات والمناقشات التي لا يحسنها إلا المختصون أو المتدربون، والتي ضيعت الحق على عامة الناس لأنهم يتصورون أنّ معرفته منوطة بالعلماء فقط، فإذا رأى أحد العوام أنه قد انهزم في نقاش أو حصر في مسلك ضيق وبان له تهافت حججه قال: علماؤنا أعلم ولا بد أن لهم ردوداً لا أعرفها وينهي نقاشه باقتراح مؤداه عرض الأمر على أحد أولئك العلماء من أجل حسمه ومعرفة القول الفصل فيه، وهو لا يدري أنّ مرجعية المسلم في أصول دينه وأساسياته قرآنية وليست بشرية. وهكذا تضيع معالم الحق وتتشوش صورته في ذهنه ما دام هذا الهاجس في نفسه، لأنه يتصور أنّ الحق مع من غلب في النقاش، مع أنّ هذا ليس شرطاً مطّرداً لأنّ الغلب قد يكون للأعلم بأساليب الجدل، لا للأعلم بالحق!

стр. 134

وإلى هذا أشار الإمام مالك رحمه الله تعالى حين جاءه رجل يقول له: هلم أجادلك. قال: فإن غلبتك؟ قال: أتبعك. قال: فإن غلبتني؟ قال: تتبعني. قال: فإن جاء رجل ثالث فغلبنا؟ قال: نتبعه! فقال الإمام: هذا أمر يطول، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه! أنت رجل شاك فاذهب إلى رجل شاك مثلك) (١). لماذا لم يُذكر الأئمة في القرآن ؟ لقد أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أنه نزّل على عبده ورسوله محمد ﵌ القرآن تبياناً لكل شيء، فقال عز من قائل ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). وبيّن في موضع آخر من كتابه العزيز أنه لم يفرّط في هذا الكتاب من شيء فقال ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء﴾ (٣). فما من قضية أصولية يقوم عليها الدين إلا نص عليها القرآن الكريم وبيّنها أحسن بيان. وما أجمل قول الإمام الصادق: (إنّ الله ﵎ أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى والله ما ترك شيئاً يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبدٌ أن يقول: لو كان هذا أُنزل في القرآن، إلا وقد أنزله الله فيه) (٤).

стр. 135

فإن كان الأمر كذلك فإنّ المرء ليتساءل عن سند عقيدة (الإمامة)، فكتاب الإسلام العظيم (القرآن) تُذكر فيه مرات وتؤكد كرات الأصول التي يقوم عليها دين الإسلام، ولا ذكر فيه لشأن الأئمة الإثني عشر أو الإمامة من بعد الرسول رغم دعوى الشيعة الإثني عشرية كون الإمامة من الأصول بل من أعظم الأصول! أوليس من العجيب أن يتحدث القرآن عن الجهاد تارة وعن السلم تارة أخرى ويناقش القضايا الأخلاقية ويفصّل في بعض الفقهيات كطريقة الوضوء والتيمم ويُصنّف أنواع المحرّمات من الطعام والشراب ثم يتجاهل إمامة الإثني عشر التي يصفها آل كاشف الغطاء بأنها (منصب إلهي كالنبوة)؟! وكأني بالإمام علي بن أبي طالب وهو يرد على الخوارج في استدلالاتهم العقائدية التي لم ينطق بها القرآن يرد كذلك على الذين جعلوا إمامة الإثني عشر أعظم شيء في الدين وفضلوا الأئمة على المرسلين، في حين أنّ القرآن لم ينطق بها ولم يتطرق إليها! يقول الإمام علي بن أبي طالب: (أم أنزل الله سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟! أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟! أم أنزل الله سبحانه ديناً فقصّر الرسول ﵌ عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء﴾ وفيه تبيان كل شيء) (١).

стр. 136

الإمام والإمامة في القرآن الكريم (الإمام في اللغة لفظ مشترك بين ثلاثة معان هي: ١ - القدوة. ٢ - الكتاب. ٣ - الطريق. جاء في "مختار الصحاح" للرازي: (الإمام): الصقع من الأرض والطريق، قال الله تعالى ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ (١). و (الإمام): الذي يُقتدى به، وجمعه (أئمة). وقوله تعالى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين﴾ (٢) قال الحسن: في كتاب مبين. فأصل معنى اللفظ ما يؤتم به ويُتّبع. وبما أنّ (القدوة والكتاب والطريق) تشترك في هذا المعنى لذا أُطلق عليها هذا اللفظ. فالقدوة من يؤتم به ويُتبع محقاً كان أم مبطلاً، والطريق يتبعه السالك ليصل إلى غايته وكذلك الكتاب تتبع ألفاظه وسطوره ومقاصده للوصول إلى المراد. ويُعرف المراد من اللفظ المشترك من كلام المتكلم بقرائن يشير لها المتكلم في كلامه وإلا لم يكن الكلام فصيحاً بل مُبهماً مشكلاً. مثال: لو أخذنا لفظ (العين) كمثال، نجده في أصله اللغوي مشتركاً بين عدة معان منها: العين الباصرة والجاسوس وعين الماء. تقول: ذهبت إلى طبيب العيون. وأمسكنا بعين للعدو. وشربنا من عين صافية.

стр. 137

ولا يصح حمل (العين) في اللفظ الأول على الجاسوس ولا في الثاني على عين الماء ولا عين الإنسان في اللفظ الثالث للقرائن اللفظية المانعة من ذلك والحاملة على تفسير (العين) الأولى بعين الإنسان، والثانية بالجاسوس، والثالثة بعين الماء، اللهم إلا عند غير العقلاء أو المعاندين. أرأيت ما قصد يوسف ﵇ بكلمة (الرب) في قوله الذي حكاه الله عنه ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ (١) وقوله ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ (٢)، هل يحتمل السياق وقرائنه أن نفسّر لفظ (الرب) هنا بغير الملك؟! وبنظرة استقرائية لكتاب الله تعالى نجد أنّ لفظ (الإمام) قد ذُكر وأريد به معنى (الشخص المقتدى به) في آيات عدة هي: قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (٣). وقوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٤). وقوله ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٥) وقوله ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (٦).

стр. 138

وقوله ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّار﴾ (١) فالإمام هنا معناه واحد وهو القدوة في الخير أو الشر. وقد أتى لفظ (الإمام) بمعنى (الكتاب) بعدة أيات أُخر كما في قوله تعالى ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَاماً وَرَحْمَةً﴾ (٢) وقوله ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (٣) وقرينته الصارفة لمعنى اللفظ هنا إلى الكتاب هو تتمة الآية نفسها التي تقول ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾، وقد جاء في أول السورة ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً. اقْرَا كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ (٤) وهو بالضبط كقوله تعالى ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥). أما المعنى الثالث للإمام فهو بمعنى (الطريق) كما في قوله تعالى ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ. فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ (٦) أي إنّ آثار قرى قوم شعيب وقرى قوم لوط المذكورتين قبلهم لبطريق واضح، يأتمون به في سفرهم، ويهتدون به إلى غايتهم) (٧). فهذه ثلاثة معانِ للإمام في القرآن لا رابع لها فيه.

стр. 139

أما المعنى الرابع الذي هو (شخص معصوم مُعين من قِبل الله تعالى المفترض الطاعة على الخلق) فهو معنى مخترع لا وجود له في لغة العرب ولا اصطلاح القرآن. إنه من السهل على أحدنا أن يجمع كل آية في القرآن تضمنت كلمة (إمام) أو (أئمة) ويجعلها دليلاً على الإمامة بعد رسول الله ﵌، وإن كانت الآية تتحدث عن أنبياء سابقين أو رجال لا علاقة لهم بالأئمة الإثني عشر لا من قريب ولا من بعيد. ومتى ما ألزم نفسه بهذا المنهج في احتجاجه واستنباطه فإنّ هذا المنهج لا بد أن يكون سارياً في كل الآيات التي تتكلم عن الأئمة، لا أن تكون هناك انتقائية للنصوص. فالله الذي ذكر لفظ (إمام) و (أئمة) في القرآن الكريم استخدم اللفظ ذاته في المؤمن والكافر، فقال ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١) وقال واصفاً الكفار الملعونين ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾ (٢). فلو كان لفظ (أئمة) علماً على الأوصياء، ومنصب إلهي من الله تعالى لما جاز استخدام اللفظ ذاته في صنف ممن يدعون إلى النار. وحُق لنا أن نسأل: لماذا لم يصرّح القرآن الكريم بأنّ علياً وصي محمد ﵌ كي لا يُترك المجال لأحد أن يفتح فمه وينكر الإمامة النصية بعد رسول الله؟ أوليس من العجيب أن يُظن في الله تعالى أنه قد جعل من قوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ التي تتحدث عن بني إسرائيل دليلاً على إمامة الأئمة الإثني عشر بعد محمد ﵊؟!!

стр. 140

أيعجز رب العزة على أن ينزل آية واضحة وصريحة في الإمامة بعد رسول الله، تكون حجة على منكر الإمامة؟!! إنّ الذين يستدلون بهذه الآيات على إمامة الأئمة الإثنى عشر هم أنفسهم الذين يرفضون القياس في الفقه بحجة أنّ (أول من قاس ابليس) (١) فما بالهم يقيسون في العقيدة وفي القرآن؟! وخلاصة الأمر أن يُقال: إنّ الإمامة التي يذهب إليها الشيعة الإثنا عشرية لا وجود لها في كتاب الله أبداً، ولما عجز الإماميون عن إثباتها لجأوا إلى التأويلات الباطنية والتلاعب في كتاب الله وضرب بعضه ببعض من أجل سد هذه الثغرة الكبيرة. والإمامة شرعاً لا تخلو أن تكون إحدى ثلاث: إما إمامة علم أو إمامة هدى أو إمامة اقتداء. فأما إمامة العلم فثابتة لأئمة أهل البيت كما هي ثابتة لغيرهم من أهل العلم والتقوى قديماً وحديثاً، فإنّ إمامة العلم ليست حكراً على فئة دون أخرى أو قبيلة دون أخرى. وأما إمامة الهدى فإنّ الله تعالى لم يشترط الله تعالى فيها العصمة، فقد جعلها الله تعالى في بني اسرائيل إذ يقول ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢) بل جعلها لكل مستضعف كما قال عز من قائل ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (٣).

стр. 141

وأما إمامة الاقتداء فقد نص تعالى على أنه جعلها في إبراهيم ﵇ وهو نبي معصوم وجعلها كذلك في أتباعه المؤمنين وهم غير معصومين لكنهم مؤمنون طائعون فقال عز من قائل ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١). ولو كانت حكراً على المعصومين لما أمر الله تعالى جميع عباده بأن يطلبوها ويتطلعوا إليها وما كان ليطلب منهم ما لا يُمكن أن ينالوه، إذ يقول ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (٢).

стр. 142

القرآن وعقيدة الإمامة الشيعية من يتأمل كتاب الله الكريم الذي جعله الله نوراً تهتدي به العقول والقلوب، سيجد أنّ الإيمان بكون رسول الله ﵌ خاتم الأنبياء والمرسلين يحصل به مقصود الإمامة في حياته وبعد مماته. (فالذي يؤمن بأنّ محمداً ﵌ هو رسول الله حقاً وأنّ طاعته واجبة إن قيل بأنه يدخل الجنة استغنى عن مسألة الإمامة ولم يلزمه طاعة سوى الرسول ﵊، وإن قيل لا يدخل الجنة إلا باتباعه الإمام كان هذا خلاف نصوص القرآن الكريم، فإنه أوجب الجنة لمن أطاع الله ورسوله في غير موضع من القرآن ولم يعلق دخول الجنة بطاعة إمام أو إيمان به أصلاً كمثل قوله تعالى ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ (١) وقوله تعالى ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) (٣). ولو كانت الإمامة أصلاً للإيمان الذي لا يقبل الله عمل العبد إلا به كما تقول الروايات الشيعية، لذكر الله الإمامة في تلك الآيات وأكّد عليها لعلمه بحصول الخلاف فيها بعد ذلك، ولا أظن أحداً سيأتي ليقول لنا بأنّ الإمامة في الآيات مذكورة ضمناً تحت طاعة الله

стр. 143

وطاعة الرسول لأنّ في هذا تعسفاً في التفسير، بل يكفي بياناً لبطلان ذلك أن نقول بأنّ طاعة الرسول في حد ذاتها هي طاعة للرب الذي أرسله، غير أنّ الله لم يذكر طاعته وحده سبحانه ويجعل طاعة الرسول مندرجة تحت طاعته بل أفردها لكي يؤكد على ركنين مهمين في عقيدة الإسلام (طاعة الله، وطاعة الرسول)، وإنما وجب ذكر طاعة الرسول بعد طاعة الله كشرط لدخول الجنة لأنّ الرسول مبلّغ عن الله وأنّ طاعته طاعة لمن أرسله أيضاً، ولمّا لم يثبت لأحد بعد رسول الله ﵌ جانب التبليغ عن الله، فإنّ الله علّق الفلاح والفوز بالجنان بطاعة رسوله والتزام أمره دون الآخرين. وثمت دليل قاطع يقطع على الشاك دربه ويزيل عنه الشك وهو قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (١). فإنّ الله أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر منهم، لكنه جعل الرد عند التنازع إلى الله والرسول دون أولي الأمر، لأنّ الله هو الرب، والرسول هو المبلغ عن الله وهو معصوم لا يخطئ في بيان الحق عند التنازع، أما أولو الأمر فليسوا بمعصومين وإلا لجعل الله الرد إليهم، لكن الله أظهر بهذه الآية أنهم كسائر الناس يرجعون في التنازع إلى كتاب الله وسنة نبيه، وقد يكونون خصوماً لأحد ويكون الحق معه حين الرد إلى كتاب الله وسنة نبيه. فأين يذهب القائلون بنظرية الإمامة من دلالة هذه الآية الكريمة؟!

стр. 144

ولماذا يتعمدون اجتزاء الآية الكريمة عند الاستدلال بها فيذكرون الجزء الأول الدال على وجوب طاعة الله وطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر، ويتعمدون إغفال الجزء الثاني من الآية الذي يهدم نظريتهم؟! القول بالإمامة الإلهية بعد النبي طعن في ختم نبوته تأملت كثيراً الروايات الشيعية التي تتحدث عن الأئمة وفضائلهم وتفكرت في الحكمة التي من أجلها جعل الله محمداً ﵌ خاتم الأنبياء والمرسلين ثم تساءلت ما (إذا كان الأئمة الإثنا عشر هم (أبواب الله والسبل إليه) (١) و (حُجب الرب والوسائط بينه وبين الخلق) (٢) و (أنّ الناس لا يهتدون إلا بهم وأنهم الوسائل بين الخلق وبين الله وأنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم) (٣) وأنهم (حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي) (٤) وأنه (لا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم راد على الرسول والراد على الرسول كالراد على الله تعالى) (٥) وأنّ (الأحكام الشرعية الإلهية لا تُستقى إلا من نمير مائهم ولا يصح أخذها إلا منهم) (٦) وأنهم (يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل) (٧) وأنّ

стр. 145

(الأئمة لم يفعلوا شيئاً إلا بعهد من الله وأمر منه لا يتجاوزونه) (١) وأنّ (الملائكة تدخل بيوتهم وتطأ بسطهم وتأتيهم بالأخبار) (٢) وأنهم (يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء) (٣) و (أنّ الجن خدامهم ويظهرون لهم ويسألونهم عن معالم دينهم) (٤) وأنّ (عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها) (٥) و (أنه ليس شيء من الحق في يد الناس إلا ما خرج من عند الأئمة) (٦) و (أنهم يخاطبون ويسمعون الصوت ويأتهم صور أعظم من جبرئيل وميكائيل) (٧) و (أنّ ما فوض إلى رسول الله ﵌ فقد فوّض إلى الأئمة ﵈ (٨) فما معنى أن يكون محمد ﵌ خاتم الأنبياء والمرسلين إذا كانت صلاحيات النبي كلها مستمرة بعده؟!! ما معنى أن يكون رسول الله خاتم الأنبياء وهناك رجال بعده معصومون وملهمون وواجبوا الاتباع ولهم من المعجزات الدالة على إمامتهم ما للنبي من معجزات تدل على نبوته بل أعظم من هذا! ولماذا نصّ القرآن على عقيدة ختم النبوة ما دام الأمر كذلك؟!!
следующие страницы →