وأما إمامة الاقتداء فقد نص تعالى على أنه جعلها في إبراهيم ﵇ وهو نبي معصوم وجعلها كذلك في أتباعه المؤمنين وهم غير معصومين لكنهم مؤمنون طائعون فقال عز من قائل ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١).
ولو كانت حكراً على المعصومين لما أمر الله تعالى جميع عباده بأن يطلبوها ويتطلعوا إليها وما كان ليطلب منهم ما لا يُمكن أن ينالوه، إذ يقول ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (٢).
стр. 142
القرآن وعقيدة الإمامة الشيعية
من يتأمل كتاب الله الكريم الذي جعله الله نوراً تهتدي به العقول والقلوب، سيجد أنّ الإيمان بكون رسول الله ﵌ خاتم الأنبياء والمرسلين يحصل به مقصود الإمامة في حياته وبعد مماته.
(فالذي يؤمن بأنّ محمداً ﵌ هو رسول الله حقاً وأنّ طاعته واجبة إن قيل بأنه يدخل الجنة استغنى عن مسألة الإمامة ولم يلزمه طاعة سوى الرسول ﵊، وإن قيل لا يدخل الجنة إلا باتباعه الإمام كان هذا خلاف نصوص القرآن الكريم، فإنه أوجب الجنة لمن أطاع الله ورسوله في غير موضع من القرآن ولم يعلق دخول الجنة بطاعة إمام أو إيمان به أصلاً كمثل قوله تعالى ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ (١) وقوله تعالى ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)(٣).
ولو كانت الإمامة أصلاً للإيمان الذي لا يقبل الله عمل العبد إلا به كما تقول الروايات الشيعية، لذكر الله الإمامة في تلك الآيات وأكّد عليها لعلمه بحصول الخلاف فيها بعد ذلك، ولا أظن أحداً سيأتي ليقول لنا بأنّ الإمامة في الآيات مذكورة ضمناً تحت طاعة الله
стр. 143
وطاعة الرسول لأنّ في هذا تعسفاً في التفسير، بل يكفي بياناً لبطلان ذلك أن نقول بأنّ طاعة الرسول في حد ذاتها هي طاعة للرب الذي أرسله، غير أنّ الله لم يذكر طاعته وحده سبحانه ويجعل طاعة الرسول مندرجة تحت طاعته بل أفردها لكي يؤكد على ركنين مهمين في عقيدة الإسلام (طاعة الله، وطاعة الرسول)، وإنما وجب ذكر طاعة الرسول بعد طاعة الله كشرط لدخول الجنة لأنّ الرسول مبلّغ عن الله وأنّ طاعته طاعة لمن أرسله أيضاً، ولمّا لم يثبت لأحد بعد رسول الله ﵌ جانب التبليغ عن الله، فإنّ الله علّق الفلاح والفوز بالجنان بطاعة رسوله والتزام أمره دون الآخرين.
وثمت دليل قاطع يقطع على الشاك دربه ويزيل عنه الشك وهو قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (١).
فإنّ الله أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر منهم، لكنه جعل الرد عند التنازع إلى الله والرسول دون أولي الأمر، لأنّ الله هو الرب، والرسول هو المبلغ عن الله وهو معصوم لا يخطئ في بيان الحق عند التنازع، أما أولو الأمر فليسوا بمعصومين وإلا لجعل الله الرد إليهم، لكن الله أظهر بهذه الآية أنهم كسائر الناس يرجعون في التنازع إلى كتاب الله وسنة نبيه، وقد يكونون خصوماً لأحد ويكون الحق معه حين الرد إلى كتاب الله وسنة نبيه.
فأين يذهب القائلون بنظرية الإمامة من دلالة هذه الآية الكريمة؟!
стр. 144
ولماذا يتعمدون اجتزاء الآية الكريمة عند الاستدلال بها فيذكرون الجزء الأول الدال على وجوب طاعة الله وطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر، ويتعمدون إغفال الجزء الثاني من الآية الذي يهدم نظريتهم؟!
القول بالإمامة الإلهية بعد النبي طعن في ختم نبوته
تأملت كثيراً الروايات الشيعية التي تتحدث عن الأئمة وفضائلهم وتفكرت في الحكمة التي من أجلها جعل الله محمداً ﵌ خاتم الأنبياء والمرسلين ثم تساءلت ما (إذا كان الأئمة الإثنا عشر هم (أبواب الله والسبل إليه) (١) و (حُجب الرب والوسائط بينه وبين الخلق) (٢) و (أنّ الناس لا يهتدون إلا بهم وأنهم الوسائل بين الخلق وبين الله وأنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم) (٣) وأنهم (حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي) (٤) وأنه (لا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم راد على الرسول والراد على الرسول كالراد على الله تعالى) (٥) وأنّ (الأحكام الشرعية الإلهية لا تُستقى إلا من نمير مائهم ولا يصح أخذها إلا منهم) (٦) وأنهم (يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل) (٧) وأنّ
стр. 145
(الأئمة لم يفعلوا شيئاً إلا بعهد من الله وأمر منه لا يتجاوزونه) (١) وأنّ (الملائكة تدخل بيوتهم وتطأ بسطهم وتأتيهم بالأخبار) (٢) وأنهم (يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء) (٣) و (أنّ الجن خدامهم ويظهرون لهم ويسألونهم عن معالم دينهم) (٤) وأنّ (عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها) (٥) و (أنه ليس شيء من الحق في يد الناس إلا ما خرج من عند الأئمة) (٦) و (أنهم يخاطبون ويسمعون الصوت ويأتهم صور أعظم من جبرئيل وميكائيل) (٧) و (أنّ ما فوض إلى رسول الله ﵌ فقد فوّض إلى الأئمة ﵈ (٨) فما معنى أن يكون محمد ﵌ خاتم الأنبياء والمرسلين إذا كانت صلاحيات النبي كلها مستمرة بعده؟!!
ما معنى أن يكون رسول الله خاتم الأنبياء وهناك رجال بعده معصومون وملهمون وواجبوا الاتباع ولهم من المعجزات الدالة على إمامتهم ما للنبي من معجزات تدل على نبوته بل أعظم من هذا! ولماذا نصّ القرآن على عقيدة ختم النبوة ما دام الأمر كذلك؟!!
стр. 146
هل القضية هي مجرد إيقاف استخدام مصطلح (نبي) واستبداله بمصطلح (إمام) بحيث لا يبقى فرق بين النبي والإمام إلا بالاسم فقط؟!! هذا إذا تناسينا النصوص التي تفضّل الإمام على النبي!
إنّ علماء الشيعة يدركون بأنّ إضفاء قدسية كهذه على الأئمة وإعطاءهم هذه المزايا التي لم تُعرف إلا في الأنبياء يجعل التفريق بينهم صعباً للغاية!!
يقول الشيخ محمد رضا المظفر في "عقائد الإمامية": (نعتقد أنها (أي الإمامة) كالنبوة لطف من الله تعالى، فلا بد أن يكون في كل عصر إمام هاد يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه من الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامة على الناس لتدبير شؤونهم ومصالحهم وإقامة العدل بينهم ورفع الظلم عنهم والعدوان من بينهم) (١).
ويقول الإمام محمد آل كاشف الغطاء في كتابه "أصل الشيعة وأصولها": (إنّ الإمامة منصب إلهي كالنبوة فكما أنّ الله يختار للنبوة من يشاء فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيه بالنص عليه) (٢).
وقد وردت رواية في "الكافي" تحصر الفرق بين النبوة والإمامة في طريقة الوحي، فعن الإمام الرضا قال: (الفرق بين الرسول والنبي والإمام: أنّ الرسول الذي ينزل عليه جبرائيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي، وربما رأى في منامه نحو رؤيا ابراهيم ﵇
стр. 147
والنبي ربما سمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص) (١). قال المظفّر في "الشافي شرح أصول الكافي": (الحديث صحيح إسناده) (٢).
وروى الكليني عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (الأئمة بمنزلة رسول الله إلا أنهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي فأما ما خلا ذلك فهم بمنزلة رسول الله ﵌!!) (٣).
وقال المجلسي تعليقاً على هذه الرواية: (يدل ظاهراً على اشتراكهم مع النبي صلى الله عليه وآله في سائر الخصائص سوى ما ذكر) (٤).
إزاء هذه الأحاديث الصريحة التي تعد الفرق بين النبي والإمام شيئاً لا يُذكر ولا يؤثر سلباً أو إيجاباً على الناس الذين أُرسل إليهم النبي أو الإمام، لا يسع العلامة المجلسي إلا أن يصرّح بقوله: (ولا نعرف جهة لعدم اتصافهم (٥) بالنبوة إلا رعاية جلالة خاتم الأنبياء، ولا يصل عقولنا إلى فرق بين النبوة والإمامة) (٦).
فاتصاف الأئمة بالإمامة بدلاً من النبوة كما يراه عالم من كبار علماء الشيعة ليس إلا رعاية لمقام محمد ﵌ النبي الخاتم فحسب!!
وعلى هذا المنوال ترى التصريحات الشنيعة عند علماء الإثني عشرية في هذا الباب.
стр. 148
فقد صرّح الشيخ المفيد بهذه الحقيقة قائلاً: (مَنَعَ الشرع من تسمية أئمتنا بالنبوة دون أن يكون العقل مانعاً من ذلك!!) (١).
فهو يرى أنه لولا الشرع لأطلق الشيعة الإثنا عشرية على الأئمة الإثني عشر لفظة (النبي) دون أدنى حرج إذ العقل يجوّزه!
وقد صرّح صدر الدين الشيرازي في "الحجة" بما هو أفظع إذ يقول وبكل جرأة: (فيجب أن لا تنقطع الإمامة التي هي والنبوة حقيقة واحدة بالذات متغايرة بالإعتبار عن ذريته، بل لا بد أن لا ينقطع معنى النبوة وما يجري مجراه عن وجه الأرض أبداً!!) (٢).
إذاً ما أهمية عقيدة ختم النبوة طالما أنّ الوظائف والخصائص التي اختص بها الأنبياء دون الناس من عصمة وتبليغ عن الله ومعجزات وغيرها لم تتوقف بوفاة خاتم الأنبياء محمد ﵌ بل امتدت من بعده متمثلة باثني عشر رجلاً؟!!
ناقشت في هذه القضية كثيراً من الشيعة ولم أجد إجابة مقنعة أُرضي بها فضولي على الأقل إلا أنّ أحد طلبة الحوزة أجابني بقوله بأنّ الفرق هو أنّ الأئمة لا يُوحى إليهم.
وإذا كان الأمر كذلك فماذا يعني ما ترويه كتب الحديث الشيعية من أنّ الأئمة لا يفعلون شيئاً إلا بعهد من الله وأمر لا يتجاوزونه، أليس هذا وحياً؟!
وماذا عن الروايات السابقة التي تنص على نزول الوحي على الإمام وتحصر الفرق بين النبي والإمام في طريقة الوحي فقط أو حِلية النساء؟!
стр. 149
وماذا عن ما يرويه الكليني عن الإمام جعفر الصادق في تفسيره لقوله تعالى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾: (... إنه لينزل في ليلة القدر إلى ولي الأمر تفسير الأمور سنة سنة يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا وفي أمر الناس بكذا وكذا ...) (١) أليس هذا وحياً؟!
ولماذا نختلف في توجيه النصوص وبين يدينا روايات واضحة من الأئمة أنفسهم تبين الفرق بين الإمام والنبي؟
روى الكليني عن الأحول قال: سألت أبا جعفر (ع) عن الرسول والنبي والمحدّث، قال: (الرسول الذي يأتيه جبرئيل قبلاً (٢) فيراه ويكلّمه فهذا الرسول، وأما النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ونحو ما كان رأى رسول الله صلى الله عليه وآله من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل ﵇ من عند الله تعالى بالرسالة، وكان محمد صلى الله عليه وآله حين جمع له النبوة وجاءته الرسالة من عند الله يجيئه بها جبرئيل ويُكلّمه بها قُبلاً ومن الأنبياء من جمع له النبوة ويرى في منامه ويأتيه الروح ويكلّمه ويُحدّثه من غير أن يكون يرى في اليقظة، وأما المحدّث فهو الذي يُحدّث فيسمع، ولا يعاين ولا يرى في منامه) (٣).
وقد صححه المجلسي في "مرآة العقول ٢/ ٢٨٩".
وروى الكليني كذلك حديثاً مشابهاً له عن إسماعيل بن مرّار قال: كتب الحسن بن العبّاس المعروفي إلى الرضا ﵇: جعلت فداك، أخبرني ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام؟ قال: فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام، أنّ الرسول الذي ينزل
стр. 150
عليه جبرئيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ﵇، والنبي ربما سمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص (١)، والروايات في هذا كثيرة (٢).
وبهذا يتبين الفرق بين الأنبياء والرسل والأئمة في الوحي، فكلهم يُوحى إليهم ولكن الاختلاف إنما يكون في نمط وطريقة الإيحاء، وسواء كان الوحي عن طريق جبريل ﵇ أو بسماع صوت فكل هذا وحي، والناس حينما تتبع نبياً أو رسولاً أو حتى إماماً لا تهتم بالطريقة التي جاء بها الوحي بل بكونه وحياً من الله والناس ملزمة باتباعه وإلا كانوا بذلك عاصين للموحى إليه وبالتالي عاصين لله ، فأي فائدة جنيناها من اعتقاد ختم نبوة محمد ﵌ إذا كانت المسألة كذلك؟!!
وليت المسألة تقتصر على ما سبق، بل إنّك لتجد أنّ مقام الأئمة عند الشيعة أعلى وأسمى من مقام الأنبياء باستثناء محمد ﵊ كما دلّت على ذلك الروايات المستفيضة عن الأئمة المعصومين وأقوال كبار علماء الإمامية السابقين واللاحقين.
يقول المجلسي أيضاً: (اعلم أنّ ما ذكره ﵀ (٣) من فضل نبينا وأئمتنا صلوات الله عليهم على جميع المخلوقات وكون أئمتنا أفضل من سائر الأنبياء هو الذي لا يرتاب فيه من تتبع أخبارهم ﵈ على وجه الإذعان واليقين، والأخبار في ذلك أكثر من أن
стр. 151
تُحصى .. وعليه عمدة الإمامية ولا يأبى ذلك إلا جاهل بالأخبار) (١). وقد صنف علماء الإمامية في هذا مصنفات كثيرة (٢).
وهي المقالة التي قررها الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية بقوله: (إنّ من ضروريات مذهبنا أنّ لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبي مرسل) (٣).
وإذا كانت المساواة بين الإمام والنبي بحد ذاتها كفيلة بنسف عقيدة ختم النبوة، فكيف إذا كانت أعظم من مقام النبوة؟!!
إنّ تعارضاً صارخاً كهذا بين عقيدة الإمامة وعقيدة ختم النبوة يجلي بكل وضوح بطلان عقيدة الإمامة ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ (٤).
стр. 152
نصوص شيعية اشترطت العدل في الحاكم لا العصمة
إنّ من يستقرئ التراث الشيعي الإثنى عشري وتطوره التاريخي عبر العصور يدرك لا محالة أنّ القول بنظرية عصمة الإمام إنما هو نتيجة متأخرة لتطورات طرأت على الحركات الشيعية القائمة آنذاك، أوجدها تيار مغالٍ وجد طريقه لبث سمومه بين أتباع أهل البيت.
إنّ من يتناسى الكتب التي ألفها علماء الشيعة الإثني عشرية دعماً لفكرة العصمة ويبحث بتجرد في التراث الشيعي الذي نقله هؤلاء العلماء بأنفسهم سيجد روايات كثيرة لا يروق لعلماء الشيعة اليوم النظر فيها وتأملها بحيادية.
فقد روى الطوسي في "تهذيب الأحكام" وابن بابويه القمي في "علل الشرائع" عن الإمام جعفر الصادق عن أبيه (ع) أنه قال: ذُكرت الحرورية عند علي (ع) فقال: (إن خرجوا على جماعة أو إمام عادل فقاتلوهم وإن خرجوا على إمام جائر فلا تُقاتلوهم فإنّ لهم في ذلك مقالاً) (١).
وأنت ترى أنّ الرواية لا تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى العصمة وإنما تتكلم بكل وضوح عن العدل والجور.
فلماذا لم يقل الإمام علي: إن خرجوا على إمام معصوم فقاتلوهم وإن خرجوا على غيره فلا تقاتلوهم، أو قال: إن خرجوا على الأئمة الإثني عشر فقاتلوهم وإن خرجوا على غيرهم فلا تقاتلوهم؟
стр. 153
وفي هذا يذكر الشيخ الرضي في "نهج البلاغة" أنّ الإمام علياً لما اجتمع الناس وشكوا له ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته واستعتابه دخل عليه فقال: (إِنَّ النَّاسَ وَرَاءِي وَقَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ وواللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ ولا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لا تَعْرِفُهُ، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فنخبرك عنه ولا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ كَمَا صَحِبْنَا ومَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ولا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْك وأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُمَا وَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالا (١) فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَإِنَّكَ وَاللَّهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمًى ولا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ، وإِنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ وَإِنَّ أَعْلامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وهَدَى فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً وإِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ لَهَا أَعْلامٌ وإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ لَهَا أَعلام، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ فَأَمَاتَ سُنَّةً مَاخُوذَةً وأحيا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً) (٢).
وكلام الإمام علي هاهنا واضح وضوح الشمس ولا يحتاج إلى بيان.
أما النوري الطبرسي فقد روى في "مستدرك الوسائل" عن الإمام علي الهادي قَالَ: (إِنَّ لله جنةً ادّخرها لثلاثٍ: إمام عادل ورجل يحكّم أخاه المسلم في ماله ورجل يمشي لأخيه المسلم في حاجة قُضيت له أو لم تُقضَ) (٣).
стр. 154
وروى أيضاً عن الإمام علي أنه قال: (عليكم بالجهاد في سبيل الله مع كل إمام عادل، فإنّ الجهاد في سبيل الله بابٌ من أبواب الجنّة) (١).
وروى ابن بابويه في "ثواب الأعمال" عن الإمام جعفر الصادق قال: (ثلاثة يدخلهم الله الجنة بغير حساب إمام عادل وتاجر صدوق وشيخ أفنى عمره في طاعة الله) (٢).
وروى أيضاً عن الإمام جعفر الصادق قال: قال رسول الله ﵌: (إنّ في الجنة درجة لا ينالها إلا إمام عادل أو ذو رحم وصول أو ذو عيال صبور) (٣).
وروى أيضاً عن الإمام جعفر الصادق عن أبيه عن جده عن الإمام علي بن أبي طالب عن النبي ﵌ أنه قال في وصيته له: (يا علي، أربعة لا ترد لهم دعوة إمام عادل ووالد لولده والرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب والمظلوم يقول الله ﷻ وعزتي وجلالي لأنتصرن لك ولو بعد حين) (٤).
وروى أيضاً عن سلمة بن كهيل رفعه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: (سبعة في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله) إلى آخر الحديث (٥).
وروى ابن فتال النيسابوري عن رسول الله ﵌ أنه قال: (أحب الناس يوم القيامة وأقربهم من الله مجلساً إمام عادل، إنّ أبغض الناس إلى الله وأشدهم عذاباً
стр. 155
إمام جائر) (١) وفي رواية (إنّ أقرب الناس إلى الله تعالى وأحبهم إليه وأدناهم منه مجلساً يوم القيامة إمام عادل) (٢).
إنّ كل هذه الروايات الشيعية المتظافرة كافية بحد ذاتها لإثبات أنّ أئمة أهل البيت كانوا يشترطون في إمام المسلمين العدل لا العصمة.
الأحلام لا تصلح لأن تكون دستوراً
الحديث عن خليفة معصوم ليس نبياً ولا رسولاً يعود بذاكرتي إلى ما قرأته قديماً عن المدينة الفاضلة التي لم ولن توجد إلا في مخيلة أفلاطون.
فمن السهل على المرء أن يعيش في برج عاجي، يجول بفكره هنا وهناك ويعيش جنة أرضية في مخيلته تؤنسه في وحشته وتسلي نفسه ويريح بها ضميره، خصوصاً إذا ما كان يتقلب في مجتمعات عاشت على المظالم منذ زمن بعيد (٣)، من حقه أن يريح فكره ويعيش حُلمه، ولسنا نلومه على ذلك، لكن أن يفرض هذه الأحلام على الناس جميعاً ويكفّر من لا يعيش معه هذا
стр. 156
الخيال وذاك الوهم، جاعلاً آماله وظنونه جزءاً لا يتجزأ من الدين يوالي ويعادي الناس عليه فهذا ما يحتاج منا إلى وقفة تأمل.
تُرى لو جاز للأئمة الإثني عشر أن يتولوا الخلافة، أترى هؤلاء الناس الذين يعتقدون فيهم العصمة ولا يجوّزون عليهم الخطأ ويدندنون حول هذا الكلام ليل نهار، أتراهم سيصمدون على رأيهم هذا إذا ما رأوا من هؤلاء الأئمة ما لا ينبغي أن يحصل أم أنه سرعان ما تنشئ المعارضة لبعض القرارات والأحكام؟
هذا الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب –وهو إمام معصوم عند الإمامية- لما تولى الخلافة زمناً يسيراً، وصالح معاوية بن أبي سفيان على الخلافة ماذا فعل فيه شيعته الذين يزعمون عصمته؟ نادوه بـ (يا مذل المؤمنين) (١)، ومنهم من طعنه في فخذه، ومنهم من اكتفى بالاعتراض بالقول دون الفعل، ومنهم بلا شك من سخط عليه لكنه لم يملك التصريح بالمعارضة والعصيان.
هذا هو الواقع الذي يرفضه أرباب النظرية الإمامية، مع أنه واقع ملموس، سطرته كتب الفريقين السنة والشيعة.
ولله در الإمام الشيعي الزيدي"المنصور بالله" (المتوفى ٦١٤هـ) إذ يقول مبيّناً تهافت نظرية الإمامة عند الإثني عشرية: (وأما قولهم: إنّ المكلفين يكونون مع وجود الإمام أقرب إلى
стр. 157
القيام بما كلفوه، فقول غير سليم وقياس لا يستقيم بل لا يمتنع في المشاهدة كونهم أبعد مع وجوده من فعل الطاعة، وأقرب إلى فعل المعصية كما كان في أيام علي والحسن والحسين سلام الله عليهم، فإنّ الناس ارتكبوا في أيامهم من الآثام، وحلوا من عقد الإسلام ما لم يكن قبل ذلك ولا بعده.
وهذا الحسن بن علي ﵇ نهض في شيعة أبيه وأجناده فثاروا به فجرحوه ونهبوا بيت ماله وسلبوا أمهات أولاده، وصغّروا عظيم حقه، حتى تمكّن منه عدوه، واستولى على الأمر من ليس من أهله.
وكذلك الحسين بن علي ﵇ أناخ بإزاء شيعة أبيه بعد استدعائهم له، وإنفاذهم للرسل المتواترة إليه لإزعاجه ووعدهم له النصرة، والقيام بما يجب من حقه، وتقلد أكثرهم البيعة، والعقد الوثيق في ملازمة طاعته فقادوا الخيول، وأرخوا الكتائب حتى أحاطوا به من كل جانب، وحاولوه من كل وجه حتى سفكوا دمه، وحصدوا بشفار السيوف وشبا الأسنة جميع من حضره من أهل بيته سلام الله عليهم بضعة عشر غلاماً ممن له مرتكض في رحم فاطمة ابنة رسول الله ﵌ فأي قرب تراه إلى الطاعة، وأي بعد تراه من المعصية، والأمر كما يعلمه العقلاء بالضد من ذلك، بعدوا من الطاعة وقربوا من المعصية مع وجود الإمام المعصوم المعلوم لإمامة ذرية رسول الله ﵌ من ولده) إلى أن قال ناقداً اعتقاد الإثنى عشرية إمام القائم المنتظر الغائب: (فإن قدّروا رئيساً ظاهر الأمر مبسوط اليد، فهذه صفة لا توجد في إمامهم الذي ادعوا إمامته، لأنهم ذكروا أنّ الخوف شرّده حتى لم يقرّ به قرار، ولا تلقته دار، وزاد خوفه على خوف الخائفين وهربه على هرب الهاربين) إلى أن قال: (بل ذكر علماؤهم الكبار في كتبهم المحصّلة أنّ الإمام ما منعه من الظهور لأوليائه إلا مخافة أن يظهر أمره إلى الظلمة بسعاية بعض السعاة فيهلكه، فلذلك تكتم
стр. 158
من الولي ومن العدو. فأي هيبة والحال هذه تمنع المكلفين من القبيح من إمام هذه صورته؟!) (١).
فالنظرية في واد وواقع الأئمة الإثنى عشر في واد آخر، ومن يستقرئ التاريخ الشيعي الخالص أو يستعين بكتاب جيد في هذا الباب ككتاب "تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه" للأستاذ أحمد الكاتب (٢)، سيدرك بالفعل تهاوي النظرية الإمامية أمام حقائق النصوص الشيعية ذاتها.
لقد أنهك المتكلمون الذين اخترعوا مثل هذه النظريات الأمة بقضايا كانت في غنى عنها، فأورثوها فرقة واختلافاً تجرعت مرارته فترات من الزمن ولا زالت تتجرعه.
فمتى دخل على الأمة الجدل في القرآن هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ ومتى دخل على الأمة الجدل في صفات الله بين تعطيل وتحريف قابله تكييف وتمثيل وتشبيه لله بخلقه؟ إن لم يكن علم الكلام وراء هذا كله.
ونظرية عصمة الأئمة هي إحدى تلك الإفرازات، قامت على أسس عقلية نطق بها بعض المتكلمين ثم انصرفوا بعد رسمها إلى الاستدلال عليها من كتاب الله وسنة رسوله، وبذلوا في ذلك الجهد والطاقة.
стр. 159
آمنوا بالنظرية ثم راحوا يبحثون عن الدليل، في حين أنّ ديننا يدعونا إلى البحث عن الدليل ثم الإيمان بما يأتي به الدليل لا الإيمان بما يمليه علينا الهوى ثم البحث عن ما يسعف ذاك الهوى.
ولعل من أبرز التحديات الفعلية التي واجهت هؤلاء المتكلمين هو موقف أهل البيت من نظرية العصمة التي يزعمها متكلمو الشيعة فيهم.
فقد خطب الإمام علي بن أبي طالب الناس في مسجد الكوفة قائلاً: (فلا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطاء ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني) (١).
وأكدّ في خطبة أخرى وهو يتحدث عن الخارجي "الخريت بن ناجية" ومحاولاته السابقة لدفع الإمام لقتل واعتقال عدد من زعماء المعارضة، أنّ من الواجب على الناس الوقوف في وجه إمامهم ومنعه إذا أراد هو أن يفعل ذلك، مذكرينه بالله !
ولم يكن الإمام علي بن أبي طالب ليقول هذا للناس لو كان هناك اعتقاد سائد لدى شيعته بعصمته، وذلك لأنّ هالة العصمة تحتم أن يضع الإمام نفسه فوق النقد وأن يحرّم على المعارضة نقده أو التجرؤ عليه بتوجيه النصح والمشورة له، وهذا ما لم يكن يفعله الإمام علي الذي ضرب أروع الأمثلة في حسن القيادة وطلب مشورة المحكومين وإعطائهم دورهم السياسي في تقويم حاكمهم.
ويستعرض الإمام علي في موضع آخر صفات الحاكم وشروطه فلا يذكر من بينها (العصمة) فيقول: (.. إنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم وإمامة
стр. 160
المسلمين: البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل، فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول، فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة) (١).
ويقول في خطبة أخرى: (أيها الناس، إنّ أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه) (٢).
وينقل الصدوق في "أماليه" قصة عن فاطمة الزهراء تنافي نظرية العصمة التي كان يقول بها المتكلمون، فروى أنّ الإمام علي بن أبي طالب أنفق ذات مرة أموال مزرعة باعها حتى لم يبق لديه درهم واحد، فاحتجت فاطمة الزهراء على ذلك وأمسكت بثوبه، فنزل جبريل وأخبر النبي بذلك، فذهب إليها وقال: ليس لك أن تمسكي بثيابه ولا تضربي على يديه فقالت: إني أستغفر الله ولا أعود أبداً (٣).
كما يذكر الشيخ الرضي في "خصائص الأئمة": أنّ الإمام الحسن استعار قطيفة من بيت المال فبلغ ذلك الإمام علي فغضب وذهب إلى بيت الإمام الحسن فوجد القطيفة في منزله فأخذ بطرفها يجرها وهو يقول له: النار يا أبا محمد، النار النار يا أبا محمد، حتى خرج بها (٤).
وكذلك لم يشر الإمام الحسين إلى موضوع العصمة في رسالته التي أرسلها إلى أهل الكوفة مع سفيره مسلم بن عقيل، وإنما طرح ضرورة اتصاف الحاكم بشروط التقوى والالتزام
стр. 161
بالعمل بالكتاب والدين، فقال: (فلعمري ... ما الإمام إلا العامل بالكتاب الحابس نفسه على الله القائم بالقسط والدائن بدين الله) (١).
وينقل الإمام الباقر حديثاً عن رسول الله ﵌ حول شروط الحاكم فلا يذكر منها العصمة، يقول: قال رسول الله ﵌: (لا تصلح أمتي إلا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله وحلم يملك به غضبه وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم – وفي رواية أخرى-: حتى يكون للرعية كالأب الرحيم) (٢) مما يشير إلى أنّ الإمامة تصلح لعامة الناس بهذه الشروط.
وفي الكافي عن ابن عمّار قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: كان في وصية النبي ﵌ لعلي ﵇ أن قال: يا علي، أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عنّي، ثم قال: اللهم أعِنه، أما الأولى: فالصدق ولا تخرجنّ من فيك كذبة أبداً والثانية: الورع ولا تجترئ على خيانة أبداً، والثالثة: الخوف من الله عز ذكره كأنك تراه والرابعة: كثرة البكاء من خشية الله يبني لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة، والخامسة: بذْلُك مَالَك ودَمَك دون دينك، والسادسة: الأخذ بسنتي في صلاتي وصدقتي. أما الصلاة فالخمسون ركعة وأما الصيام فثلاثة أيام في الشهر: الخميس في أوله والأربعاء في وسطه والخميس في آخره ..) (٣)، قال المجلسي في "مرآة العقول": حديث صحيح (٤).
стр. 162
فمن الملاحظ أنّ هذه الوصية النبوية موجهة لعلي بن أبي طالب بذاته لقول النبي (يا علي أوصيك في نفسك بخصال)، وما كانت تلك الوصايا أن توجه لمعصوم وبالذات الأولى منها.
وهو ما اعترف به المجلسي في "مرآة العقول ٢٥/ ١٨٠" فقال: (قوله صلى الله عليه وآله: (أوصيك بنفسك) أي هذه أمور تتعلق بنفسك لا بمعاشرة الناس).
نهج البلاغة ينقض عقيدة الإمامة التي يعتقدها الشيعة الإثنا عشرية
حتى كتاب نهج البلاغة الذي يستشهد به الشيعة الإثنا عشرية على الإمامة في بعض مقتطفاته هو نفسه أول من يقدح في عقيدة الإمامة التي يتبناها ذاك الفكر وينقضها.
لقد قالها الإمام علي بن أبي طالب بكل وضوح: (دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. وإنّ الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت. واعلموا أني إن أجبتكم ركبت لكم ما أعلم، ولم أُصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيراً، خير لكم مني أميراً!) (١).
ولو كانت إمامة علي بن أبي طالب منصوصاً عليها من الله لما جاز للإمام تحت أي ظرف من الظروف أن يقول للناس: (دعوني والتمسوا غيري) أو أن يقول: (أنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً)، كيف والناس تريده وجاءت لتبايعه؟!
стр. 163
حاول أيها القارئ أن تسترجع معي قول كاشف الغطاء: (إنّ الإمامة منصب إلهي كالنبوة) لتتخيل نبياً من أنبياء الله يقول للناس: (دعوني والتمسوا لكم نبياً غيري، أنا لكم مرشداً أو وزيراً خير لكم من أن أكون نبياً)!
أيُعقل هذا؟ أيجوز هذا؟ ألا يُعتبر هذا رداً لأمر الله – إن جاز لنا أن نقول إنّ الإمامة من الله لا بالشورى والبيعة – كما تقول الإمامية بذلك؟!
ولذلك لا تعجب أيها القارئ من ظهور فرقة متطرفة اسمها (الكاملية) كانت في البداية تتولى علياً وتحبه ثم ما لبثت أن انقلبت على عقبيها وكفّرته مدّعية أنه بدّل وأحدث في الدين!
يقول المؤرخ الشيعي (النوبختي) (١) في كتابه "فرق الشيعة": (وشذّت فرقة من بينهم يُقال لها الكاملية، فأكفرت علياً ﵇، وجميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أكفروا علياً بتركه الوصية، وتخليته الولاية، وتركه القتال على ما عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وآله!) (٢)
فالكاملية رغم أنها أكثر تطرفاً وضلالاً من الفرق الشيعية التي كفّرت الصحابة على العموم واستثنت علياً ونفراً يسيراً لا يتجاوزون السبعة إلا أنها أكثر واقعية، لأنها طبقت المذهب بحذافيره، فالمذهب يرفع من شأن الإمامة إلى حد الإيمان والكفر، ومقولة الإمام علي في نهج البلاغة فيها تساهل كبير في قضية الخلافة بل وتخلٍ عنها، والمنصف سيجد نفسه أمام
стр. 164
أمرين: إما أن يرى بعينيه الغلو الفاحش في الإمامة عند الإثنى عشرية ويدرك أنّ الإمام علياً كان بعيداً كل البعد عن هذه المغالاة، وإما أن يكون مع الكاملية فيكفّر الكل، يكفّر من غصب الخلافة ومن تساهل فيها ورفضها وهي من أعظم أركان الدين!
وقد ناقشت أحد علماء الشيعة في هذه القضية بالذات في مجلس خاص جمعني وإياه مع زميلين أحدهما سني والآخر شيعي، وكان هذا العالم يحاول قدر المستطاع أن يجد العذر للإمام علي في تلفظه بهذه الكلمات –وهو في الحقيقة لا يعتذر للإمام وإنما يعتذر لنظرية الإمامة التي وُضعت بهذا النص على المحك الفعلي– فكان مما قاله: إنّ الإمام علياً لم يرفض الخلافة وإنما أراد أن يذكرهم بغصب الخلفاء ومظلوميته (على حد قوله)، فقلنا له: كان بإمكانه أن يُعبّر عن فكرته هذه بطريقة أخرى، لكن كلامه كان واضحاً في بيان أنه لا ينظر للإمامة على أنها من الله وإنما يتكلم عنها على أساس بشري، ثم قلنا له: لا يجوز للنبي أن يرفض اعتراف الناس بنبوته مطالباً إياهم باختيار آخر بحجة أنه يريد تذكيرهم بحادثة معينة أو بظُلم وقع عليه، والإمامة عندكم منصب إلهي كالنبوة، فكيف جاز للإمام علي أن يعلن التنازل عنها أو رفضها؟! ألا يُعد هذا كفراً ورداً لأمر الله تعالى؟!
فلم يجبنا بشيء وانتقل بنا إلى موضوع آخر، كعادة من نتحاور معهم في هذا الشأن، فتراهم يقفزون من موضوع إلى آخر، فتأتيه بحجة في موضوع الإمامة فيذهب بك بعيداً نحو أم المؤمنين عائشة وخروجها في موقعة الجمل، فترد عليه بالحجج فيقفز بك فجأة إلى أبي هريرة ورواياته في السنة، وهكذا تدور العجلة!
وإذا ما عاد الحديث عن "نهج البلاغة" وما فيه من الحجج الباهرة الداحضة لفكرة (الوصية) والإمامة الإلهية، فإننا سنقف عند قول الإمام علي: (أيها الناس؛ إنّ أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه، فإن شغب شاغب استعتب، فإن أبى قوتل
стр. 165
ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس؛ ما إلى ذلك من سبيل، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها؛ ثم ليس للشاهد أن يرجع، ولا للغائب أن يختار) (١).
فليست الإمامة حكراً على اثني عشر من دون سائر الخلق بل في كلام الإمام علي ما يؤكد أنّ أحق الناس بإمامة المسلمين أقواهم على إقامة حكم الله تعالى وأعلمهم بدين الله تعالى مطلقاً، وليست العبرة بأشخاص منصوص عليهم سلفاً.
وفي تتمة خطبته يرد رداً قاصماً على كل من يطعن في خلافة أبي بكر الصدّيق بحجة أنّ البعض تخلف عنها في البداية كما يفعل بعض المتعصبين اليوم، فيقول: (ولعمري لئن كانت الإمامة (٢) لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس؛ ما إلى ذلك من سبيل، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها، ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار).
ويقول في "النهج" أيضاً كلاماً أكثر صراحة وأشد وضوحاً: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى) (٣).
стр. 166
وقد أثار الإمام علي بهذه العبارة حقائق جديرة بالاهتمام حيث يجعل:
أولاً: الشورى للمهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله ﵌ وبيدهم الحل والعقد.
ثانياً: اتفاقهم على شخص سبب لمرضات الله وعلامة لموافقته إياهم.
ثالثاً: لا تنعقد الإمامة في زمانهم دونهم، وبغير اختيارهم.
رابعاً: لا يرد قولهم ولا يخرج عن حكمهم إلا المبتدع الباغي المتبع غير سبيل المؤمنين.
خامساً: أنه جعل صحة خلافته مبنية على صحة خلافة من سبقه، فإنه صار خليفة للمسلمين بمبايعة من بايع أبا بكر وعمر وعثمان.
فأين هم الشيعة الإثنا عشرية عن هذه التصريحات الهامة؟!
عندما يمتزج وهم الإمامة النصية بالخرافة الحسية !
من يتصفح الكتب المصنّفة في الولاية والإمامة بكل تجرد وعقلانية يجد العجب العجاب.
حكايات وبراهين تمجها العقول ولا ترتضيها الفطر، حكايات أشبه ما تكون بقصص "ألف ليلة وليلة" فكيف تكون عقائد يوالي ويعادي الإنسان عليها الناس، ويظن أنها من الإسلام!
خذ عندك هذه الروايات واحكم بنفسك:
عن علي ﵇ أنه قال: (إنّ الله عرض أمانتي وولايتي على الطيور، فأول من آمن بها البزاة البيض والقنابر، وأول من جحدها البوم والعنقاء، فلعنهما الله تعالى من بين الطيور فأما البوم فلا تقدر أن تظهر بالنهار لبغض الطيور لها وأما العنقاء فغابت في البحار لا ترى وإن الله عرض أمانتي على الأرضين فكل بقعة آمنت بولايتي جعلها طيبة زكية، وجعل نباتها
стр. 167
وثمرتها حلوا عذباً، وجعل ماءها زلالاً، وكل بقعة جحدت إمامتي وأنكرت ولايتي جعلها سبخاً، وجعل نباتها مراً علقماً، وجعل ثمرها العوسج والحنظل، وجعل ماءها ملحاً أجاجاً) (١).
فأمثال هؤلاء الرواة كذبوا على الإمام علي وكذبوا على الطيور ونسبوا إليها مثل هذا الهراء، فكيف لا يسهل عليهم الكذب على أبي بكر وعمر وغيرهم من الصحابة وتكبير قضية الخلاف يوم السقيفة وجعلها مسألة إيمان وكفر!
ومما روته هذه الكتب أنّ حماراً لكعب بن الأشرف شهد أنّ علياً ولي الله ووصي رسوله (٢).
وأنّ كلب رجل من أهل الذمة عض اثنين من الصحابة فشكيا أمره إلى رسول الله ﵌، فأمر بقتله.
تقول الرواية: (ثم قام ﵌ وقمنا معه حتى أتى منزل الرجل، فبادر أنس فدق الباب فقال: من بالباب؟ فقال أنس: النبي ﵌ ببابكم، قال: فأقبل الرجل مبادراً ففتح بابه وخرج إلى النبي ﵌، وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله (٣)، ما الذي جاء بك إليّ ولست على دينك؟ ألا كنت وجهت إليّ كنت أجيبك، قال النبي ﵌: لحاجة إلينا أخرج كلبك فإنه عقور وقد وجب قتله، فقد خرق ثياب فلان وخدش ساقه وكذا فعل اليوم بفلان، فبادر الرجل إلى كلبه وطرح في عنقه حبلاً وجره إليه وأوقفه بين يدي رسول الله ﵌، فلما
стр. 168
نظر الكلب إلى رسول الله ﵌، قال بلسان فصيح بإذن الله تعالى: السلام عليك يا رسول الله، ما الذي جاء بك ولِمَ تريد قتلي؟ قال: خرقت ثياب فلان وفلان وخدشت ساقيهما، قال: يا رسول الله، إنّ القوم الذين ذكرتهم منافقون نواصب يبغضون ابن عمك علي بن أبي طالب (١) ولولا أنهم كذلك ما تعرضت لهم ولكنهم جازوا يرفضون علياً ويسبونه فأخذتني الحمية الأبية والنخوة العربية (٢) ففعلت بهم) (٣).
ومن ذلك ما روي عن قنبر مولى أمير المؤمنين ﵇ قال: كنت عند أمير المؤمنين (ع) إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إني أشتهي بطيخاً، قال: فأمرني أمير المؤمنين (ع) بشراء بطيخة فوجّهت بدرهم فجاءونا بثلاث بطيخات فقطعت واحداً فإذا هو مُرّ، فقلت: مُرّ يا أمير المؤمنين، فقال: ارم به، من النار وإلى النار، قال: فقطعت الثاني فإذا هو حامض فقلت: حامض يا أمير المؤمنين، فقال: ارم به، من النار وإلى النار، قال: فقطعت الثالث فإذا هو مَدُودَةٌ، فقلت: مَدُودَةٌ يا أمير المؤمنين، فقال: ارم به، من النار وإلى النار.
قال: ثم وُجهتُ بدرهم آخر فجاءونا بثلاث بطيخات فوثبت على قدمي فقلت: أعفني يا أمير المؤمنين عن قطعه، كأنه تأثم بقطعه.
فقال له أمير المؤمنين: اجلس يا قنبر فإنها مأمورة، فجلست فقطعت فإذا هو حلو.
فقلت: حلو يا أمير المؤمنين فقال: كل وأطعمنا.
стр. 169
فأكلت ضلعاً وأطعمته ضلعاً وأطعمت الجليس ضلعاً.
فالتفت إليّ أمير المؤمنين ﵇ فقال: يا قنبر، إنّ الله ﵎ عرض ولايتنا على أهل السماوات وأهل الأرض من الجن والإنس والثمر وغير ذلك فما قبل منه ولايتنا طاب وطهر وعذب، وما لم يقبل منه خبث وردي ونتن (١).
وروى الإمام الرضا فيما يزعمون عن أبيه عن جده أنّ أمير المؤمنين ﵇ أخذ بطيخة ليأكلها فوجدها مرّة فرمى بها، وقال: بعداً وسحقاً، فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما هذه البطيخة؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : (إنّ الله ﵎ أخذ عقد مودتنا على كل حيوان ونبات، فما قبل الميثاق كان عذباً طيباً وما لم يقبل الميثاق كان ملحاً زعاقاً) (٢).
ومن ذلك ما رواه المجلسي في "بحار الأنوار" أنّ علي بن عاصم الأعمى الكوفي قال: دخلت على أبي محمد العسكري (ع)، فقال لي: يا علي بن عاصم، انظر إلى ما تحت قدميك فإنك على بساط قد جلس فيه كثير من النبيين والمرسلين والأئمة الراشدين، قال: فقلت: يا سيدي، لا أنتعل ما دمت في الدنيا إكراماً لهذا البساط، فقال: يا علي، إنّ هذا النعل الذي في رجلك نعل نجس ملعون لا يقر بولايتنا (٣).
فحتى الحيوانات والجمادات لم تسلم من الكذب عليها ومن اتهامها ببغض أهل البيت أو برفض ولايتهم!
стр. 170
فلا تعجب حينئذ إن جاء هؤلاء بآلاف الروايات المكذوبة في أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة بشكل عام، ما دام غير البشر ليسوا بمأمن من الكذب عليهم ومن اتهامهم بما هو باطل!
стр. 171
مناقشة أدلة الإمامة عند الشيعة الإثني عشرية
إنّ فضائل أهل البيت كثيرة ونصيب الإمام علي بن أبي طالب منها كبير، ولا يجحد فضائله أو فضائلهم إلا ناصبي حاقد أو جاهل لا يعرف لهم حقهم ومكانتهم.
لكن الاعتقاد بفضلهم والتدين بحبهم أمر، والاستدلال بهذه الفضائل على عصمة بعضهم ووجوب امتداد الخلافة في إثني عشر رجلاً منهم وتفضيلهم على أنبياء الله تعالى بمن فيهم أولو العزم من الرسل ما عدا محمداً ﵌ أمر آخر لا يمت بصلة إلى تلك الفضائل المحكية في حقهم وإلى بطولاتهم التي سطّرها لهم التاريخ.
فلمحبة أهل البيت ولفضائلهم ضوابط تحكمها وتحدد مسارها وإلا لقال كل قائل ما يحلو له باسم حب أهل البيت!
ولهذا كان الإمام علي بن الحسين يقول: (أحبونا حب الإسلام لله ، فإنه ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً) (١).
لقد ضاق الإمام زين العابدين ذرعاً بأولئك المغالين الذين أضفوا على حب آل البيت معاني لا يرتضيها أهل البيت أنفسهم.
والحديث عن الإمامة وعصمة الأئمة ومعجزاتهم ومناقشة هذه المواضيع بات اليوم كالحديث عن المسيح ﵇ وطبيعته البشرية.
إنّ مناقشة أدلة الإمامة عند الشيعة الإثني عشرية تعود بي زمناً طويلاً إلى أيام مضت كنت مهتماً فيها بمناظرات الداعية الإسلامي المتميز أحمد ديدات ومؤلفاته.
стр. 172
فقد كان (أحمد ديدات) ﵀ يستنكر على بعض القساوسة المناظرين له فكرة نعيشها اليوم مع كثير من المتعصبين من أرباب الفرق والجماعات المنتسبة للإسلام.
كان القساوسة يطرحون بنوة المسيح – المدّعاة – لله بأسلوب (إما أن يكون المسيح ابناً لله كما نؤمن نحن وإما أنك تنسب إليه الجنون أو التجديف لادعائه ما لا يحق له أو تنسب إليه السحر لإتيانه بخوارق عادات لا يأتي بها بشر) هكذا يقولون!
فيضعك هؤلاء في الزاوية التي يريدونها، ويمارسون عليك الإرهاب الفكري، إما أن تقول بقولهم وإلا جعلوك عدواً للمسيح ﵇ بحجة أنك تنسب إليه التجديف والكذب أو السحر!
وعند هذا الطرح العجيب يتساءل ديدات (ولماذا هذه الافتراضات الثلاث؟! لماذا لا يكون عبداً رسولاً، لماذا لا يكون نبياً عظيماً من أنبياء بني اسرائيل فحسب؟!)، لماذا تريد أن تجعلني في الزاوية (إما أن أكون مغالياً في الشخصية التي أتكلم عنها أو أكون عدواً لها؟! لا وسط بين القولين.
وبالأسلوب ذاته يمكن لك أن تتصور محاوراً يريد نقاش موضوع عصمة الأئمة والإمامة النصية بعد رسول الله ستجد بلا شك عند استعراضك للأدلة ونقاشك العميق معه في هذه القضية أنّ الحوار سيقف عند قضية عاطفية بحتة في النهاية! هل أنت ناصبي تعادي الأئمة؟ هل تشكك في مصداقية أهل البيت؟ وما يشابه هذه الاتهامات ... وربما تساقطت عليك الحجارة من كل حدب وصوب وأنت لا تدري، مع أنّ النقاش لا يحتمل كل هذا.
وقد مرت بي هذه التجربة بالفعل، أناقش من خلال القرآن والسنة والعقل وأُفاجَأ بأنّ الرد الفوري عليّ هو الاتهام لي بأني ناصبي!!
стр. 173
وهل كلمة ناصبي هينة حتى تُطلق على كل أحد؟ وهل نقاشي لإطروحة عصمة الأئمة أو الرجعة وما شابهها يعني أني لا أحب أهل البيت؟!
لو كان حب أهل البيت يعني الغلو فيهم لرضي أهل البيت بأن يُقال عنهم آلهة من دون الله، ولأثنى أهل البيت على من غلوا فيهم بدلاً من التحذير منهم ..
من الأفضل أبو بكر أم علي ؟
طلب مني أحد الأصدقاء الشيعة المناقشة في مسألة المفاضلة بين الإمامين أبي بكر الصدّيق وعلي بن أبي طالب ﵄.
فأجبته بأنّ مناقشة مثل هذه المسائل ليس بالأمر الصعب لكن الخلاف بين أهل السنة والشيعة الإثني عشرية أكبر من أن يُحصر في المفاضلة بين أبي بكر وعلي، والأولى أن يُبدأ بجوهر الخلاف بدل الانهماك في مثل هذه المسائل، فليس من المهم من كان أفضل ومن كان أقل فضلاً إذا كنا نعترف بفضل الاثنان (١)، فكلاهما قد مات، والخلافة قد انتهت، ومن غير المعقول أن نبقى بعدهم مئات السنين ونحن ندندن حول مسألة من الأحق بالخلافة أو من
стр. 174
الأفضل بينهما ما دام الذين نتكلم عنهما قد فارقوا الدنيا ولاقوا ربهما منذ أكثر من ألف وثلثمائة سنة!!
إنّ الإسلام أعلى وأجل من أن يُختزل في مثل هذه الإطروحات، والصحابة وآل البيت أعظم وأجل من أن يُنظر إليهم كما ينظر مشجع كرة القدم إلى فريقه أو إلى منتخبه الوطني!
ولله در الدكتور علي الوردي – وهو مفكر شيعي معتدل – إذ يُصور مأساة بعض المتمذهبين بقوله: (سألني بعض الأجانب عن هذا النزاع بين علي وعمر، ما هو مصدره ومنشؤه؟ وهذا السؤال له أهميته الاجتماعية. فالأجانب حين يقرأون تاريخ الإسلام الأول يجدون الصفاء تاماً بين علي وعمر، فقد تزوج عمر من ابنة علي، وتولى أصحاب علي الولايات المهمة في عهد عمر، وكان عمر يستشير علياً في كثير من القضايا ويمدحه، كذلك كان علي يمدح عمر في حياته وبعد مماته كما جاء في نهج البلاغة. فما هو السبب الذي جعلهما متباعدين بعد موتهما بينما كانا في حياتهما متقاربين تقارباً واضحاً).
ثم يقول: (كنت أزور ذات مرة معامل فورد في مدينة ديترويت، ثم عَرَّجتُ بعد ذلك على زيارة الحي العربي الذي كان قريباً منها. وقد اندهشت حين وجدت نزاعاً عنيفاً ينشب بين المسلمين هناك حول عليّ وعمر، وكانت الأعصاب متوترة والضغائن منبوشة.
وكنت أتحدث مع أحد الأمريكيين حول هذا النزاع الرقيع، فسألني الأمريكي عن علي وعمر: هل هما يتنافسان الآن على رئاسة الحكومة عندكم كما تنافس ترومن وديوي عندنا؟ فقلت له: إنّ علياً وعمر كانا يعيشان في الحجاز قبل ألف وثلاث مئة سنة. وهذا النزاع الحالي يدور حول أيهما أحق بالخلافة!
стр. 175
فضحك الأمريكي من هذا الجواب حتى كاد يستلقي على قفاه، وضحكت معه ضحكاً فيه معنى البكاء، وشر البلية ما يُضحك!) (١).
نعم .. شر البلية ما يُضحك، طاقات الأمة تُهدر، وأجيال تتناحر، لكن على ماذا؟ على مثل هذه المفاضلات التي لا منفعة فيها (٢)!
لم يكن هاجس الصحابة في زمانهم إثبات من الأفضل على الآخر بل رأينا أبا بكر الصدّيق يتولى الخلافة ويقول على المنبر: (أما بعد فإني قد وُليت عليكم ولست بخيركم) (٣).
ورأينا علي بن أبي طالب تُعرض عليه الخلافة فيقول (أنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً) (٤) ويخطب على منبر الكوفة فيقول: (خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر) (٥).
стр. 176
ورأينا عمر بن الخطاب يقول (يرحم الله أبا بكر ما سبقته إلى خير قط إلا سبقني إليه) (١) وهكذا.
كل رجل منهم كان يدفع الفضل عن نفسه، وينسبه إلى صاحبه إذ كان هاجسهم العمل وخدمة هذا الدين لا المفاضلة والافتخار على بعضهم البعض.
وإني أقول هذا وأنا أعلم أنّ من الناس من سيقرأ كلامي هذا غير آبه به، فالقضايا الهامشية التي ننتقد التركيز عليها وإثارتها هي أكبر قضايا الإسلام عنده!
ولهؤلاء أهدي لهم الحوار اللطيف الذي دار بين الحسين بن إسماعيل المحاملي وأبو بكر الداوودي في المفاضلة بين أبي بكر وعلي ﵄.
فقد ذكر ابن الجوزي في كتابه "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" أنّ أبا بكر الداوودي قال يوماً في مجلس قد جمعه مع الحسين بن إسماعيل: والله ما تقدر تذكر مقامات علي مع هذه العامة، فقال له الحسين بن إسماعيل: أنا والله أعرفها، مقامه ببدر وأحد والخندق ويوم خيبر قال: فإن عرفتها فينبغي أن تقدّمه على أبي بكر وعمر.
قلت: قد عرفتها ومنه قدّمت أبا بكر وعمر عليه، قال: من أين؟
قلت: أبو بكر كان مع النبي ﵌ على العريش يوم بدر، مقامه مقام الرئيس، ينهزم به الجيش، وعليّ مقامه مقام مبارز، والمبارز لا ينهزم به الجيش، وجعل يذكر فضائله وأذكر فضائل أبي بكر، فقلت: لا تنكر لهما حقاً، ولكن الذين أخذنا عنهم القرآن والسنن وأصحاب رسول الله ﵌ قدّموا أبا بكر فقدّمناه لتقديمهم فالتفت أحمد بن خالد فقال: ما أدري لم فعلوا هذا؟ قلت: إن لم تدر فأنا أدري، قال: لم
стр. 177
فعلوا؟ فقلت: إنّ السؤدد والرياسة في الجاهلية كانت لا تعدو منزلتين إما رجل كانت له عشيرة تحميه وإما رجل كان له فضل مال يفضل به، ثم جاء الإسلام فجاء باب الدين، فمات النبي ﵌ وليس لأبي بكر مال، ولم تكن تيم لها مع عبد مناف ومخزوم تلك الحال (١)، فإذا بطل اليسار الذي كانت ترأس به قريش أهل الجاهلية فلم يبق إلا باب الدين فقدّموه له، فأُفحم الداوودي (٢).
أقول: قد أحسن الحسين المحاملي فيما ذكره لكن بقي الإشارة إلى مسائل أخرى.
إنّ الشيعة الإثني عشرية يقارنون بين الإمامين أبي بكر وعلي فيقولون: إنّ علياً أول الناس إسلاماً ولذا فهو أحق من أبي بكر بالخلافة.
لقد تتبعت أقوال المؤرخين في المسألة فوجدتهم قد اختلفوا في أول الناس إسلاماً اختلافاً لا يُمكن الترجيح فيه ترجيحاً تاماً، وسواء أكان إسلام أبي بكر متقدماً على إسلام علي أو العكس، فإنّ هذا لن يغيّر شيئاً.
فالتاريخ يشهد بأنّ الإمام علياً كان صغير السن في بداية البعثة النبوية (٣)، وعطاء الصبي ليس كعطاء الكبير، فالصبي قد يُستعان به في قضاء بعض الحوائج التي يطيقها الصغار لكنه
стр. 178
لا يتصور فيه أن تقام على يديه دعوة أو نصرة دين، وإنما يُتصور ذلك في الكبار بقدر ما لديهم من العطاء والصمود.
ولهذا جاء في حديث عمرو بن عبسة السلمي ﵁ وهو يحكي قصة إسلامه ما يدل على هذا المعنى حيث يقول: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أنّ الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﵌ مستخفياً جُرآءُ (١) عليه قومه، فتلطّفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت (٢)؟ قال: أنا نبي فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، فقلت: وبأيّ شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يُوحّد الله لا يُشرك به شيء، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد قال: -ومعه يومئذ أبو بكرٍ وبلالٌ ممن آمن به-، فقلت: إنّي مُتّبِعُكَ، قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتِني ...) (٣) وفي مسند أحمد (قلت: آلله أرسلك، قال: نعم، قلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: بأن يُوحّد الله ولا يُشرك به شيء، وكسر الأوثان وصلة الرحم، فقلت له: من معك على هذا، قال: حر وعبد أو عبد
стр. 179
وحر، وإذا معه أبو بكر بن أبي قحافة وبلال مولى أبي بكر) (١).
فلم يقل النبي ﵌ لعمرو بن عبسة وهو يعرض عليه الإسلام بأنه يتقوّى بطفل في دعوته لهذا الدين، لأنّ الطفل ضعيف لا يُتقوّى به ولا يُنتصر به عند عامة العقلاء، اللهم إلا عند أهل العناد والمكابرة والتعصب المقيت، فهؤلاء لهم مقاييس أخرى لا تخضع لدين ولا لعقل ولا لمنطق!
ولهذا لم يذكر التاريخ للإمام علي في بداية البعثة النبوية أمراً تنتصر به الدعوة الإسلامية في بداية ظهورها سوى مساندته للنبي ﵌ في تكسير بعض الأصنام سراً (٢) وهي مسألة لا يمكن أن تقارن بمجابهة أبي بكر الصدّيق للكفار وجهاً لوجه في أكثر من موطن، حين يدافع عن نبي الله (٣) أو ينفق أمواله في سبيل الله لعتق رقاب المعذبين في الله
стр. 180
كبلال الحبشي وأمه حمامة وعامر بن فهيرة (١) وأم عبيس (٢) وزنّيرة (٣) والنهدية وابنتها (٤) وجارية بني مؤمِّل وجارية بني عَدِي ﵃.
لقد تحمّل أبو بكر من الإهانة بمكة بعد العناء والعذاب في الله ، والصبر على أعداء الله والسكون على الإقامة بالجوار بعد أن كان يذمُ ويَشفَعُ في الناس، ولا يستطيع أحد دفعه.
فمِن ذلك أنه قام يوماً خطيباً عند الكعبة يدعوهم إلى الله تعالى وإلى اتباع النبي ﵌ فضربه المشركون ضرباً شديداً، وممن ضربه عتبة بن ربيعة حيث جعل يضربه على وجهه بنعلين مخصوفتين حتى ما يُعرف وجهه من أنفه (٥).
حتى جاء بنو تيم يتعادون، فأجلوا عنه ضاربيه وحملوه في ثوب إلى منزله، ولا يشكون في موته، لكن الله تعالى حفظه.
أقول هذا وأنا أعلم أنّ هناك عقولاً جوفاء ستتهمني مباشرة بالنصب أو بالإساءة للإمام علي وعدّ ما شئت من تهم، لأنّ المشكلة الحقيقية التي تعتري هذا النوع من النقاش هي أنك تتناقش مع عقول لا تريد أن تفهم، وإنما بُرمجت منذ أمد بعيد على أن ترى الإمام علياً فوق