وفي رواية أخرى (لا يزال هذا الأمر ماضياً حتى يقوم اثنا عشر أميراً) (١) وفي رواية أخرى (لا يزال هذا الأمر قائماً حتى يمضي اثنا عشر أميراً) (٢).
(إنّ هذا الدين لا يزال عزيزاً إلى اثني عشر خليفة) (٣) وفي رواية أخرى (لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة) (٤).
(لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة) (٥) وفي رواية أخرى (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة) (٦).
(لا يزال هذا الدين عزيزاً أو قال لا يزال الناس بخير (٧) إلى اثني عشر خليفة) (٨).
وفي رواية أخرى (لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً يُنصرون على من ناواهم عليه إلى اثني عشر خليفة) (٩).
(لا يزال هذا الأمر مؤاتى أو مقارباً حتى يقوم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) (١٠).
стр. 352
(لا يزال هذا الأمر في مسكة وفي علياء حتى يملك اثنا عشر من قريش) (١).
(لا يزال هذه الأمة مستقيم أمرها حتى يكون اثنا عشر خليفة) (٢).
(لا يزال أمر هذه الأمة هادئاً على من ناوأها حتى يكون عليكم اثنا عشر أميراً) (٣).
(لا يزال أمر هذه الأمة ظاهراً حتى يقوم اثنا عشر خليفة) (٤).
(لا يزال هذا الدين ظاهراً على من ناوأه لا يضره مخالف ولا مفارق حتى يمضى من أمتي اثنا عشر أميراً كلهم من قريش) (٥).
وفي رواية أخرى (لا يزال هذا الأمر ظاهراً على من ناوأه لا يضره مخالف ولا مفارق حتى يمضي اثنا عشر خليفة من قريش) (٦).
وفي رواية (لن يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناوأه لا يضره من فارقه أو خالفه حتى يملك اثنا عشر كلهم من قريش) (٧).
(لا يزال أمر هذه الأمة ظاهراً حتى يقوم اثنا عشر خليفة) (٨).
والناظر لهذه الروايات بصحيحها بل وضعيفها يلاحظ أنها لا تدل على مدح هؤلاء الإثني عشر جزماً بل قد تدل على ذمهم وكون خلافتهم بداية لهوان الأمة وضياع عزها.
стр. 353
ويشهد لهذا أنّ (حتى) و (إلى) تفيدان الغاية وقد جاءتا في كل ألفاظ الحديث تقريباً، فما قبلهما يختلف عما بعدهما، كقوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ (١) فما قبل (حتى) يختلف عما بعدها، وعلى هذا يكون ما قبل هؤلاء الأمراء عزة ومنعة وصلاحاً ويكون الذل والفساد من أول توليهم الأمور، كما يكون الإمساك من أول ظهور الفجر فتأمل هذا جيداً.
أما المعنى الآخر المحتمل فهو كون خلافة الإثني عشر هي آخر فترة العزة والمنعة ثم من بعدهم يفشو القتل المعبّر عنه بالحديث بـ (الهرج).
فكما أنّ المرء يقول: أكلت السمكة حتى ذيلها، ويحتمل قوله هذا أنه أكل السمك كلها باستثناء ذيلها، يحتمل أيضاً أنّ المراد بأنه أكل السمكة كلها من أولها إلى آخرها (أي مع ذيلها).
فما الذي جعل الحديث صريحاً في الدلالة على عِظم هؤلاء الإثني عشر بل وجعل الشيعة الإثني عشرية يذهبون إلى أنّ فيه النص على إمامة إثني عشر هم (علي بن أبي طالب والحسن والحسين وتسعة من أبناء الحسين)؟!
ثانياً: إنّ هؤلاء الإثني عشر المشار إليهم في الحديث النبوي قد وُصفوا بأنهم (خلفاء) أو (أمراء) أما الأئمة الإثنا عشر الذين يدّعي الشيعة النص عليهم هم أئمة وعلماء وفضلاء لكنهم ليسوا خلفاء (٢) ولا أمراء إذ لا خليفة بلا خلافة ولا أمير بلا إمارة.
стр. 354
فحينما تناقش عالماً من علماء الشيعة عن إمامة الإمام الصادق مثلاً وتقول له: كيف يكون جعفر الصادق إماماً ولم يكن خليفة؟ فسيجيبك على الفور بأنّ الإمامة منصب إلهي لا يُشترط فيه أن يتولى الإمام الخلافة، لكن المرء لا يكون خليفة إلا بخلافة.
فإذا علمت أنّ الأئمة الإثني عشر الذين يذكرهم الشيعة لم يلِ منهم الخلافة سوى إمامين فقط هما: (علي بن أبي طالب والحسن بن علي) ظهر تهافت وبطلان استدلالهم بالحديث.
ولذا أقول: لو أراد النبي ﵌ النص على إمامة الأئمة الإثني عشر عند الشيعة لقال في حديثه الشريف (اثنا عشر إماماً) أو نصّ على الإثني عشر بأسمائهم بدلاً من قوله: (اثنا عشر أميراً) أو (اثنا عشر خليفة)!
لقد دلّت صيغة الحديث الذي نطق به محمد ﵌ الذي أُوتي جوامع الكلم بكل وضوح على أنّ الإثني عشر في الحديث لا يختصون بالإمام علي وأولاده دون غيرهم، ألا ترى أنه لم يقل النبي أنهم (كلهم من ولد إسماعيل) ولم يقل (كلهم من العرب) وإن كانوا في الحقيقة كذلك، ولكنه ذكر ما يميزهم عن غيرهم وهو القبيلة، فلو امتازوا بأنهم كلهم من أهل البيت أو من أبناء الإمام علي بالذات لذُكروا بذلك فلما جعلهم رسول الله ﵌ من قريش مطلقاً، عُلم أنهم من قريش ولا يختصون ببطن دون آخر، فقد يكون بعضهم من بني أسد أو بني تيم أو بني عدي أو بني زُهرة أو بني هاشم.
ثالثاً: روى الطبراني من طريق أبي الطفيل عامر بن واثلة عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵌: (إذا ملك اثنا عشر من عمرو بن كعب كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة) (١) يعني القتل.
стр. 355
والإسناد ضعيف لكن له متابعة رواها الحافظ نعيم بن حمّاد في "الفتن ١/ ٩٥" عن يحيى ابن سليم (صدوق سيء الحفظ) (١) عن عبد الله بن عثمان بن خثيم (صدوق) عن أبي الطفيل ﵁ عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵌: (إذا ملك إثنا عشر من عمرو من كعب كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة).
قال ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري ١٣/ ١٨٤": (وفي قوله (من بني كعب بن لؤي) إشارة إلى كونهم من قريش لأنّ لؤياً هو ابن غالب بن فهر وفيهم جماع قريش).
والرواية إن قلنا باعتبارها فهي-كما هو ظاهر- دالة على سوء ملك هؤلاء الإثني عشر وأنّ ملكهم سبب للبأس بين الناس وكثرة الاقتتال والخراب، فتأمل!
فإن قال قائل: إنّ رواية مسروق والتي فيها: (كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرؤنا القرآن فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله ﷺ كم تملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال: (اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل) (٢) تدل على أنّ الإثني عشر فضلاء وأنّ خلافتهم مرضيّة.
стр. 356
أقول: إنّ الحديث منكر، ففي سنده (مجالد بن سعيد) أجمع علماء الجرح والتعديل على تضعيفه، وقد وهم الهيثمي في "مجمع الزوائد ٥/ ١٩٠" فقال: (وفيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي وضعفه الجمهور)، وقد رجعتُ إلى "الضعفاء والمتروكين" للنسائي فوجدته قد ضعّفه وهكذا النقل عن النسائي في سائر كتب الجرح والتعديل.
والحديث من انفردات مجالد بن سعيد هذا، ولم يتابعه عليه أحد.
أما متن الحديث فظاهر النكارة، فإنّ فيه السؤال: (كم تملك هذه الأمة من خليفة؟) وجواب النبي ﵌: (إثنا عشر) فقط!
ومخالفة هذا للواقع أظهر من أن يُستدل له، ولو كان النص مادحاً أو ذاماً لإثني عشر من جملة من يملك الأمة لكان هذا واقعياً أما النص على أنّ من سيحكم الأمة هم إثنا عشر فقط فهذا ما يُستنكر بالرواية.
والرواية على كل حال تنص على أنّ من سيملك الأمة من الخلفاء هم إثنا عشر كعدة نقباء بني اسرائيل، والأئمة الإثنا عشر في معتقد الشيعة الإثني عشرية ومعتقد غيرهم ليسوا بخلفاء ولا ملوك لأنهم لم يتسلموا زمام أمور الأمة (باستثناء الإمامين علي والحسن) كما تقدم.
رابعاً: ليس في الحديث حصر للأئمة بهذا العدد (اثني عشر) فإنّ الخلفاء في الأمة أكثر من ذلك قطعاً لكن الحديث يشير إلى أنّ الإسلام لا يزال عزيزاً حتى حَكَم هؤلاء أو في ظل حكمهم كما ذكرنا سابقاً.
خامساً: روى المفيد في "الإرشاد ٢/ ٣٧٢" عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: (لا يخرج القائم حتى يخرج قبله اثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه).
стр. 357
وعند الطوسي في "الغيبة ص٤٣٧" والمجلسي في "بحار الأنوار ٥٢/ ٢٠٩": (قال أبو عبد الله (ع): لا يخرج القائم حتى يخرج اثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه).
ومن المعلوم بأنّ القائم المذكور في الرواية هو المهدي المنتظر عند الشيعة، وخروجه يكون في آخر الزمان وهو في معتقد الطائفة أحد الأئمة الإثني عشر، لكن الرواية الشيعية تفيد أنّ ثمة (إثني عشر من بني هاشم) سيخرجون قبله، كلهم يطلب الخلافة لنفسه، والسؤال هنا: لماذا لا يكون هؤلاء الإثنا عشر هم أنفسهم الإثنا عشر المذكورون في الحديث؟!
لماذا يريد الشيعة الإثنا عشرية أن يتحكموا في الأمة كلها بجميع فرقها ومذاهبها ويلزمونهم باعتقاد النص على إثني عشر اختاروهم بأنفسهم ولم ينص عليهم الحديث لا بأسمائهم ولا بأوصافهم؟!
سادساً: إنّ التاريخ ليشهد بأنّ الشيعة بفرقهم المتعددة مختلفون في معرفة الأئمة وفي أعدادهم اختلافاً لا يكاد يُحصى إلا بِكُلفة، كما حفلت بتصوير ذلك كتب الفرق والنحل والتي ذكرت اختلاف الشيعة بعد موت كل إمام في من يكون الإمام من بعده.
ولو أخذنا بنظرية الشيعة الفطحية الذين يشترطون الوراثة العمودية في الإمامة، لأصبح الإمام الحسن العسكري هو الإمام الثاني عشر، بعد الإقرار بإمامة عبد الله بن الأفطح بن جعفر الصادق أو الاعتراف بإمامة زيد بن علي الذي اعترف بإمامته قسم من الشيعة الإمامية الأولى.
فهل يصلح لمنصف عاقل أن يبني دينه وعقيدته على قاعدة هشة لا تصمد أمام النقد العلمي بهذه الصورة؟!
стр. 358
لا - أحاديث صحيحة في النص على الأئمة الإثني عشر بأسمائهم
سئل الخوئي هذا السؤال:
(الحديث المعروف المروي عن هشام بن سالم، والذي يروي به ما جرى عليه وعلى بعض أصحابه، بل وعموم الشيعة بعد وفاة الإمام الصادق (ع)، وكيف أنه كان مع ثلة من أصحاب الصادق ثم كانوا يبحثون عن الخلف من بعده (ع)، فدخلوا على عبد الله ابن جعفر وقد اجتمع عليه الناس، فانكشف لهم بطلان دعوى إمامته، فخرجوا منه ضلاّلاً لا يعرفون مَنْ الإمام .. إلى آخر الرواية ... كيف نجمع بين هذه الرواية التي تدل على جهل كبار الأصحاب بالإمام بعد الصادق (ع)، وبين الروايات التي تحدد أسماء الأئمة ﵈ جميعاً منذ زمن رسول الله ﵌؟ وهل يمكن إجماع الأصحاب على جهل هذه الروايات حتى يتحيّروا بمعرفة الإمام بعد الإمام؟
أجاب الخوئي: (الروايات المتواترة الواصلة إلينا من طريق العامة والخاصة قد حددت الأئمة ﵈ بإثني عشر من ناحية العدد، ولم تحددهم بأسمائهم ﵇ واحداً بعد واحد حتى لا يمكن فرض الشك في الإمام اللاحق بعد رحلة الإمام السابق بل قد تقتضي المصلحة في ذلك الزمان اختفاءه والتستر عليه لدى الناس بل لدى أصحابهم ﵈ إلا أصحاب السر لهم، وقد اتفقت هذه القضية في غير هذا المورد، والله العالم) (١).
فهذه شهادة من مرجع شيعي كبير، كان زعيماً للحوزة العلمية بالنجف التي تعتبر أعرق حوزات الشيعة الإثني عشرية على الإطلاق بأنه لا توجد روايات متواترة تحدد الأئمة الإثني
стр. 359
عشر بأسمائهم، ولا حتى أحاديث آحاد يُمكن الركون إليها دون الشك في مضامينها من الشيعة أنفسهم قبل غيرهم، إذ إنّ هذه الروايات كانت نتاج السرية ورواتها هم (أصحاب السر عند الأئمة) على حد تعبير الخوئي!
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: (ألا يُمكن عقلاً أن تتواطأ هذه القلة القليلة من الأصحاب على إدعاء ما لم يدّعيه الأئمة أنفسهم، خاصة لأنهم لا ينفردون عن الأمة الإسلامية بنقل مثل هذه الروايات فحسب وإنما ينفردون بروايات لم يروها عامة أصحاب الأئمة؟).
ثم من هؤلاء الذين اختصهم الأئمة بأسرارهم دون باقي الخلق؟
يشير الشيخ علي آل محسن في كتابه "لله وللحقيقة" إلى هؤلاء النفر فيقول: (ولا يُتوهّم أنّ استحلال الإمام ﵇ كتمان بعض أحاديثه عن المخاطبين من الشيعة أو عن أكثر الشيعة يعني كتمان باقي العلوم والمعارف عنهم، وذلك لأنّ الإمامين الصادقين ﵉ خصّا كثيراً من أصحابهما كأبي بصير وزرارة ومحمد بن مسلم وغيرهم بعلوم جليلة وأسرار كثيرة) (١).
إنّ هؤلاء الذين ذكرهم الشيخ علي آل محسن ولا يخالفه في أسمائهم أحدٌ من علماء الإمامية ليسوا سوى مجموعة امتهنت الكذب على أهل البيت باعتراف الشيعة أنفسهم!
فإنّ زرارة بن أعين الذي أثنى عليه عبد الحسين الموسوي في "المراجعات" وذكره الشيخ علي آل محسن وجمع غفير من علماء الشيعة الإثني عشرية قديماً وحديثاً قد وردت فيه روايات شيعية معتبرة السند عن الإمام جعفر الصادق في الطعن فيه بل ولعنه!
стр. 360
فقد روى الكشي بسنده عن ليث المرادي قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لا يموت زرارة إلا تائهاً (١).
وعن مسمع كردين أبي سيار قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لعن الله بريداً ولعن الله زرارة (٢).
وقد حسّن العلامة الشيعي محسن الأمين إسناد هاتين الروايتين في موسوعته (أعيان الشيعة) (٣).
وعن يونس بن عبد الرحمن عن ابن مسكان قال: سمعت زرارة يقول: رحم الله أبا جعفر، وأما جعفر فإنّ في قلبي عليه لفتة، فقلت له: وما حمل زرارة على هذا؟ قال: حمله على هذا لأنّ أبا عبد الله ﵇ أخرج مخازيه (٤).
وعن مسعدة بن صدقة قال: قال أبو عبد الله ﵇: إنّ قوماً يعارون الإيمان عارية ثمّ يسلبونه يقال لهم يوم القيامة المعارون، أما إنّ زرارة بن أعين منهم (٥).
وعن الوليد بن صبيح قال: مررت في الروضة بالمدينة فإذا بإنسان قد جذبني فالتفت فإذا أنا بزرارة، فقال لي: استأذل لي على صاحبك، قال: فخرجت إلى المسجد فدخلت على أبي عبد الله ﵇ فأخبرته الخبر فضرب بيده إلى لحيته، ثم قال أبو عبد الله ﵇: لا تأذن
стр. 361
له، لا تأذن له، لا تأذن له، فإنّ زرارة يريدني على القدر على كبر السنّ، وليس من ديني ولا دين آبائي (١).
وعن علي بن الحكم عن بعض رجاله عن أبي عبد الله ﵇ قال: دخلتُ عليه فقال: متى عهدك بزرارة؟ قال: قلت: ما رأيته منذ أيام، قال: لا تبال وإن مرض فلا تعده وإن مات فلا تشهد جنازته! قال: قلت: زرارة؟ متعجباً مما قال، قال: نعم زرارة، زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال إنّ مع الله ثالث ثلاثة (٢).
وعن عمران الزعفراني قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول لأبي بصير: يا أبا بصير- وكنّى اثني عشر رجلاً – ما أحدث أحد في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع، عليه لعنة الله، هذا قول أبي عبد الله (٣).
وعن زياد بن أبي الحلال قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: إنّ زرارة روى عنك في الاستطاعة شيئاً فقبلنا منه وصدقناه وقد أحببتُ أن أعرضه عليك؟ فقال: هاته! قلت: فزعم أنه سألك عن قول الله ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فقلت: من ملك زاداً وراحلة، فقال: كل من ملك زاداً وراحلة فهو مستطيع للحج وإن لم يحج؟ فقلت: نعم، فقال: ليس هكذا سألني ولا هكذا قلت، كذب عليّ والله كذب عليّ والله، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، إنما قال لي من كان له زاد وراحلة فهو مستطيع الحج قلت: وقد وجب عليه، قال: فمستطيع هو؟ فقلت: لا، حتى يؤذن له، قلت: فأخبر زرارة بذلك؟
стр. 362
قال: نعم، قال زياد: فقدمتُ الكوفة فلقيت زرارة فأخبرته بما قال أبو عبد الله (ع) وسكت عن لعنه، فقال: أما أنه قد أعطاني الاستطاعة من حيث لا يعلم، وصاحبكم هذا ليس له بصيرة (١) بكلام الرجال (٢).
فمن يكذب على الإمام جعفر الصادق في حياته وبكل جرأة ووقاحة حتى اضطر الإمام جعفر إلى لعنه والتبرأ منه وإخراج مخازيه، كيف يؤتمن على عقيدة أهل الإسلام فتُتخذ رواياته ديناً يُتعبد به؟!
أما أبو بصير، فقد روى الكشي عن ابن أبي يعفور أنه قال: خرجت إلى السواد نطلب دراهم لنحجّ ونحن جماعة وفينا أبو بصير المرادي، قال: قلت له: يا أبا بصير، اتق الله وحجّ بمالك فإنك ذو مال كثير، فقال: اسكت فلو أنّ الدنيا وقعت لصاحبك لاشتمل عليها بكسائه (٣).
وعن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة تزوجت ولها زوج فظهر عليها؟ قال: تُرجم المرأة ويُضرب الرجل مائة سوط لأنه لم يسأل، قال شعيب: فدخلت على أبي الحسن (ع) (٤) فقلت له: امرأة تزوّجت ولها زوج؟ قال: ترجم المرأة ولا شيء
стр. 363
على الرجل، فلقيت أبا بصير، فقلت له: إني سألت أبا الحسن (ع) عن المرأة التي تزوّجت ولها زوج قال: ترجم المرأة ولا شيء على الرجل، قال: فمسح على صدره، وقال: ما أظنّ صاحبنا تناهى حلمه بعد!
وفي رواية (وقال بيده على صدره يحكّها: أظنّ صاحبنا ما تكامل علمه) (١) يريد بذلك أنّ الإمام موسى الكاظم لم يتكامل علمه ولذلك فإنه يُفتي بما لا يعرف!
أما أخلاقيات أبي بصير فلا تسأل عنها، يكفيك فيها قوله: كنت أقرئ امرأة كنت أعلمها القرآن، قال: فمازحتها بشيء، قال: فقدمت على أبي جعفر (ع)، قال: فقال لي: يا أبا بصير أي شيء قلت للمرأة؟ قال: قلت بيدي هكذا، وغطّا وجهه (٢)، قال: فقال لي: لا تعودّن إليها (٣).
أما محمد بن مسلم الذي يُعتبر كاتماً لأسرار الأئمة فتنص كتب الشيعة على أنّ الإمام جعفر الصادق قد لعنه وتبرأ منه قائلاً: (لعن الله محمد بن مسلم، كان يقول: إنّ الله لا يعلم الشيء حتى يكون!) (٤).
وقد بلغ الإمام جعفر أنّ امرأة عامر بن عبد الله بن جذاعة تقول بقول زرارة ومحمد بن مسلم في الاستطاعة وترى رأيهما، فقال: ما للنساء والرأي، والقول لها أنهما ليسا بشيء في ولاية (٥)، قال عامر: فجئت إلى امرأتي فحدّثتها فرجعت عن ذلك القول.
стр. 364
ولحرص الإمام جعفر الصادق على التحذير منه ومن غيره من الوضّاعين قال: (هلك المتريّسون في أديانهم منهم زرارة وبريد ومحمد بن مسلم وإسماعيل الجعفي، قال الراوي أبو الصباح: وذكر آخر لم أحفظ) (١).
وكفى الله المؤمنين القتال!
روايات شيعية دامغة !
بعد الاعتراف المذهل لآية الله العظمى الخوئي بأنه لا توجد روايات متواترة في النص على الأئمة بأسمائهم وإحالته الموضوع برُمته على (أهل السر) الذين وقفنا على شيء من مخازيهم وعقائدهم الرديّة، تأتي المفاجأة الكبرى وفي أهم كتاب للشيعة الإثني عشرية "الكافي" الذي عاصر صاحبه النواب الأربعة للإمام الثاني عشر عند الإمامية بالإضافة إلى كتب أخرى للإمامية تعتبر مصادراً مهمة للحديث لدى الطائفة كـ"الغيبة" للطوسي و"الخصال" للشيخ الصدوق و"كفاية الأثر" للخزاز القمي.
إنّ الأئمة الإثني عشر المذكورين في روايات الشيعة ليسوا هم الأئمة الذين يعتقد الشيعة الإثنا عشرية إمامتهم النصية!
فالأئمة الإثنا عشر عند الشيعة الإثني عشرية هم (علي بن أبي طالب والحسن بن علي والحسين بن علي وعلي بن الحسين (زين العابدين) ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق وموسى بن جعفر الكاظم وعلي بن موسى الرضا ومحمد بن علي الجواد وعلي بن محمد الهادي والحسن بن علي العسكري ومحمد بن الحسن (القائم المنتظر)).
стр. 365
بينما تؤكد الروايات الشيعية التالية أنّ الأئمة الإثني عشر من ولد النبي ﵌ وعلي وفاطمة، ليس فيهم علي بن أبي طالب نفسه!
خذ عندك هذه الروايات الشيعية الدامغة، وما عليك سوى تأملها بحيادية ومن ثم تأمل التأويلات الهشة التي سيحاول البعض إيجادها للخروج من هذا المأزق!
* الرواية الأولى: عن أبي جعفر ﵇ عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلتُ على فاطمة ﵍ وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت إثني عشر آخرهم القائم ﵇، ثلاثة منهم محمد وثلاثة منهم علي (١).
ومغزى الحديث بيان أنّ الأئمة الإثني عشر (كلهم من ولد فاطمة) بدليل نص الرواية على أنّ في اللوح (أسماء الأوصياء من ولدها) والإمام علي زوج فاطمة لا ولدها، والقرينة الثانية في الرواية هي النص على أنّ ثلاثة من الإثني عشر أسماؤهم (علي) والمراد بهم (علي بن الحسين (زين العابدين) و (علي الرضا) و (علي الهادي) فخرج بذلك الإمام علي من القائمة.
* الرواية الثانية: روى الكليني في الكافي بسند صححه المجلسي عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: (كنت حاضراً لما هلك أبو بكر واستخلف عمر) إلى قوله: (فقال له أمير المؤمنين (ع): إنّ لهذه الأمة إثني عشر إمام هدى من ذرية نبيها وهم مني، وأما منزل نبينا في الجنة ففي أفضلها وأشرفها جنة عدن وأما من معه في منزله فيها فهؤلاء الإثنا عشر من ذريته وأمهم وجدّتهم وأم أمهم وذراريهم، لا يشركهم فيها أحد) (٢).
стр. 366
ومغزى الحديث بيان أنّ الأئمة الإثني عشر من ذرية النبي ﵌ وهم جميعاً أبناء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فيخرج بذلك الإمام علي نفسه من القائمة.
* الرواية الثالثة: روى الكليني عن زرارة بن أعين قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: الإثنا عشر الإمام من آل محمد ﵈ كلهم محدّث من ولد رسول الله ﵌ ومن ولد علي، ورسول الله وعلي ﵉ هما الوالدان) (١).
ومغزى الحديث كما هو واضح أن يكون الأئمة من أهل البيت كلهم أبناء رسول الله ﵌ والإمام علي بن أبي طالب، ويعني هذا أنّ علياً نفسه ليس من الأئمة الإثني عشر المنصوص عليهم لأنه ليس من ولد رسول الله ﵌ وإنما ابن عمه وأخوه وأبو الأئمة الإثني عشر!
* الرواية الرابعة: عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله ﵌: (إني وإثني عشر من ولدي، وأنت يا علي رزّ (٢) الأرض يعني أوتادها وجبالها، بنا أوتد الله الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الإثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا) (٣).
стр. 367
ومغزى الحديث بيان أنّ الأئمة الإثني عشر من ولد النبي ﵌ والإمام علي ليس منهم كما هو ظاهر في الحديث.
* الرواية الخامسة: عن أبي سعيد رفعه عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله ﵌: (من ولدي إثنا عشر نقيباً، نجباء، محدّثون، مفهمّون، آخرهم القائم بالحق يملأها عدلاً كما ملئت جوراً) (١).
ومغزى الحديث كسابقه وهو بيان أنّ الأئمة الإثني عشر من ولد النبي ﵌، فيخرج بذلك الإمام علي من أن يكون منهم.
* الرواية السادسة: روى الخزاز القمي في كفاية الأثر عن أنس بن مالك قال: سألت رسول الله ﵌ عن حواري عيسى فقال: كانوا من صفوته وخيرته وكانوا إثني عشر - إلى أن قال - فقلتُ: الأئمة بعدي إثنا عشر من صلب علي وفاطمة، وهم حواريي وأنصاري، عليهم من الله التحية والسلام (٢).
* الرواية السابعة: روى الخزاز القمي عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلت على الحسن ابن علي بن أبي طالب ﵇ في مرضه - إلى أن قال- فقلت: يا مولاي مالك لا تعالج نفسك؟ فقال: يا عبد الله بماذا أعالج الموت؟ فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم التفت إليّ فقال: والله إنه لعهد عهده إلينا رسول الله ﵌ أنّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد علي وفاطمة، ما منا إلا مسموم أو مقتول (٣).
стр. 368
المرتضى لا يستبعد كون الأئمة أكثر من إثني عشر !
ولعل من أعجب ما قرأته في هذه المسألة جواب المرتضى على سؤال وجهه أحد الشيعة إليه يسأله فيه عن الحال بعد إمام الزمان ﵇ في الإمامة قائلاً: إذا كان المذهب المعلوم أنّ كل زمان لا يجوز أن يخلو من إمام يقوم بإصلاح الدين ومصالح المسلمين، ولم يكن لنا بالدليل الصحيح أنّ خروج القائم يطابق زوال التكليف، فلا يخلو الزمان بعده ﵇ من أن يكون فيه إمام مفترض الطاعة، أو ليس يكون. فإن قلنا: بوجود إمام بعده خرجنا من القول بالإثنى عشرية، وإن لم نقل بوجود إمام بعده، أبطلنا الأصل الذي هو عماد المذهب، وهو قبح خلو الزمان من الإمام.
أجاب المرتضى بقوله: (إنا لا نقطع على مصادفة خروج صاحب الزمان محمد بن الحسن ﵉ زوال التكليف، بل يجوز أن يبقى العالم بعده زماناً " كثيراً "، ولا يجوز خلو الزمان بعده من الأئمة. ويجوز أن يكون بعده عدة أئمة يقومون بحفظ الدين ومصالح أهله وليس يضرنا ذلك فيما سلكناه من طرق الإمامة، لأنّ الذي كلفنا إياه وتعبدنا منه أن نعلم إمامة هؤلاء الإثني عشر، ونبينه بياناً " شافياً "، إذ هو موضع الخلاف والحاجة. ولا يخرجنا هذا القول عن التسمي بالإثني عشرية، لأنّ هذا الاسم عندنا يطلق على من يثبت إمامة إثني عشر إماماً". وقد أثبتنا نحن ولا موافق لنا في هذا المذهب، فانفردنا نحن بهذا الاسم دون غيرنا!!) (١)، إنه المأزق الذي أوقعت النظرية الإمامية الإثنا عشرية فيها نفسها ولم تجد له مخرجاً سوى مثل هذه الافتراضات غير المنطقية!
стр. 369
اعتراف خطير للشيخ حسين المدرسي الطباطبائي
يقول في كتابه " تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأولى ":
(مضت سنوات طويلة على انتشار حديث شريف ومشهور جداً عن الرسول ﵌ يبشِّر فيه بإثني عشر خليفة (وفي بعض الروايات بإثنى عشر أميراً) كلهم من قريش، وفي بعض نسخ هذا الحديث: أنّ هرجاً ومرجاً شديدين يعمّان الناس بعدهم. وقد أولى السُّنة هذا الحديث عناية خاصة منذ البداية ورووه جيلاً بعد جيل حتى إنّ عدداً كبيراً من الرواة كانوا يحدِّثون به الناس في كل مكان أيام خلافة الوليد الثاني (١٢٥ - ١٢٦هـ) عندما اشتد نشاط المعارضة للأمويين وظهرت طلائع الثورة التي قضت على الخلافة الأموية، واحتفّ الثوار والمعتزلة الأوائل (الذين يسمّيهم أعداؤهم بالقدرية) حول يزيد بن الوليد ليشكّلوا تهديداً لسلطة الكبت، بل الشواهد تشهد أنّ في أواخر خلافة هشام بن عبد الملك (١٠٥ - ١٢٥هـ) عندما واجهت مسألة ولاية عهده عقبات متكررة لبّدت سحبها الكثيفة سماء بني أمية، بدأت العثمانية الذين أصابهم خوف كبير يردّدون هذا الحديث وهم يمرّون بتلك الظروف، بأنه يشير إلى الخلفاء الثلاث الأوائل (الذين يسمّونهم بالراشدين) مع الخلفاء الأمويين المجمع عليهم وتاسعهم هشام، وهم يشكِّلون المدّة التي يسودها بعدها الهرج والمرج) إلى أن يقول: (وعلى عكس العثمانية الذين روّجوا الحديث وأولوه عناية خاصة في أواخر العهد الأموي فإنّ الشيعة لم يكترثوا بهذا الحديث ولم يهتم بنقله وضبطه إلا خواص أصحاب الأئمة المطّلعين على أسرارهم، وذلك لأنّ عموم الشيعة وبسبب اعتقادهم باستمرار سلسلة الإمامة حتى نهاية العالم كانوا يتوقعون أن يكون عدد الأئمة أكثر من ذلك بكثير، وفي الحقيقة فإنّ أيّاً من كتب الشيعة المتبقيّة من أواخر القرنين الثاني والثالث أو أيّاً من
стр. 370
كتبهم التي أُلّفت قبل أواخر القرن الثالث ولم تطلها يد التحريف لا يحوي ما يدل على أنّ هذا الحديث لفت انتباه المؤلفين الشيعة أو أنّ أحداً دار في خلده أنّ هذا الحديث يرتبط بهم بل يظهر أنهم عتّموا تماماً على هذا الحديث المشهور ولعلهم اعتبروه حديثاً مضاداً للتشيع بعد أن شاهدوا العثمانية يستقرؤونه ويستفيدون منه لصالحهم في الاضطرابات التي أودت أخيراً بخلافتهم.
ولم يشر بنو نوبخت لهذا الحديث ولا لحقيقة أنّ الأئمة إثنا عشر ولا حتى سعد بن عبد الله الأشعري ولا ابن قبة في آثارهما التي بين أيدينا، وكلهم عاشوا في أواخر القرن الثالث وعاصروا الغيبة الصغرى) إلى أن قال: (إنّ أول من طرح مسألة الإثني عشر من مؤلفي الشيعة، هما المحدِّثان الكبيران علي بن بابويه القمي ومحمد بن يعقوب الكليني اللذان عاشا أواخر مرحلة الغيبة الصغرى وماتا في أواخرها عامي ٣٢٨ - ٣٢٩هـ.
يقول علي بن بابويه القمي في مقدمة كتابه "الإمامة والتبصرة": إنه لما وَجد كثيراً من شيعة زمانه يعتريهم الشك في أسس المذهب الحق فإنه ألّف هذا الكتاب الذي ضمّنه بعض الأحاديث التي تعيّن عدد الأئمة على وجه الدقة لكي يطمئن الشيعة أنّ مذهبهم هو الصراط المستقيم. فيما أفرد الكليني في الكافي فصلاً للروايات التي تذكر أنّ الأئمة إثنا عشر، مع أنّ هذا الفصل لم يقع في مكانه المناسب، ويبدو وكأنه أُلحق بالكتاب بعد سنوات ربما من قبل المؤلف نفسه) (١).
стр. 371
واعتراف أخطر من الشيخ محمد الباقر البهبودي
يقول البهبودي في كتابه "معرفة الحديث ص١٧٢" تعليقاً على إحدى روايات النص على الأئمة الإثني عشر: (على أنك قد عرفت في بحث الشذوذ عن نظام الإمامة أنّ الأحاديث المرويّة في النصوص على الأئمة جملة من خبر اللوح وغيره- كلها مصنوعة في عهد الغيبة والحيرة وقبلها بقليل، فلو كانت هذه النصوص المتوفرة موجودة عند الشيعة الإمامية لما اختلفوا في معرفة الأئمة الطاهرة هذا الاختلاف الفاضح، ولما وقعت الحيرة لأساطين المذهب وأركان الحديث سنوات عديدة، وكانوا في غنى أن يتسرّعوا إلى تأليف الكتب لإثبات الغيبة وكشف الحيرة عن قلوب الأمة بهذه الكثرة)!!
فإذا كانت المسألة واضحة لديكم بهذه الصورة فلماذا تمتحنون الأمة فيما عجز عنه أساطين مذهبكم وأركان حديثكم سنوات عديدة؟!
وعلى أي أساس جزمتم بأنّ الإثني عشر الذين تعتقدون إمامتهم وعصمتهم هم المرادون بهذا النص أو بغيره؟!
سبحانك أي ضلالة هذه ... وأي مصادرة للحقيقة هذه!!
стр. 372
من هم الخلفاء الإثنا عشر ؟
لقد اجتهد شراح هذا الحديث في ذكر أسماء خلفاء مسلمين ليبلغوا بهم العدد (إثني عشر) فكأنهم بفعلهم هذا قد تعجلوا قيام الساعة، فحين أخبر الحديث بحصول هذا العدد فلا بد أن يكون قد تم ذلك على عهد هذا المصنف أو ذاك أو في عهدنا الحالي!
وهذا تعجل، فالزمن لا يتوقف عندهم ولا عندنا، والأحقاب التي أعقبتهم قد تفرز خلفاء قبل خروج المهدي .. من يستطيع أن يجزم بعدم حصول هذا؟!
واجتهاد هؤلاء العلماء والفضلاء في تحديد الأسماء يذكرني بما فعله كثير ممن كتب في الفرق الإسلامية والملل والنحل حين قسّموا المسلمين في زمانهم إلى ثلاث وسبعين فرقة تمشياً مع الحديث الوارد بافتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة.
حتى وجدنا من ألف كتاباً باسم "الثلاث وسبعين فرقة" كأبي محمد اليمني (من علماء القرن الرابع الهجري) وحدد الفرق المرادة من الحديث بأسمائها في عصره!
وعلى هذا المنوال سار أغلب المؤلفين سنة وشيعة!
فإذا كانت نظرة هؤلاء صحيحة فقد زاد العدد بعدهم الثلاث والسبعين!
خصوصاً وأنه قد درج الكثيرون منهم على عدّ من ينفرد بقول في مسألة عقدية بأنه صاحب فرقة.
ومنشأ الخطأ في رأيي أمران اثنان:
أولهما: التعجل في معرفة أسماء الفرق الثلاث والسبعين، وكأنّ تلك الفرق لا بد أن تكون في زمن الشارح والمؤلف أو قبل ذلك، دون أن يُعطي المؤلف لنفسه ولو احتمالاً واحداً أنّ فرقة واحدة من تلك الفرق ستكون بعده بقرون!
стр. 373
ثانيهما: الاهتمام بعدد الفرق أكثر من المبدأ، فكأنّ شارح الحديث والناظر فيه قد أخذا على نفسيهما عهداً أن يعرفا أسماء الثلاث والسبعين فرقة المذكورين في الحديث الشريف بدلاً من الاهتمام بمغزى الحديث من ذكر هذا العدد وهو (كثرة التفرق في الأمة ووجود فرقة واحدة ثابتة على إسلام محمد ﵌ النقي بخلاف غيرها ممن تنكب الطريق).
والأمر ذاته يُقال في حديث (الإثني عشر خليفة)، لقد رأينا من تعجل في تحديد الأسماء دون حاجة تدفعه لذلك وهو يقرأ قول النبي ﵊ في صحيح مسلم: (لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش).
وفي رواية (إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة).
فالحديث واضح في ذكر أنّ فترة خلافة الإثنى عشر ممتدة إلى قيام الساعة، والذي يحصر فترة خلافة الإثني عشر بشخصيات مضت يخالف نص الحديث من حيث لا يشعر.
تساؤلات أنتجت تنوعاً في الآراء
لم يكن حديث (الخلفاء الإثني عشر) مفصّلاً بحيث لا يقع الخلاف في فهمه أو تكثر الاحتمالات فيه، بل كانت التساؤلات التي أثارتها أذهان العلماء سبباً جوهرياً لاختلاف الآراء في الخلفاء الإثني عشر المرادين من الحديث إلا أنّ علماء أهل السنة ومعهم جميع فرق الشيعة باستثناء الإثني عشرية كلهم مجمعون على أنّ المراد بهؤلاء الإثني عشر أناس غير (الإثني عشر) الذي تذكرهم الإمامية لتوافر الأدلة على بطلان كونهم المذكورين في الحديث كما أشرت آنفاً.
لكن بقيت بعض الأسئلة في أذهان الشراح بلا إجابة:
стр. 374
هل من اللازم أن يكون الإثنا عشر متتابعين أم متفرقين؟
هل من اللازم أن تجتمع الأمة عليهم جميعاً أم أنّ الحديث يشير إلى الغلبة والأكثرية؟ أم أنّ زيادة (كلهم تجتمع عليهم الأمة) لا تصح أصلاً؟ (١)
هل من اللازم أن يكون كل هؤلاء الإثني عشر من الأتقياء الأنقياء أم أنه يجوز أن يكون منهم الظلمة كما قال ﵊ (إنّ الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر) (٢) بحيث تكون العبرة هنا بعزة الدين أمام الكفار وبنهضة المسلمين لا بمظالم فردية وقعت على بعض الثائرين أو المعترضين على سياسة هذا الحاكم؟
هذه الأسئلة المثارة وكذا الاحتمالات العالقة بالنص ساهمت بشكل مباشر في جعل آراء العلماء متفاوتة في تحديد شخصيات الإثني عشر المشار إليهم بالحديث النبوي.
على أنّ الجميع متفقون على أنّ رسول الله ﵌ أشار في الحديث إلى حدث مستقبلي سيحصل للأمة، ولم يذكر في الحديث أنه يلزم كل مسلم معرفة أسماء هؤلاء الإثني عشر أو الإيمان بهم كما يؤمن المرء منا بالأنبياء والملائكة والكتب السماوية واليوم الآخر كما قال الله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِه﴾ (٣).
فحديث الخلفاء الإثني عشر لا يختلف كثيراً عن الغيبيات الأخرى التي أخبر عنها النبي
стр. 375
عليه الصلاة والسلام كقوله (إنّ في ثقيف كذاباً ومبيراً) (١) ولم يقل عاقل من العقلاء فضلاً عن أن يدّعي عالم من علماء المسلمين المشهود لهم بالعلم والمعرفة أنه يجب على كل مسلم أن يعرف من هو كذّاب ثقيف ومبيرها، وأن يؤمن بأنهما (فلان وفلان) إيماناً جازماً لا يتسلل إليه فيه شك! فإنّ مثل هذا الكلام لا يقوله عاقل أبداً.
وقد قال ﵊ أيضاً (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) (٢) ولم يقل أحد من الناس أنه يجب على كل مسلم أن يعرف ذاك القحطاني باسمه ونسبه وأرضه وإنما غرض مثل هذه الأحاديث الإخبار عن حدث سيحصل للأمة خيراً كان أو شراً. والأحاديث في ذلك كثيرة لمن أراد التتبع.
تحرير المسألة
روى سفينة ﵁ عن النبي ﵊ قوله: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله -تعالى-، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله -تعالى-، ثم تكون ملكاً عاضاً (٣)، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم
стр. 376
يرفعها الله-تعالى-، ثم تكون ملكاً جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله -تعالى ثم تكون خلافة على منهاج نبوة. ثم سكت) (١).
فقد نص الحديث أولاً على مرحلة حكم النبوة والتي تمثلت في حكم رسول الله ﵌ ثم مرحلة الخلافة على منهاج النبوة والتي تمثلت في خلافة الخلفاء الأربعة مضافة إليها خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب (الخليفة الراشد الخامس).
ثم مرحلة الملك العضوض والتي تمثلت بالفترة ما بعد خلافة الحسن إلى سقوط الخلافة العثمانية.
ثم الحكم الجبري والذي تمثل بفترة ما بعد سقوط الخلافة وحتى خلافة المهدي (محمد بن عبد الله) أو قبلها بزمن حيث سيعود بالحكم إلى ما كانت عليه الخلافة الراشدة.
الملفت للنظر في الحديث أنه ﵊ لما تكلم عن المرحلة التي تتلو مرحلة (الحكم الجبري) قال: (خلافة على منهاج النبوة) ولم يحددها بخليفة واحد وإنما أشار إلى مرحلة قد تحتمل وجود خليفة أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر.
وهي مسألة غفل عنها الكثيرون - في رأيي - رغم وجود ما يشهد لها في السنة النبوية.
فقد روى الإمام أحمد وأبو داود بسند ضعيف عن أم المؤمنين (أم سلمة) عن رسول الله ﵌ قوله (يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من المدينة هارباً إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيُخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام فيُبعث إليهم جيش من الشام فيُخسف بهم بالبيداء).
стр. 377
فقد نص هذا الحديث على أنّ خروج المهدي إنما يكون بعد موت خليفة للمسلمين مما يعني أنه ستكون هناك خلافة قائمة قبل المهدي لكنها خلافة مشبعة بظلم فيخرج المهدي بعد موت هذا الخليفة ليشيع العدل بين الناس بعد أن أُشيع فيها الظلم.
وروى ابن ماجة والحاكم من طريق ثوبان، والإمام أحمد والحاكم من طريق أبي قلابة عن رسول الله ﵌ قوله (يُقتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قِبل المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يُقتله قومٌ ثم ذكر شيئاً لا أحفظه، فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي) (١).
والحديث صحيح المعنى كما قال الشيخ الألباني دون زيادة (فإنّ فيها خليفة الله المهدي) لأنه لا يُقال في الشرع (خليفة الله) لما في ذلك من إيهام ما لا يليق بالله تعالى من النقص والعجز، وإنما يُقال (خليفة رسول الله ﵌.
ورغم أنّ الحديثين لا يخلوان من كلام في السند أو المتن إلا أنهما يصلحان على الأقل كشاهدين للكلام الذي ذكرته في شرح حديث الإثني عشر.
فمن ذا الذي يلزم حديث النبي ﵊ أن يكون خاصاً بالفترة ما بين أول خليفة راشد وحتى الخلافة الأموية أو العباسية أو يكتفي بالنظرة للأموية والعباسية ثم يخرج بنتيجة مضادة للحديث؟
стр. 378
نعم ... من منا يستطيع الجزم بعدد الخلفاء الذين سيأتون في مرحلة (العودة إلى الخلافة على منهاج النبوة) حتى يناقش الأسماء اليوم ويجزم بأنّ فلاناً من الخلفاء الإثني عشر المذكورين في الحديث أم أنّ غيره أحق منه بذلك؟
الحديث نص على أمور لكنه لم يحدد فترة ولا أسماء حتى يُمكن لمعترض أن يختبر الناس في أسماء هؤلاء الخلفاء الإثني عشر!
وقد أعجبني تعليق ابن كثير على هذا الحديث الشريف حيث لمست في كلامه بعده عن التعجل الذي وقع فيه بعض شراح الحديث.
فقد قال ﵀ في "تفسيره ٢/ ٣٤" (ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود إثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحق ويعدل فيهم ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم بل قد وُجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة. والظاهر أنّ منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ واسمُ أبيه اسمَ أبيه فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً).
حيث تتلمس تورّع ابن كثير عن حصر الخلفاء الإثني عشر بمن سبقه أو من عايشه من الخلفاء وإنما اكتفى بذكر من تم اتفاق العلماء عليهم وقال عن الباقي (ولا تقوم الساعة حتى ولايتهم لا محالة).
стр. 379
مع صحابة رسول الله ...
﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾
سورة التوبة آية ١٠٠
стр. 380
مع صحابة رسول الله ...
كنت أتفكر كثيراً في اختلاف نظرتي أهل السنة والشيعة الإثني عشرية لصحابة رسول الله ... وكانت التساؤلات تحيط بي من كل جانب والأفكار تأخذني شرقاً وغرباً ... أقرأ لهذا وذاك ويرد التساؤل تلو التساؤل ... لم أترك باباً أستطيع طرقه إلا طرقته ... وشعرت أني خُضت بحراً كلما اقتربت من شاطئه زاد بُعده.
لكن عناية ربانية انتشلتني إلى بر الأمان .. حينما تمسكت بقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١).
لم تكن قراءاتي المتأنية وتساؤلاتي الجريئة لترسم لي وحدها طريق الحقيقة ... بل كان للعقل دوره في إثارة الكثير من علامات الاستفهام على كل ما أقرأه وأسمعه أو أشاهده.
قرأت وفكّرت ... ناقشت ونوقشت ... وعشت الحرب بداخلي ... سنوات من الجدب تسبق المطر ... لكن الغيث قد يُنسيك أضعافاً مضاعفة من تلك الأيام المجدبة حينما تكتحل عيناك برؤية الحقيقة.
كل ما عليك هو أن تتقدم خطوتين إلى الأمام .. تُفكر فيها ... وتحكّم ضميرك ... تتحرر من التعصب للمذهب .. وتكون وجهتك إلى الإسلام ... الدين الذي أمرك برمي أغلال التقليد للآباء والأجداد والتمسك بالدليل والبرهان حيثما كان.
فعلت ذلك ... ووُجهت لي الاتهامات من متعصبة الفريقين، أرادوا لي أن أكون نسخة منهم لا أن أكون نبض ضمير المسلم المتجرد .. لقد علمت أنّ الشرع لا يُحابي أحداً، وأنّ
стр. 381
الحق حكر للدليل والبرهان لا حكراً على الأشخاص، فلست إمعة إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت معهم ... طريقي ضيق بين طرفي نقيض لكني أرى فيما بعده اتساعاً وراحة للضمير.
وكعلمي بأهمية التجرد للحق ونبذ هوس التعصب أدركت كذلك أنّ الحوار نعمة رفع من شأنها الإسلام، وأنه جدير بالمرء أن يشكر نعمة الله عليه، ويكون شكره من خلال استشعار نعمته وأهميتها، ومن لا يدرك النعمة فكيف له أن يشكر واهبها وأن يتنعم بها؟
حوار مع زميل
قُلتُ لصاحبي ذات مرة: (لو كتب الله لك أن ترى رجلاً قيادياً صالحاً، عليه سيما الإيمان والتقوى وأنوارهما، قد منّ الله تعالى عليه بفراسة وذكاء بحيث يستطيع معرفة أهل النفاق من أتباعه الحقيقيين من لحن قولهم، لكنك علمت بعد ذلك أنّ هذا الرجل الصالح قد أعرض عن أهل الصلاح من قومه مختاراً أهل النفاق والضلال، فسوّدهم على الناس، معطياً إياهم أهم المناصب القيادية الدينية منها والدنيوية، بل إنه لم يكتفِ بإعطائهم تلك المناصب وبتقريبهم إليه بل صاهر بعضهم وجعلهم من خاصة أصحابه الذين يخرج معهم ويروح، ويهاجر معهم ويجاهد، مع علمه بنفاقهم وعلمه بنفاق بناتهم اللاتي صرن زوجاته!
ثم علمت أنّ ذاك الرجل الصالح قد مات وهنّ على ذمته، ينطقن باسمه ويتكلمن بالدين ويُفتين للناس من بعده، والناس لثقتهم وإجلالهم لهذا الرجل الصالح قد وثقوا بمن قربهم وسوّدهم عليهم، فالصالح لا يتعمد اختيار الخبثاء إلا لخبث طرأ عليه أو شهوة
стр. 382
عارضة أو غفلة أو غباء، والرجل الذي نتكلم عنه هو أعظم وأشرف في أعينهم من أن يُظن به ذلك.
ثم علمت يا صاحبي أنّ هؤلاء المنافقين الذين مكّن لهم هذا الرجل الصالح قد تسلطوا على العباد وسلبوا المؤمنين حقهم وأساؤوا إليهم وأفسدوا في البلاد حتى صار المؤمن خائفاً على نفسه من الهلاك وعرضه من الانتهاك ودينه من الانحراف فلجأ إلى التقية والمداراة، فما قولك فيمن فعل هذا بقومه؟
قال صاحبي: أراه إما خبيثاً فاجراً استغل ثقة الناس به أسوأ استغلال أو جاهلاً مغفلاً استخدمه عدوه أبشع استخدام.
قلت: فلان، قال: نعم
قلت: ألا ترى أنّ الشخصية التي تشتمها وتتهمها بالسَّذاجة أو بالخبث هي نفس الشخصية التي يريدنا الشيعة الإثنا عشرية من حيث لا يشعرون أن نجعلها شخصية أشرف الخلق محمد ﵌!
إنك شتمت تلك الشخصية وأنت مدرك أنها شخصية رجل صالح فقط لا دخل له بالوحي من قريب ولا بعيد، شخصية غير معصومة، قد تستقيم يوماً وتعتريها الشهوة غداً فكيف بنا ونحن نتكلم عن خليل الرحمن وخاتم الأنبياء والمرسلين؟!
إننا ندرك أنّ ختم نبوته ﵌ يقتضي بقاء دينه بلا تحريف ولا عبث من بعده، وكيف يتأتى ذلك والشيعة الاثنا عشرية يجعلونه مصاهراً للمنافقين وزوجاً للمنافقات؟!
فالشيعة الإثنا عشرية يرون أنّ رسول الله قد صاهر منافِقَيْن هما (أبو بكر وعمر) وزوّج ابنتيه إلى منافق وهو (عثمان)، وتزوج هو ﵌ منافِقَتيْن هما (عائشة
стр. 383
وحفصة) اللتان سُمّيتا في القرآن بـ (أمهات المؤمنين) بقوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾!
وتولى خالد بن الوليد قيادة جيشه ... منافق آخر في القائمة!
وكل هؤلاء يشتمهم الشيعة الإثنا عشرية ويقولون بردتهم.
إنّ هؤلاء بالإضافة إلى آخرين كالزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وغيرهم ممن يعدّهم الشيعة الإثنا عشرية من جملة المنافقين هم في الحقيقة أهل النفوذ في زمان رسول الله ﵌، والذي اختارهم وأبرزهم هو محمد ﵌ لا أحد غيره.
وقد مات هذا النبي الكريم وخلّفهم من بعده وسلّمهم زمام الأمور، فمن المخطئ ومن المصيب؟ رسول الله أم الشيعة الإثنا عشرية؟ أخبرني بصراحة، وحكّم ضميرك وانس النظرة الطائفية الضيّقة وحكّم عقلك، فأنا لا أخاطبك من منطلق عصبية مذهبية ولكني أخاطبك كمسلم لا يرتضي هذا الطرح في رسول الله ولا في أصحابه.
هل أخطأ رسول الله في الزواج من عائشة؟ هل أخطأ في اختيار رفيق دربه في الغار وفي الهجرة إلى المدينة؟ هل أخطأ في مصاهرتهم جميعاً؟ هل كان رسول الله ﵌ ينهى المسلم عن جلساء السوء وزوجة السوء ثم يختار هو أهل نفاق وردة وضلال؟!!
إنك لتعجب وأن تسمع وتقرأ ما يقوله الشيعة الإثنا عشرية في صحابة رسول الله ﵌ من حجم التناقض بين معتقدهم في صحابة الرسول وبين اعتقادهم بأنّ الأنبياء والأوصياء يعلمون الغيب بإذن الله، فمن يعلم الغيب ويعلم ما في اللوح المحفوظ وما كان وما يكون كما في روايات الشيعة، كيف يُمكن أن يجهل ويغفل عن البشر الذين يتعامل معهم فيُقرّب منهم من لا يستحق التقريب؟!
стр. 384
يعتقد الشيعة الإثنا عشرية أنّ رسول الله ﵌ والأئمة الإثنى عشر أطهار، وهم يصرّحون بتنزيههم جميعاً عن الأقذار صغيرها وكبيرها بل عن الخطأ والنسيان لكنهم في الوقت ذاته ينسبون إلى رسول الله ﵌ الخطأ والغفلة والقذر بإدعائهم أنه غفل وأخطأ في اختيار من يُقرّب من أصحابه ومن يُصاهر منهم!
صمت صاحبي برهة ثم قال لي: معك حق.
كان صادقاً مع نفسه ... لم يجد حرجاً في الاعتراف بحقيقة جسّها ضميره ..
ولا يعيب الإنسان أن يبحث ويفكر بهدوء بعيداً عن البطانة التي يقودها التعصب والهوى والتي تسوّل له الاستمرار في الخطأ.
ما أحوجنا إلى هذا التجرد، وما أحوجنا إلى التفكر في الطريق الذي نسير فيه .. قبل أن نهلك أو يعمّنا الهلاك.
المرء على دين خليله
هكذا علمنا رسول الله ﵌ ... وتلك وصيته الخالدة في أن لا يصحب المؤمن التقي إلا أهل الإيمان والتقوى وأن لا يقترن الصالح إلا بامرأة صالحة تحفظه في دينه ودنياه.
روى الطوسي عن النبي ﵌ أنه قال: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل). (١)
стр. 385
وحديثه ﵌ عن الجليس الصالح والجليس السوء أشهر ما يكون، إذ يقول: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يُحرق ثيابك وإما أن تجد ريحاً خبيثة) (١).
وعلى هذا النسق توالت الأحاديث النبوية وكذا أحاديث الأئمة.
فقد روى الإمام الصادق عن رسول الله ﵌ أنه قال: (أولى الناس بالتهمة من جالس أهل التهمة) (٢).
ويقول الإمام علي فيما كتبه إلى الحارث الهمداني: (واحذر صحابة من يقبل رأيه ويُنكر عمله، فإنّ الصاحب معتبر بصاحبه) (٣).
ويقول الإمام جعفر الصادق: (خمس خصال من فقد منهن واحدة لم يزل ناقص العيش زائل العقل، مشغول القلب، فأولها صحة البدن، والثانية الأمن، والثالثة السعة في الرزق والرابعة الأنيس الموافق، قلت: وما الأنيس الموافق؟ قال: الزوجة الصالحة، والولد الصالح والخليط الصالح، والخامسة وهي تجمع هذه الخصال: الدعة) (٤)، فكيف يصح في العقل أن ينسب الشيعة الإثنا عشرية إلى رسول الله ﵌ (الزوجة السوء) و (الخليط السوء) ثم يدّعون بعد ذلك أنهم لاينسبون إلى رسول الله السوء؟!
стр. 386
وعن الإمام جعفر الصادق أيضاً أنه قال: (لا تصحب الفاجر فيعلمك من فجوره، ثم قال: أمرني والدي بثلاث ونهاني عن ثلاث (١)، فكان فيما قال لي: يا بني مَنْ يصحب صاحب السوء لا يسلم (٢)، ومن يدخل مداخل السوء يُتهم ومن لا يملك لسانه يندم) (٣).
وقد روي عن نبي الله سليمان ﵇ أنه قال: (لا تحكموا على رجل بشيء حتى تنظروا إلى من يصاحب، فإنما يُعرف الرجل بأشكاله وأقرانه، ويُنسب إلى أصحابه وأخدانه) (٤) فما أعظمه من حديث وما أقواها من دلالة.
وفي هذا يقول الشاعر: ... عن المرء لا تَسَلْ وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
بعد استعراض هذه الروايات ماذا يستطيع أن يقول المرء عن صحابة محمد ﵌ وعن الرجل الذي اختارهم ورضي بصحبتهم وقرّبهم وصاهرهم أو كانوا أصهاراً له؟!
أولى الناس بالتهمة من جالس أهل التهمة ... لا تحكموا على رجل بشيء حتى تنظروا إلى من يصاحب، فإنما يُعرف الرجل بأشكاله واقرانه، ويُنسب إلى أصحابه وأخدانه ... ما صدى هذه الكلمات في نفسك وفي ضميرك؟
стр. 387
ما أثر هذه الكلمات في نفس مسلم يرى صحابة نبيه في قفص الاتهام .. وليته كان اتهاماً فحسب بل هو القذف الصريح لهذه الفئة المختارة بالفسق والكفر والردة!
قد حكم الإمام الصادق بزوال عقل وانشغال قلب ونقصان عيش من افتقد الزوجة الصالحة والخليط الصالح، فإلى ماذا ينسب علماء الشيعة الإثني عشرية رسولنا الكريم وهم يدّعون أنّ زوجته كانت ضالة أو كافرة وأنّ أصهاره وخلطاءه كفار ومرتدون على أعقابهم؟!
أسئلة ترد على البال ومن حق كل مسلم أن يثيرها ويُحاكم فيها ضميره ...
إنه الاختلاف الجذري بين رؤية أهل السنة والجماعة إلى صحابة رسول الله وزوجاته وبين رؤية الشيعة الإثني عشرية ... هذه مقدّمته والكلام في تفاصيله أعظم دلالة على الحق وبياناً للجرم.
ماذا عن امرأتي نوح ولوط ﵉ ؟
لعل قائلاً يقول: هذا نوح ولوط ﵉ قد قال الله تعالى عن زوجتيهما ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ (١) فكيف لا تُتصور الخيانة في زوجات النبي ﵊؟
أقول: قد ثبت عند أولي الألباب أنّ الله قد نزّه نوحاً ولوطاً ﵉ من هاتين المرأتين في حياتهما، فشهد هذان النبيان الكريمان عقاب الله لتينك المرأتين، وطهرهما الله منهما، فتبيّن من ذلك أنه لو كان في زوجة من زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله
стр. 388
وسلم ما يوجب تنزيه رسول الله عنهن أو التبرأ منهن لحصل ذلك في حياة رسول الله فلما لم يحصل ذلك، ثبت أنهنّ أهل لميثاق الزواج الذي جمعهن برسول الله.
كيف لا وقد خيّرهن الله تعالى بين زينة الدنيا ومتاعها وبين الارتباط برسول الله ﵌ في الدنيا والآخرة فقال في سورة الأحزاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾.
فاخترن جميعاً الله ورسوله والدار الآخرة، ولو قُدّر أنّ إحداهن اختارت ذلك وأضمرت في نفسها نفاقاً لأظهر الله تعالى ذلك لنبيه ﵌ لئلا يغتر بها مغتر، فمكان الأزواج من رسول الله ﵌ عظيم.
وعجيب أن يدندن الشيعة الإثنا عشرية حول آية التطهير وحول معنى تطهير الله لأهل البيت، ثم لا يعتقدون أنّ رسول الله ﵌ وهو سيد أهل بيته وخيرهم وأطهرهم قد طهّره الله من الاقتران بالمنافقات والفاسدات!
ولسنا ندّعي بذلك أنّ زوجات رسول الله ﵌ معصومات لا يُخطئن بل هنّ كغيرهنّ من المؤمنات الصالحات القانتات، يخطئن ويصبن، يعصين ويتبن، لكن لم ولن تبلغ إحداهنّ ما يدّعيه الشيعة الإثنا عشرية فيهن ولا معشاره (١).
стр. 389
ومحمد ﵌ هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي بعده ولا وحي بعده، فكيف يجوز لعاقل أن يتصور أن تُترك لزوجاته فرصة الخيانة والارتداد من بعده وهنّ أمهات للمؤمنين ومكانهنّ من رسول الله يوجب هلاك الأمة للاغترار بقربهنّ من رسول الله؟!
إنّ مثل هذا الكلام لا يقوله عاقل أصلاً.
هذا وقد قال الله في محكم كتابه ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ (١) والشيعة الإثنا عشرية يتهمون أم المؤمنين عائشة تارة بالكفر وتارة بالنفاق، فكيف جاز لرسول الله أن يبقيها زوجة له.
وقد روى علي بن إبراهيم القمي والحر العاملي عن الإمام الباقر في قوله تعالى ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ يقول: (من كانت عنده امرأة كافرة، يعني على غير ملة الإسلام وهو على ملة الإسلام فليعرض عليها الإسلام، فإن قبلت فهي امرأته وإلا فهي بريئة منه، فنهى الله أن يستمسك بعصمتها) (٢).
فأم المؤمنين عائشة إن كانت كافرة أو مرتدة أو منافقة – برأها الله من هذا الإفك – ففي جميع الحالات كان من الواجب تطليقها التزاماً لكتاب الله، اللهم إلا إذا كان رسول الله المبلّغ عن الله لم يعلم نفاقها وعَلِمَ ذلك علماء الشيعة، فتلك مسألة أخرى!
стр. 390
حديث (قرن الشيطان) هل أُريد به عائشة ﵂ ؟
وما دام الحديث عن أم المؤمنين عائشة ﵂ فلا بأس أن نقف عند شبهة يكررها خصوم رسول الله ﵌ وأزواجه.
فقد ذكر لي أحدهم يوماً أنّ أم المؤمنين عائشة ﵂ موسومة بأنها رأس الكفر بنصّ رسول الله ﵌! فقلت له: هات ما عندك لنرى.
فجاء بحديث البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (قام النبي ﵌ خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة، فقال: هنا الفتنة ثلاثاً من حيث يطلع قرن الشيطان) (١).
فقلت له: وأين الشاهد؟
قال: إنّ رسول الله ﵌ قد وصفها بأنها قرن الشيطان حينما أشار إلى مسكنها.
فقلت له: هناك فرق في اللغة العربية بين (نحو) وبين (إلى) والحديث فيه (فأشار نحو بيت عائشة) لا (فأشار إلى بيت عائشة)، وهذا أمر يدركه من له أدنى بمعرفة باللغة العربية لكن يبدو أنّ بغضك وحقدك على أم المؤمنين عائشة قد أعمى قلبك وبصرك.
ولأسألك سؤالاً يُجلي لك الحقيقة أقول فيه: (أتُرى رسول الله ﵌ يُشير إلى بيت عائشة وإلى كونها قرن الشيطان ثم يُساكنها في بيت واحد وفي حجرة واحدة؟)