وعن الإمام جعفر الصادق أيضاً أنه قال: (لا تصحب الفاجر فيعلمك من فجوره، ثم قال: أمرني والدي بثلاث ونهاني عن ثلاث (١)، فكان فيما قال لي: يا بني مَنْ يصحب صاحب السوء لا يسلم (٢)، ومن يدخل مداخل السوء يُتهم ومن لا يملك لسانه يندم) (٣).
وقد روي عن نبي الله سليمان ﵇ أنه قال: (لا تحكموا على رجل بشيء حتى تنظروا إلى من يصاحب، فإنما يُعرف الرجل بأشكاله وأقرانه، ويُنسب إلى أصحابه وأخدانه) (٤) فما أعظمه من حديث وما أقواها من دلالة.
وفي هذا يقول الشاعر: ... عن المرء لا تَسَلْ وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
بعد استعراض هذه الروايات ماذا يستطيع أن يقول المرء عن صحابة محمد ﵌ وعن الرجل الذي اختارهم ورضي بصحبتهم وقرّبهم وصاهرهم أو كانوا أصهاراً له؟!
أولى الناس بالتهمة من جالس أهل التهمة ... لا تحكموا على رجل بشيء حتى تنظروا إلى من يصاحب، فإنما يُعرف الرجل بأشكاله واقرانه، ويُنسب إلى أصحابه وأخدانه ... ما صدى هذه الكلمات في نفسك وفي ضميرك؟
стр. 387
ما أثر هذه الكلمات في نفس مسلم يرى صحابة نبيه في قفص الاتهام .. وليته كان اتهاماً فحسب بل هو القذف الصريح لهذه الفئة المختارة بالفسق والكفر والردة!
قد حكم الإمام الصادق بزوال عقل وانشغال قلب ونقصان عيش من افتقد الزوجة الصالحة والخليط الصالح، فإلى ماذا ينسب علماء الشيعة الإثني عشرية رسولنا الكريم وهم يدّعون أنّ زوجته كانت ضالة أو كافرة وأنّ أصهاره وخلطاءه كفار ومرتدون على أعقابهم؟!
أسئلة ترد على البال ومن حق كل مسلم أن يثيرها ويُحاكم فيها ضميره ...
إنه الاختلاف الجذري بين رؤية أهل السنة والجماعة إلى صحابة رسول الله وزوجاته وبين رؤية الشيعة الإثني عشرية ... هذه مقدّمته والكلام في تفاصيله أعظم دلالة على الحق وبياناً للجرم.
ماذا عن امرأتي نوح ولوط ﵉ ؟
لعل قائلاً يقول: هذا نوح ولوط ﵉ قد قال الله تعالى عن زوجتيهما ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ (١) فكيف لا تُتصور الخيانة في زوجات النبي ﵊؟
أقول: قد ثبت عند أولي الألباب أنّ الله قد نزّه نوحاً ولوطاً ﵉ من هاتين المرأتين في حياتهما، فشهد هذان النبيان الكريمان عقاب الله لتينك المرأتين، وطهرهما الله منهما، فتبيّن من ذلك أنه لو كان في زوجة من زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله
стр. 388
وسلم ما يوجب تنزيه رسول الله عنهن أو التبرأ منهن لحصل ذلك في حياة رسول الله فلما لم يحصل ذلك، ثبت أنهنّ أهل لميثاق الزواج الذي جمعهن برسول الله.
كيف لا وقد خيّرهن الله تعالى بين زينة الدنيا ومتاعها وبين الارتباط برسول الله ﵌ في الدنيا والآخرة فقال في سورة الأحزاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾.
فاخترن جميعاً الله ورسوله والدار الآخرة، ولو قُدّر أنّ إحداهن اختارت ذلك وأضمرت في نفسها نفاقاً لأظهر الله تعالى ذلك لنبيه ﵌ لئلا يغتر بها مغتر، فمكان الأزواج من رسول الله ﵌ عظيم.
وعجيب أن يدندن الشيعة الإثنا عشرية حول آية التطهير وحول معنى تطهير الله لأهل البيت، ثم لا يعتقدون أنّ رسول الله ﵌ وهو سيد أهل بيته وخيرهم وأطهرهم قد طهّره الله من الاقتران بالمنافقات والفاسدات!
ولسنا ندّعي بذلك أنّ زوجات رسول الله ﵌ معصومات لا يُخطئن بل هنّ كغيرهنّ من المؤمنات الصالحات القانتات، يخطئن ويصبن، يعصين ويتبن، لكن لم ولن تبلغ إحداهنّ ما يدّعيه الشيعة الإثنا عشرية فيهن ولا معشاره (١).
стр. 389
ومحمد ﵌ هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي بعده ولا وحي بعده، فكيف يجوز لعاقل أن يتصور أن تُترك لزوجاته فرصة الخيانة والارتداد من بعده وهنّ أمهات للمؤمنين ومكانهنّ من رسول الله يوجب هلاك الأمة للاغترار بقربهنّ من رسول الله؟!
إنّ مثل هذا الكلام لا يقوله عاقل أصلاً.
هذا وقد قال الله في محكم كتابه ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ (١) والشيعة الإثنا عشرية يتهمون أم المؤمنين عائشة تارة بالكفر وتارة بالنفاق، فكيف جاز لرسول الله أن يبقيها زوجة له.
وقد روى علي بن إبراهيم القمي والحر العاملي عن الإمام الباقر في قوله تعالى ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ يقول: (من كانت عنده امرأة كافرة، يعني على غير ملة الإسلام وهو على ملة الإسلام فليعرض عليها الإسلام، فإن قبلت فهي امرأته وإلا فهي بريئة منه، فنهى الله أن يستمسك بعصمتها) (٢).
فأم المؤمنين عائشة إن كانت كافرة أو مرتدة أو منافقة – برأها الله من هذا الإفك – ففي جميع الحالات كان من الواجب تطليقها التزاماً لكتاب الله، اللهم إلا إذا كان رسول الله المبلّغ عن الله لم يعلم نفاقها وعَلِمَ ذلك علماء الشيعة، فتلك مسألة أخرى!
стр. 390
حديث (قرن الشيطان) هل أُريد به عائشة ﵂ ؟
وما دام الحديث عن أم المؤمنين عائشة ﵂ فلا بأس أن نقف عند شبهة يكررها خصوم رسول الله ﵌ وأزواجه.
فقد ذكر لي أحدهم يوماً أنّ أم المؤمنين عائشة ﵂ موسومة بأنها رأس الكفر بنصّ رسول الله ﵌! فقلت له: هات ما عندك لنرى.
فجاء بحديث البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (قام النبي ﵌ خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة، فقال: هنا الفتنة ثلاثاً من حيث يطلع قرن الشيطان) (١).
فقلت له: وأين الشاهد؟
قال: إنّ رسول الله ﵌ قد وصفها بأنها قرن الشيطان حينما أشار إلى مسكنها.
فقلت له: هناك فرق في اللغة العربية بين (نحو) وبين (إلى) والحديث فيه (فأشار نحو بيت عائشة) لا (فأشار إلى بيت عائشة)، وهذا أمر يدركه من له أدنى بمعرفة باللغة العربية لكن يبدو أنّ بغضك وحقدك على أم المؤمنين عائشة قد أعمى قلبك وبصرك.
ولأسألك سؤالاً يُجلي لك الحقيقة أقول فيه: (أتُرى رسول الله ﵌ يُشير إلى بيت عائشة وإلى كونها قرن الشيطان ثم يُساكنها في بيت واحد وفي حجرة واحدة؟)
стр. 391
لأنسى أم المؤمنين عائشة التي افتريتَ عليها ولأسألك: (أهذه قيمة رسولنا محمد ﵌ في نظرك؟ يرتضي المبيت مع امرأة بهذا المستوى؟).
والله لو حكّمت عقلك لا هواك لما نطقت بهذه الضلالة.
والحديث الذي ذكرته قد ورد عن عبد الله بن عمر كذلك بصيغة أخرى تبين أنّ المراد من الإشارة نحو بيت عائشة إنما هو الإشارة إلى المشرق وما عُرف في أرض المشرق من القلاقل والفتن التي أنهكت الأمة، فالقدرية والخوارج والكيسانية والمعتزلة وغيرهم كلهم قد خرجوا من جهة المشرق (١).
فقد روي عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: (رأيت رسول الله ﵌ يشير إلى المشرق، فقال: ها إنّ الفتنة ها هنا، إنّ الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) (٢).
ثم أليس بيت عائشة هو بيت رسول الله كذلك؟!
أيزعم هؤلاء بأنّ بيت رسول الله ﵌ هو قرن الشيطان - عياذاً بالله؟!
إنّ الذي يصدق عليه مسمى (قرن الشيطان) لهو الفكر الذي يوجّه سهامه وبكل ضراوة تجاه زوجات النبي ﵌ وأصحابه بهذه الصورة.
стр. 392
إنّ هؤلاء الطاعنين لم يتناسوا القيم والأخلاق مع رسول الله ومع زوجاته وأصحابه فقط بل تناسوا قول الله عن نبيه ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك﴾ (١) فإذا كانت زوجته رمزاً للخيانة وكذا أصحابه فأي ذكر يذكر به الذاكرون محمداً ﵌؟!
أم المؤمنين عائشة وموقعة الجمل
قال لي أحدهم يوماً في مجلس جمعني به: إنك تمتدح عائشة ولا ترتضي الطعن فيها!
فقلت: وما الضير في هذا وهي زوجة النبي ﵌ وأم المؤمنين بنص القرآن، إنما الخلل فيمن يطعن فيها ويتجاسر عليها!
فقال: أما تعلم أنها خرجت على إمام زمانها أمير المؤمنين ﵇؟ أما فعلت في موقعة الجمل كذا وكذا؟
فقلت له: إنّ الأدلة التي تحتج بها على إدانة أم المؤمنين عائشة ﵂ هي نفسها أدلة إدانتك من حيث لا تدري.
لست بصدد تحليل خروج أم المؤمنين عائشة ﵂ مع من معها إلى العراق أصواب هو أم خطأ؟ وما أسباب ذلك الخروج؟
فمن المتفق عليه أنّ أم المؤمنين عائشة ﵂ ليست معصومة، فهي لذلك تصيب وتخطئ كسائر المؤمنين، وإنما سأقول لك بكل صراحة ووضوح: إنّ رسول الله ﵌ الذي أخبر عن خروجها إلى العراق في حديث الحوأب المروي عند السنة والشيعة هو نفسه الذي رضي بها زوجة له وأحبها وقرّبها إليه.
стр. 393
فهل كان رسول الله ﵌ مخطئاً حينما ارتضاها لنفسه وأحبها وهو يعلم أنها ستختلف مع علي وسيدور بينهما قتال؟
هل تظن في نفسك الورع والتقوى أكثر من رسول الله كي تنزه نفسك عن الزواج من مثيلاتها وهي الطاهرة النقية التي اختارها رسول الله ﵌ لتكون رفيقة دربه في حين أنك تنسب لرسول الله ما تنزه نفسك عنه؟!
هل أنت أتقى وأنقى وأورع وأعقل من رسول الله الذي استبقاها معه حتى وفاته؟!
فصمت الرجل ولم يستطع أن يقول شيئاً.
وكيف لعاقل أن ينطق بغيرهذه الحقيقة؟!
مَنْ مِنْ هؤلاء الشتامين اللعانين يجرؤ على ادعاء أنه أكثر فهماً وإدراكاً ووزناً للأمور من رسول الله؟
ليأت هذا الرجل وليقلها على الملأ ليعرف الناس حقيقته بدلاً من تعمية الحقائق والطعن المبطن في رسول الله وفي زوجاته وفي أصحابه.
بعدها استئنفت كلامي قائلاً: الآن حان الوقت لنقاش موضوع (موقعة الجمل) معك، ما دليلك على أنّ أم المؤمنين عائشة فعلت كذا وكذا في موقعة الجمل؟ ستقول لي وبكل ثقة: التاريخ.
وسأجيبك قائلاً: أي تاريخ هذا؟ ما الرواية التاريخية التي استندت إليها في فهمك لحادثة (الجمل)؟
إنّ أغلب أحداث موقعة الجمل انفرد بروايتها (سيف بن عمر الضبّي) وهو كذّاب مشهور، منصوص على كذبه عند جمع من علماء أهل السنة وعند الشيعة الإثني عشرية أيضاً!
стр. 394
وإنّ كتب التاريخ التي تُقرأ اليوم كـ"البداية والنهاية" لابن كثير و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير و"المنتظم" لابن الجوزي وغيرها كلها معتمدة على رواية (سيف بن عمر الضبّي) المذكورة في "تاريخ الطبري" وإنّ هؤلاء الذين يكثرون من تسطير أسماء كتب التاريخ في الحواشي بُغية إعطاء نوع من المصداقية لما ينقلونه من مطاعن في الصحابة يجهلون أو ربما يتجاهلون أنّ أغلب هذه الكتب إنما تنقل عن "تاريخ الطبري" اعتماداً على رواية سيف المشار إليها، ولهذا لا يصح أن يحتج محتج بما تضمنته تلك الرواية بحجة أنها مذكورة في الكتاب التاريخي الفلاني دون النظر إلى إسنادها وعرضها على مائدة النقد العلمي.
كيف والرواية انفرد بذكرها (سيف بن عمر الضبّي) وهو كذاب مشهور؟!
قال فيه أبو نعيم الأصبهاني: (متهم في دينه مرمي بالزندقة ساقط الحديث، لا شيء).
وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي.
وقال الدارقطني: متروك الحديث، وفي قول آخر له: ضعيف، وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن عدي: (بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها)
أما الشيعة، فرأيهم في (سيف بن عمر) واضح وجلي لا يحتاج إلى إثبات.
فقد ألف مرتضى العسكري كتابه "عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى" اعتماداً على فكرة أساسية هي كون (سيف بن عمر الضبّي) وهو الراوي الوحيد لقصة ابن سبأ مطعون فيه عند
علماء الجرح والتعديل عند السنة والشيعة (١).
стр. 395
وهو ما قرره آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي في "معجم رجال الحديث ١١/ ٢٠٧" بقوله: (إنّ أسطورة ابن سبأ وقصص مشاغباته الهائلة موضوعة ومختلقة اختلقها سيف بن عمر الوضاع الكذّاب)، فإذا كان الأمر كذلك، فما بالكم تكيلون بمكيالين؟!
حينما يكون الكلام عن ابن سبأ يكون (سيف بن عمر الضبي) كذّاباً وحينما يكون الكلام عن أم المؤمنين عائشة تكون الرواية صحيحة ومُلزمة (١) وبهذا تنالون من زوجة نبينا محمد ﵌ (٢)؟!
стр. 396
مالكم تركتم الثوابت وتعلقتم بالأكاذيب؟
أما قال الله تعالى عن زوجات نبيكم ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ فأثبت أنّ عائشة وحفصة وسودة وأم سلمة وميمونة وغيرهن هن أمهات للمؤمنين، ويلزم من ذلك أنّ من رفض أمومة هؤلاء الزوجات فهو جاحد للنص القرآني كافر به؟
إنّ تتبع المتشابه وترك المُحكم الواضح دليل صارخ على الزيغ عن الهدى كما قال الله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة﴾ (١).
مع مبغض لعمر بن الخطاب ﵁
بعد صدور الطبعة الأولى من كتابي هذا، ذهبت كعادتي إلى بعض المكتبات الشيعية لاقتناء بعض الكتب التي كانت تنقص مكتبتي.
وعند ركن من أركان المكتبة حيث كنت أتأمل بعض الكتب العقائدية والتاريخية خرقت سمعي عبارة غريبة مصدرها رجل كان بجانب البائع.
ورغم أني لم أكن منتبهاً لكلام الاثنان بل كنت منهمكاً في تصفح الكتب والاطلاع على فهارسها إلا أنّ هذه العبارة استرعت انتباهي للكلام الذي كان يدور بينهما.
عبارة (إنه ابن صهاك) مع شيء من الضحك تلتها إشارة صوتية من البائع للرجل بأن يصمت، وكأنّ البائع يقول له: انتبه، في المكتبة سني!
هذا ما سمعته ... ثم عاد الكلام بينهما لكن بعيداً عن الكلام عن (صهاك)، وقد كنت حينها قد اخترت الكتب التي أريد اقتنائها ووقفت عند البائع.
стр. 397
عند هذه اللحظة بدأت نفسي تتجاذبني، أأتكلم وأُنكر عليهما ما ذكراه في حق صحابي جليل كـ (عمر بن الخطاب) نصر الله به الإسلام والمسلمين، ونال شرف مصاهرة الرسول ﵌ له أم أكتفي بالصمت ما دام الموضوع بينهما وهما على عقيدة ترتضي مثل هذه الأمور (١)؟
لكني أشفقت عليهما من الاغترار بالباطل وسلوك طريقه، ورأيت أنّ من واجبي أن أنصحهما، فقلت: المعذرة على المقاطعة لكن لدي كلمة أود أن أقولها.
فقال البائع: تفضل.
стр. 398
قلت: أسألك بالله تعالى ... لو أنّ يهودياً أو نصرانياً قال لكما: أيها المسلمون، إنكم تعتقدون بأنّ نبيكم محمداً قد صاهر عمر بن الخطاب، وتدّعون في الوقت ذاته بأنّ عمر بن الخطاب الذي صاهره نبيكم هو ابن زانية اسمها (صهاك) (١) وأنّ أباه أنجبه من زنية بصهاك.
ويشهد قرآنكم بأنّ أزواج نبيكم هنّ أمهات للمؤمنين، ويشهد التاريخ بأنّ حفصة بنت عمر بن الخطاب هي زوجة نبيكم وهي حسب دعواكم من نسل صهاك!
فأي نبي هذا الذي تدعوننا إلى اتباعه وهو يرتضي لنفسه مثل هذا النسب؟!
بعدها نظرت إلى الرجل الذي كان يحدّث البائع فإذا بوجهه قد تلون، وشعرت حينها أنّ كلماتي على بساطتها ورغم هدوئي النسبي في طرح الفكرة كانت شديدة الوطأة عليه والتأثير فيه، فأتممت كلامي قائلاً: والله إني لا أكلمكما من منطلق كوني منتسباً إلى أهل السنة والجماعة أو إلى غيرهم ... إنما أنا مسلم يغار على دينه وعلى رسوله، والله إنكم لتسيئون إلى رسول الله ﵌ بمثل هذه الدعاوى الباطلة التي تطلقونها على زوجاته وأصهاره.
لقد بالغتم في موضوع الإمامة حتى أخرجتم الخلاف فيها عن الحد المعقول ... قلتم: اغتصب الصحابة الخلافة وطعنتم في عدالتهم وقلتم عنهم (انقلبوا على أعقابهم)، فحاولنا تقبل هذا منكم على مضض، لعلنا نصل وإياكم في الحوار إلى حل، لكن لماذا الكلام في الأعراض؟!
ثم وجهت كلامي للبائع وقلت: أسألك سؤالاً وأود منك أن تجيبه بكل صراحة ووضوح.
стр. 399
قال لي وقد بدى على وجهه الإحراج: تفضل.
قلت: لو عُرضت عليك امرأة منحدرة من عائلة معروفة بالزنا، أو لنقل من عائلة تنتسب إلى زانية، أكنت تقبل بها زوجة لك؟
قال: معاذ الله .. لا أقبل بها بلا شك.
قلت: إذن كيف زعمتم أنّ رسول الله ﵌ ارتضى لنفسه أن يصاهر عمر بن الخطاب، وعمر - في زعمكم- هو ابن زانية؟!
أتراك أفضل من رسول الله ﵌ حين نزّهت نفسك عن أمر ارتضيته فيه أم ماذا؟
حينها قال لي البائع: ليس كل ما في الكتب صحيح، وهؤلاء أصحاب الرسول وبينهم وبينهم مصاهرات، ونحن لا نطعن في نسب عمر بن الخطاب!
نظرت إليه وقلت في نفسي: (سبحان الله .. منذ قليل كان يتكلم هو وصاحبه في عمر بن الخطاب بكل وقاحة، والآن تغير الأمر، وصار عمر من قرابة الرسول ومن الصحابة الكرام، أي عقيدة هذه التي تعلم المرء أن يتلون كالحرباء بدل أن يكون صريحاً وواضحاً أمام نفسه وأمام الآخرين)!
هكذا بكل بساطة أنكر الرجل ما يعرفه يقيناً عن طعن الطائفة في نسب عمر بن الخطاب ﵁، لكني آثرت على نفسي أن لا أجادله في أمر ينكره ظاهراً حتى لو كان يعتقده بالباطن، فكذّبت أُذناي وصدّقته وأوكلت نيته إلى رب العباد.
ثم قلت له: لا بأس .. إنّ كلامي كان إجمالياً، وليس من الضرورة أن يكون موجهاً إليكما طالما أنكما لا تعتقدان مثل هذا الاعتقاد، ثم دفعت قيمة الكتب التي كانت معي وخرجت من المكتبة.
стр. 400
شرعنة الكذب وعقلنة اللامعقول !
لا يوجد دين من الأديان أو أمة من الأمم تقدّس الكذب وتُعطي له الشرعية والمصدّاقية باستثناء الشيعة الإثني عشرية!
لقد كنت في بداية دخولي هذا المعترك الصعب أستغرب قول تقي الدين ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية ١/ ٥٨": (وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أنّ الرافضة (١) أكذب الطوائف والكذب فيهم قديم ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب) بل وأعتبره من الأقوال المتشددة المتشنجة التي تمليها عادة التعصبات المذهبية القائمة آنذاك، لكني سبرت هذا القول وتفحصته جيداً فوجدته دقيقاً!
فعلماء الشيعة الإثنا عشرية ومراجعهم الكبار يسبغون على الكذب صفة الشرعية ويجاهرون بذلك دون استحياء.
فقد سُئِل آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي: هل يجوز الكذب على المبتدع أو مروّج الضلال في مقام الاحتجاج عليه إذا كان الكذب يدحض حجته ويبطل دعاويه الباطلة؟
فأجاب: إذا توقف رد باطله عليه جاز (٢)!
стр. 401
ولذلك لا تعجب من كثرة الأكاذيب التي شُحنت بها كتب الإثني عشرية ولا كثرة الكذب على الخصوم وعلى الصحابة بالذات إن عجز العالم الشيعي عن إثبات اعتقاده أو الرد على ما يثيره الخصوم.
نعم، لا تعجب إن مرّت بك روايات شيعية صحيحة الإسناد عند الطائفة لا تكذب على الخصوم ولا الصحابة بل تتجاوز ذلك لتكذب على الكواكب والمجرّات الأخرى!
روى الكليني عن عجلان أبي صالح قال: دخل رجل على أبي عبد الله (ع) فقال له: جعلت فداك، هذه قبة آدم ﵇؟ قال: نعم، ولله قباب كثيرة، ألا إنّ خلف مغربكم هذا تسعة وثلاثون مغرباً أرضاً بيضاء مملوّة خلقاً يستضيئون بنوره لم يعصوا الله طرفة عين، ما يدرون خُلق آدم أم لم يُخلق، يبرؤون من فلان وفلان!
قال المجلسي: قوله ﵇ (من فلان وفلان) أي من أبي بكر وعمر (١).
مخلوقات في كواكب أخرى ... لكنها تتبرأ من أبي بكر وعمر!!
إنّ مثل هذه الروايات مسطّرة في بعض أبرز كتب الحديث المعتمدة عند الشيعة الإثني عشرية وقد حكم عليها بعض المحققين من علماء الإمامية بالصحة والاعتبار كالمجلسي في كتابه "مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول" وقد تتبعت هذه الرواية فوجدتها قد رويت بعدة أسانيد وألفاظ متقاربة المعنى بلغت عند الشيخ الصفّار وحده (إثني عشر رواية) (٢)!
стр. 402
هكذا تمتزج الخرافة بالعقيدة، وتتجسد نزعات التشفي في أصحاب رسول الله!
فلا حول ولا قوة إلا بالله ...
المحقق الثاني وعادة لعن الشيخين (أبي بكر وعمر) !!
مِنَ الناس من يُذكر بعد رحيله عن الدنيا بقيام ليلٍ يُضرب به المثل أو بصيام نهار وعبادة يعجب منها المقصّر.
لكننا أمام نموذج لسبّابٍ لعّان، ترك لنا ميراثاً ثقيلاً حمل وزره عند ربه يوم يلقاه.
هو الشيخ المحقق الكركي العاملي الذي ترجم له العلامة الشيعي عباس القمّي واصفاً إياه بأنه (مروّج المذهب والملة، ورأس المحققين الأجلة، شيخ الطائفة في زمانه وعلامة عصره وأوانه، الشيخ الأجل نور الدين علي بن عبد العالي الكركي العاملي) (١).
ذكر يوسف البحراني في "لؤلؤة البحرين" تحت ترجمة (نور الدين علي بن عبد العالي المشهور الآن بالمحقق الثاني) نقلاً عن نعمة الله الجزائري ما نصه (وكان ﵀ لا يركب ولا يمضي إلا والباب يمشي في ركابه مجاهراً بلعن الشيخين ومن على طريقتهما)!
ويبدو أنّ عادة لعن الشيخين كان تستهويه جداً إلى حد تصنيفه كتاباً في ذلك سمّاه (رسالة نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت) (٢) ذكره البحراني من جملة مصنفاته. (٣)
فعجباً لتلك القلوب كم فيها من أحقاد ... لكن ما سيأتي بعده أعجب منه ...
стр. 403
أحسن طريقة لسب صحابة نبيك !!
لو سألت عالماً شيعياً من أولئك الذين يُكثرون لعن الشيخين وسائر الصحابة في الحسينيات أو في المجالس الخاصة أو في التسجيلات الصوتية المُسجّلة لهم: هل سببت يوماً أبا لهب أو أبا جهل أو غيرهم من كفار مكة لارتسمت على وجهه علامة الاستغراب، إذ أنّ هذه الشخصيات التي آذت رسول الله ﵌ وحاربت الإسلام بكل ما أُوتيت من قوة هي شخصيات ليست ذات أهمية بالنسبة له!
فهؤلاء قد بُرمِجوا أو لِنقل برمَجوا أنفسهم على أنّ أعداءهم الأولين والآخرين هم صحابة رسول الله ﵌ الذين صاهر منهم من صاهر وقرّب منهم من قرّب واختص منهم من اختص!
فإذا كان المحقق الكركي قد أخذ على عهده أن يلعن الشيخين الجليلين أبا بكر وعمر ﵄ قياماً وقعوداً وعلى جنبه فإنّ العلامة الشيعي الكبير محمد نبي التوسيركاني الملقّب عند الطائفة بـ (عمدة العلماء والمحققين) لديه طريقة مبتكرة لإكرام صحابة نبيه صلوات ربي وسلامه عليه، فما هي تلك الطريقة؟
يقول التوسيركاني في كتابه "لئالي الأخبار ٤/ ٩٢": (اعلم أنّ أشرف الأمكنة والأوقات والحالات وأنسبها للعن عليهم - عليهم اللعنة - إذا كنت في المبال، فقل عند كل واحد من التخلية والاستبراء والتطهير مراراً بفراغ من البال، اللهم العن عمر ثم أبا بكر وعمر ثم عثمان وعمر ثم معاوية وعمر ثم يزيد وعمر ثم ابن زياد وعمر ثم ابن سعد وعمر ثم شمراً وعمر ثم عسكرهم وعمر. اللهم العن عائشة وحفصة وهنداً وأم الحكم والعن من رضى بأفعالهم إلى يوم القيامة)!!!
تباً لك ... هكذا سوّل لك شيطانك هذه الجهالات فأعماك وأصمّك فتنكّبت الطريق ...
стр. 404
وكأني بالإمام محمد بن صُبيح بن السماك (١) يرد على التوسيركاني ومن يحذو حذوه قائلاً "علمت أنّ اليهود لا يسبون أصحاب موسى ﵇ وأنّ النصارى لا يسبون أصحاب عيسى ﷺ فما بالك يا جاهل سببت أصحاب محمد – ﵌ – وقد علمت من أين أُتيت، لم يشغلك ذنبك ... أما لو شغلك ذنبك لخفتَ ربك، لقد كان في ذنبك شغل عن المسيئين فكيف لم يشغلك عن المحسنين، أما لو كنت من المحسنين لما تناولت المسيئين ولرجوت لهم أرحم الراحمين، ولكنك من المسيئين، فمن ثَّم عبت الشهداء والصالحين، أيها العائب لأصحاب محمد – ﵌ – لو نمت ليلك وأفطرت نهارك لكان خيراً لك من قيام ليلك وصوم نهارك مع سوء قولك في أصحاب محمد، فويحك! لا قيام ليلٍ ولا صوم نهار وأنت تتناول الأخيار، فأبشر بما ليس فيه البشرى إن لم تتب مما تسمع وترى" (٢).
стр. 405
﴿قُلْ بِئْسَمَا يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِين﴾
أيها الناس ... لنكن أكثر صراحة مع بعضنا البعض، إنّ مشكلتنا الحقيقية التي لا يمكننا التغاضي عنها ولا تجميلها مهما حاولنا ذلك ونحن نفتح هذا الملف الصعب والمتشعب هي أننا نجابه خصوماً غير نزيهين، خصوماً نجزم بأنهم ما اشتمّوا في حياتهم رائحة الأدب ولا الأخلاق ولا النزاهة ولا الشرف، أقولها هكذا بكل صراحة ووضوح ودون أن أشعر بالذنب، وإلا فبماذا يمكنك أيها القارئ مهما كان انتماؤك العقائدي أو الفكري أن تعلق على ما يقوله محمد طاهر الشيرازي ومُفلح البحراني وعالم سبيط النيلي عن صحابة رسول الله ﵌؟
تعال فلننظر ماذا يقولون ويترّهون:
ذكر الشيخ محمد طاهر الشيرازي النجفي (١) في كتابه "الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين" تحت عنوان: (في ذكر نسب أبي بكر وبيان دناءته وخساسته): إنّ أبا قحافة أبا أبي بكر كان أجيراً لليهود يُعلّم لهم أولادهم فاشتهر عنه أنه كان يلوطهم ... وكان أبو قحافة في قريش مشهوراً باللواط.
стр. 406
وأم أبي بكر سلمى من ذوات الأعلام في مكة، وكانت لها راية في الأبطح لأنّ العرب كانوا يأنفون من أن تنازلهم البغايا فكانوا يبعدونا عن قرب منازلهم، وكانت رايتها حمراء تدل على فجورها وعهرها) (١).
وقال تحت عنوان (بيان دناءة عمر وقلة حيائه وسوء مولده): (إنّ عمر كان قبل الإسلام نخاس الحمير، أبو عمر بن الخطاب قطعت يده في سوق عكاظ، ومن قلة حياء عمر أنه قال على المنبر: ألا إني فسوت وها أنا أنزل لأعيد الوضوء) (٢)!
وقال عن عثمان بن عفان ﵁: (إنّ عثمان ممن يُلعب به ويتخنّث وكان يضرب بالدف) (٣).
أما الشيخ مُفلح بن حسن الصميري البحراني (٤) فقد ذكر في كتابه (إلزام النواصب بإمامة علي بن أبي طالب ﵇ نقلاً عن الإخباري هشام بن محمد بن السائب الكلبي (٥) أنّ أبا قحافة (والد أبي بكر الصدّيق) كان أجيراً لليهود يُعلّم أولادهم! (٦)
وأنّ عفان (أبو عثمان) كان ممن يُلعب به ويُفتحل به (٧)!
стр. 407
وأنّ أم طلحة بن عبيد الله كانت من البغايا وذوات الرايات في الجاهلية (١)!
أما عالم سبيط النيلي فيقول عن أم المؤمنين عائشة ﵂: (إني أُنبّه السادة علماء النفس إلى ضرورة تخصيص دراسة كاملة عن أثر الحِرمان الجنسي على سلوك عائشة!) (٢).
شُلّت ألسِنتكم ولُعِنتم بعدد قِطرْ السماء وحبات الرمل ... لا رحمكم رب السماوات والأرضين ... أمحمد رسول الله يُقال في عِرضه وفي أصهاره وأصحابه مثل هذه الكلمات القذرة؟!
أيها الناس ... إن لم تكن مثل هذه الكلمات التي يشيب لها الرأس وتأنف من سماعها الأفئدة الحرة الشريفة زندقة فلا أدري ما الزندقة ... إنّ هؤلاء تجاسروا على عقيدة الإسلام وعلى التاريخ وعلى الصحابة وعلى كل شيء، حتى الأخلاق والقيم لم تسلم منهم!
إنّ أقذر مشرك على وجه الأرض من أي ملة كانت لم يتكلم في عِرض نبينا ﵌ بهذا الأسلوب فكيف بهؤلاء وهم يزعمون أنهم مسلمون ويحبون آل البيت!
كيف نعيب على الدنمارك شتمهم لرسول ﵌ ثم نسكت عن هؤلاء الذين يقولون في عِرض النبي ﵌ ما هو أشنع وأزرى؟!
لكن ... ليس ما ذكرته آنفاً إلا القليل النادر مما زخرت به كتب الشيعة الإثني عشرية في حق أصحاب النبي ﵌، وقد أعرضت عن الكثير خشية الإطالة وفيما يلي هذه السطور ما يدمي قلوب المؤمنين.
стр. 408
تشبيه الاسترابادي أم المؤمنين عائشة بحيوان !
لقد أثبت الله لأم المؤمنين عائشة زوجة نبيه ﵌ مقاماً عرفه المسلمون ونصّ عليه مخالفوها، فقال عز من قائل ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١).
فعائشة هي أم المؤمنين بنص كتاب الله شاء الشيعة الإثنا عشرية أم أبوا، ولن يستطيع أحد محو هذه الآية لا من الأذهان ولا من الصدور ولا من رسم المصحف.
كانت أحب زوجاته له بعد خديجة بنت خويلد .. وإن حاول أحد سلبها هذا الحب كنحو سلبه إياها الفضائل التي ذُكرت فيها، فلن يستطيع أحد سلب ميثاق الزواج الذي جمعها برسول الله ﵌ في بيت واحد وتحت سقف واحد.
تلك الأم التي نالت من العقوق والنكران لحقها ما لم تنله أمٌّ على وجه الأرض.
لكنها في نظر الإمام علي على خلاف ما يتوقعه الشيعة أنفسهم، فقد عَرف الإمام علي لأم المؤمنين عائشة حقها وقدّرها التقدير المناسب لمثلها، فأكرمها وردّها إلى بيتها معززة مكرّمة عارفاً لحقها ومقامها عند الله وعند رسول الله، راداً على المتجاسرين عليها من الخوارج وضعاف النفوس، وهذا منصوص عليه في كتب السنة والشيعة.
روى النوري الطبرسي (٢) في "المستدرك"عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه لما هزم أهل الجمل، جمع كل ما أصابه في عسكرهم مما اجلبوا به عليه، فخمّسه وقسّم أربعة أخماسه
стр. 409
على أصحابه ومضى (١)، فلما صار إلى البصرة قال أصحابه: يا أمير المؤمنين، اقسم بيننا ذراريهم وأموالهم، قال: ليس لكم ذلك، قالوا: وكيف أُحلت لنا دماؤهم ولم تحلل لنا سبي ذراريهم؟ قال: حاربنا الرجال فقتلناهم، فأما النساء والذراري فلا سبيل لنا عليهنّ، لأنهن مسلمات وفي دار هجرة، فليس لكم عليهنّ من سبيل وما أجلبوا به واستعانوا به على حربكم وضمّه عسكرهم وحواه فهو لكم، وما كان في دورهم فهو ميراث على فرائض الله، لذراريهم وعلى نسائهم العدّة، وليس لكم عليهنّ ولا على الذراري من سبيل، فراجعوه في ذلك، فلما أكثروا عليه قال: هاتوا سهامكم، فاضربوا على عائشة أيّكم يأخذها وهي رأس الأمر؟!) فقالوا:
стр. 410
نستغفر الله، قال: فأنا أستغفر الله فسكتوا ولم يتعرض لما كان في دورهم ولا لنسائهم ولا لذراريهم (١).
قلت: ولو كانت أم المؤمنين عائشة عند أحد أدعياء التشيع اليوم لما عرف لها حقها ولا مكانتها ولربما كان أول من يُفتي بجواز سبيها وتعذيبها بل وقتلها.
لكن أيها المسلم ... يا من تشهدت بشهادة أن (لا إله إلا الله. وأنّ محمداً رسول الله) .. أستحلفك بالله الذي رفع السماء بغير عَمَد ... أتستطيع أن تتصور رجلاً يدّعي الإسلام وموالاة أهل البيت يُمكن لقلمه أن يخط وصفاً قبيحاً لزوجة النبي الذي يدّعي أنه يؤمن به؟ واصفاً تلك الأم الطاهرة بأنها (حيوان ضعيف)!!
روى شرف الدين الحسيني الاسترابادي (٢) عن سالم بن مكرم عن أبيه قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول في قوله تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ (٣) قال: هي الحميراء.
ثم قال الاسترابادي معلّقاً: (ومعنى هذا التأويل إنما كنى عنها بالعنكبوت، لأنّ العنكبوت حيوان ضعيف اتخذت بيتاً ضعيفاً أوهن البيوت وأضعفها لا يجدي نفعاً ولا ينفي ضرا وكذلك الحميراء حيوان ضعيف لقلة حظها وعقلها ودينها اتخذت من رأيها الضعيف وعقلها السخيف في مخالفتها وعداوتها لمولاها بيتاً مثل بيت العنكبوت في الوهن والضعف
стр. 411
لا يجدي لها نفعاً بل يجلب عليها ضرراً في الدنيا والآخرة، لأنها بنته على شفا جرف هار فانهار بها في نار جهنم، هي ومن أسس لها بنيانه وشد لها أركانه وعصى في ذلك ربه وأطاع شيطانه واستغوى لها جنوده وأعوانه فأوردهم حميم السعير ونيرانه، وذلك جزاء الظالمين والحمد لله رب العالمين) (١).
لست هنا في مقام الدفاع عن أم المؤمنين عائشة، فمقام تلك الأم وشرفها محفوظ بحفظ مقام زوجها نبينا محمد ﵌، والطعن فيها طعن في الرجل الذي ارتضاها زوجة له حتى وفاته!!
كما إنني لست بصدد مناقشة الدعوى التي ادّعاها الرجل، لأنّ النقاش مع أناس عشعش الغل في قلوبهم، وتربوا على البحث عما يشفي غليلهم بأي طريقة كانت ولو بالتلاعب بآيات القرآن، نقاش لا جدوى من ورائه.
لكني أوجه رسالة إليك أيها العاقل .. في أن تبرأ إلى الله من العقيدة التي تتبنى مثل هذا الفكر .. لا تكلّف نفسك ما لا تطيقه ... أتراك تطيق موقفاً يكون خصمك فيه رسول الله ﵌؟ ... يقتص لزوجته منك ويتبرأ من فعلك ويتخلى عنك ويتركك وحيداً مع الذين تسوقهم الملائكة إلى النار، وهي تقول لرسول الله (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
стр. 412
سب صحابة رسول الله كفر عند أئمة أهل البيت
لقد كان أئمة أهل البيت ﵈ والرضوان يجلون أصحاب رسول الله ﵌ إجلالاً عظيماً، ما كانوا يرضون بالتطاول الذي نراه اليوم على أصحاب النبي ﵌ ولا الجرأة غير المعهودة في الكلام عنهم.
فقد رووا عن جدهم محمد ﵌ تكفيره لساب أصحابه واستحقاقه الحد عقوبة على تطاوله على الصحابة (١).
فقد روى الحر العاملي في "وسائل الشيعة ٢٨/ ٢١٣" والمجلسي في "بحار الأنوار ٧٦/ ٢٢٢" نقلاً عن صحيفة الرضا ﵇ أنه روى عن آبائه ﵈ أنهم قالوا: قال رسول الله ﵌: (من سبّ نبياً قُتل، ومن سبّ أصحابي جُلِد).
وروى الشيخ محمد السبزواري في كتابه "جامع الأخبار" عن النبي ﵌ أنه قال: (من سبني فاقتلوه ومن سب أصحابي فقد كفر).
وفي خبر آخر: (من سب أصحابي فاجلدوه) (٢).
وقد نقل آية الله العظمى محمد صادق الروحاني في "فقه الصادق (ع) " عن "مسالك الأفهام" للشهيد الثاني قوله: (وفي إلحاق باقي الأنبياء ﵈ بذلك قوة لأنّ كمالهم وتعظيمهم عُلِم من دين الإسلام ضرورة فسبهم ارتداد ظاهر) ثم علّق عليه بقوله: (ولكن في صدق الارتداد في جميع الموارد إشكالاً، ثم إنّ المرتد لا يجوز قتله مطلقاً. فالصحيح أن
стр. 413
يُستدل له بالنبوي الخاص "من سبّ نبياً قُتل ومن سب صاحب نبي جُلد)، المنجبر بالفتوى) (١).
أقول: وفي اعتداد مرجع تقليد كبير كالروحاني بهذا الحديث في هذا المورد المهم بالذات ما يفيد حجيته عنده، لكن أين واقع السَّبابين الشتامين اللّعانين اليوم من هذا كله؟ وأين دور الروحاني نفسه من إنكار ظاهرة سب الصحابة عند الشيعة؟ هذا إن لم يكن هو نفسه أولهم سباً ولعناً للصحابة!
الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) يتبرأ من مبغضي الصحابة
قَدِم على الإمام زين العابدين نفر من أهل العراق فقالوا له في أبي بكر وعمر وعثمان كلاماً قبيحاً فلما فرغوا من كلامهم قال لهم الإمام زين العابدين: (قال تعالى ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ - الآية تعني المهاجرين- قال الإمام زين العابدين لهم: أأنتم هؤلاء؟ قالوا: لا، ثم تلا زين العابدين الآية التي بعدها ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ الفَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ - الآية تعني الأنصار- فقال الإمام زين العابدين: أأنتم هؤلاء؟ قالوا: لا، قال الإمام زين العابدين: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم ﴿وَالَّذِينَ
стр. 414
جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) اخرجوا عني، فعل الله بكم!) (٢).
من هو جد الإمام جعفر الصادق ؟
إنه أبو بكر الصدّيق ... حقيقة أشبه بالخيال، هل يمكن أن يكون الرجل الذي تلعنه الشيعة الإثنا عشرية ليل نهار هو جد أحد أئمتها؟
وهل يُعقل أن يفخر هذا الإمام الذي تعتقد الشيعة الإثنا عشرية فيه العصمة بمن تلعنه الشيعة الإثنا عشرية ويكنّ له كل التقدير والوفاء؟! أمر غريب بالفعل!
وهل يُعقل أن يطعن البحراني والشيرازي وأمثالهما في نسب وعِرض جد الإمام جعفر الصادق الذين يدّعون الانتساب إلى مذهبه؟! ذاك أمر أعجب!
لقد كان جعفر الصادق يفخر قائلاً: (لقد ولدني أبو بكر مرتين) (٣) وذلك لأنّ نسبه ينتهي إلى أبي بكر من طريقين:
الأول: عن طريق والدته أم فروة (قريبة) بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر.
الثاني: عن طريق جدته أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر (هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر.
стр. 415
ولم يكن أبو عبد الله ليفتخر بأبي بكر إلا لشرف هذا النسب وشرف الانتساب لرجل بإيمان أبي بكر وفي عطائه للإسلام والذب عن دين الله.
وفي ذلك يقول الشيخ الرضي:
وحُزْنا عتيقاً وهو غاية فخركم ... بمولد بنت القاسم بن محمد
يقول العلامة الشيعي محمد صالح الحائري المازندراني (١) في رسالته "منهاج عملي للتقريب": (إنّ الإمام جعفر بن محمد الصادق وولده المعصومين من ولد إمامهم الأعظم أبي بكر الصديق من قبل أمه، فإنّ أمه أم فروة بنت القاسم الفقيه ابن محمد بن أبي بكر وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصّديق، وهي بنت عم القاسم المذكور، فالإمام محمد بن علي الباقر صهر الصّديق على ابنة حفيده القاسم، وكان يقول جعفر بن محمد (ولدني أبو بكر مرتين) يعني بهما محمداً والقاسم) (٢).
ويقول المولى علي محمد التبريزي الأنصاري في "اللمعة البيضاء": (وإنه كان يقال للصادق ﵇ كثيراً: أنت ابن الصدّيق، لأنّ أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وزوجة القاسم كانت بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان (ع) يقول: ولدني أبو بكر مرتين) (٣).
لكن هذا الحفيد الذي تتناقل كتب الشيعة الإثنى عشرية افتخاره بجده أبي بكر هي ذاتها التي تتناقل سب وشتم جد إمامها وتتفاخر بلعنه! فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 416
حب الإمام علي للصحابة
بين ركام هائل من الروايات الشيعية الشاتمة لصحابة رسول الله، والأدعية اللاعنة لهم تبقى حقيقة لن تخفيها تلك المرويات، حقيقة الحب الذي يكنه علي بن أبي طالب لأصحاب رسول الله ﵌، تلك الذكريات وتلك المشاهد العظيمة التي شاركهم فيها جنباً إلى جنب، وبقيت في ذاكرته وأمام عينيه لحظة بلحظة وحادثة بحادثة، على عكس الأطروحة الشيعية التي لا تظهر علاقته بهم وبالأخص الخلفاء الثلاثة إلا بمظهر البغضاء والتنافر ولا تصوره إلا بصورة الحاقد الصامت الذي لا يتعامل معهم بحضرتهم إلا بتقية وحذر ولا يتحدث عنهم من ورائهم إلا بسوء ولعن وكلام يُنبئ عن رغبة في الانتقام!
الصورة الحقيقية الناصعة البياض تبقى وما سواها يطيش، إنها تتجلى في أهم كتاب عند الشيعة الإثني عشرية "نهج البلاغة"، تلك النصوص كفيلة بهدم الأطروحة القائمة على لعن وسب صحابة رسول الله والقول بردتهم وانقلابهم على أعقابهم من بعده!
ولنقف مع الإمام علي بن أبي طالب ﵁ وقفة تأمل وهو يصوّر لنا صحابة رسول الله كما رآهم وعاينهم، فيقول: (لقد رأيت أصحاب محمد فما أرى أحداً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سُجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأنّ بين أعينهم ركب المعزى (١) من طول سجودهم
стр. 417
إذا ذُكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء الثواب) (١).
وهو يتحسر على فراقهم ويرثيهم بعد موتهم كحال أي محب فارق من يحبه فيقول: (أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه وسلبوا السيوف أغمادها وأخذوا بأطراف الأرض أطرافها زحفاً زحفاً وصفاً صفاً، مُره العيون من البكاء، خُمص البطون من الصيام، ذُبل الشفاه من الدعاء، صُفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم، ونعضّ الأيدي على فراقهم) (٢).
نهج البلاغة والثناء العطر على عمر بن الخطاب !
قد يبدو غريباً أن يحتوي نهج البلاغة على مدح عمر بن الخطاب لكنها الحقيقة التي لم يستطع إغفالها حتى الشيخ الرضي مؤلف كتاب "نهج البلاغة" رغم انتسابه إلى الشيعة الإثني عشرية.
وهنا حُق للعاقل أن يتأمل هذه المسألة جيداً وأن يُذعن للحقيقة كي لا يكون ممن قال الله تعالى فيهم ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾؟ (٣)
هذا علي بن أبي طالب يخاطب عمر بن الخطاب بعد أن استشاره في غزو الروم فيقول: (إنك متى سرت إلى هذا العدو بنفسك، فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة (٤) دون
стр. 418
أقصى بلادهم. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً محرباً، واحفز معه أهل البلاء (١) والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تُحب، وإن تكن الأخرى، كنت ردأً (٢) للناس ومثابة (٣) للمسلمين) (٤).
ويخاطب عمر قائلاً: (فكن قطباً، واستدر الرحا بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكَلِبهم عليك وطمعهم فيك) (٥).
ويمدح عمر بن الخطاب ﵁ بعد موته قائلاً: (لله بلاء فلان (٦)، فلقد قوّم الأود (٧)، وداوى العمد (٨)، وأقام السنة، وخلّف الفتنة (٩) ذهب نقي الثوب، وقليل العيب.
стр. 419
أصاب خيرها، وسبق شرها. أدّى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه. رحل وتركهم في طرق متشعبة، لا يهتدي بها الضال، ولا يستيقن المهتدي) (١).
يقول ابن أبي الحديد تعليقاً على هذا النص في "شرحه لنهج البلاغة": (ويروى (لله بلاء فلان) أي: لله ما صنع، وفلان المكنى عنه عمر بن الخطاب، وقد وجدت النسخة التي بخط الرضي أبي الحسن جامع نهج البلاغة وتحت فلان عمر، حدثني بذلك فخّار بن معد الموسوي الأودي الشاعر.
وسألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي، فقال لي: هو عمر فقلت له: أيثني عليه أمير المؤمنين (ع) هذا الثناء، قال: نعم، أما الإمامية فيقولون إنّ ذلك من التقية واستصلاح أصحابه!!
وأما الصالحيون من الزيدية فيقولون إنه أثنى عليه حق الثناء ولم يضع المدح إلا في موضعه ونصابه.
وأما الجارودية من الزيدية فيقولون إنه كلام قاله في أمر عثمان أخرجه مخرج الذم له والتنقص لأعماله كما يُمدح الآن الأمير الميت في أيام الأمير الحي بعده فيكون ذلك تعريضاً به!!!
فقلت له: إلا أنه لا يجوز التعريض والاستزادة للحاضر بمدح الماضي إلا إذا كان ذلك المدح صدقاً لا يخالطه ريب ولا شبهة، فإذا اعترف أمير المؤمنين بأنه أقام السنة وذهب نقي الثوب قليل العيب وأنه أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه فهذا غاية ما يكون من المدح، وفيه إبطال قول من طعن في عثمان بن عفان، لم يجبني بشيء، وقال: هو ما قلت لك!
стр. 420
فأما الراوندي فإنه قال في الشرح: (إنه (ع) مدح بعض أصحابه بحسن السيرة وإنّ الفتنة هي التي وقعت بعد رسول الله من الاختيار والأثرة، وهذا بعيد لأنّ لفظ أمير المؤمنين يشعر إشعاراً ظاهراً بأنه يمدح والياً ذا رعية وسيرة، ألا تراه كيف يقول (فلقد قوّم الأود وداوى العمد وأقام السنة وخلف الفتنة) وكيف يقول (أصاب خيرها وسبق شرها) وكيف يقول (أدى إلى الله طاعته) وكيف يقول (رحل وتركهم في طرق متشعبة)) (١).
وليس هذا الثناء العطر حبيس تلك الكلمات فقد أثنى علي بن أبي طالب ﵁ على عمر بن الخطاب ﵁ بعبارات أخرى سطّرها التاريخ، ومنها قوله في نهج البلاغة: (ووليهم وال فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه) (٢).
يقول ابن أبي الحديد: (الجران مقدم العنق، وهذا الوالي هو عمر بن الخطاب) (٣).
وليس أدل على هذه العلاقة الطيبة المتينة بين عمر وعلي من تزويج علي ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب كما اعترفت بذلك كتب ومصادر الشيعة الإثني عشرية (٤).
стр. 421
هل يُسمّي الرجل أبناءه بأسماء أعدائه ؟!
ربما يتفاجأ كثير من عامة الشيعة اليوم عندما يطّلعون على حقيقة ظلت مخفية عنهم لزمن طويل، لم تخطر لهم على بال، بل هي عند الأكثرين من الاستحالة بمكان ما دامت مرتبطة بمحبة أبي بكر وعمر.
فعادة ما يُظهر علماء الشيعة الإثني عشرية علاقة أهل البيت بكبار صحابة رسول الله (أبي بكر وعمر) وغيرهم من الصحابة بمظهر البغض المتبادل لكننا أمام دليل ملموس على نوع خاص من المعزّة والتقدير، يعبّر فيها أهل البيت عن حبهم وإجلالهم لأصحاب رسول الله حين يسمّون أبناءهم وبناتهم بأسماء ارتبطت ذهنياً عند الشيعة الإثني عشرية بالنفاق والكفر والانقلاب على الأعقاب.
فقد سمّى الإمام علي ابناً له من ليلى بنت مسعود بن خالد التميمية باسم (أبي بكر) (١) وابناً آخر له من أم حبيب بنت ربيعة باسم (عمر) (٢) وابناً آخر له من أم البنين بنت حزام بن خالد باسم (عثمان) (٣).
وسمّى الإمام الحسن ابنه أبا بكر (٤)، وذكر الطبرسي ابناً آخر له أسماه الإمام الحسن باسم (عمر) (٥).
стр. 422
أما الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) فقد سمّى أحد أبنائه باسم (عمر) (١).
كل ذلك تبركاً وتيمناً بصاحبي رسول الله ﵌ (أبي بكر وعمر).
وقد سمّى الإمام موسى بن جعفر (الكاظم) إحدى بناته (عائشة) (٢)، وذكر الأربلي في كشف الغمة أنّ من أبناء هذا الإمام الجليل (عمر) (٣).
وقد ائتسى الإمام علي بن موسى (الرضا) بأبيه الكاظم فسمّى ابنته بـ (عائشة) (٤).
وكذلك فعل الإمام علي بن محمد (الهادي) فسمّى ابنته عائشة (٥).
كل هذه الحقائق مذكورة ومسطرة في كتب الشيعة.
إنّ كل ذلك يؤكد أنّ الشيعة الإثني عشرية لا يقفون من الصحابة موقف أهل البيت من الصحابة، وإلا فهل من الشيعة من يرضى أن يُسمي ولده أبا بكر أو عائشة ما دام أهل البيت فعلوا ذلك؟ أم أنّ هذا خطأ آخر ارتكبه الأئمة يُضاف إلى جانب خطئهم في مبايعة أبي بكر وعمر وتنازل الحسن عن الخلافة!!
إننا بهذا نضع (حب الشيعة الإثني عشرية لأهل البيت) تحت الاختبار والمحك: فهل يقتدي الشيعة الإثنا عشرية بأهل البيت في تسمية أبنائهم بأسماء أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة كما فعل أهل البيت حسبما تروي كتب الشيعة الإثنى عشرية أنفسهم؟
فإن لم يفعلوا ذلك كان حبهم لأهل البيت ضرباً من الادعاء وما أسهل الدعاوى.
стр. 423
مالك الأشتر والشيخين أبو بكر وعمر
وهذا مالك الأشتر النخعي صاحب علي بن أبي طالب ﵁ المقرب كما تسّطر كتب التاريخ، يثني على الشيخين أبي بكر وعمر ثناء عطراً، لا يكاد يُذكر أو يُشار إليه في المجالس الحسينية التي لا تخلو عادة من الطعن في الشيخين والحديث عن الخلافة المغتصبة! كحال بعض أسماء شهداء كربلاء من آل علي وآل الحسين الذين حملوا أسماء أبي بكر وعمر اللذين تتهمهما الشيعة الإثنا عشرية الإمامية بأنهم أعداء أهل البيت!
فقد خطب الأشتر في الناس قائلاً: (أيها الناس، إنّ الله ﵎ بعث فيكم رسوله محمداً ﵌ بشيراً ونذيراً وأنزل عليه كتاباً بيّن فيه الحلال والحرام والفرائض والسنن، ثم قبضه إليه وقد أدى ما كان عليه، ثم استخلف على الناس أبا بكر فسار بسيرته واستن بسنته، واستخلف أبو بكر عمر فاستن بمثل تلك السنة) (١).
ويقول في خطبة أخرى: (أما بعد، فإنّ الله ﵎ أكرم هذه الأمة برسوله محمد ﵌ فجمع كلمتها وأظهرها على الناس، فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث، ثم قبضه الله إلى رضوانه ومحل جنانه ﵌ كثيراً، ثم ولي من بعد قوم صالحون عملوا بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﵌ وجزاهم بأحسن ما أسلفوا من الصالحات) (٢).
стр. 424
بيعة الرضوان تشهد لعثمان بن عفان بالرضوان
حين ينسى علماء ورواة الشيعة الإثني عشرية الإمامة قليلاً وينسون الرغبة بالتشفي في أصهار وأصحاب رسول الله ﵌ تظهر على السطح حقائقُ لم يكن لها أن تطفو أو أن ترى النور.
بيعة الرضوان ... تلك البيعة التي بايع بها رسول الله ﵌ أصحابه على القتال واضعاً يده الشريفة على يده الأخرى قائلاً (هذه لعثمان) بعد أن جاءه النبأ بمقتل عثمان ﵁.
حديث صحيح ومشهور لكني استبعدت أن يذكره الشيعة الإثني عشرية الذين أشبعوا عثمان سباً ولعناً وطعناً حتى لا تكاد تتصور أنهم يذكرونه بخير.
لكن حديثاً شيعياً مرّ بي أثناء القراءة من شأنه أن يغير نظرة الشيعي المنصف إلى عثمان بن عفان ﵁ وأن يبين قيمة عثمان ومكانته عند رسول الله وفي الإسلام بشكل عام.
روى الكليني في "الكافي" عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: (لما خرج رسول الله ﵌ في غزوة الحديبية خرج في ذي القعدة فلمّا انتهى إلى المكان الذي أحرم فيه أحرموا ولبسوا السلاح ... وكان رسول الله ﵌ أراد أن يبعث عمر فقال: يا رسول الله، إنّ عشيرتي قليل وإني فيهم على ما تعلم ولكني أدلّك على عثمان بن عفان فأرسل إليه رسول الله ﵌، فقال: انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشّرهم بما وعدني ربي من فتح مكة.
فلمّا انطلق عثمان لقي أبان بن سعيد فتأخر عن السرح، فحمل عثمان بين يديه ودخل عثمان فأعلمهم وكانت المناوشة، فجلس سهيل بن عمرو عند رسول الله صلى الله عليه وآله
стр. 425
وسلم وجلس عثمان في عسكر المشركين، وبايع رسول الله ﵌ المسلمين وضرب بإحدى يديه على الأخرى لعثمان، وقال المسلمون: طوبى لعثمان، قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ.
فقال رسول الله ﵌: ما كان ليفعل، فلمّا جاء عثمان، قال له رسول الله ﵌ أطفت بالبيت؟ فقال: ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله ﵌ لم يطف به) (١).
فقد بايع رسول الله ﵌ المسلمين من أجل عثمان وضرب باحدى يديه الشريفتين على الأخرى لعثمان ثم ترى ثقته بعثمان جلية وهو يرد على المسلمين قائلاً: (ما كان ليفعل) .. وفي هذا كله الدليل الساطع والبرهان القاطع على حب رسول الله ﵌ لعثمان وثقته به.
وانظر إلى فعل عثمان بن عفان وهو يقول: (ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله ﵌ لم يطف به) .. ما أعظم إكباره لرسول الله.