هل يُسمّي الرجل أبناءه بأسماء أعدائه ؟!
ربما يتفاجأ كثير من عامة الشيعة اليوم عندما يطّلعون على حقيقة ظلت مخفية عنهم لزمن طويل، لم تخطر لهم على بال، بل هي عند الأكثرين من الاستحالة بمكان ما دامت مرتبطة بمحبة أبي بكر وعمر.
فعادة ما يُظهر علماء الشيعة الإثني عشرية علاقة أهل البيت بكبار صحابة رسول الله (أبي بكر وعمر) وغيرهم من الصحابة بمظهر البغض المتبادل لكننا أمام دليل ملموس على نوع خاص من المعزّة والتقدير، يعبّر فيها أهل البيت عن حبهم وإجلالهم لأصحاب رسول الله حين يسمّون أبناءهم وبناتهم بأسماء ارتبطت ذهنياً عند الشيعة الإثني عشرية بالنفاق والكفر والانقلاب على الأعقاب.
فقد سمّى الإمام علي ابناً له من ليلى بنت مسعود بن خالد التميمية باسم (أبي بكر) (١) وابناً آخر له من أم حبيب بنت ربيعة باسم (عمر) (٢) وابناً آخر له من أم البنين بنت حزام بن خالد باسم (عثمان) (٣).
وسمّى الإمام الحسن ابنه أبا بكر (٤)، وذكر الطبرسي ابناً آخر له أسماه الإمام الحسن باسم (عمر) (٥).
стр. 422
أما الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) فقد سمّى أحد أبنائه باسم (عمر) (١).
كل ذلك تبركاً وتيمناً بصاحبي رسول الله ﵌ (أبي بكر وعمر).
وقد سمّى الإمام موسى بن جعفر (الكاظم) إحدى بناته (عائشة) (٢)، وذكر الأربلي في كشف الغمة أنّ من أبناء هذا الإمام الجليل (عمر) (٣).
وقد ائتسى الإمام علي بن موسى (الرضا) بأبيه الكاظم فسمّى ابنته بـ (عائشة) (٤).
وكذلك فعل الإمام علي بن محمد (الهادي) فسمّى ابنته عائشة (٥).
كل هذه الحقائق مذكورة ومسطرة في كتب الشيعة.
إنّ كل ذلك يؤكد أنّ الشيعة الإثني عشرية لا يقفون من الصحابة موقف أهل البيت من الصحابة، وإلا فهل من الشيعة من يرضى أن يُسمي ولده أبا بكر أو عائشة ما دام أهل البيت فعلوا ذلك؟ أم أنّ هذا خطأ آخر ارتكبه الأئمة يُضاف إلى جانب خطئهم في مبايعة أبي بكر وعمر وتنازل الحسن عن الخلافة!!
إننا بهذا نضع (حب الشيعة الإثني عشرية لأهل البيت) تحت الاختبار والمحك: فهل يقتدي الشيعة الإثنا عشرية بأهل البيت في تسمية أبنائهم بأسماء أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة كما فعل أهل البيت حسبما تروي كتب الشيعة الإثنى عشرية أنفسهم؟
فإن لم يفعلوا ذلك كان حبهم لأهل البيت ضرباً من الادعاء وما أسهل الدعاوى.
стр. 423
مالك الأشتر والشيخين أبو بكر وعمر
وهذا مالك الأشتر النخعي صاحب علي بن أبي طالب ﵁ المقرب كما تسّطر كتب التاريخ، يثني على الشيخين أبي بكر وعمر ثناء عطراً، لا يكاد يُذكر أو يُشار إليه في المجالس الحسينية التي لا تخلو عادة من الطعن في الشيخين والحديث عن الخلافة المغتصبة! كحال بعض أسماء شهداء كربلاء من آل علي وآل الحسين الذين حملوا أسماء أبي بكر وعمر اللذين تتهمهما الشيعة الإثنا عشرية الإمامية بأنهم أعداء أهل البيت!
فقد خطب الأشتر في الناس قائلاً: (أيها الناس، إنّ الله ﵎ بعث فيكم رسوله محمداً ﵌ بشيراً ونذيراً وأنزل عليه كتاباً بيّن فيه الحلال والحرام والفرائض والسنن، ثم قبضه إليه وقد أدى ما كان عليه، ثم استخلف على الناس أبا بكر فسار بسيرته واستن بسنته، واستخلف أبو بكر عمر فاستن بمثل تلك السنة) (١).
ويقول في خطبة أخرى: (أما بعد، فإنّ الله ﵎ أكرم هذه الأمة برسوله محمد ﵌ فجمع كلمتها وأظهرها على الناس، فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث، ثم قبضه الله إلى رضوانه ومحل جنانه ﵌ كثيراً، ثم ولي من بعد قوم صالحون عملوا بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﵌ وجزاهم بأحسن ما أسلفوا من الصالحات) (٢).
стр. 424
بيعة الرضوان تشهد لعثمان بن عفان بالرضوان
حين ينسى علماء ورواة الشيعة الإثني عشرية الإمامة قليلاً وينسون الرغبة بالتشفي في أصهار وأصحاب رسول الله ﵌ تظهر على السطح حقائقُ لم يكن لها أن تطفو أو أن ترى النور.
بيعة الرضوان ... تلك البيعة التي بايع بها رسول الله ﵌ أصحابه على القتال واضعاً يده الشريفة على يده الأخرى قائلاً (هذه لعثمان) بعد أن جاءه النبأ بمقتل عثمان ﵁.
حديث صحيح ومشهور لكني استبعدت أن يذكره الشيعة الإثني عشرية الذين أشبعوا عثمان سباً ولعناً وطعناً حتى لا تكاد تتصور أنهم يذكرونه بخير.
لكن حديثاً شيعياً مرّ بي أثناء القراءة من شأنه أن يغير نظرة الشيعي المنصف إلى عثمان بن عفان ﵁ وأن يبين قيمة عثمان ومكانته عند رسول الله وفي الإسلام بشكل عام.
روى الكليني في "الكافي" عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: (لما خرج رسول الله ﵌ في غزوة الحديبية خرج في ذي القعدة فلمّا انتهى إلى المكان الذي أحرم فيه أحرموا ولبسوا السلاح ... وكان رسول الله ﵌ أراد أن يبعث عمر فقال: يا رسول الله، إنّ عشيرتي قليل وإني فيهم على ما تعلم ولكني أدلّك على عثمان بن عفان فأرسل إليه رسول الله ﵌، فقال: انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشّرهم بما وعدني ربي من فتح مكة.
فلمّا انطلق عثمان لقي أبان بن سعيد فتأخر عن السرح، فحمل عثمان بين يديه ودخل عثمان فأعلمهم وكانت المناوشة، فجلس سهيل بن عمرو عند رسول الله صلى الله عليه وآله
стр. 425
وسلم وجلس عثمان في عسكر المشركين، وبايع رسول الله ﵌ المسلمين وضرب بإحدى يديه على الأخرى لعثمان، وقال المسلمون: طوبى لعثمان، قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ.
فقال رسول الله ﵌: ما كان ليفعل، فلمّا جاء عثمان، قال له رسول الله ﵌ أطفت بالبيت؟ فقال: ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله ﵌ لم يطف به) (١).
فقد بايع رسول الله ﵌ المسلمين من أجل عثمان وضرب باحدى يديه الشريفتين على الأخرى لعثمان ثم ترى ثقته بعثمان جلية وهو يرد على المسلمين قائلاً: (ما كان ليفعل) .. وفي هذا كله الدليل الساطع والبرهان القاطع على حب رسول الله ﵌ لعثمان وثقته به.
وانظر إلى فعل عثمان بن عفان وهو يقول: (ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله ﵌ لم يطف به) .. ما أعظم إكباره لرسول الله.
стр. 426
شرف صحبة رسول الله
ما من صحبة أعظم في تاريخ البشرية من صحبة النبي ﵌، كم تمنيت وتمنى كل مسلم لو تشرّفت أعيننا وتكحلت برؤية المصطفى ﵌.
لكن مبغضي الصحابة الذين احترفوا تشويه الحقائق، وقلب الفضيلة إلى منقصة، جعلوا صحبة خير البشر محمد ﷺ واللقاء به والجلوس في مجلسه، صحبة مسلوبة القيمة والشرف ... بل تجرأ المفيد فشبّه صحبة الصحابة لرسول الله بصحبة البهيمة للعاقل!
يقول المفيد في احتجاجه على عدم دلالة الصحبة على فضل الصحابي:
(فإنّ اسم الصحبة يُطلق بين العاقل وبين البهيمة، والدليل على ذلك من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم لقول الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِه﴾ أنهم سمّوا الحمار صاحباً فقالوا:
إنّ الحمار مع الحمار مطيّة ... فإذا خلوت به فبئس الصاحب.
وأيضاً فقد سموا الجماد مع الحي صاحباً فقالوا ذلك في السيف وقالوا:
زرت هنداً وذاك غير اختيار * ومعي صاحب كتوم اللسان (يعني السيف)
فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر وبين العاقل والبهيمة وبين الحيوان والجماد فأي حجة لصاحبك فيه؟) (١)، فصحبتهم لرسول الله عند المفيد لا شرف لها ولا مقدار، فكما أنّ الكافر يصاحب المؤمن والعاقل يصاحب البهيمة، والحيوان يصاحب الجماد فكذلك حال الصحابة مع خير البشر محمد ﵌!
стр. 427
ولو سألت عاقلاً ما فضيلة الحجر الأسود لذكر لك من تلك الفضائل أنّ رسول الله ﵌ قد وضعه بيديه الشريفتين، وأنه ﵌ قد قبّله بفمه الطاهر، فيكفيه ذاك شرفاً.
وما قيمة الثوب الذي لبسه رسول الله أو النعل الذي انتعله؟ لقال لك يكفيهما شرفاً أن مسا جسد رسول الله ﵌.
فكيف بمن صحبه وجالسه وصلى خلفه وربما عانقه يوماً أو دافع عنه بنفسه وأهله وماله؟ هؤلاء عند المفيد وأمثاله بلا قيمة ولا شرف! بل صحبتهم لرسول الله وصحبة البهيمة للعاقل سواء!
إنّ فضيلة صحبة النبي ﵌ معلومة، لا يكاد يرتاب فيها وفي فضلها إلا من في قلبه مرض.
فمن الأدلة الصحيحة الصريحة على شرف هذه الصحبة ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أنّ النبي ﵌ قال: (يأتي على الناس زمان، يغزو فئام من الناس فيُقال لهم: فيكم من رأى رسول الله ﵌؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيُقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله ﵌؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيُقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﵌؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم) (١).
وقد ذكر الشيخ الطوسي في "الأمالي" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أخبر رسول الله ﵌ علياً بما يلقى بعده فبكى (ع)، وقال: يا رسول الله
стр. 428
أسألك بحقي عليك وقرابتي منك، وحق صحبتي إياك، لما دعوت الله أن يقبضني إليه ...) (١).
فهذا هو الإمام علي - كما تنص على ذلك هذه الرواية الشيعية - يسأل الرسول ﵌ بحق هذه الصحبة إلا دعا له، والمتعصبة الذين يدّعون التشيع لهذا الإمام الجليل يقللون من شأن هذه الصحبة ولا يعرفون لها قدرها ومنزلتها.
والمرء ليعجب من هؤلاء المتعصبة الذين يرددون دوماً وفي كل حين عبارة (يا ليتنا كنا معكم)، وهم يرجون من كل قلوبهم لو أنهم صحبوا الحسين ﵇ في ذهابه للعراق فنصروه وذبوا عنه، فيرى أحدهم في صحبته للحسين ابن رسول الله الشرف والقيمة، في حين يقف عند صحابة محمد ﵌ وهو خير الخلق والنبي الخاتم الذي أُرسل للناس كافة، وتمالأت عليه قوى الكفر فنصره هؤلاء وضحوا بدمائهم وأهليهم ووقفوا معه في أحلك الظروف، فيجعل هذا المتعصب صحبة هؤلاء لرسولنا الكريم كصحبة البهيمة للعاقل!
وقاحة ما بعدها وقاحة.
هذه قيمة صحبة رسول الله وهذه هي فضيلتها عند الغلاة الجفاة ... فإلى الله المشتكى .. ولا حول ولا قوة إلا بالله ...
стр. 429
المقدّس الأردبيلي - من الذي قدّسه ؟
إنّ الشيعة الإثني عشرية يعتبرون من لقي القائم المنتظر مقدّساً وفوق مرتبة الجرح والتعديل كما صرّح بذلك علي الحسيني الصدر في " الفوائد الرجالية ص١٤٠ - ١٤١" حيث يقول:
(إنّ من أمارات المدح ومن موجبات الاطمئنان بل مما يفيد علو الرتبة وكمال الوثاقة كون الراوي ممن تشّرف وفاز برؤية الطالع الأزهر للإمام المنتظر أرواحنا فداه فإنه لا تحصل هذه المكرمة إلا للأوحدي من الصالحين كما يستفاد من حديث أحمد بن إسحاق القمي الذي جاء فيه: (لولا كرامتك على الله وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا) فكل من أحرز جداً فوزه بهذه السعادة العظمى فهو ممن يحصل به الطمأنينة الوثقى .. وهم ثلة خيّرة وجماعة كثيرة نالوا هذه المرتبة في زمان الإمام العسكري (ع) ثم في أيام الغيبة الكبرى ... أما الذين تشرّفوا في أيام الغيبة الكبرى فهم كثيرون جداً ... جمع ذكرهم بعض الأعلام في كتب مستقلة كالبحراني في "تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي" والمحدّث النوري في "النجم الثاقب" و"جنة المأوى" والشيخ الميثمي العراقي في "تذكرة الطالب فيمن رأى الإمام الغائب" والجمال الطباطبائي في "بدائع الكلام فيمن اجتمع بالإمام" والميرزا الألماسي في "البهجة فيمن فاز بلقاء الحجة" والشيخ النهاوندي في "العبقري الحسان في تواريخ صاحب الزمان").
فالمحقق الأردبيلي هو أحد أولئك الذين نالوا شرف اللقاء بصاحب العصر والزمان، وقد ذكر قصة ذاك اللقاء المزعوم الخوانساري في "روضات الجنات ١/ ٨٨ " نقلاً عن شيخه المجلسي في " بحار الأنوار".
стр. 430
وقال الشيخ علي أصغر البروجردي في "طرائف المقال ٢/ ٣٩٩": (وهو من جملة من رأى القائم (ع) ومن جملة من انفتحت له أقفال الروضة المقدّسة وكلّمه الإمام في حكاية ذكرها السيد الجزائري في الأنوار النعمانية).
وكان من الواجب على الشيعة الإثني عشرية أن يعتبروا الصحابة مقدّسين أيضاً لأنه رأوا محمداً ﵌ الذي ينص الشيعة على أنه أفضل من القائم، لكن هؤلاء الصحب الكرام لا مكانة لهم عند الشيعة ولا احترام بل هم عندهم شرار الخلق والخليقة!
صحابة رسول الله كما تصورهم كتب الشيعة الإثني عشرية وعلماؤها
عندما كنت أتصفح كتب الشيعة الإثني عشرية وهي ترمي صحابة رسول الله مرة بالانقلاب على أعقابهم ومرة بالتآمر على الإمام علي والسعي إلى إزهاق روح الدين، كان يُخيل لي بأني أتصفح سيرة عتاة مكة وكفارها أمثال أبي جهل أو أبي لهب أو أمية بن خلف أو غيرهم لكن عيني ترى شيئاً آخر!
إنّ هذه الفئة الملعونة الظالمة الجارية وراء مصالحها كما تذكر ذلك كتب الشيعة الإثني عشرية ليست إلا الفئة التي قاتلت مع رسول الله في بدر وأحد والخندق وغيرها والتي صبرت وجاهدت وتركت الأهل والولد في سبيل رفعة هذا الدين!!!
وما أنقله هنا ما هو إلا نموذج بسيط لما يُقال في صحابة رسول الله ﷺ : يصفهم التيجاني السماوي (١) بقوله: (الصحابة أغضبوا رسول الله، استأجروا ضعفاء
стр. 431
العقول ليرووا لهم الأحاديث الموضوعة في فضائلهم، خالفوا أمر ربهم، انقلبوا على أعقابهم .. لا يستحقون ثواب الله ولا غفرانه، تثاقلوا عن الجهاد وركنوا إلى الدنيا، ارتدوا على أدبارهم بدّلوا وغيّروا وقالوا سمعنا وعصينا).
ويصفهم النوري الطبرسي فيقول: (الذين آمنوا بألسنتهم ليحقنوا دماءهم وهم بين جاهل غبي ومعاند غوي، ولاه عن الدين وتاه في شيع الأولين، وصارف همته في ترويج كفره، وجبار يخاف من مخالفة نهيه وأمره وليس فيهم من يُرجى خيره ويؤمن شره، لا يكاد يُشك أنهم أخس قدراً وأعجز تدبيراً وأضل سبيلاً وأخسر عملاً وأجهل مقاماً وأشر مكاناً وأسفه رأياً وأشقى فطرة) (١).
ويصفهم الخميني قائد الثورة الإيرانية والنائب السابق للإمام الغائب في كتابه كشف الأسرار ما ترجمته: (أولئك الصحابة الذين لم يكن يهمهم إلا الدنيا والحصول على الحكم دون الإسلام والقرآن، والذين اتخذوا القرآن مجرد ذريعة لتحقيق نواياهم الفاسدة، قد سهل عليهم إخراج تلك الآيات من كتاب الله التي تدل على خلافة الإمام علي بلا فصل، وعلى إمامة الأئمة، وكذلك تحريف الكتاب السماوي، وإقصاء القرآن عن أنظار أهل الدنيا على وجه دائم، بحيث يبقى هذا العار في حق القرآن والمسلمين إلى يوم الدين) (٢).
ويقول عنهم يوسف البحراني: (غير خفي - على ذوي العقول من أهل الإيمان وطالبي الحق من ذوي الأذهان - ما بُلي به هذا الدين من أولئك المردة المعاندين بعد موت سيد
стр. 432
المرسلين، وغصب الخلافة من وصيه أمير المؤمنين، وتواثب أولئك الكفرة عليه، وقصدهم بأنواع الأذى والضرر إليه) (١).
ويقول كلاماً آخر أقبح من سابقه: (اعلم أنه قد استفاضت الأخبار عن أهل العصمة ﵈ بارتداد الصحابة بعد رحلته صلى الله عليه وآله من بين أظهرهم، وهو مصداق قوله سبحانه ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٢) ومن المعلوم أنه ليس منشأ ذلك الارتداد إلا العكوف على عجل السامري (٣)، ونقض بيعة الوصي) (٤).
ويقول مرتضى محمد الحسيني النجفي: (إنّ الرسول ابتلي بأصحاب قد ارتدوا من بعده عن الدين إلا القليل) (٥).
ويقول نعمة الله الجزائري: (فإنّ أغلب الصحابة كانوا على النفاق لكن كانت نار نفاقهم كامنة في زمنه، فلمّا انتقل إلى جوار ربه برزت نار نفاقهم لوصيّه ورجعوا القهقرى، ولذا قال ﵇ (ارتد الناس كلهم بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا أربعة سلمان وأبو ذر والمقداد وعمّار) وهذا مما لا إشكال فيه!) (٦).
هذه هي الصورة التي يعرفها هؤلاء عن صحابة رسول الله، وقرآن المسلمين يعرف حقيقة أخرى ويجهر بها ليصك بها أسماعهم!
стр. 433
صورتان متضادتان
لا يحتاج المسلم التالي لكتاب الله الكريم أن يتجشم عناء دراسة علم التفسير حتى يستشعر التفاوت الكبير بل التضاد بين رؤية القرآن الكريم للصحابة وبين رؤية الشيعة الإثني عشرية لهم، بين الآيات التي تبشرهم بالجنان وبرضا الله عنهم وبين روايات الطعن فيهم واللعن لهم عند الشيعة الإثني عشرية.
تُرى هل كان رب العزة والجلال الذي مدحهم في القرآن يجهل من هم الصحابة وما سيفعلونه قبل مماتهم؟! كلا والله وحاشاه سبحانه عن هذا الإفك، إذاً كيف يمدحهم ويثني عليهم ويبشرهم بمغفرته ورضوانه وجنانه وهم مرتدون منقلبون على أعقابهم لم ينج منهم إلا القليل؟!!
هنا يكمن السؤال ... لكن استعراضاً سريعاً لبعض النصوص القرآنية يكفي لإدراك مدى تفاوت النظرتين:
١ - القرآن يترضى عن الصحابة والشيعة الإثنا عشرية تلعنهم!!!
قال ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (١).
فالآية صريحة الدلالة على رضاء الله عن المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وتبشيرهم بالفوز العظيم والخلود في جنات النعيم.
стр. 434
فأي عاقل يلعن من يترضى الله عنهم؟!!
وأي لسان يستطيع أن يشتم ويلعن من زكّاهم رب العالمين؟!
وأي ضمير يستطيع أن يقول بردتهم وقد وعدهم الله الذي لا يخلف الميعاد أنهم سيغادرون الدنيا إلى جنات تجري تحتها الأنهار وأنهم خالدين فيها أبداً وأنهم من الفائزين؟!
وقال سبحانه ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (١).
فمن أخبرنا الله سبحانه أنه علم ما في قلوبهم ورضي عنهم وأنزل السكينة عليهم فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ولا الشك فيهم البتة (٢).
وممن بايع تحت الشجرة كما هو معروف الخلفاء الراشدون وجميع من ينعتهم الشيعة الإثنا عشرية بالانقلاب على أعقابهم والردة من الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا متفق عليه عند السنة والشيعة الإثني عشرية.
فهل علم الشيعة الإثنا عشرية عن الصحابة ما لم يعلمه الله حين امتدحهم ثم تبين بعد ذلك أنهم غير أهلٍ للمدح؟!! هل كان مدحهم خطأ؟!! حاشا الله ذلك.
٢ - القرآن يعدهم بالحسنى والشيعة الإثنا عشرية تنزلهم منزلة أهل النفاق!!!
قال ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ (٣).
стр. 435
فوعد الله الصحابة الذين أنفقوا قبل الفتح وبعده بالحسنى، وقد حكم الله لمن وعد بالحسنى بالأمن من عذاب يوم القيامة بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ. لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ. لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١).
فهل بدا لله بعد ذلك أنّ من قال فيهم هذه الآيات لا يستحقونها وأنهم ارتدوا على أعقابهم وسلبوا علياً حقه في الخلافة وفعلوا وفعلوا؟!! أم نقول: صدق الله في جميع أقواله وكذب من قال بغير قوله؟
٣ - القرآن يفتخر بهم والشيعة الإثنا عشرية تتبرأ منهم!!!
قال تعالى ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٢).
فهل ذكر الله أوصافاً كهذه لصحابة رسول الله في التوراة التي يقرأها اليهود، والإنجيل الذي يقرأه النصارى تعظيماً لشأن الصحابة وافتخاراً بهم كخير صحب لخير نبي وهو سبحانه يعلم أنهم سيرتدون وينقلبون على أعقابهم ويثبتون عكس ما قيل فيهم في تلك الكتب السماوية لكي تُعطى الحجة بعد ذلك لليهودي والنصراني بأن يطعن في صدق نبوة
стр. 436
محمد ﵌ لأنّ أصحاب ذاك النبي المبشر عندهم مذكورون بالإيمان والصلاح والتقوى ونصرة الدين بينما أصحاب محمد مرتدون ومنقلبون على أعقابهم وهم ليسوا أشداء على الكفار ورحماء بينهم بل أشداء بينهم وأرأف بالكفار منهم بقرابة النبي ﵌!! هل كان الله يفتخر برجال لم يثبت على الإيمان منهم سوى سبعة؟!!
إنّ رجالاً كهؤلاء ممن لهثوا وراء الدنيا ونسوا نبيهم وكلام ربهم لعنة السماء أولى بهم فكيف يعدهم الله بالحسنى وبخير العاقبة؟!! بل كيف يفاخر بهم الأمم السابقة (اليهود والنصارى) وهم ليسوا أهلاً للفخر بل للاستحياء؟!!
٤ - الله يتوب عليهم ويغفر لهم زلاتهم والشيعة الإثنا عشرية لا تذكرهم إلا بتلك الزلات!!!
قال تعالى ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ (١) وقال تعالى ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَاخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).
فهذه الآيات تحدثت عن الصحابة وبيّنت سعة رحمة الله لمن أذنب منهم، وبيّنت كذلك إرادة الله ومحبته للتوبة عليهم وغفران ذنوبهم، وبيّنت بالمقابل ما يريده أرباب الشهوات والضلالة بأصحاب رسول الله من الميل.
стр. 437
ويُضاف إلى هذه الآيات العامة ما قاله تعالى فيمن أخطأ يوم أحد ففر من القتال كعثمان ابن عفان ﵁ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيم﴾ (١).
لكنك تجد الشيعة الإثني عشرية إلى اليوم يعيبون عثمان بن عفان ويذكرون من جملة هذه المعائب (فراره من أحد)!!
سبحان الله ... أما يكفي أن يعفو الله عنه؟!
من ذا الذي يستطيع أن يسلب العباد رحمة ربهم ويستبدل عفو الله لهم بسخطه فيُعيّرهم بذنوبهم وأخطائهم التى تجاوز الله عنها وندموا هم عليها؟
لو أنّ الله قد ملّك أحداً من البشر خزائن رحمته لما رأينا أحداً في الجنة ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُوراً﴾ (٢).
لكن قف عند قول الله ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣) وتفكّر، من ذا الذي يجرؤ على مخالفة ما يريده الله، فيريد في قرارة نفسه أن يفتك بهؤلاء الصحابة، لاعناً كبارهم شاتماً صغارهم، طاعناً في أعراض أمهاتهم (أمهات المؤمنين) ثم يدّعي بعد ذلك أنه متبع للقرآن والسنة وأهل البيت؟!
стр. 438
الطعن في الصحابة يستلزم الطعن في الدين الذي نقلوه لهذه الأمة
إنه لا يمكن لأحد أن يثبت تواتر القرآن أو السنة النبوية إلا عن طريق الصحابة، ولن يستطيع أحد إثبات أنّ القرآن الذي بين أيدينا هو نفسه الذي أُنزل على محمد دون الرجوع إلى الصحابة، وإذا ما وُجهت السهام إلى نقلة القرآن ونقلة السنة النبوية وقُدح في ذممهم وفي دينهم سقط اعتبار ما نقلوه وتطرق إليه الشك.
ولهذا قال الإمام أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﵌ فاعلم أنه زنديق، وذلك أنّ رسول الله ﵌ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحابُ رسول الله ﵌ وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة) (١).
كلمات ثقيلة العبارة ... شديدة الألفاظ ... لكن أبا زرعة لا يتصور من مسلم ينطق بالشهادتين ويؤمن بالقرآن وبسنة نبيه أن يشكك ويطعن في من نقل إليه هذا القرآن وهذه السنة ثم يدّعي بعد ذلك أنه مسلم يحب الإسلام ويقدّس القرآن والسنة!
إنّ الشيعة الإثني عشرية حينما يطعنون في عدالة الصحابة ويجرحونهم الليل والنهار لا يستطيعون أن يثبتوا بالمقابل تواتر القرآن الكريم من طريق غير طريق الصحابة، لأنّ من جمع القرآن هو أبو بكر والصحابة (الجمع الأول) ثم عثمان بن عفان والصحابة (الجمع الثاني) فإن كان هؤلاء منافقين فليبحث الشيعة حينئذ عن قرآن آخر!
стр. 439
ولو فرضنا جدلاً أنهم يُمكن نقل القرآن عن الإمام علي دون غيره من الصحابة فأين ذاك الإسناد الشيعي الذي يستند عليه الشيعة؟!
إنّ أهل السنة يفخرون بأنهم هم نقلة القرآن الكريم، ولديهم أسانيد متواترة للقرآن عن النبي ﵌ بينما ليس للشيعة ولو إسناد واحد ينقلون فيه القرآن عن آل البيت عن النبي ﵌ سوى أسانيد أهل السنة (١)!
وقد طُولِب علماء الشيعة مراراً وتكراراً بأن يأتوا بإسناد شيعي واحد للقرآن يبتدأ برواة الشيعة وينتهي إلى رسول الله ﵌ مروراً بأئمة أهل البيت فلم نسمع شيئاً ولن نسمع.
أما السنة النبوية وهي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام، فالطعن فيها آكد وأوضح، فقد أعرض الشيعة الإثني عشرية عن روايات الصحابة لأنهم منقلبون على أعقابهم، وتمسّكوا بروايات زرارة وأبي بصير وابن مسلم وأمثالهم من الكذّابين الوضّاعين الذين ابُتلي بهم أئمة أهل البيت!
ولعل في هذا ما يفسر ندرة الأحاديث المروية عن رسول الله ﵌ في كتب الحديث عند الشيعة الإثني عشرية في مقابل الأحاديث المروية عن الإمام علي أو الإمامين الباقر وجعفر الصادق!
حتى ليضطر المنصف إلى التساؤل: من هو الرسول المبلّغ عن الله تعالى الذي أُمرنا باتباعه؟ أمحمد بن عبد الله هو أم جعفر الصادق أم من؟ وما هي مكانة الرسول الذي نتكلم
стр. 440
عنه في المذهب الشيعي الإثني عشري؟ وأين تعاليمه؟ طالما حلّ محله غيره بهذا الشكل وصارت الكلمة للأئمة لا لرسول الأئمة وإمام الأئمة!
حاول بنفسك أن تتصفح أهم كتب الحديث عند الشيعة الإثني عشرية "الكافي، من لا يحضره الفقيه، تهذيب الأحكام، الاستبصار وغيرها" لترى قلة أحاديث رسول الله ﵌ مقارنة بأحاديث الإمامين الباقر والصادق، وتأمل كيف صارت سنة محمد ﵌ مهمّشة في هذه الكتب وصار الأصل هو سنة الإمام!
حتى الأحاديث القليلة المروية عن رسول الله لا يخلو الكثير منها من حيث السند من ضعف، فلو أمسكت كتب الجرح والتعديل عند الشيعة الإثني عشرية (١) ورحت تتفحص الروايات على قلّتها فإنه سيتضح لديك أنّ أغلب هذه الأحاديث ضعيفة السند!
بينما ترى بأم عينك الفارق حينما تتصفح كتب الحديث عند أهل السنة، حيث تجد نفسك تعيش مع رسول الله ﵌ في أقواله وعباراته وأوصافه، وتجد أنّ كلمات رسول الله هي الأصل وأنه الجوهر وكلمات غيره ثانوية يؤخذ منها ويُرد.
هذه حقيقة ملموسة، لا ينكرها إلا جاهل بكتب الحديث الشيعية المذكورة أو معاند مكابر.
إنّ غاية ما يبرر به علماء الشيعة هذه الفجوة الكبيرة بين الشيعة وبين رسول الله ﵌ وسنته هو حديث الإمام جعفر (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله وحديث رسول الله قول الله عز
стр. 441
وجل) (١) مع أنّ الحديث ضعيف عند علماء الشيعة أنفسهم لوجود (سهل بن زياد) الكذّاب (٢) في سنده!
أو ربما يستدلون بحديث جابر الجعفي وغيره أنّ الإمام جعفر الصادق قال: (والله لو كنا نحدث الناس أو حدثناهم برأينا لكنا من الهالكين ولكنا نحدثهم بآثار عندنا من رسول الله صلى الله عليه وآله يتوارثها كابر عن كابر نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم) (٣) مع أنّ هذه الرواية كافية بحد ذاتها لنسف المذهب كله، إذ كيف يكون رأي الإمام – الذي يُعتقد عصمته – موجباً للهلاك؟!
ثم ما هي تلك الكنوز التي ينسبها الشيعة الإثنا عشرية إلى الأئمة؟
أهي الروايات الشيعية المتواترة القائلة بتحريف القرآن (٤)؟!
стр. 442
أم تِلك الروايات التكفيرية لعموم المسلمين النافية لقبول أعمالهم عند الله تعالى (١)؟!
стр. 443
أم هي الفتاوى الجنسية الغريبة التي يستحي المرء من ذكرها (١)؟!
стр. 444
أم هي الروايات ذات النفس العنصري الشعوبي البغيض (١)؟!
أم هي المسمّاه بطب الأئمة والتي فيها من الخرافة والعجائب المضحكة ما فيها (١)؟!
стр. 447
لا بد من التمييز بين الصحبة اللغوية والصحبة الشرعية
لقد استغل أعداء أصحاب محمد ﵌ خلط كثير من الناس بين مفهوم الصحبة والصاحب في اللغة وبين إطلاقه الشرعي، بحيث أظهر الطاعن في الصحابة نفسه بمظهر الناصح الأمين المشفق على دين الله تعالى كما قال الله تعالى حاكياً عن الشيطان وهو يحاول جاهداً إقناع آدم ﵇ بالأكل من الشجرة بحجة أنه ناصح أمين له ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِين﴾ (١)، مسوح الضأن على قلوب الثعالب!
ولهذا وجب على المتصدّي لهذه الحملة الشرسة على أصحاب رسول الله ﵌ أن يقف عند هذه المسألة لتحرير القول فيها قبل الخوض فيما يليها.
ولهذا أقول وبالله التوفيق: إنّ الصحبة في اللغة واسعة النطاق، تشمل الصحبة الحقيقية من ملازمة ومصاحبة وتشمل كذلك الصحبة المجازية التي قد تُطلق مثلاً على من تمذهب بمذهب معين كقول القائل (أصحاب الشافعي، أصحاب أحمد ...) وكقول المجتهدين من العلماء عن نظرائهم من علماء المذهب ذاته الذين سبقوهم بقرون (قال أصحابنا)، وقد تُطلق ويُراد بها المعية فيقال (فلان بصحبة فلان) أي بمعيته.
وقد تُستخدم في الإضافة كأن يُقال (صاحب مال، صاحب علم ...)، وقد تُطلق ويُراد بها القائم على الشيء كنحو قول الله ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ (٢) أي وما جعلنا القائمين على النار إلا ملائكة.
стр. 448
ونظراً لهذا الاتساع في المعنى اللغوي للصحبة جاز أن تُطلق الصحبة اللغوية على الصحبة الحسنة والسيئة والحقيقية والمجازية والكثيرة واليسيرة.
فأُطلقت الصحبة اللغوية على صحبة المؤمن للكافر والعكس كقوله تعالى ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ (١) وقوله تعالى ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ (٢).
ويجوز في اللغة إطلاق لفظ (الصحبة) على المنافقين كقول النبي ﵌ في قصة المنافق عبد الله بن أبيّ بن سلول عندما طلب الصحابة من النبي ﵌ أن يقتله فلم يقبل النبي ﵌ وذكر لهم السبب وهو (حتى لا يتحدث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه) (٣)، وعبد الله بن أبيّ لا يعتبر صحابياً لأنه منافق لكن أُطلق عليه لفظ الصحبة هنا لأمرين:
الأول: إطلاق لغوي والإطلاق اللغوي لا يُعتبر فيه الإيمان من النفاق
стр. 449
الثاني وهو الأهم: أنّ رسول الله ﵌ قال: (حتى لا يتحدث الناس) والناس المشار إليهم هنا هم فئة مقابلة للصحابة، والقرآن الكريم حينما يخاطب أهل الإيمان كان يخاطبهم بقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وحينما كان يوجه الكلام للكفار أو للناس مؤمنهم وكافرهم كان خطابه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ والكفار هم أكثر الناس حرصاً على الطعن في رسول الله ودعوته ولذلك حينما يقتل النبي ﵌ عبد الله بن أبي، فلن يقول الكفار بأنه قد قتل منافقاً يستحق القتل بل سيُقال (إنّ محمداً يقتل أصحابه) حتى يصدون الناس عن قبول هذه الدعوة ومن الالتفاف حول رسول الله ﵌.
ويجوز في اللغة إطلاق الصحبة على العدو كقوله ﵌: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قلت- والكلام هنا لأبي بكرة ﵁: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) (١).
ويجوز إطلاق الصحبة في اللغة على من التقيت به مرة واحدة كقول النبي ﵌: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصحابه: اختر) (٢)، فسمى المشتري صاحب مع أنه قد يلتقي مرة واحدة مع البائع ويشتري منه السلعة.
ويجوز في اللغة إطلاق لفظة (الصحبة) على من لا يعرف صاحبه ولم يلتق به يوماً كما في حديث عبد الرحمن بن عوف أنه قال: (بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما فغمزني أحدهما، فقال: يا عمِّ! هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن
стр. 450
أخي؟ قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله ﵌، والذي نفسي بيده! لئن رأيته لا يُفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها، قال: فلم أنشبْ أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه، فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﵌ فأخبراه، فقال: أيكما قتله، فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: هل مسحتما سيفيكما، قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه ..) (١).
ولهذا لا يُعرف للصحبة اللغوية ضابط، ولو كان الصحابي يُعرف بالصحبة اللغوية لكنا نحن صحابة أيضاً إذ لا يُشترط في اللغة دائماً المصاحبة ولا اللقاء كما في حديث عبد الرحمن بن عوف السابق، ولكان من التقى برسول الله من اليهود والنصارى والمنافقين والمشركين صحابة أيضاً، لأنّ الصحبة اللغوية لا تشترط الايمان (٢).
стр. 451
هل في الصحابة منافقون ؟
لا أدري كيف يمكن أن ينسب الشيعة الإثنا عشرية النفاق إلى صحابة رسول الله ﵌ هكذا بكل سهولة وهم يقرأون قول الله تعالى في محكم كتابه العزيز عن المنافقين مخاطباً الصحابة ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُون﴾ (١).
قضية حسمها القرآن بكل وضوح، لكنا لا نزال نجادل فيها ونناقشها.
ولذا تقرر عند العلماء أنّ الصحابي هو من لقي رسول الله ﵌ مؤمناً ومات على الإيمان، أما المنافقون والمرتدون فلا يُعدون من الصحابة ولا كرامة، وقد يجوز إطلاق عليهم لفظ (الصحبة اللغوية) دون (الصحبة الشرعية) كنحو قول النبي ﵌ عن عبد الله بن أبيّ المنافق: (حتى لا يتحدث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه) (٢) مع علمه أنه منافق مندس بين صفوف المسلمين.
ومن الجهل بمكان أن يدّعي أحدهم أنّ رسول الله ﷺ كان يعدّ عبد الله ابن أبيّ المنافق صاحباً له، فأنت الذي لا تُقارن برسول الله إيماناً وورعاً وتقوى تتورع أن تعتبر المنافق صاحباً لك فكيف تنسب ذلك إلى خير الخلق وأورعهم وأتقاهم لله؟!
فتبين من ذلك أنّ رسول الله ﵌ أراد الصحبة اللغوية التي تعارف عليها الناس مؤمنهم وكافرهم دون الصحبة الشرعية التي علمناها من الشرع.
стр. 452
وقد أخبر المصطفى ﵌ أنّ هناك منافقين مندسِّين بين الجماعة المسلمة فقال: (في أصحابي إثنا عشر منافقاً، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيهم الدُّبيْلة) (١).
أما الشيعة الإثنا عشرية فوجهوا السهام نحو جماهير الصحابة فحكموا عليهم بالردة والضلال والانقلاب على الأعقاب واستثنوا أفراداً قيل إنهم لم ينقضوا العهد.
وهؤلاء الذين تمتدحهم الشيعة الإثنا عشرية لا يقلون عن ثلاثة ولا يتجاوزون السبعة كما بينت الروايات الشيعية:
فقد روى الكليني في "الكافي"عن حمران بن أعين قال (قلت لأبي جعفر (ع) جُعلت فداك ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟ قال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا – وأشار بيده ثلاثة) (٢) وهؤلاء الثلاثة هم المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي كما بينت رواية الكشي في رجاله (عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر ﵇ قال: كان الناس أهل الردة بعد النبي ﵌ إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي) (٣).
وهناك نصوص أخرى تشير إلى أنّ هؤلاء الثلاثة لحق بهم أربعة آخرون ليصل عدد المؤمنين في عصر الصحابة عند الشيعة الإثني عشرية إلى سبعة، ولكنهم لم يتجاوزوا هذا العدد، وهذا ما تتحدث عنه الروايات الشيعية حيث تقول (عن الحارث بن المغيرة النصري
стр. 453
قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله (ع) فلم يزل يسأله حتى قال له: فهلك الناس إذا؟ (١) فقال: إي والله يا ابن أعين هلك الناس أجمعون، قلت: من في الشرق ومن في الغرب؟ قال: فقال: إنها فتحت على الضلال إي والله هلكوا إلا ثلاثة، ثم لحق أبو ساسان (٢) وعمار (٣)، وشتيرة (٤)، وأبو عمرة (٥)، فصاروا سبعة) (٦).
وعن أبي جعفر (ع) قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي ﵌ إلا ثلاثة فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم، ثم عرف أناس بعد يسير، وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا وأبوا أن يبايعوا حتى جاؤوا بأمير المؤمنين ﵇ مكرهاً فبايع وذلك قول الله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِين﴾ (٧).
فكان كل أصحاب رسول الله ﵌ من أهل الردة غير (المقداد وسلمان الفارسي وأبي ذر) ثم أناب إلى الله بعد ذلك (أبو ساسان ثم عمار وشتيرة وأبو عمرة) فصاروا سبعة!
стр. 454
وتؤكد جملة من النصوص الشيعية على أنّ العدد لم يزد على ذلك لفترة من الزمان، قال أبو جعفر: (وكانوا سبعة، فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين ﵇ إلا هؤلاء السبعة) (١) وكان أبو عبد الله يُقسم على ذلك فيقول (فوالله ما وفى بها إلا سبعة نفر) (٢).
غير أنّ هؤلاء السبعة أو قُل الأربعة الأبرز فيهم (المقداد وسلمان وعمار وأبو ذر) لم يسلموا من الانتقاص المبطّن.
فعن عمرو بن ثابت قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إنّ النبي ﵌ لما قُبض ارتد الناس على أعقابهم كفاراً إلا ثلاثة: سلمان والمقداد وأبو ذر الغفاري، إنه لما قُبض رسول الله ﵌ جاء أربعون رجلاً إلى علي بن أبي طالب (ع) فقالوا: لا والله لا نعطي أحداً طاعة بعدك أبداً، قال: ولم قالوا إنا سمعنا من رسول الله ﵌ فيك يوم غدير، قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم، قال: فأتوني غداً محلقين قال: فما أتاه إلا هؤلاء الثلاثة، قال: وجاءه عمار بن ياسر بعد الظهر فضرب يده على صدره ثم قال له: ما آن لك أن تستيقظ من نومة الغفلة ارجعوا فلا حاجة لي فيكم، أنتم لم تطيعوني في حلق الرأس فكيف تطيعوني في قتال جبال الحديد، ارجعوا فلا حاجة لي فيكم (٣).
وعن ابن عيسى يرفعه إلى أبي عبد الله ﵇ قال: إنّ سلمان كان منه إلى ارتفاع النهار فعاقبه الله أو وجئ في عنقه حتى صيرت كهيئة السلعة حمراء، وأبو ذر كان منه إلى وقت الظهر فعاقبه الله إلى أن سلط عليه عثمان حتى حمله على قتب وأكل لحم أليتيه وطرده عن
стр. 455
جوار رسول الله ﵌، فأما الذي لم يتغير منذ قبض رسول الله ﵌ حتى فارق الدنيا طرفة عين فالمقداد بن الأسود، لم يزل قائماً قابضاً على قائم السيف عيناه في عيني أمير المؤمنين (ع) ينتظر متى يأمره فيمضي (١).
بل لم يكن التعامل بين هؤلاء النفر على نمط الأخوة المعتادة بين أهل الإيمان الواحد.
ففي رجال الكشي (قال أمير المؤمنين: يا أبا ذر، إنّ سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت رحم الله قاتل سلمان) (٢).
وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: قال رسول الله ﵌: (يا سلمان لو عُرض علمك على مقداد لكفر، يا مقداد لو عُرض علمك على سلمان لكفر) (٣).
وهو تعامل قائم على أساس التقية والكتمان لا على أساس المصارحة والوضوح، فعن جعفر عن أبيه (ع) قال: ذكرت التقية يوماً عند علي (ع) فقال: إن علم أبوذر ما في قلب سلمان لقتله، وقد آخى رسول الله بينهما فما ظنك بسائر الخلق) (٤) فحتى تلك الفئة المؤمنة والتي لا تتعدى سبعة نفر تتناكر قلوبها وتتعامل بالتقية مع بعضها البعض.
ثم لحق بركب هذه الفئة من المرتدين التائبين آخرون ذكرهم الكشي نقلاً عن الفضل بن شاذان فقال: (إنّ من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين ﵇ أبو الهيثم بن
стр. 456
التيهان وأبو أيوب وخزيمة بن ثابت وجابر بن عبد الله وزيد بن أرقم وأبو سعيد الخدري وسهل بن حنيف والبراء بن مالك وعثمان بن حنيف وعبادة بن الصامت ثم ممن دونهم قيس بن سعد بن عبادة وعدي بن حاتم وعمرو بن الحمق وعمران بن الحصين وبريدة الأسلمي وبشر بن كثير) (١).
فوفقاً لهذه الروايات يتضح للقارئ أنّ الصحابة المؤمنين في اعتقاد الشيعة الإثني عشرية – في بداية الأمر – إنما هم ثلاثة (المقداد وسلمان وأبو ذر) والبقية مرتدون أناب بعضهم وتابوا إلى الله فصاروا بعد ذلك في قسم الممدوحين المرضيّ عنهم (الصحابة المؤمنين)!
هذه حقيقة لا يعرفها كثير من عامة الشيعة الإثني عشرية وقد لمست هذا من خلال مناقشتي لكثير منهم ... يردد بعضهم اسم خزيمة بن ثابت وعماراً وأصحاب بدر الذين قاتلوا مع الإمام علي في صفين دون أن يدري أنّ هؤلاء جميعاً وفقاً لمرويات الشيعة الإثني عشرية كانوا أهل ردة مع باقي الصحابة ثم تابوا وأنابوا ورجعوا إلى الإمام بعد ذلك وأنّ منهم من تأخرت توبته حتى موقعة صفين!
أي إنه كان على الردة طول فترة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان!
ومن هؤلاء الصحابي خزيمة بن ثابت (ذو الشهادتين) الذي يفتخر به الشيعة الإثنا عشرية عادة.
ذكر عباس القمي في "منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل" عن البهائي في "الكامل" قوله: إنّ خزيمة بن ثابت وأبا الهيثم الأنصاريين كانا جديين في نصرة أمير المؤمنين (ع) في يوم
стр. 457
صفين، وإنه (ع) قال: مع أنهما خذلاني في أول أمرهما غير أنهما تابا أخيراً وعرفا سوء ما فعلا!) (١).
أما إذا أردنا أن نرى القسم الآخر من الصحابة وهم الذين يعتبرون عند الشيعة الإثني عشرية منافقين أو أرباب مصالح، فتحت هذا القسم يدخل جميع صحابة رسول الله ﵌ باستثناء السبعة الذين أشارت إليهم الروايات.
وهذه الحقيقة لم أكتشفها لوحدي بل قررها علماء الشيعة الإثني عشرية منذ زمن لكن عباراتهم لا تكاد تُذكر للناس حتى يعلموا الحقيقة الغائبة ويُدركوا أي ظلم ظلمه المذهب لأصحاب محمد ﵌.
يقول يوسف البحراني في "الشهاب الثاقب في معنى الناصب" بكل صراحة ووضوح: (ويدل على ما قلناه من هذا التفصيل ما سيأتيك في الأخبار بالنسبة إلى أصحاب الصدر الأول أنهم أصحاب ردة، وأنهم لم ينج منهم إلا القليل، ثم رجع بعض الناس بعد ذلك شيئاً فشيئاً) (٢).
ويقول آية الله العظمى محمد الوحيدي في "إحقاق عقائد الشيعة": (إنّ حديث ارتداد الناس بعد النبي ﵌ من الأحاديث المعتبرة المتواترة، ووجهه أنّ إنكار ضروري الدين والمذهب يوجب الارتداد، فلما كانت الإمامة والخلافة أصلاً من أصول الدين، ومما آتاه الرسول الأكرم ﵌ بالقطع فمن ردّ على الرسول الأكرم
стр. 458
صلى الله عليه وآله وسلم وأنكر ما جاء به يكون مرتداً بإجماع المسلمين. وهذا معنى ارتداد الناس بعد الرسول ﵌ إلا الثلاثة المذكورة (سلمان وأبوذر والمقداد)) (١).
والعجب كل العجب فيما قاله عبد الحسين شرف الدين في "الفصول المهمة" عن نظرة الشيعة الإمامية للصحابة حيث يقول بكل بساطة ودون أدنى اكتراث لهذه الروايات: (رأي الإمامية في هذه المسألة أوسط الآراء!! إذ لم يفرّطوا تفريط الغلاة، ولا أفرطوا إفراط الجمهور) (٢)، فبالله عليك، إذا كانت هذه هي الوسطية فكيف يكون الجور والبهتان؟!
ولك أن تتساءل: إذا كان صحابة رسول الله بهذا المستوى بحيث تكون الخيرة في قلة منهم بينما الكثرة الغالبة أرباب مصالح أو منافقون، فعن أي صحابة كان يتكلم القرآن ويمتدحهم غير مرة؟!
لا أظن أحداً سيغالط العقل والمنطق فيدّعي أنّ القرآن كان يمتدح تلك القلة القليلة التي لا تتجاوز السبعة فحسب.
لأنّ مجتمعاً فاسداً منقلباً على عقبيه يوجد به قلة صالحة لا يُحكم عليه كله بالخير ولا الصلاح ولا الفلاح، فكيف يتحدث القرآن عن الصحابة واصفاً إياهم بالصلاح والفلاح ومبشراً لهم بالجنة وهم بهذا المستوى؟!
فها هم أصحاب السبت (اليهود) الذين ذكرهم القرآن كان فيهم الصالح وفيهم المصلح وهم الأقلية، ومع ذلك أتاهم العذاب فنجىّ الله المصلحين منهم ومسخ الأكثرية الفاسدة وحكم على مجتمعهم بالفساد والخيبة واللعنة إلى يوم الدين.
стр. 459
فقال عز من قائل ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْت﴾ (١).
ولك أن تتساءل أيها القارئ ... إن كان أهل النفاق بهذه الكثرة وهذه العدّة، وكانت السطوة والكلمة لهم، فكيف انتشر الاسلام وكيف سقطت فارس والروم وفُتح بيت المقدس؟
ثم ما دام هؤلاء هم المنافقون فمالهم لم يتفقوا مع الكفار على القضاء على البقية الباقية التي لا يتجاوز عدد أفرادها عدد أصابع اليد الواحدة أو اليدين.
إنّ فئة المنافقين في عهد النبي ﵌ لم تكن مجهولة في مجتمع المدينة بل كانت فئة مفضوحة مخزية عُلم بعضها بعينه وعُرف البعض الآخر منها بالأوصاف المذكورة في القرآن.
فضحهم الله في سورتي (المنافقين، والتوبة) مبيناً حالهم ودسائسهم وما تكنه صدورهم تجاه رسول الله والمؤمنين، وقد سُميت سورة التوبة بالفاضحة والمدمدمة لما أظهرته من صفاتهم ونواياهم وبما أظهرته من حال من قابلهم من المؤمنين.
ومن يقرأ الآيات من قوله تعالى ﴿لاَ يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ (٢) إلى قوله تعالى ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِين﴾ فسيقف على صورة متكاملة لأهل النفاق يستطيع من خلالها أن يميز الخبيث من الطيب.
ويكفينا بياناً لهذا الفرق، كيف فضح الله المنافقين أمام الخلائق وبين حقيقتهم للناس بعد ما كان مكرهم سراً وفي الخفاء وذلك في قوله تعالى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم
стр. 460
مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (١).
والمنافقون معلومون بدليل أنهم بنوا مسجد الضرار فالمسجد معروف ومن بناه معروف.
وقد جاء تأييداً لهذا المعنى في تفسير العياشي (٢) تفسيراً لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ رواية سلام أنه قال: كنت عند أبي جعفر (ع) فدخل عليه حمران بن أعين فسأله عن أشياء فلما همّ حمران بالقيام قال لأبي جعفر (ع): أخبرنا أطال الله بقاك وأمتعنا بك إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا وتهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا؟
قال: فقال أبو جعفر (ع): إنما هي القلوب مرة يصعب عليها الأمر ومرة يسهل، ثم قال أبو جعفر (ع): أما إنّ أصحاب رسول الله ﵌ قالوا: يا رسول الله تخاف علينا النفاق؟، قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إنا إذا كنا عندك فذكّرتنا رُوّعنا ووجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا فيها حتى كأنّا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل والأولاد والمال نكاد أن نحوّل عن الحال التي كنا عليها عندك وحتى كأنّا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن