التيهان وأبو أيوب وخزيمة بن ثابت وجابر بن عبد الله وزيد بن أرقم وأبو سعيد الخدري وسهل بن حنيف والبراء بن مالك وعثمان بن حنيف وعبادة بن الصامت ثم ممن دونهم قيس بن سعد بن عبادة وعدي بن حاتم وعمرو بن الحمق وعمران بن الحصين وبريدة الأسلمي وبشر بن كثير) (١).
فوفقاً لهذه الروايات يتضح للقارئ أنّ الصحابة المؤمنين في اعتقاد الشيعة الإثني عشرية – في بداية الأمر – إنما هم ثلاثة (المقداد وسلمان وأبو ذر) والبقية مرتدون أناب بعضهم وتابوا إلى الله فصاروا بعد ذلك في قسم الممدوحين المرضيّ عنهم (الصحابة المؤمنين)!
هذه حقيقة لا يعرفها كثير من عامة الشيعة الإثني عشرية وقد لمست هذا من خلال مناقشتي لكثير منهم ... يردد بعضهم اسم خزيمة بن ثابت وعماراً وأصحاب بدر الذين قاتلوا مع الإمام علي في صفين دون أن يدري أنّ هؤلاء جميعاً وفقاً لمرويات الشيعة الإثني عشرية كانوا أهل ردة مع باقي الصحابة ثم تابوا وأنابوا ورجعوا إلى الإمام بعد ذلك وأنّ منهم من تأخرت توبته حتى موقعة صفين!
أي إنه كان على الردة طول فترة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان!
ومن هؤلاء الصحابي خزيمة بن ثابت (ذو الشهادتين) الذي يفتخر به الشيعة الإثنا عشرية عادة.
ذكر عباس القمي في "منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل" عن البهائي في "الكامل" قوله: إنّ خزيمة بن ثابت وأبا الهيثم الأنصاريين كانا جديين في نصرة أمير المؤمنين (ع) في يوم
стр. 457
صفين، وإنه (ع) قال: مع أنهما خذلاني في أول أمرهما غير أنهما تابا أخيراً وعرفا سوء ما فعلا!) (١).
أما إذا أردنا أن نرى القسم الآخر من الصحابة وهم الذين يعتبرون عند الشيعة الإثني عشرية منافقين أو أرباب مصالح، فتحت هذا القسم يدخل جميع صحابة رسول الله ﵌ باستثناء السبعة الذين أشارت إليهم الروايات.
وهذه الحقيقة لم أكتشفها لوحدي بل قررها علماء الشيعة الإثني عشرية منذ زمن لكن عباراتهم لا تكاد تُذكر للناس حتى يعلموا الحقيقة الغائبة ويُدركوا أي ظلم ظلمه المذهب لأصحاب محمد ﵌.
يقول يوسف البحراني في "الشهاب الثاقب في معنى الناصب" بكل صراحة ووضوح: (ويدل على ما قلناه من هذا التفصيل ما سيأتيك في الأخبار بالنسبة إلى أصحاب الصدر الأول أنهم أصحاب ردة، وأنهم لم ينج منهم إلا القليل، ثم رجع بعض الناس بعد ذلك شيئاً فشيئاً) (٢).
ويقول آية الله العظمى محمد الوحيدي في "إحقاق عقائد الشيعة": (إنّ حديث ارتداد الناس بعد النبي ﵌ من الأحاديث المعتبرة المتواترة، ووجهه أنّ إنكار ضروري الدين والمذهب يوجب الارتداد، فلما كانت الإمامة والخلافة أصلاً من أصول الدين، ومما آتاه الرسول الأكرم ﵌ بالقطع فمن ردّ على الرسول الأكرم
стр. 458
صلى الله عليه وآله وسلم وأنكر ما جاء به يكون مرتداً بإجماع المسلمين. وهذا معنى ارتداد الناس بعد الرسول ﵌ إلا الثلاثة المذكورة (سلمان وأبوذر والمقداد)) (١).
والعجب كل العجب فيما قاله عبد الحسين شرف الدين في "الفصول المهمة" عن نظرة الشيعة الإمامية للصحابة حيث يقول بكل بساطة ودون أدنى اكتراث لهذه الروايات: (رأي الإمامية في هذه المسألة أوسط الآراء!! إذ لم يفرّطوا تفريط الغلاة، ولا أفرطوا إفراط الجمهور) (٢)، فبالله عليك، إذا كانت هذه هي الوسطية فكيف يكون الجور والبهتان؟!
ولك أن تتساءل: إذا كان صحابة رسول الله بهذا المستوى بحيث تكون الخيرة في قلة منهم بينما الكثرة الغالبة أرباب مصالح أو منافقون، فعن أي صحابة كان يتكلم القرآن ويمتدحهم غير مرة؟!
لا أظن أحداً سيغالط العقل والمنطق فيدّعي أنّ القرآن كان يمتدح تلك القلة القليلة التي لا تتجاوز السبعة فحسب.
لأنّ مجتمعاً فاسداً منقلباً على عقبيه يوجد به قلة صالحة لا يُحكم عليه كله بالخير ولا الصلاح ولا الفلاح، فكيف يتحدث القرآن عن الصحابة واصفاً إياهم بالصلاح والفلاح ومبشراً لهم بالجنة وهم بهذا المستوى؟!
فها هم أصحاب السبت (اليهود) الذين ذكرهم القرآن كان فيهم الصالح وفيهم المصلح وهم الأقلية، ومع ذلك أتاهم العذاب فنجىّ الله المصلحين منهم ومسخ الأكثرية الفاسدة وحكم على مجتمعهم بالفساد والخيبة واللعنة إلى يوم الدين.
стр. 459
فقال عز من قائل ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْت﴾ (١).
ولك أن تتساءل أيها القارئ ... إن كان أهل النفاق بهذه الكثرة وهذه العدّة، وكانت السطوة والكلمة لهم، فكيف انتشر الاسلام وكيف سقطت فارس والروم وفُتح بيت المقدس؟
ثم ما دام هؤلاء هم المنافقون فمالهم لم يتفقوا مع الكفار على القضاء على البقية الباقية التي لا يتجاوز عدد أفرادها عدد أصابع اليد الواحدة أو اليدين.
إنّ فئة المنافقين في عهد النبي ﵌ لم تكن مجهولة في مجتمع المدينة بل كانت فئة مفضوحة مخزية عُلم بعضها بعينه وعُرف البعض الآخر منها بالأوصاف المذكورة في القرآن.
فضحهم الله في سورتي (المنافقين، والتوبة) مبيناً حالهم ودسائسهم وما تكنه صدورهم تجاه رسول الله والمؤمنين، وقد سُميت سورة التوبة بالفاضحة والمدمدمة لما أظهرته من صفاتهم ونواياهم وبما أظهرته من حال من قابلهم من المؤمنين.
ومن يقرأ الآيات من قوله تعالى ﴿لاَ يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ (٢) إلى قوله تعالى ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِين﴾ فسيقف على صورة متكاملة لأهل النفاق يستطيع من خلالها أن يميز الخبيث من الطيب.
ويكفينا بياناً لهذا الفرق، كيف فضح الله المنافقين أمام الخلائق وبين حقيقتهم للناس بعد ما كان مكرهم سراً وفي الخفاء وذلك في قوله تعالى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم
стр. 460
مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (١).
والمنافقون معلومون بدليل أنهم بنوا مسجد الضرار فالمسجد معروف ومن بناه معروف.
وقد جاء تأييداً لهذا المعنى في تفسير العياشي (٢) تفسيراً لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ رواية سلام أنه قال: كنت عند أبي جعفر (ع) فدخل عليه حمران بن أعين فسأله عن أشياء فلما همّ حمران بالقيام قال لأبي جعفر (ع): أخبرنا أطال الله بقاك وأمتعنا بك إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا وتهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا؟
قال: فقال أبو جعفر (ع): إنما هي القلوب مرة يصعب عليها الأمر ومرة يسهل، ثم قال أبو جعفر (ع): أما إنّ أصحاب رسول الله ﵌ قالوا: يا رسول الله تخاف علينا النفاق؟، قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إنا إذا كنا عندك فذكّرتنا رُوّعنا ووجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا فيها حتى كأنّا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل والأولاد والمال نكاد أن نحوّل عن الحال التي كنا عليها عندك وحتى كأنّا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن
стр. 461
يكون هذا النفاق؟ فقال لهم رسول الله ﵌: كلا! هذا من خطوات الشيطان ليرغبنكم في الدنيا، والله لو أنكم تدومون على الحال التي تكونون عليها وأنتم عندي في الحال التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقاً لكي يذنبوا ثم يستغفروا فيغفر لهم، إنّ المؤمن مفتن توّاب أما تسمع لقوله تعالى ﴿إنّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِين﴾ (١) وقال ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (٢)(٣).
لقد أبى الله إلا أن يميز الخبيث من الطيّب، وألا يترك الحقيقة معمّاه، فهو القائل في محكم كتابه ﴿مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب﴾ (٤).
يقول محمد جواد مغنية في تفسير هذه الآية: (اندس في صفوف المسلمين منافقون لمجرد الهدم والتخريب، وقد فرض سبحانه على النبي والمسلمين أن يعاملوا كل من نطق بكلمة الإسلام معاملة المسلمين، ومن أجل هذا حار رسول الله! وكيف يقبلهم وهم يفسدون ويعاكسون؟ فقال سبحانه للنبي وللمسلمين: مهلاً، سأسلط عليهم الأضواء حتى يفتضحوا أمام الناس، ولا يبقى لهم منفذ للكيد والإفساد) (٥).
стр. 462
ويتجلى هذا الافتضاح بما يجريه الله من البلاء الشديد حتى تظهر صورهم الحقيقية وتنكشف أمام المؤمنين، قال تعالى ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُون﴾ (١).
و (المراد بالفتنة هنا افتضاح المنافقين على الملأ، وإظهار حقيقتهم لدى الجميع، وذلك بأنّ الله سبحانه كان يخبر نبيه الأكرم بما يبيّتون ويمكرون، وكان النبي ﵌ بدوره يعاتبهم ويفضحهم، وقد تكرر هذا في كل عام مرة أو أكثر) (٢).
يقول الحافظ ابن كثير: (وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية، لأنّ مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه من الناس من كان يظهر الكفر مستكرهاً وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله ﵌ إلى المدينة وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم وكانوا ثلاث قبائل بنو قينقاع حلفاء الخزرج وبنو النضير حلفاء الأوس وبنو قريظة، فلما قدم رسول الله ﵌ المدينة وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج وقلّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ﵁ ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضاً لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تُخاف، بل قد كان ﵌ وادع اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر وأظهر الله كلمته وأعز الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبي بن سلول وكان رأساً في المدينة وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملّكوه
стр. 463
عليهم فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر الله قد توجه، فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته وآخرون من أهل الكتاب فمن ثم وُجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد نافق لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرهاً بل يهاجر فيترك ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة) (١).
و (إنّ من المعلوم بالاضطرار والمتواتر من الأخبار أنّ المهاجرين هاجروا من مكة وغيرها إلى المدينة، وهاجر طائفة منهم كعمر وعثمان وجعفر بن أبي طالب هجرتين: هجرة إلى الحبشة، وهجرة إلى المدينة، وكان الإسلام إذ ذاك قليلاً والكفار مستولون على عامة الأرض وكانوا يُؤذون بمكة ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى ما لا يعلمه إلا الله وهم صابرون على الأذى، متجرعون لمرارة البلوى، فارقوا الأوطان، وهجروا الخلان لمحبة الله ورسوله والجهاد في سبيله كما وصفهم الله تعالى بقوله ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون﴾ (٢).
وهذا كله فعلوه طوعاً واختياراً من تلقاء أنفسهم، لم يكرههم عليه مكره، ولا ألجأهم إليه أحد، فإنه لم يكن للإسلام إذ ذاك من القوة ما يُكره به أحد على الإسلام، وكان النبي ﵌ إذ ذاك – هو ومن اتبعه – منهيين عن القتال، مأمورين بالصفح والصبر فلم يسلم أحد إلا باختياره، ولا هاجر أحد إلا باختياره.
стр. 464
ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره من العلماء: إنه لم يكن من المهاجرين من نافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار لما ظهر الإسلام بالمدينة، ودخل فيه قبائل الأوس والخزرج، ولما صار للمسلمين دار يمتنعون بها ويقاتلون دخل في الإسلام من أهل المدينة وممن حولهم من الأعراب من دخل خوفاً وتقية، وكانوا منافقين.
كما قال تعالى ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ (١).
ولهذا إنما ذكر النفاق في السور المدنية، وأما السور المكية فلا ذكر فيها للمنافقين، فإنّ من أسلم قبل الهجرة بمكة لم يكن فيهم منافق، والذين هاجروا لم يكن فيهم منافق، بل كانوا مؤمنين بالله ورسوله، محبين لله ولرسوله، وكان الله ورسوله أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وأهلهم وأموالهم.
وإذا كان كذلك علم أنّ رميهم – أو رمي أكثرهم أو بعضهم – بالنفاق، كما يقوله من يقوله من الشيعة الإثني عشرية الإمامية من أعظم البهتان، وكذلك دعواهم عليهم الردة من أعظم الأقوال بهتاناً، فإنّ المرتد إنما يرتد لشبهة أو شهوة، ومعلوم أنّ الشبهات والشهوات في أوائل الإسلام كانت أقوى، فمن كان إيمانهم مثل الجبال في حال ضعف الإسلام، كيف يكون إيمانهم بعد ظهور آياته وانتشار أعلامه؟!
وأما الشهوة: فسواء كانت شهوة رياسة أو مال أو نكاح أو غير ذلك، كانت في أول الإسلام أولى بالاتباع، فمن خرجوا من ديارهم وأموالهم، وتركوا ما كانوا عليه من الشرف والعز حباً لله ورسوله، طوعاً غير إكراه، كيف يعادون الله ورسوله طلباً للشرف والمال؟!
стр. 465
ثم هم في حال قدرتهم على المعاداة، وقيام المقتضى للمعاداة، لم يكونوا معادين لله ورسوله، بل موالين لله ورسوله، معادين لمن عادى الله ورسوله، فحين قوي المقتضى للموالاة، وضعفت القدرة على المعاداة، يفعلون نقيض هذا؟! هل يظن هذا إلا من هو من أعظم الناس ضلالاً؟
وذلك أنّ الفعل إذا حصل معه كمال القدرة عليه، وكمال الإرادة له وجب وجوده، وهم في أول الإسلام كان المقتضى لإرادة معاداة الرسول أقوى، لكثرة أعدائه وقلة أوليائه، وعدم ظهور دينه، وكانت قدرة من يعاديه باليد واللسان حينئذ أقوى، حتى كان يعاديه آحاد الناس، ويباشرون أذاه بالأيدي والألسن.
ولما ظهر الإسلام وانتشر، كان المقتضى للمعاداة أضعف، والقدرة عليها أضعف، ومن المعلوم أنّ من ترك المعاداة أولاً، ثم عاداه ثانياً لم يكن إلا لتغير إرادته أو قدرته.
ومعلوم أنّ القدرة على المعاداة كانت أولاً أقوى، والموجب لإرادة المعاداة كان أولاً أولى ولم يتجدد عندهم ما يوجب تغير إرادتهم ولا قدرتهم، فعُلم علماً يقيناً أنّ القوم لم يتجدد عندهم ما يوجب الردة عن دينهم البتة، والذين ارتدوا بعد موته إنما كانوا ممن أسلم بالسيف، كأصحاب مسيلمة وأهل نجد، فأما المهاجرون الذين أسلموا طوعاً فلم يرتد منهم – ولله الحمد – أحد) (١).
стр. 466
عدالة الصحابة
عندما نتكلم عن مفهوم (العدالة) في حق صحابة النبي ﵌ فإننا أمام نوعين من العدالة، لا بد من تأملهما جيداً.
النوع الأول: عدالة الرواية، والثاني: عدالة السيرة.
فأما النوع الأول وهو (عدالة الرواية) فهو المعني عند أهل السنة والجماعة بمصطلح (عدالة الصحابة) لا غيره، وفي هذا يقول اللكنوي ﵀: (وقد تُطلق العدالة على التجنب عن تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها، وهذا المعنى هو مراد المحدّثين من قولهم: الصحابة عدول.
فقد قال السخاوي في "فتح المغيث": قال ابن الأنباري: ليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلّف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية إلا أن يثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك. انتهى.
وقال العلامة الدهلوي مؤلف "التحفة الإثنا عشرية" وغيرها: في بعض إفاداته: إنّ ما تقرر في عقائد أهل السنة أنّ الصحابة كلهم عدول قد تكرر ذكره غير مرة، ووقع في البحث والتفتيش عن معناه حضرة الوالد المرحوم (١) فتنقّح بعد البحث أنّ المراد بالعدالة في هذه الجملة ليس معناها المتعارف بل المراد العدالة في رواية الحديث لا غير، وحقيقتها التجنب عن تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها، ولقد تتبعنا سيرة الصحابة كلهم حتى من دخل
стр. 467
منهم في الفتنة والمشاجرات، فوجدناهم يعتقدون الكذب على النبي ﵌ أشد الذنوب، ويحترزون عنه غاية الاحتراز كما لا يخفى على أهل السير) (١).
قال العلامة المعلمي في رسالته "الاستبصار في نقد الأخبار ص١٦": (وقد كان العرب يتحاشون من الكذب، وتأكد ذلك فيمن أسلم، وكان أحدهم وإن رق دينه لا يبلغ به أن يجترئ على الكذب على الله ورسوله، وكانوا يرون أنّ أصحاب رسول الله ﵌ متوافرون، وأنه إن اجترأ أحد على الكذب افتُضح.
ولو قال قائل: إنّ الله ﵎ منع القوم من تعمد الكذب على نبيه ﵌ بمقتضى ضمانه بحفظ دينه ولا سيما مع إخباره بعدالتهم لما أبعد.
ومن تدبر الأحاديث المروية عمن يمكن أن يُتكلم فيه من الطلقاء ونحوهم ظهر له صدق القوم، فإنّ المروي عن هؤلاء قليل، ولا تكاد تجد حديثاً يصح عن أحد منهم إلا وقد صح بلفظه أو معناه عن غيره من المهاجرين والأنصار، وقد كانت بين القوم إحن بعد النبي ﵌ فلو استساغ أحد منهم الكذب لاختلق أحاديث تقتضي ذم خصمه، ولم نجد من هذا شيئاً صحيحاً صريحاً.
وفوق هذا كله فأهل السنة لم يدعوا عصمة القوم، بل غاية ما ادعوه أنه ثبت لهم أصل العدالة ثم لم يثبت ما يزيلها، والمخالف يزعم أنه قد ثبت عنده في حق بعضهم ما يزيل العدالة فانحصر الخلاف في تلك الأمور التي زعمها، فإذا أثبت أهل السنة أنها لم تصح وأنّ ما صح منها لا يقتضي زوال العدالة استتب الأمر.
стр. 468
فأما من ثبتت شهادة النبي ﵌ له بالمغفرة والجنة فقد تضمن ذلك تعديلهم أولاً وآخراً، والله الموفق).
أقول: ولهذا النوع من العدالة شاهد من كلام أهل البيت في كتب الشيعة الإثني عشرية يتجاهله المتجاسرون على الصحابة عن قصد أو جهل لما فيه من الدلالة على ما ذكرناه.
فقد روى الكليني في الكافي عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله (ع): ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب ثم يجيئك غيري فتجبيه فيها بجواب آخر؟ فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان، قال: قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول الله ﵌ صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا، قال: قلت فما بالهم اختلفوا؟ فقال: أما تعلم أنّ الرجل كان يأتي رسول الله ﵌ فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثم يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً) (١).
فهذه شهادة صريحة تنقلها كتب الإمامية عن الإمام جعفر الصادق، ينص فيها على صدق الصحابة ﵃ وانتفاء الكذب عنهم، فمن ادّعى الانتساب إلى مذهب هذا الإمام فلا بد له أن يُذعن لشهادته هذه وإلا كانت دعواه الانتساب لمذهبه كذباً محضاً.
والحقيقة أنه لم ينقل عن الإمام جعفر الصادق – في كتب الإمامية- في الشهادة بعدالة الصحابة هذه الرواية فحسب، فمن الروايات الحاكمة بعدالة صحابة النبي ﵌ أيضاً ما رواه ابن بابويه القمي عن إلإمام جعفر الصادق أنه قال: خطب رسول الله ﵌ الناس بمنى في حجة الوداع في مسجد الخيف فحمد الله وأثنى
стр. 469
عليه، ثم قال: نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، ثم بلّغها إلى من لم يسمعها فرُبّ حامل فقه غير فقيه وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله والنصيحة لأئمة المسلمين واللزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم. المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم (١).
فإن لم يكن الصحابة عدولاً، فكيف يأتمنهم رسول الله ﵌ على تبليغ كلامه إلى من لم يسمعه؟!
إنّ الشهادة لا يصلح لها إلا العدل، وإنّ النبي ﵌ قد شهد لصحابته بهذا النص بأنهم أهل للنقل عنه دون قيد أو شرط.
هذا ما يخص (عدالة الرواية)، وبقي الحديث عن النوع الثاني من العدالة وهو (عدالة السيرة) (٢) فإنه يتطلب منا بعض الوقفات الهامة التي من شأنها أن توصل القارئ الكريم إلى حقيقة الأمر.
стр. 470
الوقفة الأولى:
إنّ الإيمان بأصالة عدالة الصحابة بمفهومها الثاني (عدالة السيرة) مرده إلى ثناء الله تعالى ونبيه ﵌ على الصحابة الكرام.
فقد قال الله تعالى فيهم ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (١).
وقال عز من قائل ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٢).
وقال فيهم أيضاً ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُون﴾ (٣).
وبمثل هذا الثناء العطر جاءت الأحاديث عن النبي ﵌.
стр. 471
فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة عن أبيه قال: صلينا مع رسول الله ﵌، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي العشاء، قال: فجلسنا فخرج علينا، فقال: ما زلتم ههنا؟ قلنا: يا رسول الله، صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم أو أصبتم، قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) (١).
وورد الحديث ذاته من طريق الشيعة عن الإمام موسى الكاظم عن آبائه (ع) عن النبي ﵌ قال: (أنا أمنة لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني) (٢).
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: سُئل رسول الله ﵌: أي الناس خير؟ قال: قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه، وتبدر يمينه شهادته) (٣).
стр. 472
وبسبب ما تضمنته هذه الآيات والأحاديث وغيرها من الثناء على صحابة رسول الله ﵌ مطلقاً، تظافرت الروايات عن أئمة أهل البيت في الثناء على الصحابة بما هم أهل له.
فهذا الإمام علي بن أبي طالب يذكر الصحابة فيثني عليهم قائلاً: «لقد رأيت أصحاب محمد ﵌ فما أرى أحدًا يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثًا غبراً وقد باتوا سجدًا وقيامًا، يراوحون بين جباههم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأنّ بين أعينهم ركب المعزى (١) من طول سجودهم، إذا ذُكِر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفًا من العقاب ورجاء للثواب» (٢).
وهذا هو حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن العباس ﵁ يقول عن صحابة رسول الله ﵌: (إنّ الله – جل ثناؤه وتقدست أسماؤه – خصّ نبيه محمداً ﵌ بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٣) قاموا بمعالم الدين وناصحوا
стр. 473
الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وقويت أسبابه وظهرت آلاء الله، واستقر دينه ووضحت أعلامه، وأذل بهم الشرك، وأزال رؤوسه ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله العلياء وكلمة الذين كفروا السفلى فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزكية والأرواح الطاهرة العالية فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها) (١).
فهذه الصفات التي وصفهم بها عبد الله بن عباس ﵁ كلها مناقب وثناء حسن يذكرون به في الآخرين وقد كانوا ﵃ كما وصفهم، فقد خصهم الله تعالى وشرفهم بصحبة نبيه ﵊، وآثروه بأموالهم وأنفسهم، وأقاموا معالم الدين الإسلامي الحنيف، ونصحوا للأمة واجتهدوا في نشر الإسلام وتثبيت دعائمه حتى استقر في الأرض وأذل الله بهم الشرك وأهله وأزيلت رؤوسه، ومحيت دعائمه وأعلى الله بهم كلمته ودحر بهم كلمة الباطل، وبذلك كانت نفوسهم زكية وأرواحهم طاهرة فكانوا أولياءَ لله في هذه الحياة الدنيا فرضوان الله عليهم أجمعين.
أما الإمام علي بن الحسين فكان يذكر أصحاب رسول الله ﵌ ويدعو لهم في صلاته بالرحمة والمغفرة لنصرتهم سيد الخلق في نشر دعوة التوحيد وتبليغ رسالة الله إلى خلقه فيقول: (فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان، اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا
стр. 474
بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الحق عليك، وكانوا من ذلك لك وإليك، واشكرهم على هجرتهم فيك ديارهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ومن كثرة في اعتزاز دينك إلى أقله، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحروا جهتهم، لو مضوا إلى شاكلتهم لم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام بهداية منارهم مكانفين ومؤازرين لهم يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم) (١).
وأما الإمام زيد بن علي بن الحسين، فقد ذكر الإمام (المنصور بالله) عبد الله بن حمزة –وهو من أئمة الزيدية الكبار – في كتاب له اسمه (جواب المسائل التهامية) نظرته للصحابة فقال: (فإنه ﵇ أثنى عليهم على الإجمال وعدّد مزاياهم على غيرهم) ثم قال: (فهم خير الناس على عهد رسول الله ﵌ وبعده فرضي الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خيراً، ثم قال: فهذا مذهبنا لم نخرجه غلطة ولم نكتم سواه تقية، ومن هو دوننا مكاناً وقدرة يسب ويلعن ويذم ويطعن ونحن إلى الله – سبحانه – من فعله براء، وهذا ما يفضي به علم آبائنا منا إلى علي ﵇ إلى قوله: (وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء سب الصحابة ش والبراء منهم، فيبرأ من محمد ﵌ من حيث لا يعلم وأنشد: ... وإن كنت لا أرمي وترمي كنانتي ... تصب جائحات النبل كشحي ومنكبي (٢)(٣)
стр. 475
وأما الإمام جعفر الصادق فقد نقل عنه ابن بابويه القمي أنه وصف أصحاب رسول الله ﵌ يوماً فقال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله اثني عشر ألفاً، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم يُر فيهم قدريّ ولا مرجي ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير) (١).
فإذا لم يكن في الصحابة مرجيء ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، فكيف يكون فيهم من هو أشد من هذا وذاك (المنافق!) كما يدّعي المتطرفون؟!
إنّ ما يحكيه الإمام الصادق في هذه الرواية هو عين التزكية القرآنية التي جاءت لتمدح صحابة رسول الله ﵌ وتبشرهم برضا الله عليهم وبجنان الخلد، فأين هذا كله من الروايات السقيمة التي تدّعي ارتداد صحابة رسول الله إلا بضعة رجال لا يتجاوزن عدد أصابع اليدين العشرة!
ولهذا كان من الوصايا التي حفظها الإمام الصادق عن آبائه عن الإمام علي قوله: «أوصيكم بأصحاب نبيكم لا تسبوهم، الذين لم يحدثوا بعده حدثًا، ولم يؤووا محدثًا؛ فإنّ رسول الله أوصى بهم الخير» (٢).
أما حفيده الإمام العسكري فموقفه تجاه الصحابة لا يختلف عن موقف سائر أهل البيت فهو القائل: «لما بعث الله تعالى موسى بن عمران واصطفاه نجيًا، وفلق له البحر، ونجَّى بني إسرائيل، وأعطاه التوراة والألواح رأى مكانه من ربه تعالى، فقال موسى: يا رب، فإن كان
стр. 476
آل محمد كذلك، فهل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله تعالى: يا موسى، أما علمت أنّ فضل صحابة محمد على جميع صحابة المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل النبيين، وكفضل محمد على جميع النبيين، فقال موسى: يا رب، ليتني كنت أراهم! فأوحى الله إليه: يا موسى، إنك لن تراهم، فليس هذا أوان ظهورهم، ولكن سوف تراهم في الجنات -جنات عدن والفردوس- بحضرة محمد، في نعيمها يتقلبون، وفي خيراتها يتبحبحون» (١).
الوقفة الثانية:
إنّ القول بعدالة سيرة الصحابة رضوان الله عليهم لا يعني أنهم معصومون من المعاصي والمخالفات، أو أنهم لا يخطئون ولا يغلطون، بل هم كسائر الناس من بني آدم في الطبائع والنقص البشري.
فقد قال النبي ﵌ كما في صحيح مسلم: (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) (٢).
وقال ﵌ أيضاً في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَم﴾ (٣): (إن تغفر اللهم، تغفر جمّاً، وأي عبد لك لا ألمّا) (٤).
стр. 477
والواقع يصدّق ما قلناه في الصحابة ﵃، فإنهم قد صدرت منهم معاصي لا تضر بعدالتهم ومن ورد في حقه منهم ارتكابه لكبيرة من الكبائر فإنه قد ورد عنه أيضاً إتباعها بتوبة صادقة أو بحد دنيوي مكفّر للذنب كالغامدية التي زنت ورجمها رسول الله ﵌، وكالرجل الذي كان يشرب الخمر ويؤتى به إلى رسول الله فأقام عليه الحد مراراً، والمخزومية التي سرقت، وحاطب بن أبي بلتعة الذي أخبر قريشاً بقدوم النبي ﵌ فاتحاً، وهؤلاء جميعاً تابوا إلى الله إما باستغفار وإنابة إلى الله أو بإقامة حد دنيوي، والحدود كفارات كما قال ﵌: (ومن أصاب شيئاً من ذلك (أي من الزنا أو السرقة أو قتل النفس بغير حق) فعوقب فهو كفارة له) (١)، ولذلك فالحديث عنهم بسوء أو استغلال هذه المعاصي التي تابوا منها لا في القدح فيهم فحسب بل لنقض عدالة غيرهم هو من الظلم البيّن بل من التجني!
يقول الألوسي – ﵀ – في "الأجوبة العراقية ص ٢٣ - ٢٤": " ليس مرادنا من كون الصحابة – ﵃ – جميعهم عدولاً: أنهم لم يصدر عن واحد منهم مفسَّق أصلاً، ولا ارتكب ذنباً قط، فإن دون إثبات ذلك خرط القتاد، فقد كانت تصدر منهم الهفوات .... " إلى أن قال: " ثم إنّ مما تجدر الإشارة إليه، وأن يكون الإنسان على علم منه: هو أنّ الذين قارفوا إثماً من أصحاب رسول الله – ﷺ – ثم حُدّوا هم قلة نادرة
стр. 478
جداً، لا ينبغي أن يُغَلَّب شأنهم وحالهم على الألوف المؤلفة من الصحابة ﵃ الذين ثبتوا على الجادة والصراط المستقيم، وحفظهم الله ﵎ من المآثم والمعاصي، ما كبُر منها وما صغر، وما ظهر منها وما بطن، والتاريخ الصادق أكبر شاهد على هذا".
وقد صرّح المجلسي في "بحار الأنوار" بما يؤكد كلامنا السابق من أنّ العدالة إذا زالت بارتكاب كبيرة فإنها تعود إلى صاحبها بعد تطبيق الحد الشرعي عليه أو توبته.
يقول المجلسي: (وإذا زالت العدالة بارتكاب ما يقدح فيها فتعود بالتوبة بغير خلاف ظاهراً، وكذلك من حُدّ في معصية ثم تاب رجعت عدالته وقُبلت شهادته، ونقل بعض الأصحاب إجماع الفرقة على ذلك) (١).
وما دامت المسألة كذلك، فلماذا يستمر مسلسل الطعن في عدالة الصحابة ويُعرض هؤلاء الصحابة كمثال للفساق - عياذاً بالله- وقد تاب الله عليهم؟!
محمد حسين فضل الله ومفهوم العدالة
مَنْ يتمسك ببعض الروايات المتضمنة لخطأ صحابي أو ذنب اقترفه يغالط نفسه ... إذ كل عدل يذنب وإلا كان معصوماً!
هذا بعد افتراض أنّ هذا الصحابي قد تعمد اقتراف الذنب مع معرفته بحكمه، وإلا فبعضهم اقترف بعض الذنوب لعدم بلوغه دليل التحريم أو بلغه لكنه تأوله على غير تأويله الصحيح ظناً منه بأنه المراد.
стр. 479
ولهذا أقول: لا يبحث عن زلات الصحابة أو عامة المؤمنين إلا من في قلبه مرض، إذ ليس من أخلاق المؤمنين الصادقين تتبع عثرات أهل الإيمان، فمن ذا الذي ما ساء قط، ومن ذا الذي له الحسنى فقط!
لقد شكى أحد مقلدي آية الله العظمى محمد حسين فضل الله له تشدد بعض العامة في عدالة إمام الجماعة بقوله: (يتوهم بعض الناس أنّ العدالة من الأمور التي يصعب إدراكها والتعرف عليها، وكثيراً ما يطلب الناس في إمام الجماعة صفات تقرّب من العصمة، فكيف نتثبت من عدالة الإمام، وهل يكفي ذكر أهل بلده له بالخير وكمال الدين ... رغم أنّ المخبرين ليسوا عدولاً؟
أجاب فضل الله: (العدالة ليست العصمة ... فقد يعصي المؤمن العادل ثم يتوب بعد انتباهه لذلك، على هدى قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُون﴾ (١) أما كيف تثبت العدالة، فذلك بحسن الظاهر في سلوكه العام في المجتمع، بحيث يرى الناس فيه الإنسان المستقيم في دينه وفي أخلاقه الفردية أو الاجتماعية المرتبطة بالحدود الشرعية، كما تثبت بالشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان وبخبر الثقة بعدالته ولا قيمة لخبر الفاسق في العدالة سلباً أو إيجاباً) (٢).
وهذا ما يقوله أهل السنة في صحابة رسول الله ... فإنهم لا يقولون بعصمتهم بل يقولون بأنهم مؤمنون يذنبون ويتوبون ... فلماذا تُعطى قضية عدالة الصحابة أكبر من حجمها الطبيعي؟
стр. 480
بعض أهل السنة أساءوا لمفهوم (العدالة)
وهذه حقيقة لا يستطيع أحد إنكارها ... فبعض المنتسبين لأهل السنة لما رأوا ما في كلام الشيعة الإثني عشرية من الطعن في أصحاب رسول الله والقول بردتهم ورأوا السباب والشتائم والأدعية المتضمنة للعن الشيخين أبي بكر وعمر (١)، ورأوا بالمقابل عبارات مُجملة لقدماء علماء أهل السنة في التنصيص على عدالة الصحابة بجُملتهم، تمسكوا بحرفية تلك العبارات دون فهم المراد منها والتفصيل اللازم لها، فصار هؤلاء يشنّعون على من يضع الأمور في نصابها، وقد ساهم هؤلاء المتعصبة للأسف الشديد في إيجاد فجوات وثغرات في
стр. 481
موضوع عدالة الصحابة حتى اعترى بعض العامة الشك في عدالة صحابة نبيهم ووجدوا إلى ذلك سبيلاً ما كانوا ليجدونه لو التزموا الفهم الصحيح لمفهوم العدالة.
فالقول بعدالة سيرة الصحابة إجمالاً لا يعني خروج الآحاد منهم عنها لأدلة شرعية أو لفسق ظاهر لا يحتمل التأويل وإحسان الظن بهم.
قال الأمير الصنعاني في "توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار ٢/ ٤٣٦": (وأهل الحديث وإن أطلقوا القول بعدالة الصحابة كلهم عند الإجمال فإنهم يستثنون من هذه صفته عند تفاصيلهم لأفراد الصحابة وإنما لم يذكروه في مقام الإجمال لندوره، فنزّلوا النادر منزلة العدم فإنهم قدبينوا ذلك الاستثناء في كتب معرفة الصحابة).
وقال أيضاً في "أصول الفقه المسمى إجابة السائل شرح بغية الآمل": (وأئمة الحديث وإن أطلقوا بأنّ الصحابة كلهم عدول فقد بيّنوا أنه من العام المخصوص وخرّجوا جماعة منهم مثل الوليد بن عقبة وغيره كما بيّنه السيد محمد في التنقيح وزدناه توضيحاً في شرحنا في التوضيح، وأما الأدلة على عدالة الصحابة فكثيرة جداً قد استوفيناها في التوضيح أيضاً من آيات قرآنية وأحاديث نبوية.
واعلم أنّ الذي نختاره أنّ الأصل عدالة الصحابة إلا من ظهر اختلالها منه بارتكاب مفسق وهم قليل كما أفاده النظم، وهذا الذي ذهب إليه أئمة أهل البيت ... وهذا بعينه هو مذهب المحدثين كما قرره السيد محمد في العواصم والتنقيح) (١).
стр. 482
أقول: وبالمثال تتجلى الصورة، فلو أنك قلت (كل أهل السودان طيبون) فلا يعني قولك هذا أنك إن مررت في حياتك بسوداني شرير أو خبيث أنّ ذلك يعني انتقاض القاعدة في أهل السودان جميعاً، فلكل قاعدة استثناءات ولا عيب في هذا إلا عند المتشددين من الناس.
وكذلك الحال فيما لو قال رجل بأنّ (كل أهل الجزائر كرماء)، فوجدت بخيلين أو ثلاثة قد خرجوا عن القاعدة لأسباب خاصة، فلا يعني ذلك نقض القاعدة في أهل الجزائر جميعاً!
ومشكلة متعصبة أهل السنة أنهم يتصورون أنّ خروج أحد من الصحابة عن قاعدة العدالة لنص شرعي ورد فيه قد يؤثر على مبدأ العدالة، فيتعصبون جهلاً لمفهوم العدالة فيردون النص الشرعي أو ربما يقبلونه ولكنهم يعطّلون معناه، فلا يخرجون ذاك الصحابي من العدالة رغم تبشير الرسول ﵌ له بالنار أو حكمه عليه بالفسق! (١)
وهؤلاء يحسبون أنهم يحسنون صنعاً بصنيعهم هذا، ولا يدركون أي جُرم ارتكبوا في حق أصحاب رسول الله وفي حق الناس.
فبسبب تعصبهم وتجاهلهم للحقائق الجلية وجد الطاعنون في الصحابة سبيلاً للطعن وفي استغلال ما ورد في الظالمين والفاسقين لصبه في محيط حسنات الصالحين والصالحات!
стр. 483
وأهل السنة والجماعة وسط بين طرفي الغلو، لا يرتضون الطعن في صحابة رسول الله ولا أمهات المؤمنين ولكنهم مع ذلك يدينون الله تعالى بما صح وثبت عن رسول الله ﵌ في حق أشخاص أساءوا الصحبة.
ولنأت بمثالين حيين لما نذكره:
- كِرْكِرَة:
روى البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: كان على ثقل (١) النبي ﵌ رجلٌ يقال له كِرْكِرَةُ، فمات، فقال رسول الله ﵌ (هو في النار)، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلّها (٢)(٣).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري": (وقوله "هو في النار" أي يعذب على معصيته أو المراد هو في النار إن لم يعف الله عنه) (٤).
وقال الحافظ بدر الدين العيني في "عمدة القاري" قوله: (هو في النار)، قال ابن التين عن الداودي: يُحتمل أن يكون هذا جزاؤه إلا أن يعفو الله، ويحتمل أن يصيبه في القبر، ثم ينجو من جهنم، ويحتمل أن يكون وجبت له النار من نفاق كان يسره أو بذنب مات عليه مع غلوله أو بما غل، فإن مات مسلماً فقد قال النبي ﵌: (يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) (٥).
стр. 484
أقول: قد أحسن ابن حجر والعيني فيما قالا، فعِلم الآخرة عند الله تعالى، فقد يكون المرء مستحقاً للعقاب أو الحد في الدنيا ويكون عند ربه من المغفور لهم والمرحومين فالأمر عند الله تعالى إن شاء عفا وإن شاء عذبه.
وكلام النبي ﵌ كما قال الحافظ ابن حجر- قد يحتمل أنّ كركرة من أهل النار وأنه يعذب فيها لذنبه، وقد يحتمل أنه مستحق للعذاب فيها إن لم يعف الله عنه.
وكلا الاحتمالين لن يغيّرا من الأمر شيئاً، فكلامنا عن العدالة مرتبط بالدنيا لا بالآخرة فلا يصح لعاقل أن يستدل بكلام ابن حجر السابق لِلي عنق النص بحيث يُجعل المستحق لدخول النار بنص رسول الله ﵌ عدلاً، فمن يجرؤ على الإدعاء بأنّ من شهد له النبي ﵌ قبل موته بالنار (عدل في الدنيا)!
فإن كان كركرة عدلاً مستقيماً، فلِم شهد له النبي ﵌ بالنار؟! (١)
أما احتمال ابن التين أن تكون النار قد وجبت له من نفاق كان يسره، فهو احتمال بعيد لا يملك أحدٌ منا دليلاً عليه، والجزم بخروج كِرْكِرَة من العدالة أهون من جعله في زمرة المنافقين كما تعلم!
فأما المتعصبون فسيكونون فريقين، فريق يتعصب للعدالة دون النص فيجعل كركرة عدلاً مع دخوله النار! وفريق آخر سيتعصب لهواه فيجعل الصحابة كلهم (كركرة)!
стр. 485
وأما أهل الإنصاف فسيجعلون لكل شيء قدره دون إفراط ولا تفريط فيقولون (كركرة) نموذج لصحابة خرجوا من عدالة السيرة لدليل شرعي ولفسق ظاهر لا تأويل فيه ولذلك استحق ما أخبر به النبي ﵌.
- الرجل الذي قتل نفسه:
روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (أُتيَ النبي ﵌ برجل قتل نفسه بِمَشَاقِصَ (١)، فلم يُصلِ عليه) (٢).
والانتحار كبيرة من كبائر الذنوب، وقد مات هذا الرجل على هذه الكبيرة، ولذلك لم يُصلِ النبي ﵌ عليه، ونحن وإن كنا لا نجزم له بجنة أو بنار على اعتبار أنّ مرد علم ذلك إلى الله تعالى، فقد يغفر له وقد يعاقبه على ذنبه إلا أننا نملك الجزم بأنه مات في الدنيا على غير العدالة.
فالصحابة في مجموعهم عدول لكنّ ذلك لا يعني عدم خروج آحادهم من العدالة لدليل شرعي أو فسق ظاهر لا تأويل فيه (٣).
فالشيعة الإثنا عشرية تطرفوا فقدحوا في عدالة المجموع من أجل بعض الأفراد دون الاكتراث بنصوص القرآن والسنة المادحة لمجموع الصحابة، في حين أفرط متعصبة أهل السنة في المسألة فلم يُجوّزوا خروج أحد من هذا الثناء بدليل شرعي أو فسق ظاهر، فبحثوا عن تأويلات لمن أساء الصحبةحماية لقاعدة العدالة، وكلا الفريقين تكلّم في العدالة وليس في كلامه عدالة بل هو التطرف والظلم اللذان لا يرضى الله بهما.
وإن كنا نرى أنّ الذي أحسن الظن بالمسيء خير ممن رمى الصالح بالتهمة وسوء الظن، لا يستويان مثلاً.
стр. 488
ماذا وراء طرح موضوع العدالة ؟
عندما يطرح علماء الشيعة الإثني عشرية موضوع عدالة الصحابة فإنهم لا يريدون أعرابياً أسلم وأهمله التاريخ أو صحابية كالغامدية زنت ثم اعترفت باقترافها الذنب طالبة إقامة الحد عليها لتتطهر وتموت نقية من الذنب فيغفره لها رب العالمين! (١)
ولا يريدون كذلك حاطب بن أبي بلتعة الذي أفشى سر قدوم المسلمين لمكة خوفاً على أهله هناك، ورغبة في أن تكون له يد على قريش حتى يحفظوه في أهله، فعفى النبي ﵌ عنه بعد معاتبته ونهى عمر بن الخطاب ﵁ عن التعرض له (٢).
لكنهم يريدون كبار الصحابة (أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعائشة والبقية) ويريدون تمهيد الطريق لضرب هؤلاء الأعلام بكسر حاجز العدالة ... فحين يتحطم الجدار
стр. 489
ويجوز الطعن في صحابي من هؤلاء الصحابة الكرام يصبح الطعن بأبرز الصحابة وأكثرهم ثقلاً أمراً سهلاً للغاية!
وبالذات إذا جاء هذا الطعن وهذا الشتم والتنقيص تحت مسمى الاعتدال أو الموضوعية والمنهجية العلمية!
ما كنت أعجب منه خلال قراءاتي في كتب الفريقين هو استنكار علماء الشيعة الإثنى عشرية القول بعدالة الصحابة وإعطائهم للقضية حجماً أكبر من حجمها في حين أنهم يتناسون أنّ الأصل في المسلم العدالة (١) وأنّ الصحابة ليسوا بأهل إسلام وإيمان فقط بل مزكّون من الله ورسوله!
فحتى لو ادعى مدّع أنه لا يوجد دليل واحد على عدالة الصحابة فإنه سيقف عند هذه النقطة التي أثرناها عاجزاً عن الإجابة .. إنّ الأصل في المسلم العدالة وعلى الذي يقدح في عدالة أي مسلم أن يأتي بالدليل وليس العكس!
فعلى أي أساس يطالبون بالإتيان بأدلة عدالة الصحابة؟!
يقول شيخ الطائفة الطوسي في كتابه "الخلاف": (إنّ الأصل في المسلم العدالة، والفسق طارئ عليه يحتاج إلى دليل) (٢)، وهذا أمر بدهي عند كل مسلم، لا يحتاج حتى إلى استدلال.
стр. 490
عدالة الصحابة مستحيلة وعدالة (مراجع التقليد) لا غبار عليها !
إنّ قول الله في كتابه المجيد ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ (١) ليس محصوراً في مكيال البيع والشراء بل في كل ما يُكال للناس به.
حينما يُكال لأصحاب رسول الله بمكيال يُحاسبون فيه على كل سَعْلَة وهمسة وحركة وسَكَنَة، بينما يُخصص لعلماء الشيعة الإثني عشرية ومراجع التقليد مكيالٌ آخر يتغاضى عن أمور كثيرة تُستنكر في صحابة رسول الله وتُقام لها الدنيا وتقعد بينما لا تُستنكر وليس لها أدنى أثر حينما يكون الكلام عن علماء الشيعة الإثني عشرية ومراجعها.
إنها أزمة الإنصاف وأزمة تحكيم الضمير ... خصوصاً ونحن لا نتكلم عن أصحابنا في المدرسة أو زملائنا في العمل وإنما عن صحابة وأصهار سيد الخلق (محمد ﵊.
والغريب في علماء الشيعة الإثني عشرية ومفكريهم أنهم يستنكرون على أهل السنة إثباتهم لعدالة من زكاهم الله ورسوله، وبذلوا الغالي والرخيص في سبيل هذا الدين، ويشنعون عليهم أشد التشنيع ويعدّون القول بعدالتهم تقديساً لا يستحقونه! لكن حينما يأتي الكلام عن مراجع التقليد يختلف الميزان وتصير كلمة (عدالة) كلمة عادية لا تستحق التشنيع ولا الوقوف عندها أصلاً!
стр. 491
لا تتصور أني أبالغ ... هذه حقيقة واضحة جلية يستشعرها كل منصف يرتضي الدليل والبرهان.
كنت ولا زلت أتساءل كيف لشيعي منصف أن يردد طعونات علماء الشيعة الإثني عشرية في عدالة الصحابة ويناقش القضية بحماس وانفعال في حين يتجاهل أموراً ربما يقرأها يومياً في رسالة مرجع التقليد الذي يقلده دون توقف عندها أو وزنها بالميزان نفسه الذي يزن به أصحاب رسول الله.
هذا هو آية الله العظمى الخوئي يقول في رسالته العملية لمقلديه ولمن تتلمذ على يديه من مراجع التقليد الحاليين:
(مسألة ٢٩ - العدالة المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن الاستقامة في جادة الشريعة المقدسة، وعدم الانحراف عنها يميناً ولا شمالاً، بأن لا يرتكب معصية بترك واجب أو فعل محرم، من دون عذر شرعي، ولا فرق في المعاصي من هذه الجهة، بين الصغيرة والكبيرة) (١).
وقد ذكر مثل هذا آية الله السيستاني في رسالته العملية لمقلديه "منهاج الصالحين ١/ ١٦" وآية الله محمد صادق الروحاني في رسالته العملية "منهاج الصالحين ١/ ١٢" بلفظ (العدالة المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن الاستقامة في جادة الشريعة المقدسة، وعدم الانحراف عنها يميناً ولا شمالاً بأن لا يرتكب معصية بترك واجب أو فعل محرم من دون عذر شرعي ولا فرق في المعاصي في هذه الجهة بين الصغيرة والكبيرة).
стр. 492
فتزكية رب العالمين ورسوله الكريم للصحابة فيها نقاش وجدال وبحث عن كل خطأ وزلة ثم تلميعها، وتزكية مراجع التقليد والنص على عدالتهم بهذه الصورة المبالغ فيها لا يُحتاج فيها إلى نقاش ولا استنكار من أي شيعي!
عجباً لأولئك المتباكين على الإنصاف والموضوعية والبحث العلمي؟!
بماذا سيبررون العدالة التي ينسبونها إلى مراجع التقليد؟
أليس اشتراط الخوئي والسيستاني والروحاني وباقي مراجع التقليد عند الشيعة الإثنى عشرية لعدالة المرجع بهذه الصورة المبالغ فيها هو قول بعصمة هذا المرجع (١)؟!
يكفيك أن تقرأ قول الخوئي بعدها مباشرة: (مسألة ٣٠ - ترتفع العدالة بمجرد وقوع المعصية، وتعود بالتوبة والندم، وقد مرّ أنه لا يفرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة) لتتساءل (أيعقل أن يمر أسبوع من حياة المرجع (لن أقول يوم) دون أن يرتكب معصية تخرجه من العدالة؟! وهل سيبقى مرجع التقليد على وضعه كمرجع تقليد بعد اقترافه للإثم وقبل توبته أم أنه يخرج من المرجعية ثم يعود إليها بعد رجوع العدالة إليه؟!
إنّ نظرة فاحصة في الصراعات الداخلية بين مراجع التقليد ومقلديهم أظنها كافية لأَنْ تؤكد بأنّ ما يذهب إليه الإثنا عشرية اليوم من القول بعدالة ونزاهة مراجع التقليد وتورعهم عن ارتكاب الصغائر من الذنوب فضلاً عن الكبائر كالظلم والكذب والتجني والضلال هو أمر واقعي للغاية!
стр. 493
إنّ مقلدي الشيرازي يتهمون الخامنئي بظلم مرجعهم الراحل محمد الحسيني الشيرازي بفرض الإقامة الجبرية عليه أكثر من عشرين عاماً وبالاعتداء على جنازته بعد وفاته ودفنه بخلاف وصيته، وبالاعتداء على زوار ضريحه الذي سُوّي بالأرض، وبالعبث بالتشيع الحق إلى حد إطلاق بعضهم لقب (طاغوت) أو (أبو بكر) أو (عمر) أو (يزيد) على الخامنئي كنوع من التشهير به وانتقاصه!
وبالمقابل يتهم مقلدو الخامنئي مرجعية الشيرازي بالإنحراف والغلو وبإثارة الفتن مع التشكيك في استحقاق الشيرازي للمرجعية، ومع ذاك ما زال الخامئني عند غالبية الشيعة عدلاً بل هو (ولي أمر المسلمين) عند القائلين بولاية الفقيه، وما زال الشيرازي عند الشيرازية هو (المرجع الأعلى للطائفة الشيعية) كما ورد ذلك في نص النعي الذي نشرته ممثلية الشيرازي بعد وفاته!
أما مقلدو التبريزي ووحيد خراساني وآخرون فإنهم يعتبرون المرجع محمد حسين فضل الله ضالاً مضلاً وأنّ تقليده غير مجزئ، وبالمقابل ترى بعض مقلدي فضل الله يتهمون (١) التبريزي وخراساني ومن معهم بأنهم تكفيريون أو متمصلحون أو مغالون، وما زال كلا الطرفين (عدول)!
أما آية الله جنتي (رئيس مجلس صيانة الدستور الإيراني) فقد وصف المرجع السيستاني بالعمالة للإنجليز (٢)، فيما وصف (مقتدى الصدر) نجل المرجع محمد محمد صادق الصدر
стр. 494
مرجعية (السيستاني) بأنها المرجعية الصامتة عن الحق في مقابل مرجعية أبيه الناطقة.
وقد كتب المفكر الشيعي زهير الأسدي مقالاً بعنوان (السيستاني في الميزان) ألقى فيه الضوء على كثير من الحقائق الهامة من بينها (إلغاء السيستاني لموضوع الجهاد) من الرسالة العملية التي ذكر في مقدمتها أنها في الأصل لأستاذه أبو القاسم الخوئي، وأنّ دوره فيها فحسب هو تنقيح بعض الأحكام التي يخالف فيها أستاذه، فإذ به يحذف موضوع (الجهاد) الذي هو ذروة سنام الإسلام!
وبالمقابل سمعنا من بعض مخالفي التياري الصدري أنهم يتهمون المرجع محمد محمد صادق الصدر بالعمالة لنظام صدام حسين قبل وفاته وأنّ ما حصل له كانت مسألة تصفية جسدية لعميل انتهى دوره!
حتى المرجع الراحل محمد باقر الصدر لم يسلم من الطعن في عدالته، ومن أستاذ كبير في الحوزة العلمية بـ (قم) هو العلامة علي الكوراني (١)، حيث صرّح في مقدمته لكتاب "الحق المبين" بأنّ فكره (التقاطي) و (انتقائي) لا يمثل خط أهل البيت الحقيقي!
أما الشيخية فصراعهم التاريخي المرير مع باقي المرجعيات لا يكاد ينتهي.
أيها القارئ الكريم ... إنّ ما ذكرته لك ههنا لا يُمثل كل ما يخص مراجع التقليد وعدالتهم المزعومة وإنما هو غيض من فيض، عفّ عن إكماله اللسان والقلم.
إنّ هؤلاء المراجع هم أولئك الذين يُراد لك أن تعتقد عدالتهم وأنت مغمض العينين وتسير وراءهم دون هدى من الله بحجة أنهم نواب الإمام الحجة العدول إلى حين يخرج.
стр. 495
إنك لتعجب من الشيعة الإثني عشرية (علماء وعامة) وهم يبالغون ويغالون في (مراجع التقليد) إلى حد التقديس، رغم علمهم بما يدور بين أتباع كل مرجعية وبالخلافات الحادة بين بعض المرجعيات والتي تصل أحياناً إلى حد التشكيك في استحقاق المرجعية أو التفسيق أو التكفير! في حين أنهم يوجّهون سهامهم للصحابة وبكل ضراوة، حتى إنّك لتعجب أحياناً من تعسفهم في فهم بعض النصوص ومحاولة قلبها إلى منقصة لصحابي أو إساءة الظن بعبارة قالها دون خشية من الله، وبيننا وبين المنصفين التفتيش.
الخلل قديم !
إنّ أولئك الذين يشككون في عدالة أصحاب النبي ﵌ ويستهجنون القول بعدالتهم لا يجدون غضاضة في القول بعدالة وتوثيق (مشايخ الإجازات) عندهم.
وشيخ الإجازة كمصطلح، يُراد به (الأستاذ في الإجازة وهو الذي يشتهر في الوسط العلمي بمنحه الإجازات برواية الكتب المشهورة وجوامع الحديث) (١).
فقد نص قدماء علماء الجرح والتعديل عند الإثني عشرية وتابعهم على ذلك جُملة من المتأخرين على وثاقة مشايخ الإجازات وعدم حاجتهم إلى التنصيص على وثاقتهم.
فقد قال الداماد في "الرواشح السماوية ص١٧٩": (ومما يجب أن يُعلم ولا يجوز أن يُسهى عنه أنّ مشيخة المشايخ الذين هم كالأساطين والأركان أمرهم أجلّ من الاحتياج إلى تزكية مزكٍ وتوثيق موثق)!