← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14284

ثم أبصرت الحقيقة

محمد سالم الخضر

Полный текст (554 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لا تتصور أني أبالغ ... هذه حقيقة واضحة جلية يستشعرها كل منصف يرتضي الدليل والبرهان. كنت ولا زلت أتساءل كيف لشيعي منصف أن يردد طعونات علماء الشيعة الإثني عشرية في عدالة الصحابة ويناقش القضية بحماس وانفعال في حين يتجاهل أموراً ربما يقرأها يومياً في رسالة مرجع التقليد الذي يقلده دون توقف عندها أو وزنها بالميزان نفسه الذي يزن به أصحاب رسول الله. هذا هو آية الله العظمى الخوئي يقول في رسالته العملية لمقلديه ولمن تتلمذ على يديه من مراجع التقليد الحاليين: (مسألة ٢٩ - العدالة المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن الاستقامة في جادة الشريعة المقدسة، وعدم الانحراف عنها يميناً ولا شمالاً، بأن لا يرتكب معصية بترك واجب أو فعل محرم، من دون عذر شرعي، ولا فرق في المعاصي من هذه الجهة، بين الصغيرة والكبيرة) (١). وقد ذكر مثل هذا آية الله السيستاني في رسالته العملية لمقلديه "منهاج الصالحين ١/ ١٦" وآية الله محمد صادق الروحاني في رسالته العملية "منهاج الصالحين ١/ ١٢" بلفظ (العدالة المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن الاستقامة في جادة الشريعة المقدسة، وعدم الانحراف عنها يميناً ولا شمالاً بأن لا يرتكب معصية بترك واجب أو فعل محرم من دون عذر شرعي ولا فرق في المعاصي في هذه الجهة بين الصغيرة والكبيرة).

стр. 492

فتزكية رب العالمين ورسوله الكريم للصحابة فيها نقاش وجدال وبحث عن كل خطأ وزلة ثم تلميعها، وتزكية مراجع التقليد والنص على عدالتهم بهذه الصورة المبالغ فيها لا يُحتاج فيها إلى نقاش ولا استنكار من أي شيعي! عجباً لأولئك المتباكين على الإنصاف والموضوعية والبحث العلمي؟! بماذا سيبررون العدالة التي ينسبونها إلى مراجع التقليد؟ أليس اشتراط الخوئي والسيستاني والروحاني وباقي مراجع التقليد عند الشيعة الإثنى عشرية لعدالة المرجع بهذه الصورة المبالغ فيها هو قول بعصمة هذا المرجع (١)؟! يكفيك أن تقرأ قول الخوئي بعدها مباشرة: (مسألة ٣٠ - ترتفع العدالة بمجرد وقوع المعصية، وتعود بالتوبة والندم، وقد مرّ أنه لا يفرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة) لتتساءل (أيعقل أن يمر أسبوع من حياة المرجع (لن أقول يوم) دون أن يرتكب معصية تخرجه من العدالة؟! وهل سيبقى مرجع التقليد على وضعه كمرجع تقليد بعد اقترافه للإثم وقبل توبته أم أنه يخرج من المرجعية ثم يعود إليها بعد رجوع العدالة إليه؟! إنّ نظرة فاحصة في الصراعات الداخلية بين مراجع التقليد ومقلديهم أظنها كافية لأَنْ تؤكد بأنّ ما يذهب إليه الإثنا عشرية اليوم من القول بعدالة ونزاهة مراجع التقليد وتورعهم عن ارتكاب الصغائر من الذنوب فضلاً عن الكبائر كالظلم والكذب والتجني والضلال هو أمر واقعي للغاية!

стр. 493

إنّ مقلدي الشيرازي يتهمون الخامنئي بظلم مرجعهم الراحل محمد الحسيني الشيرازي بفرض الإقامة الجبرية عليه أكثر من عشرين عاماً وبالاعتداء على جنازته بعد وفاته ودفنه بخلاف وصيته، وبالاعتداء على زوار ضريحه الذي سُوّي بالأرض، وبالعبث بالتشيع الحق إلى حد إطلاق بعضهم لقب (طاغوت) أو (أبو بكر) أو (عمر) أو (يزيد) على الخامنئي كنوع من التشهير به وانتقاصه! وبالمقابل يتهم مقلدو الخامنئي مرجعية الشيرازي بالإنحراف والغلو وبإثارة الفتن مع التشكيك في استحقاق الشيرازي للمرجعية، ومع ذاك ما زال الخامئني عند غالبية الشيعة عدلاً بل هو (ولي أمر المسلمين) عند القائلين بولاية الفقيه، وما زال الشيرازي عند الشيرازية هو (المرجع الأعلى للطائفة الشيعية) كما ورد ذلك في نص النعي الذي نشرته ممثلية الشيرازي بعد وفاته! أما مقلدو التبريزي ووحيد خراساني وآخرون فإنهم يعتبرون المرجع محمد حسين فضل الله ضالاً مضلاً وأنّ تقليده غير مجزئ، وبالمقابل ترى بعض مقلدي فضل الله يتهمون (١) التبريزي وخراساني ومن معهم بأنهم تكفيريون أو متمصلحون أو مغالون، وما زال كلا الطرفين (عدول)! أما آية الله جنتي (رئيس مجلس صيانة الدستور الإيراني) فقد وصف المرجع السيستاني بالعمالة للإنجليز (٢)، فيما وصف (مقتدى الصدر) نجل المرجع محمد محمد صادق الصدر

стр. 494

مرجعية (السيستاني) بأنها المرجعية الصامتة عن الحق في مقابل مرجعية أبيه الناطقة. وقد كتب المفكر الشيعي زهير الأسدي مقالاً بعنوان (السيستاني في الميزان) ألقى فيه الضوء على كثير من الحقائق الهامة من بينها (إلغاء السيستاني لموضوع الجهاد) من الرسالة العملية التي ذكر في مقدمتها أنها في الأصل لأستاذه أبو القاسم الخوئي، وأنّ دوره فيها فحسب هو تنقيح بعض الأحكام التي يخالف فيها أستاذه، فإذ به يحذف موضوع (الجهاد) الذي هو ذروة سنام الإسلام! وبالمقابل سمعنا من بعض مخالفي التياري الصدري أنهم يتهمون المرجع محمد محمد صادق الصدر بالعمالة لنظام صدام حسين قبل وفاته وأنّ ما حصل له كانت مسألة تصفية جسدية لعميل انتهى دوره! حتى المرجع الراحل محمد باقر الصدر لم يسلم من الطعن في عدالته، ومن أستاذ كبير في الحوزة العلمية بـ (قم) هو العلامة علي الكوراني (١)، حيث صرّح في مقدمته لكتاب "الحق المبين" بأنّ فكره (التقاطي) و (انتقائي) لا يمثل خط أهل البيت الحقيقي! أما الشيخية فصراعهم التاريخي المرير مع باقي المرجعيات لا يكاد ينتهي. أيها القارئ الكريم ... إنّ ما ذكرته لك ههنا لا يُمثل كل ما يخص مراجع التقليد وعدالتهم المزعومة وإنما هو غيض من فيض، عفّ عن إكماله اللسان والقلم. إنّ هؤلاء المراجع هم أولئك الذين يُراد لك أن تعتقد عدالتهم وأنت مغمض العينين وتسير وراءهم دون هدى من الله بحجة أنهم نواب الإمام الحجة العدول إلى حين يخرج.

стр. 495

إنك لتعجب من الشيعة الإثني عشرية (علماء وعامة) وهم يبالغون ويغالون في (مراجع التقليد) إلى حد التقديس، رغم علمهم بما يدور بين أتباع كل مرجعية وبالخلافات الحادة بين بعض المرجعيات والتي تصل أحياناً إلى حد التشكيك في استحقاق المرجعية أو التفسيق أو التكفير! في حين أنهم يوجّهون سهامهم للصحابة وبكل ضراوة، حتى إنّك لتعجب أحياناً من تعسفهم في فهم بعض النصوص ومحاولة قلبها إلى منقصة لصحابي أو إساءة الظن بعبارة قالها دون خشية من الله، وبيننا وبين المنصفين التفتيش. الخلل قديم ! إنّ أولئك الذين يشككون في عدالة أصحاب النبي ﵌ ويستهجنون القول بعدالتهم لا يجدون غضاضة في القول بعدالة وتوثيق (مشايخ الإجازات) عندهم. وشيخ الإجازة كمصطلح، يُراد به (الأستاذ في الإجازة وهو الذي يشتهر في الوسط العلمي بمنحه الإجازات برواية الكتب المشهورة وجوامع الحديث) (١). فقد نص قدماء علماء الجرح والتعديل عند الإثني عشرية وتابعهم على ذلك جُملة من المتأخرين على وثاقة مشايخ الإجازات وعدم حاجتهم إلى التنصيص على وثاقتهم. فقد قال الداماد في "الرواشح السماوية ص١٧٩": (ومما يجب أن يُعلم ولا يجوز أن يُسهى عنه أنّ مشيخة المشايخ الذين هم كالأساطين والأركان أمرهم أجلّ من الاحتياج إلى تزكية مزكٍ وتوثيق موثق)!

стр. 496

لكن أصحاب رسول الله ﵌ الذين زكّاهم القرآن وزكّتهم السنة النبوية وقدّموا للإسلام الكثير يحتاجون إلى من يزكيهم ويوثقهم حتى يرضى عنهم الإثني عشرية! ويقول الشيخ علي محمد بن محمد بن دلدار علي الهندي في "الجوهرة العزيزة في شرح الوجيزة": (لم يُحتج في مشايخ الإجازة – عطّر الله مضاجعهم – وبرّد مهاجعهم – إلى جرح وتعديل وتثبّت وتبيين، فإنهم نواب الأئمة وأُمناء أُمناء الله على تلك الأمة بتّاً وجزماً وقطعاً وحتماً. بل وتوثيق جلّهم صار من ضروريات الدين يحذو حذو اعتقاد النبي ﵌ والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، فروحي الفداء ونفسي الوِقاء لهؤلاء الأجلّة، الذين بذلوا في إعلاء كلمة الله العليا جهدهم وجِدّهم، وصرفوا فيه طول أعمارهم كدّهم، ولم يزالوا يتحمّلون أعباء الشريعة، ويتولّون أمر أيتام الشيعة، نيابة عن سادتهم المعصومين، بل وجَدِّهم سيّد المرسلين، بل عن الله رب العالمين، حتى مضوا لسبيلهم ولقوا الله سبحانه وحلّوا رضوانه، شكر الله تعالى سعيهم وأجزل رَعْيهم) (١). فهؤلاء هم مشايخ الإجازة عند الإثني عشرية، لا يُحتاجون إلى جرح ولا تعديل ولا تثبّت ولا تبيّن لأنهم نواب الأئمة! توثيقهم صار من ضروريات الدين لما عُلم من بذلهم وعطائهم وتحمّلهم لأعباء الشريعة! أما أصحاب رسول الله الذين نقلوا لنا القرآن ونقلوا لنا السنة النبوية وفتحوا الفتوح ودخل الناس في سبيل الله أفواجاً بسبب جهودهم وجهادهم وتضحياتهم فهؤلاء توثيقهم بات خراباً للدين في عرف تلاميذ (مشايخ الإجازة)! وعِش رجباً ترى عجباً!

стр. 497

منقلبون على أعقابهم ومرتدون من أجل ماذا ؟! أن تُخرج رجلاً من الإسلام وتنعته بالمرتد والمنقلب على عقبيه لأنه أشرك أو كفر فهذا معروف واعتيادي بل هو حكم شرعي لا بد من التصريح به والتدين به. لكن أن يُنعت أصحاب محمد ﵌ بالمرتدين أو بالمنقلبين على أعقابهم من أجل تسليمهم الخلافة لغير علي بن أبي طالب أو الأئمة فهذا أمر عجاب! منذ متى صارت كراسي الحكم مقرونة بالتوحيد وبأركان الإيمان الستة (١) وبأركان الإسلام الخمسة (٢)؟! ثم ما الذي سيجنيه الصحابة إن هم سلّموا الخلافة لأبي بكر بدلاً عن علي بن أبي طالب؟ الأموال؟ هم تركوا أموالهم وأهليهم في مكة من أجل الله ورسوله وكانت تجارة قريش مضرب المثل (رحلة الشتاء والصيف) وزعماء قريش على أتم الاستعداد لشراء الذمم والضمائر في سبيل دحر دعوة النبي ﵌ ومع ذلك تحمّل الصحابة الفقر والغربة والعذاب في سبيل هذا الدين، فما الذي تغير اليوم؟! المكانة الاجتماعية؟ ما الذي تغير في خلافة أبي بكر حتى يبيع الرجل دينه ويشتري بالمقابل تلك المكانة الاجتماعية في مجتمع يرى التقوى ميزاناً لعلو الشخص وانخفاضه!

стр. 498

فمجتمع المسلمين في حياة نبي الله وبعد مماته هو نفسه الذي أعزّ بلالاً الحبشي وصهيباً الرومي وسلمان الفارسي ولم يعرف لقبائل العرب المرتدة نسبها ومكانتها الاجتماعية بل سدد السهام نحوها وأقام عليها حد الردة لما ارتدت وجهرت بالكفر. ثم هذه قريش بعزتها وجبروتها وبعروضها المغرية على من أراد الدخول في دين الله، لم تستطع زحزحة صحابة رسول الله عن مواقفهم بل زادت في ثباتهم وإيمانهم، فما الذي تغير اليوم حتى تستطيع سقيفة بني ساعدة الصغيرة أن تغير كل هؤلاء الأشداء الصامدين؟! لا توجد إجابة مقنعة تركن إليها النفس وتطمئن إليها القلوب تقنع المرء بهذا الطرح العجيب الذي لا يقبله عقل ولا منطق .. يذكر علماء الشيعة الإثني عشرية كثيراً حب الأنصار لعلي بن أبي طالب وأنهم كانوا كثرة في جنده في موقعة صفين ... فلماذا لم يسلّموا الخلافة إليه وسلّموها لأبي بكر؟! لن تجد إجابة مقنعة تسلّي بها نفسك. إنّ نظرة الأنصار ومن قبلهم المهاجرين أبعد وأصوب منا جميعاً ... لقد كانت هذه الفئة المؤمنة تُفرّق بين الخلافة وبين الارتباط العاطفي مع قرابة النبي ﵌. ولذا رأينا الكتب الشيعية التي تمتدح هؤلاء الأنصار ووقوفهم جنباً إلى جنب مع الإمام علي في موقعة صفين هي الكتب نفسها التي تنعتهم بالردة والانقلاب على الأعقاب في حادثة السقيفة! ميزان عجيب يُكال به أصحاب رسول الله ... إن كانوا مع الإمام علي في أمر من الأمور صاروا خير الناس، وإن كان موقفهم مع من خالف علياً أو قُل في غير الاتجاه الذي أراده الإمام علي صاروا أهل ردة ومصلحة ونفاق!

стр. 499

فإن قالوا حكمنا عليهم بالردة والانقلاب على أعقابهم لأنهم أنكروا النص على علي بن أبي طالب، قيل لهؤلاء المستنكرين: أو ليس الشيعة الإثنا عشرية يذكرون أنّ حديث الغدير متواتر وأنّ مئات من الصحابة قد رووه فأين الإنكار؟ عندما أقول بلساني إنّ رسول الله ﵌ قال لعلي: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فأين إنكاري للنص؟! فإن قيل: أنكروا المعنى. قيل لهؤلاء: ومن ذا الذي قال بأنّ ما ذهبتم إليه في تفسير الحديث هو الحق؟! هل أنتم أفهم وأعقل من صحابة رسول الله الذين عاشوا تلك اللحظات وسمعوا الحديث بآذانهم؟! أم أنكم أفهم بالعربية منهم حتى صرتم تعقلون من الحديث ما لم يعقلوه هم؟!! ما الذي بين المهاجرين والأنصار وبين علي بن أبي طالب حتى ينكروا إمامته؟! وما الذي بينهم وبين أبي بكر الصدّيق حتى يثبتوا له الخلافة؟! ليتنا نتجرد للحق ونزِن الأمور بميزانها الصحيح. ومن تأمل نقاشنا لحديث الغدير وبقية الأحاديث سيعلم علم اليقين بأنّ صحابة رسول الله كانوا أكثر إدراكاً وفهماً للنصوص من الذين يدندنون حول هذه الأحاديث التي لم يعيشوا لحظاتها ولم يدركوا مغزاها ولم يتلمسوا مدلولاتها أو يدركوا حتى معاني ألفاظها!

стр. 500

من المرتد - صحابة رسول الله أم هؤلاء ؟ أيها القارئ الحصيف ... لن تحتاج معي إلى مزيد جهد أو إلى كثير إنصاف حتى تدرك الاعوجاج الواضح في الميزان الذي يُكال به صحابة رسول الله بل يُكال به كتاب الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. أمامنا فريقان: فريق طعن في كتاب الله مدعياً وقوع التحريف والتبديل فيه، على رأسه النوري الطبرسي - مؤلف كتاب المستدرك أحد الأصول الحديثية الثمانية لدى الاثني عشرية - والذي ألفّ كتاباً باسم "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" يقول فيه عن القرآن وعن وقوع التحريف فيه ما نصه: (فإنّ الاختلاف فيه كما يصدق على اختلاف المعنى وتناقضه كَنَفْيِه مرة وإثباته أخرى، وعلى اختلاف النظم كفصاحة بعض فقراتها البالغة حد الإعجاز وسخافة بعضها الآخر) (١). وعدنان البحراني القائل: (الأخبار التي لا تحصى كثرة وقد تجاوزت حد التواتر ولا في نقلها كثير فائدة بعد شيوع القول بالتحريف والتغيير بين الفريقين وكونه من المسلمات عند الصحابه والتابعين بل وإجماع الفرقة المحقة وكونه من ضروريات مذهبهم وبه تضافرت أخبارهم) (٢).

стр. 501

والمجلسي القائل في معرض شرحه لحديث هشام بن سالم: (فالخبر صحيح، ولا يخفى أنّ هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أنّ الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً بل ظني أنّ الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر؟) (١). ويوسف البحراني القائل: (لا يخفى ما في هذه الأخبار من الدلالة الصريحة والمقالة الفصيحة على ما اخترناه ووضوح ما قلناه ولو تطرق الطعن إلى هذه الأخبار على كثرتها وانتشارها لأمكن الطعن إلى أخبار الشريعة كلها كما لا يخفى إذ الأصول واحدة وكذا الطرق والرواة والمشايخ والنقلة، ولعمري إنّ القول بعدم التغيير والتبديل لا يخرج من حسن الظن بأئمة الجور وأنهم لم يخونوا في الأمانة الكبرى مع ظهور خيانتهم في الأمانة الأخرى التي هي أشد ضررا على الدين) (٢). طعن هذا الفريق بالقرآن بكل وضوح قائلاً بوقوع التحريف فيه! وفريق آخر (وهم صحابة رسول الله) ... خطيئته التي لا يغفرها له الشيعة الإثنا عشرية هي أنه سلّم الخلافة لأبي بكر بدلاً من علي! الفريق الأول الذي طعن في كتاب الله يعتذر له علماء الشيعة الإثني عشرية، وغاية ما يقولون فيه هي كلمة (أخطأوا)، (اجتهدوا وتأولوا ولا نوافقهم على ما ذهبوا إليه)، وليت شعري متى صارت مسألة حفظ كتاب الله أو تحريفه مناطاً للاجتهاد؟! وأي اجتهاد في قول هذا المجرم أنّ (في القرآن آيات سخيفة)! والله إنها لطامة كبرى.

стр. 502

لكن علماء الشيعة اليوم يعتذرون للقائلين بالتحريف ولا يتبرأون منهم. فهذا الشيخ علي الميلاني – من كبار علماء الشيعة اليوم –يقول في رسالته "عدم تحريف القرآن ص٣٤" مدافعاً عن المجرم (الميرزا نوري الطبرسي) مؤلف كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب": (الميرزا نوري من كبار المحدّثين، إننا نحترم الميرزا النوري، الميرزا نوري رجل من كبار علمائنا، ولا نتمكن من الاعتداء عليه بأقل شيء، ولا يجوز، وهذا حرام، إنه محدّث كبير من علمائنا)! ويقول آية الله العظمى علي الفاني الأصفهاني في كتابه "آراء حول القرآن" بعد أن ذكر القائلين بالتحريف ورد على شبهاتهم: (الثاني: أنّ القائلين بالتحريف أوقعهم في شبهة التحريف كمال ورعهم وجمودهم على الأخبار وعدم دقتهم في أسانيدها ودلالاتها، وإلا فليس القول بالتحريف خرافة إذ هي ما لا أساس لها كالقصص الخيالية والأوهام المنسوجة والأحاديث المفتعلة الكاذبة)! (١) انظر إلى التلطف بالعبارة مع القائلين بالتحريف وإلى إعذارهم بل والثناء عليهم ووصفهم بالورع! يا لذلك الورع البارد! بينما لا يجد علماء الشيعة الإثني عشرية أدنى حرج في إطلاق ألفاظ الكفر والردة على الفريق الثاني (أصحاب محمد ﵌! فإن تساءلت: ما ذنب هؤلاء الصحابة؟ هل عبدوا غير الله؟ هل طعنوا في كتاب الله؟ ليس هذا ولا ذاك، إنما هو جرم أكبر ... أعطوا الخلافة لأبي بكر ولم يعطوها لعلي بن أبي طالب!

стр. 503

هل بشّر القرآن الصحابة بردتهم وكفرهم ؟ إنه من السهل على المرء أن يُمسك بين يديه القرآن الكريم ويُقلّب صفحاته يميناً وشمالاً ثم يختار منه ما يشاء من آيات ويُفسرها بالتفسير الذي يحلو له ويناسب هواه دون أدنى فهم للسياق الذي جاءت به والمعاني التي اقتضاها ذلك السياق، كأن يُفسر لك قوله تعالى حكاية عن قول يعقوب ﵇ ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (١) بأنّ يعقوب ﵇ لم يكن يبكي على ابنه النبي الكريم يوسف ﵇ وإنما على يوسف ابن الجيران الذي تُوفي بالأمس وبكى عليه أهل الحي!! وقد يأتي لقوله تعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٢) ليقول بأنّ أسماء تلك الحيوانات ما هي إلا كنايات عن قبائل أو عائلات بينه وبينها نزاع طويل. تماماً كما يفعل العياشي (٣) مثلاً مع قوله تعالى ﴿إنّ اللهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (٤) حين يفسّر الكلمات الثلاث (الفحشاء والمنكر والبغي) بأنها ولاية أبي بكر وعمر وعثمان! أو كما فعل الكليني (٥) مع قوله تعالى ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَان﴾ حين يذكر أنّ المراد بهذه الكلمات الثلاث (أبو بكر وعمر وعثمان)!

стр. 504

والأمثلة في ذلك تطول .. والتلاعب بكتاب الله مستمر ما دامت التعصبات قائمة في نفوس أصحابها. لكني أرمي إلى قضية أخرى بالغة الأهمية وهي أنّ لتفسير القرآن الكريم أصوله وقواعده التي يُفسر من خلالها وإلا كان ألعوبة للجميع، ألعوبة لكل حزب ولكل فرقة ومِلّة!! ولذا ينبغي للمفسر قبل الشروع في تفسير آية أن يُحيط بسبب نزولها وهل نُسخت أم لا؟ وأن يكون ملماً باللغة العربية إلماماً جيداً مع فهم سياق الآيات وما ترمي إليه وما وجه ترابطها وتناسبها بما قبلها وما بعدها. ولو أنّ طاعناً لم يرد الطعن في الصحابة بل في الرسول ذاته باستخدام هذا النمط من التفسير الذي يفسر به القمي والعياش والكليني وغيرهم معتمداً على الهوى لا على الأصول العلمية للتفسير لكان له ذلك، تماماً كما يفعل المستشرقون والقساوسة عادة في الآيات التي تخاطب النبي ﵊!! قارن بين أقوال جولدزيهر وأمثاله من المستشرقين في رسول الله وأساليبهم في التعامل مع النصوص التي تتضمن عتاب الله تعالى لنبيه ﵌ على أمر فعله كنحو قوله تعالى ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ (١) أو ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (٢) وبين استغلال التيجاني مثلاً للآيات التي تعاتب الصحابة على تباطؤهم بالقتال أو على خطأ وقعوا فيه أو تقصير للطعن فيهم والتشنيع عليهم ووصفهم بالردة والكفر! وجهان لعملة واحدة، وعليك أن تعي ذلك جيداً ..

стр. 505

نموذجان حَيّان للمزاجية في تفسير النصوص الشرعية ليس من الإنصاف للحقيقة أن يعطي المرء رأيه في مسألة دون نقاشها أو دراستها، إذ إنّ الحقائق تعرف بالدراسة والبحث لا بالعاطفة والأحاسيس والكشف الصوفي، ولذا آليت على نفسي أن أقرأ أهم ما استدل به الشيعة الإثنا عشرية على ردة الصحابة وانقلابهم على أعقابهم ثم أسطّر بعد ذلك الحقيقة التي خرجت بها من ذلك البحث. أ - آية آل عمران استدل الشيعة الإثنا عشرية بقول الله تعالى في كتابه العزيز ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ. وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِين﴾ (١) وادّعى التيجاني (٢) أنّ هذه الآية صريحة في الدلالة على انقلاب الصحابة بعد رسول الله وعدّ الصحابة المنقلبين على أعقابهم هم الكثرة الغالبة من الصحابة فيما ثبت من الصحابة قلة قليلة وهي الفئة التي ترى الشيعة الإثنا عشرية ثبوتها على الإسلام. ويطبّق التيجاني ومن سبقه إلى هذا الفهم من علماء الشيعة هذه الآية على ما حصل بعد رسول الله ﵌ في حادثة السقيفة بانتخاب أبي بكر خليفة المسلمين!! ولي مع هذه الدعوى وقفات أقول فيها:

стр. 506

أولاً: لقد نصت كتب التفسير عند أهل السنة وكذا كتب التاريخ وبعض كتب الشيعة الإثني عشرية على أنّ هذه الآية قد نزلت في واقعة محددة وهي (غزوة أحد)، فما الذي حوّلها إلى سقيفة بني ساعدة وإلى الصراع السني الشيعي الإثني عشري؟! وكأنّ التيجاني وكُتّاب الشيعة المعاصرين لم يقرأوا ما قاله المفسر الشيعي محمد جواد مغنية في تفسيره الكاشف من أنّ الآية تشير (إلى واقعة معينة وهي وقعة أحد) (١) أو ما قاله آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل): (سبب النزول أنّ الآية الأولى من هاتين الآيتين ناظرة أيضاً إلى حادثة أخرى من حوادث معركة أحد، وهي الصيحة التي ارتفعت فجأة في ذروة القتال بين المسلمين والوثنيين أنّ محمداً قد قتل) (٢). وقد كانت لموقعة أحد ظروفها الخاصة وملابساتها ولذلك جاءت الآيات الكريمات في سورة آل عمران وفقاً لتلك الظروف والملابسات، واستخدام الآية الكريمة للاستدلال على وقائع أخرى كحادثة السقيفة أو موقعة الجمل لا يخلو من غرابة ومن مزاجية. فالاستدلال بها على قضية الإمامة أو حادثة السقيفة أو موقعة الجمل استدلال مزاجي، لا يمتّ للمنهجية العلمية بصلة. ثانياً: تعتبر هذه الآية من أكبر الدلائل على عظم إيمان أبي بكر وحكمته وتفانيه في الدفاع عن دين الله، فموقفه الثابت يوم أن تُوفي رسول الله ﵌ خير شاهد على ذلك

стр. 507

يوم أن وقف وقفته الثابته مخاطباً الناس بعد ما أصابهم الوهن والضعف على فقد رسول الله فقال: (إنّ الله يقول ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُون﴾ (١) ويقول (﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِين﴾ (٢) فمن كان يعبد الله ، فإنّ الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات). وموقفه الصارم من الذين ارتدوا على أعقابهم واستبدلوا الإيمان بالكفر فاتبعوا مسيلمة وسجاح وطليحة بن خويلد والأسود العنسي وأمثالهم، ومن الذين قالوا نصلّي ولا نزكّي فأسقطوا شعائر الإسلام بالهوى لأروع مثال على عظمة أبي بكر والصحابة وعلى حرصهم على الدين. وقد روى الطوسي في "الأمالي" ما يؤكد هذه الحقيقة: فعن إبراهيم أنه قال: ارتد الأشعث بن قيس وناس من العرب لما مات النبي ﵌ فقالوا: نصلّي ولا نؤدي الزكاة، فأبى عليهم أبو بكر ذلك، وقال: لا أحل عقدة عقدها رسول الله، ولا أنقصكم شيئاً مما أخذ منكم نبي الله ﵌ ولأجاهدنكم، ولو منعتموني عقالاً مما أخذ منكم نبي الله صلى الله عليه وآله لجاهدتكم عليه ثم قرأ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُل﴾ حتى فرغ من الآية ...) (٣).

стр. 508

علّق المجلسي على هذه الرواية قائلاً: (قال ابن طاووس: ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه (لم يلبث الإسلام بعد موت النبي ﵌ في طوائف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف، وارتد ساير الناس ثم قال: ارتدت بنو تميم والرباب واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي وارتدت ربيعة كلها وكانت لهم ثلاثة عساكر: عسكر باليمامة مع مسيلمة الكذّاب، وعسكر مع معرور الشيباني، وفيه بنو شيبان وعامة بكر بن وائل، وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن، ارتد الأشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي، وارتدت بنو عامر إلا علقمة ابن علاثة) (١). فقد (ارتد بسبب موت الرسول ﵌ ولما حصل لهم من الضعف جماعات من الناس، قوم ارتدوا عن الدين بالكلية وقوم ارتدوا عن بعضه، فقالوا: لا نصلّي ولا نزّكي، وقوم ارتدوا عن إخلاص الدين الذي جاء به محمد ﵌ فآمنوا مع محمد بقوم من النبيين الكذّابين كمسيلمة الكذّاب وطليحة الأسدي وغيرهما، فقام إلى جهادهم الشاكرون الذين ثبتوا على الدين، أصحاب رسول الله ﵌ من المهاجرين والأنصار والطلقاء والأعراب ومن اتبعهم بإحسان، الذين قال الله فيهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ (٢) هم أولئك الذين جاهدوا المنقلبين على أعقابهم الذين لم يضروا الله شيئاً. وما أنزل الله في القرآن من آية إلا وقد عمل بها قوم، وسيعمل بها آخرون، فمن كان من الشاكرين الثابتين على الدين، الذين يحبهم الله – – ورسوله، فإنه يجاهد المنقلبين على

стр. 509

أعقابهم، الذين يخرجون عن الدين، ويأخذون بعضه ويدعون بعضه كحال هؤلاء القوم المجرمين المفسدين، الذين خرجوا على أهل الإسلام، وتكلم بعضهم بالشهادتين، وتسمّى بالإسلام من غير التزام شريعته) (١). لكن ما حيلتنا مع من يجادل عن بعض أصناف أهل الردة ويتأول لهم قائلاً بأنّ اتفاقهم على منع الزكاة لا يعني ردتهم في حين لا يجد أي حرج في توجيه السهام إلى أبي بكر والصحابة الذين انتصروا للإسلام وثبتوا على دين الله بعد خذلان أكثر الناس له والطعن فيهم والقول بردتهم وانقلابهم على أعقابهم من أجل عدم إعطائهم الخلافة لعلي! إنّ هؤلاء العاذرين لا يجهلون عظم فريضة الزكاة التي قرنها الله بالصلاة مراراً في القرآن بل يجهلون حتى أحاديث أهل البيت التي بينت بكل وضوح أنّ ما فعله أبو بكر تجاه مانعي الزكاة هو عين الصواب، وأنّ فعله ذاك علامة فقهه ﵁. روى الكليني في الكافي عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: (من منع قيراطاً من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم، وهو قوله ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَاءِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ (٢) وفي رواية (لا تقبل له صلاة) (٣). وعنه أيضاً عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: من منع قيراطاً من الزكاة فليمت إن شاء الله يهودياً أو نصرانياً (٤).

стр. 510

وعنه أيضاً عن الإمام محمد الباقر أنه قال: (إنّ الله قرن الزكاة بالصلاة، فقال ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ (١) فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة لم يُقم الصلاة) (٢). فأين هذه الأحاديث الواضحة وكذا فعل الإمام علي الذي وقف جنباً إلى جنب مع الخليفة الراشد أبي بكر الصديق في تلك المحنة من التيجاني وشرف الدين الموسوي وفلان وفلان من أئمة وعلماء الشيعة الإثني عشرية الذين ما زالوا يدندون حول قضية قتال مانعي الزكاة محاولين تبرئة ساحتهم ورمي أبي بكر والصحابة بالمقابل بالأباطيل والردة! أبو بكر ... ذاك الرجل الذي عاش قضية الإسلام فكانت شغله الشاغل، والذي يذكر ابن شهرآشوب في كتابه (متشابه القرآن) في تفسير قول الله ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (فهذا عام في جميع المواضع ويدخل فيه سجدة الشكر بعد الصلاة، وقد سجد النبي ﵌ لما أُتي برأس أبي جهل، وسجد علي لما وجدوا ذا الثدية، وسجد أبو بكر لما بلغه فتح اليمامة وقتل مسيلمة (٣). رجل يسجد شكراً لله وفرحاً بانتصار الإسلام وهلاك مدّعي النبوة مسيلمة، ومع ذلك يُتهم بالردة والانقلاب على عقبيه! ... يُتهم في عرضه وفي دينه وفي كل شيء! أما الشعار الإيماني الذي قاتل تحت لوائه الصحابة مسيلمة ومن معه فيذكر النوري الطبرسي في "مستدرك الوسائل ١١/ ١١٣" عن الإمام علي بن الحسين أنه قال: كان شعار أصحاب رسول الله ﵌ يوم مسيلمة (يا أصحاب سورة البقرة).

стр. 511

يا له من شعار ... ويا لعظمة أولئك الرجال. أيها القارئ ... إنّ النصوص التي ذكرتها لك ودلت بمجموعها على تفاني هؤلاء الرجال في نصرة هذا الدين وعلى رأسهم الخليفة الراشد أبي بكر الصدّيق، إنما هي حقائق سطّرتها كتب الشيعة الإثني عشرية الذين احترفوا لعن هؤلاء الأخيار ووصفهم بالنفاق والردة وأبشع الأوصاف! وإنّ المرء ليعجب من أولئك الذين يدّعون اتباع أئمة أهل البيت والتمسك بهديهم، أين هم عن مثل هذه الروايات؟ وأين أخلاقهم عن هذه الأخلاق الرفيعة التي تمثلها أهل البيت؟ لقد ضرب لنا الإمام أبو جعفر (محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب) أروع الأمثلة في سلامة الصدر من الحقد على المؤمنين الصادقين حين يمتدح أبا بكر الصدّيق ويُسمّيه بـ (الصدّيق) كما ذكر ذلك الأربلي في "كشف الغمة في معرفة الأئمة ٢/ ٣٦٠" عن عروة أنه قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيوف، فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصدّيق ﵁ سيفه، قلت: فتقول الصدّيق؟! قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة وقال: نعم، الصدّيق نعم، الصدّيق نعم، فمن لم يقل له الصدّيق فلا صدق الله له قولاً في الدنيا ولا في الآخرة). فرحم الله الإمام أبا جعفر ... ورحم الله كلماته التي طوتها صحف الأمس ولم تنطق بها ضمائر اليوم. ثالثاً: قد يجد من يريد الطعن في الصحابة أنّ حجته في تطبيق الآية الكريمة على مبايعة الناس أبا بكر على الخلافة غير منطقية، فيأتي للنص ليستخدمه كمطعن في أبي بكر والصحابة من خلال غزوة أحد نفسها.

стр. 512

ولذلك أقول بياناً لأحداث تلك الغزوة: في إطار الحديث عن غزوة أحد التي نزلت بسببها تلك الآيات، أُشيع بعد هزيمة المسلمين التي كان السبب الجوهري فيها ترك الرماة لمواقعهم أنّ رسول الله ﵌ قد قُتل. فانقسم الناس بسبب هذه الصدمة المفاجئة إلى ثلاثة أقسام: قسم استمر على ما هو عليه كأبي بكر الصدّيق (١) وعلي بن أبي طالب وأنس بن النضر وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وأبي دجانة والزبير بن العوام ورجال من المهاجرين والأنصار. فحين توجهت السهام تجاه رسول الله ﵌ في جهة من أرض القتال وأشيع في الجهات الآخرى مقتله ﵌ فلم يدركوا ما كان يواجه رسول الله ومن معه في تلك الجهة، قام خمسة من الأنصار فقاتلوا دون رسول الله رجلاً رجلاً يُقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة بن زياد بن السّكن، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت من المسلمين فئة حتى أجهضوهم عنه، فقال رسول الله ﵌: ادنوه مني فأدنوه منه فوسّد قدمه، فمات وخدّه على قدم رسول الله ﵌ وترّس دون رسول الله ﵌ أبو دجانة بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثرت فيه النبل، ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله ﵌، فقال

стр. 513

سعد: فلقد رأيته يناولني ويقول: ارم فداك أبي وأمي .. حتى إنه ليناولني السهم ما فيه نصل فيقول: ارم به! (١) فأما طلحة بن عبيد الله فيكفيه شرفاً أن شُلت يده وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول قيس بن أبي حازم ﵁: (رأيت يد طلحة شلاّء، وقى بها النبي ﵌ يوم أحد). (٢) ومن حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: (لما كان يوم أحد وولّى الناس، كان رسول الله ﵌ في ناحية في اثني عشر رجلاً من الأنصار وفيهم طلحة بن عبيد الله فأدركهم المشركون، فالتفت رسول الله ﵌ فقال: (من للقوم؟)، فقال طلحة: أنا، قال رسول الله ﵌: كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فقال: أنت، فقاتل حتى قُتِل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، قال: كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا، فقال: أنت، فقاتل حتى قُتل، ثمّ لم يزل يقول ذلك ويخرج إليهم رجل من الأنصار فيُقاتل قِتال من قبله حتى يُقتل حتى بقي رسول الله ﵌ وطلحة بن عبيد الله، فقال رسول الله ﵌: من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، فقاتل طلحة قِتال الأحد عشر حتى ضُربت يده فقُطعت أصابعه فقال: حسّ، فقال رسول الله ﵌: (لو قلت بِسم الله، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون) ثم ردّ الله المشركين) (٣).

стр. 514

وحينما استعصى على رسول الله ﵌ صعود صخرة قعد طلحة ليصعد رسول الله عليه فيعتلي الصخرة، فعن الزبير ﵁ أنه قال: (كان على النبي يوم أحد درعان، فنهض إلى الصخرة فلم يستطع، فقعد طلحة تحته حتى استوى على الصخرة، قال الزبير: فسمعت النبي ﵌ يقول: (أوجب طلحة) (١). وقد أنزل الله خلال تلك الفترة النعاس على المؤمنين وأبقى في قلوب المنافقين الرعب، يقول أبو طلحة الأنصاري ﵁: (رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يمييد تحت حَجَفتِهِ من النعاس، فذلك قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً﴾) (٢). ويتحدث عن الطائفة التي لم يغشها النعاس قائلاً: (والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعبه، وأخذله للحق) (٣). وفي رواية ابن حبان (والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم همّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأذله للحق، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، أهل شك وريبة في أمر الله) (٤).

стр. 515

يقول القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" في تفسيره لقوله تعالى ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ (١): (يعني المنافقين: معتب بن قشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعاً في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور ويقولون الأقاويل). وقد كان الزبير بن العوام ممن غشيهم النعاس أمنة من الله وفضلاً، يقول الزبير ﵁: (لقد رأيتني مع رسول الله ﵌ حين اشتد الخوف علينا، فأرسل الله علينا النوم، فما منّا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم (لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا ههنا) فحفظتها، وفي ذلك أنزل الله ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب) (٢). أما عمر بن الخطاب ﵁ فمن الثابت في التاريخ أنه كان يقاتل في أحد، فلما دارت الدائرة على المسلمين وأُشيع مقتل النبي ﵌ لم يترك عمر بن الخطاب ﵁ أرض المعركة حتى رأى الناس رسول الله ﵌. فقد روى الطبري بسنده عن ابن إسحاق أنه قال: (فكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وقول الناس: (قُتل رسول الله ﷺ كعب بن مالك أخو بني سلمة، قال: عرفت عينيه تزهران تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين: أبشروا، هذا رسول الله ﷺ ، فأشار إليّ رسول الله أن أنصت، فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به، ونهض نحو الشعب معه علي بن

стр. 516

أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة في رهط من المسلمين. قال: فبينا رسول الله ﷺ في الشعب ومعه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله ﷺ : اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان رسول الله ﷺ قد بدُن فظاهر بين درعين فلما ذهب لينهض فلم يستطع، جلس تحته طلحة بن عبيدالله فنهض حتى استوى عليها. ثم إنّ أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، إنّ الحرب سجال، يوم بيوم بدر، (اعل هبل) أي: أظهر دينك. فقال رسول الله ﷺ لعمر: قم فأجبه فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فلما أجاب عمر ﵁ أبا سفيان، قال له أبو سفيان: هلم إليّ يا عمر، فقال له رسول الله ﷺ ائته فانظر ما شأنه؟ فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ فقال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن فقال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر) (١). وفي رواية البخاري (فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي ﵌ أن يُجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم

стр. 517

ابن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قُتِلوا، فما ملك عُمرُ نفسه، فقال: كذبت والله يا عدو الله! إنّ الذين عدَدْت لأحياءٌ كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحربُ سِجال، إنكم ستجدون في القوم مُثْلةً لم آمر بها ولم تسُؤْني، ثم أخذ يرتجِزُ: اُعْلُ هُبَلْ، اُعْلُ هُبَلْ. قال النبي ﵌: ألا تجيبوه؟، قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، قال: إنّ لنا العزى ولا عُزّى لكم، فقال النبي ﵌: ألا تجيبوه؟ قال: قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) (١). وعند أحمد بسند حسن (فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل (اعل هبل) مرتين - يعني آلهته-، أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: يا رسول الله، ألا أجيبه؟ قال: بلى، قال: فلما قال (اعل هبل) قال عمر: الله أعلى وأجل، قال: فقال أبو سفيان: يا ابن الخطاب، إنه قد أنعمت عينها، فعاد عنها أو فعال عنها، فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﷺ وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر، قال: فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول وإنّ الحرب سجال قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) (٢). هذا هو عمر الذي ينسبون له الردة والانقلاب على عقبيه يوم أحد!

стр. 518

غير أنّ الأمانة العلمية تدعوني إلى عدم إغفال رواية القاسم بن عبد الرحمن بن رافع وفيها: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله (١) في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قُتل محمد رسول الله (٢) قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا كراماً على ما مات عليه رسول الله ﵌ ..) (٣) لكن توقف هؤلاء الصحب هذه اللحظات لا يعني أنهم لم يوفقوا إلى مواقف مشرفة في هذه الغزوة، ينصرون بها دين الله . فيظهر من هذه الرواية أنّ قسماً من الصحابة فاجأته الصدمة فلم يعد يعرف ماذا يفعل فاكتأب وتوقف عن القتال مع إيمانه برسول الله وحسرته على موته المفاجئ، فتوقف عن القتال

стр. 519

حينها لكنه لم يرتد أو يلحق بعبد الله بن أبي سلول أو بجيش الكفار، وإنما كان أسير الصدمة الكبيرة. فلعل عمر بن الخطاب وبعض الصحابة توقفوا حينها بعد سماعهم لنبأ مقتل رسول الله، ثم لما حفزّهم أنس بن النضر دب الحماس في نفوسهم إلى اللحاق برسول الله ﵌ في جنان الخلد فقاموا وقاتلوا من جديد. هذا إن صحت الرواية وإلا فهي كما ذكرنا ضعيفة الإسناد. وهناك قسم بقي على الإيمان كمن سبقه ولكنه انسحب من القتال وهم عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان (رجلان من الأنصار) (١) وغيرهم، وهؤلاء الصحابة قد تجاوز الله عنهم زلتهم في كتابه الكريم بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيم﴾ (٢) فبيّن الله أنه قد عفا عن جميع من تولى يوم أحد، فدخل فيهم من هو دون عثمان في الفضل والسابقة، فكيف بعثمان الذي قدّم للإسلام الكثير؟ روى البخاري أنّ رجلاً حج البيت فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء، أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أنّ عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، قال: فتعلمه تغيّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تخلّف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟

стр. 520

قال: نعم، قال: فكبّر، قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبيّن لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أنّ الله عفا عنه. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﵌ وكانت مريضة فقال له النبي ﵌: (إنّ لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه). وأما تغيّبه عن بيعة الرضوان فإنّه لو كان أحد أعز ببطن مكّة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عُثمان إلى مكّة، فقال النبي ﵌ بيده اليمنى: (هذه يد عثمان، فضَرَبَ بها على يَدِهِ، فقال: هذه لِعُثْمان، اذْهَبْ بِهذا الآن مَعَك) (١). أما القسم الأخير وهم الذين ارتدوا على أعقابهم فلم أجد في حقهم رواية معتبرة يمكن الركون إليها، فقد رويت في شأنهم روايات ضعيفة جداً لا ترتقي إلى مستوى الاستدلال. ولعلهم بعض المغترين بعبد الله بن أبيّ بن سلول كما يظهر من مجموع الروايات. فأين هذه الحقائق ممن يمزجون الحق بالباطل فيجعلون أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وغالب أصحاب رسول الله من أهل الردة؟! ولا يجعلون من الآية دليلاً على ردة هؤلاء في غزوة أحد فحسب بل على ردتهم بعد موت رسول الله في انتخابهم أبي بكر خليفة للمسلمين! أي إنصاف هذا؟ وأي ضمير يرتضي هذا التجني؟!

стр. 521

ب - حديث المذادة عن الحوض ولعل من أبرز ما استدل به الشيعة الإثنا عشرية على ردة الصحابة وانقلابهم على أعقابهم حديث المذادة عن الحوض والذي روي بأكثر من لفظ عند أهل السنة والشيعة الإثني عشرية. فقد روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﵌ قال: (ليرِدنّ عليّ ناسٌ من أُصيحابي الحوض حتى إذا عرفْتُهُمُ اخْتُلِجوا دوني فأقول: أصحابي، فيقول: لا تَدْري ما أحدثوا بعدك) (١). وعن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال النبي ﵌ يقول: (إني فرطكم على الحوض، من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يُحال بيني وبينهم)، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهَدُ على أبي سعيد الخدري لسمعتُهُ وهو يزيد فيها: (فأقول: إنهم مني، فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي) (٢). وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: قال النبي ﵌: (إنّي على الحوض حتى أنظر من يرِد عليّ منكم، وسيؤخذ ناسٌ دوني، فأقول: يا ربّ منّي ومن

стр. 522

أُمتي؟، فيُقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما بَرِحوا يرجعون على أعقابهم. فكان ابن أبي مُليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نُفتن عن ديننا) (١). وفي رواية أبي هريرة ﵁ (وليُرفَعَنّ رِجال منكم) وفي أخرى (يرد عليّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي فيُجلون عن الحوض) وفي ثالثة (فإذا زُمرةٌ حتى إذا عرفتهم) (٢). وفي رواية ابن المُسَيّب عن أصحاب النبي ﵌ (يَرِد على الحوض رجال من أصحابي فيُجلون عنه) (٣). المناقشة: لقد أغمض رسول الله ﵌ عينيه عن رجال من أصحابه كانوا على الإيمان فزلزل الله من في قلبه مرض فارتد عن الإسلام واتبع مسيلمة الكذّاب وطليحة بن خويلد والأسود العنسي وسجاح. يقول المؤرخ الشيعي سعد القمي في "المقالات والفرق": (وارتد قوم فرجعوا عن الإسلام، ودعت بنو حنيفة إلى نبوة مسيلمة وقد كان ادعى النبوة في حياة رسول الله ﵌ فبعث أبو بكر إليهم الخيول عليها خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي فقاتلهم وقُتل من قُتل ورجع من رجع منهم إلى أبي بكر فسمّوا أهل الردة) (٤).

стр. 523

ويقول الإمام علي عن إمساكه عن بيعة الخليفة الراشد أبي بكر في بادئ الأمر ثم مبايعته لأبي بكر ومؤازرته له وللصحابة في دحر المرتدين: (فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد ﵌ فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل ..) (١). ويقول: (فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسّر وسدد وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً) (٢). ولذلك وجد الشيخ محمد كاشف آل الغطاء نفسه مضطراً للاعتراف بهذه الحقيقة فقال عن الإمام علي: (وحين رأى أنّ الخليفتين – أعني الخليفة الأول والثاني – بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجنود وتوسيع الفتوح ولم يستأثرا ولم يستبدا، بايع وسالم) (٣). أقول: وحديث الحوض يشير إشارة واضحة إلى هؤلاء النفر (أي بني حنيفة وأمثالهم) الذين مات رسول الله ﵌ وهم على الإيمان فانقلبوا على أعقابهم واستبدلوا الإيمان بالكفر فسلّط الله عليهم جند الإيمان الأذلة على المؤمنين، الأعزة على الكافرين، فمات من هؤلاء المرتدين من مات ليلقى رسول الله ﵌ فيُذاد

стр. 524

به عن الحوض ورجع إلى الإيمان من رجع و (إنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) (١). لكن ماذا يريد علماء الشيعة الإثني عشرية من إثارة هذا الحديث أمام البسطاء من الناس؟ لعلك أدركت أيها القارئ أنّ علماء الشيعة الإثني عشرية أرادوا الطعن في كبار صحابة رسول الله (أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وحفصة والزبير وطلحة وغيرهم) والحديث بالنسبة لهم صيد ثمين، إذ يُمكن لهم أن يجعلوا هؤلاء الصحب ممن أحدثوا بعد رسول الله فيستحقون البوار والخسران يوم القيامة، هكذا بكل سهولة! ولذا تجد أنّ علماء الشيعة الإثني عشرية قد اجتهدوا في عدّ وحصر ما يرونه إحداثاً في دين الله من قبل هؤلاء الصحب وألّفوا في ذلك المصنفات لإقناع الناس بصحة ما يدّعونه في صحابة رسول الله، لكن ماذا يفعل هؤلاء الحماسيون لو أنّ حماسهم ورغبتهم في التشفي من أصحاب رسول الله قابله حماس آخر من أباضي أو ناصبي حاقد على الإمام علي ففعل مع الإمام علي ما يفعله هؤلاء مع باقي الصحابة؟ فالظلم والبهتان لا يُعرف له صاحب، ولا يظنن أحدٌ أنّ الظلم يقع على أناس دون آخرين، وأنّ سهامه التي يوجهها لصحابة رسول الله ستصيب قوماً وتستثني آخرين. فالحديث عام لا يستثني عمار بن ياسر ولا المقداد بن الأسود ولا أبا ذر ولا سلمان الفارسي ممن يجلهم الشيعة الإثنا عشرية بل لا يستثني الحديث علياً نفسه! وكل من في قلبه غل على صحابي يستطيع وفقاً لميزانه الأعوج أن يجعله ممن انقلبوا على أعقابهم!

стр. 525

ولتقرأ معي ما سيقوله الناصبي الحاقد بتمعن وإنصاف لترى كيف يُمكن للنظرية الشيعية أن تنسف نفسها بنفسها! على أني منذ البداية أبرأ إلى الله من الطعن في الإمام علي صراحة أو ضمناً، فالإمام علي إمام هدى، وله من المكانة والتقدير في قلوبنا ما يستحقه أمثاله من أرباب المناقب والمآثر العظيمة إلى جانب قرابته من رسول الله ﵌، فلا نرتضي فيه طعناً أو انتقاصاً كما لا نرتضي ذلك في باقي الصحابة. لكني أريدك أيها القارئ الكريم أن تستشعر معي ظلم الشيعة الإثنى عشرية لأبي بكر وعمر وعثمان وباقي الصحابة، وتتلمس كيف يُمكن أن ينقلب هذا الظلم ظلماً لعلي بن أبي طالب كذلك حينما تكون الكلمة للناصبي والعدو المستهدف هو علي بن أبي طالب. يقول الناصبي: لقد رأيت في علي بن أبي طالب مثالاً للإحداث بعد رسول الله! ولهذا أبغضته وتبرأت منه! ترك الإمامة وهي أعظم أركان الدين والتي وردت فيها روايات شيعية كثيرة في بيان منزلتها وكونها أصلاً للدين لا يقوم إلا به! وتخلى عن الزهراء ﵍ يوم أن ضُربت وصُبّت عليها المصائب! ولم يقدّم تجاه قضية فدك المغصوبة أي شيء فلم ينتصر لبنت رسول الله! وحكّم الرجال في كتاب الله وكل من شارك في التحكيم كافر (علي وأبو موسى الأشعري ومعاوية وعمرو بن العاص). وحجتي في الحديث ظاهرة، فرسول الله ﵌ قد قال في نص الحديث: (فأقول: يا رب مني ومن أمتي؟). وفي هذا دلالة قاطعة على أنّ المراد بالحديث هو علي بن أبي طالب!

стр. 526

فإنكم تروون عن رسول الله ﵌ أنه قال في علي بن أبي طالب: (علي مني وأنا من علي)، تلك قرينة! وقرينة أخرى أستدل بها على أنّ المراد بالحديث (علي بن أبي طالب) هي إخبار النبي ﵌ عن المبدّلين من بعده بقوله: (أمراء يكونون من بعدي فمن غشي أبوابهم فصدّقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد عليّ الحوض) (١) وقد غشي علي بن أبي طالب الظلمة أبا بكر وعمر وعثمان (٢) وكان مستشاراً ووزيراً لهم كما تشهد بذلك كتب الشيعة الإثني عشرية من أولها إلى آخرها. وقد توعده النبي ﵌ في الحديث بسحب المنزلة التي أُعطيت له بقوله (فليس مني ولست منه ولا يرد عليّ الحوض) لأنّ النبي ﵌ ما كان يعلم بما سيحدثه من بعده من الركون للظلمة وحب الدنيا والأُعطيات والامتيازات. وقوله ﵌ (فإذا جئتم قال الرجل: يا رسول الله، أنا فلان بن فلان فأقول أما النسب فقد عرفته ولكنكم أخذتم بعدي ذات الشمال وارتددتم على أعقابكم القهقرى) (٣) يؤكد تماماً أنّ المراد بالحديث هو علي بن أبي طالب لا غيره!! فالرجل الذي أتى رسول الله لم يقل له (أنا فلان بن فلان) لتعريف النبي ﵌ به، لأنّ النبي ﵌ قد صرّح بالحديث ذاته بمعرفته له ولمن

стр. 527

معه فقال: (أما النسب فقد عرفته) وقال: (أعرفهم ويعرفوني) لكن الرجل أراد الإشارة إلى نسبه وقربه من رسول الله ﵌ ظناً أنّ ذلك سيشفع له فيجيبه الرسول بقوله (أما النسب فقد عرفته) أي أنّ النسب والقرابة لها مقامها لكن ليس مع الإحداث من بعدي، وهذا ما حصل حين تركت ابنتي تُضرب ولم تفعل شيئاً وحين فعلت كذا وكذا. ويقول الناصبي: وما يؤكد أنّ ذاك الرجل هو علي بن أبي طالب هو صدر حديث المذادة عن الحوض حيث يقول النبي ﵌: (تزعمون أنّ قرابتي لا تنفع قومي والله إنّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، إذا كان يوم القيامة يُرفع لي قوم يُؤمر بهم ذات اليسار، فيقول الرجل: يا محمد، أنا فلان بن فلان، ويقول الآخر: أنا فلان بن فلان، فأقول: أما النسب قد عرفت، ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم على أعقابكم القهقرى) (١). وفي رواية المفيد والطوسي في (أماليهما) عن أبي سعيد الخدري قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر: ما بال أقوام يقولون: إنّ رحم رسول الله لا ينفع يوم القيامة؟ بلى والله إنّ رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرطكم يوم القيامة على الحوض، فإذا جئتم قال الرجل: يا رسول الله أنا فلان بن فلان، فأقول: أما النسب فقد عرفته، لكنكم أخذتم بعدي ذات الشمال، وارتددتم على أعقابكم القهقرى) (٢)

стр. 528

فالرجل قد جاء متصوراً أنّ رحمه وقرابته ونسبه سيشفعان له إحداثه وتبديله لدين المصطفى، فقرر الرسول ﵌ في هذه الرواية الشيعية أنّ القرابة شافعة لكنها لن تنفع من أحدث وارتد على عقبيه. ومما يؤكد أنّ المراد هنا علي بن أبي طالب هو ما ورد في كتب الشيعة الإثني عشرية من أحاديث كثيرة تفيد أنّ الناس يُدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم (١)، لكن الرجل الذي أخبر عنه المصطفى ﵌ هو من رحم رسول الله، وقد أخبر الرسول الكريم بكل صراحة أنّ هذا الرجل سيقول (أنا فلان بن فلان) لا (فلان بن فلانة). ويكمل الناصبي كلامه قائلاً: فإن حاولت الدفاع عن علي بن أبي طالب واستشهدت بحديث لعمار أو سلمان أو المقداد فأخبرك منذ البداية أنهم ممن انقلبوا على أعقابهم مع علي بن أبي طالب والحديث يشملهم فارتضاؤهم له وتزكيتهم له وقبولهم لإمامته كافٍ لاستحقاقهم المصير ذاته، فإن قلت: وأين

стр. 529

الأحاديث التي وردت في فضل علي وعمار وفلان وفلان أجبتك بأنّ فضائل أبي بكر وعمر وفلان وفلان لم تشفع لهم عندكم بل قلتم بانقلابهم على أعقابهم وشككتم بتلك الفضائل وكذلك الحال في علي بن أبي طالب ولا فرق! هذا بعض ما يُمكن أن يقوله الناصبي في الإمام علي بن أبي طالب والمقربين منه. أقول مخاطباً أرباب الضمائر الحية: هكذا تنسف النظرية الشيعية نفسها بنفسها .. ولن يستطيع الرد على هذا الناصبي الحاقد إلا أهل السنة، الذين عرفوا لصحابة رسول الله حقهم وفضائلهم وأدركوا أبعاد أحداث الفتنة وأسبابها، وقالوا للناصبي وللشيعي الإمامي: على رسلكما ... إنّ الذين أحدثوا بعد رسول الله ﵌ فئة ارتدت عن الإسلام ... قاتلها أبو بكر وعلي والصحابة ... فلقي حتفه من تلك الفئة من لقي وهو على الكفر، ليذاد يوم القيامة عن الحوض والرسول ﵌ يقول: (أصحابي أصحابي) والملائكة تجيبه (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك). ما أجمل الإنصاف وأندره ... وما أجمل أن يدرك المرء المعاني الجليلة التي يذكرها هذا الحديث ... لكن ماذا تفعل مع التعصب وأهله؟!

стр. 530

التعامل مع الصحابة من خلال أخطائهم الصالح يخطئ ويتعثر بعض الأحيان لكنه سرعان ما يتدارك نفسه ويقف مستوياً من جديد، ذاك رجل عرف الصلاح وحفظ له صلاحه مقامه عند الله وعند الناس رغم تعثره وما أخل بمكانته ولا بشرفه خطأ أو معصية بشرية لما كانت العصمة في أنبياء الله ورسله دون غيرهم من الناس، فكيف بمن قال الله عنهم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَان﴾؟ (١) هل يمكن أن يُنظر إلى هذه الفئة المزكّاة على أنها منافقة وراعية لمصالحها الشخصية وأنها بكبيرها وصغيرها إلا قلة لا تتعدى اليد الواحدة مرتدة كافرة؟! كل ذلك من أجل الإمامة التي لا يوجد نص واحد صريح فيها لا يقبل النقاش؟! رصيد هذه الفئة المؤمنة المجاهدة من هذا الجهاد العظيم ومن الإسلام الذي نشروه وأوصلوه إلينا وإلى الأمم أن يُطعن فيهم وفي نزاهتهم وفي عقيدتهم وفي كل شيء. ولذلك قيل قديماً (بعض الناس مثل الذباب لا يقع إلا على الجرح) وهذا دأب من لا يعرف في غيره إلا أخطاءهم ليُشنّع عليهم ويرميهم بالتهم، ولا يريد أن يرى فيمن يبغضه ويلعنه إلا كل الشر ... إنها منهجية البحث في القمامة كما يصفها المفكرون اليوم. ولا يخفى على المؤمن النجيب أيّ بعد عن تعاليم الإسلام وأخلاقه تلك المهاترات التي تجعله ينظر نظرة طعن ونقيصة إلى الصالحين بل إلى أناس تربوا على يدي رسول الله ﵌ وتخرجوا من مدرسته.
следующие страницы →