← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 14285

الأصل لمحمد بن الحسن - ت بوينوكالن

محمد بن الحسن الشيباني

Полный текст (6 738 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

قال: نعم. قلت: وكذلك لو أعطى ذا رحم محرم على وجه الصلة؟ قال: نعم. محمد قال: أخبرنا مالك بن (١) أنس عن داود بن حصين عن أبي غَطَفان بن طَريف المُرِّي عن مروان بن الحكم عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة لم يكن له أن يرجع فيها. ومن وهب هبة يرى أنه إنما وهبها ليثاب منها فله أن يرجع فيها إن (٢) لم يُثَب منها (٣). فكذلك ما وصفت لك قبل هذا من الهبة لذي الحاجة ولذي الرحم المحرم. قلت: أرأيت رجلاً جعل في داره مسجداً فصلى فيه الناس ثم مات ما حال المسجد؟ قال: هو ميراث لورثته، يصنعون به ما شاؤوا. قلت: أرأيت إن كان أخرجه من داره وصنعه مسجداً للناس ولم يكن فيه من الدار شيء (٤) وكان ظاهراً قد أظهره للناس (٥) وعزله من الدار ثم مات ما حال ذلك المسجد؟ قال: يكون مسجداً للمسلمين، وليس لورثته عليه سبيل. قلت: من أين اختلف هذا والأول؟ قال: لأن المسجد الأول كان في جوف الدار. وهو بمنزلة مسجد في بيته وفي داره. أرأيت رجلاً أذن للناس أن يصلوا في بيت في داره وجعل لهم مؤذناً ثم مات أما كان يصير ذلك ميراثاً؟ قلت (٦): بلى. قال: فهذا وذلك سواء. وأما إذا عزله من الدار لم يكن فيه بيت ولا طريق فهو مسجد. وكذلك سائر المساجد. قلت: أرأيت إن بنى (٧) على منزله مسجداً وسكن في أسفله ثم مات؟ قال: هذا ميراث له. قلت: أرأيت إن جعل أسفله مسجداً وفوقه بيتاً يكون فيه؟ قال: هذا ميراث أيضاً. قلت: وكذلك لو جعل أعلاه مسجداً وأسفله سِرْداباً؟ قال: نعم.

стр. 1682

ولو أن رجلاً وهب لمسكين درهماً فسماه (١) هبة ونواه من زكاته وقبضه المسكين أجزى عنه من زكاته. وكذلك النحلى. ألا ترى أنه لو أعطاه إياه عطية أجزاه من زكاته إذا نوى ذلك، والعطية (٢) عندنا هبة وليست بصدقة. ولو أعطى رجلاً غنياً عطية كان له أن يرجع فيها. ولو أعطى مسكيناً عطية على وجه الصدقة والحاجة لم يكن له أن يرجع فيها. وهذا استحسان. والقياس أن له أن يرجع إذا لم يسمها صدقة، ولكني تركت القياس. … باب النحلى والعمرى والعطية والمنحة والسكنى والاستثناء وغير ذلك (٣) قلت: أرأيت رجلاً قال لرجل: قد نحلتك عبدي هذا وقد نحلتك هذا الثوب، وقبض المنحول الثوب (٤) ما القول في ذلك؟ قال: النحلى في ذلك (٥) كله بمنزلة الهبة. قلت: وكذلك إن قال: قد أعطيتك هذا الثوب عطية؟ قال: نعم. قلت: وكذلك لو قال: قد أعمرتك هذه الدار؟ قال: نعم. قلت: وكذلك لو قال (٦): كسوتك هذا الثوب؟ قال: نعم. قلت: وكذلك لو قال: قد (٧) حملتك على هذه الدابة، أيكون بهذه المنزلة؟ قال: لا، هذه تكون عارية، ولا تكون هبة إلا أن يقول صاحب الدابة: قد أردت (٨) بذلك الهبة. قلت: أرأيت إن قال: قد أخدمتك (٩) هذه الجارية؟ (١٠) قال: هذه أيضاً عارية. قلت: وكذلك إن قال: قد (١١) منحتك هذه الجارية؟ قال: هذه أيضاً عارية. قلت: فإن قال: قد (١٢) منحتك هذه الأرض؟ قال:

стр. 1683

هذه عطية، وتكون عارية. قلت: فإن قال: قد أطعمتك (١) هذه الأرض، وإنما أطعمه غلتها (٢) والرقبة لصاحبها، أله أن يأخذها متى ما (٣) شاء؟ قال: نعم. قلت: فإن مات صاحب الأرض؟ قال (٤): فهي ميراث (٥) لورثته. قلت: أرأيت إن قال: قد أطعمتك هذا الطعام فاقبضه، فقبضه؟ قال: هذه هبة. قلت: وكذلك لو قال: قد جعلت لك هذه الدار فاقبضها وهذا العبد فاقبضه؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً قال لرجل: داري هذه لك عمرى سكنى، فقبضها ما القول في ذلك؟ قال: هذه عارية، وليست بهبة. قلت: لم؟ قال: لأنه قال: سكنى. قلت: وكذلك لو قال: هي لك نحلى سكنى؟ قال: نعم. قلت: وكذلك إن قال: هي لك سكنى هبة؟ قال: نعم (٦). قلت: وكذلك إن قال: هي لك سكنى (٧) صدقة؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن قال: هي لك (٨) فاقبضها، هل تكون هبة؟ قال: نعم. قلت: وإن لم يسم الهبة؟ قال: وإن. قلت: فإن قال: هي لك عمرى؟ قال: هذه أيضاً هبة. قلت: فإن قال: هي لك سكنى؟ قال: هذه عارية. قلت: فإن قدم الهبة في هذا الوجه وأخر العارية أو قدم العارية وأخر الهبة فهو سواء، وهي عارية كلها؟ قال: نعم. قلت: فإن قال: هي لك هبة إجارة كل شهر بدرهم أو إجارة هبة؟ قال: هذه إجارة في الوجهين جميعاً في التقديم والتأخير. قلت: أرأيت رجلاً قال لرجل: داري هذه لك عمرى تسكنها، ثم قبضها المعمر له؟ قال: هذه هبة. قلت: ولم وقد قلت: إذا قال: لك سكنى عمرى، فهي عارية؟ قال: لأن قوله: عمرى تسكنها، بمنزلة قوله: هذا الطعام لك (٩) تأكله، وهذا الثوب لك تلبسه، وهذه الدابة لك تركبها.

стр. 1684

قلت: فهذا كله هبة إذا قبضه الموهوب له؟ قال: نعم. قلت: أرأيت الرجل يقول للرجل: قد وهبت لك هذا العبد حياتك وحياته، ثم قبضه الموهوب له؟ قال: هذه هبة جائزة، وهي بمنزلة قوله: قد وهبت لك، وقوله. حياتك، باطل. قلت (١): أرأيت إن قال: قد وهبت لك هذا العبد حياتك، فإذا متَّ فهو لي، أو إذا متُّ أنا فهو لورثتي، وقبضه الموهوب له على ذلك؟ قال: هذه هبة جائزة، وليس قوله هذا بشيء (٢). قلت: وكذلك لو قال: أعمرتك داري هذه حياتك، أو قال: قد أعطيتكها حياتك، أو نحلتكها حياتك؟ قال: نعم. قلت: فإن قال: قد تصدقت بها عليك حياتك، هل له أن يرجع فيها؟ قال: لا (٣). قلت: فلو قال: عبدي هبة لك ولعقبك من بعدك، أهو بهذه المنزلة؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن قال لرجلين: قد وهبت لكما عبدي هذا، ثم قال: هو للباقي منكما، بعد ذلك، فقبضاه على ذلك؟ قال: هو لهما جميعاً، وليس قوله: للباقي، بشيء. قلت: أرأيت رجلاً قال لرجل: قد أسكنتك داري هذه (٤) حياتك ولعقبك من بعدك؟ قال: هذه عارية، يأخذها متى ما شاء. قلت: فإن قال: هي لك ولعقبك من بعدك؟ قال: هبة جائزة، والشرط [باطل، وليس] (٥) للعقب منها شيء إلا ما يرثون من الموهوب له. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل عبداً على أن يعتقه وقبضه الموهوب له على ذلك ثم أبى أن يعتقه؟ قال: الهبة جائزة، والشرط باطل. قلت: أرأيت الرجل يهب للرجل عبداً مريضاً (٦) به جرح فداواه الموهوب له فبرئ من ذلك المرض ومن ذلك الجرح هل للواهب أن يرجع فيه؟ قال: لا؛ لأنه قد برأ وازداد خيراً. قلت: فإن كان أصم (٧) فسمع

стр. 1685

أو كان (١) أعمى فأبصر هل له أن يرجع فيه؟ قال: لا. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل عبداً لا مال له غيره والواهب مريض فقبضه الموهوب له فأعتقه ثم مات الواهب من ذلك المرض أو كان الموهوب له قد باعه في حياة الواهب؟ قال: عتق الموهوب له وبيعه له جائز، ويضمن ثلثي قيمة العبد لورثة الميت. قلت: فإن كان على الميت دين يحيط برقبة العبد ولم يدع مالاً غير العبد؟ قال: يضمن الموهوب له قيمة العبد كلها. قلت: أرأيت إن كان الموهوب له معسراً وقد كان أعتق العبد هل لغرماء الواهب على العبد سبيل؟ قال: لا. قلت: ولم؟ قال: لأن حقهم على الذي أعتقه. ألا ترى أن الموهوب له لو كان باع العبد من رجل لم يكن لهم على الذي اشترى العبد سبيل. قلت: أرأيت لو أن الموهوب له أعتق العبد وهو مريض ثم مات ولا مال له غير العبد وعليه دين ما القول في ذلك؟ قال: يسعى العبد في جميع قيمته، ويكون جميع تلك القيمة بين غرماء الموهوب له، ويضرب فيها غرماء الواهب بقيمة العبد؛ لأنها دين للميت الأول على هذا الميت الآخر. ويكون ما أصاب قيمة العبد بين غرماء الواهب يضربون بالحصص جميعاً. قلت: أرأيت لو أن هذا الواهب حيث وهب هذا العبد وهو مريض كان الموهوب له ذا رحم محرم من الواهب (٢) أله أن يرجع في الهبة أو لورثته بعد موته؟ قال: أما الواهب فلا يرجع، وأما إذا مات الواهب في مرضه كان لورثته ثلثا ذلك إذا لم يكن له مال غيره. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل عبداً فاعور عند (٣) الموهوب له أله أن يرجع في العبد؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن وهب له عبداً (٤) فقبضه فدبره أله أن يرجع فيه؟ قال: لا. قلت: أرأيت إن وهب له عبداً فكاتبه ثم عجز فرده رقيقاً أله أن يرجع فيه؟ قال: نعم.

стр. 1686

قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل جارية تساوي ألف درهم فولدت عند الموهوب له فنقصت حتى صارت تساوي هي وولدها خمسمائة درهم (١) هل له أن يرجع في الجارية والولد؟ قال: يرجع في الجارية، ولا يرجع في الولد. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل عبداً فشَجَّ العبدُ الموهوبَ له أو فقأ عينه هل للواهب أن يرجع فيه (٢)، وإن رجع فيه هل للموهوب له أن يأخذ المولى بشيء مما جنى عليه؟ قال: للواهب أن يرجع فيه، وليس للموهوب له من الجناية شيء. قلت: أرأيت إن كان العبد أبق عند الموهوب له فجاء به رجل فرجع الواهب في هبته على من جُعْل العبد؟ قال: على الموهوب له. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل داراً وقبضها الموهوب له فغير منها بيتاً أو نقضها وبناها (٣) هل للواهب أن يرجع في شيء من البيت والدار؟ قال: لا. قلت: أرأيت رجلاً غصب من رجل مالاً فوهبه (٤) له المغصوب منه وهو قائم بعينه أله أن يرجع فيه؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل شجرة بأصلها فقطعها أله أن يرجع فيها؟ (٥) قال: نعم (٦). قلت: أرأيت إن قطعها وجعلها أبواباً وجذوعاً وسَقَفَها (٧) أله أن يرجع فيها؟ قال: لا، إذا كان عمل فيها شيئاً قل أو كثر

стр. 1687

لم يرجع فيها؛ لأن هذه الآن ليست بشجرة كما وهبها له. فإذا غيرها عن حالها لم يرجع فيها. قلت: لم؟ قال: لأنها قد صارت غير شجرة. وله أن يرجع في موضعها من الأرض. ولو وهبها له بغير أصلها وأذن له في قبضها كان له أن يرجع؛ لأن الهبة جازت وهي مقطوعة. والباب الأول جازت (١) الهبة وهي شجرة. وكذلك لو وهب له تمراً (٢) في نخل وأمره بجَزِّه (٣) وقبضه كان له أن يرجع فيه. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل عبداً وقبضه الموهوب له فجنى عنده جناية بلغت قيمة العبد أو أكثر ففداه الموهوب له أللواهب أن يرجع في العبد؟ قال: نعم. قلت: وهل يرجع عليه الموهوب له بشيء؟ قال: لا. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل ثوباً فشقه نصفين فخاط نصفه قباء والنصف الآخر على حاله أله أن يرجع في النصف الباقي؟ قال: نعم. قلت: فإن كان وهب له شاة فذبحها هل له أن يرجع فيها؟ قال: نعم في قول أبي يوسف (٤). ولو ضحى بها لم يكن له أن يرجع فيها (٥). قلت (٦): أرأيت لو ضحى بها أو ذبحها في هدي متعة أما كانت (٧) تجزئ عنه. فكيف يكون للواهب أن يرجع فيها وهي تجزئ (٨) عنه. وقال محمد: يرجع فيها، وتجزئ عنه من الأضحية والمتعة. ولو أن رجلاً وهب لرجل درهماً وقبضه ثم إن الموهوب له جعله صدقة لله كان للواهب أن يرجع فيه ما لم يقبضه المتصدق عليه في قول أبي حنيفة ومحمد. قلت: فإن كان وهب أَجْذَاعاً (٩)

стр. 1688

فكسرها فجعلها حطباً أله أن يرجع فيها؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن وهب له لَبِناً (١) فكسره فجعله طيناً ولم (٢) يبله أله أن يرجع فيه؟ قال: نعم، له أن يرجع فيه. قلت: فإن أعادها لبناً؟ قال: فإن (٣) أعادها لبناً فلا يرجع. قلت: فما الزيادة التي لا يستطاع الرجوع فيها وما النقصان الذي يرجع فيه؟ قال: إذا زادت الهبة خيراً في البدن أو زاد فيها الموهوب له شيئاً غيرها قل أو كثر لم يكن له أن يرجع فيها، وإن زادت شراً في البدن أو نقصت من الهبة شيئاً والهبة قائمة بعينها فله أن يرجع فيما بقي. قلت: أرأيت الرجل يهب للرجل دابتين فازدادت إحداهما خيراً والأخرى شراً؟ قال: يرجع في التي ازدادت شراً، ولا يرجع في التي ازدادت خيراً. قلت فإن وهب له بُخْتُجاً (٤) فجعله خلاً؟ قال: لا يرجع فيه. قلت: فإن وهب له ثوباً هروياً فصبغه بزعفران أله أن يرجع فيه؟ قال: لا. قلت: أرأيت إن وهب له سيفاً فجعله سكاكين؟ قال: إذا جعل منه سكيناً واحدة (٥) أو أكثر من ذلك فليس له أن يرجع فيها، وإن كسره فجعله سيفاً آخر (٦) لم يكن له أيضاً أن يرجع فيها. قلت: فإن وهب له داراً فبناها على غير ذلك البناء وترك بعضها على حاله أله أن يرجع في شيء منها؟ (٧) قال: لا. قلت: أرأيت (٨) إن وهب له حماماً فجعله مسكناً أو وهب له بيتاً فجعله حماماً أله أن يرجع فيه؟ قال: إن كان البناء على حاله لم يزد فيه شيئاً فله أن يرجع فيه، وإن كان نقص شيئاً فله أن يرجع فيه أيضاً، وإن كان زاد فيه (٩) شيئاً فليس له أن يرجع فيه. وكذلك إن غلق عليه باباً أو

стр. 1689

جصصه أو أصلحه وجعله بِصَارُوج (١) أو طينه فليس له أن يرجع فيه. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل غلاماً فقبضه الموهوب له ثم إن العبد شج رجلاً ففداه الموهوب له أو لم يفده حتى رجع فيه الواهب؟ قال: إن لم يكن فداه الموهوب له حتى رجع فيه الواهب فالأرش في عنق العبد، إن شاء الواهب فداه، وإن شاء دفعه. وإن كان الموهوب له فداه قبل أن يرجع فيه الواهب فليس له على الواهب الراجع ولا على العبد شيء. … باب هبة المريض قلت: أرأيت مريضاً وهب لصحيح عبداً يساوي ألفاً ولا مال له غيره ودفعه إليه وقبضه الصحيح [و] عَوَّضَ المريضَ (٢) عوضاً (٣) فقبضه المريض ثم مات المريض والعوض عنده؟ قال: إن كان العوض مثل ثلثي قيمة الهبة أو أكثر فالهبة جائزة، والعوض جائز. وإن كان قيمة العوض مثل نصف قيمة الهبة رجع ورثة الواهب في سدس الهبة. فإن شاء الموهوب له رد الهبة كلها وأخذ العوض، وإن شاء رد سدس الهبة التي لا تجوز له وأمسك ما بقي، إذا كان اشترط في أصل العوض. وإن لم يكن اشترط فإنه يرجع في سدس العوض (٤).

стр. 1690

محمد عن أبي يوسف عن الأعمش عن إبراهيم قال: لا تجوز هبة المريض إلا مقبوضة، وأما الصدقة فتجوز إذا علمت (١). قلت: أرأيت رجلاً مريضاً صاحب فراش وهب (٢) هبة في مرضه فمات في مرضه ذلك هل تجوز الهبة؟ قال: إن كان الموهوب له قد قبضها فالهبة جائزة من الثلث، وإن كان لم يقبضها فالهبة باطلة، وهي ميراث لورثة الميت. قلت: ولم؟ قال: لأن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة. ألا ترى لو أن رجلاً وهب لرجل هبة وهو صحيح فلم يقبضها حتى يموت الواهب لم تجز الهبة. وكذلك المريض. قلت: أرأيت إن كان الموهوب له قد قبضها ثم مات المريض هل تجوز الهبة؟ قال: نعم، ويكون من الثلث. فإن كانت الهبة تبلغ الثلث أو أقل جازت. وإن كانت أكثر جاز منها الثلث ويرد ما بقي منها إلى الورثة. قلت: وكذلك الصدقة في المرض والنحلى والعطية والعمرى؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً مريضاً وهب لرجل داراً وقبضها ودفعها إليه ثم إن المريض مات في مرضه ذلك وليس للميت مال غيرها ما القول في ذلك؟ قال: يرد ثلثي الدار إلى الورثة، والهبة في ثلثها جائزة. قلت: لم؟ قال: لأنه قد قبضها قبل موت المريض. ألا ترى لو أن رجلاً وهب لرجل داراً وقبضها الموهوب له ثم جاء رجل آخر فاستحق نصفها كانت الهبة مردودة، لأنه إذا استحق نصفها صار كأنه وهب له شيئاً (٣) غير مقسوم. ولا يشبه هذا الباب الأول؛ لأن الباب الأول كانت الهبة صحيحة، وإنما انتقضت بعد ذلك، وهذه كانت في الأصل منتقضة. قلت: فإن وهب له داراً في مرضه وهي تزيد على الثلث؟ قال: هو جائز من الثلث. قلت: وكذلك الصدقة في المرض والعمرى والنحلى والعطية؟ قال: نعم. قلت: وكذلك كل شيء وهب له في مرضه مما لا يقسم وهو أكثر من الثلث كان جائزاً

стр. 1691

من الثلث إذا قبضه؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن وهب له شيئاً لا يقسم في مرضه فقبضه الموهوب له فزاد على الثلث هل تجوز الهبة؟ قال: نعم، ويجوز ذلك من الثلث، ويرد ما زاد على الثلث (١) إلى الورثة. قلت (٢): وكذلك كل شيء لا يقسم وهبه له في مرضه فقبضه الموهوب له؟ قال: نعم، هو جائز. قلت: فإن كان أكثر من الثلث؟ قال: الفضل يرد على الورثة. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل جارية في مرضه وهي جميع ماله فقبضها الموهوب له فأعتقها أو وطئها فعَلِقَت منه أو باعها ثم مات الواهب في مرضه ذلك ما القول في ذلك؟ قال: عتقه جائز وبيعه جائز، وتصير أم ولد له إذا علقت منه، ويضمن الموهوب له ثلثي قيمتها للورثة. قلت: أرأيت إذا أعتقها الموهوب له وهو (٣) معسر هل لورثة الواهب أن يستسعوا الجارية؟ قال: ليس لهم على الجارية سبيل، وهي حرة، وعلى الموهوب له ثلثا قيمة الجارية ديناً عليه. قلت: ولم صار هذا هكذا؟ قال: لأن الموهوب له أعتقها يوم أعتقها وهو يملك جميع الرقبة وليس للواهب في الجارية (٤) شيء، وإنما لزم (٥) الموهوب له ثلثا القيمة وكان ديناً عليه بعتقه. قلت: أرأيت إن دبر الموهوب له الأمة أو كاتبها ثم مات الواهب قبل أن تؤدي (٦) شيئاً ما القول في ذلك؟ قال: تدبيره جائز، ومكاتبته جائزة، ويضمن ثلثي القيمة للورثة، ولا تُرَدّ المكاتبة. قلت: أرأيت إن كان الموهوب له مريضاً فأعتقها في مرضه ومات من ذلك المرض ولا مال له غيرها؟ قال: تسعى الجارية في ثمانية أتساع قيمتها ويبقى لها التسع، فترد (٧) من سعايتها ستة أتساع قيمتها إلى ورثة الواهب ويكون تسعا القيمة لورثة الموهوب له. قلت: أرأيت إذا قضى (٨) القاضي على المولى بثلثي القيمة ثم

стр. 1692

إن المكاتبة عجزت بعد ذلك هل للورثة على المكاتبة سبيل ولم يأخذ الورثة من الموهوب له شيئاً (١) بعد ذلك؟ قال: لا؛ لأن الجارية للموهوب له، وثلثي القيمة دين على الموهوب له. قلت: أرأيت إن لم يخاصم الورثة الموهوب له في المكاتبة حتى عجزت وردت (٢) في الرق؟ قال: يكون ثلثا العبد (٣) للورثة، وثلثه للموهوب له. قلت: ولم؟ قال: لأن القاضي ما لم يقض على الموهوب له بالمال ولم يستهلك الموهوب له العبد فثلثا (٤) العبد للورثة إذا اختصموا وهو في يدي الموهوب له. قلت: أرأيت إذا مات المريض والعبد في يدي الموهوب له (٥) على حاله، فأعتقه الموهوب له بعد موت الواهب أو كاتبه أو باعه أو دبره، أهو بهذه المنزلة- أيضاً؟ قال: نعم. قلت: لم؟ قال: لأنه له حتى يرد ذلك القاضي. قلت: أرأيت إن خاصموه فقضى القاضي على الموهوب له برد ثلثي العبد ولم يقبضه الورثة حتى أعتقه الموهوب له هل يجوز عتقه في جميعه؟ قال: لا، ولكن يجوز عتقه في ثلثه في قول أبي حنيفة. والورثة بالخيار إن كان الموهوب له موسراً، وهو في هذه الحال بمنزلة عبد بينهم. فإن كان موسراً فالورثة بالخيار، إن شاؤوا أعتقوا، وإن شاؤوا ضمنوا، وإن شاؤوا استسعوا. فإن أعتقوا أو استسعوا فالولاء بينهما، الثلثان للورثة، والثلث للموهوب له. وإن ضمنوا فالولاء (٦) كله للموهوب له. وهذا قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: الولاء كله للموهوب له خاصة (٧). قلت: أرأيت إن كان على هذا

стр. 1693

الميت دين كثير يحيط بماله فأعتق الموهوب له العبد أو باعه أو دبره أو كاتبه قبل موت الواهب بعدما قبضه أو فعل ذلك بعد موته قبل أن يخاصمه الورثة إلى القاضي؟ قال: جميع ما صنع فيه الموهوب له فهو جائز من بيع أو عتق أو غير ذلك، والكتابة جائزة، ويضمن الموهوب له جميع القيمة للغرماء بينهم (١). قلت: فمتى يضمن القيمة؟ قال: يوم قبض العبد إلا أن يزيد العبد قبل العتق فيضمن قيمته يوم أعتق. قلت: ويكون للغرماء على العبد سبيل؟ قال: لا يرجعون عليه بما بقي من دينهم، ولا سبيل لهم عليه. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل عبداً وهو جميع ماله وقيمته ألف درهم فقبضه الموهوب له وهما مريضان جميعاً صاحبا فراش ودفع العبد إلى الموهوب له ثم إن الواهب مات ومات الموهوب له في مرضهما ما القول في ذلك؟ قال: يرد ثلثا العبد إلى ورثة الواهب، ويكون ثلثه لورثة الموهوب له. قلت: أرأيت إن كان الموهوب له قد أعتق العبد في ذلك المرض وليس لواحد منهما مال غيره ما القول في ذلك؟ (٢) قال: عتق الموهوب له فيه جائز، وثلثا قيمته دين على الموهوب له، ويسعى العبد في ثلثي قيمته لورثة الواهب دينهم الذي لهم، ويسعى بعد ذلك في ثلث ما بقي لورثة الموهوب له، فيكون جميع سعاية العبد ثمانية أتساع قيمته، وتكون وصيته تسع قيمته، وذلك ثلث ما بقي بعد الدين. قلت: أرأيت إن كان على الموهوب له دين ألف درهم ما القول في ذلك وقيمة العبد ألف؟ قال: يسعى العبد في جميع قيمته، فيقتسمانها (٣) غرماء الموهوب له وورثة الواهب بالحصص، فيضرب فيها غرماء الموهوب له بجميع دينهم، ويضرب فيه

стр. 1694

ورثة الواهب بثلثي القيمة؛ لأنه دين على الموهوب له. قلت: ولم كان هذا (١) هكذا؟ قال: لأن هذا كله دين على الموهوب له، وحق ورثة الواهب دين عليه أيضاً، وما كان عليه من دين (٢). ألا ترى أن العبد لو كان (٣) مات في يدي الموهوب له ثم مات الموهوب له وترك ألف درهم اقتسماها (٤) غرماء الموهوب له (٥) وورثة الواهب على ما ذكرت لك بالحصص. قلت: أرأيت إن كان على الواهب دين كثير ما القول في ذلك والدين يحيط بماله؟ قال: يسعى العبد في جميع قيمته، فيكون بين غرماء الواهب وغرماء الموهوب له بالحصص، يضرب فيها غرماء الواهب بقيمة العبد، ويضرب فيها غرماء الموهوب له بجميع دينهم، فيكون ذلك بينهم على ذلك بالحصص. قلت: فإن كان المال سواء كان نصفه لغرماء الواهب ونصفه لغرماء الميت؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن كان دين الواهب أكثر من قيمة العبد بكم يضربون مع الغرماء؟ قال: يضربون بقيمة العبد، ويضرب غرماء الموهوب له بجميع دينهم في سعاية العبد. قلت: ولم كان هذا هكذا؟ قال: لأن قيمة العبد دين للواهب على الموهوب له، فلا يضربون بأكثر من ذلك؛ لأن قيمته دين على الموهوب له. وهو بمنزلة ألف درهم كانت للواهب على الموهوب له، فما أصاب الألف التي ضرب بها غرماء الواهب فهي بينهم بالحصص. قلت: فلم يضرب غرماء الموهوب له (٦) بجميع دينهم؟ قال: لأن دينهم على الموهوب له، [فمن] ثم ضربوا (٧) به. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل عبداً وهو مريض فقبض الموهوب له العبد والعبد ثلث ماله ثم إن الموهوب له قتل الواهب في مرضه ذلك ما القول في ذلك؟ قال: الهبة مردودة إلى ورثة الواهب. قلت: لم؟ قال: لأن

стр. 1695

الموهوب له قاتل، فلا تجوز له وصية وهو قاتل. قلت (١): فكيف لا تجيزها وهي هبة؟ قال: لأنها بمنزلة الوصية إذا مات. ألا ترى أنني قد جعلتها من الثلث. قلت: أرأيت مريضاً وهب لرجل عبداً في مرضه قيمته ألف درهم وقبضه الموهوب له وليس له مال غيره ثم إن العبد قتل الواهب ما القول في ذلك؟ قال: يقال للموهوب له: افد (٢) العبد، فإن فداه بالدية كان العبد له، لأنه يخرج (٣) من الثلث. وإن دفعه فلا شيء له. قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل عبداً فقبضه الموهوب له وهما صحيحان جميعاً ثم إن الموهوب له مرض وليس له مال غير العبد فرجع الواهب في العبد أيكون له ذلك؟ قال: نعم، له أن يرجع فيه. فإن رجع فقبضه بأمر القاضي فذلك جائز ولا حق للموهوب له فيه ولا لورثته. وإن كان على الموهوب له دين لم يكن لغرمائه عليه سبيل مِن قِبَل أن هذا حق للواهب. ألا ترى أن الموهوب له لو أراد أن يرجع فيه بعدما رده عليه لم يكن له ذلك. أفلا ترى أن رده ليس بهبة مستقبلة. لو كانت هبة كان له أن يرجع. قلت: أرأيت إن رجع فيه وقبضه في مرض الموهوب له أيجوز ذلك؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن كان على الموهوب له دين؟ قال: وإن كان عليه دين فهو جائز؛ لأنه إنما رجع في حقه. قلت: فإن مات الموهوب له في ذلك المرض؟ (٤) قال: وإن مات. قلت: أرأيت إن كان الموهوب له رده إليه بغير أمر القاضي (٥) ثم مات الموهوب له قبل أن يرتفعوا إلى القاضي؟ قال (٦): يرد العبد إلى ورثة المؤهوب له. فإن كان عليه (٧) دين بيع للغرماء. وإن لم يكن عليه دين فثلثه للواهب وثلثاه لورثة الموهوب له. قلت: ولم صار هذا هكذا؟ قال: لأن رده عليه بمنزلة هبة له. قلت: وإن

стр. 1696

كان قد رجع فيه الواهب؟ قال: وإن كان، إلا أن يكون قد قضى عليه القاضي برده، فإن كان قضى القاضي عليه برده فهو جائز، وليس للورثة عليه سبيل ولا للغرماء. وأما إذا رجع فيه ورده بغير قضاء قاض فلا يجوز ذلك؛ لأنه مريض كما وصفت لك. قلت: أرأيت إن كان الواهب رجع وهو صحيح (١) يوم وهب والموهوب له مريض (٢) أهو بهذه المنزلة؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن كان الواهب مريضاً أهو بهذه المنزلة؟ قال: لا؛ لأن الواهب إذا كان مريضاً لم يجز ما صنع إلا أن يكون من الثلث. فإن كان من الثلث جاز. فأما إذا كان غير مريض فهو جائز. قلت: أرأيت مريضاً وهب لصحيح عبداً يساوي ألفاً ولا مال له غيره ودفعه إليه وقبضه ثم إن الصحيح عوض المريض عوضاً وقبضه (٣) المريض ثم مات المريض والعوض عنده؟ قال: إن كان في العوض مثل ثلثي قيمة الهبة أو أكثر فالهبة جائزة، والعوض جائز. وإن كان قيمة العوض مثل نصف قيمة الهبة رجع ورثة الواهب في سدس الهبة. فإن شاء الموهوب له رد الهبة كلها وأخذ العوض. وإن شاء رد سدس الهبة الذي لا يجوز له (٤). وإن شاء أمسك ما بقي إذا (٥) كان اشترط في أصل الهبة العوض (٦). وإن لم يكن اشترط فإنه يرجع بسدس الهبة بلا خيار (٧). قلت: أرأيت رجلاً مريضاً له عبد يساوي خمسة آلاف درهم وهبه لرجل وقبضه الموهوب له وليس له مال غيره ثم إن العبد قتل المريض خطأ؟ قال: يقال للموهوب له: إن شئت فادفعه ولا شيء لك، وإن شئت فافده بالدية كلها وهو لك، فإن فداه سلم له، وإن دفعه دفع نصفه (٨).

стр. 1697

قلت: فإن كان يساوي ستة آلاف درهم واختار الفداء؟ قال: يرد الموهوب له على ورثة الواهب ربع العبد، ثم يقال له: ادفع (١) ما بقي ولا شيء لك، أو افده بثلاثة أرباع الدية بسبعة آلاف وخمسمائة درهم، فيكون في يدي الورثة تسعة (٢) آلاف، وفي يدي الموهوب له أربعة آلاف وخمسمائة. … باب هبة المسلم للذمي والذمي للمسلم والعوض منهما قلت: أرأيت مسلماً وهب لنصراني (٣) هبة أو ليهودي أو مجوسي هل يجوز ذلك؟ قال: نعم. قلت: وكذلك الذمي لو كان هو الواهب للمسلم؟ قال: نعم. قلت: وهما في ذلك بمنزلة المسلمين؟ قال: نعم. قلت: أرأيت مسلماً وهب لأبيه وأبوه نصراني أو مجوسي أو يهودي ودفعه إليه أله أن يرجع في هبته؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال (٤): لأنه أبوه. ليس له أن يرجع فيما وهب لأبيه وإن كان ذمياً. قلت: وكذلك (٥) لو وهب الذمي للمسلم وهو ذو (٦) رحم محرم منه؟ قال: نعم. قلت: وهو في ذلك بمنزلة المسلمين؟ قال: نعم. قلت: وإن وهب لذي رحم محرم لم يرجع فيه وإن كان ذميا، وإن وهب لغير ذي رحم محرم رجع فيه؟ قال: نعم. [قلت: أرأيت رجلاً وهب لزوجته هبة وهي أمة لأجنبي أله أن يرجع في هبته؟ قال: نعم] (٧). قلت: ولم وقد (٨) زعمت أنه ليس للرجل أن

стр. 1698

يرجع فيما وهب لامرأته؟ قال: لأن الهبة هاهنا للمولى وليس هي للمرأة. ألا ترى لو أن رجلاً وهب لعبد هبة والعبد أخوه كان له أن يرجع فيه لأن الهبة وقعت للمولى. قلت: أرأيت إن كانت امرأته (١) ذمية فوهب لها هبة أله أن يرجع فيها؟ قال: لا، وهي في ذلك بمنزلة الحرة المسلمة. قلت: وكذلك إن وهبت له هبة لم تكن (٢) لها أن ترجع فيها؟ قال: نعم، لا ترجع فيها. قلت: أرأيت مسلماً وهب لذمي هبة فعوضه الذمي خمراً فقبضها المسلم منه أيكون للمسلم أن يرجع في هبته؟ قال: نعم، ولا تكون الخمر عوضاً. قلت: ولم؟ قال: لأن الخمر لا تحل (٣) للمسلم. قلت: وكذلك إن وهب الذمي للمسلم هبة فعوضه المسلم من هبته خمراً؟ قال: نعم، لكل واحد منهما أن يرجع في هبته، ولا يكون ذلك عوضاً؛ لأنه لا يحل للمسلم أن يعوضه الخمر، ولا يكون ما يحرم عليه عوضاً من هبته. قلت: أرأيت إن صار الخمر بعد ذلك خلا في يد (٤) المسلم أو في يد النصراني هل يكون ذلك عوضاً؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: لأنها لم تكن يوم قبضها المعوض (٥) عوضاً، فلا تكون عوضاً بعد ذلك. وأيهما كان ذلك (٦) في يديه فرده إلى صاحبه رجع الآخر (٧) في هبته. قلت: أرأيت نصرانياً وهب لنصراني هبة فعوضه من هبته خمراً أو خنزيراً فقبض كل واحد منهما ذلك أيكون ذلك عوضاً؟ قال: نعم، ولا يكون لواحد منهما أن يرجع في هبته. قلت: ولم؟ قال: لأن هذا في دينهم حلال. ألا ترى (٨) أني أجيز بيعها فيما بينهم، فلذلك (٩) جعلته عوضاً. قلت: أرأيت إن عوضه بميتة أو دم أيكون ذلك عوضاً؟ قال: لا. قلت: ولم؟

стр. 1699

قال: لأن هذا ليس له ثمن عندهم، ولا يجوز بيعه فيما بينهم، ولو تبايعوه لم أجزه ولم أجعله في الهبة. قلت: أرأيت رجلاً ارتد عن الإسلام فوهب له رجل هبة وقبضها وعوضه المرتد عوضاً منها (١) وقبض العوض ثم إن المرتد أسلم فهل يجوز ذلك، ولا يكون للواهب أن يرجع في هبته؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن قتل المرتد مرتداً أو لحق بدار الحرب؟ قال: أجيز الهبة، ولا يجوز ما عوض، ويرجع ورثته فيأخذون من الواهب العوض. قلت: ولم؟ قال: لأن المرتد عوض مال الورثة، ولأنه لا يجوز شيء مما صنع إلا أن يسلم. وقال أبو يوسف: يجوز عوضه كما يجوز عوض المسلم، ولا سبيل لورثته على العوض. وقال محمد: يجوز عوضه كما يجوز عوض المسلم (٢) المريض من الثلث. قلت: أرأيت إن كان المرتد هو الواهب وقد عُوِّضَ من هبته ثم قتل مرتداً أو لحق بدار الحرب؟ قال: ترد هبته إلى ورثته. قلت: فإن كان عُوِّضَ شيئاً رجع العوض إلى صاحبه إن كان قائماً بعينه، وإن كان قد استهلكه كان ذلك ديناً في ماله؟ قال: نعم. قلت: وسواء إن كان علم الآخر بارتداده أو لم يعلم في جميع ما ذكرت لك؟ قال: نعم. قلت: ولم صار هذا هكذا؟ قال: لأن هبة (٣) المرتد لا تجوز في قول أبي حنيفة إلا أن يسلم. فإذا أُخِذَت الهبة من الموهوب له رجع فأخذ عوضه؛ لأن الهبة لم تَسْلَمْ له. قلت: فإن أسلم المرتد بعدُ جاز ما صنع في جميع ما ذكرت؟ قال: نعم. قلت: أرأيت مرتداً وهب لنصراني هبة أو وهب له النصراني هبة على أن يعوضه النصراني من هبته خمراً أو يعوض هو (٤) النصراني من هبته خمراً

стр. 1700

ثم قتل (١) في ردته أو أسلم أيكون لواحد منهما أن يرجع في هبته؟ قال: نعم، ولا يكون ما عوض واحد منهما صاحبه عوضاً. قلت: وكذلك لو مات مرتداً أو لحق بدار الحرب أَجَزْتَ الهبة له إذا كانت بغير شرط عوض، ولا تُجَوِّزُ هبته ولا عوضه؟ قال: نعم. قلت: ولم لا تَجْعَلُ عوضه عوضاً؟ قال: لأنه لو باعها أو اشتراها لم أجزه، فلا يكون ذلك عوضاً، ولا يكونان بمنزلة الذميين في ذلك. قلت: أرأيت رجلاً من أهل الحرب دخل إلينا بأمان فوهب له رجل مسلم هبة أو وهب هو لمسلم هبة فعوض أحدهما صاحبه أيكون (٢) ذلك بمنزلة المسلمين، ولا يكون لواحد منهما أن يرجع في هبته؟ قال: نعم، لا يرجع فيها. قلت: أرأيت إن لم يكن بينهما عوض أيكون لكل واحد منهما أن يرجع فيما وهب لصاحبه؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن رجع الحربي بعد ذلك إلى دار الحرب وقد وهب هبة أو وُهِبَ له وليس بينهما عوض فأسلم (٣) ورجع ثانياً إلى دار الإسلام بأمان أيكون له أن يرجع في هبته إن كانت قائمة بعينها، أو يكون للمسلم أن يرجع في هبته إن كانت قائمة بعينها (٤) في يدي الحربي؟ قال: نعم. قلت. أرأيت إن سبي الحربي وأخذت الهبة معه ثم جاء صاحبها هل له أن يرجعٍ فيها ولم يقسم المغنم بعد؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: لأنها قد صارت فيئاً وخرجت من ملك الحربي. قلت: أرأيت إن وقع الحربي في سهم رجل فأعتقه فوصلت إليه تلك الهبة بعد ذلك بشرى أو غير ذلك أيكون له أن يرجع فيها؟ قال: لا. قلت: لم (٥) وهي قائمة بعينها في يديه؟ قال: لأنها رجعت إليه بملك غير ملك الأول. قلت: أرأيت إن كان الحربي هو الواهب فسبي ووقع في سهم رجل وصار عبداً له هل له أن يرجع في هبته وهي قائمة بعينها عند الذي وهبها له؟ قال: لا يرجع (٦) فيها؛ لأنها تصير لمولاه. وقال أبو يوسف: هبة المرتد

стр. 1701

وعوضه وبيعه وشراه جائز بمنزلة المسلم، وإن قتل على ردته ولحق بدار الحرب فهو بمنزلة المسلم الصحيح. قلت: أرأيت إن أعتق العبد فرجع في هبته لمن تكون؟ قال: لا يستطيع أن يرجع فيها، وتكون (١) للموهوب له، ولا يكون للمولى منها شيء. قلت: أرأيت حربياً وهب لحربي هبة ثم أسلم أهل الدار أو أسلما فخرجا إلى دار الإسلام أللواهب منهما أن يرجع في هبته وهي قائمة بعينها؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن كان عوضه في دار الحرب من هبته عوضاً هل له أن يرجع فيها؟ قال: لا. قلت: ويكونان في ذلك بمنزلة غيرهما؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً مريضاً وهب لصحيح عبداً يساوي ألفاً ولا مال له غيره ودفعه إليه وقبضه على أن يعوضه شيئاً بعينه أو بغير عينه وقد سماه فعوض (٢) الصحيح للمريض عوضاً وقبضه المريض ثم مات المريض والعوض عنده؟ قال: إن كان قيمة العوض مثل ثلثي قيمة الهبة أو أكثر فالهبة جائزة والعوض جائز. وإن كان العوض مثل نصف قيمة الهبة رجع ورثة الواهب في سدس الهبة. فإن شاء الموهوب له رد الهبة كلها وأخذ العوض. وإن شاء رد سدس الهبة التي لا تجوز له وأمسك ما بقي (٣). وقال في رجل بينه وبين رجل عبد (٤) فوهب له أحدهما ألف درهم أو شيئاً مما يكال أو يوزن: إنه لا يجوز لشريكه في الغلام منه شيء، والهبة

стр. 1702

باطلة. وكذلك الصدقة. وإن وهب شيئاً من العروض مما لا يقسم فنصفه لشريكه جائز، والنصف الآخر رد على الواهب. وقال في رجل وهب لرجل عبداً وقبضه [أو تصدق به وقبضه] (١) المتصدق به عليه ثم قال: هذه الجارية لك بمكان هذا العبد، أو قال: بدلاً من هذا العبد، أو قال: عوضاً من هذا العبد، وقبض ذلك الموهوب له، قال: لا تصير الجارية له إلا برد العبد عليه، فإن رد العبد على الواهب تمت له الجارية. وقال في رجل وهب لرجل هبة وقبضها الموهوب له ثم ناقضه الهبة أو قال: قد رددتها عليك، وقبض ذلك الواهب أو لم يقبض (٢)، ثم بدا للموهوب له أن يرجع عن ذلك [لم يكن له ذلك] (٣) قبض الواهب أو لم يقبض. وقال في رجل استودع وديعة فجحدها بغير محضر من صاحبها، قال: هو ضامن بمحضره كان أو بغير محضره، إلا أن يكون سلطاناً يخاف على ذلك المال منه إن أقر به، أو يخاف اللصوص مكابرين. فإن أنكر في هذه الأحوال أن يكون لذلك الرجل عنده وديعة فلا ضمان عليه. أو يكون صاحبها أمره أن يكتم ذلك ولا يخبر به أحداً، فإن أنكر في هذه الحال فلا ضمان عليه في ذلك؛ لأنه لا يسعه إلا ذلك إذا استودعه على ذلك (٤). وقال في رجل في يده وديعة دار (٥) أو دابة أو متاع (٦) أو دنانير أو دراهم ثم مات الذي هي (٧) في يديه وله وصي، قال: فللوصي (٨) أن يقبضها فتكون في يديه حتى يجيء صاحبها، وهو بمنزلته في ذلك، لا

стр. 1703

سبيل للورثة عليها. وكذلك لو لم يكن له وصي لم يكن للورثة عليها سبيل. وينبغي للقاضي أن يجعل له وصياً (١) فيجعلها في يديه حتى يجيء صاحبها متى ما جاء. وكذلك إن أنكر الورثة أن يكون عنده وديعة إلا واحداً منهم فإنه قال: هي وديعة لفلان، فأقام على ذلك بينة جعلها القاضي في يد (٢) وصي الميت حتى يجيء الذي قامت له البينة أنها وديعة له (٣).

стр. 1704

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) كتاب الإجارات أبو سليمان عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف قال: حدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "لا يستام الرجل على سوم أخيه، ولا ينكح على خطبته، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها، فإن الله تعالى هو رازقها، ولا تناجشوا (٢)، ولا تبايعوا بإلقاء الحجر، ومن استأجر أجيراً فليعلمه أجره" (٣). محمد عن أبي يوسف عن العلاء بن المسيب بن رافع عن أبي أمامة

стр. 1705

قال: قلت لعبدالله بن عمر: إني رجل أكري إبلي إلى مكة (١)، أفيجزئ عني من حجي؟ قال: ألست تلبي وتقف وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى. قال ابن عمر: سألت رسول الله ﷺ عن مثل ما سألتني عنه (٢)، فلم يجبني حتى أنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣)، فقال لهم رسول الله ﷺ : "أنتم حجاج" (٤). محمد عن أبي يوسف عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: أتاه رجل، فقال: إني أجرت نفسي من قوم، وحططت لهم من أجرتي، أفيجزئ (٥) عني من حجي؟ قال: فقال ابن عباس: هذا من الذين قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦). محمد عن مالك بن مغول عن القاسم بن صفوان قال: أكريت ابن عمر إبلاً بدنانير، فأتيته أتقاضاه، وعنده دراهم، فقال لمولاه: اذهب بها إلى السوق، فإذا قامت على ثمن فإن أرادها فأعطه إياها، وإلا فبعها وأعطه ماله. قال: وقلت: ويصلح هذا يا أبا (٧) عبدالرحمن؟ قال: وما بأس بهذا، إنك ولدت وأنت صغير (٨).

стр. 1706

محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة عن أبي حصين عن عباية بن رافع بن خديج عن أبيه قال: مر رسول الله ﷺ على حائط فأعجبه، فقال: "لمن هذا؟ "، فقلت: لي، استأجرته، فقال: "لا تستأجره بشيء منه" (١). محمد عن أبي يوسف عن حصين بن عبد الرحمن عن عامر الشعبي أنه قال في رجل استأجر بيتاً فأجره بأكثر مما استأجره، فقال عامر: لا بأس بذلك، إذا كان يفتح بابه ويغلقه ويخرج متاعه فلا بأس بالفضل (٢). وقال أبو حنيفة. إذا أصلح في البيت شيئاً فلا بأس بالفضل، وإن لم يصلح فيه شيئاً بتطيين أو تجصيص أو لا يزيد فيه شيئاً فلا خير في الفضل، ويتصدق به. محمد عن أبي يوسف عن فطر عن عطاء أنه كان لا يرى بالفضل بأساً (٣). وكان عطاء يعجب من قول أهل الكوفة في ذلك أنهم كرهوا الفضل. محمد عن أبي يوسف عن غالب بن عبد الله (٤) عن عطاء أنه قال: لا بأس بأن يؤاجره بأكثر من ذلك وأن لم يصلح فيه شيئاً. محمد عن أبي يوسف عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن إبراهيم

стр. 1707

أنه كان يكره الفضل إلا أن يزيد فيه شيئاً، فإن زاد فيه شيئاً طاب له الفضل (١). محمد عن أبي يوسف عن الأعمش عن إبراهيم أنه كان يعجبهم إذا أبضعوا بضاعة أن يعطوا صاحبها أجراً كي يضمنها (٢). محمد عن أبي يوسف عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر (٣) عن شريح أنه خاصم إليه بقالاً قد أجره رجل بيتاً، فألقى إليه مفتاحه في وسط من الشهر، فقال شريح: هو بريء من البيت. وقال أبو حنيفة: إن كان له عذر فهو بريء من البيت، وإن لم يكن له (٤) عذر فالإجارة لازمة له، والعذر أن يريد السفر أو يفلس فيقوم عن السوق أو يمرض فيقوم عن السوق أو ما أشبه ذلك. محمد عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه كان لا يضمن (٥) الأجير المشترك ولا غيره (٦). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: المشترك عندنا القصار والخياط والصباغ والإسكاف وكل من يتقبل (٧) الأعمال من غير واحد، وأجير الرجل وحده يكون الرجل يستأجر الرجل ليخدمه شهراً أو

стр. 1708

ليخرج معه إلى مكة وما أشبه ذلك مما يستأجر فيه شهراً أو سنة (١) مما لا يستطيع الأجير أن يؤاجر فيه نفسه من غيره. محمد عن أبي يوسف عن أشعث بن سوار عن ابن سيرين عن شريح أنه كان يضمن الملاح من كل شيء إلا الغرق والحرق (٢). وقال أبو حنيفة: إن غرقت من يده أو من معالجته فهو ضامن، وإن احترقت من نار أدخلها السفينة لحاجة له من خبز أوطبخ أو غير ذلك فلا ضمان عليه. محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة عن علي بن الأقمر قال: جاء رجل بصباغ إلى شريح وأنا عنده قاعد، فقال: إني أعطيت هذا ثوبي يصبغه فاحترق بيته، فقال له شريح: اضمن له ثوبه، فقال الصباغ: كيف أضمن له وقد احترق (٣) بيتي؟ فقال شريح: أرأيت لو احترق بيته أكنت تدع له أجرك؟ (٤) وقال أبو حنيفة: لا يضمن الأجير المشترك إلا ما هلك من عمله، ولا يضمن أجير الرجل وحده إلا ما خالف. محمد عن أبي يوسف عن الحجاج بن أرطأة عن أبي حفص أن علياً كان يضمن الخياط والقصار ومثل ذلك من الصناع احتياطاً للناس أن لا يضيعوا متاعهم (٥). محمد عن أبي يوسف عن ليث بن سعد عن طلحة بن أبي سعيد عن بكير بن عبد الله بن الأشج قال: كان عمر يضمن الصناع ما أفسدوا من متاع الناس أو ضاع على أيديهم (٦). محمد عن أبي حنيفة عن بشر أو بشير (٧) شك (٨) محمد عن أبي

стр. 1709

جعفر أن علياً لم يكن يضمن الأجير (١). محمد عن أبي يوسف عن الأعمش عن أبي القاسم قال: ابتعت كَاذِياً (٢) من السفن (٣)، فحملت خوابي منها على حمالين، فانكسرت خابية، فخاصمته إلى شريح، فقال الحمال: زحمنا الناس في السوق فانكسرت، فقال شريح: إنما استأجركما لتبلغوها أهلها، فضمنهم إياها (٤). وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه إذا كسرها غيره. وقال أبو حنيفة: القول قوله بعد أن يحلف. محمد عن أبي يوسف عن أشعث بن سوار عن محمد بن سيرين قال: كان شريح إذا أتاه حائك بثوب قد أفسده قال: رد عليه مثل غزله، وخذ الثوب، وإن لم ير (٥) فساداً قال: شاهدي عدل على شرط لم يوفك به (٦).

стр. 1710

محمد عن أبي يوسف عن عبدالأعلى عن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل باع حراً وأكل ثمنه واسترقه آخر، يرجل استأجر أجيراً فاستوفى عمله ومنع (١) أجره، ورجل أعطى بي (٢) ثم غدر" (٣). محمد عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب عن ابن أبي يعمر عن بعض أصحاب النبي ﷺ رفعه إلى النبي ﷺ أنه نهى عن عسب التيس وكسب الحجام وقفيز الطحان (٤). محمد عن أبي يوسف عن ابن أبي ليلى عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من السحت عسب التيس ومهر البغي وكسب الحجام"، قال: فأتاه رجل من الأنصار، فقال: إن لي حجاماً وناضحاً، أفلا أعلف ناضحي (٥) من كسبه؟ قال: "نعم"، قال (٦): ثم أتاه رجل آخر فقال: إن لي عيالاً وحجاماً، أفأطعم عيالي من كسبه؟ قال: "نعم" (٧).

стр. 1711

محمد عن أبي يوسف عن أشعث بن سوار عن ابن سيرين عن ابن عباس أنه (١) قال: احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره، ولو كان حراماً ما أعطاه (٢). محمد عن أبي يوسف عن مطرف عن إبراهيم عن شريح أنه كان يضمن الأجير المشترك، ولا يضمن الأجير وحده (٣). محمد عن أبي يوسف عن غالب بن عبد الله (٤) عن عطاء (٥) وطاوس (٦) ومجاهد قالوا: لا ضمان على الأجير الراعي وإن اشترطوا (٧) ذلك (٨). …

стр. 1712

باب الاستصناع قال أبو حنيفة: إذا استصنع الرجل عند الرجل (١) طَسْتاً من نحاس أو كُوزاً أو تَوْراً وما أشبه ذلك أو إناء من حديد أو قُمْقُماً (٢) ووصف له المقدار فهو جائز، والمستصنع بالخيار إذا رآه مفروغاً. وقال أبو حنيفة: إذا ضرب لذلك أجلاً فهو سلم، فإن كان معروفاً (٣) فهو جائز، ولا خيار فيه. وينبغي في قياس قوله إذا لم يبين له الثمن أن يفسد، لأنه سلم. وقال أبو حنيفة: إذا كان ما أسلم فيه مجهولاً فهو فاسد. وقال أبو يوسف ومحمد: لسنا نرى ذلك سلماً واجباً، ولكن الخيار للمستصنع إذا فرغ العامل من عمله، وإن عجل له الأجر أو لم يعجله فهو سواء عندنا، وهو جائز؛ ألا ترى أن الرجل يستصنع القلنسوة عند الرجل أو الخف على أن يفرغ منه غداً أو بعد غد، ولا يعجل له الأجر، فيكون هذا جائزاً (٤). وهو بالخيار إذا رآه، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه. فإن أخذه فليس للصانع أن يمنعه. وإذا أسلم الرجل حديداً إلى حداد ليصنعه إناء قد سماه بأجر مسمى فهو جائز، ولا خيار له فيه إذا كان مثل ما سماه. فإن أفسد عمله فله أن يضمنه حديداً مثله، ويصير الإناء للصانع الذي عمله. وكذلك النحاس والصفر. وكذلك الجلد يسلمه الرجل إلى الإسكاف ليجعله خفين. وكذلك الغزل يسلمه الرجل إلى حائك لينسجه. وقال أبو حنيفة: إذا أسلم الرجل إلى الإسكاف في خفين وعجل له

стр. 1713

الأجر ووصف له التقطيع والمقدار وضرب له أجلاً، فإن كان معروفاً (١) فهو جائز ولا خيار للمستصنع، وإن كان مجهولاً لا يعرف فهو فاسد. وقال أبو يوسف ومحمد: نراه جائزاً كله، الخيار للمستصنع (٢)، ولا خيار للعامل، ولا نرى هذا سلماً. وقال أبو حنيفة: لو أن رجلاً أسلم إلى حائك في ثوب من قطن نسجه وسمى له عرضه وطوله وجنسه ورقعته، والغزل من الحائك، ولم يعجل له (٣) الثمن، كان هذا مثل الخفين في القياس، ولكن هذا لا يعمل به الناس فلا يجوز، وإنما أخذت في الآنية بالاستحسان. ولو ضرب لهذا الثوب أجلاً كان جائزاً إذا عجل له الثمن، وكان سلماً، ولا خيار له، وإن فارقه قبل أن يعجل له الثمن فهو فاسد، لأن هذا أمر معروف موقت، لا يشبه الآنية والخفاف والقلانس. ولو أن رجلاً أسلم غزلاً (٤) إلى حائك ينسجه له سبعاً في أربع، فحاكه أصغر من ذلك أو أكبر، فإن الرجل بالخيار، إن شاء ضمنه غزلاً مثل غزله، وسلم له الثوب، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه الأجر، إلا في النقصان، فإنه يعطيه من الأجر بحساب ذلك، لا يجاوز به ما سمى له. وكذلك لو اشترط عليه صفيقاً كان له أجر مثله، لا يجاوز به ما سمى له. ولو أمره أن يزيد في الغزل رطلاً من غزله فقال: قد زدته، وقال رب الثوب: لم تزده (٥)، فإن القول قول رب الغزل مع يمينه، والحائك مدعي. فإن أقام الحائك بينة أخذت ببينة الحائك، وضمنت رب الغزل غزلاً مثله، ولو لم تكن له بينة حلف صاحب الغزل على علمه، فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين لزمه غزل مثله.

стр. 1714

ولو أن رجلاً أسلم غزلاً مسمى إلى حائك ينسجه ثوباً وأمره أن يزيد من عنده غزلاً وزناً بعينه مسمى مثل غزله، على أن يعطيه ثمن الغزل وأجر الثوب دراهم (١) مسماة، فإن هذا جائز. فإن اختدفا بعد الفراغ من الثوب، فقال رب الثوب: لم تزد فيه، وكان وزن غزلي مَنَا، وقال النساج: صدقت، قد كان وزن غزلك مَنَا، وقد زدت فيه رطلاً، فوزنوا الثوب فوجدوه مَنَوين، فقال رب الثوب: إنما زاد وزنه لما فيه من الدقيق، وقال الحائك: بل هو من الغزل والدقيق، فإن القول في ذلك قول الحائك مع يمينه، ويجبر الرجل على أن يعطيه ما سمى له وإذا لم يعلم أن الدقيق يزيد فيه ما قال رب الثوب. وأما إذا كان الثوب مستهلكاً قد باعه صاحبه ولم يقر أن فيه ما قال الحائك من الوزن فإن القول قول رب الثوب مع يمينه على علمه (٢)، ويلزمه أجر الثوب، ولا يلزمه ثمن الغزل، ويقسم الأجر على عمل (٣) ثوب مثله وعلى قيمة غزل ذلك، فيطرح عنه ما أصاب الغزل منه. وإذا أسلم (٤) الرجل حنطة إلى طحان يطحنها بدرهم وربع دقيق منها فإن أبا حنيفة ﵀ قال: هذا فاسد، لأن دقيق هذه الحنطة مجهول. وهذا عندنا تفسير الحديث الذي ذكر في صدر هذا الكتاب، قوله: "قفيز الطحان". ولو لم يشترط في ذلك ربع دقيق منها كان جائزاً. وإن اشترط عليه مع الدراهم ربع دقيق جيد كان جائزأ (٥). ولو عمله على هذا الشرط الفاسد كان له أجر مثله لا يجاوز به درهماً وقيمة ربع دقيق مما يكون من ذلك الدقيق. ولو سلم (٦) رجل إلى رجل سمسماً على أن يعصره دهناً بأجر مسمى كان ذلك جائزاً. ولو اشترط عليه مع الأجر رطلاً من دهنه كان فاسداً. ألا ترى لو أن رجلاً استأجر رجلاً يذبح له شاة ويسلخها بأجر

стр. 1715

مسمى كان جائزاً، ولو اشترط عليه رطلاً من لحمها مع ذلك كان فاسداً. وكيف يستأجر بلحم شاة حية أو بدهن من سمسم لم يعصره. ألا ترى أن الحديمث قد جاء في النهي عن بيع الملاقيح والمضامين وحَبَل الحَبَلَة (١). فالملاقيح عندنا أن يشتري منه (٢) ملاقح هذا الفحل العام (٣). وحبل الحبلة أن يبيعه حبل الناقة أو الشاة أو الفرس. والمضامين أن يبيعه ما تضمنه (٤) الرحم من الحمل، فيقول: أبيعك ما حملت هذه الناقة، فيضمن له ذلك. وكذلك دهن السمسم ودقيق الحنطة وزيت الزيتون الذي لم يعصر ولحم الشاة الحية. ولو أجزت ذلك أجزت بيع رطل من سمن في لبنها (٥). وقد جاء في الاثار النهي عن بيع ما في الضروع، وعن بيع الصوف على ظهورها (٦). وقد جاء أنه نهي عن بيع الغرر (٧). فهذا كله غرر. ولو أن رجلاً دفع سمسماً إلى رجل فقال: قشره ورَبِّه (٨) ببنفسج (٩)

стр. 1716

واعصره على أن أعطيك أجرك درهماً، كان هذا فاسداً لا يجوز، لأنه لا يعرف ما شرط من البنفسج. فإن قال: على أن تُربيه بقفيز من بنفسج كان هذا جائزاً. وإن كان البنفسج الذي يدخل في مثل هذا السمسم معروفاً عند التجار فهو جائز. وكذلك الخِيري (١) وكل الأدهان. وقال أبو حنيفه: إذا استصنع الرجل عند الإسكاف خفين ووصف له المقدار وسمى له الثمن فهو جائز، فإن عمله الإسكاف فالرجل بالخيار، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه، وهو قول أبي يوسف ومحمد. وقال أبو يوسف ومحمد: إن اختار الرجل [أن] يأخذه وأراد الإسكاف منعه فليس للإسكاف ذلك. وقال أبو يوسف ومحمد: إن باع الإسكاف الخفين من رجل آخر من قبل أن يراه الأول فبيعه جائز، ولا سبيل للأول عليه وإن رآه الأول قبل أن يبيعه، ولا يمنعه. وكذلك الرجل يستصنع القلنسوة فيصف له مقدارها ووزنها. وكذلك الثوب والقمقم والإبريق وكل إناء من آنية الشَّبَه (٢) والنحاس والحديد والصفر الأبيض والأحفر. وكذلك آنية العاج، وكذلك الرصاص، وكذلك آنية الخوص، وكذلك آنية العيدان، وكذلك الأبواب، وكذلك لُجُم (٣) الحديد ونصول السيوف والسكاكين، وكذلك القِسِي والنَّبْل والنُّشَّاب والجِعَاب (٤)، وكذلك متاع الحديد كله يستصنعه الرجل. ولا يفسد ذلك أن لا يضرب (٥) له أجلاً

стр. 1717

ولا ينقده الثمن. وكذلك الحِراب (١). وكل وعاء من أَدَم أو كوز أو قربة أو راوية (٢) أو دلو فهو مثل ذلك. وكذلك حمائل السيوف كلها والمناطق، وكذلك السلاح كله، وكذلك متاع الخشب كله، والقِصاع وآنية الخشب كلها، فهو على ما وصفت لك. وإن ضرب لذلك أجلاً وعجل الثمن فهو سواء، وهو بالخيار إذا رآه، إن شاء أخذه، وأن شاء تركه في قول أبي يوسف ومحمد. فإن جعل للأجر أجلاً وضرب للعامل أجلأ فهو سواء، وله الخيار إذا رآه، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه، ولا خيار للعامل بعد أن يرضى الَاجِر، فأما إذا لم يرضه (٣) فلصاحب المتاع (٤) أن يبيعه ممن شاء في قول أبي يوسف ومحمد. وكذلك متاع الخَزَف كله، وكذلك متاع الأساكفة كلها. وإذا دفع الرجل جلداً إلى إسكاف واستأجره بأجر مسمى على أن يَخرز له خفين وسمى له المقدار والصفة على أن يُنعله الإسكاف ويُبطنه ووصف له البِطانة والنعل فهو جائز، ولا خيار لصاحب الأديم بعد أن يعمله عملاً مقارباً صالحاً لا فساد فيه. فإن جاء به فاسداً فصاحب الجلد بالخيار، إن شاء ضمنه قيمة الجلد وترك الخف -، وإن شاء (٥) أخذ الخف (٦) وأعطاه مثل أجر عمله وقيمة ما زاد فيه. وكذلك إذا سلم - ولم يعلم وزن ما سمى له- خرقة إلى صانع ليصنعها له قلنسوة ويُبطنها ويحشوها فهو مثل ذلك. وللخياط والإسكاف ولجميع هؤلاء الصناع إذا رضي المستصنع

стр. 1718

فاختاره أن لا يدفع إليه المتاع حتى يأخذ منه الأجر. وليس له أن يبيعه بعد رضى الآخر به. وإن كان آجره بالأجر إلى أجل مسمى والعامل آجره على أن يدفعه إليه والأجر إلى أجله، فإن كان ميعاداً بغير شرط فإنه يقبض الأجر منه ولا يدفعه حتى أجره منه (١). وإذا دفع الرجل ثوبه إلى صباغ ليصبغه أحمر بأجر مسمى ووصف له الصبغ فهو جائز إذا صبغه على تلك الصفة، وله أن يحبسه حتى يأخذ أجره. ولو هلك عنده لم يضمن في قول أبي حنيفة، ولم يكن له أجر. وكذلك لو اشترط عليه أن يصبغه بزعفران أو بِبَقَّم (٢) أو بعُصْفُر أو سواد فهو جائز بعد أن يصف له ذلك الصبغ، فلصاحب الثوب أن يضمنه قيمة (٣) الثوب أبيض، ويسلم له الثوب. وأن شاء أخذ الثوب (٤) وأعطاه أجر مثله لا يجاوز به ما سمى له. فإن اختلف الصباغ ورب الثوب، فقال رب الثوب (٥): أمرتك أن تصبغه بعصفر، وقال الصباغ: أمرتني أن أصبغه بزعفران، فإن أبا حنيفة قال: القول فيه قول رب الثوب مع يمينه. وكذلك قال أبو يوسف ومحمد. وإذا استصنع الرجل الخف عند الإسكاف فعمله وفرغ منه، فقال الرجل: ليس بهذا (٦) المقدار والخرز والتقطيع أمرتك، وقال الإسكاف: بل بهذا أمرتني، وأراد الإسكاف أن يحلف الرجل، فليس له عليه يمين، ويقال للرجل: إن شئت فخذه، وإن شئت فدعه. ولهذا الخيار بطلت اليمين عنه، ولو لم يكن الخيار كانت عليه اليمين. ألا ترى لو أن الإسكاف أقام البينة عليه أنه شارطه على هذا المقدار جعلت (٧) الخيار للرجل، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه.

стр. 1719

ولو أن (١) رجلاً سلم (٢) خفه إلى صانع يُنعله بأجر مسمى كان جائزاً، فإن أنعله بنعل لا ينعل بمثله الخفاف، لا خير فيها، فصاحب الخف بالخيار، إن شاء ضمنه قيمة خفه، وإن شاء أخذ أجر مثله في عمله وقيمة النعل، ولا يجاوز به ما سمى له. وإن كان نعلاً ينعل بمثله الخفاف فهو جائز وإن لم يكن جيداً بعد أن يكون ينعل بمثلها. ولو اشترط عليه جيداً فخرزها كما شرط له كان جائزاً، ولا خيار له، وإن كانت غير جيدة فهو بالخيار، إن شاء ضمنه قيمة الخف وسلمه له، وإن شاء أخذ الخف وأعطاه أجر مثله في عمله وقيمة ما زاد فيه، ولا يجاوز به ما سمى له. ولو اختلفا في الخرز وقد خرزه على ما وصف له ولم يختلفا في عمله، فإن قامت لهما جميعاً بينة أخذت ببينة العامل. ولو قال رب الخف: عملته في بغير أجر، وقال العامل: بل عملته لك بدرهم (٣)، فإن على العامل أن يحلف على دعواه أنه لم يعمله بغير أجر. فإذا حلف (٤) فإن على رب الخف أن يحلف على دعوى الإسكاف أنه لم يشارطه على درهم، ثم يغرم رب الخف ما زاد النعل في خفه. ولو قامت (٥) لهما جميعاً البينة أخذت ببينة العامل، لأنه المدعي. ولو عمل الخف كله من عنده ثم اختلفا في الأجر كان القول قول الإسكاف، إن شاء المدعي أخذه بذلك، وإن شاء ترك، ولا يمين عليه. ولو قامت لهما بينة كان بالخيار، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه. ولو أن رجلاً أسلم ثوباً إلى صباغ ليصبغه أحمر، فصبغه أحمر (٦) على ما وصف له بالعُصفر، ثم اختلفا في الأجر، فقال الصباغ: عملته بدرهم، وقال رب الثوب: عملته لي بدانقين، فإن قامت لهما بينة أخذت ببينة

стр. 1720

الصباغ، وإن لم تقم لهما بينة فإني أنظر إلى ما زاد العصفر في قيمة الثوب، فإن كان درهماً أو أكثر أعطيته درهماً بعد أن يحلف الصباغ: ما صبغته (١) بدانقين، وإن كان ما زاد في الثوب من العصفر أقل من دانقين أعطيته دانقين بعد أن يحلف رب الثوب ما صبغه إلا بدانقين، وإن كان يزيد في الثوب نصف درهم أو أقل من درهم أعطيت الصباغ مثل ذلك بعد أن يحلف الصباغ ما صبغه بدانقين. وإن (٢) كان الصبغ زعفران فهو مثل العصفر. وإن كان الصبغ أسود فالقول قول رب الثوب مع يمينه. ولو قال رب الثوب للصباغ: صبغته (٣) بغير أجر، فإن القول أيضاً (٤) قول رب الثوب مع يمينه. وكذلك كل صبغ ينقص الثوب فالقول فيه قول رب الثوب مع يمينه، لأن الصباغ قد استهلك الثوب وصار ضامناً، فعليه البينة، لأنه (٥) المدعي. وأما كل صبغ يزيد في الثوب فقال رب الثوب: صبغته في (٦) بغير أجر، وقال الصباغ: صبغته لك بدرهم، فإن على كل واحد منهما اليمين على دعوى صاحبه، ثم يضمن رب الثوب ما زاد الصبغ في ثوبه، لا يجاوز له به درهماً. ولو أن رجلاً اختلف هو والقصار في أجر ثوب، فقال القصار: عملته بربع درهم، وقال رب الثوب: عملته بقيراط، فإن كان لم يأخذ في العمل تحالفا وترادا، وإن كان قد فرغ فالقول قول رب الثوب مع يمينه، لأن الثوب ليس فيه زيادة من متاع القصار كزيادة العصفر والزعفران. ولو أن رجلاً شارط قصاراً على أن يقصر له عشرة أثواب بدرهم ولم يكن عنده ولم ير الثياب كان هذا فاسداً. وكذلك الغسل. وإن أراه الثياب كان جائزاً، لأن الثياب مختلفة وعملها يتفاضل. ولو سمى جنساً من الثياب كان مثل ذلك أيضاً إذا لم يره إياها. ولو أن رجلاً أسلم ثوباً إلى خياط يخيطه قميصاً بدرهم فخاطه
следующие страницы →