← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 14285

الأصل لمحمد بن الحسن - ت بوينوكالن

محمد بن الحسن الشيباني

Полный текст (6 738 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

القياس (١). ولكن هذه المسألة مختلف فيها بين الأصوليين الأحناف. إن الجصاص والسرخسي ينقلان عن طريق هشام بن عبيد الله الرازي (ت. ٢٢١) عن الشيباني قوله: "الفقه على أربعة أوجه، ما في القرآن وما أشبهه، وما جاءت به السنة وما أشبهها، وما أجمع عليه الصحابة وما اختلفوا فيه وما أشبهه، وما رآه المسلمون حسناً وما أشبهه" (٢). يعلق الجصاص على هذه المقولة بأن الشيباني يعد إجماع الصحابة حجة مثل القرآن والسنَّة، وأنه لا يقبل إحداث رأي جديد يخرج عن أقوالهم جميعاً في المسائل التي اختلفوا فيها، وأنه يقصد بما رآه المسلمون حسناً ما رآه المسلمون الآتون بعد جيل الصحابة عموماً. وذكر الجصاص بأن الشيباني أفاد في مواضع أخرى صحة الإجماع في كل عصر (٣). وينقل ابن عبد البر عن الشيباني أنه قال: "العلم على أربعة أوجه: ما كان في كتاب الله الناطق وما أشبهه. وما كان في سنَّة رسول الله المأثورة عنه وما أشبهها. وما كان فيما أجمع عليه الصحابة وما أشبهه. وكذلك ما اختلفوا فيه لا يخرج عن جميعه. فإن وقع الاختيار فيه على قول فهو علم تقيس عليه ما أشبه. وما استحسن عامة فقهاء المسلمين وما أشبهه وكان نظيراً له. ولا يخرج العلم عن هذه الوجوه الأربعة" (٤). ويبين ابن عبد البر أن المقصود بما أشبهه القياس (٥). كما ينقل ابن عبد البر عن الإمام محمد أنه قال: "من كان عالِماً بالكتاب والسنَّة وبقول أصحاب رسول الله وبما استحسن فقهاء المسلمين وسعه أن يجتهد رأيه فيما ابتلي به، ويقضي به، ويمضيه في صلاته وصيامه وحجه وجميع ما أمر به ونهى عنه. فإذا اجتهد ونظر وقاس على ما أشبه ولم يَأْلُ وَسِعَهُ العمل بذلك وإن أخطأ الذي ينبغي _________ (١) المبسوط للسرخسي، ١٦/ ٨٣. (٢) الفصول للجصاص، ٣/ ٢٧١، ٣٢٩؛ أصول السرخسي، ١/ ٣١٨. (٣) الفصول للجصاص، ٣/ ٢٧١، ٣٣٩. (٤) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ٢/ ٢٦. (٥) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، نفس المكان.

стр. 177

أن يقول به" (١). ويقول الشافعي: "وأصل ما يذهب إليه محمد بن الحسن في الفقه أنه لا يجوز أن يقال بشيء من الفقه إلا بخبر لازم أو قياس" (٢). وينقل الشافعي أيضاً عن الشيباني أن الحجة هي الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس (٣). ويوجد تشابه بين كلام الإمام محمد عن مصادر التشريع وبين كلام أستاذه أبي حنيفة عن ذلك. فالروايات المختلفة عن أبي حنيفة تفيد بأن المصادر عنده هي القرآن والسنة، وإجماع الصحابة، والتخير بين أقوالهم دون إحداث قول جديد، والاجتهاد (٤). يُستعمل في مواضع كثيرة من الأصل كلمة "الرأي" ومشتقاتها مثل صيغ الأفعال "أرى، نرى" ونحوها (٥). وتستعمل في الأسئلة لفظة "أرأيت" بكثرة. كما تذكر لفظة "ألا ترى" كثيرا في جمل الاستدلال والتعليل. وإلى جانب استعمال كلمة الرأي في معناها اللغوي، فإنها تستعمل في مواضع كثيرة بمعنى القناعة التي تصدر عن مناهج التفكير العقلي مثل القياس والاستحسان في المسائل التي لم ينص على حكمها في الكتاب أو السنَّة. _________ (١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ٢/ ٦١. وينقل ابن القيم نفس العبارة تقريباً. انظر: إعلام الموقعين، ١/ ٦٦. ويفيد أبو الحسين البصري أنه حكي عن محمد بن الحسن أنه جعل الأصول أربعة، ذكر منها إجماع الصحابة واختلافهم. انظر: المعتمد، ٢/ ٣٦٦. (٢) الأم للشافعي (تحقيق: رفعت فوزي عبد المطلب)، ٩/ ٩٧. (٣) حلية الأولياء لأبي نعيم، ٦/ ٣٢٩، ٩/ ٧٤. وينقل الشافعي عن الشيباني أقوالاً أخرى حول مصادر التشريع. انظر: الأم للشافعي (تحقيق: محمد زهري النجار)، بيروت، ١٩٧٣، ٥/ ١٧١، ٦/ ٣١٣، ٣١٦، ٣٢٢، ٣٢٨، ٨/ ٢٨. ومع هذا فإنه ينبغي تقويم ما نقله الشافعي عن الشيباني ودراسته بدقة. فإن معظم هذه الأقوال قد ذكرت أثناء نقاش الإمامين في مسائل علمية متعددة، ونقلها الشافعي عنه في مجال الرد والانتقاد. (٤) أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري، ص ١٠؛ المدخل للبيهقي، ص ١١١، ٢٠٤. (٥) انظر مثلاً: الأصل للشيباني، ١/ ٦ و،١٠ و، ١٠ ظ، ١٦ ظ، ٢٠ و، ٢٢ و، ٢٢ ظ، ٢٩ و، ٣٠ ظ، ٣٤ و، ٣٥ و، ٣٨ ظ، ٤٠ ظ، ٤٨ و، ٧٠ و، ٧٤ و، ٧٨ و، ٨٠ ظ، ٨٣ ظ.

стр. 178

وهذا الاستعمال للرأي يكون أحياناً في مقابل الحديث والآثار (١). ويتهم الشيباني أهل المدينة في مسائل كثيرة بمخالفة الآثار بالرأي (٢). من هذه المسائل الأكل أو الشرب في نهار رمضان هل يفسد الصوم، فهو يفسد الصوم عند أهل المدينة، وقد قال أبو حنيفة في ذلك: "لولا ما جاء في هذا من الآثار لأمرت بالقضاء" (٣). كما أن الشيباني يؤكد على لزوم الانتباه إلى الانسجام المنطقي بين المسائل المتعلقة بنفس الموضوع وتقويم المسائل التي تتشابه فيما بينها بنفس الطريقة فيما إذا حكمنا بالرأي، ويستدل على ذلك بالرسالة التي كتبها عمر إلى أبي موسى الأشعري (٤). لقد قام الشيباني بالتنبيه على بعض الأمور في موضوع العمل بالظن. فهو عندما ينتقد أهل المدينة في إبطالهم لبعض العقود عملاً بسد الذرائع وعملهم بالقسامة يبين أن هذا قول "بالتُّهَم"، وأن اليقين لا يمكن أن يزول بشيء "موضع التهمة"، ويستدل على هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٥). لكننا نرى أن الشيباني يعمل بغالب الظن (أكثر/ أكبر ظنه / رأيه، أكثر/ أكبر الرأي) في مسائل فقهية كثيرة (٦). فمثلاً يفيد الشيباني أنه يعمل "بالظن والحَزْر" في تحديد قيمة الأموال، وأنه لا يمكن غير ذلك (٧). حتى أنه يذكر العمل اعتماداً على "أكبر الرأي والظن" في مسائل بالغة الأهمية مثل مسائل النكاح والقتل (٨). ومسائل كتاب التحري من كتب الأصل مبنية على قاعدة العمل بغالب الظن في المسائل المشتبه فيها (٩). ومع هذا فإنه إذا وجد _________ (١) انظر مثلاً: الأصل للشيباني، ٥/ ١٥٢ ظ، ١٥٣ ظ، ١٥٥ و، ٨/ ٢٥٣ ظ. (٢) الحجة للشيباني، ١/ ٣٤، ١٩٤، ٣٩٢، ٢/ ٢٣٦. (٣) الحجة للشيباني، ١/ ٣٩٢. (٤) الحجة للشيباني، ٢/ ٥٦٣، ٥٦٨ - ٥٧٠. ٦٢٠، ٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨، ٥١٤. (٥) سورة يونس ١٠/ ٣٦؛ الحجة للشيباني، ٢/ ٥٨٥. (٦) الأصل للشيباني، ١/ ١٠ ظ، ٤٢ و، ٤٣ ظ، ٩٤ ظ، ١٤٠ ظ، ١٥٨ ظ، ٥/ ٦٩ و، ٨٨ ظ. (٧) الأصل للشيباني، ١/ ٢١٥ و، ٢١٨ ظ، ٢/ ٢٣٧ و. (٨) الأصل للشيباني، ١/ ١٧٣ ظ، ٥/ ٨٨ ظ. (٩) الأصل للشيباني، ١/ ١٥٧ ظ -١٦٣ ظ.

стр. 179

بديل عن العمل بالظن، وكان هذا البديل يقينًا أو ظناً أقوى فإنه يجب العمل به. وانتقاد الشيباني مُنصب على مثل هذه الأمور، وحلوله الفقهية تشير إلى هذا (١). يواجهنا تركيب "الكتاب والسنَّة"في عدة مواضع من كتاب الحجة للشيباني (٢). ويمكن أن يقال بأنه لا غرابة في التأكيد على الكتاب والسنَّة لكونهما المصدرين الأساسيين للتشريع، لكن السبب الحقيقي وراء استعمال الشيباني لهذا التركيب هو دفاعه عن أهل الرأي المتهمين بمخالفة النصوص. يستعمل الشيباني كلمة الحجة وجمعها حجج للتعبير عن الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة والقياس والدليل بالمعنى العام (٣). كما أنه يستعمل كلمتي البرهان والبينة للتعبير عن الحديث وقول الصحابي والدليل عموماً (٤). لكن غالبية استعمال هذه الكلمات بمعنى الدليل التفصيلي وليس الدليل الإجمالي المعروف في أصول الفقه. ويذكر الدبوسي أن كلمات الحجة والبرهان والبينة تأتي بمعنى الدليل عموماً، وأن الحجج تنقسم إلى عقلية وشرعية، ثم يستعمل تركيب "الحجج الشرعية" للتعبير عن الأدلة الإجمالية (٥). ب - القرآن الكريم يطلق الشيباني على القرآن الكريم أسماء عديدة مثل الكتاب (٦)، _________ (١) الأصل للشيباني، ٢/ ٢٣٩ و، ٢٣٩ ظ، ٢٤٢ و. (٢) الحجة للشيباني، ٤/ ٥٨، ٨٢ - ٨٣، ١٣٧، ٣٢٢. (٣) الأصل للشيباني، ١/ ٦٩ و، ٣/ ٣ ظ، ٦/ ٢٣٨ ظ، ٧/ ٢٠ ظ، ٢١ و، ٨/ ٢٥٣ و، ٢٥٤ ظ؛ الحجة لنفس المؤلف، ١/ ٤٤، ٢١٦، ٢٢٢، ٢/ ٢، ١٦٤، ٢٣١، ٣٠٤، ٤٦٧، ٥١٤، ٥٦٨، ٥٦٩، ٧٤٦. (٤) لكلمة البرهان انظر: الأصل للشيباني، ١/ ١٠٢ ظ؛ الحجة لنفس المؤلف، ٢/ ٥٦٣، ٥٦٨، ٧٤٦. ولكلمة البينة انظر: الحجة للشيباني، ٢/ ١٦٤، ٥٦٣. ٧٤٦. (٥) تقويم الأدلة للدبوسي، ص ١٣، ١٩. (٦) الأصل للشيباني، ١/ ١ ظ، ٢٩ ظ، ٣٦ و؛ الحجة لنفس المؤلف، ٣/ ١٥٣، ٤/ ١٣٧.

стр. 180

القرآن (١)، كتاب الله (٢)، التنزيل (٣)، كتاب الله الناطق (٤). إن الأحكام الواردة في القرآن الكريم أعلى درجة من الأحكام الواردة في غيرها وهي تحمل صفة القطعية. فمثلاً يفيد الشيباني بأن مسح الرأس في الوضوء فريضة مذكورة في كتاب الله، وأن المضمضة والاستنشاق ليستا هكذا (٥). وفي بعض المواضع التي يجب فيها تطبيق حكمين في نفس الآن يقدم الحكم الوارد في القرآن على غيره. فمثلاً مرتكب جرائم السرقة وشرب الخمر وزنا البكر يطبق عليه حد الزنا أو السرقة أولاً ثم حد الشرب؛ لأن حدي الزنا والسرقة مذكوران في القرآن، أما حد الشرب فهو أمر أجمع عليه المسلمون ولا يذكر في القرآن (٦). يستدل الشيباني بآيات القرآن الكريم في مواضع كثيرة. لكنه لا يكتفي في فهم الآيات والوقوف على معانيها بمجرد فهم المعنى الظاهري بل يستدل على ذلك بالأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين. فمثلاً في الحكم على الذبيحة المتروك عليها التسمية عمدًا بأنها ميتة يستدل بالآية (٧) والأحاديث وإجماع الصحابة (٨). ويعتمد على الصحابة مثل علي وعبد اللَّه بن مسعود وعبد الله بن عباس وعلى التابعين مثل إبراهيم النخعي في تفسير بعض الآيات (٩). ويستدل في تفسير الآية المتعلقة بالغنائم (١٠) بالتطبيق المعروف وبأقوال بعض علماء التابعين مثل عطاء بن أبي رباح (١١). وهذا كله يدل على وجوب الرجوع إلى السنَّة وأقوال علماء الصحابة والتابعين في فهم القرآن. فمثلاً ذكر الشيباني أن "المفسرين" فسروا قوله تعالى: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١٢) _________ (١) الأصل للشيباني، ١/ ١ ظ، ٢ ظ، ٣٧ و؛ الحجة لنفس المؤلف، ١/ ٣٣٣، ٢/ ٤٠٠. (٢) الأصل للشيباني، ١/ ٣ ظ، ٦ ظ؛ الحجة لنفس المؤلف، ١/ ١٨، ١٩، ٤/ ٨٥، ٢٢٧. (٣) الأصل للشيباني، ٥/ ١١٠ و. (٤) الحجة للشيباني، ٤/ ٣٢٢. (٥) الأصل للشيباني، ١/ ٦ ظ. (٦) الأصل للشيباني، ٥/ ٣٠ ظ، ٣٥ و. (٧) سورة الأنعام ٦/ ١٢١. (٨) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٠٤ و. (٩) الأصل للشيباني، ٣/ ١٧ ظ، ١٨ ظ، ٧/ ١٣٨ و. (١٠) سورة الأنفال ٨/ ٤١. (١١) الأصل للشيباني، ١/ ١٣٣ و. (١٢) سورة النور ٢٤/ ٣١.

стр. 181

المتعلق بالزينة التي يجوز إبداؤها من المرأة بأنه الكحل والخاتم، وأن الكحل زينة الوجه والخاتم زينة اليد، وبالتالي يجوز للرجال النظر إلى الوجه واليدين (١). والمقصود بالمفسرين هنا مفسرو الصحابة حيث توجد روايات عن عائشة وأنس وابن عباس ﵃ في هذا المعنى (٢). ويُرجح الشيباني أحياناً رأي ابن عباس في تفسير آيات الأحكام لأنه أعلم بالتفسير من غيره من الصحابة (٣). وفي تقدير الكسوة، أي كسوة عشرة مساكين، المذكورة في القرآن على أنها كفارة اليمين أخذ الشيباني بتفسير إبراهيم النخعي حيث يقول: "لكل مسكين ثوب" (٤). وفي هذا المثال رجع الشيباني إلى رأي عالِم فقيه من التابعين في تفسير وتطبيق حكم الآية (٥). لقد أفاد الشيباني أن الآية التي تذكر مؤلفة القلوب في ضمن مستحقي الزكاة (٦) مخصوصة بزمن النبي ﷺ ، ولم يذكر دليلاً على ذلك (٧). ومن المعروف أن الفقهاء قد اعتمدوا في هذه المسألة على أقوال وتطبيقات عمر ﵁ (٨). كما أن الشيباني يستدل على تفسير معنى الآية وحكمها بسبب النزول (٩). ويستدل الشيباني بالقراءات الشاذة على تقييد المطلق من ألفاظ الآيات. فمثلاً القراءة الشاذة المنسوبة إلى عبد الله بن مسعود في قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (١٠) بزيادة لفظة ﴿متتابعات﴾ عمل بها _________ (١) الأصل للشيباني، ١/ ٦٥ أو. (٢) تفسير الطبري، ١٨/ ١١٨؛ شرح معاني الآثار للطحاوي، ٤/ ٣٣٢؛ السنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٢٢٥؛ نصب الراية للزيلعي، ٤/ ٢٣٩؛ الدراية لابن حجر، ٢/ ٢٢٥. (٣) موطأ محمد، ٢/ ٥٤١. (٤) الأصل للشيباني، ١/ ١٨٥ و. (٥) انظر لأمثلة أخرى: الأصل للشيباني، ١/ ٢٠٥ و، ٥/ ٣٧ و. (٦) سورة التوبة ٩/ ٦٠. (٧) الأصل للشيباني، ١/ ١٣٣ ظ. (٨) وفقهاء الأحناف قائلون بنسخ سهم المؤلفة قلوبهم أو بأن الحكم زال بزوال علته. انظر: المبسوط للسرخسي، ٣/ ٩؛ بدائع الصنائع للكاساني، ٢/ ٤٤ - ٤٥. (٩) الأصل للشيباني، ٥/ ١١٨ ظ. (١٠) سورة المائدة ٥/ ٨٩.

стр. 182

الشيباني (١). ويفيد الجصاص بأن هذه القراءة مع كونها شاذة لكنها مشهورة في ذلك العهد، وأنه ينبغي النظر إليها على أنها لفظة منسوخة اللفظ باقية الحكم، وأنه يجوز تقييد مطلق القرآن بالخبر المشهور (٢). والسرخسي يرى أن الواقع هنا الزيادة على النص بالخبر المشهور (٣). ج - السنَّة ١ - المصطلحات إن كلمة "السُّنّة" تستعمل في بعض الأحاديث المروية في الأصل. فالحديث الذي روي في موضوع أخذ الجزية من المجوس بلفظ: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب دا (٤)، وسؤال أحد الصحابة للنبي ﷺ في مسألة فقهية عن "السنَّة" فيها (٥)، يدل على استعمال كلمة السنَّة بمعنى التطبيق العام، والحكم الذي ينبغي اتباعه، والمثال المحتذى أو القانون نوعاً ما إن صح التعبير. وروي عن عمر بن الخطاب أنه هم بإيقاع عقوبة ثم عدل عن ذلك قائلًا: "لولا أن تكون سنَّة من بعدي … " (٦). كما يذكر الشيباني أن القاضي إذا حلّف المتلاعنين ثلاث مرات فقط والمعروف في الآيات والأحاديث المتعلقة باللعان أن عدد الأيمان فيه خمس مرات فإنه يكون قد خالف السنَّة، ولكن التفريق بين الزوجين صحيح ماض (٧). يمكننا أن نستنتج مما سبق ما يلي: السنَّة التي تستعمل بمعنى التطبيق العام في ذلك العهد يمكن أن يكون مصدره القرآن والأحاديث معاً (٨). إن السنَّة هي الشكل الأمثل في تطبيق الحكم، لكن هذا الشكل قد لا يكون شرطاً لصحة الحكم. من ناحية أخرى _________ (١) الأصل للشيباني، ١/ ١٣٩ و؛ نفس المؤلف، الآثار، ص ١٢٣. وانظر: تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٢١. (٢) الفصول للجصاص، ١/ ١٩٨، ٢/ ٢٥٤. (٣) أصول السرخسي، ٢٦٩١١، ٢٨١، ١١٢ هـ (٤) الأصل للشيباني،١/ ١٦٨ ظ. (٥) الأصل للشيباني، ٤/ ١٥١ و. (٦) الأصل للشيباني، ٥/ ٧٣ ظ. (٧) الأصل للشيباني، ٣/ ٩٣ ظ - ٩٤ و. (٨) وقد وصف التفريق الذي يحكم به القاضي بسبب اللعان بأنه سنَّة في موضع آخر أيضاً. انظر: الأصل للشيباني، ٨/ ٢١٧ ظ.

стр. 183

فإن ترك صلاة العيد من قبل الحُجاج قد فُسر بأنه "بذلك جرت السنَّة" (١). كما أن تطبيق "العَوْل" في المواريث قد جاء عن طريق السنَّة اعتباراً من عهد الصحابة (٢). ووصف قتل المرتد بأنه "الحكم والسنَّة" (٣). إن مصطلح السنَّة يتضمن التطبيقات العامة للنبي ﵊ وصحابته الكرام كما أفاد ذلك الأصوليون الأحناف (٤). وأصول هذا الفهم توجد في الأصل والمؤلفات الأخرى للشيباني. فإن كلمة السنَّة تستعمل في هذه المؤلفات بمعنى التطبيق العام المعروف للنبي أو الصحابة أو حتى التابعين (٥). فيروى عن الزهري أنه مضت السنَّة من النبي والخليفتين من بعده أنه لا شهادة للنساء في الحدود (٦). والتطبيق المأثور عن التابعي أبي عبد الرحمن السُّلَمِي (ت. ٧٣) - الذي علم الناس القرآن في مسجد الكوفة لمدة أربعين عاماً ابتداءً من عهد عثمان ﵁ بكفاية السجدة الواحدة للتلاوة إذا قرئ في المجلس الواحد عدة آيات للسجدة وصف بأنه سنَّة (٧). في موضع آخر يفيد الشيباني تحريم "السنَّة والإجماع " لبعض أنول الزواج التي لم يصرح القرآن الكريم بتحريمها. ويتكرر ذكر "السنة والإجماع" في هذا المجال (٨). ففي هذه المواضع تفيد "السنَّة" فهم الأجيال الأولى وتطبيقاتها، ويفيد "الإجماع" كون هذا الفهم والتطبيق لا خلاف فيه. وتُستعمل "السنَّة" في الحجة للشيباني على وجه يتشابه مع الأصل. ومن ذلك تعبير "سنَّة ماضية" أي سنَّة معروفة منذ زمان ماض قديم (٩). أما تعبير "سنَّة متبعة" الذي يوجد في رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، فيقصد به الطريقة المعروفة منذ القدم والتي يجب اتباعها في كيفية _________ (١) الأصل للشيباني، ٩/ ٢٠٣ و. (٢) الأصل للشيباني، ٣/ ٢١٨ و. (٣) الأصل للشيباني، ٥/ ١٣٤ و. (٤) أصول السرخسي، ١/ ١١٣؛ كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري، ٢/ ٥٦٤. (٥) الأصل للشيباني، ١/ ٦٢ ظ، ٨٣ ظ، ٣/ ٢ و، ٢١٨ و؛ نفس المؤلف، الحجة، ١/ ٢٤. (٦) الأصل للشيباني، ٨/ ١٩٨ ظ، ٢٠٢ ظ. (٧) الأصل للشيباني، ١/ ٦٢ ظ. (٨) الأصل للشيباني، ٣/ ٢ و، ٢ ظ. (٩) الحجة للشيباني، ٤/ ١٧٧.

стр. 184

تطبيق الأحكام الشرعية (١). فالشيباني يستعمل السنَّة بمعناها الواسع المعروف عند المتقدمين والتي تشمل سنَّة النبي والصحابة والتابعين، أي الأجيال الأولى للمسلمين التي وصفها النبي بأنها خير القرون. ومعنى الفعل والتطبيق واضح في استعماله لكلمة السنَّة. وحيث استعمل السُّنَّة بمعنى القول فالمقصود به محتوى هذا القول من التطبيق ومآله الفعلي، وليس القول نفسه. هذا ما ظهر لنا من خلال دراستنا لاستعمال الشيباني لكلمة السُّنَّة. وهو مختلف قليلاً عن السُّنَّة المستعملة في العصور المتأخرة بمعنى أقوال النبي وأفعاله وتقريراته، وإن كان بين المعنيين تداخل وتقاطع. يستعمل الشيباني كلمة "أثر" وجمعها "آثار" بمعنى الحديث المرفوع وأقوال الصحابة والتابعين (٢). فمثلاً يقول: الأثر الذي جاء عن رسول الله (٣)، الأثر الذي جاء عن ابن عباس (٤)، ويصف قول إبراهيم النخعي بأنه أثر (٥). ويكثر استعمال الشيباني لكلمة أثر/ آثار للإشارة إلى الروايات عامة. وكما هو معروف فإن للشيباني وأبي يوسف كتاباً يحمل اسم "الآثار" ويحتوي على الأحاديث والروايات عمومًا (٦). وفي بعض المواضع يستعمل كلمتي السنَّة والأثر معًا، مثلما صنع في الرواية المتعلقة بصلاة الاستسقاء (٧). وفي هذه الحال فإن الأثر يكون بمعنى الروايات القولية، والسنَّة بمعنى التطبيق العملي لمضمون هذه الأقوال. _________ (١) الكافي للحاكم الشهيد، ١/ ٢١٥ ظ؛ المبسوط للسرخسي، ١٦/ ٦٠. (٢) الأصل للشيباني، ١/ ٣٦ ظ، ٧٣ ظ، ٧٩ و، ٨٣ ظ، ٨٦ ظ، ١١٨ ظ، ١٢٥ و، ٦/ ٢٠ ظ. (٣) الأصل للشيباني، ١/ ٩ و. (٤) الأصل للشيباني، ١/ ٦ ظ. (٥) الأصل للشيباني، ٥/ ١٣٠ و. (٦) انظر: الآثار لأبي يوسف، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني، بيروت، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ؛ الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني، تحقيق: عبد الحي اللكنوي، لكنو، مطبعة أنوار محمدي، بدون تاريخ. (٧) الأصل للشيباني، ١/ ٣٠ ظ.

стр. 185

يستعمل "الحديث" أيضاً في الأصل بمعنى الأثر. فالروايات المنسوبة إلى النبي (١)، والصحابة (٢)، والتابعين مثل إبراهيم النخعي وشريح (٣) يطلق عليها اسم "حديث،. وفي بعض المواضع تستعمل السنَّة والحديث معاً. وفي هذه الحالة يحتمل أن يكون الحديث بمعنى الرواية القولية، والسنَّة بمعنى التطبيق لها. فمثلاً خالف أبو يوسف ومحمد أبا حنيفة في سهم الفارس والراجل من الغنائم اتباعاً للحديث والسنَّة (٤). ويستعمل الشيباني مصطلحات الأثر والحديث والسنَّة في مؤلفاته الأخرى بمعانيها التي استعملها في الأصل (٥). ٢ - منهجه في الرواية روي في الأصل أحاديث مرفوعة وموقوفة وأقوال للتابعين كثيرة عن طريق أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما. وبين هؤلاء الرواة مالك بن أنس الذي روى الشيباني الموطأ عنه. والأحاديث المذكورة في الكتاب تروى أحياناً بأسانيدها، وأحياناً بدون إسناد، فيقول مثلاً: بلغنا عن النبي كذا (٦). وهذا الأسلوب أي البلاغ قد استعمله مالك في الموطأ أيضاً كما هو معروف. وتكثر البلاغات في كتاب الصلاة والنكاح وبعض الكتب من الأصل أكثر من غيرها. أما في الأحاديث المسندة فيستعمل ألفاظ حدثنا، أخبرنا، ذَكَرَ، والعنعنة وأمثالها من الألفاظ المعروفة في الرواية. كما تستعمل كلمة _________ (١) الأصل للشيباني، ١/ ١٦٩ و. ونفس الاستعمال موجود في كتب الشيباني الأخرى. انظر: الآثار، ص ٨١. (٢) الأصل للشياني، ١/ ١٣٤ و، ٣/ ٣ و، ٥/ ٨٩ و. (٣) الأصل للشيباني، ١/ ١٢١ و، ٨/ ٩٠ ظ، ٩١ و. (٤) الأصل للشيباني، ٥/ ١٤٦ ظ. (٥) الحجة للشيباني، ١/ ٢٤، ٢٢٥، ٢٦٩، ٣١٩، ٣٤٣، ٢/ ١٤٤، ١٤٧، موطأ محمد، ٢/ ١٤٧، ٣٩٤، ٣/ ٩٤. (٦) ويشير الدبوسي أيضاً إلى كثرة مرويات الشيباني بلفظ بلغنا. انظر: تقويم الأدلة للدبوسي، ص ١٩٥.

стр. 186

"يرفعه " إشارة إلى رفع الحديث إلى النبي ﷺ (١). ٣ - المصطلحات المتعلقة بصحة الحديث وشهرته يذكر الشيباني مصطلح "حق" بمعنى صحيح، فيقول في موضع من الأصل: "وقد بلغنا عن عكرمة أثر يرفعه قال: إذا تشاجر القوم في الطريق جعل سبعة أذرع. ولا نأخذ به؛ لأنا لا ندري أَحَقٌّ هذا الحديث أم لا. ولو نعلم أنه حَقٌّ أخذنا به" (٢). كما يستعمل كلمة "يثبت" بمعنى "يصح"، فيقول: "آية محكمة لا ينبغي أن ترد إلا أن يثبت أنها قد نسخت" (٣). ويستعمل كلمة "أوثق" لترجيح إحدى الروايتين التي يقارن بينهما على الأخرى (٤). يستعمل في الأصل تراكيب "الأثر المعروف، الآثار المعروفة، الحديث المعروف" بمعنى الحديث الصحيح المشهور، ويستعمل في ضد هذا المعنى "الحديث الشاذ" (٥). وحول صلاة الاستسقاء يذكر الإمام أبو حنيفة أنه لم يبلغه في ذلك صلاة "إلا حديثاً واحداً شاذاً لا يؤخذ به "؛ بينما يذكر الإمام محمد أنه بلغه أن النبي صلَّى في الاستسقاء وكذلك ابن عباس، وأنه يتبع في ذلك "السنَّة والآثار المعروفة" (٦). فنرى هنا أن الأحاديث تقوَّم على أنها معروفة أو شاذة. والسبب في الاختلاف بين الإمامين في المسألة أن الحديث الذي بلغ أبا حنيفة "حديث واحد" وأن الحديث لم يُعمل به. وقوله: "حديث واحد" يذكرنا بمصطلح "خبر الواحد". فهو قد يعتبر أساساً لنشأة هذا المصطلح. فالإمام أبو حنيفة لم يعمل بهذا الحديث لعدم اقتناعه بصحته. أما الإمام محمد فقد بلغته "الآثار المعروفة" أي أكثر من حديث واحد، _________ (١) الأصل للشيباني، ١/ ١٥٤ و، ٢٣٦ ظ. وهذا المصطلح يستعمله مالك أيضاً. انظر: الموطأ، الاستئذان ٣٨. (٢) الأصل للشيباني، ٥/ ٢٣٦ و. (٣) الأصل للشيباني، ٦/ ٧٠ و. (٤) الأصل للشيباني، ٤/ ١٥٣ ظ. (٥) الأصل للشيباني، ١/ ٨٣ ظ، ٤/ ١٥٣ ظ، ٥/ ٧٢ ظ، ٨٩ و، ١٥٨ ظ. (٦) الأصل للشيباني، ١/ ٨٣ ظ.

стр. 187

ويحتمل أن يكون رأى "السنَّة" أي العمل بهذا الحديث في الحجاز، واطلع على تطبيق الصحابة مثل ابن عباس وغيره، واقتنع بصحة الحديث. وفي المؤلفات الأخرى للشيباني يَستعمل مصطلحات وألفاظاً مختلفة لبيان صحة الأحاديث والآثار، وعلى رأس هذه المصطلحات: "معروف"، و"مشهور". ويستعمل كذلك مصطلحات وتعبيرات مثل "مستفيض، جاء الثَّبَت، معروف في أيدي الفقهاء، معروف في أيدي الناس، ثَبَتَ، لا اختلاف فيه، لا خلاف فيها" (١). ويستعمل لإفادة عدم صحة الحديث ألفاظاً مثل "مستنكر، لا يعرف، غير معروف" (٢). واستعمل كلمة "أوثق" للترجيح بين الروايات (٣). وعبر عن خطأ الراوي في متن الحديث بلفظ "أَوْهَمَ" (٤). وفي صدد بيان ضعف رواية يسمي الرواية المنقطعة بـ "المرسل"، وأن الراوي "لم يُسنِده " (٥). كما استعمل مصطلحات ثقة / ثقات، مأمون لإفادة أن الراوي موثوق به (٦). وعبر عن الراوي غير الموثوق به بلفظ "متهم في حديثه"، وعن الموثوق به بلفظ "غير متهم في حديثه" (٧). واستعمل لفظ "أوثق" للترجيح بين الرواة من حيث الثقة بهم (٨). ٤ - منهجه في الاستدلال بالسنَّة والروايات أ - عمله بالسنَّة القولية والفعلية والتقريرية يذكر الشيباني في جميع أبواب الفقه تقريباً أدلة من السنَّة النبوية. _________ (١) الحجة للشيباني، ١/ ٣، ٢٤، ٦٥، ٩٤، ١٠٨، ١٠٩، ١١٣، ١١٦، ١٣٨، ١٦٩، ١٨٠، ٢١٣، ٢٢٥، ٢٢٩، ٢٧٢، ٣١٦، ٣١٩، ٣٤١، ٣٥٩، ٢/ ٢٦٤، ٢٩٨، ٣٠٩، ٣٥٦، ٣٩٥، ٣٩٩، ٤٢٨؛ موطأ محمد، ٢/ ١٥٧، ٢٦٣، ٣/ ٢٠٥، ٢٠٦. (٢) الحجة للشيباني، ١/ ٨٩، ٣/ ٤٣١. (٣) الحجة للشيباني، ١/ ١٢٨، ١٣٠، ١٣١، ٢٣٨. (٤) الحجة للشيباني، ١/ ١٣٤. (٥) الحجة للشيباني، ١/ ٢٢٠. (٦) الحجة للشيباني، ١/ ١٦٩، ٢٠١، ٢٢٦، ٣٧٧؛ موطأ محمد، ١/ ٥٧٢. (٧) الحجة للشيباني، ٢/ ٢٠١. (٨) الحجة للشيباني، ٢/ ٢٦١.

стр. 188

والوظيفة الأساسية للسنَّة هي بيان القرآن كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم (١). وفي بعض المواضع تُذكر السنَّة على أنها الواضعة للأحكام على سبيل المجاز. فيقول مثلاً: "حرّمت السنَّة". والأحاديث المرفوعة القولية والفعلية تذكر على وجه الاستدلال في مواضع كثيرة من الأصل. كما يستدل الشيباني بسكوت النبي ﷺ يعني بالسنَّة التقريرية في بعض المواضع (٢). ب - التفريق بين المعروف / المشهور والشاذ تقدم أعلاه أن الشيباني يفرق بين الأحاديث المشهورة / المعروفة والشاذة. كما نرى أنه يستدل بعمل المسلمين بمحتوى الحديث على صحته (٣)، وأنه لا يقبل بعض الروايات غير المشهورة والمعارضة للقواعد العامة (٤). كذلك لا يقبل الشيباني خبر الواحد (حديث واحد) إذا عارض السنَّة المشهورة (السنَّة والآثار المعروفة) (٥). ج - الاحتجاج بخبر الواحد للشيباني دور مهم في الاستدلال لحجية خبر الواحد، وقد غفل عن ذلك الباحثون. ففي كتاب الاستحسان في مسألة قبول خبر الشخص الواحد في المسائل الدينية مثل حل الطعام والشراب أو طهارة الماء المتوضأ به يستدل الشيباني بتصرفات الصحابة تجاه صحابة آخرين يروون حديثاً ما عن النبي ﷺ . فيفيد الشيباني أن طلب أبي بكر وعمر ﵄ من بعض الصحابة الراوين لحديث ما أن يأتوا بصحابي آخر يروي نفس الحديث أفضل من ناحية الاحتياط، ولكن خبر الواحد كاف أيضاً، ثم يبدأ بسرد الأدلة على ذلك. فيذكر أن النبي ﷺ أرسل رجلاً واحداً لتبليغ الإسلام إلى الآخرين، وأن الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهم قد عملوا بأحاديث رواها آحاد الصحابة، ويشير إلى أن الأدلة في هذا الموضوع كثيرة (٦). والشافعي يذكر _________ (١) سورة النحل ١٦/ ٤٤. (٢) الحجة للشيباني، ١/ ٢٤٧، ٤/ ٧٠. (٣) الحجة للشيباني، ٢/ ٦٧١ - ٦٧٢. (٤) موطأ محمد، ٣/ ٣٣٨ - ٣٤٠. (٥) الحجة للشيباني، ١/ ٢٢٥. (٦) الأصل للشيباني، ١/ ١٦٨ ظ. وقد أشار الدبوسي إلى ذكر الثيباني للأحاديث وأفعال الصحابة في موضوع العمل بخبر الواحد. انظر: تقويم الأدلة للدبوسي، ص ١٧٣.

стр. 189

الأدلة نفسها التي ذكرها الشيباني لإثبات حجية خبر الواحد في الرسالة (١). كما استدل البخاري في صحيحه على نفس المسألة بدليل مذكور عند الشيباني (٢). والفرق بين الشيباني وغيره هنا هو أن الشيباني استدل بهذه الأدلة على مسألة فقهية، واستدل الشافعي بنفس الأدلة على أصل من أصول الفقه شبيه بتلك المسألة الفقهية. وتصرف الشيباني في هذه المسألة يدل على أن علم أصول الفقه لم ينشأ بعد على وجه الاستقلال، وأن النقاش النظري حول المسائل الأصولية لم ينتشر بعد، وأن المناظرات كانت جارية حول المسائل الفقهية في الأساس. د - ترك رأي أبي حنيفة في بعض المواضيع بسبب الحديث نرى أن أبا يوسف والشيباني يخالفان أبا حنيفة في بعض المواضيع بالاعتماد على الأحاديث. فقد مرت مخالفتهما له في صلاة الاستسقاء أعلاه. مثال آخر: يخالف أبو يوسف والشيباني أبا حنيفة في اشتراط إذن الإمام لتملك الأرض الميتة عن طريق إحيائها مستدلين بحديث: "مَن أحيا أرضاً ميتة فهي له" (٣)، قائلين: "إذن رسول الله أجوز من إذن الإمام" (٤). مثال آخر: يرى الإمام أبو حنيفة أن العشر يؤخذ من جميع المحاصيل الزراعية سواء قلت أو كثرت، وسواء كان لها ثمرة باقية أم لا، ويعتمد في ذلك على رأي إبراهيم النخعي ومجاهد بن جبر من التابعين (٥)؛ بينما يرى الشيباني أن العشر لا يؤخذ من الخضراوات ولا من المحصول الذي هو أقل من خمسة أوسق مستدلاً بالأحاديث "المعروفة" في ذلك (٦). ومخالفة _________ (١) الرسالة للشافعي، ص ٤٠٩، ٤٢٦، ٤٢٩، ٤٣٠. (٢) صحيح البخاري، "أخبار الآحاد"، ١. (٣) الموطأ، "الأقضية"، ٢٦، سنن أبي داود، "الخراج"، ٣٥ - ٣٧؛ سنن الترمذي، "الأحكام "، ٣٨. وانظر للتفصيل: نصب الراية للزيلعي، ٤/ ٢٨٨ - ٢٩٠؛ الدراية لابن حجر، ٢/ ٢٠١، ٢٤٤. (٤) الأصل للشيباني، ٥/ ٢٢٩ و - ٢٢٩ ظ. (٥) المصنف لابن أبي شيبة، ٢/ ٣٧١، ٣٧٢؛ شرح معاني الآثار للطحاوي، ٢/ ٣٧، ٣٨. (٦) الأصل للشيباني، ٥/ ١٥٨ ظ.

стр. 190

الشيباني لأبي حنيفة في جواز الوقف مبني على الحديث أيضاً (١). وهناك أمثلة أخرى في كتب الشيباني ترك فيها رأي أبي حنيفة استناداً إلى الأحاديث الواردة في تلك المواضيع (٢). ونحن نرى أن ترك الشيباني لرأي أبي حنيفة في جميع هذه المسائل ليس لمخالفته له في الأصول، وإنما ذلك لاقتناع الشيباني بصحة الحديث وشهرته لاطلاعه على شيوع رواية ذلك الحديث أو العمل به على وجه لم يطلع أبو حنيفة عليه. هـ - الطرق المتبعة في نقد الحديث والترجيح بين الأحاديث المختلفة يوجد في الأصل نقد لمتن حديث يرويه هشام بن عروة (٣). ومضمون هذا النقد أن النبي ﵊ لا يأمر بباطل ولا بما يؤدي إلى خداع أحد الطرفين، ولذلك فيحكم بوهم هشام وخطئه في رواية هذا الحديث (٤). يرجح الشيباني بين الرواة بما فيهم الصحابة، فبعد أن يروي حديثين مختلفين يذكر أن عمر أعلم بحديث رسول الله من عائشة (٥). ويرجح روايات الصحابة الذين هم أكبر سناً وأكثر خبرة وأقرب إلى الرسول ﷺ على روايات الصحابة الآخرين (٦). فمثلاً يفيد الشيباني أن علياً أعلم بالحديث من أبي هريرة (٧). وانتقد الشيباني روايات بعض الصحابيات في المسائل التي يكون الرجال أعلم بها في العادة كما اعتمد في ذلك على روايات آخرين _________ (١) الأصل للشيباني، ٨/ ٢٥١ ظ. (٢) الحجة للشيباني، ١/ ٧ - ٨، ٥٢، ١٢٨، ٢٧٢، ٣٣٤، ٥٠٢ - ٥٠٧؛ موطأ محمد، ٢/ ١٣٤، ٣/ ٣١٤. (٣) هو هشام بن عروة بن الزبير المدني، من رواة الحديث المشهورين. توفي سنة ١٤٦. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر، ١١/ ٤٨ - ٥٢. (٤) الأصل للشيباني، ٤/ ١٥٣ و - ١٥٣ ظ. (٥) الأصل للشيباني، ٤/ ١٥٣ ظ. (٦) الحجة للشيباني، ١/ ٩٥، ٢/ ٧١٦، ٧١٧. (٧) الحجة للشيباني، ٢/ ٧١٦، ٧١٧، ٧٢٠.

стр. 191

من الصحابة (١). ويرجح كذلك رواية الصحابي المشهور بالصحبة والعلم على رواية الصحابي غير المشهور والذي لا يروي إلا حديثاً واحداً (٢). كما يرجح الشيباني بين الراويين الثقتين اللذين يرويان عن شخص واحد بكون أحدهما أعلم بحديث الشيخ من الآخر (٣). وفي الحجة للشيباني نرى أنه يحاول التوفيق بين الأحاديث المختلفة أحياناً، فمثلاً في الروايات المتعلقة بأفضلية التغليس أو الإسفار بصلاة الفجر حاول الشيباني التوفيق بين الروايات بالوقوف على المعنى الظاهري لهذه الروايات (٤). لكنه في الغالب يذهب إلى الترجيح بين الأحاديث، ويقول في ذلك: "إنما ينبغي إذا جاء الحديثان المختلفان أن ينظر إلى أشبههما بالحق فيؤخذ به ويترك ما سوى ذلك" (٥). وإذا نظرنا إلى النقاش الذي قيل فيه هذا القول فإن "الحق" المذكور فيه يمكن أن يقصد به القواعد الشرعية العامة (٦). وفي مكان آخر يذكر الشيباني أن الحديث إذا روي عن النبي ﷺ على وجوه مختلفة فإنه ينبغي ترجيح الأليق به والأصوب من الروايات، وفي المسألة المذكورة في ذلك المكان يظهر أن المقياس الذي عين به الأصوب هو اتباع العدل والمساواة (٧). ونرى أنه يرجح بين الروايات المختلفة بمقاييس أخرى، منها تطبيق تلاميذ عبد الله بن مسعود (٨)، أقوال وأفعال الصحابة (٩)، الاحتياط (أخذنا بالثقة، لأنه أوثق) (١٠)، موافقة السنَّة المشهورة (١١)، كثرة الروايات (١٢)، _________ (١) الحجة للشيباني، ١/ ٦٤. (٢) الحجة للشيباني، ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦. (٣) الحجة للشيباني، ١/ ١٧١. (٤) الحجة للشيباني، ١/ ١، ٧. (٥) الحجة للشيباني، ٢/ ٣٣٢. (٦) الحجة للشيباني، ٢/ ٣٣٠ - ٣٣٢. (٧) الحجة للشيباني، ٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣. (٨) الحجة للشيباني، ١/ ٦ - ٧. (٩) الحجة للشيباني، ١/ ٦٤، ٢/ ٦٥٠، ٦٩١. (١٠) الحجة للشيباني، ١/ ١٢٨، ١٦٦، ١٨٢، ١٨٧، ٣١١ - ٣١٤؛ موطأ محمد، ٣/ ٦٣ - ٦٤. (١١) الحجة للشيباني، ١/ ٣١٩. (١٢) الحجة للشيباني، ٢١٠/ ٢؛ موطأ محمد، ١/ ١٧٥، ٢٠٠، ٢٨٥، ٣٠٠، ٣٨٥، ٤١٠، ٢/ ٥٤٩.

стр. 192

التيسير (١)، رأي الأغلبية (٢). ويرجح الشيباني في مسألة خالف فيها أبا حنيفة الحدثحما القولي على الحديث الفعلي لموافقته عمل الصحابة (٣). ويحتج الشيباني في الحجة بروايات أهل بلده في مقابل روايات أهل المدينة، ويظهر من ذلك أن أهل كل بلد يثقون برواتهم وعلمائهم أكثر من غيرهم، وهذا أمر طبيعي إلى حد ما. فمثلاً، القنوت في صلاة الصبح وزكاة مال الصبي وغير ذلك من المسائل ترى فيها شاهد ما ذكرناه (٤). وفي هذا السياق ينتقد الشيباني عدم أخذ أهل المدينة بروايات البلدان الأخرى (٥). حتى أنه يبين أن أهل المدينة لا يعملون في بعض المسائل بأحاديث رووها هم أنفسهم (٦). فمثلاً ينقل عن أهل المدينة قولهم في مسألة روى فيها أهل العراق حديثاً: "لا نعرف الحديث الذي تروونه"، أي أن هذا الحديث شاذ غير معروف؛ ويجيب الشيباني على ذلك بقوله: "الأحاديث في ذلك أغزر وأشهر من أن ترد، وقد رواها بعض أهل العراق " (٧). ويجيب الشيباني عن بعض الأحاديث التي تتضمن أحكامًا تخرج عن الأمر المعروف والمشهور عن النبي ﷺ بأن ذلك خاص بالنبي وأنه لا يمكن اتباعه في ذلك، ويستدل على ذلك بأحاديث أخرى أو بالاجتهاد وإعمال الرأي (٨). ينقل الشافعي عن الشيباني أنه لا يأخذ بالحديث المرسل / المنقطع (٩). ويذكر الأستاذ محمد الدسوقي أن الشيباني يروي الأحاديث المرسلة/المنقطعة ويحتج بها في الأصل وغيره من كتبه، وبناءً على ذلك فيمكن أن تكون هذه _________ (١) موطأ محمد، ١/ ٢٩٣. (٢) موطأ محمد، ١/ ٦٤٣. (٣) الحجة للشيباني، ١/ ١٢٨. (٤) الحجة للشيباني، ١، ٩٧ - ١٠٦، ١٠٦ - ١٠٨، ١٩٩، ٣٥٧ - ٣٦٢، ٤/ ١٩٥ - ١٩٦، ٢٠٦، ٢١٨ - ٢١٩؛ موطأ محمد ١/ ٦١٧ - ٦١٧، ٢/ ١٣ - ١٤، ٨/ ٣، ١٢. (٥) الحجة للشيباني، ١/ ٢٦٥. (٦) الحجة للشيباني، ٤/ ٢٣١ - ٢٣٣، ٢٤٢ - ٢٤٣. (٧) الحجة للشيباني، ٢/ ٧٣٣. (٨) الآثار للشيباني، ص ٣٥؛ موطأ محمد، ٢/ ١٢٤ - ١٢٥. (٩) الأم للشافعي (تحقيق: رفعت فوزي عبد المطلب)، ٩/ ١٣٥، ١٣٩.

стр. 193

العبارات أضيفت إلى الأم وليست منها في الأصل، وأنه توجد شبهات في نسبة الأم إلى الشافعي (١). ونحن نرى أن الشيباني مع أنه يقبل الأحاديث المرسلة / المنقطعة كدليل ويحتج بها إلا أنه يرد المرسل في جو المناظرة لأن خصمه على ذلك المذهب، فهو يُلزم خصمه برأي نفسه. وهذا التصرف معروف ومتداول لدى العلماء في المناقشات العلمية لإظهار عدم التناسق في منهج الخصم وأنه لا يسير على منهاج مستقيم، وليس هذا من سوء الأخلاق الذي لا يليق بالعلماء، وإنما هو أمر معروف ومشهور عندهم (٢). ٥ - عدد الروايات في كتاب الأصل يوجد في الأصل ١٦٣٢ حديثاً وأثراً في المجموع. والقليل منه مكرر. ويدخل في هذا العدد الأقوال والأفعال والتقريرات المنسوبة إلى النبي ﷺ والصحابة والتابعين سواء ذكرت بسند أو بدونه. من ناحية أخرى فإنه ينبغي أن لا يظن أن علم أبي حنيفة وأبي يوسف والشيباني بالحديث مقصور على هذا العدد. فهناك كتب أخرى لهم مثل مسانيدهم، والآثار، والحجة على أهل المدينة وموطأ محمد. فعلاوة على المرويات الموجودة في هذه الكتب فإن مسائل كتاب الأصل نفسها تدل على هذا الأمر. فمثلاً يذكر الشيباني كفاية المُدّ (لتر واحد) للوضوء، والصاع (٣،٣ لتراً) للغسل كمسألة فقهية. وهي في الحقيقة مروية من فعل النبي ﷺ (٣). وكثير من مسائل الوضوء والصلاة غير هذا لم يذكر فيها الدليل من الحديث. ومن المعلوم أن هذه المسائل وأمثالها من مسائل العبادات مأخوذة عن طريق الرواية، ومن المستحيل أن لا يعلم بها أئمة المذهب. فعدم ذكر هذه الروايات إلا نادراً في كتاب الصلاة مثلاً يمكن أن يفسر بأن تلك الروايات معلومة مشهورة عند أربابها، فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها؛ وبأن الفقه في تصور الشيباني _________ (١) الإمام محمد بن الحسن للدسوقي، ص ٢١٦ - ٢١٨. (٢) وقد خالف الأستاذ محمد الدسوقي في ذلك. انظر: الإمام محمد بن الحسن، ص ٢١٧. (٣) الأصل للشيباني، ١/ ٤ و؛ صحيح البخاري، "الوضوء"، ٤٧؛ صحيح مسلم، "الحيض"، ٥١ - ٣٥.

стр. 194

وأستاذيه بدأ يستقل عن الحديث والرواية ويبرز إلى الوجود كعلم جديد قائم بنفسه. وقد أشار بعض العلماء إلى أن منهج الشيباني في ذكر الأحاديث هو عدم الاهتمام بالروايات المعروفة لدى الجميع في المسائل المشهورة، والاهتمام بذكر الروايات المتعلقة بالمسائل الدقيقة والتي تخفى على كثير من الناس (١). وإذا نظرنا إلى مجموع الروايات في الأصل فيمكن القول بأن هذه المعلومة صحيحة إلى حد ما. فمثلاً، لا يوجد في كتاب الصلاة إلا القليل من الروايات. لكن على النقيض من ذلك فإن الروايات قد ذكرت بكثرة في كتاب الرضاع وكتاب الطلاق حتى في المسائل المعلومة المشهورة. إن عدد الروايات مختلفة من حيث القلة والكثرة بين الكتب الفقهية الموجودة في الأصل، إلا أن معظم هذه الكتب لا تخلو من الرواية. وكثير من الكتب الفقهية في الأصل تفتتح بذكر الأحاديث والآثار الواردة في ذلك الموضوع، ثم ينتقل إلى المسائل الفقهية. فمثلاً كتاب الصرف والرهن والقسمة والهبة والإجارات والمضاربة والعتاق والصيد والذبائح والوصايا والولاء والسرقة والإكراه والدعوى والبينات والشرب والعبد المأذون والشفعة والمفقود وجعل الآبق والعقل والحيل واللقطة والمزارعة والنكاح والصلح والوكالة والوقف وبعض الأبواب الموجودة داخل هذه الكتب تفتتح بالأحاديث والآثار. غير أن كثيراً من الكتب الفقهية لا تفتتح بذكر الأحاديث والآثار، مثل كتاب التحري والاستحسان والأيمان وغيرها. والروايات المذكورة في بداية تلك الكتب الفقهية لا يلزم أن تكون كلها مؤيدة لرأي المذهب، بل يمكن أن توجد بينها روايات تخالف رأي المذهب (٢). د - الإجماع يستدل الشيباني بالإجماع في مسائل كثيرة في الأصل وغيره من كتبه. _________ (١) بلوغ الأماني لمحمد زاهد الكوثري، ص ٧٨. (٢) الأصل للشيباني، ٤/ ١٤٤ ظ، ٦/ ٢٠٤ و، ٢٤٢ ظ، ٨/ ٩٠ ظ.

стр. 195

ويستعمل لفظ "الإجماع" كما يستعمل الأفعال الدالة على ذلك مثل "أجمع، اجتمع" ونحوها. فهو يقول للتعبير عن الإجماع: "إجماع لا اختلاف فيه"، "اجتمع عليه الفقهاء"، "اجتمع عليه المسلمون" (١)، "أجمع أهل العلم جميعاً"، "أجمع المسلمون جميعاً"، "عند المسلمين وعند جميع الفقهاء"، "الناس جميعاً"، "مجمعة عليها" ونحو ذلك (٢). وفي بعض المواضع لا يستعمل لفظ الإجماع لكن يستعمل ألفاظاً أخرى تدل على نفس المعنى، مثل قوله: "قول الناس كلهم"، "هذا قول لا نعلم أحداً من العلماء قاله"، "لم يُخْتَلَفْ فيه"، "والناس لا نعلمهم اختلفوا في ذلك" ونحو ذلك (٣). وقد استعمل الإجماع مع السنَّة في بعض المواضع. ففي موضع يقول: "حرمت السنَّة والإجماع" (٤). وفي موضع آخر يذكر: "السنَّة المجتمع عليها" (٥). واستعمال السنَّة والإجماع معاً يحمل معنى تقوية أحد الدليلين بالآخر. فالسنَّة كما سبقت الإشارة إليها لها مفهوم يغلب عليه جانب الفعل والتطبيق. تبعاً لذلك، فالسنَّة والإجماع، أو السنَّة المجتمع عليها إذا أيدت حكماً من الأحكام تفيد أن ذلك الحكم معروف من قبل الجميع وأنه جار العمل به منذ القديم. والسنَّة بعد ذاتها تحمل معنى الشهرة والتلقي بالقبول في القرون الأولى. ففي هذه الحالة يكون إضافة الإجماع إليها مفيداً لقطعية هذه الشهرة والتلقي بالقبول ومؤكداً لهما. ويستدل في الأصل بإجماع الصحابة. فمثلاً في أحداث الفتنة الواقعة بين الصحابة كان كثير منهم على قيد الحياة وقد أجمعوا على عدم معاقبة من ارتكب قتلًا أو غصباً أو نحو ذلك في خضم هذه _________ (١) الأصل للشيباني،٣/ ٣ ظ، ٢٠٤ و، ٥/ ٣٥ و. (٢) الحجة للشيباني، ١/ ٢٠٨، ٢٠٩، ٢/ ٣١٣، ٣/ ٢٢، ٤/ ١٥٥، ٢٦٢؛ موطأ محمد، ١/ ٦٢٨. (٣) الأصل للشيباني، ٤/ ١٠ و؛ الحجة للشيباني، ١/ ٥٢٢، ٢/ ٣٩٨، ٤٠٩، ٣/ ٥٥، ١٢٤، ٤/ ١٧٧ - ١٧٨. (٤) الأصل للشيباني، ٣/ ٢ و. (٥) الأصل للشيباني، ٨/ ٥٨ ظ.

стр. 196

الأحداث (١). واستدل في مسألة حصلت بعد النبي ﷺ وسكت الصحابة عليها بأن سكوتهم هذا يدل على صحة ذلك الأمر (٢). فهنا وقع الاستدلال منه بالإجماع السكوتي. وينقل الجصاص عن الشيباني أنه إذا اختلف الصحابة في أمر ثم وقع الإجماع في عهد التابعين على رأي من آراء الصحابة وترك الرأي الآخر تماماً فإنه لا يجوز العمل بالرأي المتروك (٣). كما أفاد مشايخ الحنفية المتقدمون أن الشيباني يقول بحجية الإجماع من أهل كل عصر (٤). وقد استدل الشيباني بالأثر القائل: "ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح" على كون استحسان المسلمين جميعهم لشيء أو استقباحهم له دليلاً من الأدلة (٥). وينبه الشيباني على أن الأفعال والتطبيقات المخالفة للإجماع باطلة وأنه لا ينبغي اتباعها. فمثلاً ينبغي اتباع الإمام في صلاة العيد في عدد تكبيرات الزوائد على اختلاف الروايات في ذلك، لكن لا يجوز متابعة الإمام الذي يكبر عدداً لم يقل به أحد من الفقهاء ولم يؤثر عن السابقين (٦). ويبين الشيباني أنه لا يجوز أن يبطل القاضي حكماً حكم به قاض آخر ما لم يكن ذلك الحكم مخالفاً لشيء لا يختلف فيه القضاة (٧). ومفهوم هذا أن حكم القاضي المخالف للإجماع عرضة للإبطال. ويستعمل الشيباني لفظ الإجماع أحياناً بمعنى اتفاق مجموعة من الأشخاص أو الجماعات على أمر، وليس بمعنى الإجماع السابق. فمثلاً يفهم من السياق في موضع ذكر فيه الإجماع أنه يقصد به رأي الجمهور، لأنه يذكر رأياً آخر في مقابل الإجماع، وهو رأي أهل المدينة. وهي مسألة الأكل أو الشرب ناسياً في نهار رمضان، فبالرغم من وجود الأحاديث _________ (١) الأصل للشيباني، ٥/ ٨٩ و. (٢) الحجة للشيباني، ٣/ ٤١٣. (٣) الفصول للجصاص، ٣/ ٣٣٩. (٤) تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٣١. (٥) موطأ محمد، ١/ ٦٢٨ - ٦٣٣. (٦) الأصل للشيباني، ١/ ٧٣ ظ. (٧) الكافي للحاكم الشهيد، ١/ ٢١٨ و.

стр. 197

و"الناس يجمعون عليها" إلا أن أهل المدينة يرون أن ذلك ينقض الصوم (١). وفي مواضع أخرى يذكر أيضاً أن الإجماع واقع على خلاف رأي أهل المدينة في المسألة (٢). كما يقول في مسألة خالف فيها أهل المدينة: "وهذا الأمر المجتمع عليه لا اختلاف فيه بين الفقهاء إلا من قال برأيه ونبذ الآثار خلف ظهره " (٣). وفي موضع آخر يذكر إجماع أهل الكوفة وأهل المدينة (٤). ويقول في موضع: "لأن أبا حنيفة وجميع أصحابنا قد أجمعوا" (٥). وفي مسائل الفرائض يتحدث عن أن القضاهّ لا يختلفون في بعض المسائل أو أنهم يجمعون عليها (٦). واللافت للنظر هنا أنهم كانوا يتتبعون قضاء القضاة وإجماعهم على قضية من القضايا ويستدلون بذلك. ويستعمل الشيباني لفظ "العامة" بمعنى الجمهور، ويستدل برأيهم ويوليه قيمة (٧). ويقول في مسألة وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد بأنه "قول العامة لا اختلاف فيه" (٨). وهذا التعبير بن كان يوهم أن المقصود به الإجماع إلا أنه يفيد الجمهور وقلة المخالفين، لأنه عقد في الأصل باباً لرد الرأي المخالف (٩). وقد استدل الشيباني في موضع واحد بإجماع أهل الكوفة. يقول الشيباني في موضوع بيع العبد المدبَّر - الذي علق سيده عتقه على موته - بعد نقله حديثين مختلفين يقضي أحدهما بجواز بيعه ويقضي الآخر بعدم جواز بيعه: "فلما اختلفوا في الرواية عنه أخذنا بما اجتمع عليه أهل الكوفة _________ (١) الحجة للشيباني، ١/ ٣٩٢. (٢) الحجة للشيباني، ٢/ ١٩٩، ٣٩٦، ٤٤٣. (٣) الحجة للشيباني، ٢/ ٢٣٦. ولعبارة شبيهة انظر: نفس المصدر، ٢/ ٣٣٤. (٤) الحجة للشيباني، ١/ ٤٩٧. ولعبارة شبيهة انظر: نفس المصدر، ١/ ٥٣٣. (٥) الأصل للشيباني، ١/ ١٠٢ و. (٦) الأصل للشيباني، ٤/ ١٥ ظ،١٦ و. (٧) الحجة للشيباني، ١/ ١٠٨، ٤/ ٢٠٩؛ الآثار للشيباني، ص ٧٧. (٨) الآثار للشيباني، ص ٨٦. (٩) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٥ و.

стр. 198

أنه لا يباع" (١). فهنا يستعمل إجماع أهل الكوفة كمرجِّح بين روايتين مختلفتين. وهذا التصرف يشبه استعمال الإمام مالك لعمل أهل المدينة واحتجاجه به في العمل بالأحاديث وغير ذلك. ويتشابه اللفظ المستعمل عند الإمام مالك والإمام محمد، فيقول الإمام مالك مثلاً: "الأمر المجتمع عليه عندنا" ونحو ذلك (٢). ويفيد بعض الأصوليين أن الحنفية كانوا يستعملون عمل أهل الكوفة كمقياس للترجيح بين الروايات إلى زمن أبي حنيفة قبل شيوع البدع (٣). وهذا المنهج كان متبعاً لدى المجتهدين الأولين. فقد كانوا يرون أن العمل الجاري في المكان الذي يعيشون فيه متوارث من الصحابة والتابعين الذين كانوا يعيشون في ذلك المكان قبلهم وأنهم لكونهم قريبي العهد بهم فقد وصل إليهم عمل الصحابة والتابعين عن طريق صحيح. وكانوا يرون أيضاً أن مثل هذا العمل المشهور والمتوارث من جيل إلى جيل أقوى من حديث يرويه شخص أو شخصان، ولذلك كانوا لا يقبلون صحة أخبار الآحاد التي تخالف هذا العمل المتوارث ويقولون بأن هذه الأخبار لو كانت صحيحة لكانت معلومة عند الصحابة والتابعين المتوافرين في ذلك المكان. ومن المفهوم أن الشيباني إنما ينطلق من هذه الفكرة في المثال المذكور أعلاه. وينبغي أن نلفت النظر هنا إلى أن استدلال الشيباني بإجماع أهل الكوفة لا يتناقض مع نقده لاستدلال الإمام مالك بعمل أهل المدينة. فالإمام محمد يستدل بإجماع أهل الكوفة للترجيح بين حديثين مختلفين، بينما ينتقد الاستدلال بعمل أهل المدينة في مواضع لا يوجد فيها حديث مؤيد لذلك العمل. هـ - قول الصحابي يستدل الشيباني بأقوال الصحابة في مواضع كثيرة، ويقول في بعض المسائل بأنه لا يوجد في هذه المسألة حديث للنبي ﵊ ولا _________ (١) الأصل للشيباني، ٣/ ١٣٣ و. (٢) الموطأ لمالك بن أنس، ١/ ٢٤٧، ٢٧١، ٣٠٢. (٣) المسودة لابن تيمية، ص ٢٨١.

стр. 199

قول صحابي، مما يدل على أنه يعد قول الصحابي دليلًا من الأدلة (١). وفي بعض المواضع ترك العمل يقول الصحابي (٢). ولذلك فالمسألة مختلف فيها بين الأصوليين الأحناف (٣). ويرجح الشيباني بين أقوال الصحابة في حال اختلافهم. فمثلاً في تحديد أيام تكبير التشريق يأخذ أبو حنيفة يقول عبد الله بن مسعود بينما يأخذ أبو يوسف والشيباني يقول علي بن أبي طالب (٤). فيرجح الشيباني رواية أحد الصحابة على رواية صحابي آخر مؤيداً ذلك بأحاديث وأقوال الصحابة الآخرين (٥). والصحابي الذي ترد روايته أو يرد قوله قد يكون مثل عبد الله بن مسعود الذي لأقواله مكانة عند أئمة المذهب (٦). كما نرى أن الترجيح يكون غالباً لأقوال الصحابة الكبار والفقهاء منهم مثل عمر وعلي وعبد الله بن مسعود في حال تعارضها مع أقوال صحابة آخرين مثل زيد بن ثابت وأبي هريرة (٧). هذا هو المفهوم من صنيع الشيباني في مؤلفاته (٨). ويقدم الشيباني رأي الصحابة على رأي التابعين (٩). ويستدل أحياناً بآراء التابعين التلاميذ لصحابي مشهور بالعلم ويذهب إلى الترجيح بينها، مثل آراء _________ (١) الأصل للشيباني، ٨/ ٢٥٣ ظ؛ الحجة للشيباني، ٢/ ٤٧٧، ٥١٣، ٥١٤، ٥٦٣، ٥٦٨. (٢) الأصل للشيباني، ١/ ٢١٤ ظ، ٣/ ١٥ و. يذكر الدبوسي أن أبا يوسف ومحمداً يقولان بعدم تضمين الأجير المشترك، ويستدلان في ذلك يقول علي، أما أبو حنيفة فاستدل برأيه وخالف هذا القول. انظر: تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٢٥٦. لكن توجد في الأصل رواية تؤيد رأي الإمام أبي حنيفة أيضاً. انظر: الأصل، ٢/ ١٢٠ ظ؛ المبسوط للسرخسي، ١٥/ ٨٠. وعليه فيمكن أن يقال بأن الإمام أبا حنيفة إنما ذهب إلى الترجيح بين روايتين عن نفس الصحابي، أو أنه طرح الروايتين جانباً لتناقضهما، وعمل برأيه. (٣) تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٢٥٦؛ أصول السرخسي، ٢/ ١١٠. (٤) الأصل للشيباني، ١/ ٧٣ ظ - ٧٤ و. (٥) الحجة للشيباني، ١/ ٦٥ - ٦٦. (٦) الحجة للشيباني، ١/ ٢١٤ - ٢١٨. (٧) الحجة للشيباني، ١/ ٢٩٩، ٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥. (٨) قارن: الإمام محمد بن الحسن للدسوقي، ص ٢٢٩. (٩) الحجة للشيباني، ١/ ١١٦، ١٦٩، ١٧٢ - ١٧٣.

стр. 200

أصحاب علي وأصحاب عبد الله بن مسعود (١). ولفقهاء الكوفة من التابعين مكانة مهمة في الأصل، وآراؤهم مذكورة في الكتاب بكثرة. ويمكن أن نذكر من بينهم إبراهيم النخعي (ت. ٩٦)، والشعبي (ت. ١٠٤)، والقاضي شريح (ت. ٨٠). والروايات المذكورة عن إبراهيم النخعي خصوصاً كثيرة جداً ولرأيه مكانة متميزة عند أئمة المذهب (٢). وهذه الروايات تروى غالباً بنفس السند: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم. ولآراء النخعي تأثير مهم على المذهب الحنفي. ومع ذلك فهناك مواضع خالف فيها أئمة المذهب رأيه. وللشعبي تأثير كبير في تأليف كتاب الفرائض من كتاب الأصل. فالشيباني ينقل عن الشعبي كتابه في الفرائض المشتمل على أقوال الصحابة والتابعين في مسائل الفرائض وتخريجاته على ذلك، ويبلغ ذلك إحدى عشرة ورقة (٣). ثم يبني الشيباني كتاب الفرائض على هذه المعلومات ويتوسع في ذكر المسائل وتفصيلها. وكتاب الشعبي في الفرائض يعتبر مصدراً مهماً من القرن الأول منقولًا إلينا بواسطة كتاب الأصل (٤). وينقل الشيباني هذا الكتاب عن السري بن إسماعيل ومحمد بن سالم بإسناده إلى الشعبي (٥). _________ (١) الحجة للشيباني، ١/ ٦ - ٧، ٣٠٠. (٢) الأصل للشيباني، ٦/ ٤٢ و. (٣) الأصل للشيباني، ٤/ ٥ ظ - ١٦ ظ. (٤) وقد ذكر أبو حاتم أن المسائل المذكورة في كتاب الفرائض للشعبي والمنسوبة إلى علي بن أبي طالب إنما هي من قياس الشعبي على أقوال علي ﵁، ولم يكن لعلي بن أبي طالب وقت لتفريعه مثل هذه المسائل. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ٦/ ٢٣٣؛ تهذيب الكمال للمزي، ١٤/ ٣٦. (٥) الأصل للشيباني، ٥/ ٤ ظ، ٣٨ ظ. السري بن إسماعيل الهمداني كوفي، وهو ابن عم الشعبي، وكان كاتباً للشعبي أثناء قضائه. وصار قاضياً مكانه بعد وفاته. وضعفه المحدثون من قبل الرواية انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر، ٣/ ٤٥٩ - ٤٦٠. أما محمد بن سالم الهمداني فكوفي أيضاً، وله كتاب في الفرائض. روى عن الشعبي وغيره. وكان يعلم الفرائض جيداً. وهو ضعيف أيضاً عند المحدثين. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر، ٩/ ١٧٦ - ١٧٧.

стр. 201

والأصوليون الأحناف مع أنهم لا يعتبرون أقوال التابعين حجة إلا أنهم يرون أن مخالفة التابعي الذي كان معروفاً بالفقه على عهد الصحابة مثل إبراهيم النخعي للصحابة تقدح في تكون الإجماع (١). وهذا يدل على أن للتابعي الذي هذا شأنه مكانة معتبرة وأن أقواله لها نوع من الحجية. و- القياس ١ - مكانة القياس في المذهب الحنفي تتردد كلمة القياس بكثرة في الأصل. وهو أكثر الأدلة استعمالاً في الكتاب. ويدل كثرة استعمال لفظ القياس وما اشتق من نفس المصدر على كون المذهب الحنفي الممثل الرئيسي لمدرسة أهل الرأي. من ناحية أخرى فإن هذا الاستعمالك الكثير يوضح الانتقادات التي وجهها أهل الحديث إلى الحنفية وأبي حنيفة خصوصاً في موضوع القياس. فالقياس هو أساس الفقه الحنفي. يدور الفقه الحنفي حول محور القياس وتُصنَّف المسائل بالنظر إليه. لا شك أن النصوص هي المصادر الأساسية للفقه الحنفي، لكن هذا الفقه ينظر إلى القواعد العامة والعلل المستنبطة من النصوص بمجموعها على أنها أساس الفقه. فالقياس عندهم هي عملية إعمال النظر والفكر في ضوء النصوص وفي الإطار الذي ترسمه النصوص. ٢ - المصطلحات يستعمل الشيباني كلمة القياس وما اشتق من مصدر "قيس" من الأفعال للتعبير عن هذا الدليل. وبعض التعابير المستعملة في إفادة القياس يمكن أن تسرد كما يلي: في القياس (٢)، القياس في هذا أو في ذلك ونحوه (٣)، على القياس (٤)، قياس هذا (٥). كذلك تستعمل الأفعال مثل قاس، قستُ، قسنا، _________ (١) أصول السرخسي، ٢/ ١١٤؛ تيسير التحرير لأمير بادشاه، ٣/ ١٣٥. (٢) الأصل للشيباني، ١/ ١٨٥ ظ، ٢٠٣ ظ. (٣) الأصل للشيباني، ١/ ١٩٤ و. (٤) الأصل للشيباني، ١/ ١٩٤ ظ. (٥) الأصل للشيباني، ١/ ١٩٧ ظ.

стр. 202

نقيس، يقاس، تقاس (١). وقد استعملت ألفاظ أخرى لإفادة القياس. فمن ذلك لفظ "بمنزلة". فمثلاً يقيس الشيباني النفخ بالفم في الصلاة على الكلام ويحكم بفساد صلاة من يفعل ذلك قائلًا: "هذا بمنزلة الكلام" (٢). وقوله: "بمنزلة" أي في نفس المعنى أو الحكم. يعني أن الأمرين في نفس المستوى من حيث العلة. ويستعمل للتعبير عن القياس ألفاظ أخرى مثل "هما سواء"، "هذا سواء"، والجمل التي تحتوي على لفظة "سواء". وهذا اللفظ يفيد كون الأصل والفرع مستويين من حيث العلة والحكم (٣). وفي بعض المواضع يقيس مستعملاً كلمة "مثل" أو كاف التشبيه (٤). تمر كلمة "العلة" في موضع واحد فقط (٥). وهذا يدل على أن الكلمة لم تصبح مصطلحاً بعد. وتبدأ الجمل التي تبين العلة أو المقيس عليه بألفاظ "لأن"، "ألا ترى"، "مِن قِبَلِ" ونحوها (٦). وتستعمل عبارات "لا يشببه"، "ليس يشبه" لبيان الفرق بين مسألتين وأنه لا يمكن قياس أحدهما على الآخر. ويكثر استعمالها لإيضاح الفرق بين المسائل التي يظن أنها متشابهة فيما بينها وهي ليست كذلك (٧). وهناك تعبير آخر مستعمل في نفس المعنى وهي "ليس سواء" (٨). _________ (١) الأصل للشيباني، ١/ ٥١ و، ٢٤١ ظ، ٣/ ٢١٨ و، ٤/ ٤٠ و، ٤٥ ظ، ٤٦ و، ٥٠ و، ٥٢ ظ، ٥٤ و، ٦٥ و، ٥/ ٣٤ ظ، ٦٩ ظ، ٢٥٦ ظ، ٦/ ١٩٥ ظ، ٢١٣ ظ، ٧/ ٤٢ و، ٨/ ٩٢ و، ٢٥٣ و. (٢) الأصل للشيباني، ١/ ٢ ظ. وانظر لأمثلة أخرى: الأصل للشيباني، ١/ ٦ ظ - ٧ و، ١٠ و، ١٤ ظ، ١٩ و، ٢٢ ظ، ٣٢ ظ، ٣٣ و، ٣٤ ظ؛ موطأ محمد، ٣/ ٢٩٤، ٣٥٤. (٣) الأصل للشيباني، ١/ ٢ و، ٣ و، ١٠ و، ١٢ و، ١٥ و، ١٥ ظ، ١٦ و، ١٩ ظ. (٤) الأصل للشيباني، ١/ ٨٧ ظ، ٢/ ١٦٠ و. (٥) الأصل للشيباني، ١/ ٢٩٤ ظ. (٦) الأصل للشيباني، ١/ ٣ ظ، ٥ ظ، ٧ و، ٨ و، ٩ ظ،١٠ ظ،١١ و، ٢/ ١٣١ و، ١٣٢ ظ، ١٣٥ ظ. (٧) الأصل للشيباني، ١/ ٨ ظ، ١١ و، ١١ ظ، ١٩ ظ، ٢٠ ظ، ٣١ ظ، ٣٢ و، ٣٩ و، ٤٠ ظ، ٤٢ و، ٣٠٤ و، ٢/ ٣٦ و، ١٢٩ و. (٨) الأصل للشيباني، ١/ ٩ ظ، ٥٨ و.

стр. 203

وللإشارة إلى قياس الأَوْلى تستعمل ألفاظ مثل: "أشد، أعظم، أولى" ونحو ذلك مما يفيد التفضيل والترجيح (١). وفي موضع آخر استعمل فعل "عدّيتم" من مصدر التعدية (٢). وقد استعملت كلمة التعدية في تعريف القياس فيما بعد عند الأصوليين (٣). وفي معنى الاعتراض على القياس وإيراد المسائل التي تخالف قياساً ما لبيان فساد ذلك القياس فإنه يستعمل كلمة "يدخل" وما يشبهها (٤). وقد استعمل القياس مع كلمة "النظر" حيث يقول: "السنَّة والآثار في هذا معروفة مشهورة لا يحتاج معها إلى نظر وقياس " (٥). وبالنظر إلى أمثلة أخرى أيضاً يتبين أن كلمة النظر تستعمل بمعنى الاجتهاد والفكر الفقهي (٦). وقد استعمل كلمة القياس في الأصل في بعض المواضع بمعنى قياس الأصول، أي القواعد العامة. فمثلاً العمل باليقين وعدم الالتفات إلى الشك الطارئ عليه والمعبر عنه بقاعدة "اليقين لا يزول بالشك" قد سمي قياساً (٧). ٣ - فائدة القياس إن القياس الذي يستعمل في الأصل في معنى أوسع من معناه الاصطلاحي المتأخر يعمل كآلية لتحقيق الانسجام الداخلي والترابط والتناسق بين فروع المذهب، فبواسطته تترابط الفروع لتشكل نسقاً واحداً منتظماً، وتُنقح المسائل وُيقرر ما يقبل من المسائل وما لا يقبل. ولذلك ترى في مواضع كثيرة من الكتاب عبارات مثل: "ينبغي في القياس" ونحو ذلك (٨). _________ (١) الأصل للشيباني، ٨/ ١ و، ١١ ظ، ٥٢ و، ٥٧ و، ٦٠ ظ، ١٠٨ و، ١٦٨ ظ، ١٨٣ ظ، ٢١٠ ظ، ٢/ ٨٣ و، ١٠٦ ظ، ٩/ ١٣ و، ٢٧ ظ، ٥٣ و، ٥٩ و. (٢) الحجة للشيباني، ٢/ ٦٦٥. (٣) أصول السرخسي، ٢/ ١١٨؛ التوضيح لصدر الشريعة، ٢/ ٥٢. (٤) الأصل للشيباني،١/ ٩٨ ظ، ١٠٢ و؛ الحجة للشيباني، ١/ ٣٤، ٧٧. (٥) الحجة للشيباني، ١/ ٣١٦. وانظر لمثال آخر: نفس المصدر، ٢/ ٤٨٢. (٦) الحجة للشيباني، ٢/ ٥٦٨، ٥٦٩. (٧) الأصل للشيباني، ١/ ٦ و - ٦ ظ. (٨) الأصل للشيباني، ١/ ٢١٧ و، ٣٢٢ و، ٢/ ١٢١ و، ٣/ ٤٤ و، ٢٤١ ظ، ٤/ ٦١ ظ، ٢٤٢ ظ، ٢٤٥ و، ٨/ ٢١٠ و.

стр. 204

فمثلاً المقيم إذا مسح على الخفين ثم سافر قبل تمام يوم وليلة فإن مدة المسح تمتد إلى ثلاثة أيام، وقياساً على هذا لتحقيق التناسق بين الفروع قيل بأن المسافر إذا مسح على الخفين ثم أقام قبل تمام ثلاثة أيام ولياليها فإن مدة المسح تنقص إلى يوم وليلة (١). وترى في مواضع كثيرة من الكتاب أن موضوعًا ما يتم بيانه عن طريق إيضاح مسألة معينة ثم يتم بيان علتها ثم يقال بأنه يمكن القياس على هذه المسألة باتباع العلة المذكورة. ويتم التعبير عن ذلك بقوله: "وعلى هذا جميع هذا الوجه وقياسه" (٢)، "وعلى هذا جميع هذا الباب وقياسه" (٣)، "وعلى هذا جميع هذا القول وقياسه" (٤)، ونحو ذلك. ٤ - أركان القياس إن أركان القياس التي هي الأصل والفرع والعلة والحكم تكون واضحة مذكورة في بعض المواضع، لكن بدون استعمال هذه المصطلحات أي الأصل والفرع وما إلى ذلك (٥). ففي كثير من المواضع لا يذكر الأصل المقيس عليه، ويذكره في بعض المواضع. فمثلاً يقيس جواز الاحتكام إلى الحكمين في حل الخلافات عمومًا على جواز الاحتكام إلى الحكمين في حل الخلافات الزوجية المذكور في الآية الكريمة (٦). ويتم تعليل الحكم في مواضع كثيرة (٧). وقد تم تعيين مسافة قصر الصلاة للمسافر بثلاثة أيام قياساً على الحديث القائل: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا ومعها محرم" (٨). وأشار في موضع إلى إمكان القياس _________ (١) الأصل للشيباني، ١/ ١٥ ظ. (٢) الأصل للشيباني،١/ ١٠٢ ظ، ٢/ ٢٨ و، ٢٤٩ و، ٢٥٧ ظ. (٣) الأصل للشيباني، ٢/ ٢٤٨ ظ، ٦/ ٨٨ و. (٤) الأصل للشيباني، ٥/ ٧ و، ٩ ظ. (٥) الحجة للشيباني، ١/ ١٩، ٢/ ١٨٣، ٤٦٧، ٦٦٥. (٦) الأصل للشيباني، ٨/ ٨٨ و. (٧) الحجة للشيباني، ٢/ ٥٦٥؛ موطأ محمد، ٣/ ٤١٨، ٤٢٣. (٨) الأصل للشيباني، ١/ ٥١ و.

стр. 205

على الحكم الثابت بالإجماع (١). وقام في مسألة بالقياس على الأثر المروي عن علي بن أبي طالب (٢). وفي مثال آخر يقول: "هذا قياس الصلاة على غير وضوء" (٣). كما يتم القياس على أقوال الصحابة والتابعين كذلك يتم القياس على آراء أبي حنيفة وأبي يوسف، وتستحدث بذلك مسائل جديدة. ويعبر عن مثل هذه القياسات بقوله: "قياس قول أبي بكر"، "قياس قول الشعبي"، "قياس قول أبي حنيفة"، "قياس قول أبي يوسف"، ونحو ذلك (٤). وقد سمي هذا النوع من القياس فيما بعد بالتخريج، وقد أدى ذلك إلى نمو المذهب وازدياد عدد مسائله وفروعه، كما أدى إلى تقوية الترابط بين فروع المذهب. وأثناء القيام بالقياس يقال بأنه لا "فرق" بين المسألتين، وأن المسألتين "تشبه" بعضهما بعضاً. فمثلاً يقول: "إنما ينبغي أن يقاس ما لم يأت فيه أثر بما يشبهه مما جاء فيه الأثر" ونحو ذلك (٥). ويصور الرأي المخالف للقياس بأنه التفريق بين أمرين ليس بينهما فرق في الحقيقة (٦). وكلمتا الفرق والشَّبَه مما يكثر استعمالهما في أصول الفقه فيما بعد في مباحث القياس. ٥ - حجية القياس وحدودها هناك عبارة جالبة للانتباه في حجية القياس، يقول الشيباني: "الآثار لا تجيء في الأشياء كلها ولكن تجيء في بعض، ويقاس ما لم يأت فيه أثر بما جاءت فيه آثار"، وأن عدم اتباع ذلك هو تحكُّم (٧). وهذه العبارة تذكرنا بالعبارة الشهيرة في أصول الفقه والتي تقال أثناء الاحتجاج للقياس، وهي أن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية فيجب قياس ما لم يرد في النصوص _________ (١) الحجة للشيباني، ٢/ ٣١٣. (٢) الأصل للشيباني، ١/ ١٢٥ ظ. (٣) الأصل للشيباني، ١/ ١٥٨ و. (٤) وقد تم بحث مثل هذه العبارات فيما تقدم. (٥) الحجة للشيباني، ١/ ١٩، ٤٤، ٤٥، ٢/ ٦٦١، ٦٦٤ - ٦٦٥. (٦) الحجة للشيباني، ١/ ٨٤، ٢/ ٥٦٣. (٧) الأصل للشيباني، ٨/ ٢٥٣ و.

стр. 206

على ما ورد فيها (١). وفي مؤلفاته الأخرى ينتقد الشيبانيّ كذلك التفريق بين المسائل التي تتبع علة واحدة ويسمي ذلك تحكماً (٢). ويستدل في بعض المسائل بالقياس الذي قام به الصحابة مثل عبد الله بن عباس (٣). وقد صرح الشيباني بأنه لا يمكن أن يخالف القياس الحديث قائلاً: "لا قياس مع أثر" (٤). وهذه العبارة تشبه القاعدة المصوغة فيما بعد: "لا مساغ للاجتهاد في مورد النص ". وقد مرت قريباً العبارة القائلة: "السنَّة والآثار في هذا معروفة مشهورة لا يحتاج معها إلى نظر وقياس" (٥). يرد الشيباني بأمثال هذه العبارات على الادعاء بأن أهل الرأي يتركون الأحاديث في مقابل القياس والرأي. ويبين الشيباني وجوب العمل بالقياس في المحل اللازم. فلا يمكن القبول بالعمل بظاهر الحديث في المسألة التي ورد فيها الحديث وتَرْكِ العمل به في مسألة شبيهة بما ورد في النص. يقول الشيباني: "ينبغي أن يقاس على حديث رسول الله ﷺ ولا يخالف فيقول قائل: إنما أقول ذلك فيما جاء عن النبي ﷺ خاصة وما لم يأت فيه أثر قلت فيه برأيي" (٦). وقد عمل الشيباني بالقياس في جميع أبواب الفقه تقريباً. وعلى عكس ما ورد في أصول فقه الأحناف أنه لا يجري القياس في العبادات والحدود، فقد عمل بالقياس في العبادات والقصاص والحدود واحتج بالقياس في المناقشات الجارية في هذه المسائل (٧). وقد انتقد الشيباني أهل المدينة بسبب _________ (١) أصول السرخسي، ٢/ ١٣٩ - ١٤٠؛ البحر المحيط للزركشي، ٥/ ٥. (٢) الحجة للشيباني، ٢/ ٣٠٢، ٥٠١. ٥٧٥. ٦٢٠، ٤/ ٣١٧ - ٣١٨. (٣) الحجة للشيباني، ٢/ ٦٦٤ - ٦٦٥. (٤) الحجة للشيباني، ١/ ٢٠٤. (٥) الحجة للشيباني، ١/ ٣١٦. (٦) الحجة للشيباني، ٢/ ٦٥٠. (٧) الأصل للشيباني، ١/ ٦ و، ١١ ظ، ١٥ ظ، ٢٩ و، ٥١ و، ٥/ ١٩ ظ، ٢٠ و، ٢١ ظ، ٢٣ ظ؛ الحجة للشيباني، ١/ ٧٦ - ٧٧، ٢٤٠ - ٢٥١، ٢٦١ - ٢٦٤، ٢٩٣ - ٢٩٤، ٢٩٦ - ٢٩٨، ٣٤١ - ٣٤٢، ٣٨١ - ٣٨٢، ٣٨٣ - ٣٩١، ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٤، ٣٠٣ - ٣٠٤، ٣٢٥، ٣٥٦ - ٣٨٨،٣٥٧ - ٣٩٠، ٤١٩ - ٤٢٠، ٤٦٧، ٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥، ٤٠٧ - ٤١١، ٤١٥ - ٤١٦.

стр. 207

عدم اتباعهم لما يوجبه القياس في مسائل الوضوء والحج (١). لكن من الواضح أن هذه المسائل ليست من أصول العبادات المقررة بالنصوص وإنما هي متعلقة بفروعها. أما المعاملات فقد جرى القياس فيها على أوسع نطاق من قبل أهل الرأي وأهل المدينة أيضاً، وجرت المناقشات فيها على صحة القياس المجرى أو عدم صحته (٢). وقد أفاد الشيباني أن القياس ينبغي أن يجري بين مسائل الباب الواحد والمسائل الشبيهة ببعض. فمثلاً مسائل الصوم تقاس بمسائل الصوم، ومسائل الإحرام تقاس بمسائل الإحرام، وعوارض الأهلية مثل الخطأ والنسيان والإكراه المذكورة في حديث واحد ينبغي أن تقاس ببعضها (٣). وهذا لأن مسائل الباب الواحد تشبه بعضها أكثر من مسائل باب آخر، وإلا فليس هناك مانع من القياس بين مسائل الأبواب المختلفة إذا وقع بينها اتحاد من حيث العلة. ز - الاستحسان ١ - مفهوم الاستحسان إن الاستحسان مع القياس من أكثر المصطلحات استعمالاً في كتاب الأصل. كما أن ذِكْرَ القياس في كثير من المسائل هو نتيجة لوجود استحسان في المسألة. فحين تستند مسألة إلى قياس ولا يوجد استثناء في فروع تلك المسألة فلا يذكر الشيباني القياس فيها. لكن إذا وجد استثناءً في فروع المسألة المبنية على القياس فإنه يذكر القياس ويبين أنه ينبغي أن يكون الحكم في حال اتباع القياس كذا وكذا، لكن يترك القياس لسبب يذكره ويذهب إلى الاستحسان. وهكذا يشكل القياس والاستحسان زوجاً اصطلاحياً متقابلين من حيث المعنى. ولإفادة الاستحسان استعمل الشيباني كلمة _________ (١) الحجة للشيباني، ١/ ١٨ - ١٩، ٤٤ - ٤٥، ٢/ ١٨٣. (٢) الحجة للشيباني، ٢/ ٥٠٠ - ٥٠٢، ٥٠٣ - ٥٠٩، ٥١٤، ٥٢٢ - ٥٢٥، ٥٥٦ - ٥٥٧، ٦٢٤ - ٦٢٦، ٦٦١ - ٦٦٢. (٣) الحجة للشيباني، ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨.

стр. 208

"الاستحسان" وأفعالاً مثل أستحسن واستحسنتُ ونحو ذلك. ويستعمل الاستحسان غالباً بتقديم حرف الجر "في" عليه، أي يقول: "في الاستحسان". ويستعمل هذا التعبير في مقابل تعبير "في القياس" كثيراً. كما يستعمل تعبير "أخذت بالاستحسان" أو "آخذ بالاستحسان" ونحو ذلك (١). وقد استعمل الاستحسان في بعض المواضع بمعناه اللغوي أي رؤية الشيء حسنًا أو قبول رأي ما (٢). وفي بعض المناقشات مع أهل المدينة يستعمل الاستحسان بمعنى قبول الرأي المخالف للحديث والسنَّة (٣). فالشيباني يستعمل الاستحسان بمعنى الاستثناء من القاعدة أو القياس، أي بالمعنى الاصطلاحي المعروف في أصول الفقه. وفي كثير من المواضع يستعمل لفظ الاستحسان مع أدوات الاستثناء، مما يدل على وقوع الاستحسان بطريق الاستثناء. فيقول: "إلا أني أستحسن"، "إلا باباً واحداً أستحسن فيه"، "غير خصلة واحدة لو فعلها أستحسنها"، "غير أني أستحسن"، "غير أني أستحسن في هذا خصلة واحدة"، "ما خلا … فإني أستحسن" ونحو هذا (٤). ومع ذكر الاستحسان والقياس مع بعض في كثير من الأماكن إلا أن الاستحسان يذكر أحياناً وحده ويفهم القياس ضمناً من السياق، وأحياناً يعبر عن الاستحسان بترك القياس. _________ (١) الأصل للشيباني، ١/ ١١ و، ٢٤٠ ظ، ٢/ ٩٥ و، ١٤٧ و، ١٧٥ و، ١٩٤ ظ، ٣/ ١٢٩ و، ١٥٧ و، ٢٠٧ و، ٢٠٧ ظ، ٢٣٧ ظ، ٤/ ٨٥ و، ٨٦ و، ٢٤٧ ظ، ٥/ ٢٢ ظ، ٢٣ ظ، ٤٦ ظ، ٦٠ ظ، ١٩٥ و، ٦/ ١٦ ظ، ٣٣ ظ، ٥١ و، ٨/ ١٦ ظ، ١١٠ و، ١١٩ و، ١٢٦ ظ، ١٢٩ و، ٢١٣ و، ٢٦٥ ظ وقد أشار الدبوسي إلى الألفاظ التي استعملها الشيباني لإفادة الاستحسان. انظر: تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٤٠٤. (٢) الأصل للشيباني،١/ ١٠٢ و، ١٠٧ ظ،١١١ و، ١١٤ ظ، ٥/ ٥٧ ظ؛ الحجة للشيباني، ١/ ٥٢٢. (٣) الحجة للشيباني، ١/ ٢٢٢، ٢٧٢. (٤) الأصل للشيباني، ١/ ٢٢٦ ظ، ٢٣٢ ظ، ٢٤٩ و، ٣/ ٧٩ ظ، ١٢٩ و، ٥/ ٣٤ ظ، ٦/ ٣٢ و، ٧/ ٢٤٤ ظ، ٨/ ٧٤ ظ،١٠٤ ظ، ١٩٦ و.

стр. 209

ففي بعض المواضع التي يذكر فيها الاستحسان والقياس معاً يقول: "هما سواء في القياس ولكني أستحسن ذلك وأدع القياس فيه" (١)، "أما في القياس … وبه نأخذ … وأما في قول أبي يوسف فإنه قال أستحسن" (٢)، "أستحسن في هذا وأدع القياس" (٣)، "أستحسن ذلك وأدع القياس فيه وكان ينبغي في القياس" (٤)، "هذا والباب الأول سواء في القياس ولكن أستحسن في … وآخذ في … بالقياس " (٥)، "أما في القياس … وأما في الاستحسان " (٦)، "هذا القياس في هذا ولكن أستحسن" (٧)،" هذا القياس ولكن أبا حنيفة كان يستحسن" (٨)، "والنكاح في هذا الباب والباب الأول سواء في القياس غير أني أخذت في الباب الأول بالاستحسان" (٩). ويوجد غير ما ذكر مواضع كثيرة جداً ذكر فيها القياس والاستحسان مع بعض. وهذا غيض من فيض. وهناك مواضع ذكر فيها أنه ترك القياس ولم يذكر لفظ الاستحسان صراحة. فمثلاً يقول: "هما في القياس سواء إلا أنا ندع القياس" (١٠)، "هما _________ (١) الأصل للشيباني، ٨/ ١٢٤ و. ولعبارات شبيهة انظر: نفس المصدر، ١/ ٣٩ ظ، ٢٠٩ ظ، ٢١٠ و، ٢٥٩ ظ، ٢٨٥ و، ٢/ ١٢٤ ظ، ٢٨٥ و، ٣/ ٨٥، ١٢٩، ١٤٤ ظ، ٢٣٣ و، ٤/ ١٣٦ ظ، ٥/ ٣٩ ظ، ٤٨ و، ١١٨ و - ظ، ٨/ ١٦٤ ظ. (٢) الأصل للشيباني، ٥/ ٤٢ ظ. (٣) الأصل للشيباني، ١/ ٦٩ ظ،١٤٠ و، ١٤٨ و، ٢٢٧ ظ، ٢٣٦ ظ، ٢٥٢ ظ، ٢٥٥ ظ، ٢٦٠ وظ، ٢٦٥ ظ، ٣١٢ و، ٣٢٥ و، ٢/ ٩٣ ظ، ١٠٨ و، ١٤٦ ظ، ١٤٨ و، ١٥٠ و، ٢٠٩ و،٢١٠ ظ. (٤) الأصل للشيباني، ٢/ ١٩٢ و، ٣/ ٩٠ و، ١٥٤ ظ، ٥/ ٥٠ ظ، ٧/ ٧٤ و، ٨/ ٨٦ ظ، ١٩٤ ظ. (٥) الأصل للشيباني، ١/ ٥٩ و. ولعبارات شبيهة انظر: نفس المصدر، ١/ ٥٩ و، ٣/ ٢٤١ ظ، ٤/ ١١٤ ظ، ٧/ ٣٥ ظ. (٦) الأصل للشيباني، ١/ ٦١ و، ٤/ ٨٨ و، ٨/ ٢٦٠ و. (٧) الأصل للشيباني، ٢/ ٢٠٩ ظ، ٥/ ٩١ و. (٨) الأصل للشيباني، ٦/ ١١٥ و. (٩) الأصل للشيباني، ٣/ ١٣٢ و. (١٠) الأصل للشيباني، ١/ ٦ ظ.

стр. 210

في القياس سواء غير أنه جاء … أثر فأخذنا به." (١)، "أما في القياس … ولكني أدع القياس" (٢)، "أدع القياس" (٣)، "ليس هذا بالقياس، وهذا والأول سواء في القياس" (٤)، "ليس هذا بقياس، فكذلك الوجه الأول" (٥)، "ليس ذلك بقياس، القياس فيه … " (٦)، "فإني أدع القياس " (٧). وتوجد عبارات أخرى شبيهة بهذه، وهي كثيرة جداً. ويقتصر أحياناً على ذكر الاستحسان دون القياس. ويفهم من ذلك أن الرأي الآخر هو القياس. فيقول مثلاً: "استحسنا ذلك" (٨)، "أستحسن ذلك … إنما أستحسن" (٩)، "أستحسن في هذا وشبهه" (١٠)، "نستحسن ذلك" (١١)، "نستحسن في هذا" (١٢). وتوجد عبارات أخرى شبيهة بهذه كثيرة. ومع أن القياس والاستحسان يكونان مختلفي النتيجة في الأعم الأغلب، إلا أنه نادراً ما يذكر أن القياس والاستحسان يؤديان إلى نفس النتيجة، فيقول عقيب مسألة: "في القياس والاستحسان" (١٣). وفي بعض المواضع يذكر أن الرأي الذي على خلاف الاستحسان قبيح، يعني أنه يؤدي إلى نتائج قبيحة، ويستعمل ألفاظاً تدل على هذا المعنى (١٤). ويلاحظ هنا التضاد بين الحسن والقبح في استعمال الشيباني لهذه الألفاظ. كما أنه يستعمل أحياناً لفظ "الاستقباح" وما يشتق منه للدلالة على ما هو خلاف الاستحسان (١٥). _________ (١) الأصل للشيباني، ١/ ٩ و. (٢) الأصل للشيباني، ٤/ ٨٨ و، ٥/ ١٤٠ ظ. (٣) الأصل للشيباني، ٨/ ٧٠ ظ. (٤) الأصل للشيباني، ٣/ ٢١١ و. (٥) الأصل للشيباني، ٥/ ٨٥ و. (٦) الأصل للشيباني، ٦/ ٧١ و. (٧) الأصل للشيباني، ٨/ ١٤٤ ظ. (٨) الأصل للشيباني، ٤/ ٩٠ ظ. (٩) الأصل للشيباني، ٨/ ١١٠ ظ. (١٠) الأصل للشيباني، ٦/ ٥٩ و. (١١) الأصل للشيباني، ١/ ٢٢٧ ظ. (١٢) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٠٦ ظ. (١٣) الأصل للشيباني، ٥/ ٨٨ و. (١٤) الأصل للشيباني، ١/ ٣٢ ظ، ٣/ ١١٣ ظ، ٢٤١ ظ، ٦/ ١٠٦ ظ. (١٥) الأصل للشيباني، ٦/ ٥٨ و، ٧/ ١٣٥ ظ.

стр. 211

وقد استعمل الشيباني الاستحسان في مؤلفاته الأخرى مثل الجامع الصغير والجامع الكبير أيضاً (١). ولا يذكر لفظ الاستحسان أحياناً مع أن المعنى يدل عليه. فمثلاً في مسألة انتقاض الصوم بالأكل والشرب ناسياً يقول أبو حنيفة: "لولا ما جاء في هذا من الآثار لأمرت بالقضاء" (٢). أما كتاب الاستحسان الذي هو أحد كتب الأصل فقد فسر السرخسي كلمة الاستحسان الوارد في هذا العنوان بالمصطلح الأصولي؛ لكن الأكثر على أنه ليس في هذا المعنى. فيذكر السرخسي بعض التعاريف لمصطلح الاستحسان بالمعنى الأصولي، ثم يحاول أن يقيم علاقة بين المسائل الواردة في بداية كتاب الاستحسان وبين المعنى الأصولي، فيقول بأن المرأة يجب أن تكون كلها عورة من القرن إلى القدم في القياس، ولكن الاستحسان هو الذي جوز النظر إلى وجهها وكفيها للضرورة (٣). أما نجم الدين النسفي (ت. ٥٣٧) فيذهب إلى أن الاستحسان هنا بمعنى استخراج المسائل الحسنة، أو وضع المسائل الحسنة بأدلة قوية، وأن الاستحسان الذي يذكر في مقابل القياس فهو متعلق بأصول الفقه (٤). وقد استعمل أئمة الحنفية وفقهاؤهم أسماء أخرى لكتاب الاستحسان مثل كتاب الكراهية، فقد استعمله الشيباني في الجامع الصغير (٥)، وكتاب الكراهة الذي استعمله الطحاوي (٦)، وكتاب _________ (١) الجامع الصغير للشيباني، ص ١١٥ - ١١٦، ١٣٠، ٣٥٩، ٤٤١، ٤٤٢، ٤٥٦، ٤٦٠، ٤٦٩، ٤٩٠، ٥٠١، الجامع الكبير، ص ٤٥، ٥٥. ٨٥. (٢) الحجة للشيباني، ١/ ٣٩٢؛ تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٤٠٥. (٣) المبسوط للسرخسي، ١٠/ ١٤٥. (٤) طلبة الطلبة للنسفي، ص ٢٠١. وانظر: بدائع الصنائع للكاساني، ٥/ ١١٨؛ تبيين الحقائق للزيلعي، ٦/ ١٠؛ البحر الرائق لابن نجيم، ٨/ ٢٠٤. (٥) الجامع الصغير للشيباني، ص ٤٧. وتبعه في ذلك بعض الفقهاء. انظر: الهداية للمرغيناني، ٤/ ٧٨؛ الاختيار للموصلي، ٤/ ١٥٣؛ كنز الدقائق لحافظ الدين النسفي (مع تبيين الحقائق للزيلعي)، ٦/ ١٠ ملتقى الأبحر لإبراهيم الحلبي (مع مجمع الأنهر لداماد)، ٤/ ١٧٧. (٦) مختصر الطحاوي، ص ٤٢٨؛ شرح معاني الآثار للطحاوي، ٤/ ٢٢٩.

стр. 212

الحظر والإباحة الذي استعمله القدوري وغيره (١)؛ وكتاب الزهد والورع الذي اقترحه بعفى الفقهاء (٢). والملاحظ أن أكثر الفقهاء الأحناف عدلوا عن اسم كتاب الاستحسان وغيروه إلى الأسماء المذكورة، ولعل السبب في ذلك أنهم أرادوا أن لا يلتبس المراد بالاستحسان هنا بالمعنى الأصولي للكلمة. ٢ - الأسباب المقتضية للاستحسان لقد ذكر الأصوليون الأحناف الأسباب المقتضية للاستحسان بأنها النص والإجماع والقياس والضرورة (٣). وهناك أمثلة على الاستحسان بالنص والقياس في كتب الشيباني. ولكن الأمثلة التي ذكرها الأصوليون الأحناف للاستحسان بالإجماع والضرورة لا توجد في كتب الشيباني. فمثلاً جواز عقد الاستصناع بالاستحسان المستند إلى الإجماع، وطهارة البئر التي سقطت فيها نجاسة بنزع عدد من الدلاء بالاستحسان المستند إلى الضرورة، كل هذا مما لم يذكره الشيباني. كذلك ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والأصوليين الأحناف من جواز عقد السلم بالاستحسان المستند إلى النص، وجواز عقد الإجارة بالاستحسان المستند إلى النص أو الضرورة مما لم يذكره الشيباني (٤). ولكن إذا نظرنا إلى أمثلة الاستحسان المستند إلى العرف عند الشيباني نرى أن كثيراً من هذه المسائل يرجع الاستحسان فيها إلى الضرورة والحاجة. كذلك عقد الاستصناع الذي مثل به الحنفية للاستحسان بالإجماع يمكن أن يقال _________ (١) الكتاب للقدوري (مع اللباب للميداني)، ٤/ ١٥٦؛ المبسوط للسرخسي، ١٠/ ١٤٥؛ تحفة الفقهاء للسمرقندي، ٣/ ٣٣١؛ تنوير الأبصار للتمرتاشي (مع رد المحتار لابن عابدين)، ٦/ ٣٣٦. (٢) المبسوط للسرخسي، ١٠/ ١٤٥؛ الاختيار للموصلي، ٤/ ١٥٣؛ رد المحتار لابن عابدين، ٦/ ٣٣٦. (٣) الفصول للجصاص، ٤/ ٢٢٨؛ تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٤٠٥؛ أصول السرخسي، ٢/ ٢٠٢؛ التوضيح لصدر الشريعة، ٢/ ٨٢؛ تيسير التحرير لأمير بادشاه، ٤/ ٧٨. (٤) تقويم الأدلهّ للدبوسي، ص ٤٠٥ - ٤٠٦؛ أصول السرخسي، ٢/ ٢٠٣؛ التوضيح لصدر الشريعة، ٢/ ٨٢؛ تيسير التحرير لأمير بادشاه، ٤/ ٧٨.

стр. 213

بأنه يستند إلى العرف والتعامل العام، وهذا العرف والتعامل يرجع في الحقيقة إلى احتياج الناس لمثل هذه المعاملة. أ - السنَّة والحديث والأثر توجد عند الشيباني عبارات كثيرة تبين أن السبب وراء ترك القياس والأخذ بالاستحسان هو الأثر الموجود في المسألة. وتستعمل في هذه العبارات مصطلحات الأثر والآثار والسنَّة والحديث (١). والأثر الوارد في المسألة قد يكون حديثاً مرفوعاً، أو قول صحابي، أو قول تابعي (٢). فيقول مثلاً: "هما في القياس سواء إلا أنا ندع القياس للأثر" (٣)، "هما في القياس سواء غير أنه جاء … أثر فأخذنا به" (٤)، "جاء في ذلك أثر فأخذت به وأخذت في … بالقياس" (٥). وهذه بعض الأمثلة التي ترك فيها القياس للأثر: - ينبغي أن يكون حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل واحداً في القياس، إلا أن أثر ابن عباس أوجب ترك القياس، وفرضية المضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء (٦). - ينبغي أن يكون حكم المني الجاف في الثوب وغيره من النجاسات في التطهير واحداً من حيث وجوب استعمال الماء في ذلك، إلا أن الحديث _________ (١) الأصل للشيباني، ٣/ ٧٩ ظ، ٤/ ٢٢٣ ظ، ٢٤٢ ظ، ٧/ ٥١ و، ٢٣٤ و. (٢) الأصل للشيباني، ٤/ ٢٤١ و، ٥/ ٢٨ ظ، ٥٠ ظ. (٣) الأصل للشيباني، ١/ ٦ ظ. وانظر لما يشبه هذه العبارة: نفس المصدر، ٥/ ١٦٢ و - ظ. (٤) الأصل للشيباني، ١/ ٩ و. (٥) الأصل للشيباني، ١/ ١١ ظ. وانظر لعبارات أخرى شبيهة: نفس المصدر، ١/ ٢٣٤ ظ، ٢٥٦ و، ٢/ ٥٨ ظ، ٤/ ٢١٩ و، ٢٤١ و، ٥/ ٢٨ ظ، ٥٠ ظ، ٧/ ٢٣٤ و. (٦) الأصل للشيباني، ١/ ٦ ظ. ولأثر ابن عباس انظر: الآثار لأبي يوسف، ص ١٣؛ السنن للدارقطني، ١/ ١١٦، مسند أبي حنيفة لأبي نعيم، ص. ٢٠٠؛ السنن الكبرى للبيهقي، ١/ ١٧٩، جامع المسانيد للخوارزمي، ١/ ٢٦٩؛ نصب الراية للزيلعي، ١/ ٧٨؛ الدراية لابن حجر، ١/ ٤٧،

стр. 214

الذي جوز تطهر المني بالفرك من الثوب أوجب الاستحسان (١). - ينبغي أن يكون حكم النوم واحداً من حيث نقضه للوضوء على أية حالة كان النوم، إلا أن الحديث أوجب استثناء النوم في حالة الركوع والسجود والقيام والقعود. وقد قاس الشيباني الجنون على النوم من حيث كونه ناقضاً للوضوء ولم يستثنوا من ذلك حالة الركوع والسجود ولا غيرها، وعلل ذلك بأن الحديث ورد في النوم خاصة على خلاف القياس (٢). وهذا المثال وغيره مما استنبط أصوليو الحنفية منه أن الحكم الذي ورد على خلاف القياس لا يقاس عليه (٣). وهناك أمثلة أخرى ذكرها الشيباني في الأصل (٤). ب - القياس في أكثر المواضع يستند الاستحسان إلى قياس آخر. فإذا أمكن قياس فرع على أصلين مختلفين يسمى القياس الذي يكون أسرع وروداً إلى العقل ولكنه ضعيف باسم "القياس"، ويسمى القياس الذي يكتشف بنوع من التأمل ويكون أقرب إلى العقل باسم "الاستحسان " (٥). وقول الشيباني في الأصل: "ويدخل في هذا الاستحسان بعض القياس" (٦)، يدل على أن الاستحسان هنا هو ترجيح بين قياسين. وقد شرح الجصاص عبارة الشيباني هذه بتوسع (٧). _________ (١) الأصل للشيباني، ١/ ٩ و. وللحديث انظر: صحيح مسلم، "الطهارة"، ١٠٥ - ١٠٦؛ سنن أبي داود، "الطهارة"، ١٣٤؛ سنن الترمذي، "الطهارة"، ٨٥؛ جامع المسانيد للخوارزمي، ١/ ٢٧٧؛ الدراية لابن حجر، ١/ ٩١. (٢) الأصل للشيباني، ١/ ١١ ظ. (٣) تيسير التحرير لأمير بادشاه، ٤/ ٨٢ - ٨٣. (٤) الأصل للشيباني، ١/ ٣٠ ظ - ٣١ و، ٢٣٤ ظ، ٢٥٦ و، ٥/ ٢٨ ظ؛ المبسوط للسرخسي، ١٣/ ٣٠ - ٣١. (٥) الفصول للجصاصى، ٤/ ٢٣٤. (٦) الأصل للشيباني، ٣/ ٤١ و. (٧) الفصول للجصاص، ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٨.

стр. 215

ويسمي الدبوسي القياس المتروك باسم "القياس الجلي، القياس الظاهر"، والقياس المأخوذ به أي الاستحسان باسم "القياس الخفي" (١). وكتاب الأصل مليء بالأمثلة على هذا النوع من الاستحسان، فمن ذلك: - ينبغي في القياس أن يكون سؤر سباع الطير مثل سؤر سباع البهائم من حيث النجاسة، لكن الاستحسان فرق بينهما من حيث أن سباع الطير لها منقار، والمنقار عظم لا يحمل النجاسة (٢). - الرجل الذي أسلم في دار الحرب ومكث هناك شهراً أو شهرين لا يصلي لأنه لا لجم حكم الصلاة فإنه لا يجب عليه قضاء الصلوات التي فاتته؛ أما الرجل الذي أسلم في دار الإسلام فإنه يلزمه قضاء ما فاته من الصلوات. وكان ينبغي في القياس أن يكون حكم المسألتين واحداً، إلا أن الجهل يعذر به في دار الحرب دون دار الإسلام (٣). - لا تجوز المضاربة عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا بالدنانير والدراهم، وتجوز عند الشيباني بالفلوس المضروبة من النحاس لأنها ثمن مثل الدنانير والدراهم. فالرأي الأول قياس والثاني استحسان (٤). وهناك أمثلة أخرى كثيرة (٥). ج - القواعد العامة (الأصول) يكون الاستحسان أحياناً مستندًا إلى القواعد العامة أي قياس الأصل (٦). _________ (١) تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٤٠٤، ٤٠٥. (٢) الأصل للشيباني، ١/ ٤ ظ، ٥ ظ؛ المبسوط للسرخسي، ١/ ٤٨، ٥٠. (٣) الأصل للشيباني، ١/ ٥٥ ظ؛ المبسوط للسرخسي، ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦. (٤) الأصل للشيباني، ٢/ ٢٠٨ و؛ المبسوط للسرخسي، ٢٢/ ٢١. (٥) الأصل للشيباني، ١/ ٣٥ ظ، ٤٤ و، ٨١ و، ٢٩٢ و، ٢/ ١٤٧ و، المبسوط للسرخسي، ١/ ١٨٣ - ١٨٦، ٢٢٥، ٢/ ٦٩، ١٤/ ٢٩ - ٣٠، ١٥/ ١٦٦. (٦) الفصول للجصاص، ٤/ ٢٤٢.
следующие страницы →