Полный текст (6 738 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وقد استعمل الشيباني الاستحسان في مؤلفاته الأخرى مثل الجامع الصغير والجامع الكبير أيضاً (١). ولا يذكر لفظ الاستحسان أحياناً مع أن المعنى يدل عليه. فمثلاً في مسألة انتقاض الصوم بالأكل والشرب ناسياً يقول أبو حنيفة: "لولا ما جاء في هذا من الآثار لأمرت بالقضاء" (٢).
أما كتاب الاستحسان الذي هو أحد كتب الأصل فقد فسر السرخسي كلمة الاستحسان الوارد في هذا العنوان بالمصطلح الأصولي؛ لكن الأكثر على أنه ليس في هذا المعنى. فيذكر السرخسي بعض التعاريف لمصطلح الاستحسان بالمعنى الأصولي، ثم يحاول أن يقيم علاقة بين المسائل الواردة في بداية كتاب الاستحسان وبين المعنى الأصولي، فيقول بأن المرأة يجب أن تكون كلها عورة من القرن إلى القدم في القياس، ولكن الاستحسان هو الذي جوز النظر إلى وجهها وكفيها للضرورة (٣). أما نجم الدين النسفي (ت. ٥٣٧) فيذهب إلى أن الاستحسان هنا بمعنى استخراج المسائل الحسنة، أو وضع المسائل الحسنة بأدلة قوية، وأن الاستحسان الذي يذكر في مقابل القياس فهو متعلق بأصول الفقه (٤). وقد استعمل أئمة الحنفية وفقهاؤهم أسماء أخرى لكتاب الاستحسان مثل كتاب الكراهية، فقد استعمله الشيباني في الجامع الصغير (٥)، وكتاب الكراهة الذي استعمله الطحاوي (٦)، وكتاب
_________
(١) الجامع الصغير للشيباني، ص ١١٥ - ١١٦، ١٣٠، ٣٥٩، ٤٤١، ٤٤٢، ٤٥٦، ٤٦٠، ٤٦٩، ٤٩٠، ٥٠١، الجامع الكبير، ص ٤٥، ٥٥. ٨٥.
(٢) الحجة للشيباني، ١/ ٣٩٢؛ تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٤٠٥.
(٣) المبسوط للسرخسي، ١٠/ ١٤٥.
(٤) طلبة الطلبة للنسفي، ص ٢٠١. وانظر: بدائع الصنائع للكاساني، ٥/ ١١٨؛ تبيين الحقائق للزيلعي، ٦/ ١٠؛ البحر الرائق لابن نجيم، ٨/ ٢٠٤.
(٥) الجامع الصغير للشيباني، ص ٤٧. وتبعه في ذلك بعض الفقهاء. انظر: الهداية للمرغيناني، ٤/ ٧٨؛ الاختيار للموصلي، ٤/ ١٥٣؛ كنز الدقائق لحافظ الدين النسفي (مع تبيين الحقائق للزيلعي)، ٦/ ١٠ ملتقى الأبحر لإبراهيم الحلبي (مع مجمع الأنهر لداماد)، ٤/ ١٧٧.
(٦) مختصر الطحاوي، ص ٤٢٨؛ شرح معاني الآثار للطحاوي، ٤/ ٢٢٩.
стр. 212
الحظر والإباحة الذي استعمله القدوري وغيره (١)؛ وكتاب الزهد والورع الذي اقترحه بعفى الفقهاء (٢). والملاحظ أن أكثر الفقهاء الأحناف عدلوا عن اسم كتاب الاستحسان وغيروه إلى الأسماء المذكورة، ولعل السبب في ذلك أنهم أرادوا أن لا يلتبس المراد بالاستحسان هنا بالمعنى الأصولي للكلمة.
٢ - الأسباب المقتضية للاستحسان
لقد ذكر الأصوليون الأحناف الأسباب المقتضية للاستحسان بأنها النص والإجماع والقياس والضرورة (٣). وهناك أمثلة على الاستحسان بالنص والقياس في كتب الشيباني. ولكن الأمثلة التي ذكرها الأصوليون الأحناف للاستحسان بالإجماع والضرورة لا توجد في كتب الشيباني. فمثلاً جواز عقد الاستصناع بالاستحسان المستند إلى الإجماع، وطهارة البئر التي سقطت فيها نجاسة بنزع عدد من الدلاء بالاستحسان المستند إلى الضرورة، كل هذا مما لم يذكره الشيباني. كذلك ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والأصوليين الأحناف من جواز عقد السلم بالاستحسان المستند إلى النص، وجواز عقد الإجارة بالاستحسان المستند إلى النص أو الضرورة مما لم يذكره الشيباني (٤). ولكن إذا نظرنا إلى أمثلة الاستحسان المستند إلى العرف عند الشيباني نرى أن كثيراً من هذه المسائل يرجع الاستحسان فيها إلى الضرورة والحاجة. كذلك عقد الاستصناع الذي مثل به الحنفية للاستحسان بالإجماع يمكن أن يقال
_________
(١) الكتاب للقدوري (مع اللباب للميداني)، ٤/ ١٥٦؛ المبسوط للسرخسي، ١٠/ ١٤٥؛ تحفة الفقهاء للسمرقندي، ٣/ ٣٣١؛ تنوير الأبصار للتمرتاشي (مع رد المحتار لابن عابدين)، ٦/ ٣٣٦.
(٢) المبسوط للسرخسي، ١٠/ ١٤٥؛ الاختيار للموصلي، ٤/ ١٥٣؛ رد المحتار لابن عابدين، ٦/ ٣٣٦.
(٣) الفصول للجصاص، ٤/ ٢٢٨؛ تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٤٠٥؛ أصول السرخسي، ٢/ ٢٠٢؛ التوضيح لصدر الشريعة، ٢/ ٨٢؛ تيسير التحرير لأمير بادشاه، ٤/ ٧٨.
(٤) تقويم الأدلهّ للدبوسي، ص ٤٠٥ - ٤٠٦؛ أصول السرخسي، ٢/ ٢٠٣؛ التوضيح لصدر الشريعة، ٢/ ٨٢؛ تيسير التحرير لأمير بادشاه، ٤/ ٧٨.
стр. 213
بأنه يستند إلى العرف والتعامل العام، وهذا العرف والتعامل يرجع في الحقيقة إلى احتياج الناس لمثل هذه المعاملة.
أ - السنَّة والحديث والأثر
توجد عند الشيباني عبارات كثيرة تبين أن السبب وراء ترك القياس والأخذ بالاستحسان هو الأثر الموجود في المسألة. وتستعمل في هذه العبارات مصطلحات الأثر والآثار والسنَّة والحديث (١). والأثر الوارد في المسألة قد يكون حديثاً مرفوعاً، أو قول صحابي، أو قول تابعي (٢). فيقول مثلاً: "هما في القياس سواء إلا أنا ندع القياس للأثر" (٣)، "هما في القياس سواء غير أنه جاء … أثر فأخذنا به" (٤)، "جاء في ذلك أثر فأخذت به وأخذت في … بالقياس" (٥).
وهذه بعض الأمثلة التي ترك فيها القياس للأثر:
- ينبغي أن يكون حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل واحداً في القياس، إلا أن أثر ابن عباس أوجب ترك القياس، وفرضية المضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء (٦).
- ينبغي أن يكون حكم المني الجاف في الثوب وغيره من النجاسات في التطهير واحداً من حيث وجوب استعمال الماء في ذلك، إلا أن الحديث
_________
(١) الأصل للشيباني، ٣/ ٧٩ ظ، ٤/ ٢٢٣ ظ، ٢٤٢ ظ، ٧/ ٥١ و، ٢٣٤ و.
(٢) الأصل للشيباني، ٤/ ٢٤١ و، ٥/ ٢٨ ظ، ٥٠ ظ.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ٦ ظ. وانظر لما يشبه هذه العبارة: نفس المصدر، ٥/ ١٦٢ و - ظ.
(٤) الأصل للشيباني، ١/ ٩ و.
(٥) الأصل للشيباني، ١/ ١١ ظ. وانظر لعبارات أخرى شبيهة: نفس المصدر، ١/ ٢٣٤ ظ، ٢٥٦ و، ٢/ ٥٨ ظ، ٤/ ٢١٩ و، ٢٤١ و، ٥/ ٢٨ ظ، ٥٠ ظ، ٧/ ٢٣٤ و.
(٦) الأصل للشيباني، ١/ ٦ ظ. ولأثر ابن عباس انظر: الآثار لأبي يوسف، ص ١٣؛ السنن للدارقطني، ١/ ١١٦، مسند أبي حنيفة لأبي نعيم، ص. ٢٠٠؛ السنن الكبرى للبيهقي، ١/ ١٧٩، جامع المسانيد للخوارزمي، ١/ ٢٦٩؛ نصب الراية للزيلعي، ١/ ٧٨؛ الدراية لابن حجر، ١/ ٤٧،
стр. 214
الذي جوز تطهر المني بالفرك من الثوب أوجب الاستحسان (١).
- ينبغي أن يكون حكم النوم واحداً من حيث نقضه للوضوء على أية حالة كان النوم، إلا أن الحديث أوجب استثناء النوم في حالة الركوع والسجود والقيام والقعود. وقد قاس الشيباني الجنون على النوم من حيث كونه ناقضاً للوضوء ولم يستثنوا من ذلك حالة الركوع والسجود ولا غيرها، وعلل ذلك بأن الحديث ورد في النوم خاصة على خلاف القياس (٢). وهذا المثال وغيره مما استنبط أصوليو الحنفية منه أن الحكم الذي ورد على خلاف القياس لا يقاس عليه (٣).
وهناك أمثلة أخرى ذكرها الشيباني في الأصل (٤).
ب - القياس
في أكثر المواضع يستند الاستحسان إلى قياس آخر. فإذا أمكن قياس فرع على أصلين مختلفين يسمى القياس الذي يكون أسرع وروداً إلى العقل ولكنه ضعيف باسم "القياس"، ويسمى القياس الذي يكتشف بنوع من التأمل ويكون أقرب إلى العقل باسم "الاستحسان " (٥). وقول الشيباني في الأصل: "ويدخل في هذا الاستحسان بعض القياس" (٦)، يدل على أن الاستحسان هنا هو ترجيح بين قياسين. وقد شرح الجصاص عبارة الشيباني هذه بتوسع (٧).
_________
(١) الأصل للشيباني، ١/ ٩ و. وللحديث انظر: صحيح مسلم، "الطهارة"، ١٠٥ - ١٠٦؛ سنن أبي داود، "الطهارة"، ١٣٤؛ سنن الترمذي، "الطهارة"، ٨٥؛ جامع المسانيد للخوارزمي، ١/ ٢٧٧؛ الدراية لابن حجر، ١/ ٩١.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ١١ ظ.
(٣) تيسير التحرير لأمير بادشاه، ٤/ ٨٢ - ٨٣.
(٤) الأصل للشيباني، ١/ ٣٠ ظ - ٣١ و، ٢٣٤ ظ، ٢٥٦ و، ٥/ ٢٨ ظ؛ المبسوط للسرخسي، ١٣/ ٣٠ - ٣١.
(٥) الفصول للجصاصى، ٤/ ٢٣٤.
(٦) الأصل للشيباني، ٣/ ٤١ و.
(٧) الفصول للجصاص، ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٨.
стр. 215
ويسمي الدبوسي القياس المتروك باسم "القياس الجلي، القياس الظاهر"، والقياس المأخوذ به أي الاستحسان باسم "القياس الخفي" (١).
وكتاب الأصل مليء بالأمثلة على هذا النوع من الاستحسان، فمن ذلك:
- ينبغي في القياس أن يكون سؤر سباع الطير مثل سؤر سباع البهائم من حيث النجاسة، لكن الاستحسان فرق بينهما من حيث أن سباع الطير لها منقار، والمنقار عظم لا يحمل النجاسة (٢).
- الرجل الذي أسلم في دار الحرب ومكث هناك شهراً أو شهرين لا يصلي لأنه لا لجم حكم الصلاة فإنه لا يجب عليه قضاء الصلوات التي فاتته؛ أما الرجل الذي أسلم في دار الإسلام فإنه يلزمه قضاء ما فاته من الصلوات. وكان ينبغي في القياس أن يكون حكم المسألتين واحداً، إلا أن الجهل يعذر به في دار الحرب دون دار الإسلام (٣).
- لا تجوز المضاربة عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا بالدنانير والدراهم، وتجوز عند الشيباني بالفلوس المضروبة من النحاس لأنها ثمن مثل الدنانير والدراهم. فالرأي الأول قياس والثاني استحسان (٤).
وهناك أمثلة أخرى كثيرة (٥).
ج - القواعد العامة (الأصول)
يكون الاستحسان أحياناً مستندًا إلى القواعد العامة أي قياس الأصل (٦).
_________
(١) تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٤٠٤، ٤٠٥.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ٤ ظ، ٥ ظ؛ المبسوط للسرخسي، ١/ ٤٨، ٥٠.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ٥٥ ظ؛ المبسوط للسرخسي، ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٤) الأصل للشيباني، ٢/ ٢٠٨ و؛ المبسوط للسرخسي، ٢٢/ ٢١.
(٥) الأصل للشيباني، ١/ ٣٥ ظ، ٤٤ و، ٨١ و، ٢٩٢ و، ٢/ ١٤٧ و، المبسوط للسرخسي، ١/ ١٨٣ - ١٨٦، ٢٢٥، ٢/ ٦٩، ١٤/ ٢٩ - ٣٠، ١٥/ ١٦٦.
(٦) الفصول للجصاص، ٤/ ٢٤٢.
стр. 216
فمثلاً الشخص الذي ينام في الصلاة ويحتلم عليه أن يغتسل ويبني على صلاته في القياس، أما في الاستحسان فعليه أن يستأنف صلاته (١). فالقياس هنا مبني على الحديث الذي أمر فيه بالبناء على الصلاة لمن أحدث حدثاً أصغر. وهذا الحديث مخالف للقاعدة العامة التي تقضي بعدم جواز البناء مع الحدث. ولذلك فحالة الاحتلام لا تقاس على الحدث الأصغر ويكون العمل حسب القاعدة العامة (٢).
د - الاحتياط
يستند الاستحسان إلى مبدأ الاحتياط أحياناً. فمثلاً إذا وجد في البئر دجاجة ميتة وقد انتفخت فإن أبا حنيفة يرى بأن المتوضئ من تلك البئر عليه أن يقضي صلاة ثلاثة أيام ولياليها، وأما أبو يوسف ومحمد فيريان أنه لا قضاء على المتوضئ من البئر ما لم يعلم متى وقعت الدجاجة في البئر. فالقياس هنا هو رأي أبي يوسف ومحمد، لأن اليقين لا يزول بالشك. وأما أبو حنيفة فقد احتاط في أمر الصلاة استحساناً، وذهب إلى أن الماء ولو كان طاهراً فيكون الشخص قد صلَّى مرة أخرى، ولا ضرر في ذلك (٣). وهناك أمثلة أخرى بني الاستحسان فيها على مبدأ الاحتياط (٤).
هـ - كون المسألة خلافية
يكون الاستحسان مبنياً على وجود خلاف في المسألة أحياناً، ويعبر الشيباني عن هذا باختلاف الناس. فمثلاً المحجور عليه إذا أراد أن يعتمر فإنه يؤذن له في ذلك استحساناً، لأن العمرة وإن لم تكن واجبة عند الحنفية إلا أن من العلماء من يرى أنها واجبة (٥).
_________
(١) الأصل للشيباني، ١/ ٣٧ ظ.
(٢) الفصول للجصاص، ٤/ ٢٤٢.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ٦ و - ظ.
(٤) الأصل للشيباني، ١/ ٦ و، ٧ و، ٣/ ٤١ ظ، ٨/ ٢٠٤ و.
(٥) الأصل للشيباني، ٦/ ٧٢ ظ.
стр. 217
و - العرف
يبنى الاستحسان على العرف في كثير من المسائل. فمثلاً:
- المستأجر للدابة حتى يركبها إذا ضرب الدابة وكبح جماحها وأحدث ذلك ضرراً في الدابة فإن أبا حنيفة يرى بأنه يضمن، وهذا هو القياس. ويرى أبو يوسف ومحمد بأنه لا يضمن إذا تصرف في حدود المعروف وضرب "كما يضرب الناس" (١).
- المستأجر للدابة ليذهب بها إلى الحج إذا لم يبين ما يحمل عليها فإن العقد جائز مع هذه الجهالة؛ لأن ما يحمل في سفر الحج معروف عادة. وهذا استحسان. وقوله في هذه المسألة: "ما يحمل الناس" يدل على اعتبار العرف (٢).
- العامل الذي استؤجر ليحفر قبراً إذا لم يبين له مقدار الحفر فإن العقد يجوز استحساناً، لأن ذلك معروف عند الناس. وقول الشيباني في هذه المسألة: "وسط ما يعمل الناس" يدل على اعتبار العرف (٣).
وهناك أمثلة أخرى تدل على اعتبار العرف في الاستحسان (٤).
ز - الضرورة
يعتبر الشيباني حالة الضرورة التي تنتج عن الإكراه سبباً للاستحسان في كثير من مسائل العبادات والمعاملات والعقوبات. لكنه لم يستعمل لفظ الضرورة في ذلك. فمثلاً الشخص الذي يخرج من المسجد الذي يعتكف فيه مكرهاً ثم يذهب إلى مسجد آخر فيعتكف فيه لا يفسد اعتكافه استحساناً، وكان ينبغي في القياس أن يفسد اعتكافه (٥). وفسر السرخسي الإكراه هنا
_________
(١) الأصل للشيباني، ٢/ ١٥٠ ظ - ١٥١ و.
(٢) الأصل للشيباني، ٢/ ١٦٦ ظ.
(٣) الأصل للشيباني، ٢/ ١٧٧ ظ.
(٤) الأصل للشيباني، ١/ ١٨١ ظ، ٢/ ١٢٨ ظ، ١٤٤ ظ، ٢٠٩ و، ٢٢٠ و، ٢٣٨ و؛ المبسوط للسرخسي، ١٥/ ١١٩ - ١٢٠، ١٦٠، ٢٢/ ٤٥.
(٥) الأصل للشيباني، ١/ ١٤٨ و.
стр. 218
بالضرورة وأفاد أن المعتكف هنا معذور في الخروج من المسجد لأنه لا يستطيع مقاومة المكره (١). وفي مثال آخر أن الشخص المكره على كلمة الكفر لا يفسد نكاحه بذلك استحساناً (٢). وهناك أمثلة أخرى (٣).
٣ - الاختلاف في القياس والاستحسان
في بعض المسائل يكون هناك حلان مختلفان أحدهما هو القياس والآخر هو الاستحسان، ويختلف ترجيح أئمة المذهب، فيرجح قسم منهم القياس ويرجح القسم الآخر الاستحسان. وهناك أمثلة كثيرة على هذا الأمر، منها:
- من يبتدئ صلاة النافلة قائمًا فلا يجوز له أن يقعد بلا عذر عند أبي يوسف ومحمد، وهذا هو القياس، ويجوز له أن يقعد بدون عذر عند أبي حنيفة استحساناً (٤).
- الجهالة الموجودة في أجرة الظئر من الطعام وغيره مغتفرة عند أبي حنيفة استحساناً، ولا يجيز ذلك أبو يوسف ومحمد عملاً بالقياس (٥). وهناك أمثلة أخرى (٦).
٤ - ترجيح القياس على الاستحسان
هناك مواضع رجح فيها القياس على الاستحسان. مثلاً: إذا قرأ المصلي آية فيها سجدة تلاوة قبل الركوع ثم ركع عقيبها مباشرة فإن ذلك
_________
(١) المبسوط للسرخسي، ٣/ ١٢٢.
(٢) الأصل للشيباني، ٥/ ٧٣ و.
(٣) الأصل للشيباني، ٥/ ٧٤ ظ، ٨٠ و، ٩٤ ظ، ١٠٣ ظ، ١٠٤ و، ١٠٥ ظ، ١٠٦
و (٤) الأصل للشيباني، ١/ ٣٩ ظ.
(٥) الأصل للشيباني، ٢/ ١٢٨ ظ.
(٦) الأصل للشيباني، ١/ ٥ ظ، ٦ ظ، ٩ و، ٢٩ و، ٣١ و، ٣٥ و، ٣٩ ظ، ٥٢ ظ، ٥٥ ظ، ٥٩ و، ٦١ و، ٢/ ٨ ظ،١٠ ظ، ٢٤ ظ، ٤٢ ظ - ٤٣ و، ٦٤ و، ١٢٨ ظ، ١٥٠ ظ - ١٥١ و، ٣/ ٩٠ و، ٧/ ١٧٨ و، الكافي للحاكم الشهيد، ١/ ٦ ظ؛ المبسوط للسرخسي، ١/ ١٢٠ - ١٦٠،١٢١ - ٢٠٨،١٦١ - ٢٠٩.
стр. 219
يغنيه عن السجدة، لأن الركوع والسجدة واحد في القياس. وقد فسر قوله تعالى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] (١) بأنه خر ساجداً (٢). أما في الاستحسان فينبغي أن لا يغني الركوع عن السجدة. ولكن رجح علماء المذهب القياس هنا (٣). وقد فسر السرخسي هذا الأمر بأن الاستحسان قياس في الحقيقة، فالحادث هنا هو ترجيح أحد القياسين على الآخر. وفصل في شرح المسألة وبيان وجه القياس والاستحسان (٤). وهناك مواضع أخرى رجح فيها القياس على الاستحسان (٥). وقد نبه فقهاء الأحناف على المسائل التي رجح فيها القياس على الاستحسان وعدها بعضهم اثنتين وعشرين مسألة (٦). وينبغي التنبه هنا إلى أن أئمة المذهب متفقون في هذه المسائل على ترجيح القياس على الاستحسان، أما المسائل التي رجح فيها بعضهم القياس وبعضهم الاستحسان فهي كثيرة جداً كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
ح - العرف
إن العرف مراعى في كتاب الأصل. ففي كثير من مواضيع الفقه يوجد تأثير بارز للعرف القولي والعملي. حتى أن العرف قد سمي "سنَّة" في موضع (٧). والسنَّة مستعملة بمعناها اللغوي هنا كما هو واضح. ويمكن رؤية أمثلة على مراعاة العرف في تحديد سعر الشيء، ومعنى الأيمان، وكون خيار الشرط عرفاً في بعض العقود، والآلات التي ينبغي أن يوفرها رب العمل للعامل، ومن يستحق الأجر في تعليم العامل المبتدئ. وللتعبير عن العرف يستعمل الشيباني ألفاظاً مثل "يُعْرَف، بالمعروف، عَمَلُ الناس، ما
_________
(١) سورة ص ٢٤/ ٣٨.
(٢) فسر ابن عباس ومجاهد الآية بذلك. انظر: جامع البيان للطبري، ٢٣/ ١٤٦ - ١٥٠؛ الدر المنثور للسيوطي، ٧/ ١٥٦ - ١٦٤.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ٦١ و.
(٤) المبسوط للسرخسي، ٢/ ٨ - ٩.
(٥) الأصل للشيباني، ١/ ٦١ و، ٢١٨ و، ٢/ ٢٤ ظ، ٣/ ٤٢ و، ٤/ ١٠٩ و، ٨/ ١٧٨ ظ، ٢١٠ و.
(٦) "عقود رسم المفتي"، مجموعة رسائل ابن عابدين، ١/ ٣٥.
(٧) الأصل للشيباني، ٢/ ٧٣ و.
стр. 220
يصنع أهل تلك البلاد، ما يفعل التجار" ونحو ذلك (١). وفي مؤلفاته الأخرى يستعمل الشيباني ألفاظاً مثل "المعروف عندنا، عمل الناس، ما عليه الناس" ونحو ذلك (٢). ويستدل الشيباني بتعامل المسلمين على شيء من غير نكير بينهم، فيقول: "ما زال المسلمون على أنه … ، وعلى هذا عامة أمر الناس، فَعَلَه المسلمون، ما يتعامل عليه الناس" (٣).
وقد قبل الشيباني أن الحكم يتغير بتغير العرف وراعى هذا المبدأ في اجتهاده. ولذلك فقد حدث اختلاف في بعض المسائل بين أبي حنيفة وصاحبيه بناءً على تغير العرف (٤).
ط - شرع من قبلنا
استدل الشيباني على جواز المهايأة في الشرب بصنيع صالح ﵇ حينما اقتسم قومه وناقة صالح الماء، يشربون يوماً وتشرب يوماً، حيث تقول الآية الكريمة ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] (٥)، والآية الأخرى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] (٦). وهذا يدل على أنه يحتج بشرع من قبلنا إذا حكاه القرآن الكريم عنهم وقرره (٧). وينقل الشيباني في مسألة عن تابعي نقلاً عن التوراة ويستدل به. لكن هناك أدلة أخرى في المسألة. فلذلك ينبغي اعتبار هذا النقل عنصراً مساعداً في الاستدلال يستشهد به،
_________
(١) الأصل للشيباني، ١/ ١٢٣ و، ١٨١ ظ، ٢/ ٧٣ و، ١٧٨ ظ، ١٧٩ ظ، ٢٢٠ و، ٣/ ٢٣٨ ظ، ٥/ ٤٧ و.
(٢) الحجة للشيباني، ١/ ٤٧٦، ٤٩٢؛ موطأ محمد، ٢/ ٥٨٩.
(٣) الحجة للشيباني، ٢/ ٥٦٨، ٦٠٩، ٦٧١ - ٦٧٢، ٦٧٧، ٣/ ٣٩،١٤٦.
(٤) الأصل للشيباني، ١/ ٧٣ ظ، ٨٣ و - ظ، ١٩٣ ظ، ٣١٣ ظ.
(٥) سورة القمر ٥٤/ ٢٨.
(٦) سورة الشعراء ٢٦/ ١٥٥.
(٧) الأصل للشيباني، ٥/ ٢٣ و. وقد استنبط الجصاص والدبوسي نفس النتيجة من صنيع الشيباني. انظر: الفصول للجصاص، ٣/ ٢٠؛ تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٢٥٣. ولمثال آخر انظر: الحجة للشيباني، ٤/ ٣٢١.
стр. 221
وليس دليلاً أصلياً (١).
ي - الاستصحاب
يتبين من حلول الشيباني في بعض مسائله أنه يراعي قاعدة الاستصحاب وإن لم يصرح بهذا الاسم. فالمسائل التي تبنى على أن اليقين لا يزول بالشك تعتبر أمثلة على هذا (٢). ويرى الأصوليون الأحناف أن الاستصحاب حجة في الدفع لا في الإثبات. وقد استدلوا على هذا بأمثلة استخلصوها من الأصل. مثلاً: المفقود الذي يحكم بأنه على قيد الحياة تستمر ملكيته على أملاكه التي كانت له، ولكنه لا يكتسب ملكاً جديداً عن طريق الميراث (٣)،
ك - الحجج الفاسدة
رد الشيباني العمل ببعض الأدلة التي استدل بها الفقهاء الآخرون مثل عمل أهل المدينة (٤). وفي صدد رده للاحتجاج بهذا الدليل يذكر الشيباني أن عمل أهل المدينة إذا كان مستنداً إلى الحديث والأثر فإنه يكون دليلاً، ولكن إذا لم يكن مستنداً إلى ذلك فلا يكون دليلاً، وإذا بُحث عن عمل أهل المدينة الذي احتج به الإمام مالك يُرى أنه يستند إلى حكم وال من ولاة. المدينة أو يكون هناك خلاف بين علماء المدينة في المسألة. وهذا يدل على أن عمل أهل المدينة لا يكون حجة في نفسه (٥).
وحول سد الذرائع انتقد الشيباني منع أهل المدينة لبعض البيوع التي هي جائزة في نفسها عملاً بالذريعة، وبين أنه لا يجوز تحريم الحلال بالتُهم، وأن اليقين لا يمكن أن يزول بالظن، واستدل على ذلك بقوله
_________
(١) الحجة للشيباني، ٣/ ٣٧٥.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ١٦٠ و، ١٦١ و، ٣/ ٩٨ ظ، ٦/ ٣٣ و - ظ، ٣٥ ظ،١٦١ و.
(٣) الأصل للشيباني، ٦/ ٢٥٣ و، ٢٥٥ ظ؛ أصول السرخسي، ٢/ ٢٢٤.
(٤) الحجة للشيباني، ١/ ١٩٣، ٢/ ٥٧٥.
(٥) الحجة للشيباني، ١/ ٦٢٢ - ٦٢٣، ٤/ ٤١٦ - ٤١٧.
стр. 222
تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] (١). وهذا الاستدلال يفهم منه أنه لا بد في الأدلة من اليقين أو غالب الظن الذي يقرب من اليقين. من ناحية أخرى فإنه توجد مسائل في كتاب الأصل عمل فيها بسد الذرائع. مثلا الدلالة لمن يريد أن يسرق مال غيره يعتبر معصية لأنه إعانة على معصية (٢). كذلك استئجار الذمي من المسلم مكاناً ليتعبد فيه لم يجوزه أئمة المذهب واعتبروه معصية (٣). ويوجد خلاف بين أئمة المذهب في تقدير الذريعة. فمثلاً استئجار الذمي للمسلم لحمل الخمر جوزه أبو حنيفة، ولم يجوزه أبو يوسف ومحمد. قاس أبو حنيفة هذا على حمل الميتة والنجاسات. ورد الشيباني على ذلك بأن الميتة والنجاسات تحمل للتخلص منها، أما الخمر فإنه يحمل للشرب والمعصية، فهناك فرق بين المسألتين (٤). وعليه فيمكن أن يقال بأن الشيباني لا يرد الاحتجاج بسد الذريعة مبدئياً، لكنه يتصرف بدقة في العمل به وينتبه إلى تحقق الظن الغالب في حصول الشر الذي يراد منعه.
٣ - طرق الاستنباط
أ - الألفاظ ودلالاتها
١ - الألفاظ من حيث الظهور والخفاء
أ - النص
استعمل الشيباني كلمة "النص" ومشتقاتها بمعنى لفظ الآية الصريحة. فمثلاً يذكر الشيباني أن الزواج ببنات العم أو العمة حلال بنص الآية، وأن المحرمات من النساء ذكرن في الآية بالنص (٥). كما ذكر أن الزول بالخالة حرم والزواج ببنت الخالة أحل بطريق النص (٦). وبعد أن يذكر المحرمات من النساء المنصوص عليهن في الآيات يقول: "فهذه جملة في تحريم ما
_________
(١) سورة يونس ١٠/ ٣٦. وانظر: الحجة للشيباني، ٢/ ٥٨٥، ٥٨٧. ٥٩٥، ٦٠٧، ٦٩٤ - ٦٩٦، ٧٢٧، ٧٥٣.
(٢) الأصل للشيباني،٥/ ١١٠ و.
(٣) الأصل للشيباني، ٢/ ١٧٢ و.
(٤) الأصل للشيباني، ٢/ ١٧٢ ظ.
(٥) الأصل للشيباني،٣/ ٢ و - ظ.
(٦) الأصل للشيباني، ٣/ ٢ ظ.
стр. 223
نَصهُ الله تعالى من الصهر والنسب" (١). كما يستعمل عبارات مثل "ما نَصَّ الله تعالى في كتابه، ما نَصَّهُ الله تعالى في كتابه" (٢). فالنص مذكور هنا بمعنى ذكر الشيء صراحة. وهو يستعمل النص في مقابل السنَّة والإجماع مما يدل على أنه يقصد بالنص الآيات (٣). ومصطلح النص في أصول الفقه يشمل الآيات والأحاديث. فالنص عند الحنفية هو اللفظ الذي ظهرت دلالته على المعنى الذي سيق له مع احتمال التخصيص والتأويل، وعند غيرهم هو اللفظ الذي يدل على معناه قطعاً ولا يحتمل معنى آخر (٤).
ب - المفسر
يستعمل كلمة المفسر بمعنى الصريح، فيقول: "لأن الله تعالى قد أحل الفطر في هذين الوجهين (أي في المرض والسفر) في كتابه مفسراً" (٥). ويستعمل كلمة التفسير بمعنى التخصيص، والمفسر بمعنى الخاص أو قريباً منه (٦). والمفسر عند الحنفية هو اللفظ الذي ظهرت دلالته على معناه الوضعي مع احتمال النسخ وحده (٧). أما غير الحنفية فليس المفسر عندهم من المصطلحات المهمة في أقسام اللفظ، ولذلك لم يهتموا بتعريفه.
ج - المحكم
يفيد الشيباني أن الآية التي أمرت بابتلاء اليتيم ثم تسليم ماله إليه إذا ثبت أنه رشيد آية "محكمة" وأنه يجب العمل بها حتى يثبت أنها منسوخة (٨). كما روى الشيباني في الرسالة التي بعث بها عمر إلى أبي موسى الأشعري أن الأحكام فريضة محكمة أو سنَّة متبعة (٩). فالمقصود بالفريضة المحكمة هنا
_________
(١) الأصل للشيباني، ٣/ ١ ظ - ٢ و.
(٢) الأصل للشيباني، ٣/ ٢ و.
(٣) الأصل للشيباني، ٣/ ٢ ظ.
(٤) أصول الفقه لمحمد الخضري بك، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، ١٣٨٩/ ١٩٦٩، ص ١٣٠،١٢٩.
(٥) الأصل للشيباني، ٥/ ١٠٩ و.
(٦) الحجة للشيباني، ٢/ ١٦٤، ٥١٣.
(٧) أصول الفقه لمحمد الخضري بك، ص ١٢٩.
(٨) الأصل للشيباني، ٦/ ٧٠ و. وللآية انظر: سورة النساء ٤/ ٦.
(٩) الكافي للحاكم الشهيد، ١/ ٢١٥ ظ.
стр. 224
على ما يقول السرخسي الأحكام المنصوصة عليها في الكتاب والسنَّة على سبيل القطع بحيث لا تحتمل نسخاً ولا تخصيصاً ولا تأويلاً (١). واستعمال الشيباني لكلمة المحكم يوحي بهذا المعنى. والمحكم عند الأصوليين الأحناف هو اللفظ الذي ظهرت دلالته على معناه الوضعي بدون احتمال النسخ أو التخصيص أو التأويل. أما عند غيرهم فهو ما استقام نظمه للإفادة ولو بتأويل، فيعم الظاهر والنص (٢).
٢ - الأمر والنهي
أ - دلالة الأمر على الوجوب
يرى الشيباني أن بعض الأوامر الواردة في الكتاب والسنَّة تفيد الوجوب، بينما تفيد بعضها الآخر الندب. فمثلاً يعبر الشيباني عن فريضة القصاص بأنه أمر الله (٣)، وعن فريضة القتال بأن النبي أُمِرَ به (٤). ويشير الشيباني إلى أن أمر الله بشيء في كتابه يدل على الفرضية (٥). كما يروي عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم النخعي أحاديث وآثاراً ورد فيها أنهم أمروا بأشياء، وهذه الأمور ثبت أنها واجبة (٦). ويروي عن إبراهيم النخعي أن الأمر الوارد بالغسل يوم الجمعة لا يفيد الوجوب، كما أن الأوامر الواردة في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٧)، وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] (٨)، لا تفيد الوجوب (٩). كذلك بعض الأوامر الواردة؛ في
_________
(١) المبسوط للسرخسي، ١٥/ ٦٠.
(٢) أصول الفقه لمحمد الخضري بك، ١٢٩، ١٣٠.
(٣) الأصل للشيباني، ٤/ ٢٢٥ و.
(٤) الأصل للشيباني، ٤/ ١٦٥ ظ، ١٦٦ و.
(٥) الحجة للشيباني، ١/ ١٩.
(٦) الأصل للشيباني، ١/ ٩٥ ظ، ١٣٦ و، ١٤٠ و، ١٤٤ و، ١٦٩ و، ٣/ ١٢٥ و، ١٣٥ ظ، ٤/ ٤٣ و، ٤٣ ظ، ٢٢٣ ظ، ٥/ ٣٤ ظ، ٦١ و، ٦٨ و، ١٥٨ ظ، ٦/ ٤١ و.
(٧) سورة البقرة ٢/ ٢٨٢.
(٨) سورة الجمعة ٦٢/ ١٠.
(٩) الحجة للشيباني، ١/ ٢٧٩ - ٢٨٢؛ موطأ محمد، ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤.
стр. 225
الأحاديث النبوية يرى الشيباني عدم دلالتها على الوجوب (١). ويستدل الشيباني على عدم دلالة الأمر على الوجوب ودلالته على الندب بحديث آخر أو بعمل الصحابة في ذلك الموضوع. فمثلاً غسل يوم الجمعة وإن أمر به في حديث فإنه في حديث آخر ذكر أنه أفضل، والصحابة لم يروه واجباً، ثم ينقل الشيباني كلام النخعي المذكور (٢). وفي موضع يفسر الشيباني الأمر الوارد في الحديث بالإباحة، مثل الأمر الوارد بشرب بول الإبل للتداوي (٣). وهناك أمثلة أخرى على استعمال صيغ الأمر الواردة في الأحاديث وأقوال الصحابة بمعنى الإباحة (٤). وبعد التأمل في مجموع ما سبق يمكن القول بأن الأمر يفيد الوجوب، إلا أن القرائن قد تصرفه إلى الندب أو الإباحة. والأصوليون الأحناف على هذا الرأي (٥).
ب - الأمر بالشيء نهي عن ضده
توجد عبارات في الأصل تفيد بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده. فمثلاً الأمر الوارد في التطليق مع مراعاة العدة قد أفاده الشيباني على أنه نهي عن فعل ضده (٦). وأكثر الأصوليين الأحناف على هذا الرأي (٧).
ج - دلالة النهي على الفساد
موضوع النهي هل يقتضي الفساد أم لا قد تطرق إليه الشيباني في
_________
(١) الأصل للشيباني، ٣/ ١٥ ظ - ١٦ و، ١٨ ظ.
(٢) الحجة للشيباني، ١/ ٢٧٩ - ٢٨٢.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ١١ و. وقد اختلف أئمة المذهب في هذه المسألة، فلم يعمل أبو حنيفة بهذا الحديث، وقبله أبو يوسف مقتصراً على التداوي، وقبله الشيباني على عمومه. انظر: الأصل للشيباني، ١/ ٥ و، المبسوط للسرخسي، ١/ ٥٤.
(٤) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٠٣ و، ٢٠٣ ظ، ٢٠٤ و، ٦/ ٨١ و.
(٥) أصول السرخسي، ١/ ١٥؛ التوضيح لصدر الشريعة، ١/ ١٥٣؛ تيسير التحرير لأمير بادشاه، ١/ ٣٤١، ٣٤٢.
(٦) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٥ ظ.
(٧) تيسير التحرير لأميرِ بادشاه، ١/ ٣٤١، ٣٤٢.
стр. 226
"باب الرد على من قال: إذا طلق ثلاثاً في كلمة واحدة لا يقع" (١). فأفاد أولًا أن النهي يكون متوجهاً إلى شيء موجود وأن الشيء المعدوم لا يمكن أن ينهى عنه. يقول الشيباني: "أليس إنما نهى الله تعالى عن شيء لا يكون أو عن شيء يكون (٢)؟ ألا ترى إلى قوله ﵇ أنه نهى عن صيام يوم النحر ويوم الفطر وأيام التشريق، فمن صامهن كان صائماً وقد أساء. وإنما نهى عن صومهن لأنه صوم. كما نهى عن الطلاق في غير عدة لأنه طلاق لازم. ولو لم يكن طلاقاً لازمًا لم ينه عنه" (٣). ثم يذكر الشيباني أمثلة أخرى كثيرة في هذا الباب تدل على أن النهي لا يقتضي الفساد، وهذه الأمثلة بعضها متفق عليها وبعضها موضع اختلاف عند الفقهاء. ففي هذا السياق ذكر أن البيع وقت صلاة الجمعة، والبيع بدون شهود، والنافلة بعد صلاة العصر صحيحة مع وجود النهي، وأن القيام بهذه التصرفات مخالفة للسنَّة وإساءة (٤). واستنبط الشيباني من ترتيب الكفارة على الظهار مع وصفه في القرآن بأنه منكر من القول وزور (٥)، أن نذر المعصية تجب فيه الكفارة (٦). فاستنباطه هذا في الحقيقة يدل على أن كون تصرف ما معصية أو حراماً أو إثماً لا يمنع من ترتيب نتيجة دينية أو فقهية عليه، أي قد يكون هذا
_________
(١) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٥ و - ٢٧ و.
(٢) نقل السرخسي والتفتازاني هذا اللفظ على أنه "يتكون أو لا يتكون". انظر: أصول السرخسي، ١/ ٨٥؛ شرح التلويح للتفتازاني، ١/ ٢١٦. ويقول أمير بادشاه في هذا المعنى بأن المعدوم لا يصح النهي عنه. انظر: تيسير التحرير لأمير بادشاه، ١/ ٣٨٢. وقد شرح الأصوليون الأحناف هذه المسألة بألفاظ ومصطلحات جديدة، منطلقين من كلام الشيباني هذا.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ١٥٠ ظ، ٣/ ٢٥ ظ. وينقل الجصاص والدبوسي هذه العبارة بالمعنى. انظر: الفصول للجصاص، ٢/ ١٧٨؛ تقويم الأدلة للدبوسي، ص ٥٦. ويستخرج الجصاص من هذه العبارة قاعدتين: أحدهما أن ظاهر النهي لا يمنع وقوع المنهي عنه على فساد. والثاني أنه يمنع جوازه عن واجب عليه. وذلك مثل عدم جواز الصوم يوم العيد. انظر: الفصول للجصاص، ٢/ ١٧٨.
(٤) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٥ ظ، ٢٦ ظ، ٢٧ و.
(٥) سورة المجادلة ٥٨/ ٢.
(٦) الأصل للشيباني، ١/ ١٨١ ظ؛ الآثار للشيباني، ص ١٢٤.
стр. 227
التصرف صحيحاً مع النقص الموجود فيه. فلذلك استدل الشيباني بآية الظهار على أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة (١). وهذا الاستدلال يشكل أحد الأسس لفهم الحنفية في موضوع اقتضاء النهي الفساد أو عدمه. وهناك بعض المواضع حكم فيها بأن النهي يقتضي الفساد (٢). والأصوليون الأحناف يذكرون أن النهي عن الأفعال المعلومة قبل ورود الشرع مثل الزنا وشرب الخمر يدل على الفساد، أما الأفعال المعلومة عن طريق الشرع مثل الصوم وغيره من الأفعال الشرعية فإن النهي عنها قد يدل على الحرمة أو الكراهة ولكنه لا يقتضي الفساد. وهذه المسألة الأصولية من أهم القضايا المختلف فيها بين الحنفية وغيرهم (٣).
ويبين الشيباني أن الفساد الناتج من أصل العقد مثل كون الثمن خمراً، والفساد بسبب شرط يشترطه البائع أو المشتري، يوجد بينهما فرق ويترتب عليهما نتائج مختلفة (٤). وعبارات الأصوليين الأحناف أن هناك نتائج مختلفة تترتب على كون النهي متوجهاً إلى أصل الشيء أو وصفه ناشئة من العبارات المشار إليها عند الشيباني (٥).
د - قواعد التفسير
يستعمل الشيباني كلمة "التفسير" لشرح الأحاديث (٦). والتفسير يعني البيان بشكل واضح وقطعي. أما "التأويل" فقد استعمل في معنى التفسير الذي يكون محتملاً لوجه آخر، وقد يكون خطأ في نفسه (٧). حتى أن التأويل الخاطئ أحياناً قد يؤدي إلى نتائج وخيمة، فمثلاً قد يتأول بعضهم
_________
(١) الأصل للشيباني، ٣/ ٣ ظ.
(٢) موطأ محمد، ٣/ ٢١٨ - ٢١٩، ٢٢٣.
(٣) البحر المحيط للزركشي، ٢/ ٤٣٩ - ٤٤١؛ تيسير التحرير لأمير بادشاه، ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧.
(٤) الأصل للشيباني، ٥/ ٨٥ و - ظ.
(٥) أصول السرخسي، ١/ ٨٧؛ التوضيح لصدر الشريعة، ١/ ٢١٥.
(٦) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٠٨ ظ.
(٧) الأصل للشيباني، ٥/ ٨٩ و؛ الحجة للشيباني، ٢/ ٤٠٠.
стр. 228
القرآن على وجه يستدل به على العصيان المسلح ضد الدولة، ويتسبب في قتل النفوس البريئة (١). والتأويل عند الأصوليين يعرف بأنه صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يقتضي ذلك (٢).
١ - تقديم المعنى الحقيقي على غيره
يرى الشيباني أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأنه لا يجوز ترك المعنى الحقيقي للكلمة بدون دليل يوجب ذلك (٣). ولهذا فقد استشهد الشيباني بلغة القرآن الكريم لتحديد معاني الكلمات وبعض القواعد اللغوية (٤). لكن خصوصاً في الأيمان فإن العرف هو المعول عليه في تحديد معنى الكلمات أكثر من استعمال القرآن للكلمة في معنى معين. فمثلاً عند الحلف على عدم أكل اللحم لا يشمل اليمين لحم السمك ما لم يقصد الحالف ذلك، لأنه في الأيمان يعول على استعمال الناس للكلمات في أي معنى. لكن إذا قصد الحالف بذلك معنًى معيناً فإنه يحمل على ذلك، ويكون استعمال القرآن للكلمة في ذلك المعنى شاهداً لصحته (٥).
٢ - العموم والخصوص
يروي في الأصل عن عبد الله بن عباس رواية يستعمل فيها كلمة "المبهم" بمعنى "العام". ففي هذه الرواية يذكر ابن عباس أن قوله تعالى في تعداد المحرمات من النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (٦) مبهم من حيث عدم تعرضه لكون الزوجة دُخِل بها أم لا، ولذلك فالعقد كاف في تحريم أم
_________
(١) الأصل للشيباني، ٥/ ٨٩ و.
(٢) أصول الفقه لمحمد الخضري بك، ص ١٣٠.
(٣) الحجة للشيباني، ٣/ ١٤٤ - ١٤٦.
(٤) الأصل للشيباني، ٦/ ٢٠١ ظ، ٢٠٧ و، ٢١٠ و، ٣/ ٢١٦ و، ٥/ ٣٥ و، ٣٨ ظ، ٤٠ و، ٦/ ٤٨ و، ٧/ ٣٣ و.
(٥) الأصل للشيباني، ١/ ١٩٣ و. وقد قصد باللحم في القرآن لحم السمك في سورة النحل ١٦/ ١٤. ولمثال آخر انظر: الأصل للشيباني، ١/ ٢١٠ و.
(٦) سورة النساء ٤/ ٢٣.
стр. 229
الزوجة على الزوج، ولا يشترط الدخول (١). ومع استعمال الشيباني لكلمات "المبهم، و"الجملة" بمعنى العام والعموم (٢)، فإنه استعمل كلمات "ما خص، ما عم، عَمَّ، يعم" للتعبير عن العموم والخصوص أيضاً (٣). وكلمة "التفسير" قد استعملت بمعنى "التخصيص"، كما أن كلمة "المفسَّر" استعملت في معنى قريب من "الخاص" (٤).
يستدل في الأصل بعمومات القرآن. فمثلاً يستدل أبو حنيفة على صحة إيلاء الذمي بعموم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ … ﴾ (٥). ويرى أبو يوسف والشيباني أن الذمي مخصوص من الآية لأنه لا تجب عليه الكفارة إذا حنث في يمينه (٦). ويروى عن الصحابة عملهم بالعمومات، مثل استدلال عبد الله بن مسعود بعموم الآية في توريث ذوي الأرحام في بعض الحالات (٧). وهناك أمثلة أخرى على الاستدلال بالعمومات في المسائل الخلافية بين أئمة المذهب، أو بين المذهب الحنفي والمذاهب الأخرى (٨).
يتحدث الشيباني عن تخصيص عموم آية بآية أخرى، فيذكر أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (٩) يشمل أهل الكتاب وغيرهم، ثم جاءت الآية التي أباحت نساء أهل الكتاب (١٠)، فأخرجت هذه الآية نساء أهل الكتاب من "جملة" أي عموم الآية الأولى (١١). فلفظ ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ الذي هو
_________
(١) الأصل للشيباني، ٧/ ١٢٤ ظ.
(٢) الحجة للشيباني، ٢/ ١٦٤، ٦٥٠، ٣/ ٢٨٠، ٤٠٠، ٥٠٠.
(٣) الحجة للشيباني، ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١، ٢٨٥، ٢٨٦، ٢٨٧.
(٤) الحجة للشيباني، ٢/ ٥١٣.
(٥) سورة البقرة ٢/ ٢٢٦.
(٦) الأصل للشيباني ٣/ ٩١ ظ - ٩٢ و.
(٧) الأصل للشيباني، ٤/ ٧ ظ. وللآية انظر: سورة الأنفال ٨/ ٧٥.
(٨) الأصل للشيباني، ٦/ ٧٤ ظ، ٧٥ و، ٧/ ١٣٥ و، ١٦١ ظ؛ الحجة للشيباني، ٢/ ٤٧٠، ٤٧٢، ٣/ ١٥٣، ٤/ ٢٢٧، ٣٢١، ٣٨٢.
(٩) سورة البقرة ٢/ ٢٢١.
(١٠) سورة المائدة ٥/ ٥.
(١١) الأصل للشيباني، ٣/ ١ ظ.
стр. 230
جمع معرف بلام التعريف يفيد العموم، والآية المتأخرة قد خصصت عموم الآية المتقدمة، ولفظ "جملة" تفيد معنى "عموم". ولعل استعمال عيسى بن أبان الذي هو تلميذ للإمام محمد لكلمة "المجمل" بمعنى "العام" مأخوذ من هنا (١). كما يقبل الشيباني تخصيص القرآن بالسئة المشهورة (٢).
يذهب الشيباني إلى أن النبي ﷺ إذا بين حكماً في مسألة يمكن أن يكون لها تفاصيل ولم يسأل عن هذه التفاصيل فإن الحكم يكون عاماً لكل وجوه المسألة (٣). وقد ناقش الأصوليون هذه المسألة المعروفة بترك الاستفصال ودلالتها على العموم، وقبلها الحنفية في بعض الأحوال (٤).
ينقل الجصاص عن السير الكبير للشيباني هذه العبارة: "لا يجزيه (أي المحصر) غير الهدي، لأن الله تعالى نص عليه ولم يذكر فيه صوماً لمن لم يجد. فنحن نبهم ما أبهم الله تعالى. وإنما ذكر الله تعالى الصوم في هدي المتعة لمن لم يجد. فلا يستقيم الرأي والقياس في التنزيل. إنما يقاس على التنزيل. فأما التنزيل بعينه فلا يقاس" (٥). ويستنتج الجصاص من هذا أن الشيباني يستدل بعموم الآيات، وأن الحكمين الثابتين بنصين مختلفين لا يقاس بعضهما على بعض، وأن العام غير المخصوص لا يجوز تخصيصه بالقياس (٦).
٣ - دلالة الإشارة
يسمي الشيباني استنباط حكم من آية عن طريق دلالة الإشارة بالتأويل (٧). وهناك أمثلة أخرى على الاستنباط عن طريق دلالة الإشارة من
_________
(١) الفصول للجصاص، ١/ ٦٣.
(٢) الحجة للشيباني، ٢/ ٤٠٠.
(٣) الحجة للشيباني، ٢/ ١٧١.
(٤) البحر المحيط للزركشي، ٣/ ١٤٨ - ١٥٤؛ تيسير التحرير لأمير بادشاه، ١/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
(٥) الفصول للجصاص، ١/ ٢١١.
(٦) الفصول للجصاص، ١/ ٢١٢ - ٢١٤.
(٧) الحجة للشيباني، ٢/ ٤٠٠.
стр. 231
الآيات والأحاديث (١). ومن الأمثلة على ذلك أن الشيباني استنبط من الآية التي تأمر بالتيمم لمن لم يجد ماء بعد ملامسة النساء أي الجماع أنه يجوز لمن يظن أنه لن يجد ماء في السفر أن يجامع زوجته (٢). واستدل على كفاية الركوع لمن قرأ سجدة التلاوة ثم ركع مباشرة بأن الركوع في القرآن قد يقصد به السجود (٣). واستدل أبو حنيفة على كراهة لحم الخيل بأثر ينقله عن ابن عباس ويستدل فيه بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٤). واستدل بعدم الفرق بين أجناس الخيل في الإسهام لها من الغنيمة بأن الآية السابقة ذكر فيها "الخيل" كله باسم واحد (٥). واستدل بترتيب الكفارة على الظهار مع وصفه في القرآن بأنه منكر من القول وزور (٦) على أن نذر المعصية تجب فيه كفارة اليمين (٧).
٤ - مفهوم المخالفة
بين الشيباني أن العمل بمفهوم المخالفة ليس بمنهج صائب. فقد رد على من قال بأن قيد ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] المذكور في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (٨) مؤثر في الحكم. واستدل على ذلك بما يلي: إن دوام الآية تقول: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. فيتبين أن الأمر المؤثر في الحكم هو الدخول بأم الربيبة. من ناحية أخرى فإن رجلاً لو عاش في بيت كبير مع امرأة وابنتها
_________
(١) موطأ محمد، ٢/ ١٨٣ - ١٨٥، ٣/ ٥٤٠ - ٥٤٤.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ١٩ ظ. وللآية انظر: سورة النساء ٤/ ٤٣؛ سورة المائدة، ٥/ ٦.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ٦٠ و. وللآية انظر: سورة ص ٣٨/ ٢٤. وقد فسر ابن عباس ومجاهد الركوع في الآية بالسجود. انظر: جامع البيان للطبري، ٢٣/ ١٤٦ - ١٥٠؛ الدر المنثور للسيوطي ٧/ ١٥٦ - ١٦٤.
(٤) سورة النحل ١٦/ ٨؛ الأصل للشيباني، ٣/ ١٩٣ و.
(٥) الأصل للشيباني، ٥/ ١٤٦ ظ.
(٦) سورة المجادلة ٥٨/ ٢.
(٧) الأصل للشيباني، ١/ ١٨١ ظ؛ الآثار للشيباني، ص ١٢٤.
(٨) سورة النساء ٤/ ٢٣.
стр. 232
من دون أن يكون بينه وبين المرأة علاقة زوجية ولكنه كان ينفق على المرأة وابنتها ويعولهما فإن الإجماع واقع على أنه يجوز أن يتزوج من ابنة هذه المرأة. وبالتالي فالوجود في نفس البيت لا تأثير له في الحكم إطلاقاً (١). وذكر الشيباني أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢) مذكور فيه قيد ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾، ولكن لا تأثير لهذا القيد في الحكم، فلو خرج المعتكف من المسجد ثم جامع زوجته لا يجوز له ذلك ويفسد اعتكافه (٣). ويذكر الشيباني أنه لا يجوز الاستدلال بالمفهوم المخالف لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٤) حتى يحكم بعدم جواز نكاح جارية من أهل الكتاب (٥).
ومع ذلك فإنه وقع العمل بمفهوم الصفة في بعض الآيات. فمثلاً اشتراط التتابع في صوم كفارة الظهار استدل فيه بقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٦). كما استدل بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٧) على عدم صحة الرهن بدون قبض (٨). ولكن الأصوليين الأحناف متفقون على عدم العمل بمفهوم المخالفة إلا محمد بن شجاع الثلجي (ت. ٢٦٦) فإنه كان يعمل بمفهوم العدد (٩).
٥ - المطلق والمقيد
استعمل الشيباني كلمة المرسل بمعنى المطلق (١٠). وقد عمل الشيباني
_________
(١) الأصل للشيباني، ٣/ ٣ و - ظ.
(٢) سورة البقرة ٢/ ١٨٧.
(٣) الأصل للشيباني، ٣/ ٣ ظ.
(٤) سورة المائدة ٥/ ٤.
(٥) الحجة للشيباني، ٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
(٦) سورة المجادلة ٥٨/ ٤؛ الأصل للشيباني، ١/ ١٣٩ و.
(٧) سورة البقرة ٢/ ٢٨٣.
(٨) الأصل للشيباني، ٢/ ١ ظ.
(٩) الفصول للجصاص، ١/ ٢٨٩؛ أصول السرخسي، ١/ ٢٥٥، ٢٥٦؛ كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري، ٢/ ٤٦٥.
(١٠) الحجة للشيباني، ٣/ ٣٩٣، ٤/ ١١٥.
стр. 233
بالمطلق على إطلاقه. فمثلاً قوله: ﴿صَعِيدًا﴾ (١) المذكور في آية التيمم فسره بالأرض ثم ذكر أن أي شيء من جنس الأرض فيجوز التيمم به (٢). فالنكرة في سياق الإثبات أفادت الإطلاق (٣).
وفي موضوع حمل المطلق على المقيد هناك بعض الأمثلهَ التي ذكرها الشيباني وهي موافقة لما بينه الأصوليون الأحناف. فمثلاً في كفارة الظهار ذكرت الآيات قيد: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٤) في تحرير الرقبة وصوم شهرين متتابعين، ولم يذكر ذلك القيد في إطعام ستين مسكيناً. وعلى هذا فإنه إذا جامع الرجل زوجته قبل إتمام تحرير الرقبة أو صوم شهرين متتابعين فإنه يجب عليه استئناف الكفارة، لكن إذا فعل ذلك قبل إتمام إطعام ستين مسكيناً فلا يجب عليه الاستئناف (٥). فلا يحمل المطلق على المقيد هنا. كما أن اشتراط الإيمان في الرقبة في بعض الكفارات دون بعضها قد راعى فيه الشيباني لفظ الآيات الواردة في تلك الكفارات، فاشترط الإيمان فيما ذكر فيه، ولم يشترطه فيما لم يذكر، وقد نقل ذلك عن إبراهيم النخعي (٦). فلم يحمل المطلق على المقيد أيضاً. والأصوليون الأحناف قد بنوا رأيهم في حمل المطلق على المقيد على هذه الأمثلة (٧).
٦ - دلالة الاقتران
استدل الشيباني بذكر الشيئين مقترنين مع بعض على أنهما يأخذان نفس الحكم. فمثلاً النهي الوارد في الحديث للصيد وقطع الشجر في الحرم
_________
(١) سورة النساء ٤/ ٤٣؛ سورة المائدة ٥/ ٦.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ١٧ ظ.
(٣) تيسير التحرير لأمير بادشاه، ١/ ٢٢٠.
(٤) سورة المجادلة ٥٨/ ٣، ٤.
(٥) الأصل للشيباني، ٣/ ٨٢ ظ، ٨٥ ظ، ٨٧ و.
(٦) الأصل للشيباني، ٣/ ٨٤ ظ - ٨٥ و.
(٧) أصول السرخسي، ١/ ٢٦٨؛ كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري، ٢/ ٥٢٠ - ٥٢١، ٥٢٥.
стр. 234
يدل على أن قطع الشجر موجب للكفارة كالصيد (١). وقد نقل الجصاص عن أبي الحسن الكرخي أن الشيباني يرى أن الواو بمعنى الجمع أي الاقتران ما لم يدل دليل على كونها في معنى الاستئناف، وأن مسائل الأيمان في الجامع الكبير للشيباني تدل على ذلك (٢).
ج - (*) التعارض والترجيح
يستعمل الشيباني كلمة الاختلاف بمعنى التعارض (٣). فيقول مثلاً: "آثار مختلفة"، "أحاديث مختلفة"، "الحديثان المختلفان" (٤). وقد تقدم أعلاه كثير من المقاييس للترجيح بين الأحاديث المختلفة. وإضافة إلى ذلك يمكن ذكر هذه المقاييس: الرواية المثبتة مقدمة على الرواية النافية (٥). وهذه القاعدة عبر عنها الأصوليون بأن المثبت أولى من النافي، ولكنها مسألة اختلافية عندهم (٦). مقياس آخر: القول أبين في الدلالة على وجوب الشيء من الفعل. يقول الشيباني: "ولو كان هذا من الواجب لقال فيه رسول الله ﷺ وأصحابه قولاً أبين من الفعل حتى يعرفه الناس بالقول دون الفعل" (٧). والقول أقوى في الدلالة من الفعل عند الأصوليين، لكن هذه القاعدة لها استثناءات وفي تفاصيلها اختلاف (٨).
د - النسخ
يذكر الشيباني أن أحكام بعض الآيات والأحاديث منسوخة. فمثلاً النهي عن القتال في الأشهر الحرم قد نسخ بالأمر بقتال المشركين مطلقاً. وقد
_________
(١) الحجة للشيباني، ٢/ ٤١١.
(٢) الفصول للجصاص، ١/ ٨٣ - ٨٤.
(٣) الحجة للشيباني، ٢/ ٢٦١.
(٤) الحجة للشيباني، ١/ ١، ٧، ١٦٦، ١٨٢، ٤٥٨، ٢/ ٣٣٢.
(٥) الحجة للشيباني، ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧، ٣/ ٦٨.
(٦) أصول السرخسي، ٢/ ٢١؛ كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري، ٣/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٧) الحجة للشيباني، ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧.
(٨) تيسير التحرير لأمير بادشاه، ٣/ ١٤٨.
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالمطبوع (ج) وقبلها (أ)
стр. 235
استدل الشيباني على وقوع النسخ هنا بقول التابعي المفسر مجاهد بن جبر (ت. ١٠٣)، ولم يقبل رأي الكلبي (ت. ١٤٦) المخالف في هذا الموضوع (١). ويذكر في موضع آخر أن نسخ الآية ممكن وأن الآية قد نسخت (٢). وهناك أمثلة ذكرها على نسخ الأحاديث بالآيات والأحاديث (٣). وقد استدل على نسخ الحديث بترك الصحابة العمل به (٤). ويفهم من كلامه أن رأي الأغلبية يمكن أن يكون دليلاً على نسخ الحديث (٥). وقد يعبر عن النسخ أحياناً بالترك (٦).
٤ - مباحث الحكم
أ - الحاكم، والحسن والقبح
يروي الشيباني قول عمر ﵁ بأن الصلح جائز إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً، وهذا القول يدل على أن الإنسان ليس له صلاحية تحريم الحلال أو تحليل الحرام (٧). وفي أقوال الشيباني مثل "ما أوجب الله"، "ما أحل الله "، "ما حرم الله" ما يشير إلى أن صلاحية وضع الأحكام لله (٨). ومع هذا فإن الأحكام تسند مجازاً في بعض المواضع إلى النبي أو القرآن أو السنَّة أو الإجماع. فمثلاً يتحدث عن إيجاب النبي للشيء، وتحليل القرآن لأمر، وتحريم السنَّة أو الإجماع لشيء ما (٩). وكذلك حكم
_________
(١) الأصل للشيباني، ٥/ ١١٥ ظ.
(٢) الأصل للشيباني، ٦/ ٧٠ و؛ الآثار للشيباني، ص ١١١.
(٣) الحجة للشيباني، ١/ ٢٥٧، ٢/ ٧٥٧ - ٧٥٨، ٧٦٨؛ موطأ محمد، ١/ ٤٩٣، ٢/ ٦٢٠، ٦٦٤ - ٦٦٦.
(٤) الحجة للشيباني، ١/ ١٢٨.
(٥) موطأ محمد، ١/ ٦٤٣ - ٦٤٥.
(٦) موطأ محمد، ١/ ٢٨٧، ٦٤٤ - ٦٤٥.
(٧) الحجة للشيباني، ٢/ ٥٩٥.
(٨) الأصل للشيباني، ٣/ ١ ظ، ٢ و، ٢ ظ، ٣ و، ٥/ ١٠٩ ظ، ٦/ ٧٢ و - ظ، ٧/ ١٦٥ ظ؛ الحجة للشيباني، ٢/ ٢١٠، ٣١١، ٦٩٤، ٣/ ٨، ١٩٧، ٣٥٠، ٣٥٢، ٣٥٣، ٣٥٤، ٤٠٠، ٤٤٩، ٤٥٠، ٥٠٠، ٤/ ٣٠٦.
(٩) الأصل للشيباني، ٣/ ١، ٢ و، ٢ ظ، الحجة للشيباني، ٢/ ٤٩٧، ٣/ ٨ - ٩، ٤/ ١٥٧، ٣٠٤، ٣٦٢.
стр. 236
القاضي أو الفقيه على شيء بأنه حرام يسمى تحريماً على سبيل المجاز (١).
ويستعمل الشيباني الكلمات المشتقة من الحسن والقبح مع بعض في مواضع كثيرة. ويكون ذلك في مواضع القياس والاستحسان والتفسير أو الاستدلال العقلي الموافق للقواعد العامة. وفي بعض المواضع تفيد الكلمات المشتقة من الحُسْن المُوَافَقَة للقياس والعقل، والكلمات المشتقة من القُبْح المُخَالَفَة للقياس والعقل. ويضيف إلى استعمال كلمة القبح أحياناً كلمة الفحش ومشتقاتها للتأكيد (٢). وهذه الاستعمالات قد مهدت الطريق أمام المناقشات المعروفة في أصول الفقه في مسألة الحسن والقبح. وخصوصًا في أصول الأحناف يستعمل مصطلحا الحسن والقبح أكثر من استعماله في أصول المتكلمين.
من ناحية أخرى فإنه يمكن القول بأن الشيباني يميل إلى أن للعقل دورًا في إدراك الأحكام إلى حد ما. فمثلاً يفرق الشيباني بين المسائل التي يكون فيها الإكراه عذراً وما لا يكون الإكراه فيها عذراً، فيذكر أن شرب الخمر وأكل الميتة مثلاً قد حرما بسبب النهي المتوجه إليهما فقط، ولذلك ففي حال الضرورة يرتفع النهي عنهما وتصبح هذه المحرمات حلالاً، وعليه فإن الذي لا يرتكب هذه المحرمات في حال الضرورة يكون آثماً؛ ولكن الكفر بالله والقذف الذي فيه اعتداء على حق الناس مثلاً لا يمكن أن يكون حلالاً في أي حال من الأحوال، ولذلك فإن الذي لا يرتكب هذه المحرمات في حال الضرورة لا يكون آثماً، بل يؤجر على ذلك (٣). ويمكن
_________
(١) الجامع الصغير للشيباني، ص ٣٩٩؛ الحجة للشيباني، ٢/ ٢١٠، ٣/ ٣٧١.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ٣٢ ظ، ٣٥ ظ، ٨١ ظ، ٩٨ و، ٩٨ ظ، ١٠٢ و، ١١٨ ظ، ١٣٥ ظ، ١٧٣ ظ، ٢٣٣ ظ، ٢٤٥ و، ٢٦٤ ظ، ٢٩٠ و، ٢٩٠ ظ، ٢/ ١٩٠ ظ، ٣/ ١٦ و، ٥٤ ظ، ٥٨ ظ، ٨٩ و، ١١٣ ظ، ٢٤١ ظ، ٤/ ٢٢١ ظ، ٢٤٧ و، ٥/ ٣٩ و، ٥٢ و، ٧٠ و، ٨٦ ظ، ٢٠٢ و، ٦/ ٥٢ ظ، ٥٨ و، ٦٩ ظ، ٧٠ ظ، ٨٢ ظ، ٩٨ و، ١٠٦ ظ، ١٠٧ و، ٢٥٨ ظ، ٧/ ٣٢ و، ١٣٥ ظ، ١٦١ و، ١٦٢ و، ١٦٢ ظ.
(٣) الأصل للشيباني، ٥/ ٧٦ و.
стр. 237
القول بأن بعض الأصوليين الأحناف قد تأثروا بهذه الآراء ومالوا إلى أن العقل قد يدرك بعض الأحكام (١).
ب - حق الله - حق الناس
من المعلوم أن الأصوليين الأحناف قد قسموا الحقوق إلى حقوق الله وحقوق الناس. هذا التقسيم موجود في كتاب الأصل أيضاً. فمثلاً يرى الشيباني أنه إذا اجتمع القصاص وحد السرقة فإن القصاص مقدَّم؛ لأنه "حق من حقوق الناس"، وحد السرقة "حق من حقوق الله" (٢). كذلك إذا أقر الشخص بسرقة شيء ثم رجع عن إقراره فإنه لا يقام عليه حد السرقة، ولكنه يضمن ما سرق؛ لأن ذلك "حق الناس"، ولا يجوز الرجوع عن الإقرار في حق الناس، ولكنه يجوز الرجوع عن الإقرار في حق الله (٣). ويذكر الشيباني أن حد الحرابة حق للمسلمين، وأن بعض الجرائم التعزيرية من حق الناس (٤). وذكر الشيباني أيضاً أن حد القذف من حقوق الناس وليس من حقوق الله تعالى (٥).
ج - المحكوم عليه
أفاد الشيباني أن الأحكام والواجبات تجب على الإنسان بالبلوغ (٦). والبلوغ إذا لم يتم بالشكل الطبيعي فإن أبا حنيفة يحدد للغلام تسعة عشر سنة، وللبنت سبعة عشر سنة، ويحدد أبو يوسف ومحمد للغلام والبنت خمسة عشر سنة (٧).
_________
(١) التوضيح لصدر الشريعة، ١/ ١٨٩؛ تيسير التحرير لأمير بادشاه، ٢/ ١٥٠ - ١٥١.
(٢) الأصل للشيباني، ٥/ ٥٨ ظ.
(٣) الأصل للشيباني، ٥/ ٦٣ و.
(٤) الأصل للشيباني، ٥/ ٦٥ ظ، ٧/ ٢٤١ و.
(٥) الآئار للشيباني، ص ١٠٦.
(٦) الأصل للشيباني، ٥/ ٣٦ ظ، ٥١ ظ.
(٧) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٤ ظ، ٥/ ٥٧ ظ. وفي رواية في الأصل يعتبر الطعن في السن، وفي رواية أخرى يعتبر إكمال السن. انظر: الأصل للشيباني، ٨/ ١١١ ظ، ١١٤ و؛ الكافي للحاكم الشهيد، ١/ ٦٤ ظ - ٦٥ و؛ المبسوط للسرخسي، ٦/ ٥٣ - ٥٤.
стр. 238
هناك عبارات في الأصل متعلقة بموضوع تكليف غير المسلم بالفروع. فمثلاً ظهار الكافر غير واقع كما أن العبادة من الكافر غير صحيحة؛ لأن في يمين الظهار تحريم شيء على نفسه. أما طلاق الكافر وإعتاقه ونحو ذلك من تصرفاته فهي صحيحة. واختلف في بعض تصرفاته مثل الإيلاء، فأوقعه أبو حنيفة ولم يوقعه أبو يوسف ومحمد (١). فهنا فرّقوا بين التصرفات الدينية والدنيوية وحكم بأن التصرفات الخاصة بالدين مثل العبادات وأمثالها لا تصح من الكافر، وأن التصرفات الدنيوية صحيحة منه. وبعض التصرفات وقع الخلاف في صفتها هل هي دينية أو دنيوية؟ ولذلك وقع الخلاف في صحتها منه. والموضوع مختلف فيه بين الأصوليين الأحناف، واستدلوا في النقاش حوله بأقوال الشيباني (٢).
ويتكلم الشيباني في الأصل عن عوارض الأهلية. فيوجد فيه كتاب مستقل وواسع في موضوع الإكراه. وقد فصل فيه حول تأثير الإكراه على التصرفات (٣). وقد تطرق الشيباني أيضاً إلى حكم تصرفات الهازل في بعض المسائل (٤). أما في الضرورة فإنه بين أن بعض المحرمات تصبح مباحة في حال الضرورة مثل أكل الميتة والنظر إلى عورة غيره، وأن بعض المحرمات لا تباح بحال، مثل الزنا (٥). وقد استعمل كلمة "العذر" للتعبير عن الضرورة، وأشار إلى أنه يجب التنبه إلى حدود الضرورة وأنها تقدر بقدرها (٦).
د - الأحكام
١ - الأحكام التكليفية
أ - الفرض
يروي الشيباني في بداية كتاب أدب القاضي رسالة عمر ﵁ في
_________
(١) الأصل للشيباني، ٣/ ٩٢ و.
(٢) الفصول للجصاص، ٢/ ١٥٨ - ١٦٠؛ أصول السرخسي، ١/ ٧٢ - ٧٨؛ تيسير التحرير لأمير بادشاه، ٢/ ١٤٨ - ١٥٠.
(٣) الأصل للشيباني، ٥/ ٦٧ ظ - ١١١ و.
(٤) الأصل للشيباني، ٥/ ٩٦ و، ٩٦ ظ.
(٥) الأصل للشيباني، ١/ ١٦٠ ظ - ١٦١ و، ١٦٥ ظ - ١٦٦ و؛ موطأ محمد، ٣/ ٤٦٨.
(٦) الأصل للشيباني، ١/ ١٦٥ ظ، ١٦٦ و.
стр. 239
القضاء إلى أبي موسى الأشعري. في هذه الرسالة يقسم عمر الأحكام إلى قسمين قائلًا: القضاء فريضة محكمة وسنَّة متبعة (١). والمقصود هنا بقوله: "فريضة محكمة" الأحكام الثابتة بالكتاب والسنَّة على وجه قطعي بحيث لا تحتمل النسخ أو التخصيص أو التأويل، وبقوله: "سنَّة متبعة" الطريقة المسلوكة في الدين التي يجب اتباعها على كل حال (٢).
ومصطلح "الفريضة" (وجمعها الفرائض) يستعمل في الأصل بمعنى المأمور به على سبيل القطع (٣). كما يستعمل كلمة "الفرض" في مؤلفاته الأخرى (٤). وللتنبيه على القطعية الموجودة في الأوامر تضاف الفروض إلى الله فيقال: "فريضة الله، فرائض الله" (٥). وقد استعمل مثل هذا الوصف للصلاة والزكاة والحج وغيرها (٦). وقد استعمل أفعال "فرض وافترض" بمعنى إيجاب الفرض (٧). وتستعمل مصطلح الفريضة في مقابل النافلة والتطوع والسنَّة (٨).
ويستعمل الشيباني "الفريضة" في الغالب للتعبير عن الصلوات الخمس وصلاة الجمعة (٩). وقد ذكر في موضع أن مسح الرأس فريضة في كتاب الله تعالى وأن المضمضة والاستنشاق ليسا هكذا (١٠). كما استعمل الشيباني
_________
(١) الكافي للحاكم الشهيد، ١/ ٢١٥ ظ.
(٢) المبسوط للسرخسي، ١٦/ ٦٠.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ١٤٩ ظ، ٣/ ٢٧ ظ، ٥/ ٣٦ ظ، ٥١ ظ، ٨٦ ظ - ٨٧ و. وانظر: الحجة للشيباني، ١/ ٥٢٩.
(٤) الجامع الصغير للشيباني، ص ١٨٦، الحجة للشيباني، ١/ ١٩.
(٥) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٧ ظ، ٨٨ و.
(٦) الحجة للشيباني، ١/ ٤٨٢، ٢/ ٤١٤.
(٧) الأصل للشيباني، ١/ ١٨١ ظ، ٤/ ١٦٥ ظ، ٦/ ٢٤٤ و؛ موطأ محمد، ٢/ ٢٢١؛ الحجة للشيباني، ١/ ٥٠.
(٨) الأصل للشيباني، ١/ ٣ ظ،١٠ و، ٣٠ و، ٣٢ و، ٣٢ ظ، ٣٤ ظ؛ الجامع الصغير للشيباني،- ص ١١٣، ١٨٦؛ الحجة للشيباني، ١/ ٤٩، ٥٠، ٥١، ١٨٨.
(٩) الأصل للشيباني، ١/ ٣ ظ،١٠ و، ٢٠ ظ، ٢٤ و، ٢٨ و، ٢٩ و، ٣٠ و، ٩٤ ظ؛ الجامع الصغير للشيباني، ص ٨٨، ١١٣؛ الحجة للشيباني، ١/ ٤٩، ٥٠، ٥١، ١٨٢، ٢٤٠، ٤١٦.
(١٠) الأصل للشيباني، ١/ ٦ ظ؛ الحجة للشيباني، ١/ ١٨.
стр. 240
"الفريضة" لوصف الزكاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١). وهناك مصطلح آخر يستعمل للصلوات المفروضة وهي المكتوبة (٢). والفرائض تستعمل بمعنى سهام الميراث المحددة والمفروضة في عنوان "كتاب الفرائض "، وتستعمل بهذا المعنى بصيغة المفرد والجمع أي الفريضة والفرائض في مواضع كثيرة من الأصل (٣). كما تذكر في مواضع كثيرة مضافة إلى الله، فيقال: "فرائض الله"، وذلك لتحديدها وفرضها في القرآن الكريم (٤).
وتستعمل كلمات مشتقة من مصدر الفرض بمعنى التحديد والتقدير في مواضع كثيرة. فمثلاً تستعمل "الفريضة" بمعنى المهر والنفقة والدية لأنها محددة مقدرة (٥). وتستعمل الأفعال المشتقة من "فرض" في معاني كثيرة منها الإيجاب، تحديد سهم الميراث، تقدير أجر معين، تحديد مقدار المهر، تعيين النفقة، تقدير الدية وتعيين المسؤولين عنها، وتقدير المصاريف المبذولة لمصلحة مال مشترك (٦).
ومما يلفت النظر أن التفريق بين الفرض والواجب على ما هو معروف
_________
(١) الأصل للشيباني، ١/ ١٠٤ ظ، ٥/ ٨٦ ظ، ١٠٩ ظ، ٦/ ٧٣ و.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ٣ ظ، ٢٨ و، ٦٠ ظ؛ الحجة للشيباني، ١/ ٥٠.
(٣) الأصل للشيباني، ٢/ ٩١ و، ١٧٣ ظ، ٣/ ١٦٢ ظ، ١٦٣ و، ١٦٣ ظ، ١٦٦ ظ، ٢١٨ و.
وانظر: الحجة للشيباني،٣/ ٦٢، ٤/ ١٩١، ٢٠٢. ٢٣٣.
(٤) الأصل للشيباني، ٣/ ١٦٢ ظ، ٢٢٤ و، ٢٤٤ ظ، ٤/ ٥٣ ظ، ٢١٨ ظ، ٢٢٩ ظ، ٤/ ١٣٤ و، ١٣٦ و، ١٤١ و،١٤٩ و.
(٥) الأصل للشيباني، ١/ ١٠٤ ظ، ١٠٥ و، ١٠٥ ظ، ٣/ ٢٩ ظ، ٥/ ٦٨ و، ٦/ ١١ و؛ الحجة للشيباني، ١/ ٤٨٢، ٤٨٣، ٤٨٧، ٤٩٤، ٣/ ٤٨٠، ٤/ ٢٦٤، ٢٩٧.
(٦) الأصل للشيباني، ١/ ١٣٣ ظ، ٣٠١ و، ٢/ ٢٠٠ و،٣/ ٨ ظ، ٢٩ و، ٢٩ ظ، ٦٥ و، ٤/ ١٦ ظ، ٢١٨ و، ٢٢٠ و، ٢٢١ ظ، ٢٢٣ و، ٥/ ١٠١ ظ، ٢٣٠ و، ٦/ ٧٢ ظ، ٧٥ ظ، ٢٢٠ ظ، ٢٦٣ ظ، ٧/ ١٣٨ ظ، ١٣٩ و، ١٤٣ و، ١٤٥ و، ١٧٣ و، ١٧٣ ظ، ١٧٤ و، ١٧٤ ظ، ٨/ ١٥٣ و؛ الحجة للشيباني، ٣/ ١٥٧، ٣٢٦، ٣٣٥، ٤٧٣، ٤٧٨، ٤٧٩، ٤٨٠، ٤٨٥، ٤/ ٩٩، ٢٢٨، ٢٥٩، ٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٨٦، ٢٨٧، ٢٩٧، ٣٦٢، ٣٦٨، ٣٩٦.
стр. 241
في المذهب الحنفي ليس بواضح في مؤلفات الشيباني. وحتى أن الفرض والواجب يستعملان داخل الجملة الواحدة لوصف نفس الشيء، ويوصف طواف الزيارة والجهاد بأنهما واجبان مع أنهما من الفروض، ويستعمل فعل "فَرَضَ" للهَدْي الذي هو من واجبات الحج (١). ومع ذلك فإنه توجد استعمالات قد مهدت الطريق للتفريق بين الفرض والواجب. فمثلاً يفاضل الشيباني بين الواجبات فيفيد بأن الصلاة المكتوبة أوجب من سجدة التلاوة وأن الصلاة والصوم أوجب من الدم في الحج (٢). فهذا التفضيل بين الواجبات يدل على أن هناك فرقاً بينها وأن بعضها مطلوب على وجه آكد من بعضها الآخر. وإذا استعملنا المصطلحات المتأخرة للتعبير عن الأمثلة المذكورة فإن الصلاة المكتوبة فرض وسجدة التلاوة واجبة، والصلاة والصوم فرض والدم واجب.
ب - الواجب
يستعمل الواجب بمعنى ما يلزم فعله ويكون تركه إثماً (٣). وتستعمل كلمة الواجب وما يشتق من نفس الجذر من الأفعال مثل وجب، يجب وأمثالها بكثرة (٤). ووصفت أفعال كثيرة بالوجوب مثل الصلاة المكتوبة، سجدة السهو، الحدود، القصاص، التعازير، الاستماع إلى خطب الجمعة والعيد، الاغتسال من الحيض والجنابة، الزكاة، صوم رمضان، اعتكاف النذر، التحري في بعض الحالات، دفع أجرة العامل، الوفاء باليمين على فعل طاعة، انتظار مدة عدة الطلاق أو الوفاة، المهر، الأضحية، صدقة الفطر، إعتاق رقبة في بعض الكفارات، النفقة، حلف المتهم بالقتل في
_________
(١) الجامع الصغير للشيباني، ص ١٦٠، ٥٣٤؛ الحجة للشيباني، ١/ ٤٠٢، ٢/ ٣٣١.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ٦١ ظ؛ الحجة للشيباني، ٢/ ٤١٤.
(٣) الأصل للشيباني، ٩/ ٢١٣ ظ، ٢٣٦ و، موطأ محمد، ١/ ١٩٢.
(٤) الأصل للشيباني، ١/ ٣ ظ، ٧ و، ٧ ظ، ١٣ و، ١٤ ظ، ١٥ و، ١٥ ظ،١٦ و، ١٦ ظ، ٥١ ظ، ٦٣ و، ٦٣ ظ، ٦٧ ظ. ونفس الاستعمال يكثر في مؤلفات الشيباني الأخرى أيضاً. انظر: الجامع الكبير للشيباني، ص ٩؛ الحجة للشيباني، ١/ ٥٩، ١٥٦، ١٥٩، ١٦٧، ٢/ ٥٥٠، ٣/ ٢٠٨، ٤/ ٧٦؛ موطأ محمد، ٢/ ١٣٧، ٢٢١، ٢٤٥.
стр. 242
الدعوى، صلاة الجنازة، الوضوء وسجدة التلاوة وغيرها (١).
لا يصف الشيباني صلاة الوتر بالوجوب في الأصل، ولكنه لا يصفه بأنه تطوع أيضاً مثل ما وصف السنن والنوافل بذلك، بل يذكر الوتر بمعزل عنها (٢). أما في الحجة فإنه يذكر أن بعض الفقهاء وصفوا الوتر بأنه "سنَّة لا ينبغي تركها"، وبعضهم بأنه "واجب"، وأن الفقهاء لم يشددوا على صلاة بعد الصلوات الخمس مثل ما شددوا على صلاة الوتر (٣).
يفيد الشيباني وجوب الشيء على الرجل بسبب فعل له بقوله: "أوجب على نفسه" كذا. مثل وجوب سجدة السهو على الرجل بسبب سهوه في الصلاة (٤). ويضيف الإيجاب أيضاً إلى سبب الشيء. فيذكر مثلاً أن مس الجنازة ليس بحدث يوجب الوضوء، وأن إدخال دواء من الأنف يوجب قضاء الصوم، وأن الخلوة في الزواج توجب المهر (٥). ونفس الاستعمال موجود في مؤلفات الشيباني الأخرى (٦).
واستعمال الشيباني لكلمات "أَوْجَبْتُ"، "أُوجِبُ" بإضافة الإيجاب إلى نفسه تشير إلى أن الوجوب قد يثبت عن طريق الاجتهاد (٧). وقد يوجد
_________
(١) الأصل للشيباني، ١/ ٦ و، ٤٣ ظ، ٦٤ و، ٧٨ و، ٨٣ ظ، ١٠٤ و، ١٠٥ و، ١٤٠ و - ظ، ١٥٨ ظ، ١٦١ ظ، ١٨١ و، ٢٦٤ ظ، ٣/ ٧١ ظ، ٨٨ ظ، ٢٠٨ ظ، ٢٠٩ و، ٥/ ٨٧ و، ١٠٦ ظ، ٦/ ١٩٥ ظ، ٢٤٦ ظ، ٧/ ١٣٩ و، ١٧٧ ظ، ٨/ ١٩٩ و؛ الحجة للشيباني، ١/ ٥١، ٥٩، ١٠٩.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ٧٤ و.
(٣) الحجة للشيباني، ١/ ١٨٢، ١٨٦ - ١٨٧.
(٤) الأصل للشيباني، ١/ ٤٩ ظ، ١٤٨ ظ.
(٥) الأصل للشيباني، ١/ ٩ ظ، ١٣٨ و، ٣/ ١٠ ظ.
(٦) الحجة للشيباني، ٣/ ٤٢، ٤/ ١٠٦.
(٧) الأصل للشيباني، ١/ ٢٧ و، ٦٣ و، ١٤١ ظ، ١٤٩ ظ، ٢/ ١٦١ و، ١٧٤ ظ، ٣/ ٢١ و، ٥٨ ظ، ٤/ ٢٣٦ ظ، ٢٤١ ظ، ٢٥٨ ظ، ٥/ ١٦ ظ، ١٩ و، ٢٣ و، ٢٩ ظ، ٧/ ١٧٩ و. واستعمالات من هذا القبيل توجد في مؤلفات الشيباني الأخرى. انظر: الحجة للشيباني، ٢/ ٣٢٩، ٤/ ٧٦. كما استعمل كلمة "يُوجَبُ" مبنياً للمجهول بمعنى الحكم على شيء بأنه واجب. انظر: الحجة للشيباني، ١/ ٥٣١. ٢/ ٣١٣.
стр. 243
اختلاف في وجوب الشيء. فمثلاً العمرة واجبة في رأي بعض الفقهاء وتطوع في رأي بعض الفقهاء الآخرين (١). ويمكن أن يبنى وجوب الشيء على الاحتياط. فمثلاً إذا استيقظ الشخص من النوم وهو لا يذكر احتلاماً ولكنه وجد المذي في ثوبه فإن أبا حنيفة ومحمداً يقولان بوجوب الغسل عليه احتياطًا، أما أبو يوسف فيرى أنه لا يجب الغسل عليه حتى يعلم أنه قد احتلم (٢).
يبين الشيباني أن بين الواجبات فرقاً من حيث درجة الوجوب، فتكون بعض الواجبات أوجب من بعضها الآخر. فمثلاً الصلاة المكتوبة أوجب من سجدة التلاوة، وتكبير التشريق أوجب من التلبية، وصلاة المغرب أوجب من صلاة الجنازة (٣). وإذا استعملنا المصطلحات المعروفة فالصلاة المكتوبة فرض وسجدة التلاوة واجبة، وتكبير التشريق واجب والتلبية سنَّة، وصلاة المغرب فرض عين وصلاة الجنازة فرض كفاية. فمن خلال هذه الأمثلة نرى أنه قد استعمل الواجب للتعبير عن السنَّة مجازاً لوجود القياس بين واجب وسنَّة. كذلك في هذه الأمثلة يستنتج الشيباني أنه يجوز الإيماء في سجدة التلاوة كما يجوز في الصلاة المكتوبة، وأن المحرم في يوم عرفة يكبر تكبيرة التشريق بعد الصلاة أولاً ثم يأتي بالتلبية، وأن الجنازة إذا حضرت بعد أذان المغرب فإن صلاة المغرب تؤدى أولاً ثم تؤدى صلاة الجنازة. هناك مثال آخر: يعتبر حد القذف أوجب الحدود لأنه حق للعبد، فإذا اجتمعت حدود مختلفة فيقدم تطبيق حد القذف على باقي الحدود (٤). وفي مثال آخر يفيد الشيباني أن الصلوات الخمس وصلاة الجمعة والحج أوجب من صلاة العيد (٥). وتوجد مثل هذه الاستعمالات في مؤلفات الشيباني الأخرى (٦). فمثلاً يذكر الشيباني أن الصلاة والصوم أوجب من دم الجزاء في
_________
(١) الأصل للشيباني، ٦/ ٧٢ ظ.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ٧ ظ.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ٦١ ظ، ٧٤ و، ٨١ و. ولمثال آخر انظر: نفس المصدر، ٧/ ١٧٩ و.
(٤) الأصل للشيباني، ٥/ ٣٥ و.
(٥) الأصل للشيباني، ٧/ ٢٣٣ و.
(٦) الحجة للشيباني، ١/ ٢٠٨.
стр. 244
الحج، وأن صوم رمضان أوجب من صوم يوم عاشوراء (١). وإذا اجتمع واجبان متساويان في الوجوب فإنه يبدأ بأيهما شاء (٢). فمثلاً يذكر الشيباني أنه لا فرق بين صوم النذر وصوم كفارة الظهار من حيث تقديم أحدهما على الآخر وأنه ليس أحدهما أوجب من الآخر (٣). ويستعمل كلمة "أوجب" أحياناً بمعنى أقوى. فمثلاً يقول الشيباني بأن المفاوضة أوجب من الوكالة، والمقصود بذلك أن الحقوق بين شركاء المفاوضة أقوى وآكد من الحقوق بين الوكيل والموكل (٤).
وهناك مصطلحات أخرى تفيد أحكام الفرض والواجب، مثل الأفعال المشتقة من مصدر الأمر، مثل "آمُرُه، أَمَرْتُه أُمِرَ، يُؤْمَر" وأمثالها (٥). ويستعمل فعل الأمر المنفي مثل "لا آمره، لسنا نأمره" بمعنى عدم إيجاب الشيء (٦). كما استعمل "عليه" بمعنى واجب، و"ليس عليه"بمعنى ليس بواجب (٧)، و"لا بد منه" بمعنى واجب (٨).
ج - المندوب
لم يستعمل لفظ المندوب في مؤلفات الشيباني، لكن استعملت مصطلحات أخرى تدل على نفس المعنى، مثل:
_________
(١) الحجة للشيباني، ١/ ٣٨٢، ٢/ ٤١٤.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ٢٣ و.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ١٥٢ ظ.
(٤) الأصل للشيباني، ٢/ ١٩٤ ظ.
(٥) الأصل للشيباني، ١/ ٦ و، ٣٧ ظ، ٤٠ ظ، ٥٤ ظ، ٩٤ ظ، ٩٦ و،٢/ ٦٠ ظ، ١٥٨ و، ١٥٨ ظ، ٣/ ١٩ ظ، ٢٠ ظ، ٢٣٥ ظ، ٢٣٦ و، ٤/ ٢٤٧ و، ٥/ ٣٣ و، ١٤٣ ظ، ١٧٥ و، ٦/ ١٤٦ ظ، ١٨٠ ظ، ٢٤٣ ظ، ٧/ ٤٢ ظ، ٨/ ٢٣ و. الجامع الصغير للشيباني، ص ٣١٤، ٥٠٨، ٥٢٢؛ الحجة للشيباني، ١/ ٦٨، ١٥٦، ١٨١، ٣٨٢، ٤٠٢، ٤٨٠، ٢/ ١٤٦.
(٦) الأصل للشيباني، ١/ ٥ ظ، ٥٦ و، ٨٢ ظ، ٢/ ١٧١ ظ.
(٧) الأصل للشيباني، ١/ ٤٨ ظ؛ الجامع الكبير للشيباني، ص ١٠؛ الآثار للشيباني، ص ١٨؛ موطأ محمد، ٣/ ١٦٦.
(٨) الحجة للشيباني، ١/ ١٥٧، ١٨٢، ٤١٦؛ موطأ محمد، ٥/ ٣٢٢؛ الآثار للشيباني، ص ٣٨.
стр. 245
١ - السنَّة
في مواضع كثيرة يستعمل مصطلح السنَّة بمعنى طريقة النبي والصحابة في الحياة، ويشمل بهذا المعنى الفرض والواجب والمندوب. فمثلاً "طلاق السنَّة" (١) و"سنَة الصلاة" (٢) تحمل هذا المعنى الواسع. كذلك يعتبر قطع الأظفار والسواك ونحو ذلك من تطهر البدن سنَّة (٣). وبين الشيباني أن اتباع السنَّة في صيغة السلام أفضل (٤). كما يذكر الشيباني السنَّة في كيفية تكفين الميت وغير ذلك (٥). ومخالفة السنَّة لا تقتضي شيئاً من الناحية القضائية في كثير من الأحيان. فمثلاً محاربة المرتدين قبل أن يُدْعَوْا إلى الإسلام وإن كان مخالفاً للسنَّة إلا أنه لا يترتب عليه شيء في القضاء (٦). والأصوليون الأحناف شرحوا مفهوم السنَّة على هذا الأساس، وقسموا السنَّة إلى سنن هدى تطلب على سبيل التأكيد والوجوب أحياناً مثل الأذان، وسنن زوائد لا تطلب مثل هذا الطلب المؤكد، ونافلة وتطوع ونحو ذلك من الأقسام (٧).
٢ - المستحب
إن الآثار المروية عن الصحابة والتابعين في كتاب الأصل تحتوي على كلمات مشتقة من الحب والاستحباب، واستعمال تلك الكلمات في التعبير عن الأحكام. فمثلاً ورد في رواية أن الصحابة كانوا يستحبون إيقاع الطلاق مرة واحدة في المجلس الواحد وعدم إيقاع طلاق آخر حتى تنتهي العدة (٨).
_________
(١) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٦ ظ. ويستعمل الشيباني "طلاق المعصية" في مقابل "طلاق السنَّة" ويفيد بأن الطلاق المخالف للسنَّة واقع ولكنه يعتبر إثماً. انظر: نفس المكان.
(٢) الآثار للشيباني، ص ٢٤.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ٧ و؛ الآثار للشيباني، ص ١٧.
(٤) موطأ محمد، ٣/ ٤٣٥.
(٥) الجامع الصغير للشيباني، ص ١١٧، ١٩١، ١٩٢.
(٦) الأصل للشيباني، ٥/ ١٤٠ و.
(٧) أصول السرخسي، ١/ ١١٤ - ١١٥؛ كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري، ٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨؛ تيسير التحرير لأمير بادشاه، ٢/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٨) الأصل للشيباني، ٣/ ١٤ ظ.
стр. 246
وهذا النوع من الطلاق هو المعروف بطلاق السنَّة. وفي رواية أخرى أن أبا بكر وعمر ﵁ -ما قالا بأن وصية الرجل بربع ماله أحب إليهما من وصيته بالثلث، ووصيته بالخمس أحب إليهما من وصيته بالربع (١). وقال عمر بأنه لا يحب أن يأخذ القاضي والقسام على عمله أجراً (٢). وقال علي ﵁ بأن ذلك أحب إليه (٣). كما روي عن عبد الله بن عمر استعماله لهذا اللفظ في موضوع آخر (٤). واستعمل إبراهيم النخعي أيضاً ألفاظ "يستحب" و"أحب إلي" للتعبير عن آرائه في بعض المسائل (٥).
وقد استعملت كلمات كثيرة في الأصل مشتقة من جذر الحب والاستحباب للدلالة على أن فعل شيء ما أفضل من عدم فعله ولكنه ليس بواجب. فاستعملت في ذلك كلمات مثل "يُستحَب، أَحَبُّ إلي، أَحَبُّ ذلك إلي، أَحَبُّ إلينا، أَحَبُّ، أُحِبُّ له، نُحِبُّ، نَستحب" ونحوها (٦). ولا يؤثر ترك الشيء المستحب على إجزاء العبادة. فمثلاً وضع السترة أمام المصلي مستحب، ولكن الصلاة مجزئة بدونها (٧). فالمستحب ليس بمنزلة الواجب الذي يراد فعله قطعاً. فمثلاً إذا خطب الإمام في صلاة الاستسقاء فإنه يستحب الاستماع إليه، ولا يجب مثل الاستماع إلى خطب الجمعة والعيدين (٨). ولكنه نادراً ما يستعمل قوله: "أحب إلي، مستحب له" في حق أمر واجب. فمثلاً مع التصريح بأن ذبح الأضحية واجب (٩)، إلا أنه ذكر أن
_________
(١) الأصل للشيباني، ٣/ ٢١٣ ظ.
(٢) الأصل للشيباني، ٢/ ٥٨ و.
(٣) الأصل للشيباني، ٣/ ٢١٤ و.
(٤) الأصل للشيباني، ٧/ ١ ظ.
(٥) الأصل للشيباني، ٥/ ١١٨ و، ١٣٠ و.
(٦) الأصل للشيباني، ١/ ٢ و، ٢ ظ، ٣ ظ، ٢٣ ظ، ٢٤ و، ٨٣ ظ، ٣/ ٢٠٤ ظ، ٢٠٨ ظ، ٤/ ١٠٧ و،١١٣ و، ١٢٧ و، ١٢٧ ظ، ٥/ ٣١ ظ، ٦/ ١٦٤ ظ، ٢٤٣ و؛ الجامع الصغير للشيباني، ص ٩١، ٩٦، ١٠٣، ١١٨، ١٦٣، ١٦٤، ٣٧٢؛ الآثار للشيباني، ص ١٤، ١٦، ١٧، ٢٥، ٣٩؛ الحجة للشيباني، ١/ ١، ٥٢. ٧٠، ١٢٩، ٢١٤، ٢١٥؛ موطأ محمد، ١/ ١٩٥، ٢٥٧، ٥٩٥، ٢/ ٥٣. ٥٥.
(٧) الأصل للشيباني، ١/ ٣٦ ظ.
(٨) الأصل للشيباني، ١/ ٨٣ في وانظر لاستعمالات شبيهة: موطأ محمد، ٢/ ٨، ١١.
(٩) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٠٨ ظ، ٢٠٩ و.
стр. 247
ذبح الأضحية "أحب إلي" من التصدق بقيمتها (١). والكلمات المشتقة من الحب تستعمل في الغالب في العبادات والتصرفات التي فيها معنى التعبد، ويقل استعمالها في الأمور الأخرى (٢). وكون الشيء مستحباً يستند في كثير من المواضع إلى مبدأ الاحتياط المعبر عنه بالثقة والتنزه. وهذا النوع من الاحتياط متوجه إلى مقصد تجنب الإثم في بعض المواضع، وصحة المعاملة في بعض المواضع الأخرى (٣).
والكلمات المشتقة من الحب تستعمل في الجمل المنفية بمعنى الكراهة. وفي هذا المعنى يستعمل عبارات مثل "لا أحب له، ما أحب له، لا أحب ذلك، ما أحب ذلك، لم يستحب، لم نحب له" (٤). وأحياناً عبر عن الكراهة بقوله: "تركه أحب إلي"، مثل قوله ذلك في كراهة أكل لم الخيل (٥). وفي نفس المعنى قوله: "غيره أحب إلي منه" (٦).
واستعمل الشيباني قوله: "أحب إلي" أيضاً لترجيح رأي على آخر (٧). كما نقل استعمال بعض التابعين مثل الشعبي وعبيدة السلماني وإبراهيم النخعي لمثل هذه العبارة في إفادة المعنى المذكور (٨). واستعمل الشيباني هذه العبارة لترجيح الآراء داخل المذهب، مثل قوله: "أحب القولين إلي، أحب
_________
(١) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٠٧ و؛ الآثار للشيباني، ص ٣٧. وانظر لاستعمال شبيه: موطأ محمد، ٢/ ٦٣٩.
(٢) الأصل للشيباني، ٢/ ١٥٨، ١٧٩ و، ٣/ ١٧ و، ٨٧ و، ٤/ ١٠٧ و، ١١٣ و، ٥/ ٢٠ ظ، ٣١ ظ، ١٠٤ ظ، ١٠٥ ظ، ١١٦ ظ، ١٢١ و، ١٢٤ و، ١٤٦ و، ٦/ ٢٥٧ ظ، ٨/ ٢٠٣ و، ٢٠٧ ظ.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ٦٥ و، ١٦٩ ظ، ١٧٠ ظ، ١٧١ و، ٢/ ١٥٨ ظ.
(٤) الأصل للشيباني، ١/ ٥٧ و، ٧٣ ظ، ٨٣ و، ٨٣ ظ، الحجة للشيباني، ١/ ١٤٦، ١٤٧، ٢١٢؛ الآثار للشيباني، ص ٦٢؛ موطأ محمد، ٢/ ١٦٣، ٥١٦.
(٥) الأصل للشيباني، ٣/ ٢٠٤ و.
(٦) الآثار للشيباني، ص ١١.
(٧) الأصل للشيباني، ٥٨/ ٥ ظ؛ الآثار للشيباني، ص ٢٩.
(٨) الأصل للشيباني، ٣/ ١٠١ ظ، ١٢٥ و، ١٤٥ ظ، ٥/ ٤٥ و، ٦/ ٢٥٢ ظ، ٢٥٣ و.
стр. 248
إلي من قول أبي حنيفة" ونحو ذلك (١).
٣ - التطوع
تمر كلمة التطوع التي هي بمعنى عمل الشيء بطيبة نفس وعن رضا في كتاب الأصل في مواضع كثيرة. وليس لعدم فعل التطوع ضرر من الناحية الدينية أو القضائية (٢). وتستعمل كلمة التطوع في وصف صلاة النافلة في مقابل صلاة الفرض، وكذلك في وصف النوافل والرواتب التي تؤدى قبل الصلوات المكتوبة وصلاة الجمعة وبعدها، صلاة التهجد، صلاة النفل مطلقاً، صلاة التراويح، تحية المسجد، وصوم النافلة (٣). وقد اختلف الفقهاء في كون العمرة واجبة أو تطوعاً، وهي تطوع عند الحنفية (٤). والحج قد يكون تطوعاً (٥). وفي مؤلفات الشيباني الأخرى يستعمل التطوع في مقابل الفرض والواجب (٦).
وهناك معنى آخر لكلمة التطوع، وهو العمل أو الإنفاق الذي يكون بلا مقابل ولا يلزم أن يؤخذ في مقابله شيء. فمثلاً دفع الشخص دين شخص آخر بدون طلب منه، الإنفاق على الرهن من تلقاء نفسه، دفع العشر أو الخراج عن الأرض المرتهنة، الإنفاق من أجل إطعام الدابة المستأجرة للركوب، العمل بعقد فاسد في بعض الأحوال، إطعام العامل المستأجر كان لم يشترط ذلك، الإنفاق على اللقيط، والالتحاق بالجيش بدون طلب وجه
_________
(١) الأصل للشيباني، ٢/ ٢٤٥ ظ، ٦/ ١٠٤ ظ.
(٢) الحجة للشيباني، ١/ ٢٩٦.
(٣) الأصل للشيباني، ٣/ ١ ظ،.١٠ و، ٢٣ ظ - ٢٤ و، ٢٧ و، ٢٨ و، ٢٨ ظ، ١٣٥ ظ، ١٣٦ ظ، ١٤٠ ظ؛ الحجة للشيباني، ١/ ٤٩، ٥٠. ٢١٨؛ الآثار للشيباني، ص ٢٦، ٦٤؛ موطأ محمد، ٦٢٨/ ١، ٢/ ٣٣، ٨٠.
(٤) الأصل للشيباني، ٦/ ٧٢ ظ، الحجة للشيباني، ٢/ ١١٩.
(٥) الأصل للشيباني، ٦/ ٧٣ ظ، ٧٤ و؛ الحجة للشيباني، ٢/ ٢٢٧.
(٦) الجامع الصغير للشيباني، ص ١٨٦؛ الحجة للشيباني، ١/ ١٨٢، ٢٠٨، ٢١١.
стр. 249
إليه، كل ذلك يعتبر تطوعاً (١).
٤ - النافلة
كلمة النافلة تستعمل في الأصل وفي مؤلفات الشيباني الأخرى بمعنى التطوع وخصوصاً في مسائل الصلاة. وعبارة "صلاة النافلة" تمر كثيراً في مقابل صلاة الفرض (٢).
٥ - الحسن
تستعمل الكلمات المشتقة من مصدر "حسن" في كثير من المواضع بالمعنى اللغوي (٣). وكلمة "حَسَن" تستعمل في الأصل بمعنى الفعل الذي يطلبه الدين ويعده أمراً يحمد عليه ولا يكون في تركه إثم أو ضرر. فمثلاً الغسل قبل صلاة الجمعة وصلاة العيد وليلة عرفة وقبل الإحرام حسن وليس بواجب وليس في تركه إثم (٤). والتطوع قبل صلاة العصر وصلاة أربع ركعات بعد العشاء والصلاة في كسوف الشمس وخسوف القمر أمر "حسن" (٥). وقد يكون الشيء حسناً لأنه موافق للاحتياط (٦). ويمر مصطلح
_________
(١) الأصل للشيباني، ٩/ ٢ ظ، ١٥ ظ ١٦ و، ٤٠ و، ٤١ و،١٠٠ ظ، ١٣٠ و، ١٤١ ظ، ١٥٢ ظ، ١٥٣ و، ١٧٧ ظ، ١٨٠ و، ٢٣٦ ظ، ٢٥٩ و، ٢٥٩ ظ، ٢٦٠ ظ، ٢٩٣ ظ، ٢٩٤ و، ٣/ ٦٥ و، ١٥٦ ظ، ١٥٧ ظ، ٢٣٥ ظ، ٩٥/ ٤ و، ٥/ ١٣٣ ظ، ١٤٦ ظ ٦/ ١٨٣ ظ، ٧/ ٤٤ و، ١٠٦ و، ١١٢ ظ، ٢٢٣ ظ، ٨/ ١ ظ؛ الحجة للشيباني، ٣/ ٣٧، ٣٨؛ الآثار للشيباني، ص ١٤٩.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ٢٧ و، ٣٢ ظ، ٢/ ١٧٢؛ الجامع الصغير للشيباني، ص.٩؛ الحجة للشيباني، ١/ ٤٩، ٥١، ٢٧١، ٢٩٤، ٢/ ٣٠١.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ٢٠٢ ظ، ٢/ ١٧٦ ظ، ١٨٠ و، ٢٦٠ ظ، ٣/ ٢٠٠ و، ٢١٥ و، ٢١٥ ظ، ٧/ ٢١٦ و.
(٤) الأصل للشيباني، ١/ ١١ ظ؛ موطأ محمد، ١/ ٣١٠. ولأمثلة أخرى في نفس المعنى انظر: الأصل للشيباني، ١/ ١٠ و - ظ، ٢٣ ظ، ٦٩ ظ، ٧٢ ظ، ٧٣ ظ، ٣/ ٥٧ و، ٨/ ١٩٩ و.
(٥) الأصل للشيباني، ١/ ٢٨ ظ، ٨٣ و.
(٦) الأصل للشيباني، ٣/ ١٨٣ ظ.
стр. 250
"حسن" في كثير من المواضع الأخرى (١). وفي بعض المواضع يستعمل فعل "أَحْسَنَ" للتعبير عن نفس المعنى (٢). وقال في موضع: "أحسن وأخذ بالفضل" (٣). ويكون الشيئان حسنين وجائزين لكن أحدهما أحسن من الآخر (٤). وتأتي كلمة "حسن" بمعنى جائز، خصوصاً إذا قيس شيئان ببعض وقيل بأن كليهما حسن، وقد تستعمل بمفردها في هذا المعنى أيضاً (٥). واستعملت هذه الكلمة في مؤلفات الشيباني الأخرى بنفس المعنى أيضاً (٦). وأحياناً تستعمل كلمة "جميل" مع حسن (٧). ومع هذا فقد استعمل كلمة "أَحْسَنُ" في بعض المواضع بمعنى الواجب وأنه يقع الإثم في حال عدم العمل به (٨)، واعتبر الفعل المقابل له إساءة (٩). وقد يستعمل فعل "أَحْسَنَ" بمعنى فعل الشيء الواجب (١٠).
وتفيد عبارة "لا يَحْسُنُ" معنى المكروه تحريماً في بعض المواضع. فمثلاً المرأة التي انقطع حيضها في نهار رمضان تتشبه بالصائمين في بقية النهار ولا تأكل، لأنه "لا يحسن" منها أن تأكل وهي طاهرة وبقية الناس
_________
(١) الأصل للشيباني، ١/ ٢٥ ظ، ٢٨ ظ، ٢٩ ظ، ٣٠ و، ٣٤ ظ، ٣٨ و، ٧١ ظ، ٨٢ و، ١١٩ و، ١٣٧ و.
(٢) الأصل للشيباني، ١/ ٥٥ ظ.
(٣) الأصل للشيباني، ١/ ١١٩ و.
(٤) الأصل للشيباني، ١/ ٧ و، ٢٤ ظ، ٢٦ و، ٢٨ ظ، ٨٠ و، ١٤٠ ظ، ١٧٩ ظ، ٢/ ٦٢ و، ٣/ ١٤ ظ، ١٦ و، ١٧ و، ٤٣ و، ٤٧ و، ٥١ ظ، ٢٠٧ ظ.
(٥) الأصل للشيباني، ٥/ ١٨ ظ، ٢٢ و، ١١٥ ظ، ٦/ ٢٥٣ و، ٧/ ٤١ ظ.
(٦) الجامع الصغير للشيباني، ص ٨٣، ١٤٩، الحجة للشيباني، ١/ ٢٧٩، ٢٨٥، ٢/ ٧٧١، ١٦٣/ ٤، ٢١٠؛ موطأ محمد، ١/ ١٨١، ١٩٢، ٤٤٣، ٤٦٩، ٥٥٥، ٥٥٦، ٢/ ٣٣، ٧٢؛ الآثار للشيباني، ص ٢٠، ٢٩.
(٧) الحجة للشيباني، ٤/ ٢١٠؛ موطأ محمد، ٢/ ٣٨٨، ٣/ ١٤٧، ٣٢٦؛ الآثار للشيباني، ص ٥٩.
(٨) الأصل للشيباني، ١/ ٢١١ ظ.
(٩) الأصل للشيباني، ٣/ ١٦ ظ.
(١٠) الأصل للشيباني، ١/ ١٣٧ ظ.
следующие страницы →