Полный текст (6 738 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
نُسَخ أبي سليمان كذا (١). والمقصود هو نفس الشيء. لكن استعمال النسخ بصيغة الجمع قد يدل على أن المقصود هو اتفاق النسخ المنقولة عن الجوزجاني أو عن أبي حفص على مسألة ما. ويدل كذلك على كثرة الناقلين عن أبي حفص والجوزجاني. وقد يعبر السرخسي بالمفرد أيضاً فيقول: نسخة أبي سليمان، ونسخة أبي حفص؛ لكن ذلك قليل جداً (٢). وكذلك الحال في استعماله لفظ الجمع للرواية، حيث يقول: روايات أبي سليمان، وروايات أبي حفص (٣).
واختلاف هذه الروايات وخصوصًا روايتي أبي سليمان وأبي حفص فيما بينها في بعض المواضع أمر معروف عند المتقدمين من الفقهاء الأحناف. ورواية الجوزجاني مقدمة على رواية أبي حفص في الغالب. لكن توجد مواضع يكون الصواب فيها مع أبي حفص، أو يختلف الترجيح. وقد قام الحاكم الشهيد بالمقارنة بين هذه الروايات واختيار ما رآه صواباً منها في كتابه الكافي المختصر من الأصل. وتبعه السرخسي في المبسوط غالباً.
ب - روايات الكتاب الموجودة في نسخ الأصل بأيدينا اليوم
والنسخ التي بأيدينا من كتاب الأصل رويت أكثر كتبها عن طريق أبي سليمان الجوزجاني وبعضها عن طريق أبي حفص، وقليل منها عن طريق رواة آخرين، وبعضها لم يذكر فيه أي راو. وهذا هو تفصيل ما ذكر في أول كل كتاب:
كتاب الصلاة: أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
كتاب الحيض: قال: سمعت محمد بن الحسن يقول.
كتاب الزكاة: حدثنا زياد بن عبد الرحمن عن أبى سليمان عن محمد بن الحسن قال: قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد.
_________
(١) انظر مثلاً: المبسوط، ١/ ١٢٣.
(٢) انظر مثلاً: المبسوط، ٤١/ ١٤.
(٣) انظر مثلاً: المبسوط، ٢٤/ ٢٠.
стр. 72
كتاب الصوم: أبو الحسن محمد بن الحسن قال: قرأت نسخة هذا الكتاب على أبي بكر محمد بن عثمان فقلت له: حدثك أبو جعفر محمد بن سعدان قال: أخبرنا أبو سليمان موسي بن سليمان الجوزجاني قال: أخبرنا محمد بن الحسن إلى آخر هذا الكتاب، ثم قلت له: أَرْوِي هذا عنك؟ قال: نعم، وعارضت به أبا سليمان موسي بن سليمان.
كتاب التحري: حدثنا أبو عصمة قال: أخبرنا أبو سليمان قال: سمعت محمداً يقول.
كتاب الاستحسان: قال محمد بن الحسن.
كتاب الأيمان: أبو سليمان قال: سمعت محمد بن الحسن يقول.
كتاب البيوع والسلم: أحمد بن حفص قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال. لكن يقول في داخل كتاب البيوع: أخبرنا أبو سليمان عن محمد … فيذكر أثراً (١). وهذا يدل على أن الكتاب مختلط من روايتي أبي حفص وأبي سليمان.
كتاب الصرف: أبو بكر محمد بن عثمان قال: حدثنا أبو عبد لله محمد بن عمار الكريبي عن أبي سليمان موسي بن سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن.
كتاب الرهن: قال: أخبرنا أبو سليمان عن محمد بن الحسن … فروى حديثاً. ثم قال: محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: لا يجوز الرهن غير مقبوض …
كتاب القسمة: أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرنا محمد.
كتاب الهبة: أخبرنا أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
كتاب الإجارات: أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
_________
(١) انظر: ١/ ٢٢٢ و.
стр. 73
كتاب الشركة: لم يذكر اسم أحد في البداية.
كتاب المضاربة: محمد بن الحسن.
كتاب الرضاع: قال محمد بن الحسن.
كتاب الطلاق: قال محمد بن الحسن.
كتاب العتاق: أبو سليمان [عن] محمد.
كتاب العتق في المرض: محمد بن الحسن.
كتاب الصيد والذبائح: أخبرنا أبو سهل قال: أخبرنا أبو عبد الله عن أبيه عن محمد.
كتاب الوصايا: أخبرنا أبو سهل محمد بن عبد الله بن سهل بن حفص قال: أخبرنا أبو عبد الله قال: أخبرنا أبي عن محمد بن الحسن.
كتاب الفرائض: حدثنا محمد بن الحسن.
كتاب المكاتب: أبو سليمان قال محمد بن الحسن.
كتاب الولاء: قال: أخبرنا أبو سليمان عن محمد.
كتاب الجنايات: محمد بن الحسن قال.
كتاب الديات: قال محمد بن الحسن.
كتاب الدور: قال: حدثنا أبو سليمان قال: حدثنا محمد بن الحسن.
كتاب الحدود: أبو سليمان عن محمد قال: سألت أبا حنيفة.
كتاب السرقة: سعيد قال: سمعت أبا سليمان قال: سمعت محمد بن الحسن.
كتاب الإكراه: أبو سليمان قال: أخبرنا محمد.
كتاب السير: أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
كتاب الخراج: قال محمد بن الحسن.
стр. 74
كتاب العشر: داود بن رشيد قال: سمعت محمد بن الحسن.
كتاب الدعوى: أبو سليمان قال: حدثنا محمد بن الحسن.
كتاب الشرب: أخبرنا أبو عبد الله ﵀ قال: حدثني حمدان بن عبد الله قال: أخبرني أبي ﵀ عن محمد بن الحسن.
كتاب الإقرار: قال محمد بن الحسن.
كتاب الوديعة: أبو سليمان عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
كتاب العارية: محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
كتاب الحجر: أخبرنا أبو عصمة سعد بن معاذ قال: أخبرنا أبو سليمان قال: سمعت محمداً يقول: قال أبو حنيفة.
كتاب العبد المأذون: حدثنا محمد بن الحسن.
كتاب الشفعة: محمد بن الحسن.
كتاب الخنثى: محمد بن الحسن.
كتاب المفقود: محمد قال.
كتاب جعل الآبق: أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرنا محمد.
كتاب العقل: قال محمد بن الحسن. وفي أواخر كتاب العقل: هذا آخر كتاب أبي نصر زكريا بن يحيى في المعاقل. وهذا الباقي زيادة في كتاب ابن سنان.
كتاب الحيل: أخبرنا محمد بن حمدان قال: أخبرنا أبو ساهر قال: أخبرني محمد بن هارون الأنصاري عن محمد بن الحسن قال.
كتاب اللقطة: محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
كتاب المزارعة: محمد بن حمدان قال: حدثنا أبو سليمان قال: حدثنا محمد بن الحسن.
стр. 75
كتاب النكاح: أخبرنا أبو سليمان قال: سمعت محمد بن الحسن.
كتاب الحوالة والكفالة: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: عن محمد بن الحسن.
كتاب الصلح: أبو عبد الله محمد بن حفص قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا محمد بن الحسن.
كتاب الوكالة: أخبرنا أبو سليمان أخبرنا محمد بن الحسن.
كتاب الشهادات: أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
كتاب الرجوع عن الشهادات: أبو سليمان قال: أخبرنا محمد بن الحسن.
كتاب الوقف: أبو سليمان قال: سمعت محمداً ﵀ يقول.
كتاب الصدقة الموقوفة: أبو سليمان قال: أخبرنا محمد بن الحسن.
كتاب الغصب: أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
فالنسخ التي بأيدينا- حسب ما ورد في بداية كل كتاب منها- من رواية أبي سليمان الجوزجاني في كتب الصلاة والزكاة والصوم والتحري والأيمان والصرف والوهن والقسمة والهبة والإجارات والعتاق والمكاتب والولاء والدور والحدود والسرقة والإكراه والسير والدعوى والوديعة والحجر وجعل الآبق والمزارعة والنكاح والوكالة والشهادات والرجوع عن الشهادات والوقف والصدقة الموقوفة والغصب، ومن رواية أبي حفص في كتب البيوع والصيد والوصايا والحوالة والكفالة والصلح، ومن رواية داود بن رشيد في كتاب العشر، ومن رواية محمد بن هارون الأنصاري في كتاب الحيل، ومن رواية حمدان بن عبد الله عن أبيه في كتاب الشرب. أما الكتب الأخرى فلم يذكر لها راو عن الإمام محمد، لكن ذكر اسم محمد بن الحسن في بدايتها. وهي: الحيض والاستحسان والمضاربة والرضاع والطلاق والعتق في المرض والفرائض والجنايات والديات والخراج والإقرار والعارية والعبد المأذون والشفعة والخنثى والمفقود والعقل واللقطة. والكتاب الوحيد الذي لم يذكر
стр. 76
في بدايته اسم أحد هو كتاب الشركة. وعلى هذا يتبين أن أكثر من نصف الكتاب تقريبًا مروي من طريق أبي سليمان الجوزجاني، وهو ثلاثون كتاباً من ضمن سبعة وخمسين كتاباً، وأن خمسة كتب مروية من طريق أبي حفص، وأن كتاباً واحداً مروي من طريق داود بن رشيد، وكتاباً آخر مروي من طريق محمد بن هارون الأنصاري، وآخر مروي من طريق عبد الله، وأن هناك تسعة عشر كتاباً لم يذكر الراوي لها عن محمد.
لكن مع البحث والتدقيق يتبين أنه لا يمكن الوثوق تمامًا بما ذكر من اسم الراوي في أوائل كل كتاب من كتب الأصل في هذه النسخ. وهذا هو التفصيل:
لقد وقع في كتاب الصلاة خطأ في جواب مسألة فقهية حسب رأي الحاكم والسرخسي، وهذا الخطأ موجود في معظم النسخ التي بأيدينا. وهو خطأ قديم جداً يرجع إلى ما قبل الحاكم الشهيد. وقد صحح هذا الخطأ الحاكم الشهيد، وبين أن الخطأ من رواية أبي حفص، وكذلك قال السرخسي (١). لكن قد ذُكر في بداية كتاب الصلاة في معظم النسخ أنه من رواية أبي سليمان. فكلام الحاكم والسرخسي يدل على أن كتاب الصلاة في هذا الموضع الذي يوجد فيه الخطأ من رواية أبي حفص وليس من رواية أبي سليمان كما ذكر في أوله، ويدل على أن الروايتين قد خلطهما الناسخون (٢). وهذا يؤدي إلى التفكير في احتمال وجود أماكن أخرى في كتاب الصلاة منقولة من رواية أبي حفص؛ لكن مع هذا توجد أدلة أخرى تدل على التزام رواية أبي سليمان في مواضع أخرى من كتاب الصلاة في النسخ التي اعتمدنا عليها (٣). فلعل أكثر كتاب الصلاة من رواية أبي سليمان،
_________
(١) الكافي، ١/ ٩ و؛ والمبسوط، ١/ ١٧٣. ويري بعض العلماء من متقدمي الأحناف أن هذه الرواية صحيحة انظر: المحيط البرهاني، ١/ ٤٦١.
(٢) وانظر لمثال آخر في كتاب الصلاة: الأصل، ١/ ٣٩ ظ؛ والكافي، ١/ ١٠ ظ؛ والمبسوط، ١/ ٢٠٨.
(٣) انظر: الأصل، ١/ ٢٢ ظ؛ والكافي، ١/ ٦ ظ؛ والمبسوط، ١/ ١٢٣.
стр. 77
وقسم قليل منه من رواية أبي حفص، وهذا هو الذي حدا بالرواة والناسخين إلى أن ينسبوه إلى أبي سليمان وحده.
كتاب الرهن الذي هو من رواية أبي سليمان على ما ذكر في بدايته، توجد فيه مواضع موافقة لرواية أبي حفص ومخالفة لرواية أبي سليمان كما بين ذلك الحاكم والسرخسي (١)، كما يوجد فيه موضع جمع فيه الكاتب بين روايتي أبي سليمان وأبي حفص وخلطهما مع بعض، ويتضح ذلك من كلام الحاكم والسرخسي وابن نجيم (٢).
في كتاب القسمة، ذكر الحاكم في مسألة قول محمد مع أبي يوسف أولًا، ثم قال: وفي رواية أبي حفص ذكر محمد مع أبي حنيفة (٣). وقال السرخسي: "وهو الأصح، فقد ذكر ابن سماعة أنه كتب إلى محمد يسأله عن قوله في هذه المسألة فكتب إليه أن قوله كقول أبي حنيفة ﵀" (٤). واللافت للنظر أن كتاب القسمة في النسخ التي بأيدينا من رواية أبي سليمان، لكن ما ذكره الحاكم والسرخسي يدل على أن هذا الموضع موافق لرواية أبي حفص (٥). وقد يكون هذا من تصرف الناسخين بخلط الروايتين.
في كتاب الصرف، قال السرخسي بعد نقل مسألة موجودة في الأصل (٦): "هكذا أطلق في نسخ أبي حفص، وفي نسخ أبي سليمان قال: وهذا قول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-، أما في قول أبي يوسف … " (٧) والنسخة التي بأيدينا موافقة في هذا الموضع لرواية أبي حفص مع أنه مذكور في بداية كتاب الصرف أنه من رواية أبي سليمان. كما يوجد مثال آخر على
_________
(١) انظر: الأصل، ١٧/ ٢ ظ، ١٩ ظ، ٤٠ و؛ والكافي، ٢/ ٢١٨ و، ٢٢٠ و، ٢٣١ و؛ والمبسوط، ٢١/ ١١٩ - ١٢٠، ١٢٣، ١٦٢.
(٢) انظر: الأصل، ٢/ ٣٩ ظ؛ والكافى، ٢/ ٢٣٠ ظ- ٢٣١ و؛ والمبسوط، ٢١/ ١٦١؛ والبحر الرائق، ٨/ ٣٠٦.
(٣) انظر: الكافي، ١٩٧/ ١ ظ.
(٤) المبسوط، ١٥/ ٤٤.
(٥) انظر: الأصل، ٢/ ٧٥ و.
(٦) الأصل، ١/ ٢٩٦ و.
(٧) المبسوط، ١٤/ ٤١.
стр. 78
موافقة النسخة التي بأيدينا لرواية أبي حفص (١). لكن يوجد مثال آخر يدل على موافقة النسخة التي بأيدينا لرواية أبي سليمان (٢). فالنسخة مختلطة من الروايتين على ما يظهر.
كذلك في كتاب العتاق مثال يدل على اختلاط الروايتين في نسختنا. يظهر ذلك بوضوح عند مقارنة نسخة الأصل مع كلام الحاكم والسرخسي (٣).
ذكر في الإجارات مسألة، وذكر الحاكم والسرخسي أن هذه المسألة زيادة من نسخ أبي حفص (٤).
والذي يترجح أنه كتب في أول الكتب الفقهية اسم الراوي الذي غلب استعمال روايته أثناء نسخ الكتاب، لكن كانت الرواية الأخرى أيضاً موجودة لدى الناسخ، فكان إذا رأى زيادة في الرواية الأخرى يضيف تلك الزيادة إلى النسخة، ويشير إلى ذلك أحياناً مثل ما فعل في آخر كتاب الصلاة، حيث ذكر بعض الفروع عن هشام (٥)، وهو من رواة الأصل الذين فقدت روايتهم كما تقدم، وفي آخر كتاب المزارعة، حيث ذكر في آخره كلاماً لأبي حفص (٦). وكان الناسخ أيضاً إذا رأى فرقاً بين الروايتين يقوم بترجيح رواية على أخرى، ولا يشير إلى ذلك كما تقدم بيانه في الأمثلة المذكورة آنفاً. وهذا يدل على أن اسم الراوي المذكور في أوائل كتب الفقه من كتاب الأصل هو أغلبي وليس شاملاً لجميع مسائل ذلك الكتاب.
ج - مقارنة نسخة كتاب الأصل الموجودة مع كتب الفقه الحنفي
يتضح من مقارنة مسائل الأصل في النسخة التي بأيدينا مع كتب الفقه
_________
(١) انظر: الأصل، ١/ ٣١٣ و؛ والكافي، ١/ ١٨٣ و.
(٢) انظر: الأصل، ١/ ٢٩٥ ظ؛ والكافي، ١/ ١٨٠ و.
(٣) انظر: الأصل، ٣/ ١٢٤ و؛ والكافي، ١/ ٩٤ و؛ والمبسوط، ٧/ ١٤٥.
(٤) انظر: الأصل، ٢/ ١٨١ ظ؛ والكافي، ١/ ٢١٥ ظ، والمبسوط، ١٦/ ٥٩.
(٥) انظر: ١/ ٨٥ و. وقد ذكرناها في الهامش في آخر كتاب الصلاة؛ لأننا لم نتأكد أنها من كتاب الأصل.
(٦) انظر: ٧/ ١٢٣ و.
стр. 79
الحنفي أن الاختلاف الواقع بين روايات الأصل قد أثر على كتب الفقه أيضاً، فترى في بعض المسائل اختلافاً واقعاً بينها في نقل ظاهر الرواية.
فعلى سبيل المثال: قال في الأصل: "فإن كان وحده قال: ربنا لك الحمد، في قولهم جميعاً" (١). وعبارة الأصل ظاهرة في أن المنفرد يقول: ربنا لك الحمد، في قولهم جميعاً. ولم يذكر خلافًا في قوله: سمع الله لمن حمده، مما يوحي بأن المنفرد يقوله أيضاً. وذكر الحاكم الشهيد ما يفعله الإمام والمأموم، ولم يذكر المنفرد (٢). وقال السرخسي: "فأما المنفرد على قولهما فيجمع بين الذِّكْرَين، وعن أبي حنيفة فيه روايتان، في رواية الحسن هكذا، وفي رواية أبي يوسف قال: يقول: ربنا لك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده، وهو الأصح، لأنه حَثّ لمن خلفه على التحميد، وليس خلفه أحد" (٣). وهذا أيضاً ليس فيه إشارة إلى أن قول الإمام أبي حنيفة في ظاهر الرواية عنه متفِق مع الإمامين أبي يوسف ومحمد في أن المنفرد يقول: ربنا لك الحمد، مع أن هذا هو المذكور في جميع نسخ الأصل صريحًا إلا نسختي حلب ويوزغات. والمذكور في الجامع الصغير هو حكم الإمام والمأموم فقط، ولا يخالف ما هاهنا (٤). وذكر الطحاوي أن المنفرد يجمع بينهما (٥). وقال السمرقندي: "وإن كان منفرداً لم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة، وإنما ذكر قولهما: إنه يجمع بينهما، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة كذلك، وفي رواية النوادر أنه يأتي بالتحميد" (٦). وقال الكاساني: "وإن كان منفرداً فإنه يأتي بالتسميع في ظاهر الرواية، وكذا يأتي بالتحميد عندهم، وعن أبي حنيفة روايتان، روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يأتي بالتسميع دون التحميد … وروى
_________
(١) انظر: ١/ ٢ و.
(٢) الكافي، ١/ ١ ظ.
(٣) المبسوط، ١/ ٢١.
(٤) الجامع الصغير للإمام محمد مع شرحه النافع الكبير للكنوي، ٨٧.
(٥) مختصر الطحاوي، ٢٦ - ٢٧.
(٦) تحفة الفقهاء، ١/ ١٣٤.
стр. 80
الحسن عن أبي حنيفة أنه يجمع بينهما، وذكر في بعض النوادر عنه أنه يأتي بالتحميد … " (١)، وذكر المرغيناني أن المنفرد يجمع بينهما في الأصح (٢). وذكر ابن نجيم عن قاضيخان في شرحه أن المنفرد يكتفي بالتحميد في ظاهر الرواية (٣). فقد اضطربت النقول في قول الإمام أبي حنيفة في حق المنفرد اضطراباً شديداً، وبعضها موافق لما في الأصل، وبعضها مخالف له. وذلك لا يطعن في صحة المتن، وإنما يدل فقط على اختلاف نسخ الأصل، فقد يكون ذكر في نسخة ما لم يذكر في نسخة أخرى.
مسألة أخرى: قال في الأصل: "قلت: فإن مسح رأسه بثلاث أصابع؟ قال: هذا يجزيه" (٤). وقال الحاكم: "ولا يجزئه مسح الرأس بإصبع أو إصبعين، ويجزيه بثلاثة أصابع، وقال محمد في نوادر إبراهيم بن رستم: إذا مسح خفه بإصبع واحد وأمرّها على خفه لا يجزيه حتى يعيدها ثلاث مرات في الماء، لأنه في المرة الأولى حين أزالها عن موضعها فذلك ماء قد توضأ به، قال: ولو وضع ثلاث أصابع ثم رفعها من غير أن يمرّها أجزأه" (٥). وقال السرخسي: "ففي الأصل ذكر قدر ثلاثة أصابع، وفي موضعٍ الناصية، وفي موضعٍ ربع الرأس … ذكر في نوادر ابن رستم أنه إذا وضع ثلاثة أصابع ولم يمرّها جاز في قول محمد -رحمه الله تعالى- في الرأس والخف، ولم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله تعالى- حتى يمرّها بقدر ما تصيب البلّة مقدار ربع الرأس … " (٦) ولم أجد في الأصل ذكر الناصية ولا ربع الرأس. لكن ذكر فيه: "قلت: أرأيت رجلًا توضأ فمسح نصف رأسه أو ثلثه أو أقل من ذلك؟ قال: يجزيه" (٧). فقد يستنبط منه أن الأقل من الثلث هو الربع، لكن لم يذكره صريحاً. ولم يذكره الحاكم في الكافي أيضاً. وقد ذكر الإمام محمد في الآثار مقدار ثلاث أصابع أيضاً (٨).
_________
(١) بدائع الصنائع، ١/ ٢٠٩.
(٢) الهداية، ١/ ٤٩.
(٣) البحر الرائق، ١/ ٣٣٤.
(٤) انظر: ١/ ٧ و.
(٥) الكافي، ١/ ٣ ظ.
(٦) المبسوط، ١/ ٦٣، ٦٤.
(٧) انظر: ١/ ٩ و.
(٨) الآثار، ١٧.
стр. 81
وذكر الطحاوي مقدار الناصية (١). واستدل الطحاوي بمسح النبي ﷺ لناصيته، وذكر أن ذلك قول الأئمة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد (٢). وذكر السمرقندي والكاساني أن ظاهر الرواية ثلاث أصابع اليد، وأن الحسن روى عن أبي حنيفة أنه قدّره بالربع، وهو قول زفر، وأن الكرخي والطحاوي ذكرا عن أصحابنا مقدار الناصية، واستدلا لظاهر الرواية بأن ثلاثة أصابع هي أكثر آلة المسح (٣).
مثال آخر: قال في الأصل: "قلت: فإن مسح على الجرموقين وقد كان لبس خفيه على وضوء ثم نزع أحد الجرموقين؟ قال: عليه أن يخلع الجرموق الثاني ويمسح على خفيه، إذا انتقض بعض المسح انتقض كله. قلت: لم؟ قال: ألا ترى أنه إذا وجب عليه غَسل إحدى قدميه وجب عليه غَسل الأخرى" (٤). لكن في نسختي حلب ويوزغات: قال: عليه أن يمسح على الجرموق الباقي لأن المسح إذا انتقض بعضه انتقض كله. وقد ذُكر هذان القولان المختلفان في المبسوط للسرخسي. قال الحاكم: "واذا مسح على الجرموقين ثم نزع أحدهما مسح على الخف وعلى الجرموق الباقي، لأنه إذا انتقض بعض مسحه انتقض جميعه" (٥). وقال السرخسي بعد نقل كلام الحاكم: "وفي بعض روايات الأصل قال: ينزع الجرموق الثاني ويمسح على الخفين … ووجه ما ذكر في بعض النسخ أن نزع أحد الجرموقين كنزعهما جميعاً كما إذا خلع أحد الخفين يكون كخلعهما، ووجه ظاهر الرواية أنه في الابتداء لو لبس الجرموق على أحد الخفين كان له أن يمسح عليه وعلى الخف الباقي، فكذلك إذا نزع أحد الجرموقين، إلا أن حكم الطهارة في الرجلين لا يحتمل التجزيء، فإذا انتقض في أحدهما بنزع الجرموق ينتقض في الآخر، فلهذا مسح على الخف الظاهر وعلى الجرموق
_________
(١) مختصر الطحاوي، ١٨.
(٢) شرح معاني الآثار، ١/ ٣٠ - ٣١.
(٣) تحفة الفقهاء، ١/ ٩ - ١٠؛ وبدائع الصنائع، ١/ ٤.
(٤) انظر: ١/ ١٥ و.
(٥) الكافي، ١/ ٥ و.
стр. 82
الباقي" (١). وقيل: إن القول المذكور في المتن هنا رواية عن أبي يوسف (٢).
مثال آخر: قال في الأصل: "وقال أبو حنيفة: إذا حُبس رجل في مَخْرَج (أي بيت الخلاء) وهو مقيم في المصر وحضرت الصلاة ولم يقدر على مكان نظيف أن يصلي فيه، ولم يقدر على وضوء ولا على صعيد طيب، فإنه لا يصلي حتى يخرج من ذلك المخرج، ثم يتوضأ ويقضي ما مضى من صلاته. وقال أبو يوسف ومحمد: يصلي في ذلك المكان يُومئ إيماءً بغير وضوء ولا تيمم، فإذا خرج توضأ وقضى ما مضى من صلاته" (٣). وقد ذكر الحاكم والسرخسي أنه اختلفت الروايات عن محمد -رحمه الله تعالى-، فذكر في الزيادات ونُسَخ أبي حفص -رحمه الله تعالى- من الأصل كقول أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-، وفي نُسَخ أبي سليمان -رحمه الله تعالى- ذكر قوله كقول أبي يوسف -رحمه الله تعالى- (٤). وذكر في الأصل في مسألة المسافر الذي لا يجد ماءً ولا ما يتيمم به أن قول أبي يوسف أنه يصلي بغير طهور ثم يعيد. ولم يذكر خلافًا لمحمد (٥). ولم يذكر السرخسي في ذلك خلافًا لمحمد أيضاً (٦).
مثال آخر: قال في الأصل في مسألة معقّدة نوعاً ما: " … فإن صلاته تامة أيضاً وليس عليه أن يستقبل" (٧). هكذا ورد في جميع النسخ إلا في نسختي حلب ويوزغات. وقد وردت هذه العبارة في نسختي حلب ويوزغات اعتماداً علي بعض النسخ عنده هكذا: "فإن صلاته فاسدة، وعليه أن يستقبل الصلاة"؛ لأن الحاكم قال أيضاً: "فصلاته فاسدة. قال: وفي رواية أبي حفص أن صلاته تامة. والأول أشبه بالصواب" (٨). وقال السرخسي: "وفي رواية أبي حفص قال: صلاته تامة … ورواية أبي حفص
_________
(١) المبسوط، ١/ ١٠٣؛ وفتح القدير، ١/ ١٥٦؛ والبحر الرائق، ١/ ١٩٠.
(٢) بدائع الصنائع، ١/ ١١؛ وحاشية ابن عابدين، ١/ ٢٧٠.
(٣) انظر: ١/ ٢٢ و - ٢٢ ظ.
(٤) الكافي، ١/ ٦ ظ؛ والمبسوط، ١/ ١٢٣.
(٥) انظر: ١/ ١٩ و.
(٦) المبسوط، ١/ ١١٦.
(٧) انظر: ١/ ٣١ ظ.
(٨) الكافي، ١/ ٩ و.
стр. 83
كأنه غلط وقع من الكاتب؛ لأنه اشتغل بتقسيم ثم أجاب في الفصلين بأن صلاته تامة، وظاهر هذا التقسيم يستدعي المخالفة في الجواب" (١). لكن ذكر برهان الدين البخاري أن أبا نصر الصفار ومشايخ العراق صححوا رواية أبي حفص (٢).
مثال آخر: قال في الأصل: "قلت: أرأيت إن دخل معه ونوى الظهر ولم ينو صلاة الإمام فصلَّى معه، فإذا هي الجمعة؟ قال: صلاته فاسدة؛ لأنه لم ينو ما نوى إمامه. إنما أوجب هذا على نفسه غير ما أوجب إمامُه على نفسه" (٣). قال الحاكم: "وإذا دخل معه في الصلاة ولم ينو صلاة الإمام فصلَّى معه فإذا هي الجمعة فصلاته فاسدة، وفي غير رواية أبي سليمان أنه إذا نوى الظهر فإذا هي الجمعة أو نوى الجمعة فإذا هي الظهر [فصلاته فاسدة]، وهذا هو الصحيح" (٤). وقال السرخسي: "وفي غير رواية أبي سليمان قال: إذا نوى صلاة الإمام والجمعة فإذا هي الظهر جازت صلاته، وهذا صحيح، فقد تحقق البناء بنية صلاة الإمام، ولا يعتبر بما زاد بعد ذلك، وهو كمن نوى الاقتداء بهذا الإمام وعنده أنه زيد فإذا هو عمرو، وكان الاقتداء صحيحاً، بخلاف ما إذا نوى الاقتداء بزيد فإذا هو عمرو" (٥). وهذا غير المسألة المذكورة عند الحاكم.
فهذه الأمثلة- ولا شك أنها توجد غيرها- تدل على أن روايات كتاب الأصل قد اختلفت فيما بينها في مواضع غير قليلة، ويشهد لذلك كلام الحاكم والسرخسي وغيرهما من الفقهاء الأحناف. وهذه الظاهرة - أي وقوع الاختلاف في الروايات للكتاب الواحد - كثيرة وشائعة. ويمكن أن يكون ذلك ناشئاً من اختلاف رأي المؤلف، حيث يكون على رأي ما فيروي كتابه عنه أحد تلاميذه وهو على هذا الرأي، ثم يغير رأيه في المسألة فيروي عنه تلميذ آخر نفس الكتاب بعد تغير رأي المؤلف. ويمكن أن يكون ذلك من
_________
(١) المبسوط، ١/ ١٧٣.
(٢) المحيط البرهاني، ١/ ٤٦١.
(٣) انظر: ١/ ٣٩ و.
(٤) الكافي، ١/ ١٠ ظ.
(٥) المبسوط، ١/ ٢٠٨.
стр. 84
خطأ الراوي أيضاً. وأحياناً يختلف العلماء في ترجيح بعض الروايات على بعضها الآخر كما تقدم آنفاً. ولكن يمكن القول على وجه العموم بأن رواية أبي سليمان الجوزجاني هي التي لقيت القبول والترجيح، وأنه بقي معظم كتاب الأصل محفوظاً إلى اليوم من روايته.
د - تراجم رواة كتاب الأصل في النسخ الموجودة اليوم
١ - موسي بن سليمان أبو سليمان الجوزجاني
روى عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن وعبد الله بن المبارك وعمرو بن جميع والقاسم بن معن القيسي، وحماد بن زيد (١).
وقد أخذ الفقه عن أبي يوسف ومحمد جميعاً، وروى عنهما الكتب والأمالي. كان رفيقاً للمعلي بن منصور في أخذ الفقه ورواية الكتب (٢). وهو أسن وأشهر من المعلى (٣). وكان من الورع والدين وحفظ الفقه والحديث بالمنزلة الرفيعة (٤).
ووصفه الذهبي بأنه العلامة الإمام، وبأنه كان صدوقاً محبوباً إلى أهل الحديث (٥).
سكن بغداد، وحدث بها (٦).
روى عنه أحمد بن عطية وأحمد بن مؤمل وعبد الله بن الحسن
_________
(١) الجرح والتعديل، ٨/ ١٤٥؛ والكامل لابن عدي، ٣/ ٢٠٧؛ وأخبار أبي حنيفة للصيمري، ١/ ٧٩؛ وتاريخ بغداد، ١٣/ ٣٦؛ وغنية الملتمس إيضاح الملتبس، ٤٠٣، والجواهر المضية، ١/ ٣١، ٢/ ١٨٦.
(٢) أخبار أبي حنيفة للصيمري، ١/ ١٦١؛ وطبقات الفقهاء، ١٤٤؛ والجواهر المضية، ٢/ ١٨٦.
(٣) أخبار أبي حنيفة للصيمري، ١/ ١٦١؛ والجواهر المضية، ٢/ ١٨٦.
(٤) أخبار أبي حنيفة للصيمري، ١/ ١٦١.
(٥) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ١٩٤.
(٦) تاريخ بغداد، ١٣/ ٣٦.
стр. 85
الهاشمي وأحمد بن محمد بن عيسى البِرْتي القاضي (١) وبشر بن موسى الأسدي وأبو حاتم الرازي وأحمد بن محمد بن نصر وأحمد بن محمد الصيرفي ومحمد بن صالح السهمي ومحمد بن سهل بن عسكر (٢)، وموسي بن حزام الترمذي (٣) ومحمد بن سعدان ومحمد بن شاذان الجوهري وأبو عامر عمرو بن تميم ومحمد بن عبدالرحمن الطبري وعلي بن موسى القُمِّي (٤) والقاسم بن عباد وغيرهم (٥).
وروى عنه كتب محمد خاصة: أحمد بن نصر (٦)، وأحمد بن محمد بن عيسى البِرْتي القاضي (٧)، وعلي بن شهريار
_________
(١) هو أحمد بن محمد بن عيسي بن الأزهر أبو العباس البِرْتي القاضي. ولد سنة نيف وتسعين ومائة. وقد أخذ الفقه عن أبي سليمان الجوزجاني. وروى كتب محمد بن الحسن عن أبي سليمان الجوزجاني. ولي القضاء ببغداد. توفي سنة ٢٨٠. انظر: أخبار القضاة، ٣/ ٢٨١، وأخبار أبي حنيفة للصيمري، ١/ ١٦٤ - ١٦٥؛ وتاريخ بغداد، ٦١/ ٥؛ وطبقات الفقهاء، ١٤٦؛ وتاريخ الإسلام، ٢٠/ ٢٧٩ - ٢٨٠؛ وسير أعلام النبلاء، ١٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨؛ والبداية والنهاية، ١١/ ٦٩؛ والجواهر المضية، ١/ ٨٨ - ٨٩. وهو منسوب إلي بِرْت، مدينة بنواحي بغداد. انظر: الأنساب، ١/ ٣٠٨.
(٢) انظر لترجمته: تهذيب الكمال، ٢٥/ ٣٢٥.
(٣) انظر لترجمته: تهذيب الكمال، ٢٩/ ٥٢.
(٤) انظر لترجمته: الجواهر المضية (تحقيق: عبدالفتاح الحلو)، ٣/ ٧٠.
(٥) الجرح والتعديل، ٨/ ١٤٥؛ والكامل لابن عدي، ٣/ ٢٠٧؛ وفتح الباب في الكنى والألقاب، ١/ ٣٨٩؛ وأخبار أبي حنيفة للصيمري، ١/ ٥٣. ٧٥، ٧٩، ٨٨،٩٢، ١١٧؛ والانتقاء لابن عبد البر، ١٣٣؛ وتاريخ بغداد، ١٣/ ٣٦، ٣٤١، ٣٨٣؛ وغنية الملتمس إيضاح الملتبس، ٤٠٣؛ وتاريخ مدينة دمشق، ٩/ ١٧١؛ وتاريخ الإسلام، ٢/ ٥٠٣؛ وسير أعلام النبلاء، ٨/ ٥٣٨، ١١/ ٢٣١؛ والإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٢٠٤.
(٦) ورواها عنه أحمد بن إسماعيل بن جبريل بن الفيل بن شيبان أبو حامد المقري الصرام. وقد سمع كتب أبي حنيفة وأبي يوسف من أحمد بن نصر عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمد. توفي سنة ٣٣٣، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. انظر: الإكمال، ٧/ ٦١؛ والجواهر المضية، ١/ ١٢٩.
(٧) أخبار القضاة، ٣/ ٢٨١؛ وأخبار أبي حنيفة للصيمري، ١/ ١٦٤ - ١٦٥؛ وتاريخ بغداد، ١٣/ ٣٦؛ وطبقات الفقهاء، ١٤٦؛ والجواهر المضية، ١/ ٨٨.
стр. 86
الأسترآباذي (١)، ويعقوب جد محمد بن أبي سعيد (٢). وروى عنه الزيادات لمحمد بن الحسن: صفوان بن المغلس (٣). وروى عنه الجامع الكبير زيد بن أسامة (٤).
وتفقه عليه أيضاً محمد بن أحمد أبو رجاء الجوزجاني الحنفي، قاضي القضاة بنيسابور (٥)، وأبو بكر أحمد بن إسحاق المعروف بابن صبيح الجوزجاني (٦)، وأبو يحيى غسان بن محمد بن عبيدالله بن سالم النيسابوري (٧)، ومحمد بن سلمة (٨)، ونصير بن يحيى - وقيل: نصر- البلخي (٩).
كان من أسباب محبة أهل الحديث له أنه كان مخالفاً للمعتزلة من الأحناف. فكان يذهب مذهب أهل السنَّة في القرآن (١٠)، وكان يكفر القائلين بخلق القرآن (١١). وكان أبو سليمان الجوزجاني ومعلي بن منصور الرازي يقولان: "ما تكلم أبو حنيفة ولا أبو يوسف ولا زفر ولا محمد ولا أحد من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلم في القرآن بشر المريسي وابن أبي دؤاد، فهؤلاء شانوا أصحاب أبي حنيفة" (١٢). قال أبو حاتم: "كان صاحب رأي، وكان صدوقاً" (١٣).
_________
(١) هو علي بن شهريار الأسترآباذي، كان من أصحاب الرأي ثقة في الحديث. أخذ كتب محمد بن الحسن عن أبي سليمان الجوزجاني عنه، وسمعوا منه كتب محمد بن الحسن. انظر: تاريخ جرجان، ١/ ٥٣٣؛ والجواهر المضية، ١/ ٣٦٣.
(٢) الجواهر المضية، ١/ ١٤٣. ومحمد بن أبي سعيد هو أستاذ أبي جعفر الهندواني. انظر: الجواهر المضية، ٢/ ٣٧.
(٣) شرح مشكل الآثار، ٧/ ٢٢٧، ١٢/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٤) الجواهر المضية، ١/ ١٣٦، ٢٤٦.
(٥) الأنساب، ٢/ ١١٧؛ وتاريخ الإسلام، ٢١/ ٢٤٩ - ٢٥٠؛ والجواهر المضية، ٢/ ٢٩.
(٦) الجواهر المضية، ١/ ٦٠.
(٧) الجواهر المضية، ١/ ٤٠٤.
(٨) الجواهر المضية ٢/ ٥٦، ٦٨.
(٩) الجواهر المضية، ٢/ ٢٠٠.
(١٠) تاريخ بغداد، ١٣/ ٣٦.
(١١) الجرح والتعديل، ٨/ ١٤٥.
(١٢) تاريخ بغداد، ١٣/ ٣٨٣.
(١٣) الجرح والتعديل، ٨/ ١٤٥.
стр. 87
ويدل على ورعه وقلة طمعه في المال والجاه والمنصب امتناعه عن تولي القضاء لما عرض الخليفة المأمون (ت. ٢١٨) عليه ذلك. وتفصيل القصة كما يلي: "أحضر المأمون موسي بن سليمان ومعلى الرازي، فبدأ بأبي سليمان لسنه وشهرته بالورع، فعرض عليه القضاء. فقال: يا أمير المؤمنين، احفظ حقوق الله في القضاء ولا تول على أمانتك مثلي، فإني والله غير مأمون الغضب، ولا أرضى نفسي لله أن أحكم في عباده. قال: صدقت، وقد أعفيناك. فدعا له بخير. وأقبل على معلى، فقال له مثل ذلك. فقال: لا أصلح. قال: ولِمَ؟ قال: لأني رجل أداين فأبيت مطلوباً وطالباً. قال: نأمر بقضاء دينك وتقاضي ديونك، فمن أعطاك قبلناه ومن لم يعطك عوضناك ما لك عليه. قال: ففي شكوك في الحكم وفي ذلك تلف أموال الناس. قال: يحضر مجلسك أهل الدين إخوانك فما شككت فيه سألتهم عنه، وما صح عندك أمضيته. قال: أنا أرتاد رجلاً أوصي إليه من أربعين سنة، ما أجد من أوصي إليه، فمن أين أجد من يعينني على قضاء حقوق الله الواجبة علي حتى أئتمنه على دينك وديني. فأعفاه" (١).
وكان الجوزجاني مقدراً لما يرويه من كتب محمد بن الحسن وآراء أبي حنيفة. فقد روى أحمد بن عطية قال: حدثنا أبو سليمان الجوزجاني قال: "قال لي محمد بن عبد الله قاضي البصرة: نحن أبصر بالشروط من أهل الكوفة. قلت: الإنصاف بالعلماء أحسن، وإنما وضع هذا أبو حنيفة، فزدتم شيئاً ونقصتم وحسنتم تلك الألفاظ، ولكن هاتوا شروطكم وشروط أهل الكوفة قبل أبي حنيفة. فسكت، وقال: التسليم للحق أولى" (٢).
وقد كان هناك إقبال كبير على فقه الإمام أبي حنيفة، خصوصاً بعد تولي أبي يوسف قضاء القضاة في الدولة العباسية. وكان أبو سليمان الجوزجاني الراوية الصدوق والجامع لعلم أبي حنيفة راوياً لذلك عن أبي
_________
(١) أخبار أبي حنيفة للصيمري، ١/ ١٦١؛ وتاريخ بغداد، ١٣/ ٣٦؛ والمنتظم، ١٠/ ٢٤٦، وسير أعلام النبلاء، ١٠/ ١٩٤ - ١٩٥؛ والجواهر المضية، ٢/ ١٨٦.
(٢) أخبار أبي حنيفة للصيمري، ١/ ٨٨.
стр. 88
يوسف ومحمد. لكن كان في المقابل محاولات لأهل الحديث في الحد من هذا الإقبال. قال يحيي بن صالح الوُحاظي (١): "كنت عند أبي سليمان فجاءه كتاب أحمد بن حنبل يذكر فيه: لو تركت رواية كتب أبي حنيفة أتيناك فسمعنا كتب عبد الله بن المبارك" (٢). ويحكي موسي بن حزام الترمذي يقول: "كنت أختلف إلى أبي سليمان الجوزجاني في كتب محمد، فاستقبلني أحمد بن حنبل، فقال: إلى أين؟ قلت: إلى أبي سليمان. فقال: العجب منكم، تركتم إلى النبي ﷺ يزيد عن حميد عن أنس، وأقبلتم على ثلاثة إلى أبي حنيفة ﵀، أبو سليمان عن محمد عن أبي يوسف عنه. قال: فانحدرت إلى يزيد بن هارون" (٣). لكن مع هذا تقدم أن الإمام أحمد قد استفاد المسائل الدقيقة من كتب الإمام محمد. فكان الأخذ والعطاء مستمراً بين العلماء وإن كانوا مختلفين في المنهج على وجه العموم.
ويذكر الفقهاء الأحناف أبا سليمان الجوزجاني في كتبهم كثيراً، وينقلون عنه أقوالاً وتخريجات في المذهب (٤).
قال الذهبي: وله تصانيف (٥). وقال القرشي: من تصانيفه السير الصغير
_________
(١) هو يحيي بن صالح الوُحاظي الحمصي. من أهل الرأي والحديث. سمع مالكاً ومحمد بن الحسن وغيرهما. وكان عديل محمد بن الحسن في الرحلة إلى مكة. توفي سنة ٢٢٢. قال يحيى: قدم علينا أحمد بن حنبل هاهنا يعني حمص فكتب عن الصبيان وترك المشايخ، وذلك أنه لما قدم حمص وجه إلى يحيى: إن تركت الرأي أتيتك، وذلك أن يحيى كان يسمع كتب أهل الرأي، وكان يذهب مذهبهم، فلم يأته أحمد. انظر: طبقات الحنابلة، ١/ ٤٠٢.
(٢) طبقات الحنابلة، ١/ ٤٠٢.
(٣) سير أعلام النبلاء، ١١/ ٢٣١.
(٤) انظر مثلاً لمسألة في الفرائض: الجواهر المضية، ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠. وانظر من كتب الفقه مثلاً: المبسوط، ١/ ٢، ٩، ٩١، ١٢٣، ١٤٤، ١٧٩، ٢٠٨، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٤١؛ ٢/ ١٤٧؛ ٣/ ٧؛ ٦/ ١١٢؛ ٧/ ٢١، ١٤٦، ١٦٥؛ ١٠/ ٢١٧، ٢١٩؛ ١١/ ٢٠؛ ١٢/ ١٥٤؛ ١٧/ ٤٣، ٧٣، ١٣١، ١٥٠؛ ١٨/ ١٠، ٩١، ١٤٩، ١٥٠، ١٥١؛ ٢١/ ١٦٢؛ ٢٦/ ١٤٣؛ ٢٧/ ٥٧؛ ٢٨/ ٢٠٦؛ ٣٠/ ٢٣، ٢٥، ٢٦، ٢٤٤.
(٥) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ١٩٥.
стр. 89
وكتاب الصلاة وكتاب الرهن (١). ولكن ذكر ابن النديم أنه لا مصنف له، وإنما روى كتب محمد بن الحسن (٢). ويظهر أن السير الصغير وكتاب الصلاة وكتاب الرهن مما رواه الجوزجاني عن محمد بن الحسن. فإن هذه الكتب أقسام من كتاب الأصل. ويمكننا أن نضيف إلى مروياته نوادر أبي سليمان. وهي أيضاً مروية عن محمد، لكنها غير ظاهر الرواية. وينقل عنها السرخسي (٣). كما يوجد قسم منها في نسخة الأصل التي في يدنا. وهي نوادر الصوم (٤). وعزا له كاتب جلبي كتاب الحيل (٥). لكن لم نقف على ما يؤيد هذه النسبة. وقد تكون له تصانيف لم يصلنا أسماؤها، فإن له آراء ذكرها الفقهاء الأحناف في كتبهم كما أشرنا إلى ذلك آنفاً.
وقد توفي بعد المائتين (٦).
٢ - أحمد بن حفص
هو أبو حفص البخاري الفقيه العلَّامة، شيخ ما رواء النهر، فقيه المشرق. ولد سنة ١٥٠. ارتحل في طلب العلم، وصحب محمد بن الحسن مدة، وبرع في الرأي. وسمع الحديث من وكيع بن الجراح وأبي أسامة وهشيم بن بشير وجرير بن عبد الحميد وهذه الطبقة. واشتهر بفقهه وورعه وعمله حتى عده بعضهم من المجددين على رأس المائة الثانية. وكان على معرفة وصلة بإسماعيل والد الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح. وكانت بينه وبين محمد بن سلام البيكندي الحافظ مودة وأخوة مع مخالفة كل واحد منهما للآخر في المذهب، أي أن هذا من أهل الرأي
_________
(١) الجواهر المضية، ٢/ ١٨٦ - ١٨٧.
(٢) الفهرست، ٢٩٠.
(٣) انظر: المبسوط، ١/ ١٧٩، ٢٢٢، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٤١، ٢/ ١٣، ١٥، ١٦، ٤٠، ٤٥، ٦٦، ٧٣؛ ٣/ ٢٠٩.
(٤) انظر: ١/ ١٥٣ ظ- ١٥٥ ظ، ١٥٦ و -١٥٧ و.
(٥) كشف الظنون، ٢/ ١٤١٥.
(٦) الجواهر المضية (بتحقيق: عبدالفتاح الحلو)، ٥١٨٣. وقد حرفت في الطبعة القديمة إلي "الثمانين". انظر: الجواهر المضية، ٢/ ١٨٦.
стр. 90
وذاك من أهل الحديث. ولم يشتغل أبو حفص برواية الحديث، فقلت الرواية عنه لذلك (١). وهو معروف عند الحنفية بأبي حفص الكبير (٢). وقد انتهت إليه رئاسة الأحناف ببخارى (٣). وذكر السرخسي وغيره أنه قدم محمد بن إسماعيل البخاري بخارى في زمن أبي حفص الكبير وجعل يفتي، فنهاه أبو حفص وقال: لست بأهل له. فلم ينته حتى سئل عن صبيين شربا من لبن شاة أو بقرة، فأفتي بثبوت الحرمة، فاجتمع الناس عليه وأخرجوه من بخارى (٤). لكن استبعد اللكنوي وقوع هذه القصة بالنسبة إلى جلالة قدر البخاري ودقة فهمه مما لا يخفى على من طالع صحيح البخاري (٥). وقد روى أبو حفص كتاب الحيل عن الإمام محمد (٦). لكن الجوزجاني كان ينكر نسبة كتاب الحيل إلى الإمام محمد (٧). ومع ذلك فقد قبله الحاكم والسرخسي وأدخلاه في كتابيهما. وأبو حفص ليس راوي كتاب الحيل في النسخ التي بأيدينا. وقد روى أبو حفص كتاب الأصل عن الإمام محمد، واشتهرت روايته. وقد روي عن الإمام محمد أنه قال: "لم يحمل عني هذا الكتاب أحد أصح مما احتمله البخاري، ولم يستقص أحد مثل استقصائه" (٨). وأخذ الفقه عنه جماعة لا يحصون ببخارى ونواحيها (٩). ومن بينهم ابن محمد، وستأتي ترجمته. وقد بقي جزء كبير من كتاب الأصل مروياً من طريقه في النسخ التي بأيدينا. وعول على روايته الحاكم والسرخسي في كثير من المواضع، لكنها تأتي في الدرجة الثانية بعد رواية
_________
(١) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ١٥٧ - ١٥٩؛ وتاريخ الإسلام للذهبي، ١٥/ ٣٩ - ٤١.
(٢) الجواهر المضية، ١/ ٦٧.
(٣) سير أعلام النبلاء، ١٢/ ٦١٩.
(٤) المبسوط، ٢٩٧/ ٣٠؛ والجواهر المضية، ١/ ٦٧؛ وفتح القدير، ٣/ ٤٥٧.
(٥) الفوائد البهية، ١٨ - ١٩.
(٦) المبسوط، ٣٠/ ٢٩٧؛ وفتح الباري، ١٢/ ٣٣١.
(٧) المبسوط، ٣٠/ ٢٠٩.
(٨) مناقب أبي حنيفة للكردري، ٤٢٥.
(٩) الجواهر المضية، ١/ ٦٧.
стр. 91
أبي سليمان الجوزجاني. وروى أبو حفص أيضاً نوادر عن الإمام محمد (١). كما أن له فتاوى أبي حفص الكبير (٢)، وفوائد أبي حفص الكبير (٣). ويذكر الفقهاء الأحناف أقواله في كتب المذهب (٤). وله اختيارات يخالف فيها جمهور الحنفية (٥). وكان له مسجد ينسب إليه، حتى إن بعض علماء الأحناف استدل على اختيار الإخفاء في قنوت الوتر للمنفرد بأن ذلك هو المتوارث في مسجد أبي حفص الكبير (٦). وقد نقلت عنه بعض الأقوال في الزهد والتصوف (٧). مات أبو حفص ببخارى في المحرم سنة ٢١٧ (٨). وكان قبره معروفًا ببخارى يزار، ويسمى التل المدفون عنده بتل أبي حفص الكبير (٩). وقد استمر نسله من بعده في خدمة الفقه والعلم حتى القرن الرابع الهجري، وربما بعد ذلك أيضاً (١٠).
٣ - داود بن رشيد
هو أبو الفضل الهاشمي مولاهم، أصله خوارزمي من أهل خراسان. ولد في حدود سنة ١٥٩. وهو من أصحاب محمد بن الحسن، ومن
_________
(١) انظر مثلاً: بدائع الصنائع، ١/ ١٨٤.
(٢) البحر الرائق، ٢/ ٣٠٨.
(٣) كشف الظنون، ٢/ ١٢٩٤؛ وحاشية ابن عابدين، ٤/ ٥٣٤.
(٤) انظر مثلاً: المبسوط، ١/ ٧٠؛ ٣/ ١٧٦؛ والفتاوى الهندية، ١/ ٩٢، ١٢٣؛ ٢/ ٢٦٣، ٢٦٩؛ ٥/ ٢٩٩؛ ٦/ ١٤٣.
(٥) الفوائد البهية، ١٨. منها أن نية الإمامة للإمام شرط للاقتداء، وهذا اختيار الكرخي والثوري وإسحاق وأحمد في المشهور. انظر: نفس المصدر.
(٦) فتح القدير، ١/ ٤٣٨.
(٧) شعب الإيمان للبيهقي، ٧/ ٢١٨؛ وإغاثة اللهفان لابن قيم الجوزية، ١/ ١٢٥.
(٨) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ١٧٥ - ١٥٩؛ وتاريخ الإسلام للذهبي، ١٥/ ٣٩ - ٤١.
(٩) التحبير في المعجم الكبير، ١/ ٧١؛ ٢/ ١٨٢، والجواهر المضية، ٢/ ٩٣؛ والضوء اللامع، ٢/ ١٩٥.
(١٠) فمن أحفاده محمد بن أحمد البخاري (ت.٣٧٣). قال الحاكم النيسابوري: كانت الفتوى والرئاسة في بيوتهم من وقت محمد بن الحسن. انظر: الجواهر المضية (تحقيق: عبدالفتاح الحلو)، ٣/ ٥٩.
стр. 92
أصحاب حفص بن غياث أيضاً. سكن بغداد. رحل في طلب الحديث، وروى عن جماعة كثيرين. وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وغيرهم. وهو محدث ثقة مشهور نبيل كثير الحديثد وكان صاحب عبادة وتهجد. وله نوادر في الفقه الحنفي. وله جزء في الحديث يعرف باسمه. عمي في آخر عمره. مات ببغداد يوم الجمعة لسبع خلون من شعبان سنة ٢٣٩ (١). وهو راوي كتاب العشر عن محمد بن الحسن.
٤ - محمد بن هارون الأنصاري
هو راوي كتاب الحيل عن محمد بن الحسن. وأظن أنه أبو عبدالرحمن موسي بن هارون الأنصاري القُهُنْدُزي البخاري، كان من أهل العلم. روى عن عبد الله بن المبارك (ت. ١٨١) وسفيان بن عيينة والفضيل بن عياض وغيرهم، وروى عنه سعيد بن جناح وأسباط بن اليسع (ت. ٢٦٣) البخاريان (٢). ولم نستطع الجزم بذلك؛ لأن المصادر التي ترجمت له لم تذكر أن له رواية عن محمد بن الحسن.
٥ - عبد الله
هو راوي كتاب الشرب عن محمد بن الحسن. ولم يذكر اسمه صريحاً. لكن في أول كتاب الشرب: "أخبرنا أبو عبد الله ﵀ قال: حدثني حمدان بن عبد الله قال: أخبرني أبي ﵀ عن محمد بن الحسن". ولم أستطع تعيينه. وهناك عبد الله بن أبي حنيفة الدوسي (٣) روى
_________
(١) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٤٩؛ والتاريخ الكبير للبخاري، ٣/ ٢٤٤؛ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ٣/ ٤١٢؛ وتاريخ بغداد، ٨/ ٣٦٧؛ والتعديل والتجريح لأبي الوليد الباجي، ٢/ ٥٦٥؛ وتاريخ دمشق، ١٧/ ١٣٥؛ واللباب في تهذيب الأنساب، ١/ ٤٦٧؛ وتهذيب الكمال، ٨/ ٣٨٨؛ والعبر للذهبي، ١/ ٤٢٩؛ وسير أعلام النبلاء، ١١/ ١٣٣؛ والوفيات لمحمد بن رافع السلامي، ٢/ ٣٧٨؛ والجواهر المضية، ١/ ٢٣٧؛ وتهذيب التهذيب، ٣/ ١٥٩ وشذرات الذهب، ٢/ ٩١؛ وكشف الظنون، ٢/ ١٩٨١.
(٢) الأنساب، ٤/ ٥٦٦؛ ومعجم البلدان، ٤/ ٤١٩؛ واللباب في تهذيب الأنساب، ٣/ ٦٦.
(٣) وقال الذهبي: الدبوسي. انظر: العلو للعلي الغفار، ١٥٣. وذكر السمعاني في إسناد رواية أخرى عبد الله بن أبي حنيفة الدبوسي. انظر: الأنساب، ٤/ ١٢٧. ولعله الأصح.
стр. 93
عن محمد بن الحسن كلاماً في العقائد (١). وكذلك روى عن محمد بن الحسن كلاماً له في العقائد عبدالله بن عثمان، ولقبه: عبدان، كان شيخ مرو في زمانه (٢). وهو محدث مشهور يروي كتب ابن المبارك وغيره. ووثقه المحدثون. توفي سنة ٢٢٠ (٣). ومن المحتمل أن يكون أبو عبد الله المذكور في أول السند هو محمد بن أحمد بن حفص الآتية ترجمته، ويكون أبو عبد الله هذا روى كتاب الشرب عن حمدان بن عبد الله عن أبيه أي أحمد بن حفص، وليس أبا حمدان. وحينئذٍ لا يكون هناك وجود لراو اسمه عبد الله لكتاب الشرب. وهو وإن كان احتمالاً بعيداً إلا أن كنية أبي عبد الله مستعملة عدة مرات في أسانيد الكتاب مقصوداً به محمد بن أحمد بن حفص، وهو يروي الكتب عن أبيه أحمد بن حفص. لكنه قد يكون روى كتاب الشرب بواسطة حمدان بن عبد الله عن أبيه، لأنه لم يكن سمعه من والده أو بسبب آخر.
٦ - زياد بن عبد الرحمن
وهو راوي كتاب الزكاة عن أبي سليمان. لعله زياد بن عبدالرحمن أبو محمد النيسابوري، وهناك محلة بنيسابور تنسب إليه. رحل إلى الكوفة، وروى الحديث. ولم يذكر الذهبي أي علاقة له بالفقه. توفي سنة ٢٤٧ (٤). ويحتمل أن يكون القائل: حدثنا زياد بن عبد الرحمن هو حامد بن محمود بن معقل النيسابوري، حيث يذكر القرشي أنه كان يروي كتب محمد بن الحسن عن زياد بن عبد الرحمن عن أبي سليمان موسى الجوزجاني عن محمد بن الحسن، وأنه روى عنه أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه شيخ الحنفية بنيسابور، وأنه توفي سنة ٣١٩ (٥).
_________
(١) اعتقاد أهل السنَّة للالكائي، ٣/ ٤٣٢.
(٢) الغنية عن الكلام للخطابي، ٣٣.
(٣) تهذيب التهذيب، ٥/ ٢٧٤.
(٤) تاريخ الإسلام، ١٨/ ٢٧٦.
(٥) الجواهر المضية، ١/ ١٨٣.
стр. 94
٧ - أبو جعفر محمد بن سعدان
وهو راوي كتاب الصوم عن أبي سليمان. ولم أجد بين الفقهاء الحنفية من اسمه محمد بن سعدان في هذه الطبقة. وقد روى محمد بن سعدان عن أبي سليمان منقبة لأبي حنيفة، وأخرى لأبي يوسف (١). وهناك أبو جعفر محمد بن سعدان الكوفي، من علماء القراءات والنحو، توفي سنة ٢٣١ (٢). وأبو جعفر محمد بن سعدان البزاز، من المحدثين، توفي سنة ٢٧٧ (٣). لكن لا نستطيع الجزم بأن أحدهما هو المذكور في السند، وإن كان الأول أقرب احتمالاً.
٨ - أبو بكر محمد بن عثمان
وهو راوي كتاب الصوم عن أبي جعفر محمد بن سعدان عن أبي سليمان؛ وكتاب الصرف عن أبي عبد الله محمد بن عمار الكريبي عن أبي سليمان. ولم أستطع تعيينه، وإن كان يوجد عدد من العلماء والرواة على هذا الاسم والكنية في كتب التراجم. يمكن أن يذكر منهم أبو بكر محمد بن عثمان النحوي الملقب بالجعد (ت.٢٨٨) (٤)، وأبو بكر محمد بن عثمان الإمام القارئ (ت. ٣٥٨) (٥)، وأبو بكر محمد بن عثمان بن سمعان المعدّل الحافظ (ت. قبل ٣٣٠) (٦).
٩ - أبو الحسن محمد بن الحسن
وهو راوي كتاب الصوم عن أبي بكر محمد بن عثمان عن أبي جعفر
_________
(١) تاريخ بغداد، ١٣/ ٣٤١؛ وسير أعلام النبلاء، ٨/ ٥٣٨.
(٢) الفهرست، ٢٠٤؛ وتاريخ بغداد، ٥/ ٣٢٤؛ والبلغة، ١٩٧.
(٣) تاريخ بغداد، ٥/ ٣٢٥.
(٤) تاريخ بغداد، ٣/ ٤٧؛ ونزهة الألباب في الألقاب لابن حجر، ١/ ١٧٢.
(٥) مولد العلماء ووفياتهم للربعي، ٢/ ٦٣٨.
(٦) سؤالات السلفي، ١١٢. وانظر لأشخاص على نفس الاسم والكنية مثلاً: تاريخ بغداد، ٣/ ٤٧ - ٤٩، ٥٢.
стр. 95
محمد بن سعدان عن أبي سليمان. ولم أستطع تعيينه وإن كان يوجد عدد من العلماء والرواة على هذا الاسم في كتب التراجم. فمثلاً من الممكن أن يُذكر منهم أبو الحسن محمد بن الحسن بن أبي الشوارب قاضي بغداد (ت. ٣٤٧) (١)، وأبو الحسن محمد بن الحسن النيسابوري الحافظ (ت. ٣٥٥) (٢)، وأبو الحسن محمد بن الحسن الحنفي الكوفي من شيوخ أبي نعيم الأصبهاني (ت. ٤٣٠) (٣).
١٠ - أبو عصمة
وهو راوي كتابي التحري والحجر عن أبي سليمان. هو سعد بن معاذ المروزي، روى عن أبي سليمان، وروى عنه أبو أحمد نبهان بن إسحاق بن مقداس (ت. ٣١٠). وذكر صاحب الهداية في الغصب والكراهية أبا عصمة هذا بالكنية، ولعله سعد بن معاذ هذا. وقد صرح حافظ الدين النسفي والسغناقي في شرحيهما على الهداية في الكراهية بأنه سعد بن معاذ المروزي هذا، وأما في الغصب فصرح السغناقي بأنه المروزي، ولم يذكر الاسم، ولعله هو سعد بن معاذ هذا. والمروزي أيضاً يقال لأبي عصمة نوح بن أبي مريم صاحب الإمام، لكن الظاهر أنه سعد بن معاذ (٤). وذكر القرشي أيضاً أنه روى عنه محمد بن أحمد بن موسي بن سلام أبو جعفر القاضي البخاري البَرْكَدي (ت. ٢٨٩) (٥). وروى أبو عصمة عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قصة ذكرها الخطيب (٦). وله أقوال وروايات ذكرها السرخسي وغيره
_________
(١) تاريخ بغداد، ٢/ ٢٠٠.
(٢) سير أعلام النبلاء، ١٦/ ٦٦؛ وتذكرة الحفاظ، ٣/ ٨٨٥.
(٣) يروي عنه أبو نعيم في المسند الذي جمعه لأبي حنيفة، انظر: مسند أبي حنيفة، ١٩٦، ٢٣٨، ٢٤٥. وانظر لأشخاص على نفس الاسم والكنية مثلاً: تاريخ بغداد، ٢٠٩/ ٢، ٢١٦، ٢٣١.
(٤) الجواهر المضية، ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨.
(٥) الجواهر المضية، ٢/ ٢٥ - ٢٦.
(٦) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٤.
стр. 96
من الفقهاء الأحناف في كتبهم (١).
١١ - أبو عبد الله محمد بن عمار الكريبي
وهو راوي كتاب الصرف عن أبي سليمان. ولم أجد محمد بن عمار الكريبي في كتب التراجم. لكن هناك من المحدثين محمد بن عمار بن فروخ بن شبيب، أبو عبد الله البغدادي، حدث بحلب عن الحسن بن عرفة (ت. ٢٥٧)، روى عنه أحمد بن إسحاق بن محمد بن يزيد القاضي الحنفي (ت. ٣٦٠) (٢)، فلعله هو. وذكر القرشي في ترجمة أبي عمرو الطبري أنه جُمع بين داود بن علي الأصفهاني (ت. ٢٧٠) وبين محمد بن علي بن عمار الكريبي ببغداد في مسجد الجامع يتناظران في خبر الواحد، وكان الكريبي ينفي العمل به … (٣). وقد ينسب الرجل إلى جده أحياناً كما هو معروف.
١٢ - أبو عبد الله
وهو راوي كتب الصيد والوصايا والحوالة والكفالة والصلح عن أبيه أحمد بن حفص. هو محمد بن أحمد بن حفص بن الزبرقان البخاري مولى بني عجل، عالِم ما وراء النهر، شيخ الحنفية. تفقه بوالده العلَّامة أبي حفص الكبير. قال أبو عبدالله بن منده: كان عالِم أهل بخارى وشيخهم. ولما أُخرج الإمام محمد بن إسماعيل البخاري من بخارى بسبب مسألة اللفظ (أي قوله: لفظي بالقرآن مخلوق) أخرجه محمد بن أحمد بن حفص إلى بعض رباطات بخارى، فبقي هناك لفترة. قال ابن منده: نسخة كتاب أبي عبدالله بن أبي
_________
(١) انظر مثلاً: المبسوط، ١/ ٧١، ١٧٦، ١٩٢، ٢/ ٣٩، ٣/ ١٤٨، ١٤٩، ٤/ ٢٢١، ٧/ ١٤٠، ١٤١، ١٠/ ١٤٦، ١٢/ ٩٨، ٩٩، ١٥/ ٤٩؛ وتحفة الفقهاء، ١/ ٢٢٣؛ وبدائع الصنائع، ١/ ٤٠، ٢١٧، ٢٢٦، ٢٧٧؛ والهداية، ٤/ ١٧، ٤/ ٨٤؛ وفتح القدير، ١/ ٧٨، ١٧٥، ١٧٦؛ والبحر الرائق، ١/ ٧٩، ٢١٩، ٣٩٢، ٨/ ١٣٤؛ وحاشية ابن عابدين، ١/ ٢٨٥.
(٢) تاريخ بغداد، ٣/ ١٤١. وانظر لترجمة أحمد بن إسحاق: الجواهر المضية، ١/ ٦٠.
(٣) الجواهر المضية، ١/ ١١١.
стр. 97
حفص في الرد على اللفظية: الحمد لله الذي حمد نفسه وأمر بالحمد عباده … فسرد كتاباً في ذلك. وكان قد ارتحل لسماع الحديث، وسمع من أبي الوليد الطيالسي والحميدي وأبي نعيم عارم ويحيى بن يحيى والتبوذكي وعبد الله بن رجاء وطبقتهم، ورافق البخاري في الطلب مدة. وروى عنه أبو عصمة أحمد بن محمد اليشكري وعبدان بن يوسف وعلي بن حسن بن عبدة وطائفة، آخرهم وفاة أحمد بن خالد البخاري. وله كتاب الأهواء والاختلاف. وكان ثقةً إماماً ورعاً زاهداً ربانياً صاحب سنَّة واتباع. وأبو نعيم هو أكبر شيوخه في الحديث. وكان يقول بتحريم النبيذ المسكر. وانتهت إليه رئاسة الأحناف ببخارى بعد والده وتفقه عليه أئمة. توفي في رمضان سنة ٢٦٤ (١).
١٣ - أبو سهل محمد بن عبد الله بن سهل بن حفص
وهو راوي كتاب الوصايا عن محمد بن أحمد بن حفص عن أبيه. ولم أجد ترجمة لأبي سهل، لكنه يتكرر ذكره بين أسماء رواة الحديث (٢).
١٤ - سعيد
وهو راوي كتاب السرقة عن أبي سليمان. ولعله تحريف سعد، وهو سعد بن معاذ المروزي أبو عصمة الذي تقدم قريباً.
١٥ - حمدان بن عبد الله
وهو راوى كتاب الشرب عن أبيه عن محمد بن الحسن. ولم أقف عليه.
١٦ - أبو عبد الله
وهو راوي كتاب الشرب عن حمدان بن عبد الله عن أبيه. ولم أقف عليه. ومن المحتمل أن يكون أبو عبد الله هذا هو محمد بن أحمد بن حفص
_________
(١) سير أعلام النبلاء، ١٢/ ٦١٨ - ٦١٩.
(٢) انظر مثلاً: تاريخ بغداد، ٤/ ١٨٤، ٩/ ٨٤؛ والإكمال لابن ماكولا، ٢/ ١٧٨، ٤/ ٤٥.
стр. 98
السابق ذكره (١).
١٧ - أبو نصر زكريا بن يحيى
وهو راوي كتاب العقل، واسمه مذكور في آخر كتاب العقل، حيث ذكر في أواخر كتاب العقل أن كتاب أبي نصر زكريا بن يحيى انتهى، وأن الباقي زيادة في كتاب ابن سنان. ولم أجد له ترجمة. لكن ذكر القرشي أبا يحيى زكريا بن يحيى بن الحارث الإمام النيسابوري المزكي البزار الفقيه، أحد مشايخ الحنفية الكبار، وأحد العباد. سمع إسحاق بن راهويه بخراسان وغيره. قال الحاكم في تاريخ نيسابور: حُدثنا عنه، وله تصانيف كثيرة في الحديث. مات يوم السبت لخمس ليال بقين من ربيع الَاخر سنة ٢٩٨ (٢). فقد يكون هو. وأبو نصر يمكن أن يكون محرفاً من أبي يحيى. وذكر ابن نجيم قولاً لأبي نصر بن يحيى في مسألة في الوصايا (٣). وهناك أبو سعيد يحى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني الوادعي مولاهم الكوفي (ت. ١٨٣)، من أصحاب الإمام أبي حنيفة، وكان يكتب كتب أبي حنيفة لأصحابه لمدة ثلاثين سنة (٤). وكان من حفاظ المحدثين الثقات، روى له الستة. وتولى القضاء بالمدائن (٥). فهو من أقران الإمام محمد.
١٨ - ابن سنان
وهو راوي كتاب العقل، واسمه مذكور في آخر كتاب العقل. ولم أستطع تعيينه. ومن الأحناف جماعة أسماؤهم ابن سنان ذكرهم القرشي، وأكثرهم من عائلة واحدة (٦). فمنهم إسحاق بن البهلول بن حسان بن سنان
_________
(١) وانظر ما تقدم قريباً عند الراوي المسمى عبد الله.
(٢) الجواهر المضية، ١/ ١٤٥.
(٣) البحر الرائق، ٨/ ٤٧٩.
(٤) الجواهر المضية، ١/ ١٤٠.
(٥) تهذيب التهذيب، ١١/ ١٨٣.
(٦) انظر: الجواهر المضية، ١/ ٥٧، ١٧٣، ٢٤٠، ٣٦٩، ٣٨٢، ٤١١، ٢/ ١٤٨، ١٨٧، ٢٠٧، ٢٢٢، ٢٣٤.
стр. 99
الأنباري البغدادي، أخذ الفقه عن الحسن بن زياد والهيثم بن موسى صاحب أبي يوسف. وهو صاحب حديث أيضاً. له المسند، وكتاب في القراءات. وله في الفقه كتاب المتضاد. توفي سنة ٢٥٢ (١). وابنه أحمد بن إسحاق، فقيه حنفي، ومحدث ثقة، تولى القضاء بالأنبار وبمدينة المنصور من بغداد، توفي سنة ٣١٩ (٢).
١٩ - أبو ساهر
وهو راوي كتاب الحيل عن محمد بن هارون الأنصاري عن محمد بن الحسن. لم أجد له ترجمة. وقد يكون محرفاً من أبي طاهر كنية أسباط بن اليسع البصري، نزيل بخارى. روى عن محمد بن هارون الأنصاري وأحمد بن حفص وغيرهما. وروى عنه حامد بن بلال المؤدب وغيره. توفي سنة ٢٦٣ (٣).
٢٠ - محمد بن حمدان
وهو راوي كتاب الحيل عن أبي ساهر عن محمد بن هارون الأنصاري عن محمد بن الحسن. ولم أستطع تعيينه. وقد ذكر القرشي أبا بكر محمد بن حمدان السويحي خلال ترجمة شخص آخر (٤). لكنه ليس من هذه الطبقة على ما يظهر. لأنه يذكر أن شمس الأئمة الحلواني يروي عنه. والحلواني توفي سنة ٤٤٨. فهو بعيد عن هذه الطبقة. وقد ترجم الخطيب البغدادي لجماعة أسماؤهم محمد بن حمدان (٥). وليس من بينهم من هو منسوب إلى الأحناف. وهناك محمد بن حمدان الطيالسي روى عن أحمد بن الصلت عن
_________
(١) الجواهر المضية، ١/ ١٣٧.
(٢) أطال الخطيب في ترجمته. انظر: تاريخ بغداد، ٤/ ٣٠ - ٣٣. ونقل ذلك القرشي. انظر: الجواهر المضية، ١/ ٥٧ - ٥٩.
(٣) فتح الباب في الكنى والألقاب لابن منده، ٤٥٣؛ وتهذيب الكمال، ٢/ ٣٦٠؛ وتهذيب التهذيب، ١/ ١٨٦.
(٤) الجواهر المضية، ٢/ ١٠٣.
(٥) تاريخ بغداد، ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٨.
стр. 100
بشر بن الوليد عن أبي يوسف (١)
٢١ - محمد بن حمدان
وهو راوي كتاب المزارعة عن أبي سليمان. ويمكن أن يكون هو الذي قبله، لكن الأظهر أنه شخص آخر، لأن طبقة هذا أقدم من الذي قبله.
٢٢ - أبو مطيع
وقد مر ذكر اسمه في أواخر كتاب الشهادات، حيث قيل هناك: لم يرو أبو مطيع من هاهنا. أي أنه لم يرو باقي كتاب الشهادات إلى آخره. وهذا يشبه ما ذكر في أواخر كتاب العقل، حيث ذكر هناك أن كتاب أبي نصر زكريا بن يحيى انتهى، وأن الباقي زيادة في كتاب ابن سنان (٢). ولم نستطع تعيين أبي مطيع هذا. فهناك أبو مطيع البلخي (ت. ١٩٩)، واسمه الحكم بن عبد الله، وكان قاضي بلخ ست عشرة سنة، وهو من تلاميذ أبي حنيفة، وراوي كتاب الفقه الأكبر عنه، وكان ابن المبارك يجله (٣). لكن لم تذكر المصادر أن له رواية عن محمد بن الحسن أو أبي يوسف. وهناك أبو مطيع النسفي مكحول بن الفضل (ت. ٣٠٨)، من فقهاء الأحناف المحدّثين. وقيل بأن اسمه محمد بن الفضل ومكحول لقبه. وصفه الذهبي بأنه: الحافظ الرحال الفقيه، صاحب كتاب اللؤلؤيات في الزهد والآداب. روى عن داود الظاهري وأبي عيسى الترمذي وعبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن أيوب بن الضريس ومطيق وخلق كثير. روى عنه أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل (٤).
_________
(١) أخبار أبي حنيفة للصيمري، ١٨؛ والتدوين في أخبار قزوين، ٣/ ٢٦١.
(٢) وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك قريباً.
(٣) الجواهر المضية (تحقيق: عبدالفتاح الحلو)، ٤/ ٨٧ - ٨٨.
(٤) سير أعلام النبلاء، ١٥/ ٣٣؛ والجواهر المضية (تحقيق: عبدالفتاح الحلو)، ٣/ ٤٩٨ - ٤٩٩.
стр. 101
٥ - طريقة تأليف الكتاب وأسلوب المؤلف فيه
أ - تأليف الكتاب على هيئة كتب مستقلة في البداية
لقد ألف الإمام محمد بن الحسن الشيباني كتاب الأصل كما ذكرنا على هيئة كتب مستقلة، فكل كتاب من كتب الأصل مثل كتاب الصلاة والزكاة والصوم … إلخ كان كتاباً مستقلاً كما ذكر كاتب جلبي (١). وذكر ابن النديم أسماء الكتب الفقهية على حدة، فقال: ولمحمد من الكتب: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب المناسك، كتاب نوادر الصلاة، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب العتاق وأمهات الأولاد، كتاب السلم والبيوع، كتاب المضاربة الكبير، كتاب المضاربة الصغير، كتاب الإجارات الكبير، كتاب الإجازات الصغير، كتاب الصرف، كتاب الرهن، كتاب الشفعة، كتاب الحيض، كتاب المزارعة الكبير، كتاب المزارعة الصغير، كتاب المفاوضة وهي الشركة، كتاب الوكالة، كتاب العارية، كتاب الوديعة، كتاب الحوالة، كتاب الكفالة، كتاب الإقرار، كتاب الدعوى والبينات، كتاب الحيل، كتاب المأذون الصغير، كتاب القسمة، كتاب الديات، كتاب جنايات المدبر والمكاتب، كتاب الولاء، كتاب الشرب، كتاب السرقة وقطاع الطريق، كتاب الصيد والذبائح، كتاب العتق في المرض، كتاب العين والدين، كتاب الرجوع عن الشهادات، كتاب الوقوف والصدقات، كتاب الغصب، كتاب الدور، كتاب الهبة والصدقات، كتاب الأيمان والنذور والكفارات، كتاب الوصايا، كتاب حساب الوصايا، كتاب الصلح والخنثى والمفقود، كتاب الإكراه، كتاب الاستحسان، كتاب اللقيط، كتاب اللقطة، كتاب الآبق، كتاب التحري، كتاب المعاقل (٢). وهذه الكتب معظمها موجودة في نسخ الأصل، ولم تذكر بعضها في نسخ الأصل الموجودة اليوم بسبب ضياعها، وبقي بعض تلك الكتب على شكل مختصر في الكافي للحاكم الشهيد. وقد جمعت هذه الكتب التي ذكرها ابن النديم فيما بعد إما عن طريق محمد بن الحسن بنفسه وإما عن طريق تلاميذه الذين رووا هذه الكتب عنه تحت اسم
_________
(١) كشف الظنون، ٢/ ١٥٨١.
(٢) الفهرست، ٢٨٧ - ٢٨٨.
стр. 102
كتاب الأصل أو المبسوط. واختلاف ترتيب كتب الأصل باختلاف النسخ قد يدل على أن الإمام لم يجمع هذه الكتب تحت عنوان كتاب واحد. وترى اختلاف الترتيب هذا واضحاً في وصف النسخ حيث ذكرنا ما بداخل النسخ من الكتب وترتيبها. كما يوجد اختلاف في ترتيب الكتب الفقهية بين نسخ الأصل وبين الكافي للحاكم الشهيد والمبسوط للسرخسي.
ب - إعادة تأليف الكتاب من قبل مؤلفه
وهناك نقطة أخرى مهمة، وهي أن الإمام محمد بن الحسن قد أعاد النظر فيما ألفه بعد أن انتهى من تأليف كتبه، وأعاد تأليفها مرة أخرى، لكنه لم ينته من إعادة النظر في جميع كتبه كما يقول السرخسي (١). وهذا قد يفسر الاختلاف الواقع بين كتب الفقه المختلفة في كتاب الأصل من حيث تنوع الأسلوب، واختلاف الرأي أحياناً أحزى.
ج - أسلوب الكتاب العلمي والمنهجي
١ - اختلاف الأسلوب بين السؤال والجواب وبين سرد المسائل
يوجد في كتاب الأصل أسلوبان يمكن تمييزهما بوضوح. ففي بعض الكتب الفقهية تُسرد المسائل على طريقة السؤال والجواب: قلت … قال … ، وفي بعضها الآخر تُسرد بدون سؤال وجواب. فكتب الصلاة والزكاة والهبة والصيد والذبائح والمكاتب والجنايات والحدود والسرقة والسير والوديعة والعارية وجعل الآبق والحيل واللقطة والغصب مكتوبة على طريقة السؤال والجواب. أما كتب الحيض والتحري والاستحسان والبيوع والسلم والرهن والقسمة والمضاربة والرضاع والعتاق والعتق في المرض والوصايا والفرائض والولاء والديات والدور والخراج والدعوى والبينات والإقرار والعبد المأذون والمفقود والوقف فهي على طريقة سرد المسائل بدون السؤال والجواب. أما باقي الكتب فقد امتزجت فيها الطريقتان، والتفصيل كما يلي:
كتاب الصوم، مؤلف على طريقة السؤال والجواب إلى باب
_________
(١) المبسوط، ٣٠/ ٢٨٧.
стр. 103
الاعتكاف، ثم يبدأ سرد المسائل بدون سؤال وجواب.
كتاب الأيمان، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا في موضع واحد فيه سؤال وجواب.
كتاب الصرف، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا مواضع قليلة فيها سؤال وجواب. وورد في كتاب الصرف قوله: "سألت أبا حنيفة"، و"سألت أبا يوسف" في بعض المواضع.
كتاب الإجارات، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب في ثلثيه تقريباً، والثلث منه تقريباً على طريقة السؤال والجواب. والأسئلة الواردة فيه مفصلة ومعقدة نوعاً ما، وأسلوبها يختلف عن أسلوب الأسئلة في الكتب الأخرى. فيبدأ الأسلوب في الاختلاف في أواسط باب إجارة الدور ويتحول من سرد المسائل إلى طريقة السؤال والجواب، لكن بأسلوب مختلف، ليس على قلت … قال … ، لكن يبتدئ السؤال مثلاً بقوله: "رجل تكارى … ما القول فيه؟ قال … " ويستمر هكذا في مسائل كثيرة، وفي كثير منها يقول: "على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد". وفي بعضها يقول: "على قياس قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف ومحمد". وفي بعضها: "وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد". ويتكرر تغير الأسلوب هذا فيما بعد في باب استئجار الحمامات.
كتاب الشركة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد، والسؤال المذكور فيه مفصل جداً، يشمل نصف صفحة تقريباً، وهو يشبه أسلوب الأسئلة المذكورة في كتاب الإجارات.
كتاب الطلاق، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد. وفيه باب مستقل في مناقشة وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة. ويحتج للمسألة بذكر أسئلة وأمثلة كثيرة.
كتاب الإكراه، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أن فيه في عدة مواضع سؤال وجواب على طريقة المناقشة والاحتجاج: "فإن قال قائل … قيل له … " وأسلوبه يشبه أسلوب كتاب الحيض.
стр. 104
كتاب السير، مؤلف على طريقة السؤال والجواب، إلا أن الأسلوب يختلف قليلاً في آخره تحت عنوان:"ما زاد محمد في آخر كتاب السير". ففي أوله يستمر على طريقة السؤال والجواب بأسلوب يخالف أسلوب "قلت، قال"، حيث يقول: "سألت أبا حنيفة، قال"، ويقول: "وسألته، قال". ثم يتحول إلى طريقة السرد. ولكن هذا الباب لا يشكل سوى بضع صفحات في آخر كتاب السير.
كتاب العشر، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أن في آخره سؤالين فقط بلفظ: "قيل لمحمد بن الحسن، قال … قيل له، قال … " وهو أسلوب يختلف عن باقي الكتاب. وذلك ناشئ من اختلاف الراوي. فراوي كتاب العشر داود بن رشيد، وكتاب العشر هو الكتاب الوحيد الذي رواه. ثم يدل هذا أيضاً أن شخصاً آخر سأل محمد بن الحسن السؤالين المذكورين، وإلا كان الأولى أن يقول: قلت أو سألت.
كتاب الشرب، توجد فيه الطريقتان. وفيه: "عن محمد قال: سألت أبا يوسف … " عدة مرات.
كتاب الحجر، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أن فيه في عدة مواضع أسلوب المناقشة والاحتجاج: "فإن قال قائل … قيل له … ".
كتاب الشفعة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب غالباً، وفي بعض المواضع يتحول إلى السؤال والجواب.
كتاب الخنثى، توجد فيه الطريقتان.
كتاب العقل، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أن فيه في عدة مواضع: "فإن قال قائل … قيل له … ، قالوا … قيل لهم"، على سبيل المناقشة.
كتاب المزارعة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد فيه سؤال وجواب.
стр. 105
كتاب النكاح، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضعين على طريقة السؤال والجواب.
كتاب الحوالة والكفالة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أنه يبتدئ عرض المسائل في بداية الكتاب بقوله: "محمد عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن الرجل يكفل بنفس الرجل … قال: نعم … " ثم يستمر في عرض المسائل على طريقة السرد بدون سؤال وجواب.
كتاب الصلح، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب غالباً، وفي بعض المواضع على طريقة السؤال والجواب. ويلاحظ أن لفظي السؤال والجواب: قلت، قال، حذف في أكثرها، لكن السياق يدل على وجودها قبل ذلك.
كتاب الوكالة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد.
كتاب الشهادات، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد.
كتاب الرجوع عن الشهادات، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد.
كتاب الصدقة الموقوفة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أن فيه أسلوب الاحتجاج والمناقشة: "فإن قال قائل … قيل له، قالوا … قيل لهم". وهكذا في عدة مواضع.
والسبب في تنوع الأسلوب في الكتاب في تقديرنا يرجع إلى مؤلف الكتاب نفسه، فمحمد بن الحسن -رحمه الله تعالى- قد ألف هذه الكتب الفقهية وانتهى منها ثم أعاد النظر فيها مرة أخرى وغير فيها ما أراد أن
стр. 106
يغير (١). فلعله كان يحذف الألفاظ المعبرة عن السؤال والجواب مثل قلت وقال، ويحول العبارة إلى مسألة بدون سؤال وجواب. وذلك سهل لمن تأمل عبارات الكتاب. حتى أنه من الممكن رؤية بعض المواضع قد حذف فيها هذه الألفاظ، لكن لم يتم ترتيب الجملة من جديد حتى تكون جملة واحدة مفيدة، فاضطررنا في هذه المواضع إلى إضافة لفظ "قلت" أو "قال"، لتصحيح العبارة (٢). وذلك مما يدل على أن التحرير كان مستمراً في الكتاب. ومن المحتمل أن يقول قائل: إن الرواة عن محمد بن الحسن مثل الجوزجاني وأبي حفص أو الرواة عنهم يمكن أن يكونوا هم الذين قاموا بهذا التحرير. وهذا الاحتمال وإن كان وارداً في نظرنا إلا أن حقيقة كون الإمام محمد قد غير كتبه وأعاد تأليفها مرة أخرى تؤكد ترجيح الاحتمال الأول. ومن المحتمل أن يكون الإمام محمد قد استعمل أساليب متنوعة في تأليف كتبه من البداية، خصوصاً إذا ما علمنا أن كتبه كانت مفردة في الأصل، فكل كتاب من الكتب الفقهية كان يعتبر كتاباً بنفسه. ثم إن كتب محمد بن الحسن قد كانت معروفة مشهورة في ذلك الوقت، فلو وقع التغيير فيها من قبل بعض تلاميذه أو غيرهم لتنبه إلى ذلك العلماء الآخرون وعُرف ذلك. فلما لم تكن هناك إشارة في المراجع إلى مثل هذا التغيير تأكد أن تنوع الأسلوب هذا هو من عمل المؤلف نفسه. وهناك نقطة أخرى، وهي أنه لو كان التغيير في الكتاب وقع بعد محمد بن الحسن من قبل تلاميذه ورواة كتبه لكان هذا التغيير شاملاً لجميع الكتاب، لكن الأمر ليس كذلك. فإن الحاصل أن بعض الكتاب مكتوب على طريقة السؤال والجواب وبعضه ليس كذلك. وهذا يدل على أن محمد بن الحسن هو الذي نوّع أسلوبه من البداية، أو بدأ بتنقيح كتبه فغير بعضها ولم يمهله الأجل حتى يغير الباقي منها، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار ضخامة حجم الكتاب. ومن المعلوم أن الإمام محمداً توفي في سفره إلى الري مع هارون الرشيد عام ١٨٩، وعمره ٥٧ عاماً، وهي سن مبكرة نسبياً.
_________
(١) المبسوط،. ٣٠/ ٢٨٧.
(٢) انظر مثلاً: ٨/ ٥٢ و، ٥٣ و، ٥٣ ظ.
стр. 107
وواضع الأسئلة في كتاب الأصل هو الإمام محمد نفسه، وهو المجيب كذلك. فقد كانت هذه طريقة في تأليف الكتب. حتى أنها لا تزال متبعة إلى الآن في بعض الأحيان. وقد كان بشر بن الوليد الكندي القاضي (ت. ٢٣٨) من تلاميذ أبي يوسف يلوم محمد بن الحسن، وكان الحسن بن أبي مالك (ت. ٢٠٤) من تلاميذ أبي يوسف أيضاً ينهاه عن ذلك ويقول له: "قد وضع محمد هذه المسائل، فضع أنت سؤال مسألة، وقد أغناك الله عن جوابها" (١). فيتبين من هذه العبارة أن واضع الأسئلة والأجوبة هو محمد نفسه. وروي عن هشام بن عبيدالله الرازي أنه قال: "لما سمعنا كتب محمد بن الحسن بالرَّقَّة قلنا: قولك: "أرأيت" إلى من ينسب، وسؤالك عن من؟ قال: إنما هو سواد في بياض، إن شئتم فخذوه، وإن شئتم فدعوه" (٢). فهذا الجواب من الإمام محمد يدل على أن واضع الأسئلة هو نفسه، وليس هناك سؤال حقيقي موجَّه مثلاً إلى أحد من الأئمة أبي حنيفة أو أبي يوسف أو محمد بن الحسن، وإنما هو أسلوب في تأليف الكتاب. هذا هو الأعم الأغلب، لكن هناك مواضع يفهم من السياق أن السؤال فيها حقيقي وموجه إلى أبي حنيفة أو أبي يوسف. فمثلاً عندما يقول: "سألت أبا حنيفة"، أو "سألت أبا يوسف"، فمن الواضح أن هذا سؤال حقيقي موجه إلى شخص حقيقي. وهذا قليل في الكتاب إذا قيس بالأسلوب الآخر الذي يستمر السؤال والجواب فيه على شكل: قلت، قال.
٢ - توهم وجود روايتين مختلفتين لكتاب الأصل في مكتبات إسطنبول
وينبغي أن نذكر هنا أن الأستاذ المرحوم محمد حميد الله ظن أنه توجد نسخ مختلفة من كتاب الأصل في مكتبات إسطنبول، وأن بعض هذه النسخ مؤلفة على طريقة السؤال والجواب وبعضها ليس كذلك. فقد ظن الأستاذ محمد حميد الله أن نسخة مكتبة السليمانية، جار الله، رقم ٥٧٥، ٥٧٦ مجلدان من كتاب الأصل برواية مغايرة للروايات الأخرى لكتاب
_________
(١) الجواهر المضية، ١/ ١٦٦؛ ٢/ ٤٧.
(٢) الكامل لابن عدي، ٦/ ١٧٥.
стр. 108
الأصل، حيث وجد أن أبواب الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والصيد والذبائح والمكاتبة والجنايات والسير مذكورة في أكثر نسخ الأصل على طريقة السؤال والجواب: "قلت، قال"، وأن نفس هذه الأبواب مذكورة في نسخة جار الله المشار إليها على طريقة سرد المسائل بدون ألفاظ السؤال والجواب. وذكر حميد الله أيضاً أن عناوين الأبواب مختلفة بين هذه النسخة والنسخ الأخرى كماً وكيفاً (١).
وقد نقل هذه المعلومة محمد الدسوقي باختصار، وذكر أن الأمر يحتاج إلى البحث في تلك النسخ للتأكد من الأمر (٢).
وهذه معلومة غير صحيحة. فإننا قد اطلعنا على نسخ الأصل الموجودة في إسطنبول، فوجدنا أنها جميعاً تتفق على نفس الأسلوب في الكتب التي تحتوي عليها. والذي أدى إلى هذا الظن الخاطئ هو وجود بعض النسخ من كتاب مختصر الأصل لمحمد بن إبراهيم الحنفي (ت. بعد ٧٠٥) في هذه المكتبات، وقد ظن المفهرسون للمخطوطات بهذه المكتبات أنها كتاب الأصل مع أنها ليست كذلك، ومع وجود اسم "مختصر الأصل" على بعض هذه النسخ. وقد شاركهم في هذا الخطأ الأستاذ محمد حميد الله وبعض الباحثين الآخرين. ولدى الاطلاع على نسخة جار الله برقم ٥٧٥ تبين لنا أنها قطعة من كتاب الأصل، تبتدئ من كتاب الصلاة وتنتهي بكتاب الأيمان، ولا يوجد فرق في الأسلوب بينها وبين النسخ الأخرى. أما نسخة جار الله برقم ٥٧٦ فهي قطعة من مختصر الأصل، وهي تختلف من حيث الأسلوب والعناوين مع كتاب الأصل. وهذا الأمر واضح لمن تأمل الكتاب وبحث فيه. حتى أنه مكتوب على هذه النسخة: "النصف الثاني من مختصر الأصل".
_________
(١) Muhammed Hamidullah ،"profesor Majid khadduri،nin "Islam"(seybani، nin siyer،i)"(trc. Ysuf Ziya Kavakci)، Islam Medeniyeti ، sy.٢٠،Istanbul ١٩٦٩ ، s.٢٦،N. Bayraktar، M. Hamidullah، S. tug،Y. Z Kavakci،"Imam Muhammed Seybani، nin Istanbul Kutuphanelerindeki Mevcut Yazma Eserleri"، Islam Medeniyeti، sy. ٢٠، Istanbul ١٩٦٩، s.٤٧.
(٢) الإمام محمد بن الحسن لمحمد الدسوقي، ١٤٨.
стр. 109
والذي يؤدي إلى الالتباس هو أن الكتب الفقهية في هذه النسخة تبتدئ أيضاً بنفس الأسانيد الموجودة في أوائل كتب الأصل، وتروى فيها الأحاديث والآثار بأسانيدها مثل كتاب الأصل. لكن عند الاطلاع على المسائل الفقهية يُرى الفرق واضحاً بين أسلوب كتاب الأصل وأسلوب مختصر الأصل. فأسلوب مختصر الأصل أسلوب فقيه متأخر من حيث الألفاظ والمصطلحات التي يستعملها، ثم إنه يحذف بعض المسائل فلا يذكرها.
٣ - أسلوب العرض لأقوال أبي حنيفة وأبي يوسف وقول المؤلف
يذكر الإمام محمد في الكتاب آراء أستاذيه الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف ورأيه في مواضع كثيرة جداً من الكتاب. ويذكر نادراً آراء غيرهم مثل زفر وابن أبي ليلى وسفيان الثوري. ويذكر نادراً "قول أهل المدينة" (١).
يذكر الإمام محمد عبارة في أول الكتاب يمكن أن تكون مناراً لأسلوبه في الكتاب. فيروي أبو سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن، قال: "قد بينتُ لكم قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولي، وما لم يكن فيه اختلاف فهو قولنا جميعاً (٢). وهذه القاعدة التي وضعها الإمام محمد هنا أغلبية. فإنه توجد مواضع في الكتاب لا يُذكر فيها خلاف، لكن الخلاف موجود. ويوضح ذلك الحاكم والسرخسي في الكافي والمبسوط في مواضع كثيرة. وقد يكون ذلك ناشئاً عن اختلاف النسخ والروايات لكتاب الأصل، فتكون رواية أبي سليمان مخالفة لرواية أبي حفص مثلاً. وقد يكون يذكر الخلاف في كتاب من كتب الفقه ضمن كتاب الأصل ولا يذكره في كتاب آخر اعتماداً على ذكره في الكتاب الآخر. وقد يكون ذكره في كتاب له آخر مثل الجامع الصغير أو الجامع الكبير. وقد يكون الخلاف مبنياً على تغير آراء الأئمة واجتهاداتهم، فيكون هناك اتفاق بين الأئمة في أول الأمر، ثم يتغير رأي إمام منهم، فيكون الاتفاق مذكوراً في كتاب، والخلاف مذكوراً في كتاب آخر.
_________
(١) انظر: ٥/ ٧٥ و؛ ٨/ ٢٥٤ ظ.
(٢) انظر: ١/ ١ ظ.
стр. 110
٤ - الأحاديث والآثار المروية في الكتاب
يروي الإمام محمد أحاديث وآثاراً كثيرة بأسانيدها عن طريق الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك بن أنس وغيرهم. وأحياناً يذكر بلاغات بدون إسناد فيقول: بلغنا عن النبي ﷺ … وهو أمر معهود في كتب الأقدمين كالموطأ وغيره. ويبلغ عدد الأحاديث المرفوعة والموقوفة وأقوال التابعين والآثار فيه نحو ١٦٣٢ رواية. وبعض هذه المرويات مذكورة بأسانيدها، وبعضها بدون إسناد كما ذكرنا.
٥ - التكرار في الكتاب
تكررت المواضيع في الكتاب. فمثلاً هناك باب الوكالة في السلم، وهو موجود في كتاب البيوع والسلم وفي كتاب الوكالة بنفس العنوان بتغيير يسير في بعض مسائله وألفاظه، وقد استفدنا من هذا التكرار في تصحيح بعض الألفاظ المحرفة في الباب في الموضعين. وهناك باب الوكالة في الصرف، موجود في كتاب الصرف وكتاب الوكالة بنفس العنوان بتغيير يسير في بعض مسائله وألفاظه، وقد استفدنا منه كذلك في تصحيح بعض الألفاظ المحرفة في الباب في الموضعين. وهذا ناشئ من كون الكتاب مفصلاً مبسوطاً في العبارة، فتلك المسائل لها تعلق بالكتابين الفقهيين كليهما، فلذلك وضعت في كليهما.
ذكر الإمام محمد مسائل في الحيض في كتاب الصلاة، ثم ذكر مسائل الحيض في كتاب الحيض بشكل أوسع. يوجد في كتاب العتاق باب المكاتب، يذكر فيه مسائل متعلقة بالعبد المكاتب، وهناك كتاب المكاتب الذي يذكر فيه نفس الموضوع على شكل أوسع. كذلك هناك باب الرضاع الموجود في كتاب النكاح، وكتاب الرضاع بشكل كتاب مستقل. وهكذا يمكن أن تُذكر أمثلة أخرى. وهذا كله يدل على تطوير الإمام محمد لكتبه، وتفصيله لما أجمله سابقاً في بعض الكتب التي ألفها مسبقاً، وذلك بتأليف كتاب مستقل في تلك المواضيع.
следующие страницы →