← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 14285

الأصل لمحمد بن الحسن - ت بوينوكالن

محمد بن الحسن الشيباني

Полный текст (6 738 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قلت: أرأيت الرجل يصبح مفطراً، ثم يبدو له أن يصوم قبل أن ينتصف (١) النهار ولم يطعم شيئاً، أو يبدو له أن يصوم بعد زوال الشمس؟ قال: إذا كان قبل زوال الشمس وعزم على الصوم أجزاه، وإذا صام بعدما تزول الشمس لم يجزه ولم يكن صائماً. قلت: فإن كان هذا الصيام قضاء من رمضان أو قضاء من صيام كان عليه؟ قال: لا يجزيه؛ لأنه أصبح مفطراً. قلت: فيجزيه أن يتطوع به، ولا يجزيه من شيء كان عليه؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن أصبح في شهر رمضان ينوي الإفطار غير أنه لم يأكل ولم يشرب؟ قال: عليه قضاء ذلك اليوم. قلت: فإن نوى الصوم قبل أن ينتصف (٢) النهار؟ قال: يجزيه. قلت: لم جعلت عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: أرأيت مريضاً لا يستطيع الصيام أصبح ينوي الإفطار، وكان على (٣) ذلك إلى الليل، غير أنه لم يأكل ولم يشرب لأنه لم يشتهِ (٤) الطعام ولا الشراب، أيكون هذا صائماً؟ قلت: لا. قال: فهذا وذاك سواء. قلت: أرأيت رجلاً في أرض الحرب مر به شهر رمضان وهو لا يعلم به ولا ينوي (٥) صومه، ونوى (٦) الفطر فيه، غير أنه لا يجد طعاماً ولا شراباً، أيجزيه هذا من صيام شهر رمضان؟ (٧) قال: لا، وهذا وذاك سواء. قلت: أرأيت هذا الذي أصبح مفطراً إن ظن أن نيته (٨) قد أفسدت عليه صومه وأُفتي بذلك، فأكل قبل أن ينتصف (٩) النهار أو شرب أو جامع؟ قال: عليه القضاء، ولا كفارة عليه. قلت: لم ألقيت عنه الكفارة؟ قال: للشبهة التي دخلت. قلت: أرأيت رجلاً جُنّ قبل شهر رمضان، فلم يزل مجنوناً حتى

стр. 842

ذهب شهر رمضان كله، ثم أفاق، هل عليه قضاؤه؟ قال: لا؛ لأنه كان مجنوناً ولم يفق فيه. قلت: فإن أُغمي عليه فكان كذلك حتى ذهب شهر رمضان؟ قال: عليه قضاؤه. قلت: من أين اختلفا؟ قال: المغمى عليه ليس عندنا بمنزلة المجنون المغلوب، إنما المغمى عليه بمنزلة المريض، فعليه قضاء شهر رمضان. قال: أرأيت إن كان مريضاً ليس بمغمى عليه ألم يكن عليه قضاء رمضان إذا لم يصمه؟ قلت: بلى. قال: فهذا وذاك سواء. قلت: أرأيت المريض يمرض قبل دخول شهر رمضان، فلا يزال مريضاً حتى ينسلخ شهر رمضان ثم يموت؟ قال: ليس عليه من قضاء شهر رمضان شيء؛ لأنه لم يصح ولم يبرأ حتى مات. قلت: فإن صح شهراً فلم يقض شهر رمضان حتى مات؟ قال: هذا عليه القضاء؛ لأنه مات وعليه قضاء شهر رمضان. قلت: فإن صام (١) عنه ابنه (٢) أيجزيه ذلك؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: للأثر الذي جاء عن عبد الله بن عمر وعن إبراهيم النخعي أنهما قالا: لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد (٣). قلت: فإن أوصى أبوه حين مات أن يقضي عنه كيف تأمر (٤) أن يصنع؟ قال: يطعم عنه مكان كل يوم نصف صاع من حنطة. قلت: فكم الصاع؟ قال: قفيز بالحَجّاجِي (٥)، وهو ربع الهاشمي، وهو ثمانية أرطال. قلت: أرأيت إن صح بعد شهر رمضان عشرة أيام ثم مات ما عليه، أترى عليه قضاء شهر رمضان؟ قال: لا، وإنما عليه قضاء العشرة الأيام التي صح فيها. قلت:

стр. 843

فالمريض والمسافر في ذلك سواء؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يبرأ حتى مات فليس عليه القضاء؟ قال: نعم، ليس عليه في ذلك قضاء. قلت: فالمسافر إذا أقام أياماً بعد شهر رمضان ثم مات فعليه بقدر ما أقام؟ قال: نعم، وهو بمنزلة المريض في ذلك. قلت: أرأيت الرجل يدخل شهر رمضان وهو صحيح ثم يجن ثم يفيق قبل رمضان عام مُقبِل؟ قال: يصوم هذا الرمضان (١) الذي دخل فيه، ثم يقضي ما بقي عليه من الأول. قلت: أرأيت الذي يجن في شهر رمضان فلا (٢) يفيق حتى يمضي هذا الرمضان الذي جن فيه ورمضان (٣) آخر؟ قال: عليه قضاء الأول. قلت: فمن أين اختلفا؟ قال: أستحسن إذا أوجبت (٤) عليه شيئاً منه أن يقضي كله (٥)، والثاني ليس عليه فيه شيء. قلت: فإن مكث عشرين سنة ثم أفاق في رمضان؟ قال: عليه أن يصوم ما بقي من هذا (٦) الشهر الذي أفاق فيه، وعليه قضاء ما مضى منه (٧) وقضاء الأول الذي كان مفيقاً فيه فجن. قلت: أرأيت الرجل يسلم في النصف من شهر رمضان أو بعدما يمضي منه أيام؟ قال: يصوم ما بقي منه، ولا قضاء عليه فيما مضى. محمد عن أبي يوسف عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن البصري أنه قال في الرجل يسلم في النصف من شهر رمضان: إنه يصوم بقيته (٨)، ولا قضاء عليه لما مضى منه. وكذلك بلغنا عن إبراهيم النخعي (٩). قلت: فإن أسلم غدوة في يوم من شهر رمضان قبل أن يطعم؟ قال: يتم صوم ذلك اليوم، ولا قضاء عليه. قلت: أرأيت إن أسلم في بعض النهار أترى له أن يأكل بقية يومه ويشرب؟ قال: لا. قلت: فإن فعل فعليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: لا.

стр. 844

قلت: أرأيت الرجل يفطر في شهر رمضان متعمداً، ثم يمرض في ذلك اليوم مرضًا لا يستطيع معه الصوم؟ قال: عليه قضاء ذلك اليوم، ولا كفارة عليه. قلت: لم؟ قال: للمرض الذي أصابه. قلت: أرأيت إن سافر ولم يمرض ولم يكن من نيته السفر؟ قال: عليه القضاء والكفارة؛ لأن السفر من فعله، فلا تبطل (١) به الكفارة. قلت: أرأيت الرجل يصبح في شهر رمضان صائماً ثم يسافر وقد عزم على الصوم، ثم يفطر في سفره ذلك، هل عليه مع القضاء كفارة؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: للشبهة التي دخلت؛ لأنه إنما أفطر وهو مسافر. قلت: فإن كان مسافراً وقد عزم على الإفطار فقدم قبل نصف النهار أو بعده، فأكل أو شرب متعمداً لذلك، هل عليه كفارة؟ قال: لا، ولكن عليه القضاء. قلت: فإن كان عزم على الصوم فلما قدم استفتى فأُفتي أن صومه (٢) لا يجزيه وأنه عاصي، فلما رأى ذلك أفطر؟ قال: عليه القضاء، ولا كفارة عليه. قلت: لم؟ قال: للشبهة التي دخلت. قلت: فإن كان صام في السفر أيجزيه؟ قال: نعم، وهو أفضل من أن يفطر، وإنما (٣) الإفطار رخصة. قلت: أرأيت رجلاً أكل ناسياً في شهر (٤) رمضان، ثم أكل بعد ذلك متعمداً وظن أن ذلك قد أفسد عليه صومه؟ قال: عليه القضاء، وليست عليه كفارة. قلت: أفتكره (٥) للرجل أن يقضي شهر رمضان في أيام العشر؟ (٦) قال: لا. قلت: أرأيت الغلام يحتلم في النصف من شهر رمضان ثم يفطر بعد ذلك متعمداً؟ قال: عليه القضاء والكفارة فيما أفطر بعد احتلامه في غير اليوم الذي احتلم فيه. قلت: وكذلك الجارية إذا أفطرت بعدما حاضت؟ قال: نعم.

стр. 845

قلت: أرأيت الصائم أتكره (١) له أن يقبل وهو صائم؟ قال: إن كان يملك نفسه فلا بأس بذلك. قال: بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه (٢) كان يقبل وهو صائم (٣). قال محمد: أخبرنا بذلك أبو حنيفة. قلت: أرأيت الرجل يتمضمض في شهر رمضان، فيسبقه الماء، فيدخل الماء حلقه، وهو ناس لصومه؟ قال: يمضي في صومه ذلك ولا يفطر، ولا قضاء عليه. قلت: فإن كان ذاكراً لصومه؟ قال: عليه القضاء، ولا كفارة عليه. قال: أخبرنا محمد عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم بذلك (٤). قلت: فلم ألقيت عنه الكفارة؟ قال: لأنه لم يدخله جوفه على وجه الإفطار، فلذلك ألقيت عنه الكفارة. قلت: أرأيت الصائم يذوق الشيء بلسانه ولا يدخله حلقه؟ قال: لا يفطره (٥) ذلك، وصومه تام. قلت: أفتكره (٦) له أن يعرض نفسه لشيء من هذا؟ قال: نعم. قلت: أرأيت الصائم ينظر إلى امرأة حتى يمني أترى عليه القضاء؟ قال: لا، لأنه لم يصنع شيئاً. قلت: فإن لمس أو قبل حتى يمني؟ قال: يتم صومه ذلك اليوم، وعليه القضاء، وليست عليه كفارة، ولا يكون على المرأة قضاء إلا أن يكون منها مثل ما كان من الرجل. قلت: فإن لمس حتى يمذي؟ قال: لا قضاء عليه ولا كفارة، لأن المذي ليس بشيء. قلت: أرأيت الصائم يحتجم؟ قال: نعم، لا يضره ذلك. قلت: أفتكره (٧) له أن يحتجم؟ قال: إن خاف أن يضعفه فأحب إلي أن لا يفعل. قال: بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يحتجم الصائم، ثم أنه رخص فيه

стр. 846

بعد ذلك، واحتجم وهو صائم محرم (١). قلت: أرأيت الصائم يدخل الذباب جوفه، أو الشيء من الطعام يكون بين أسنانه فيدخل جوفه، هل يفطره ذلك وقد دخل جوفه وهو ذاكر لصومه وهو كاره؟ قال: لا يفطره ذلك وهو على صومه، لأنه ليس بطعام، ولأنه مغلوب. قلت: أرأيت الرجل يجعل على نفسه أن يصوم شهراً أيصومه متتابعاً أو متفرقًا؟ قال: إن كان نوى شهراً بغير عينه (٢) فرق ذلك إن شاء. قلت: أرأيت إن قال: لله علي أن أصوم شعبان، فلم يفعل، أترى عليه قضاءه؟ (٣) قال: نعم. قلت: فهل ترى عليه كفارة يمين؟ قال: إن كان أراد يميناً فعليه كفارة يمين مع القضاء، ويقضيه متفرقاً إن شاء، فإن (٤) كان لم يرد يميناً فليس عليه كفارة. قلت: أرأيت إن قال: لله علي أن أصوم شعبان، فأفطر يوماً، أيقضي شعبان كله لأنه لم يتابع بين صومه؟ قال: لا، ولكنه يقضي يوماً مكان يومه؛ لأنه لا يستطيع أن يصوم شعبان بعدما (٥) مضى. قلت: فعليه القضاء لذلك اليوم وكفارة يمين إن كان أراد يميناً؟ قال: نعم. قلت: فإن كان قال: لله علي أن أصوم شهراً متتابعاً، بغير عينه (٦)، فأفطر يوماً منه؟ قال: عليه أن يستقبل صوم الشهر من أوله إذا لم يكن نوى شهراً بعينه (٧)؛ لأنه جعل دئه عليه صوم شهر متتابعاً ولم ينو شهراً بعينه، فإذا أفطر يوماَ ولم يتابع استقبل الصوم. فإن (٨) نوى شهراً بعينه فجعل لله عليه أن يصومه (٩) متتابعاً، فأفطر فيه يوماً صام يوماً مكان يومه، وعليه أن يكفر يمينه إن كان أراد اليمين أو نواها، فإن (١٠) لم يكن أراد اليمين فلا كفارة عليه، وعليه أن يقضي ما أفطر.

стр. 847

قلت: أرأيت الرجل يجعل لله عليه أن يصوم سنة بعينها، وهو يفطر يوم النحر ويوم الفطر وأيام التشريق، فصام السنة إلا هذه الأيام لأنها ليست بأيام صوم؟ قال: عليه قضاء هذه الأيام وكفارة يمين إن كان أراد اليمين. قلت: أرأيت المرأة إذا جعلت لله عليها صوم تلك السنة وهي ممن (١) تحيض، أتقضي مكان أيام (٢) حيضها التي حاضت فيها؟ قال: نعم. قلت: أرأيت الرجل يجعل لله (٣) عليه أن يصوم كل خميس يأتي عليه فيفطر خميسًا واحداً؟ قال: عليه قضاؤه وكفارة يمين إن كان أراد يميناً. قلت: فإن أفطر خميسًا آخر هل عليه في هذه اليمين الأخرى حنث؟ قال: لاة لأنه قد حنث فيها مرة وكفر فيها يمينه، فلا يحنث فيها ثانية. قلت: أرأيت الرجل يجعل لله عليه إن قدم فلان أن يصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه أَبَداً، فقدم فلان ليلاً؟ قال: ليس عليه شيء، لأن فلاناً لم يقدم نهاراً كما قال. قلت: فإن قدم فلان في يوم قد أكل فيه الرجل؟ (٤) قال: عليه أن يصوم ذلك اليوم فيما يستقبل كما جعل لله على نفسه، وأما اليوم الذي أكل فيه فليس عليه شيء؛ لأنه أفطر قبل قدوم فلان. قلت: وكذلك لو قدم فلان بعد الظهر ولم يطعم الرجل شيئاً في ذلك اليوم وهو ينوي الإفطار؟ قال: نعم. قلت: فلو قدم فلان قبل أن ينتصف (٥) النهار ولم يأكل الرجل شيئاً وهو ينوي الإفطار؟ قال: أما هذا فيصوم هذا اليوم، ويصومه فيما يستقبل أبداً. قلت: أرأيت الرجل يقول: لله علي أن أصوم غداً، فيكون غداً (٦) الأضحى، فلم يصمه، أيكون عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: نعم، وعليه كفارة يمين إن كان أراد يميناً. قلت: لم أوجبت عليه قضاءه؟ قال: لأن هذا يوم جعله لله عليه. قلت: أرأيت الرجل يصبح صائماً يوم النحر متعمداً لذلك؟ قال: ليس عليه قضاؤه إن أفطره. [قال أبو يوسف: عليه القضاء،

стр. 848

وهو مثل قوله: لله علي. وقال أبو حنيفة: هو مختلف. وهذا في الجامع الصغير الكتاب (١) الذي يسمى الهاروني] (٢). قلت: أرأيت المرأة تقول: لله علي أن أصوم يوم حيضي، أتجعل (٣) عليها مكانه يوماً؟ (٤) قال: لا، ولا يكون عليها شيء. وهذا مثل الرجل يصبح في يوم قد أكل فيه ثم قال: لله علي أن أصوم هذا اليوم، فليس عليه قضاؤه. وهذا مثل امرأة حائض قالت: لله علي أن أصوم هذا اليوم، وهي حائض، وليس عليها قضاؤه، وهذا وذاك سواء في القياس. قلت: أرأيت الصائم يكتحل بالإثْمِد والذَّرُور (٥) والصَّبِر (٦) وغيره؟ قال: نعم، لا يضره ذلك شيئاً. قلت: فَإن وجد طعمه في حلقه؟ قال: وإن

стр. 849

وجد طعمه في حلقه (١)، فإنما طعمه مثل الدواء يذوقه فيدخل جوفه طعمه، ومثل الدهن يدهن به شاربه، ومثل الدخان ومثل الغبار يدخل طعمه في حلقه. ولو طُعن الصائم برمح حتى يصل الرمح إلى جوفه لم يكن عليه القضاء ولا الكفارة. وإذا أُكره الصائم حتى صُب الماء في حلقه والشراب فعليه القضاء، ولا كفارة عليه. وإذا كانت بالرجل جراحة جائفة فداواها (٢) بزيت أو بسمن فخلص ذلك إلى جوفه فعليه القضاء، ولا كفارة عليه (٣). ولو داواها (٤) بدواء يابس لم يكن عليه القضاء في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا قضاء عليه ولا كفارة في الدواء الرطب واليابس جميعاً. فإذا صُب في جوف النائم ماء أو شراب وهو صائم فعليه القضاء ولا كفارة عليه. وكذلك المرأة بمنزلة الرجل في ذلك. قلت: أرأيت الرجل يستاك بالسواك الرطب أو يبلّه بالماء وهو صائم؟ قال (٥): لا بأس (٦) بذلك أن يستاك أول النهار أو آخره. قال: بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه كان يستاك وهو صائم (٧). قلت: أرأيت المرأة الحامل والمرضع التي تخاف على الصبي أو (٨) الحامل تخاف على نفسها؟ قال: تفطران وتقضيان (٩) يوماً مكان كل يوم (١٠)، ولا كفارة عليهما. قلت: فالشيخ الكبير (١١) الذي لا يطيق الصوم؟

стр. 850

قال: يفطر ويطعم لكل يوم نصف صاع من حنطة، ولا شيء عليه غير ذلك. قلت: أرأيت الصائم يأكل الطين أو الجص (١) أو دخل جوفه حصاة؟ قال: ليس عليه شيء، وصومه تام، ولا يفطره ذلك إذا كان ناسياً، وإن كان ذاكراً فعليه القضاء، ولا كفارة عليه؛ لأنه ليس بطعام. قلت: فالصائم يمضغ العلك؟ قال: أكره له ذلك ولا يفطره. قلت: فالمرأة تمضغ لصبيها خبزًا أو طعاماً؟ قال: إن لم تجد من ذلك بداً فلا بأس به. أخبرنا محمد عن أبي يوسف عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن إبراهيم بذلك (٢). … باب صدقة الفطر أخبرنا محمد عن أبي يوسف عن الحسن بن عمارة عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير (٣) العُذْرِي (٤) قال: خطبنا رسول الله ﷺ وقال: "أدوا عن كل حر وعبد صغير أو كبير نصف صاع من بر، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير" (٥). محمد بن الحسن عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه كان يأمرهم أن يؤدوا صدقة الفطر قبل أن يخرجوا إلى

стр. 851

المصلى، وقال: "أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم" (١). قلت: أرأيت المملوك من يؤدي عنه صدقة الفطر؟ قال: مولاه. قلت: فهل يسعه أن لا يؤدي عنه صدقة الفطر؟ قال: لا. قلت: أرأيت الرجل يكون له المملوكون أيؤدي عن كل إنسان منهم نصف صاع من حنطة؟ قال: نعم. قلت: وإن كانوا صغاراً أو كباراً؟ قال: نعم. قلت: فهل يؤدي الرجل عن أم ولده صدقة الفطر؟ قال: نعم، وكذلك المدبر. قلت: فهل عليه أن يؤدي عن مكاتبه صدقة الفطر؟ قال: لا. قلت: فهل يؤدي المكاتب عن نفسه؟ قال: لا. قلت: أرأيت عبداً قد أعتق نصفه وهو يسعى في نصف قيمته هل يجب على مولاه أن يؤدي عنه صدقة الفطر؟ قال: لا. قلت: فهل يجب على العبد أن يؤدي عن نفسه؟ قال: لا في قول أبي حنيفة، وهو عنده (٢) بمنزلة المكاتب. وقال أبو يوسف ومحمد: على العبد أن يؤدي عن نفسه، وهو بمنزلة الحر، إذا أعتق بعضه فقد عتق كله. قلت: أفرأيت الرجل يكون له المملوكون يهود (٣) أو نصارى أو مجوس أو إماء هل يجب عليه فيهم صدقة الفطر؟ قال: نعم. قلت: لم وهم كفار؟ قال: لأن ذلك إنما يجب على المولى أن يؤدي عنهم، وليس عليهم شيء. أخبرنا محمد عن أبي يوسف عن عبيدة عن إبراهيم أنه قال: إذا كان للرجل عبد نصراني إنه (٤) يؤدي عنه صدقة الفطر (٥). قلت: أرأيت الرجل يكون له العبد وهو مجنون مغلوب لا يفيق ولا يعقل أيجب على مولاه فيه صدقة الفطر؟ قال: نعم، وكذلك الأمة. قلت: أرأيت الرجل يدخل أرض الحرب فيشتري رقيقاً من رقيقهم فيخرجهم إلى

стр. 852

دار الإسلام هل يجب عليه فيهم صدقة الفطر وهم كفار؟ قال: نعم. قلت: فأولادهم بمنزلتهم؟ قال: نعم (١). قلت: فالرجل تكون (٢) له أم ولد نصرانية أو يهودية أو مدبرة يهودية أو نصرانية هل يجب عليه فيهم صدقة الفطر؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً له أولاد كبار رجال هل يجب عليه فيهم صدقة الفطر؟ قال: لا، ولكن يجب عليهم أن يؤدوا عن أنفسهم. قلت: فإن كان ولده محتاجاً وهو في عياله هل يجب عليه أن يؤدي عنه؟ قال: لا. قلت: فإن كان ولده صغيرًا هل يجب عليه أن يؤدي عنه؟ (٣) قال: نعم. قلت: أرأيت إن كان لولده الصغير مال فأدى أبوه عنه من ذلك المال أيضمن له شيئاً؟ قال: لا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا يؤدي عنه من ماله شيئاً، فإن أدى فهو ضامن، وإنما عليه أن يؤدي عنه من مال الأب. قلت: أفتكره (٤) أن يؤدي الرجل صدقة الفطر عن ولده من مال ولده وهو صغير في عياله ولا يؤدي من ماله؟ قال: لا أكره له (٥) ذلك في قول (٦) أبي حنيفة وأبي يوسف. قلت: فإن لم يكن للابن مال أيؤدي الأب عنه من ماله؟ قال: نعم. قلت: فهل يجب على الرجل أن يؤدي عن امرأته أو أخيه أو أخته (٧) أو عن ابنة ابنه أو ابن عمه أو ابن عمته أو عن خاله أو عن خالته أو عن ذي رحم محرم منه وهم صغار أو كبار في عياله؟ قال: لا. قلت: وكذلك لا يؤدي عن أبويه وجده وجدته؟ (٨) قال: نعم.

стр. 853

قلت: أرأيت الرجل يكون محتاجاً تحل له الصدقة هل يجب عليه صدقة الفطر وعلى عياله؟ قال: لا (١). قلت: أرأيت الرجل يكون له الولد الصغير ولولده مملوك أيجب على أبيه أن يؤدي عن مماليك ابنه؟ قال: لا. قلت: فيعطي عن ولده ولا يعطي عن رقيق ولده؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن كان لابنه (٢) مال أله أن يؤدي عنه وعن ولده وعن رقيق ولده من مال ابنه؟ قال: نعم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. قلت: فإن كان له أخ صغير في عياله وله مال أيجب أن يؤدي عنه صدقة الفطر؟ قال: لا يجب (٣). قلت: أرأيت الوصي هل يجب عليه أن يؤدي عن اليتيم صدقة الفطر من مال اليتيم؟ قال: نعم. قلت: فهل يعطي عن مملوكه صدقة الفطر؟ قال: نعم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا يؤدي عنهم شيئاً. قلت: أرأيت رجلين بينهما عبيد وإماء هل يجب عليهما فيهم صدقة الفطر؟ قال: لا؛ لأنه ليس لواحد منهما عبد تام، فلا يجب على الرجل في نصف عبد صدقة الفطر. قلت: أرأيت صدقة الفطر دفعها قبل الصلاة أحب إليك أم بعدها؟ قال: أن يدفعها قبل الصلاة أحب إلي. قلت: أرأيت الرجل أتستحب (٤) له أن يأكل شيئاً قبل الخروج إلى المصلى (٥) يوم الفطر؟ قال: نعم.

стр. 854

قلت: أرأيت الرجل تجب عليه صدقة الفطر وهو من أهل خراسان وهو بالكوفة يبعث بها إلى خراسان هل تجزي (١) عنه؟ قال: نعم، وقد أساء حيث بعث بها إلى خراسان وهو مقيم بالكوفة، وإنما ينبغي له أن يدفعها حيث تجب عليه. قلت: فإن ضاعت حيث (٢) بعث بها ولم تصل إلى من بعث بها إليه هل يجزيه ذلك؟ قال: لا، وعليه صدقة الفطر ثانية (٣) يؤديها حيث وجبت عليه (٤)؛ لأنها بمنزلة الدين. وكل رقيق للتجارة فليس عليه صدقة الفطر، وإنما صدقة الفطر على ما كان لغير التجارة منهم وفيما كان للغلة والخدمة. قلت: أرأيت الرجل تجب (٥) عليه صدقة الفطر (٦) في نفسه وعياله فيعطيها مسكيناً واحداً أيجزيه ذلك؟ قال: نعم؛ لأن هذا بمنزلة الزكاة أعطى مثل قيمته من الزكاة مسكيناً واحداً، أجزاه ذلك. قلت: أرأيت الرجل يكون عنده (٧) ولد ابنه (٨) وهو صغير في عياله وأبوهم حي أو ميت، هل على جده أن يؤدي عنهم صدقة الفطر؟ قال: لا. قلت: أرأيت المرأة لها زوج وولد وزوجها محتاج وهي تعول زوجها وولدها هل عليها أن تعطي عنهم صدقة الفطر؟ قال: لا. قلت: أرأيت الرجل يموت مماليكه (٩) يوم الفطر أيؤدي عنهم صدقة الفطر؟ قال: نعم، إذا انشق الفجر يوم الفطر فإنه يؤدي عنهم، ماتوا أو عاشوا سواء في القياس، وبه نأخذ. قلت: أرأيت الرجل يمر يوم الفطر وأولاده صغار ثم يموت بعضهم قبل أن يؤدي عنهم؟ قال: يؤدي عنه أبوه. قلت: أرأيت الرجل يموت عبده ليلة الفطر هل عليه (١٠) صدقة الفطر؟ قال: لا؛ لأنه لم يصبح يوم الفطر حياً. قلت: أرأيت الرجل يشتري العبد وهو

стр. 855

فيه بالخيار ثلاثة أيام، أو البائع فيه بالخيار، فيمر يوم الفطر وهو عنده (١) ثم يرده أو يأخذه، على من صدقة الفطر، وكيف إن كان اشتراه للتجارة؟ قال: إن (٢) أمضى البيع للمشتري فعلى المشتري صدقة الفطر وزكاة التجارة إن كان اشتراه (٣) للتجارة، وإن كان رده كان صدقته على البائع. قلت: وكذلك إن كان البائع بالخيار فأمضى البيع فهو على المشتري، وإن اختار نقض البيع فهو على البائع؟ قال: نعم. قلت: من تحل (٤) له الصدقة أتجب (٥) عليه صدقة الفطر؟ قال: لا. محمد عن أبي يوسف عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن إبراهيم أنه قال: إذا حلت الصدقة للرجل لم تجب (٦) عليه صدقة الفطر (٧). قلت: أرأيت الإمام كيف يصنع بما يأخذ من صدقة المسلمين وصدقة الإبل والبقر والغنم والمال وغيره مما أشبه ذلك؟ قال: يقسم صدقة كل بلاد في فقرائهم، ولا يخرجها من تلك البلاد إلى غيرها. قلت: أرأيت الإمام ما أخذ من أموال بني تغلب وصدقاتهم أيقسمها في فقرائهم؟ قال (٨): لا؛ لأنها ليست بصدقة، إنما هي بمنزلة الخراج، فهي للمسلمين تدفع إلى بيت مالهم. قلت: أرأيت الرجل يكون له مكاتب، فيمكث سنين مكاتباً (٩) ثم يعجز، هل على مولاه صدقة الفطر فيه لما مضى؟ قال: لا. قلت: أرأيت الرجل يشتري عبداً للتجارة فكاتبه، فمكث سنين ثم عجز بعد ذلك، ثم حال عليه الحول بعدما عجز، أيزكيه زكاة الفطر أم زكاة التجارة؟ قال: عليه زكاة الفطر؛ لأنه قد خرج من حال التجارة حين كاتبه. قلت: أرأيت رجلاً له عبدان أحدهما للتجارة والآخر للخدمة أَبَقَا جميعاً، فمكثا سنة ثم

стр. 856

وجدهما، هل عليه زكاتهما فيما مضى؟ قال: لا؛ لأنهما كانا آبقين ولا يدري ما حالهما. قلت: وكذلك لو كانا مدبرين أو أم ولد؟ قال: نعم. قلت: أرأيت الرجل يتزوج المرأة على العبد فيدفعه إليها، فجاء يوم الفطر وهو عندها (١)، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، أعليها (٢) زكاة الفطر؟ قال: نعم. قلت: فإن كان العبد عند (٣) الزوج ثم طلقها قبل أن يدخل بها فعليها زكاة الفطر؟ (٤) قال: لا. قلت: أرأيت الرجل يعول ذوي قرابته من ذوي رحم محرم منه وليس فيهم ولد، أعليه أن يؤدي عنه صدقة الفطر؟ قال: لا، ألا ترى أنه لا يؤدي عن امرأته، فكيف يؤدي عن هؤلاء. قلت: أرأيت الرجل يشتري العبد للتجارة فيحول عليه الحول وهو لا يساوي مائتي درهم، وليس له مال غيره، هل عليه زكاة؟ قال: لا. قلت: فهل عليه صدقة الفطر؟ قال: لا؛ لأنه للتجارة، فلا تجب (٥) فيه صدقة الفطر. قلت: أرأيت الرجل إن أخر صدقة الفطر حتى مضى يوم الفطر هل يجب عليه أن يؤديها (٦) بعد ذلك؟ قال: نعم. قلت: فإن كان شهراً أو أكثر من ذلك؟ قال: وإن كان سنتين. قلت: أرأيت صدقة الفطر هل يعطي منها اليهودي أو النصراني أو المجوسي؟ قال: لا يعطيها إلا المسلمين. قلت: فإن أعطى أهل الذمة هل يجزيه ذلك؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً أسلم بعد طلوع الفجر يوم الفطر أتجب عليه صدقة الفطر؟ قال: لا. قلت: فإن أسلم ليلة الفطر هل عليه صدقة الفطر؟ (٧) قال: نعم.

стр. 857

قلت: فإن كان له خمسة دراهم ليس له غيرها هل تجب (١) عليه صدقة الفطر؟ قال: لا. قلت: فإن (٢) كان له مائتا درهم وهي لا تغنيه ولا تغني عياله وعليه مائتا درهم دين أتجب (٣) عليه صدقة الفطر؟ قال: لا. قلت: أرأيت الرجل يكون له الخادم والدار ليس له مال غيرها هل تجب (٤) عليه صدقة الفطر؟ قال: لا (٥). قلت: أرأيت الرجل ليس له طعام حنطة ولا شعير ولكن له ذرة أو سمسم أو نحو ذلك من الحبوب، كم يؤدي من ذلك صدقة الفطر؟ قال: يؤدي من ذلك قيمة نصف صاع من حنطة أو قيمة صاع من شعير أو صاع من تمر. قلت: أرأيت المضارب يشتري عبداً للتجارة على من تكون (٦) صدقة الفطر؟ قال: ليس على رب المال ولا على المضارب شيء؛ لأن هذا تجب فيه الزكاة زكاة التجارة. قلت: أرأيت رجلاً وجبت عليه صدقة الفطر فلم يؤدها حتى مضى الفطر واحتاج، هل تجب (٧) عليه صدقة الفطر في حال حاجته (٨) أو بعدما يصيب مالاً؟ قال: نعم، يجب عليه إذا أصاب مالاً أن يؤدي. قلت: أرأيت رجلاً ارتد عن الإسلام قبل الفطر ثم أسلم يوم الفطر، هل تجب (٩) عليه صدقة الفطر؟ قال: لا. قلت: أرأيت العبد الآبق هل تجب على مولاه فيه صدقة الفطر؟ قال: لا (١٠). قلت: وكذلك العبد الغصب يغصبه الرجل؟ قال: نعم. قلت: وكذلك العبد المبيع بيعاً (١١) فاسداً قبل الفطر إذا قبضه المشتري فأعتقه بعد

стр. 858

الفطر، فليس على البائع فيه صدقة الفطر؟ قال: نعم. قلت: فعلى من يكون؟ قال: على المشتري. قلت: أرأيت العبد يأسره (١) العدو هل على مولاه صدقة الفطر؟ قال: لا. قلت: أرأيت العبد إذا اشتراه مولاه للخدمة ثم أذن له في التجارة واستدان فأَغْلَقَ (٢) رقبتَه في الدين ولمولاه مال كثير هل عليه فيه صدقة الفطر؟ قال: نعم. قلت: فهل على المولى في رقيق العبد صدقة الفطر؟ قال: لا (٣). قلت: من أين افترق العبد وعبيده؟ قال: عبيده للتجارة، وعليه دين، ولو لم يكن عليه دين لم يكن عليه (٤) فيهم صدقة الفطر وكان عليه صدقة التجارة. قلت: أرأيت عبداً للتجارة لا يساوي مائتي درهم وليس لمولاه مال غيره، هل يجب (٥) على مولاه زكاة التجارة؟ قال: لا. قلت: فهل عليه زكاة الفطر؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: من وجهين: من قبل التجارة، ومن قبل أنه لا يجب على مولاه صدقة. قلت: أرأيت الرجل يبيع العبد بيعاً فاسداً فلا يقبضه المشتري حتى يمضي الفطر، ثم يقبضه فيعتقه، على من زكاة الفطر وقد كان لغير التجارة؟ قال: زكاة الفطر على البائع. قلت: فلو كان المشتري قد قبضه قبل الفطر ثم رده بعد الفطر وهو لغير التجارة؟ قال: يكون على البائع؛ لأنه (٦) قد رد عليه. قلت: فلو أعتقه المشتري أو باعه؟ قال: زكاة الفطر على المشتري. قلت: أرأيت الرجل المعتوه له رقيق وهو غني هل عليه في نفسه ورقيقه زكاة الفطر؟ قال: نعم، هو في ذلك بمنزلة اليتيم في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا شيء عليه في نفسه ولا في رقيقه. قلت: أرأيت الرجل الكافر له عبد مسلم هل يجب على عبده زكاة

стр. 859

الفطر أو على مولاه؟ قال: لا؛ لأن مولاه كافر لا صلاة عليه ولا زكاة، وإنما أنظر إلى المولى في هذا. قلت: المكاتب له رقيق هل عليه فيهم زكاة الفطر؟ قال: لا. قلت: فالعبد الوديعة أو العارية أو الإجارة؟ قال: على رب العبد. قلت: أرأيت العبد الموصى بخدمته لرجل وبرقبته لآخر على من زكاة الفطر فيه؟ قال: على صاحب الرقبة. قلت: العبد الذي يجني الجناية عمداً أو خطأ فيها قصاص أو ليس فيها قصاص على من زكاة الفطر؟ قال: على رب العبد. قلت: أرأيت رجلاً رهن عبداً له أو أمة من يؤدي عنه زكاة الفطر؟ قال: على الراهن إذا كان عنده (١) وفاء بذلك الدين وفضل مائتي درهم، فإن لم يكن عنده ذلك فليس عليه صدقة الفطر. قلت: وكم زكاة الفطر؟ قال: نصف صاع من حنطة عن كل حر أو عبد صغير أو كبير. قلت: أرأيت الرجل يكون بينه وبين رجل رقيق لغير التجارة أيؤدي عنهم صدقة الفطر هو وصاحبه؟ قال: لا في قول أبي حنيفة. وقال محمد: على كل واحد منهما صدقة الفطر، وهذا بمنزلة الغنم السائمة تكون (٢) بين الرجلين؛ لأنا نرى قسمة الرقيق جائزاً (٣)، ويقسم الرقيق إذا كانوا بين رجلين (٤). … باب الاعتكاف أبو الحسن محمد بن الحسن (٥) قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عثمان قال: حدثنا محمد بن سعدان عن الجوزجاني قال: أخبرنا محمد عن أبي

стр. 860

يوسف عن ليث بن أبي سليم عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس وعن عائشة ﵃ أنهما قالا: لا اعتكاف إلا بصوم (١). أخبرنا محمد عن أبي يوسف عن جويبر عن الضحاك بن مزاحم قال: مر عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان على قوم يعتكفون (٢) في مسجد، فقال عبد الله: هل يكون اعتكاف إلا في المسجد الحرام؟ قال حذيفة (٣): نعم، كل مسجد له إمام ومؤذن فإنه يعتكف فيه (٤). أخبرنا محمد عن أبي يوسف عن ليث بن أبي سليم عن الحكم عن مقسم عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه قال: ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه (٥). وبلغنا عن حذيفة أنه قال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة (٦). وليس ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد لحاجة ما خلا (٧) الجمعة والغائط والبول، فأما عيادة المريض وشهادة الجنازة فليس ينبغي له أن يخرج لذلك، وكذلك ما سوى ذلك من الحوائج. فإن خرج لجمعة أو غائط أو

стр. 861

بول فدخل بيتاً أو مر فيه فلا بأس بذلك، ولا يفسد ذلك اعتكافه. وليس ينبغي له أن يمكث في منزله بعد فراغه من الوضوء. وليس ينبغي له أن يمكث (١) بعد الجمعة. وينبغي له أن يأتي الجمعة حين تزول الشمس، فيصلي قبلها أربعاً وبعدها أربعاً أو ستاً (٢). وما كان من أكل أو شراب فإنه يكون في معتكفه. واذا مرض المعتكف فخرج من المسجد يوماً أو أكثر من نصف يوم فعليه أن يستقبل الاعتكاف إن كان اعتكافاً واجباً. وهذا قول أبي يوسف. وقال أبو حنيفة: إذا خرج ساعة من المسجد من غير عذر استقبل الاعتكاف. وكذلك إذا خرج من المسجد لغير حاجة يوماً أو أكثر من نصف يوم فعليه أن يستقبل اعتكافه في قول أبي يوسف. وكذلك لو أفطر يوماً كان عليه أن يستقبل اعتكافه. وكذلك لو واقع امرأته كان عليه أن يستقبل اعتكافه. ولا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، ولا تعتكف (٣) في مسجد جماعة. وإذا جعل الرجل على نفسه لله أن يعتكف شهراً أو ثلاثين يوماً ولم ينو شهراً بعينه فإن ذلك سواء، وهو متتابع عليه في ذلك الليل والنهار، ويفتتح ذلك متى شاء. وإذا قال الرجل: لله علي أن أعتكف شهراً بالنهار، فله أن يعتكف بالنهار دون الليل، وهو بمنزلة قوله: لله علي أن لا أكلم فلاناً شهراً بالنهار (٤)، فهو كما قال. وإذا جعل الرجل لله (٥) على نفسه اعتكاف ثلاثين يوماً ولم يقل: متتابعاً، فهو متتابع (٦). وإذا افتتح الرجل ذلك واعتكف فعليه الليل والنهار،

стр. 862

فإن ترك شيئاً من ذلك أفسد عليه اعتكافه وكان عليه أن يستقبل، وليس هذا كالصوم؛ ألا ترى أنه لو جعل لله على نفسه أن يصوم ثلاثين يوماً ولم ينو متتابعاً كان له (١) أن يفرق إن شاء. أولا ترى أنه يفطر بالليل. وإذا جعل الرجل لله عليه أن يعتكف شهراً بعينه قد سماه، فذهب ذلك الشهر قبل أن يفعل، فعليه أن يعتكف شهراً سواه، وعليه كفارة يمين إن كان أراد يميناً، فإن لم يكن أراد يميناً فليس عليه كفارة. وإذا جعل الرجل لله على نفسه أن يعتكف شعبان، فاعتكفه إلا يوماً واحداً، فعليه أن يقضي يوماً مكانه. وإذا جعلت المرأة لله عليها أن تعتكف شهراً، فحاضت فيه، فعليها أن تقضي أيام حيضها وتصل بالشهر؛ لأن أيام حيضها كأنها ليل، فإن لم تصل الأيام التي تقضي بالشهر أفسدت على نفسها اعتكافها، وكان عليها أن تستقبل الاعتكاف. وليس الحيض كغيره؛ لأن الحيض عذر يصيبها في كل شهر، فإذا لم تصل الاعتكاف بالأيام التي تقضي أمرتها فأعادت. هو بمنزلة الشهرين المتتابعين (٢). وإذا اعتكف الرجل من غير أن يوجب على نفسه شيئاً فهو معتكف، فإن خرج من المسجد فقطع (٣) الاعتكاف فليس عليه شيء من قبل أنه لم يوجب على نفسه شيئاً، وهو معتكف ما أقام في المسجد، تارك لذلك حين يخرج منه. وإذا اعتكف الرجل وهو في المسجد ثم انهدم فهذا عذر، ولا بأس بأن يخرج إلى مسجد آخر. ولا بأس بأن يشتري المعتكف ويبيع في المسجد وأن يتحدث (٤) بما بدا له من الحديث بعد أن لا يكون بمأثم. وليس في الاعتكاف صمت؛ لأنه

стр. 863

بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الصمت (١). وإذا اعتكف الرجل اعتكافاً واجباً فأخرجه السلطان مكرهاً أو غير سلطان، فإن دخل مسجداً غير ذلك المسجد مكانه استحسنت أن يكون على اعتكافه، وأدع القياس في ذلك، وإن أخذ (٢) في عمل غير ذلك أو حبسه حابس عن المسجد يوماً أو أكثر من نصف يوم انتقض اعتكافه وكان عليه أن يستقبل اعتكافه. وإن خرج المعتكف لغائط أو بول من المسجد فلقي غريماً له فلزمه يوماً أو أكثر من نصف يوم انتقض اعتكافه إذا كان واجباً، ولو حبسه (٣) ساعة أو نحو ذلك لم ينتقض اعتكافه، أستحسن ذلك وأدع القياس فيه. وأما في قول أبي حنيفة فإن اعتكافه فاسد. وقال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: إذا خرج من المسجد ساعة أو أكثر لغير غائط ولا بول ولا جمعة فقد أفسد اعتكافه، وعليه أن يستقبل الاعتكاف، وكذلك إذا جامع امرأته فقد أفسد اعتكافه (٤). وقال أبو يوسف ومحمد: إذا خرج أكثر من نصف يوم أفسد اعتكافه، وإذا خرج أقل من ذلك لم يفسد اعتكافه. والاعتكاف الواجب أن يقول الرجل: لله علي اعتكاف كذا وكذا، أو يجعل عليه ذلك إن كلم فلاناً فكلمه (٥)، أو إن قدم فلان فقدم (٦) فلان (٧)،

стр. 864

أو إن برئ فلان من مرض كذا وكذا فبرئ فلان من ذلك المرض. والاعتكاف الذي ليس بواجب: الذي يعتكفه (١) وهو ينوي شيئاً ولا يتكلم به. واذا جعل الرجل لله عليه أن يعتكف يوماً اعتكف ذلك اليوم متى شاء، وإذا أراد أن يفعل ذلك (٢) دخل المسجد قبل طلوع الفجر، فإذا غربت الشمس فقد قضى اعتكافه، وإذا دخل بعدما طلع (٣) الفجر فلا يجزيه من اعتكافه؛ لأن هذا أقل من يوم، وليس عليه أن يعتكف من الليل شيئاً. ولو جعل لله عليه أن يعتكف يومين، فإنه ينبغي له أن يدخل (٤) قبل غروب الشمس، فيعتكف ليلة يومه والليلة المستقبلة والغد إلى أن تغيب الشمس. وكذلك لو جعل لله على نفسه أن يعتكف أياماً كثيرة أو قليلة دخل المسجد قبل غروب الشمس، ثم اعتكف ليلته ويومه ذلك وما استقبل من الأيام والليالي حتى يستكمل العدد. يَدخل الليل في الاعتكاف ولا يَدخل في الصوم؛ لأنه معتكف بالليل ولا يصومه. وإذا جعل الرجل لله على نفسه اعتكاف شهر بعينه، فإنه ينبغي له أن يدخل المسجد قبل أن تغيب الشمس، فتغيب الشمس وهو في المسجد، فيستقبل الشهر بأيامه ولياليه؛ لأن الليلة من الشهر وليست من اليوم. وإذا جامع الرجل امرأته وهو في اعتكاف واجب فقد أساء، وقد أفسد اعتكافه، وعليه أن يستقبل اعتكافه. وكذلك المرأة إذا جامعها زوجها. ولو كانت مباشرة دون الجماع أنزل فيها فأوجب عليه فيه الغسل كان ذلك بمنزلة الجماع. وكذلك المرأة يكون منها ما يكون من الرجل من الدفق. وإن لم يكن أنزل ولا أنزلت فقد أساءا جميعاً في ذلك، ولا يفسد ذلك عليهما اعتكافهما في قول أبي يوسف. وأما في قول أبي حنيفة فإن كانا خرجا من المسجد فقد فسد اعتكافهما.

стр. 865

وإذا أوجب الرجل على نفسه اعتكافاً، ثم مات قبل أن يقضيه، فلا يقضيه أحد عن أحد؛ لأنه لا يكون اعتكافاً إلا بصوم، ولا يصوم أحد عن أحد (١). وكذلك بلغنا عن عبد الله بن عمر وعن إبراهيم النخعي أنهما قالا ذلك (٢)، ولكنه يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من حنطة لكل مسكين. وإذا مرض الرجل حين قال هذه المقالة فلم يزل مريضاً حتى مات فلا شيء عليه، ولا يكون عليهم أن يقضوا عنه شيئاً مِن قِبَل أنه لم يصح. ولو جعل رجل عليه أن يعتكف ليلة أو يوماً قد أكل فيه فليس عليه شيء. وإذا قالت المرأة: لله علي (٣) أن أعتكف أيام حيضي، فلا اعتكاف عليها. وكذلك لو قال الرجل: لله علي أن أعتكف اليوم الذي يقدم فيه فلان أبداً، فقدم فلان ليلاً، فلا اعتكاف عليه. وإن قدم نهاراً في يوم قد أكل فيه الحالف فليس عليه أن يعتكف في ذلك اليوم، وعليه أن يعتكف في كل يوم يأتي عليه مثل ذلك اليوم. ولو قدم فلان في يوم بعد الظهر كان مثل ذلك أيضاً. وإذا جعل الرجل على نفسه أن يعتكف شهراً قد سماه، فإذا ذلك الشهر الذي سماه (٤) وعناه قد مضى، ولا يعلم حين حلف بمضيه، فلا شيء عليه، ولا اعتكاف عليه، وهو بمنزلة قوله: لله علي أن أعتكف أمس. ولو أن معتكفاً في اعتكاف واجب أحرم بالحج أو بالعمرة أو بهما جميعاً لزمه الإحرام مع الاعتكاف، ويقيم في اعتكافه حتى يفرغ. فإن خاف أن يفوته الحج خرج فقضى حجته أو عمرته التي جعل لله على نفسه، وكان عليه أن يستقبل الاعتكاف.

стр. 866

ولو اعتكف الرجل في المسجد الحرام في اعتكاف واجب فذلك أفضل من اعتكافه في غيره. وكذلك مسجد رسول الله ﷺ فهو أفضل من الاعتكاف فيما سواه إلا المسجد الحرام. وكل ما عظم من المساجد وكثر أهله فهو أفضل. ومسجد الجامع أفضل مما سواه من المساجد بعد المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ ، إلا ما كان مثله من (١) مساجد الجماعة، ما خلا هذين المسجدين. وإذا جعل الرجل لله على نفسه الاعتكاف (٢) ثم رجع عن الإسلام ثم أسلم فليس عليه اعتكاف، هدم الشرك الاعتكاف. وإذا جعل العبد على نفسه الاعتكاف أو الأمة فلمولاه أن يمنعه ذلك، فإذا أعتقا كان عليهما أن يقضيا الاعتكاف الذي كانا أوجبا على أنفسهما. وكذلك المرأة إذا جعلت على نفسها الاعتكاف فلزوجها أن يمنعها. وأما أم الولد والمدبرة فهما بمنزلة العبد في ذلك. فأما المكاتب فإذا جعل على نفسه اعتكافاً معلوماً كان عليه أن يعتكفه؛ لأن المولى لا يستطيع أن يحول بينه وبين ذلك. وكذلك العبد الذي قد أعتق بعضه وهو يسعى في نصف قيمته. وإذا أكل المعتكف ناسياً بالنهار فصومه تام، ويمضي على اعتكافه. وإذا جامع (٣) ناسياً بالنهار فقد أفسد اعتكافه، ولا يشبه الجماع في هذا الموضع الأكل والشرب؛ لأن الجماع يحرم عليه بالليل كما يحرم عليه بالنهار، ولم يحرم مِن قِبَل الصوم. وصار الجماع بمنزلة الخروج من المسجد؛ ألا ترى أنه لو خرج ناسياً كان خروجه كخروجه متعمداً، فكذلك (٤) الجماع. وأما الصوم في غير الاعتكاف إذا جامع فيه ناسياً فإن الجماع لا يفسد الصوم كما يفسد الاعتكاف.

стр. 867

وإذ جعل الرجل على نفسه اعتكاف أيام معلومة إن كلم فلاناً أو إذا فى خل دار فلان أو فعل كذا وكذا، ففعل ذلك، فعليه أن يعتكف، وليس عليه كفارة دون الاعتكاف. وإذا قال في يمينه: إن شاء الله، ووصلها بكلامه، فليس عليه شيء. وإذا قال: إن كنت دخلت دار فلان فعلي اعتكاف شهر، وقد كان دخلها وهو لا يعلم يومئذ، فعليه الاعتكاف الذي أوجبه (١) على نفسه. وإذا أُغمي على المعتكف أياماً أو أصابه لَمَم في اعتكاف واجب عليه فعليه إذا برأ (٢) وصح أن يستقبل الاعتكاف. ولو تطاول به اللمم وصار معتوهاً لا يفيق فمكث ذلك سنين كان هذا والفرائض التي افترض (٣) الله تعالى عليه سواء في القياس، لا يقضي ولا يكون عليه شيء، ولكنا ندع القياس ونوجب عليه القضاء؛ لأنه إذا أحرم بالحج ثم أصابه (٤) ذلك ثم أفاق أوجبت عليه القضاء. وإذا جعل الأعمى أو المقعد على نفسه الاعتكاف لزمه كما يلزم الصحيح. وإذا جعل المريض على نفسه الاعتكاف وهو مريض لا يطيق ذلك ثم مات قبل أن يبرأ فلا شيء عليه. وإذا جعل الصحيح على نفسه اعتكاف شهر فمرت عليه عشرة أيام ثم مات، فإنه ينبغي لورثته أن يقضوا عنه شهراً، يُطْعَمُ لذلك ثلاثين مسكيناً، لكل مسكين نصف صاع من حنطة، فإن أبوا أن يفعلوا ذلك لم يجبروا على شيء منه. ولا بأس بأن يلبس المعتكف والمعتكفة ما بدا لهما من الثياب. ويأكلان ما بدا لهما من الطعام، ويتطيبان بما (٥). بدا لهما من الطيب (٦)،

стр. 868

ويدهنان بما شاءا من الدهن، وليسا في ذلك كالمُحْرِم. ولا بأس بأن يعتكف العبد إذا أذن له مولاه أو الأمة أو أم الولد والمدبرة والمدبر. وكذلك المرأة إذا أذن لها زوجها، وليس له أن يمنعها (١). وللمولى أن يمنع رقيقه الاعتكاف، ولا مأثم عليه في ذلك، إلا أن يكون قد أذن لهم، فإن كان قد أذن لهم فإني أكره له أن يمنعهم بعدما قد كان أذن لهم، فإن منعهم بعد الإذن فليس عليه شيء غير أنه قد أساء (٢) وأثم حين منعهم بعد الإذن. ولا بأس بأن ينام المعتكف في المسجد. ولا يفسد الاعتكاف كلام ولا سباب ولا جدال، غير أنه لا ينبغي له أن يتعمد لشيء من ذلك فيه مأثم. ولو نظر المعتكف إلى امرأته وأنزل لم يفسد ذلك عليه اعتكافه، ووجب عليه الغسل. وإذا أخرج المعتكفَ سلطانٌ في حدّ عليه أو له، يوماً أو أكثر من نصف يوم، أفسد عليه اعتكافه. ولو سكر المعتكف ليلاً لم يفسد عليه اعتكافه. ولو كان رجل معتكف في مسجد وهو مؤذن فصعد إلى المنارة لم يفسد ذلك عليه اعتكافه. ولو كان باب المئذنة (٣) خارجاً من المسجد لم يفسد ذلك عليه اعتكافه. ولو نسي المعتكف فخرج من المسجد ثم ذكر بعد ذلك فدخل المسجد لم يفسد ذلك عليه اعتكافه في قول أبي يوسف (٤).

стр. 869

وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس للمعتكف أن يخرج رأسه من المسجد إلى بعض أزواجه وأهله فيغسله. وإن غسله في المسجد في إناء (١) فلا بأس به. أخبرنا محمد عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أن عائشة زوجة النبي ﷺ كانت تغسل رأس النبي ﷺ وهي حائض وهو معتكف، يخرج رأسه من المسجد فتغسله (٢). أخبرنا محمد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه (٣) كان إذا أراد أن يعتكف أصبح في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه (٤). قال: وبلغنا عن رسول الله ﷺ أنه أمر بقُبّة (٥) أو خيمة فضربت له حيث أراد أن يعتكف، فإذا قِبَاب وخيام مضروبة، فقال: "ما هذا؟ "، قالوا: لعائشة ولحفصة ولزينب. فقال رسول الله ﷺ : "آلبرَّ يُرِدْنَ (٦) بهن؟ "، ثم أمر بخيمته فنقضت، فلم يعتكف تلك العشر، فلما دخل شوال اعتكف مكانها عشراً (٧). قال (٨): وبلغنا عن رسول الله ﷺ أنه اعتكف في العشر الوسطى من رمضان، فلما فرغ من اعتكافه أتاه جبريل ﵇ فقال له: إن ما تطلب (٩) وراءك. قال: فخطب رسول الله ﷺ صبيحة

стр. 870

العشرين، ثم قال: "إني أرى أني (١) أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف معنا فليَعُدْ إلى معتكفه". فقال أبو سعيد الخدري: فهاجت السماء عشيته، وكان عَرِيش (٢) المسجد من جَرِيد (٣)، فوَكَفَ (٤). فقال أبو سعيد الخدري (٥): فوالذي بعثه بالحق ص لقد صلى بنا المغرب ليلة إحدى وعشرين، وإني لأنظر إلى جبهته وأرنبة أنفه في الماء والطين. قال محمد: حدثنا بهذا الحديث أبو يوسف عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري (٦). وإذا قال الرجل: لله علي أن أعتكف شهراً بالنهار دون الليل، فله أن يعتكف بالنهار دون الليل إن شاء. وإذا قال: شهراً، ونوى النهار دون الليل فعليه النهار والليل في ذلك، وليست نيته هاهنا بشيء، وهو بمنزلة رجل قال: لله علي أن لا أكلم فلاناً شهراً، ينوي النهار دون الليل، فعليه الليل والنهار. وإذا جعل الرجل لله (٧) عليه أن يعتكف (٨) يوم النحر ويوم الفطر وأيام (٩) التشريق، فعليه أن يفطر ويعتكف أياماً مكانها، ويكفر يمينه إذا مضت تلك الأيام إن كان أراد بذلك يميناً. ولو اعتكف يوم النحر ويوم الفطر وأيام التشريق كما جعل لله على نفسه وصام أجزاه ذلك، وقد أساء؛ لأنه لا ينبغي له أن يكون صائماً في تلك الأيام، وتلك الأيام ليست بأيام

стр. 871

صوم. ألا ترى أنه نهي عن صوم هذه الخمسة الأيام (١) لأن صومها صوم (٢).

стр. 872

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) باب في الاعتكاف والصيام (٢) من الجامع الكبير (٣) وإذا قال الرجل: لله علي أن أعتكف شهراً، ولم ينو شهراً بعينه، فله أن يعتكف أي شهر شاء، ولكن لا بد من أن (٤) يتابع (٥) بين اعتكافه ولا يفرق. فإن قال: نويت أن أعتكف بالنهار دون الليل، لم تكن (٦) نيته تلك شيئاً؛ لأن الشهر يدخل فيه الليل والنهار، والاعتكاف يجب بالليل والنهار، فلذلك كان عليه الشهر متتابعاً.

стр. 873

وإن قال: لله علي أن أصوم شهراً، ولم ينو شهراً بعينه ولا متتابعاً، ولا نية له، فإن شاء فرق بين صومه، وإن شاء وصل؛ لأن الصوم يكون بالنهار دون الليل، فلذلك كان له أن يفرق إن شاء. واذا قال: لله علي اعتكاف شهر، فعليه اعتكاف بصومه (١) لا بد منه؛ لأن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم، والليل لا يكون فيه صوم. وإذا قال: لله علي أن أعتكف يوماً، وجب عليه أن يعتكف يوماً يصوم (٢) فيه، يدخل المسجد قبل طلوع الفجر، فيقيم فيه صائماً إلى أن تغيب الشمس، ولا يخرج منه إلا لغائط أو بول أو جمعة. وإذا قال: لله علي أن أعتكف ليلتين، فعليه أن يعتكف ليلتين (٣) بيوميهما، يدخل المسجد قبل أن تغيب الشمس، فيقيم فيه تلك الليلة ويصبح صائماً، ويقيم فيه الليلة الأخرى ويصبح صائماً معتكفاً إلى الليل. ولا يشبه قوله: لله علي اعتكاف ليلة، قوله: لله علي اعتكاف ليلتين؛ لأن الليلتين (٤) تكونان (٥) بيوميهما، والليلة لا تكون بيوميها (٦). ألا ترى أنه لو قال: لله علي أن أعتكف ثلاثين ليلة، دخل (٧) في ذلك الليل والنهار، وكان بمنزلة قوله: لله علي أن اعتكف شهراً. ولو قال: لله علي أن أعتكف يومين، كان عليه أن يعتكف (٨) يومين بليلتيهما، فينبغي له إذا أراد ذلك أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس، فيمكث فيه يومه وليلته (٩) والليلة الأخرى ويومها. وإذا قال: لله علي أن أعتكف ثلاثين (١٠) ليلة، وقال: نويت الليل دون النهار، فليس عليه شيء؛ لأن الصيام لا يكون بالليل، ولا يكون اعتكاف إلا بصوم. وإن قال: لله علي أن أعتكف ثلاثين يوماً، وقال:

стр. 874

نويت النهار دون الليل، فهو كما قال، وإن شاء فرق اعتكافه، وإن شاء (١) جمع؛ لأن هذا بمنزلة الصوم. وإذا قال: لله علي أن أعتكف شهر رمضان، فعليه أن يعتكف بالليل (٢) والنهار. فإن صامه ولم يعتكفه كان عليه قضاء اعتكافه، فيعتكف (٣) شهراً مكانه متتابعاً (٤) ويصوم فيه؛ لأن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم، فلما لم يعتكف (٥) في شهر رمضان وجب عليه قضاء الاعتكاف، فلما وجب عليه ذلك وجب عليه مع ذلك الصوم. فإن كان لم يعتكف حتى دخل شهر رمضان من قابل فصامه واعتكفه قضاء من اعتكاف الشهر الأول لم يجزه ذلك الشهر، وعليه أن يعتكف شهراً يصوم فيه مكان الشهر الأول؛ لأن الشهر الأول حين مضى وجب عليه قضاء اعتكافه بصوم، فلا يجزيه من ذلك صوم وجب عليه من غير (٦) ذلك. ولو أنه أفطر شهر رمضان الأول (٧) من عذر وجب عليه قضاؤه باعتكاف متتابع فإن قضاه باعتكاف متتابعاً أجزاه ذلك؛ لأن الشهر وجب عليه صومه واعتكافه، فقضى ذلك. ألا ترى أن رجلاً لو قال: لله علي أن اعتكف رجب، وجب عليه صومه واعتكافه، فإن أفطره كله ثم قضاه باعتكاف أجزاه، فإن اعتكف مكانه (٨) شهر رمضان لم يجزه من الاعتكاف الذي وجب عليه. ولو قال: لله علي أن أعتكف رجب، فاعتكف مكانه شهر ربيع وذلك قبل أن يدخل شهر (٩) رجب أجزاه إن كان صامه مع اعتكافه؛ لأنه شيء أوجبه على نفسه لله، فإذا عجل قبل (١٠) وقته أجزاه. ألا ترى أن رجلاً لو قال: لله علي صوم يوم الخميس، فصام يوم الأربعاء قضاء من يوم الخميس أجزاه ذلك. وهو قول أبي يوسف. وقال محمد: أما في قولي فلست أرى ذلك يجزيه حتى يصومه بعد دخوله؛ ألا

стр. 875

ترى أن رجلاً لو صام شهر رمضان قبل أن يدخل لم يجزه، فكذلك (١) هذا. وقال أبو يوسف: لو أن رجلاً قال: لله علي أن أتصدق بدرهم غداً، فتصدق به اليوم أجزاه ذلك، فكذلك (٢) الصوم الذي أوجبه على نفسه، يجزيه إذا عجله. قال محمد: وأما أنا فأرى الصدقة يجزيه تعجيلها، ولا أرى تعجيل الصوم يجزيه، وإنما أقيس ما أوجب على نفسه من ذلك بما أوجب الله تعالى عليه، فكما أن الزكاة يجزيه (٣) تعجيلها قبل وقتها فكذلك (٤) إذا أوجب على نفسه صدقة فعجلها قبل وقتها أجزاه. وأما الصوم فلا يجزيه تعجيله (٥) كما لا يجزيه تعجيل ما أوجب الله عليه من الصوم. وقال أبو يوسف: إذا قال: لله علي أن أصلي ركعتين غداً، فصلاهما اليوم أجزاه. وقال محمد: وأما أنا فلا أرى ذلك يجزيه، أقيسه بما افترض (٦) الله عليه من الصلاة. وقال أبو يوسف: ولو أن رجلاً قال: إذا جاء فلان فللَّه علي أن أصوم يوماً، فعجل صيام ذلك اليوم قبل أن يقدم فلان، ثم قدم فلان بعدُ، فعليه أن يصوم يوماً، ولا يجزيه صيام ذلك اليوم. ولا يشبه هذا الوجه الأول؛ لأن الأول أوجبه على نفسه بغير يمين، وهذا إنما أوجبه على نفسه إذا قدم فلان، وإنما يجب عليه بعد قدومه، فلا يجزيه تعجيله. وكذلك إذا قال: إذا قدم فلان فللَّه (٧) علي أن أصلي ركعتين، فعجل صلاتهما قبل قدوم فلان، ثم قدم فلان، فعليه قضاؤهما، ولا يجزيه الأوليان. وكذلك إذا قال: إذا قدم فلان فللَّه (٨) علي أن أتصدق بدرهم، فعجل صدقة الدرهم، ثم قدم فلان، إن ذلك لا يجزيه، وعليه أن يتصدق بدرهم آخر. وإذا قال: لله علي صوم شهر متتابع، ولا ينوي شهراً بعينه، فعليه أن يصوم شهراً متتابعاً. فإن أفطر منه يوماً استقبل الشهر من أوله.

стр. 876

فإن كان قال: لله علي أن أصوم (١) شهراً متتالعاً، يعني رجب بعينه، أو شهراً من الشهور بعينه، فعليه صوم ذلك الشهر. وإن أفطر يوماً قضى ذلك اليوم وحده، وليس عليه أن يستقبل صوم شهر. ولكن إذا أراد (٢) بقوله: لله علي، يميناً كفر [عن] يمينه مع قضاء ذلك اليوم. وإذا قال: لله علي صوم يوم، فأصبح من الغد لا ينوي صوماً، فلم تزل الشمس حتى نوى (٣) أن يصومه من قضاء ذلك اليوم الذي أوجبه على نفسه، فإن ذلك لا يجزيه من قضاء ذلك اليوم حتى يعزم عليه من الليل، ولكن أحب (٤) إلي أن يتم صومه فيجعله (٥) تطوعاً ولا يفطر. وإن أفطر فلا قضاء عليه. وإذا قال: لله علي صوم غد، فأصبح من الغد وهو لا ينوي صومه، ثم نوى صومه من قضاء ما عليه قبل الزوال، أجزاه ذلك؛ لأنه أوجب هذا اليوم بعينه عليه. ألا ترى أن رجلاً لو أصبح في يوم من شهر رمضان لا ينوي صومه، ثم نوى (٦) صومه قبل الزوال، أجزاه ذلك. ولو أفطر يوماً من شهر رمضان فوجب عليه قضاؤه، فأصبح في يوم لا ينوي صومه، ثم نوى أن يصومه قضاء من الذي وجب عليه لم يجزه ذلك، فكذلك هذا. وإذا قال: لله علي أن أصوم غداً، ثم أصبح ينوي أن يصومه تطوعاً ولا يصومه مما أوجبه على نفسه، فصومه ذلك مما أوجبه على نفسه، ولا يكون تطوعاً. ولو أن رجلاً قال: لله علي أن أصوم رجب بعينه، ثم إنه ظاهر من امرأته فصام شهرين متتابعين أحدهما رجب أجزاه من الظهار، وعليه أن يقضي رجب كما أوجب على نفسه. وإن أراد يميناً لم تكن (٧) عليه

стр. 877

كفارة يمين؛ لأنه صام رجب كما حلف. ولو أن رجلاً وجب عليه صوم شهرين متتابعين من ظهار، فصام شهرين متتابعين (١) أحدهما رمضان، لم يجزه (٢) ذلك، وكان صومه من رمضان خاصة (٣)، وعليه أن يستقبل صوم شهرين متتابعين. ولا يشبه شهر رمضان في هذا الوجه ما أوجب على نفسه؛ لأن الرجل إذا أوجب على نفسه أن يصوم فكان الإيجاب مِن قِبَلِه كان ذلك والصوم الذي وجب بالظهار سواء، ولم يكن أحدهما أوجب (٤) من صاحبه، فمن أيهما صام ذلك الشهر أجزاه، فأما شهر رمضان فإنه لا يكون أبداً إلا من شهر رمضان. ألا ترى لو أن رجلاً صامه تطوعاً كان من شهر رمضان. وما أوجبه على نفسه مما لم يجب (٥) عليه إلا بإيجابه على نفسه فذلك (٦) بمنزلة الشهرين المتتابعين اللذين (٧) وجبا بالظهار. ألا ترى أن رجلاً لو قال: لله علي صوم الأبد، كان ذلك واجباَ عليه، فان ظاهر من امرأته ولم يجد ما يعتق أجزاه أن يصوم شهرين متتابعين. ألا ترى لو أن رجلاً وجب عليه قضاء أيام من شهر رمضان فقضاها في شهر أوجبه على نفسه أجزاه ذلك، وكان عليه أن يقضي مكان تلك الأيام من ذلك الشهر، فكذلك (٨) هذا. أولا (٩) ترى أن شهر رمضان لا يشبه ما أوجبه على نفسه من هذا؛ لأنه (١٠) لو صام ذلك في شهر رمضان لم يجزه] (١١). …

стр. 878

مسألة من كتاب الاستحسان (١) محمد بن الحسن قال: حدثنا حازم بن إبراهيم البجلي عن سماك بن حرب عن عكرمة مولى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قبل شهادة أعرابي وحده على رؤية هلال شهر رمضان، قدم المدينة فأخبرهم أنه رآه، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يصوموا بشهادته (٢). قال محمد: فهذا مما يدل على أن شهادة الواحد في أمر الدين جائزة. ولا يقبل على هلال الفطر أقل من شاهدين رجلين حرين أو رجل وامرأتين؛ لأن هلال الفطر وإن كان من أمر الدين ففيه بعض المنفعة لفطر الناس وتركهم الصوم، فذلك يجري مجرى الحكم، فلا يقبل فيه من الشهادة إلا ما يقبل في الأحكام. ولا يقبل في هلال شهر (٣) رمضان قول مسلم ولا مسلمين إذا كانوا ممن لا تجوز (٤) شهادتهم وهم ممن يتهم. فأما عبد ثقة أو امرأة مسلمة ثقة حرة أو أمة أو (٥) رجل مسلم ثقة إلا أنه محدود في قذف فشهادته في ذلك جائزة. وإن كان الذي شهد بذلك في المصر ولا علة في السماء لم تقبل (٦) شهادته؛ لأن الذي يقع في القلب من ذلك (٧) أنه باطل. فإن كان في السماء علة من سحاب فأخبر أنه رآه من خلال السحاب، أو جاء من مكان آخر

стр. 879

فأخبر بذلك، وهو ثقة، فينبغي للمسلمين أن يصوموا بشهادته. … [مسألة في القيء من كتاب المجرد] (١) الحسن بن زياد عن آبي حنيفة في صائم ذرعه القيء فخرج منه قليل أو كثير، أو استقاء فقاء أقل من ملء الفم، وهو في ذلك ذاكر أو ناس لصومه (٢)، لم يفسد صومه، وكان (٣) على صيامه. وإن تقيأ ملء فيه أو أكثر وهو ذاكر لصومه فعليه القضاء. قال أبو عبد الله (٤): يعني إذا تكلف للقيء فإن (٥) كان ناسياً فلا شيء عليه. وإن خرج من جوفه إلى حلقه ثم رده وهو يقدر على رميه وهو ذاكر لصومه فعليه القضاء. وقال الحسن بن أبي مالك (٦) عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: إذا ذرعه القيء أو استقاء فخرج ملء الفم أو أكثر ثم رجع إلى حلقه وهو ذاكر

стр. 880

لصيامه مثل الحمصة، وهو القدر الذي يفطر من الأكل، فَطَّرَه ذلك. وسواء ارتجع ذلك أو غلبه (١). وإن كان الذي خرج من جوفه إلى فمه أقل من ملء الفم لم يفطره (٢) ما ارتجع منه. وكذلك رواه عن أبي يوسف. قال: وسمعته يقول غير هذا القول، يقول: إذا كان القيء أقل من ملء الفم فارتجعه متعمداً فطّره، وإن غلبه (٣) لم يفطره. الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: وإذا كان بين أسنانه لحم فتَلَمَّظَه (٤) فدخل حلقه، أو اجتمع من ريقه على لسانه فدخل حلقه (٥)، فهو على صيامه. … من المجرد (٦) قال أبو حنيفة: إذا أفطر الرجل في شهر رمضان نهاراً وهو حاضر متعمداً، فأكل طعاماً أو شرب شراباً أو جامع امرأة في الفرج، أو بُعث له وَجُور فاتَّجَر (٧) به، أو دواء فأخذه، وهو ذاكر لصومه، فعليه القضاء والكفارة. وإن جامع امرأته فيما دون الفرج فأنزل ثم جامع في الفرج بعد ذلك، أو أصبح ينوي الإفطار ثم نوى الصوم بعد ارتفاع النهار- فظن أن ذلك قد
следующие страницы →