فكيف طوحت بها الأقدار فألقت بها في هذا العالم النائي الغريب الذي لم تكن تدري به أو تعلم له وجوداً؟ وكيف كتبت عليها أن تفقد زوجها الحبيب، وأن تعيش وسط الذعر والموت؟
واشتد بها الضيق، وزاد بها الحنين إلى ماضيها الهانئ، وصوّر لها الوهم القرية فرأتها أمامها، وشاهدت الغابة التي يقطعها فتيان القرية وفتياتها كل صباح ومساء ليبلغوا العين فيزدحموا عليها ليرتووا من مائها العذب النمير، ويُذهبوا ظمأ أجسامهم إلى الشراب، وليرتووا من «العيون» الأخرى فيطفئوا ظمأ نفوسهم إلى الحب ... فذكرت كيف عرفت فتاها الحبيب، وقد رأته أول مرة على باب داره تلقاء الغابة، فأحست كأن عينيه قد اخترقتا شغاف قلبها. ورأته بعد ذلك في الغابة ولكنها لم تجرؤ على أن تكاشفه بحبها ... وهل تجرؤ على مثل ذلك فتاة؟ حتى كان ذلك اليوم السعيد الذي يمر في موكب حياتها بهياً مشرقاً (على حين تمر أيامها الأخرى شاحبات غائمات)، فجلست معه تحت تلك الشجرة المنعزلة أحلى مجلس في حياتها، المجلس الذي أعلن فيه مولد الحب بقبلة مسكرة لا تزال تحس طعمها في فيها وأثرها على شفتيها.
لقد كانت سعيدة في هذه القرية، تعيش في جنة الغرام، لا تعرف إلا قلبها وربها، فهي تصبح فتمشي إلى كنيسة ربها (لأنها لم تعرف لله بيتاً خيراً منها)، فتتوجه إلى الله بالصلاة التي حفظتها ... وتمشي فتطوف في الغابة، يدها في يد الزوج الحبيب، حتى تبلغ كنيسة حبها تحت الشجرة المقدسة، فتؤدي فيها صلاة الحب على دين الغرام، قبلة فيها (كما قال ابن أبي ربيعة) خمر وعسل!
стр. 107
وكانت القرية كلها في أمن ودعة حتى نزل بها ذلك الرجل، فنزل بها البلاء وهبطت المصائب، وتعكرت حياتها الصافية كأنما هي بركة ساكنة سقطت عليها صخرة من الجبل. كانت القرية في ذلك الصباح مستلقية في فراش أمنها ترشف بقية أحلام الليل، لتنهض مع الشمس فتعمل على تحقيقها، وكانت الغابة تصلي وقد شمرت أشجار الصنوبر للعبادة عن سوقها، ووقفت بين يدي باريها صفوفاً، وقامت الطير تتلو صلواتها على منابر الأغصان، ووقف الورد والزنبق في الحدائق خاشعاً مصغياً، وسبّحت السواقي فكان لتسبيحها وسوسة دائمة جميلة، وأصاخ الجبلان وصمت الوادي ... فلم يُفسِد هذه الصلاة الخاشعة في معبد الطبيعة إلا صرخة تدوي بين الجبلين يحملها صوت مبحوح، كأنه صوت جريح ينضح صراخه بدمه فيُسمع الصوت أحمر قانياً يقطر دماً. وتوالت الصيحات الحمر وازدادت شدة وهولاً، فحملت الذعر إلى بيوت القرية وأرباضها وأوكارها، وأبدلتها بصباحها الباسم صباحاً كالح الوجه مربدّاً قبيحاً. وذهب القوم يستقرون الصوت ويقصّونه، فرأوا قساً من القسوس مكشوف الرأس، منفوش الشعر، قد لبس المسوح وطفق يلقي عليهم - باللاتينية تارة وبالفرنسية تارة أخرى - ما يفهمون وما لا يفهمون. وكان يتكلم باكياً نادباً ناتفاً لحيته، منذراً بفناء النصرانية وضياع الدين، ويدعو إلى إنقاذ «القبر المقدس» من أيدي «الكفرة المسلمين ...». فذهب الهياج بالعقول، وأطار الأفئدة، وألغت الحماسة المنطق، ونسي الناس كل شيء إلا هذه النار التي قد سرت في العروق، ومشت إلى الدماغ فألهبته، فنهضوا يتبعون الراهب إلى حيث لا يعلمون، إلى إنقاذ «قبر المسيح» من أيدي «الكفرة» الذي أهانوه وحقّروه.
стр. 108
وصدقت هيلانة وزوجها ما قالوا لهما من أن المسلمين أكَلة لحم البشر، وأنهم ذئاب الإنسانية، وأنهم عَدَوا على المسيح ... ونهضا يدفعهما الإيمان الذي عبث به العابثون واستغلوه وأوقعوا في أبناء آدم هذه المذبحة المروعة، فأخذا الطفل الوليد وسارا مع الجموع، نحو بيت المقدس.
وعاودتها ذكرى زوجها الحبيب فانفجرت باكية، فأيقظ صوتُها صاحبتَها فخرجت تراها.
- مالك يا هيلين؟ لماذا تبكين؟ لِمَ لَمْ تنامي؟
فلم تجب واستمرت تبكي، فعادت ترفه عنها وتواسيها: ماذا عراك يا هيلانة؟ أجيبي، كلميني، لا تقتلي نفسك بسكوتك.
- لويس!
وخرج اسمه زفرة متصعدة من أعماق القلب، غارقة بالدمع، وعادت تبكي.
- اصبري يا أختاه؛ إنه في السماء. ثم إن عندك لويس الصغير، ألا تسمعين كيف يبكي؟ إنه ابنه يا هيلين، ابن الحبيب، فعيشي من أجله. أريه ألوان السرور والمرح تسعد بذلك روح لويس. هاكِ الطفل يا هيلانة، ألا ترين أن بكاءك يؤلمه؟
فأخذت هيلانة الطفل، تضمه إلى صدرها وهي مغمضة العينين، وتقبله في عنقه الدافئ، وتمرغ وجهها في صدره، ثم
стр. 109
تضع خدها على خده وهي تهمس باسم لويس، كأنما تذكر به مولد الحب وقبلاته الأولى.
* * *
وهجعت هيلانة وصاحبتها، وانطفأ هذا النور الكليل الذي كان ينبعث من الخيمة، ومرت من الليل ساعات.
وكان معسكر المسلمين صامتاً مظلماً لا يُرى في خلاله إلا النور الذي يسطع من خيمة السلطان، وكان الجند نائمين يستريحون من عناء النهار الماضي الذي خاضوا فيه حرباً من أشد ما عرفوا من الحروب، وبذلوا جهد الجن حتى استطاعوا أن يشقّوا الطريق إلى عكا المحصورة. وكان المدد يتتالى على جيش العدو من البحر، وكاد يجزع المسلمون عندما رأوا الإمداد، ولكن منظر السلطان ثبّتهم، فقد كان ينظر إلى المراكب تحمل الصليبيين إلى البر فلا يثنيه مرآها ولا يُدخل الروع إلى قلبه، بل كان يراها مستبشراً متفائلاً مؤمناً بنصر الله. ولقد خبّر القاضي ابن شداد (رفيق السلطان) الجندَ وقص عليهم أن السلطان عد بنفسه من العصر إلى الليل سبعين مركباً نزلت إلى البر تنقل المدد والذخيرة، فما ضعف ولا اضطرب، ولا تغير اعتقاده بالله الذي يؤمن بأن النصر من عنده. وكان السلطان أشد القوم تعباً لأنه كان يباشر أمور الحرب بنفسه وينتقل خلال المعركة ويعرّض روحه للمهالك، ثم يبيت الليل ساهراً يدبر أمور المسلمين، لا يبالي راحته ولا صحته في سبيل إعلاء كلمة الله.
* * *
стр. 110
في تلك الساعة كانت تلمح رجلين يتقدمان في الظلام يريدان معسكر المسلمين، وهما يخطوان بحذر ويقفزان على الصخور بخفة ونشاط، وقد حمل أحدهما هَنَة صغيرة ملفوفة بخرقة بيضاء قد ضمها إلى صدره برفق، أحاط بها يسراه وأمسك بيمناه السيف مسلولاً خشية أن يفجأه كمين أو يعرض له عدو في هذه الظلمة الحالكة. وكانا صامتين، فلما جاوزا «اليزك» (١) ودخلا معسكر المسلمين وأمِنَا وضعا السيوف على الأرض وجلسا يستريحان، وقد أبقى الأول حمله على ذراعه وأحاطه بطرف ثوبه مبالغة منه في العناية به، وقال لرفيقه: ماذا ترى السلطان قائلاً لنا؟ أتراه راضياً عن عملنا وهو الذي أوصانا ألا نعرض للنساء والأطفال، وألا نمس الأعزل بسوء، وأن ندع القسوس، ولم يسمح لنا إلا بسرقة المحاربين والجند؟ أفلا يكره ما أتينا هذه الليلة ويكون غضبه علينا أضعاف رضاه عنا يوم سرقنا ذلك القائد من فراشه؟
فأطرق الثاني كأنما كان يفكر في غضب السلطان ويبحث عن سبيل الخلاص من هذه الوهدة التي سقطا فيها، ثم رفع رأسه فجأة وقد أشرق وجهه بنور الأمل وقال له: لماذا يغضب؟ أليس الله قد أباح لنا أن نرد العدوان بمثله؟ أمَا بدؤونا هم بمثل هذا أول مرة، وروعوا نساءنا، وسرقوا أطفالنا؟ فلما صبرنا عنهم وترفعنا عن مقابلتهم بمثل فعلهم ظنوا ذلك عجزاً منا فأوغلوا في عدوانهم الآثم الدنيء. أفندعهم يفعلون ما يريدون ولا نمد إليهم يداً؟
стр. 111
واطمأن الأول إلى هذه الحجة، فقاما يسيران في هذه البقاع التي كانت فيما مضى رياضاً زاهرة وتلالاً خضراً معشبة، فجعلتها الحرب قفراً خالياً وقبراً واحداً مفتوحاً، وألبستها ثوباً دامياً من أشلاء أبنائها، حتى بلغا خيمة السلطان فوجداها مضيئة فعلما أنه لم ينم، ووقفا ينتظران الإذن ليعرضا عليه ما جاءا به لأنه كان يطّلع بنفسه على كل كبيرة وصغيرة.
ومرت ساعة ومال ميزان الليل وهما واقفان، فسمعا حركة ورأيا رسولاً يحاول أن يدخل على السلطان وهم يمنعونه حتى أنبأهم أنه يحمل رسالة خطيرة مستعجلة لا يجوز تأخيرها، فخبر السلطان فسمح له وقابله على خلوة لم يكن فيها إلا ابن شداد القاضي، ثم خرج الرسول على عجل وخرج من بعده ابن شداد معلناً أن السلطان سينام قليلاً. وكان ذلك في السحر، فأيِسَ الرجلان من لقائه وذهبا ينتظران الصباح.
ولما كان الصباح ذهب أول الرجلين يلقى القاضي ابن شداد يسأله عن أمر السلطان، وكان صديقاً له، فحدثه أن الرسول حمل إلى السلطان نبأ مروعاً هو أن جيشاً من الصليبيين الألمان يزحف نحو الجنوب في عدد هائل، فلم يستطع أحد من أمراء المسلمين في الشمال أن يرده أو يقف في وجهه فأصبح المسلمون بين نارين.
تفكر السلطان في الأمر، ثم جمع الملوك والقواد (ولم يكن يقطع أمراً دون مشورتهم)، فهبّوا من فراشهم وجفوا راحتهم في هذه الليلة العصيبة التي يلتمس الراحة في مثلها أشد الناس مراساً وأكثرهم صبراً. فلما اجتمعوا عرض عليهم الأمر، فبذلوا
стр. 112
له طاعتهم ولكنهم تهيبوا الإقدام على هذين الجيشين، واضطربوا لهذا الخطر الذي لم يتوقعه أحد منهم.
ولم يكن هؤلاء الملوك والقواد من الجبناء الرعاديد، بل كانوا أبطال الحومة وسادة الجِلاد، ولم يفقدوا الإيمان الذي قابلوا به جيوش أهل أوربة كلها حين جاءت يحدوها التعصب الذميم، ولا الشجاعة التي ردوا بها هذه الجحافل الجرّارة وقسموها قسمين: قسم مصرع على الثرى قد ذهب جزاء عدوانه الآثم، وقسم طائر على وجهه لا يدري أين المحط. فتصدع الخميس العَرَمْرَم تحت ضرباتهم المسددة وهتافهم المظفر كما يتصدع القطيع من الغنم إذا سمع صوت الأسد وأحس أنيابه ... ولم ينسوا طعم النصر الذي ذاقوه ولا النهاية الماجدة التي ختموا بها الوقائع الماضية التي خاضوا غمرتها، ولكن لم يكن في تلك النهاية للمعارك كلها ما يشبه هذا الخطب العابس الذي حمل نبأه الرسول. فغاضت الحماسة في نفوسهم وإن لم تنفد، وسكنت قليلاً لتستجم وتنهض من جديد، أما نفس السلطان فلا تني ولا تلين، وحماسة السلطان لا تبلغ منها خطوب الدنيا كلها. وإنهم لمن العظماء ذوي النفوس الكبيرة، ولكن أنى لهم بمثل نفس السلطان؟! فلما رأى السلطان هيبتهم صرفهم ولبث وحده مهموماً يفكر.
قال الرجل: فماذا فعل السلطان كان الله له؟ كم يحمل وحده من الأهوال التي تخر تحتها الجبال وتعجز عن حملها الأمم!
قال القاضي ابن شداد (١): جلس يدبر أمره ويرسم خطط
стр. 113
القتال وهو مهموم قد أخذ منه التعب والنعاس، وأنا أنظر إليه ليس معنا ثالث إلا الله، فسألته أن ينام ساعة فيستريح، فظن أني نعست فقال لي: لعلك جاءك النوم. ونهض ... فخرجت أمشي إلى خيمتي، فلم أصل إليها وآخذ في بعض شأني حتى أذّن الصبح. فعدت لأصلي فوجدته يمرر الماء على أطرافه، فقال لي حين نظر إلي: ما أخذني النوم أصلاً. فقلت: قد علمت. قال: من أين؟ قلت: لأني ما نمت وما بقي وقت للنوم.
فدخلنا بالصلاة وجلسنا على ما كنا عليه، وجعلت أفكر في أمره وما يحمل من الهم وما ورد عليه من الشدة، وذكرت أن قتيبة بن مسلم وقع في إحدى الشدائد وهو يحارب الأتراك، وضاق به الأمر، وتكاثر عليه العدو، وبذل كل ما يستطيع من القوة والمكيدة فلم يُغنِ ذلك عنه شيئاً. فقال: أين محمد بن واسع؟ قالوا: هو في أقصى الميمنة جانح على سِيَة (١) قوسه يومئ بأصبعه نحو السماء. فتهلل وجه قتيبة واستبشر ووثق بالنصر وقال: "والله لتلك الأصبع أحب إلي من مئة ألف سيف شهير وسنان طرير". فلما فتح الله عليهم قال له: ما كنت تصنع؟ قال كنت آخذ لك بمجامع الطرق (٢).
стр. 114
وذكرت أن قوّاد المسلمين الذين دوّخوا العالم وأخضعوا الممالك وملكوا الأرض لم يملكوها بقوتهم وعددهم، وإنما ملكوها بإيمانهم والتجائهم إلى الله. ورأيت السلطان قد وقف حياته على الجهاد في سبيل الله، وباع نفسه من الله، ولم يقصر في فريضة، ولم يهمل نافلة، بل كان ينزل حيثما أدركته الصلاة فيصلي، ويسمع الحديث بين الصفين، ولم يُعرف عنه (بعد السلطنة) ميل إلى دنيا أو حرص على لذة من لذائذ العيش، فأيقنت أن دعاءه لا يُرَد، وأنه هو الوليّ إن عد الناسُ الأولياء، وهو التقي إن ذكروا الأتقياء، فقلت له: وقع لي واقع وأظنه مفيداً إن شاء الله. قال: وما هو؟ قلت: الإخلاد إلى الله، والإنابة إليه، والاعتماد في كشف الغمة عليه.
قال: وكيف نصنع؟ قلت: اليوم الجمعة، يغتسل المولى ويصلي ويتصدق بصدقة خفية على يد من يثق به ويدعو الله وهو ساجد فيقول: "إلهي، قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك، ولم يبق إلا الإخلاد إليك، والاعتصام بحبلك، والاعتماد على فضلك؛ أنت حسبي ونعم الوكيل".
وإن الله أكرم من أن يخيب من يلتجئ إليه!
* * *
وقطع القاضي حديثه ونظر إلى تلك المرأة التي أقبلت تريد السلطان، وهي سافرة تصيح بلسان قومها وتعول باكية تشير إشارات الفزع المروع، فأقبل عليها يسألها ما خطبها.
стр. 115
وكانت هيلانةَ بذاتها، أفاقت فلم تجد طفلها فخرجت من الخيمة جاحظة العينين مجنونة تصيح باسم ولدها وهي تعدو على غير هدى، تسير في كل سبيل تسأل كل من ترى عن ولدها هل رأى ولدها: أين ذهب ولدي؟ ماذا أعمل؟ ساعدوني، فتشوا لي عن ولدي. أين ذهب؟ هل مات؟ من أخذه؟ أأكلته الذئاب؟ وهل تدخل الذئاب إلى المعسكر؟ أم قد سرقه اللصوص؟ آه، أين أنت يا ولدي؟ ألا تردونه علي؟ ارحموني يا ناس، فتشوا لي عن ولدي ...
وانطلقت تعدو في أرجاء المعسكر حتى بلغت خيمة القواد فاقتحمتها، وهبطت على أقدامهم تولول وتصيح. فأخذتهم الشفقة بها ولكنهم كانوا عاجزين عن معونتها، فصمتوا. وبالغت في البكاء والتوسل، فرأى القائد منهم أن يبعث بها إلى صلاح الدين.
إن الرجل شهم وشريف، وفارس نبيل، وما نحسبه يسد أذنيه دون شكوى امرأة مفجوعة تسقط على قدميه باكية ذليلة ترجوه أن يرد عليها ولدها الوحيد ... وهو الذي قبض بالأمس على قائد الحملة الفرنسية، فلما صار بين يديه وانتظر القتل لم يرَ منه إلا الإكرام والإحسان؛ خلع عليه وقدمه ورفع مجلسه وسيّره إلى دمشق معززاً مكرماً، فلم يستطع القائد أن يرفع بصره إليه لعجزه عن شكره ولخجله من نفسه حين قابل بين صنيع السلطان به وصنيعه هو بمن أسرهم من قواد السلطان.
ووافق القواد على ما وُصف به صلاح الدين من النبل والشرف والإنسانية، فسيروا المرأة إليه. فانطلقت تعدو حتى
стр. 116
تقطّعت أنفاسها وهي تتحامل على نفسها، وتعود إلى السعي تريد أن تقطع الطريق كله بوثبة واحدة ترى من بعدها ابنها أو يكون فيها حتفها، وتخشى أن تتأخر لحظة فيصيب ابنها شر ... يا رحمة الله على الأمهات!
وكانت نفسها كالبحر الغضبان لا تستقر فيه موجة حتى يموج موجة أخرى، وكانت الصور تتردد على نفسها متعاقبةً يأخذ بعضها بأعقاب بعض؛ فبينما هي تتصور فرحها بلقاء الطفل فتُقدم مسرعةً إذا بها تفكر في هلاكه فتقف لحظة كأنما لطم وجهها القدر بكفه، ولكنها تطرد هذه الصورة من نفسها ولا تطمئن إليها، ويعاودها الأمل قوياً منيراً، ويخالط الأملَ خوفٌ وإشفاق، ثم تمر عليها صور حياتها الأولى تجوز آفاق نفسها بسرعة البرق فتهزها هزاً عنيفاً، ثم تمضي إلى غايتها وترجع صورة الولد فتحتل خيالها كله. حتى بلغت «اليزك». فصاحوا بها: قفي. فوقفت تنظر ماذا يريدون.
ولم تكن تدري ما «اليزك» وما الحروب، وما جاء بها إلا إيمانها الذي استغله دعاة الشر وسخّروها من أجله لمنافعهم، فحرموها زوجها وطفلها وجرّعوها (كما جرعوا الآلاف من البشر) غصص الآلام!
وجعلت تصرخ فيهم صراخ اللبوة التي فقدت أشبالها، وتخاطبهم بالفرنسية: ابني، ابني أيها الجنود! ردوه علي، أريد ابني، فلماذا تمسكونه؟ لماذا تعذبون امرأة مسكينة؟ أين هو؟ هل
стр. 117
قتلتموه؟ لا، لا أرى على وجوهكم سمات الوحشية. إني ألمح الشفقة على هذه الوجوه، فلماذا لا تردون عليّ ابني؟
فلا يفهمون منها شيئاً، فتعود إلى صراخها. حتى جاء رجل منهم يعرف لسانها فسألها: ومن هو ابنك أيتها المرأة؟
- ابني لويس ... لويس. أنا هيلانة. ردوه علي. أريد أن أقابل السلطان.
فأخذته الرحمة وتركها تمر ودلها على الطريق إلى خيمة السلطان فذهبت تعدو.
* * *
قال لها القاضي: ولكن السلطان الآن في شغل؛ يجب أن تنتظري ساعة.
- لا، لا. أتوسل إليك، أخاف أن يصيب ابني سوء فدعني أذهب إليه.
فقال لها القاضي: اذهبي مع هذا الرجل. وأمره أن يدعها ساعة في خيمة الأسرى حتى يستأذن لها على السلطان وينبئه نبأها. وظنت أنها في طريقها إلى السلطان فسارت صامتة مسرعة، فلما دخلوا بها الخيمة ورأت الأسرى عادت تصيح وتولول، فنبه صياحها الأسرى، ثم استفاض حتى بلغ خيمة السلطان، فبعث يطلبها.
وكان في أقصى الخيمة أسير اضطرب لمّا رآها ووجف قلبه،
стр. 118
ولبث بصره عالقاً بها حتى خرجت من حيث جاءت، فلبث مفكراً مشدوهاً، تطفو على وجهه خيالات أفكار هائلة وذكريات بعيدة، ثم تراخى رأسه فأسنده بكفيه، وظل ساكناً تنطوي جوانحه على البركان ... الذي انفجر بعد دقائق، فنهض الأسير يصرخ صراخ الوحش الكليم: أريد أن أراها، أريد أن أراها.
وراع صياحه الأسرى وهم يعهدونه وديعاً كالحمل، فأقبلوا يسألونه فلا يأبه لهم ولا يكلمهم، وأسرع إليه الحراس يكلمونه فلا يجيب إلا بهذا الصراخ، فرفعوا أمره إلى السلطان وأدخلوه عليه. فلما احتواه مجلس السلطان طأطأ رأسه ووقف خاضعاً. وكانت عظمة السلطان تملأ نفسه إكباراً له، وكان يحس فيها الشكر الخالص لِما رأى من إكرام السلطان في هذه المدة الطويلة التي قضاها أسيراً عنده، ثم رفع رأسه وجعل يقلب نظره في أرجاء المجلس فوقع على هيلانة وهي راضية مطمئنة وابنها في حجرها قد رُدَّ إليها، وهي تنظر إلى السلطان نظرة شكر وحب. ثم رآها تنهض فجأة فتجثو بين يديه فتقبل قدميه وتتقاطر دموعها فيتململ السلطان ويُنهضها. فلم يعد يتمالك نفسه، فأسرع نحوها على غير شعور منه، فلما رآه الطفل هتف به: بابا ... ووقع بين ذراعيه. ونظرت المرأة مبهوتة لا تكاد تصدق ما ترى، وجعلت تنظر حولها لتتثبت مما ترى ولتعلم هل هي في يقظة أو في حلم، ثم صاحت: لويس! أنت حي؟
وفهم السلطان القصة، فحول وجهه حياء وتركهما يتعانقان.
* * *
стр. 119
ولما تلفّتَ السلطان وجدهما جاثيين بين يديه يحاولان شكره، فلا تجاوز الكلمات شفاههما إلا وهي جمجمات (١) غامضة. فقال لهما: إنّا لم نفعل إلا ما يأمرنا به ديننا.
قالت المرأة: أدينك يأمرك بهذا؟
قال: نعم؛ فإن الإسلام رحمة للعالمين، للإنسانية كلها.
قالت: أفتضيق هذه الرحمة عن امرأة مسكينة ... تحب أن تسعد وتحيا بسلام في ظلال الإسلام؟
فتهلل وجه السلطان وقال لها: إن رحمة الله وسعت كل شيء.
قالت: كيف أغدو مسلمة؟
قال: تشهدين أن الله واحد، وأن محمداً رسوله. لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
فنطقت بها، وتلفتت إلى زوجها فوجدته ينطق بالشهادة.
* * *
وخرج ويده في يدها يذكران الماضي الحلو والقرية الهادئة.
- لقد تركنا البنفسج يا هيلانة مخضراً يانعاً، فهل أزهَرَ من
стр. 120
بعدنا البنفسج فتضوّعَ أريجه في جوانب الحديقة؟ وشجرة التفاح: هل تدلّت ثمارها وارتخت أغصانها؟ والعين، هل بقيت على صفائها؟ أواه يا هيلانة! هل لنا من رجعة إلى ذلك الوادي السعيد وتلك الغابة التي ولد حبنا في جنباتها ونما واكتمل؟
- لا يا لويس؛ إنا لن نعود. إن يكن حبنا قد ولد في تلك الغابة فإنه قد بُعث هنا بعدما مات. هنا عدتَ إليّ، وهنا عرفتُ الله، وهنا رأيت النبل والطهر والإنسانية. فلنبق هنا يا لويس. أليست هذه هي الأرض التي وُلد فيها المسيح؟ إننا لم نخسر المسيح، ولكننا ربحنا معه محمداً!
* * *
وتقدم الجيش الإسلامي - بعد ساعة - يمشي إلى الظفر مكبراً مهللاً، وكان لويس المسلم في طليعة ذلك الجيش!
* * *
стр. 121
سيدة من بني أميّة
[إذا زرتم دمشق، فسلكتم السوق الصغير قبلي المسجد، المسمى بسوق القباقبية، فاسألوا عن «المصبغة الخضراء» (وهي تحت الأرض في زقاق ضيق)، فقفوا عليها ساعة ... فثمة كانت سرة الأرض، وقصبة الدنيا: الدار الخضراء، دار الخلافة الأموية.]
نحن في دمشق، في يوم الجمعة التاسع من صفر سنة تسع وتسعين للهجرة، والبلدة خالية الطرق، مغلقة الحوانيت، لا تكاد ترى فيها أحداً؛ لأن الناس قد اجتمعوا حول قصر الخلافة، وفي الساحات المطيفة به، وفي الدروب المؤدية إليه. وكان صحن القصر مزدحماً بالرؤساء والوجوه، أما الأمراء وكبار القواد وجلة الخواص فقد احتلوا «المجالس» والأبهاء، وعلى وجوههم جميعاً أمارات الترقب والانتظار في شيء من الخشية والجزع، ذلك لأن أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك قد فَجَأهُ المرض واشتد عليه، وأُشيع أنه مشرف على الموت. وكان عنده مستشاره، رجاء بن حيوة، منفرداً به.
стр. 122
وفي داخل القصر (حيث كانت منازل الحُرَم) كانت نساء الأمراء من بني أمية يترقبن الأخبار. وفي صدر المجلس زوجات يزيد وهشام ومَسلمة وبقية إخوة الخليفة، وكل واحدة منهن تأمُل أن تكون البشارة لها بأن زوجها هو الذي انتُخب للخلافة بعد سليمان (الذي يتظاهرن بالحزن عليه والخشية من وفاته، وتتمنى كل واحدة منهن موته ليخلو مكانه لزوجها)!
وكان في طرف المجلس فتاة بارعة الجمال، بالغة الأناقة، عليها ثياب لا تدانيها في غلاء ثمنها وجمال مظهرها ثياب واحدة منهن. وكان يبدو عليها من الهدوء والوقار ما ليس مثله على واحدة منهن، كأنها لا تشاركهن في رغبة ولا خشية ولا أمل، وكأنها قد قنعت بما نالت فما تطلب فوقه مزيداً.
ولقد نالت - في الواقع - كل ما تطمع فيه فتاة؛ حازت الجمال والمجد والأدب والزوج الصالح الثريّ والعيش الناعم الرخيّ، وُلدت على فرش الخلافة في قصر أمير المؤمنين، ونشأت في أحضان العز تتقلب في النعيم، وما طلبت شيئاً ولم تصل إلى ما طلبت، ولا اشتهت شيئاً ولم تنل ما اشتهت.
وشبّت فكانت فتاة فتانة بخلقها وخُلقها، بارعة في جمالها وفي كمالها، ولم تكن تجد إلا من يحبها ويدللها، حباً بها وتزلفاً إلى أبيها. أما عرفتم بعد من هو أبوها؟
أتعرفون كم دولة اليوم بين المغرب الأقصى والأفغان؟ لقد كان أبوها يملك - وحده - هذه البلاد كلها؛ ما بعد أمره فيها أمر ولا فوق سلطانه فيها سلطان!
стр. 123
إنها فاطمة بنت عبد الملك، بنت الخليفة، وأخت الخلفاء.
ولقد طمحت إليها - لما شبّت - أنظار فتيان أمية، فاختار لها أبوها فتى الفتيان، مَن التقى فيه مجد أمية وتقوى عمر، السيد الأموي النبيل، عمر بن عبد العزيز.
وانتقلت من قصر إلى قصر، ومن نعمة سابغة إلى نعمة سابغة، فزاد عيشها ترفاً ورغداً وزادت النعم عليها تدفقاً وازدحاماً.
* * *
كانت فاطمة في طرف المجلس مترفعة عمّن فيه، ليس لها أمل يستخفها وليست في نفسها حسرة على ضياع هذا الأمل تُحزنها. وإذا بصوتين يملآن جوانب القصر، صوت فيه الفجيعة والألم، وهو نعي أمير المؤمنين، وصوت فيه الخيبة لناس والبشارة لناس، وفيه الدهشة للجميع، هو إعلان تسمية أمير المؤمنين الجديد: عمر بن عبد العزيز!
وانتقلت فاطمة في لحظة من الطرف إلى الصدر. وكانت معتزلة لا يأبه لها أحد فصارت هي مطمح الأنظار، وغدا إليها مهوى القلوب، وتأخر نساء الأمراء لتتقدم امرأة الخليفة، وخرجن كلهن وراءها وقد كانت دخلت - لمّا دخلت - وراءهن جميعاً!
وعادت إلى قصرها، ورقص القصر من الفرحة وضحك بالنور، وكان يترقب عودة سيده، ليتم بعودته النعيم وتكمل
стр. 124
الأفراح. وقعدت فاطمة تذكر الماضي الحلو الجميل وتناجي مستقبلاً ترجو أن يكون أجمل وأحلى.
ذكرت يوم انتقلت من قصر أبيها، أمير المؤمنين عبد الملك، إلى قصر زوجها وابن عمها، الأمير عمر، فإذا قصر الأمير أعظم من قصر الخليفة، وإذا هو يبذه في فرشه وزينته وتحفه وخيراته.
لقد كان عمر أكثر أموي ترفهاً وتملكاً، غُذي بالملك ونما في ظلاله، وكانت ثيابه التي يخرج فيها للناس يزيد ثمنها على خمسة آلاف درهم، وكان العطر الذي يتعطر به يُؤتى به إليه وحده من الهند، فكان إذا جاز بمكان عرفه من لم يره من عبق عطره. وكان الأشراف يعطون الغسالة العطية الكبيرة لتجعل ثيابهم مع ثيابه ليسري إليها من رياه. وكانت له مشية سماها الناس «العمرية» من حسنها وجمالها، وكانت الغواني يحاولن أن يتعلمنَها وأن يقلدنَه فيها. وكان يرخي ثوبه على عادة الفتيان الأشراف المدللين في ذلك الزمان، فربما دخل الثوب في النعل فيشده حتى يتمزق ولا ينحني ليصلحه، مع أن الثوب من ثيابه قد يزيد ثمنه على ألف درهم! وقد يسقط عن منكبيه فيتركه ولا يرفعه حتى يجيء من يأخذه!
تصورت فاطمة هذا كله، وما شاركته فيه من النعم في حياة عاشاها لا يبلغ الخيال مداها، وكان يجمع بينهما أطهر الحب وأقواه، وكانت إشارته عندها أمراً، ورغبتها عنده فرضاً؛ لا تخالفه في شيء ولا يُرد لها عنده طلب!
* * *
стр. 125
وبدأت تتسرب إلى القصر أخبار عجيبة عن الخليفة الجديد؛ فمن خادم يدخل مسرعاً يخبر أن الخليفة رفض مراكب الخلافة وألغى الموكب المعتاد وركب دابته ... وآخر يأتي يقول إن الخليفة أعلن إلغاء حفلات البيعة بما كان لها من العظمة والجلال ... وثالث يقول إنه أبى أن يمد يده إلى شيء من أموال الخزانة ... !
وتسمع فاطمة هذه الأخبار فلا تكاد تصدقها! إنها تعرف زوجها الشاب المتفتح قلبه لنعيم الدنيا، الغارق في الرفاهية والنعيم والمتع الحلال ... فما له يُعرض عن الدنيا التي جاءته مقبلة عليه، ملقية بكل ما فيها من جميل وجليل عند قدميه؟
وعاد الخليفة إلى قصره، ولكنه عاد رجلاً جديداً. لقد تبدل فيه كل شيء؛ لقد بدت النعمة للناس بحكمه منذ بويع، ولكن أهله رأوا في بيعته بوادر الشقاء!
وتلقته فاطمة، فإذا الأيام الثلاثة التي غاب فيها عنها قد فعلت فيه فعل ثلاثة قرون! وإذا هو شاحب الوجه من أثر السهر في مصالح الناس، مضطرب الأوصال من ثقل الأمانة وخوف الله، فانشعب قلبها رأفه به، وإشفاقاً عليه.
وقال لها: يا فاطمة، قد نزل بي هذا الأمر وحملت أثقل حمل، وسأسأل عن القاصي والداني من أمة محمد، ولن تدع هذه المهمة فضلة من نفسي ولا من وقتي أقوم بها بحقك عليّ، ولم تبق لي أرباً في النساء. وأنا لا أريد فراقك ولا أوثر في الدنيا أحداً عليك، ولكني لا أريد ظلمك، وأخشى ألا تصبري على ما اخترته لنفسي من ألوان العيش، فإن شئت سيّرتك إلى دار أبيك ...
стр. 126
قالت: وماذا أنت صانع؟
قال: إن هذه الأموال التي تحت أيدينا، وتحت أيدي إخوتك وأقربائك، قد أُخذت كلها من أموال المسلمين، وقد عزمت على نزعها منهم وردّها إلى المسلمين. وأنا بادئ بنفسي، ولن أستبقي إلا قطعة أرض لي اشتريتها من كسبي، وسأعيش منها وحدها. فإن كنت لا تصبرين على الضيق بعد السعة فالحقي بدار أبيك!
قالت: وما الذي حملك على هذا؟
قال: يا فاطمة، إن لي نفساً توّاقة، ما نالت شيئاً إلا اشتهت ما هو خير منه، اشتهيت الإمارة، فلما نلتها اشتهيت الخلافة، فلما نلتها اشتهيت ما هو خير منها؛ وهو الجنة!
* * *
ترى لو أن تاجراً موسراً، أو موظفاً كبيراً يسكن في القصر الفخم في الشارع الكبير وفي داره نفائس التحف وروائع الفرش، ثم أراد أن يتخلى عن ذلك كله لله، هل يجد زوجة توافقه على ذلك وترضى به، وتعيش معه في غرفتين فارغتين في حارة ضيقة، وتأكل معه الحمص والفول بعد المائدة الحافلة، وتمشي على رجليها بدل سيارة الكاديلاك الخاصة؟
لا أظن أن زوجة ترضى بهذا اليوم. أما فاطمة التي انفردت بين نساء التاريخ جميعاً بأنها بنت ملك وزوجة ملك وأخت أربعة ملوك، يحكم كل منهم عشرين دولة من دول هذه الأيام ... فاطمة
стр. 127
هذه قالت لزوجها بعدما سألته وعرفت مقصده ودوافعه: اصنع ما تراه فأنا معك، وما كنت لأصاحبك في النعيم وأدعك في الضيق، وأنا راضية بما ترضى به.
* * *
وانقطع فجأة عيش النعيم الذي قلما ذاق مثلَه المترفون، وجاء عيش شدة وضيق قل أن عرف مثله الفقراء المدقعون!
ما انقطع لأنهما افتقرا بعد غنى، ولا لأن الدنيا أنزلت بهما مصائبها وأرزاءها، ولكن انقطع لأنهما آثرا نعيماً أبقى وأخلد؛ نعيماً لا يزول على حين يزول كل نعيم في الدنيا.
وبدأ عمر فأعتق الإماء والعبيد، وسرّح الخدم، وترك القصر، ورد ما كان له فيه إلى بيت المال، وسكن داراً صغيرة شمالي المسجد (١). وكان في دار الحكم أقدر حاكم، وأحزم ملك، وأعدل خليفة، فإذا جاء دارَه هذه الصغيرة كان فيها كواحد من غمار الناس.
جاءت امرأة من مصر تريد أن تلقى الخليفة فهي تسأل عن قصره، فدلوها على داره، فوجدت امرأة على بساط مرقع بثياب عتيقة، ورجلاً يداه في الطين يصلح جداراً في الدار، فسألت، فدُهشت لمّا علمت أن المرأة القاعدة على البساط هي فاطمة بنت
стр. 128
عبد الملك وارتاعت منها وتهيبتها، فآنستها فاطمة حتى اطمأنت إليها وأنست بها، فقالت لها: يا سيدتي، ألا تتسترين عن هذا الطيان؟ فابتسمت فاطمة وقالت: هذا الطيان هو أمير المؤمنين!
وجاءه في خلافته بيّاع قماش يعرض عليه ثوباً ثمنه ثمانية دراهم، فقال عمر: إنه حسن لولا أنه أنعم مما ينبغي! فقال الرجل: لقد جئتك وأنت أمير المدينة بثوب ثمنة خمسة آلاف درهم، فقلت لي: إنه حسن لولا أنه خشن!
ومرض الخليفة مرة، وكان عليه قميص وسخ، فدخل مسلمة بن عبد الملك على أخته فقال لها: يا فاطمة، اغسلوا قميص أمير المؤمنين. قالت: نعم. فعاد من الغد فإذا هو لم يُغسل، فقال: يا فاطمة، اغسلوا قميص أمير المؤمنين، فإن الناس يدخلون عليه. قالت: والله ما له قميص غيره!
ولم يدع من الخدم إلا غلاماً صغيراً، كان هو الخادم الوحيد في قصر الخلافة، فوضعت له فاطمة الطعام يوماً فضجر الخادم وتبرم وقال: عدس، عدس! كل يوم عدس! قالت فاطمة: يا بني، هذا طعام مولاك أمير المؤمنين!
واشتهى الخليفة يوماً العنب فقال: يا فاطمة، أعندك درهم نشتري به عنباً؟ قالت: أنت أمير المؤمنين ولا تقدر على درهم تشتري به عنباً؟ قال: يا فاطمة، ما بقي لي إلا هذه القطعة من الأرض، وريعها لا يكاد يقوم بحاجاتي، والصبر على هذا أهون من الصبر على نار جهنم!
стр. 129
ولم يكن قد بقي لفاطمة من أيام النعيم إلا جواهرها، فقال لها يوماً: يا فاطمة، قد علمتِ أن هذه الجواهر قد أخذها أبوك من أموال المسلمين وأهداها إليك، وإني أكره أن تكون معي في بيتي. فاختاري إما أن ترديها إلى بيت المال أو تأذني لي في فراقك! قالت: بل أختارك والله عليها، وعلى أضعافها لو كانت لي! وردت الحلي إلى بيت المال.
وعاشت زوجة الخليفة معيشة لا تصبر على مثلها زوجة موظف من الدرجة العاشرة، ورضيت بذلك اتباعاً لزوجها وأملاً بثواب ربها.
وشاركته خوفه من الله وتفكيره في الآخرة. دخل عليه مرة رجل صالح من جلسائه، فقال له عمر: أرقت البارحة مفكراً في القبر وساكنه. فقال الرجل: فكيف لو رأيت الميت بعد ثلاثة أيام، والدود قد غطى جسده وأكل لحمه، بعد حسن الهيئة وطيب الرائحة ونقاء الثوب؟ فبكى عمر وخر مغشياً عليه. قالت فاطمة لمولاه مزاحم: ويلك يا مزاحم، أخرج هذا الرجل.
فخرج الرجل، ودخلت على عمر فجعلت تصب الماء على وجهه وتبكي حتى أفاق من غشيته، فرآها تبكي. قال: يا فاطمة، ما يبكيك؟
قالت: يا أمير المؤمنين، رأيت مصرعك بين أيدينا فذكرت مصرعك بين يدي الله للموت وتخليك عن الدنيا وفراقك لها، فذلك الذي أبكاني.
* * *
стр. 130
بكت خوفاً عليه في حياته، فلما مات بكت أسفاً عليه، حتى عشي بصرها. فدخل عليها أخواها مسلمة وهشام يسليانها ويعرضان عليها ما شاءت من الأموال، قالت: والله ما أبكي على مال ولا نعمة، ولكني رأيت منه منظراً ذكرته الآن فبكيت.
قالا: ما هو؟
قالت: رأيته ذات ليلة قائماً يصلي، فقرأ ﴿يومَ يكونُ النّاسُ كالفراشِ المَبْثوثِ، وتكونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنْفوش﴾، فشهق من البكاء حتى ظننت أن نفسه قد خرجت. فما صحا حتى ناديته للصلاة.
ولما ولي أخوها يزيد الخلافة ردّ عليها حليها، فقالت: لا والله أبداً، ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً. لا حاجة لي بها.
فقسمها على أهله ونسائه وهي تنظر.
رحمة الله على أولئك الناس. أولئك - والله - هم الناس.
* * *
стр. 131
ثلاثون ألف دينار
سرى في المدينة أن قد سال العقيق (١)، فانتقلت المدينة بمساكنها وساكنيها، وزهوها وكبريائها، ولهوها وغنائها، وترفها ونعمائها، حتى استقرت في العقيق. ولقد كانت المدينة على عهد الخلفاء من بني أمية قلب الدولة الذي يخفق بالحب والشعر، كما كانت الشامُ رأسَها الذي يفكر في السياسة والملك، والعراقُ يدَها تلوح بعلم «المعارضة» وتهز سيف الثورة. وذلك أن فتيان قريش وشباب الأنصار ثقل عليهم المال الذي حمله آباؤهم الفاتحون الذين ورثوا كنوز كسرى وقيصر: ما حوى القصر الأبيض في المدائن، وما اشتملت عليه قصور الشام البلق، وكثُرَ في أيديهم
стр. 132
حتى ما يدرون فيمَ ينفقونه. وكان من سياسة دمشق أن تقصيهم عن الولايات والأعمال، فاتسع عليهم الوقت حتى ما يعلمون بِمَ يملؤونه. فانصرفوا إلى تزجية الأيام وانتهاب اللذائذ، فجعلوا الحجاز دارة اللهو والترف ومثابة الشعر والغناء. وناهيك بالشباب والفراغ والجِدة إذا اجتمعت على قوم من الأقوام!
وكانت ليلة مشرقة غسل البدر بنوره ظلماءها، وأحالها مثل الغادة المائسة بغلالتها البيضاء، ثم ذهب يغتسل في العقيق، فطفا ضياؤه على وجهه، يعانق قطراته ويراقص أمواجه الصغيرة. وكان منظر عجباً، تحسب معه أن الوادي لا يجري بالماء وإنما يجري فضة سائلة ونوراً مذاباً.
وكان الناس منثورين في كل مكان، في القصور الشم التي يفيض بها الوادي وتمتلئ بها التلال والصخور، وعلى سفوح الربا وذُرا الهضاب، وجوانب الحرّة وفرش الرمال؛ حلقاً يستمعون إلى مغنّ أو شاعر، أو يديرون بينهم أطايب الحديث، أو يأكلون ويشربون، أو يلهون ويلعبون. ولم يكن فيهم إلا من ملأ الفرح قلبه وغمرت السعادة فؤاده. أما النساء فقد اعتزلن جانباً، يأخذن حظهن من ليالي العقيق، وقد بدَوْن في شعاع القمر بثيابهن الملونة الزاهية كالروض الزاهر الفاتن بكل ساحر أخاذ، من الورد والياسمين والنرجس والبنفسج، والزهر من كل شكل ولون. أما عطر الروض فكان يفوح من أعطافهن وشعورهن وثيابهن.
ذلك هو العقيق.
كم شهد من أعراس الحياة ومباهجها. كم جال في أرجائه
стр. 133
عمر بن أبي ربيعة ينضح حواشيه بشعره. كم غنى فيه معبد وابن سريج ومالك بن أبي السمح وعزة الميلاء، فاستفاضت ألحانهم على صفحة الماء وشطآن الأفق، وطفت على وجه النسيم ففتنت الجبال والربا، وسكر منها شعاع القمر، فضلّ طريقه مترنحاً في مسالك الجو.
كم رأى العقيق من العلماء الزاهدين كعروة ومالك، والسمحاء الأكرمين كابن جعفر وسعيد بن العاص، والمجّان المخنثين كأشعب وطويس والدلال.
كم رأى العقيق من تاريخنا الأدبي والفني. كم ألهم شعراءنا رائعات الشعر ومعجزات القصيد.
* * *
إذا جلتَ تلك الليلة في أنحاء العقيق رأيت على طرف الحرة، مما يلي بئر عروة وقصره، حيث تنحدر الرمال الطرية حتى تبلغ الماء وتدلي فيه أقدامها ... رأيت سرباً من الظباء الفاتنات يتدافعن ويتراششن بالماء، وهن يتصايحن ويتضاحكن فرحات عابثات، حتى إذا تعبن جلسن على الرمل يتأملن صفحة الماء (وللماء الجاري في الحجاز سحر ليس للفرات مثله ولا للنيل) وينظرن مأخوذات بجمال هذه الليلة وفتونها. وكنَّ يتلفتن أثناء الحديث كأنهن يرقبن من يطلع عليهن من الثنيّة، فلما طال الانتظار قالت واحدة منهن: لقد طال غياب سهيلة، فيا ليت شعري ماذا عاقها عنا هذه الليالي المقمرات؟
стр. 134
فردّت عليها فتاة سمراء قد تلفعت بثوب من الحرير الأحمر: ألا تدرين ماذا عاقها؟ لقد شغلها هوى فروخ يا حبيبتي. لقد خسرنا سهيلة إلى الأبد.
- ولِمَ يا أمينة؟ أهي أول فتاة تزوجت؟ كلنا عرف الزواج، فما قصرنا في حق الرجل ولا أهملنا حق أنفسنا.
فأجابت أمينة ضاحكة: ولكن ما كل زوج فروخ! أرأيت إلى جماله وشبابه؟ إن له - فوق الجمال والشباب - ثلاثين ألف دينار، أفليس من حق سهيلة أن تنسى معه العقيق ولياليه المقمرات؟
- إن تنسَ العقيق فليس لها أن تنسى صويحبات صباها.
- لو كنتِ مكانها لنسيت أمك وأباك. إن للحب سكرة وللمال مثلها، فأنى لسهيلة أن تصحو من سكرتين؟
فقالت فتاة من طرف المجلس قد آلمها غياب سهيلة: لتكن قد وجدت كنزاً، أفيطير هذا الكنز من يدها إذا فارقت منزلها ليلة؟ لم يبق في المدينة أحد إلا أمَّ العقيق هذه الليلة، أفتبقى سهيلة في عزلتها الموحشة وهي الفتاة اللعوب؟ لا، لا. إنني لا أستطيع أن أفهم هذا.
قالت أمينة: مسكينة أنت يا رفيدة. تقولين إنها في عزلة؟ إنها في جنة الحب يا صديقتي؛ إن الدنيا على سعتها أضيق من هذا العش الذي تعيش فيه مع من تحب ...
* * *
стр. 135
وكان الفتيات في غمرة الحديث حينما مرّ بهن فارس يحمل لامته وسلاحه، قد أرخى عمامته وتلثم، فلم يعرفن من هو، وإنما نظرن إليه وهو يخترق جماعات الناس حتى جاوز الجماء وغاب وسط النخيل، فلم يحفلنه ولم يأبهن له.
وكان ذلك فرّوخَ زوجَ سهيلة.
وكان فروخ قد عزف عن اللهو ورغب عن المتع، فتلفّت إلى وجهة أخرى من وجهات الحياة في العصر الأموي؛ إلى حياة الجد، حياة الجهاد في سبيل الله.
وكان جيش المسلمين يسيح في الأرض يغمرها من كل جانب، كأنه البحر، لولا أنه بحر يمتد أبداً لا يعرف الجزْر ولا يدريه. وكان قد بلغ أواسط آسيا وأوائل أوربا، ولا يزال يمضي في وجهه لا يقف حتى يطوّق هذه الكرة ويرفع عليها علم الحق والهدى، ويوحدها حتى تمشي كلها إلى الفضيلة والمجد والخير صفاً واحداً ترفرف فوقه راية القرآن ... فترك فروخ منزله، وخلّف زوجه الحسناء تتقلب وحيدة على فراش العرس الذي لم تجف أزهاره، وأودعها ماله كله، ثلاثين ألف دينار، تحفظها له إلى أن يعود من جهاده وقد قضى حق الله عليه فيستأنف الحياة معها رغيدة سعيدة.
لم يدرِ فروخ أن جهاده في حفظ زوجه وعصمتها وإنشاء أسرة صالحة خير له من أن يدعها وحيدة، وأن يهجرها بعد أن أذاقها من كأس الحب الرشفة الأولى.
стр. 136
ومرت الأيام، ولبثت ليالي العقيق على أنسها وطربها، ولكن سهيلة التي كانت تملأ الوادي أنساً وطرباً وتشيع فيه السرور والبهجة قد اختفت في سمائها كما تختفي النجوم في الليلة الماطرة. أما رفيقاتها فلقد حرصن على أن يخففن من لوعتها وينسينها آلامها، وسقن عليها أمينة، رفيقة صباها وصاحبة سرها وأحب الفتيات إلى قلبها، فكانت تعرض عنها ولا تنظر إليها، وكنّ يسألن أمينة عنها كل ليلة فتقص عليهن ما رأت منها:
لقد جزت بها اليوم، فإذا هي (يا أسفي عليها!) قد تبدلت حتى كأنها لم تكن يوماً من الأيام سهيلة التي نعرفها. وجدتها قابعة في زاوية المنزل تفكر هادئة، وإن في قلبها لناراً ما يقر قرارها تذيب الحشى وتأكل القلب. فكلمتها فنظرت إليّ بعينين ساهمتين كأنهما لا تبصران شيئاً، فحاولت أن أعيدها إليّ فسردت عليها أجمل ذكريات صباها. حدثتها عن ليالي العقيق، وأطرفتها بنوادر أشعب، وقصصت عليها أقاصيص الشاعر وعبثنا به. بل لقد تلوت عليها أجمل أشعاره، فلم تستمع. فحدثتها عن فرّوخ، فرأيت جسمها يهتز ولونها يشحب شحوباً هائلاً، وألفيتها تحب حديثه لأنه رجْع أحلامها وصدى أفكارها، ولكنها تفزع من حديثه لأنه يذكّرها بآلامها. لقد حدثتها عنه، فقطعت عليّ حديثي وقالت بلهجة حسبتها تجمع كل ما في الدنيا من آلام وأوجاع: كلا ... إنه لن يعود. ولو أن امرأة أخرى كانت في مكانها لفسقت وانساقت في طريق الفحشاء، ولكن سهيلة في دينها وتقواها وشرفها أمنع من أن يستهويها الشيطان. وما أحسب إلا أنها ستجن إلا أن يتداركها الله برحمة منه.
стр. 137
فينطلقن يفكرن في سهيلة، كيف يسعدنها وينتشلنها من قرارة آلامها، فلا يجدن إلى ذلك من سبيل.
وكانت سهيلة قد علقت من زوجها وهي لا تدري، فلم تكن إلا شهور حتى بدا عليها الحمل واضحاً، فزادها ألماً على ألم، فأمعنت في الفرار من الناس والبعد عن صاحباتها، فضاعف الانفراد هواجسها وشجونها، فكانت تتلفت أبداً إلى الشرق البعيد، علّ نسمة من زوجها الحبيب تنعش فؤادها، وتسأل الغادين والرائحين عن فرّوخ (أبي عبد الرحمن) فلا تجد علماً عن أبي عبد الرحمن. فتناجي البدر وتسأله عنه عله يراه كما تراه هي، وتحمّل الرياح سلامها، وتسائل الشمس إذا أشرقت لعل عندها من أخباره علماً. لا تفعل ذلك كما يفعله الشعراء، فالشعراء يناجون البدر ويسائلون الرياح ليأتوك بالطريف العجيب من المعاني، ثم ينامون آمنين مطمئنين ويهجعون ملء عيونهم، ولكن سهيلة لم يكن يطيب لها منام ولا تُقبل على طعام، وإنما كانت حياتها كلها في هذا الماضي القصير الذي نعمت به حيناً ثم خسرته وهي أشد ما تكون حباً له وشوقاً إليه. وطغى عليها الفكر حتى كادت تجن حقاً؛ فلم يجد من يعنى بها من صديقاتها إلا وسيلة واحدة إلى نجاتها، هي أن يستعنّ عليها بأحد الأئمة من أصحاب رسول الله أو التابعين لهم بإحسان، يهديها ويرشدها ويداوي أمراض قلبها. وليس يغلب الحب إلا الدين، ولا يجد المحب راحة نفسه وأنس قلبه إلا في اللجوء إلى الله، عن نية صادقة وإيمان متين. ولقد وجدت سهيلة راحتها في اللجوء إلى الله، فكانت تقضي أكثر نهارها في مسجد رسول الله ﷺ ، في البقعة التي أذن الله أن تُنقل
стр. 138
من رياض الجنة فتستقر على الأرض بين محرابه ومنبره، وألا يرى أزهارها ويشم عبقها ويذوق نعيمها إلا من صفا قلبه من العلل، وتنزهت بصيرته عن العمى، وأنشأ له التقى جناحين يطير بهما في هذه «الروضة» من رياض الجنة.
* * *
ومرت الأيام ... وغدا ابنها «ربيعة» طفلاً يدرج، فصرفت سهيلة إلى تربيته همها ورضيت به نصيباً من الحياة. وكانت تحدثه عن أبيه وتصفه له كما كانت تراه بعين الحب، وترقب عودته دائماً، فلا تسمع بركب قدم من الشرق إلا تمنت أن تجده فيهم، وتخيلت أي مفاجأة وأي دهشة ... وتصورت لقاءه إياها، وبالغت في التصور فرأت نفسها بين ذراعيه، تقبله وتشم عبقه، ثم تقصيه عنها بدلال وتعاتبه عتاباً موجعاً. ثم تقدم إليه ابنه ... ولكن الركب يصل ولا تسمع عن فرّوخ خبراً من الأخبار.
وكبر الصبي وضاق ما كان بيدها من المال، فكانت تصبر وترتقب، لا تمد يدها إلى الكنز الذي ائتمنها عليه، حتى لم يبقَ معها شيء. فكانت تصبر هي وابنها على الضيق وتبيت على الطوى وتسلي ابنها وتحدثه عن أبيه: غداً يعود أبوك ومعه المال الوفير، فنعيش في رغد وهناءٍ ونستمتع بما أحل الله من الطيبات.
- ومتى يعود أبي يا أماه؟
- عما قريب؛ إنه سيأتي مع الركب.
стр. 139
وتعود إلى انتظار الركْب وتخيل اللقاء!
وفي ذات صباح ذهبت تسأل القادمين من خراسان وتصف لهم زوجها، فدنا منها رجل من القافلة وخبّرها أنه شاهده بعينه قتيلاً في معركة من المعارك. فرجعت محطمة يائسة، ولجأت إلى الله، فأراحها باليأس؛ واليأس إحدى الراحتين. فقنعت بابنها، ونذرت نفسها ومالها لتربيته وتنشئته على العلم والتقوى، ووضعت المال بين يديه ينفقه على نفسه وإخوانه في طلب العلم ويرحل به إلى الآفاق.
* * *
ومرت الأيام والسنون. وتبدلت الدنيا وتغيرت الدول، وأفل نجم بني أمية، ولكن البحر لا يزال يموج ويمتد ويغمر أرجاء من الأرض جديدة، فيحمل إليها الحياة والخصب وتعيش في ربيع دائم تحت راية القرآن.
وبلغ الفتح في الشرق أراضي الصين، فرفرف عليها علم الإسلام إثر معارك هائلة اصطرع فيها الحق والباطل صراعاً عنيفاً.
وفي عشية معركة من المعارك، خرجت منها الراية الإسلامية مظفرة منصورة وخفقت على بقاع جديدة طالما خفقت قلوب أهلها شوقاً إلى الحكم الإسلامي، انصرف المسلمون إلى المعسكر يؤدون في الليل واجب الذكر والعبادة كما أدّوا في النهار واجب الحرب والجهاد، ويعطون أجسادهم حقها من الراحة كما أعطوا
стр. 140
الأمة حقها من التضحية والبذل. ولقد كان هؤلاء المجاهدون جِناً في النهار ورهباناً في الليل، وكانوا مثالاً للشرف والفضيلة والإخلاص.
ومضى الهزيع الأول كله، ونام المجاهدون ولم يبقَ ساهراً إلا الحراس يجيئون ويذهبون من حول المعسكر، ورجل آخر أصابه الأرق فبقي مسهداً يحس كأن يداً خفية تهز قلبه، فيخفق ويشتد خفقانه، وتحمله على الرجوع إلى سالفات أيامه، فإذا هو يذكر عالماً بعيداً متوارياً في ظلام ثلاثين سنة، فلا يطيق البقاء في خيمته فيخرج إلى العراء، فيجد الليل ساكناً موحشاً لا يسمع فيه إلا نداء الحراس وأصوات الوحوش التي تزدحم على الجثث التي تغص بها ساحة القتال، فيبتعد عنها وينأى عن المعسكر فلا يعترضه أحد لأن الجيش كله يعرفه، بل لعله أقدم جندي فيه، لم يفارقه منذ سبع وعشرين سنة يتنقل فيها من ميدان إلى ميدان.
ومضى يمشي وحيداً حتى صار في الوادي، فجعل يجول فيه حتى بلغ قرارته. وكان يجري في الوادي جدول ماء له خرير وزئير، يبدو في الليل مرعباً مخيفاً، فتركه وتسلق الجبل حتى بلغ قُنّته فأشرف منها على الفضاء الواسع. وكان الفجر قد دنا فسرت خيوط ضعيفة من النور حيال المشرق، ولكنه أعرض عنها وولى وجهه تلقاء الأفق الغربي المظلم. فطفق يحدق فيه، ويحس كأنه ينشق منه أريجاً يحيي نفسه وينعشها. وجعل يحس بأن قلبه يرق رقة شديدة، ونفسه تسمو، وأن خيالات الحب تلوح لعينيه من وراء الأفق البعيد غائبة في ظلمتين؛ ظلمة الليل الذي لم ينحسر بعد، وظلمة الماضي البعيد. فجعل يتأملها، فيبصر وجه سهيلة وقد
стр. 141
وقفت على الباب تودعه وتسأله ألا يذهب، فلا يبالي بها ويمضي لطيته. وكانت ليلة قمراء. إنه يذكرها كأنها كانت أمس، ويذكر العقيق وأهله ... ثم يفكر في حاضره. إنه سيموت وحيداً شريداً لا يدري به أحد. إنه لا يبالي الدنيا ولا يحفل الناس، وحسبه أنه سيموت مجاهداً في سبيل الله، ولكن ألا يسأله الله عن زوجته؟
وأحس - في تلك الساعة - بإساءته إليها، وانطلق يفكر فيها: هل هي حية لا تزال أم هي ماتت حزناً وكمداً؟ وهل هي في المدينة أم قد رحلت فلا يدري أي أرض تقلها وأي سماء تظلها؟ وهل بقيت على العهد بها أم قد استهواها الشيطان ووطأ لها أكناف المعصية؟ والثلاثون ألف دينار؛ هذا الكنز، ماذا صنعت به؟ هل احتفظت به أم أنفقته؟ وإن تكن قد ماتت فماذا جرى على المال وأي يد ألقيت عليه؟
وطفق يذكر ويقلب صفحات سبع وعشرين سنة ... هجر فيها زوجته وتركها تتقلب وحدها على الفراش، تفكر فيه كل ليلة وتشتاق إليه وتمني نفسها بعودته في صباحها. تسعة آلاف وسبعمئة وعشرين ليلة ... غبرت عليها وهي تتجرع كل ليلة منها هذه الكأس. فماذا حملت من همّ، وماذا ذاقت من ألم؟ وهل بقيت بعد ذلك في الأحياء؟
وتمنى لو أن مخبراً يخبره عنها وعن ماله ثم يطلب إليه ما يشاء، وأحس كأن رأسه سيصدع من التفكير، ولكنه طفق يفكر على الرغم منه.
ذكر كيف لبث أياماً وليالي لا تفارق صورتها مخيلته، حتى
стр. 142
واجه العدو وانغمس في القتال، فلم يكن يذكرها إلا حين يأوي إلى فراشه. ثم أمعن في الجهاد، فلم يعد يذكرها أبداً، وظن أنه لم يبقَ لها في نفسه أثر حتى انفجرت ذكرياته كلها في هذه الليلة انفجاراً.
وجعل يتخيل هذه الدهشة اللذيذة التي ستغمرها حين تراه قد عاد إليها، ولم يعد يقوى على البقاء، وتمنى لو طار إلى المدينة طيراناً.
لقد خرج منها وهو شاب ما في وجهه ولا في رأسه شعرة بيضاء، فاشتعل رأسه ولحيته شيباً. وتصور - كرة أخرى - أنه سيموت فاستفظع أن يموت ولمّا يَرَ زوجته، ولمّا يقبض ماله، ولمّا يرَ العقيق ووادي النقا ومسجد الرسول.
واشتد به الحنين، فأسرع من فوره إلى القائد يستأذنه بالقفول.
* * *
عاد يطوي البلدان؛ لا يستقر في مكان ولا يقيم في بلد حتى يعاوده الحنين فيدعه يوالي مسيره، لا ينقطع لحظة عن التفكير في زوجته وماله، تلك الثلاثون ألف دينار، ثروته كلها وكنزه الذي يبني عليه الأماني. إنه سيضم إليه هذه الأربعة من الآلاف التي جمعها من عطائه ومن نصيبه من الغنائم. وكان يتصور ألوان الممكنات، ولكنه لا يطمئن إلى صورة حتى ينتقل إلى غيرها، لا يهدأ ولا يستريح، وكان يخشى أن يدركه الأجل قبل أن يبلغ
стр. 143
أمله، فَيَكِز فرسه ويعدو بها عدواً شديداً كأنما كان يسابق الموت. حتى إذا لاحت له طلائع الجزيرة، وبدت رمالها الأزلية التي أعجزت الجبابرة والفاتحين فلم ينالوا منها منالاً، وأعجزت الحياة فلم تقدر عليها ولم تدخل حماها ولم تخرج فيها نبتة مخضرة، وأعجزت الممات فلم يبدلها ولم ينل منها، فكأنها كانت تعيش فوق أنظمة الحياة والموت ... لما بدت له هذه الرمال اطمأن إليها وأنس بها، وأحس أن سَمومها روح لقلبه ونعيم، وأن شمسها المحرقة ظل عليه ظليل، وأن جبالها الجرد وبيدها القاحلة رياض في عينيه وجنات. وجعل يغذّ السير فيها حتى بدت له جبال المدينة تلوح له على حواشي الأفق، فلم يتمالك نفسه أن يصيح من الفرح ويطير إليه.
* * *
رقص قلبه في صدره حين بدت له طلائع المدينة ضحى، وأحس كأنه لم يرها قط بهذه البهجة وهذا الرواء. وكان ذهنه قد كلّ من التفكير فترك كل شيء للمقادير، وانطلق يعد نفسه لكل ما تفجؤه به. وكان قد صار حيال «أحد» فوقف يتأمله وهو مأخوذ برونقه وجماله، وهذه الألوان التي تمتزج فيها حمرة الرمال بزرقة الصخور وبياضها، فيكون منها صورة فاتنة لا يمل الناظر من النظر إليها. وكان فرّوخ يجد في النظر إليه لذة ويذكر فيه عالماً مبهماً من الذكريات والمتع، أنساه غايته لحظات، استدار على إثرها فترك العقيق عن يمينه (وكان خالياً في تلك الساعة من النهار)، وساق راحلته فانكشفت له المدينة ورأى مسجد رسول الله ﷺ (ولم
стр. 144
تكن قد أنشئت عليه هذه القبة لأن القوم لا يزالون إلى ذلك العهد على السنة الصحيحة، ولم تكن هذه البدع وهذه المظاهر قد عرفت طريقها إلى نفوسهم)، فذهب يؤم منزله وهو بسلاحه على راحلته، وكان يعرفه كأنه قد فارقه أمس. ولم تتغير المدينة عن عهده بها كثيراً، ولكن آثر أن يغلب هواه ويقهر رغبته، ويبدأ بمسجد الرسول. ومَنذا الذي يدخل المدينة ولا يبدأ بالسلام على رسول الله ﷺ ؟
صلى في الروضة، وسلم على الرسول، ثم تلفت فإذا هو بحلقة عظيمة تزدحم فيها العمائم، فتطاوَلَ فلم يبصر وجه صاحبها ولم يعرفه، فوقف يستمع فسمع عجباً أنساه الدار والمال والزوجة، فظل في مكانه حتى أذّن المؤذن بالعصر فانفضّت الحلقة، وذهب فرّوخ يصلي مع الجماعة فشغلته الصلاة عن كل شيء.
لم ير فرّوخ المدرّس ولم يعرفه، فذهب يسأل جاره. قال له: من صاحب الحلقة التي كانت هنا آنفاً؟
فحدق فيه الرجل وقال له: ألا تعرفه؟ ألا تعرف ربيعة الرأي؟ من أين أنت أيها الرجل؟
- غريب قدم الساعة. فمَن ربيعة الرأي هذا؟
- هذا فقيه البلد وإمامه. هذا شيخ مالك وسفيان الثوري وشعبة والليث بن سعد .. ألا تعرف هؤلاء؟ هؤلاء هم علماء المسلمين وأئمة الدنيا. هذا الذي يجلس في حلقته أربعون معتمّاً من شيوخ الحديث. أعرفت من هو ربيعة الرأي؟ هذا الذي أنفق على
стр. 145
نفسه وعلى طلبة العلم ثلاثين ألف دينار، أرأيت مثل هذا؟ أسمعت به؟ إنه لم يجلس للناس حتى بلغ من العلم والعبادة مبلغ مَن يشهد له ابن عمر، أفتعرف من هو ابن عمر أم أنت لم تسمع به؟
فقال فرّوخ: بلى؛ لقد عرفت، لقد عرفت. وقام إلى فرسه وقد ارتبطها بباب المسجد، فركبها وحمل رمحه وانطلق إلى داره، وقد هاجت في نفسه ذكرياته وشكوكه وعادت إليها صورة زوجته، فإذا هو يبصرها للمرة الواحدة والسبعين بثيابها البيضاء تشير إليه ألا يذهب، وصورة الثلاثين ألفاً.
ماذا جرى عليها، وأي جديد مفاجئ ستلقاه به المقادير؟
ولم تكن داره نائية عن المسجد، فبلغها بعد قليل ونزل عن فرسه ورمحه بيده، وهمّ بخفق الباب، فما راعه إلا شاب حسن الثياب، مكتمل الفتوة، يخرج منه، تشيعه امرأته. نعم؛ امرأته سهيلة. لقد عرفها من النظرة الأولى برغم ما تغيرت، ورآها بعينه تشيّع هذا الشاب ثم تدخل وتغلق الباب، فهاج دمه في عروقه وأقبل عليه مزمجراً صارخاً، فنحّاه عن الباب وهمّ بدخول المنزل، فعجب منه الشاب.
«وصاح به: يا عدو الله، أتهجم على منزلي؟ قال: بل أنت عدو الله، تدخل على زوجتي؟
وتواثبا، وتلبب كل منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران، وبلغ مالك بن أنس والمشيخة فأتوا يعينون ربيعة، فجعل ربيعة يقول: والله لا أفارقك إلا عند السلطان. وجعل فرّوخ يقول: ولا أفارقك إلا بالسلطان، وأنت مع امرأتي.