← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14296

قصص من التاريخ

علي الطنطاوي

Полный текст (333 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقفت على الباب تودعه وتسأله ألا يذهب، فلا يبالي بها ويمضي لطيته. وكانت ليلة قمراء. إنه يذكرها كأنها كانت أمس، ويذكر العقيق وأهله ... ثم يفكر في حاضره. إنه سيموت وحيداً شريداً لا يدري به أحد. إنه لا يبالي الدنيا ولا يحفل الناس، وحسبه أنه سيموت مجاهداً في سبيل الله، ولكن ألا يسأله الله عن زوجته؟ وأحس - في تلك الساعة - بإساءته إليها، وانطلق يفكر فيها: هل هي حية لا تزال أم هي ماتت حزناً وكمداً؟ وهل هي في المدينة أم قد رحلت فلا يدري أي أرض تقلها وأي سماء تظلها؟ وهل بقيت على العهد بها أم قد استهواها الشيطان ووطأ لها أكناف المعصية؟ والثلاثون ألف دينار؛ هذا الكنز، ماذا صنعت به؟ هل احتفظت به أم أنفقته؟ وإن تكن قد ماتت فماذا جرى على المال وأي يد ألقيت عليه؟ وطفق يذكر ويقلب صفحات سبع وعشرين سنة ... هجر فيها زوجته وتركها تتقلب وحدها على الفراش، تفكر فيه كل ليلة وتشتاق إليه وتمني نفسها بعودته في صباحها. تسعة آلاف وسبعمئة وعشرين ليلة ... غبرت عليها وهي تتجرع كل ليلة منها هذه الكأس. فماذا حملت من همّ، وماذا ذاقت من ألم؟ وهل بقيت بعد ذلك في الأحياء؟ وتمنى لو أن مخبراً يخبره عنها وعن ماله ثم يطلب إليه ما يشاء، وأحس كأن رأسه سيصدع من التفكير، ولكنه طفق يفكر على الرغم منه. ذكر كيف لبث أياماً وليالي لا تفارق صورتها مخيلته، حتى

стр. 142

واجه العدو وانغمس في القتال، فلم يكن يذكرها إلا حين يأوي إلى فراشه. ثم أمعن في الجهاد، فلم يعد يذكرها أبداً، وظن أنه لم يبقَ لها في نفسه أثر حتى انفجرت ذكرياته كلها في هذه الليلة انفجاراً. وجعل يتخيل هذه الدهشة اللذيذة التي ستغمرها حين تراه قد عاد إليها، ولم يعد يقوى على البقاء، وتمنى لو طار إلى المدينة طيراناً. لقد خرج منها وهو شاب ما في وجهه ولا في رأسه شعرة بيضاء، فاشتعل رأسه ولحيته شيباً. وتصور - كرة أخرى - أنه سيموت فاستفظع أن يموت ولمّا يَرَ زوجته، ولمّا يقبض ماله، ولمّا يرَ العقيق ووادي النقا ومسجد الرسول. واشتد به الحنين، فأسرع من فوره إلى القائد يستأذنه بالقفول. * * * عاد يطوي البلدان؛ لا يستقر في مكان ولا يقيم في بلد حتى يعاوده الحنين فيدعه يوالي مسيره، لا ينقطع لحظة عن التفكير في زوجته وماله، تلك الثلاثون ألف دينار، ثروته كلها وكنزه الذي يبني عليه الأماني. إنه سيضم إليه هذه الأربعة من الآلاف التي جمعها من عطائه ومن نصيبه من الغنائم. وكان يتصور ألوان الممكنات، ولكنه لا يطمئن إلى صورة حتى ينتقل إلى غيرها، لا يهدأ ولا يستريح، وكان يخشى أن يدركه الأجل قبل أن يبلغ

стр. 143

أمله، فَيَكِز فرسه ويعدو بها عدواً شديداً كأنما كان يسابق الموت. حتى إذا لاحت له طلائع الجزيرة، وبدت رمالها الأزلية التي أعجزت الجبابرة والفاتحين فلم ينالوا منها منالاً، وأعجزت الحياة فلم تقدر عليها ولم تدخل حماها ولم تخرج فيها نبتة مخضرة، وأعجزت الممات فلم يبدلها ولم ينل منها، فكأنها كانت تعيش فوق أنظمة الحياة والموت ... لما بدت له هذه الرمال اطمأن إليها وأنس بها، وأحس أن سَمومها روح لقلبه ونعيم، وأن شمسها المحرقة ظل عليه ظليل، وأن جبالها الجرد وبيدها القاحلة رياض في عينيه وجنات. وجعل يغذّ السير فيها حتى بدت له جبال المدينة تلوح له على حواشي الأفق، فلم يتمالك نفسه أن يصيح من الفرح ويطير إليه. * * * رقص قلبه في صدره حين بدت له طلائع المدينة ضحى، وأحس كأنه لم يرها قط بهذه البهجة وهذا الرواء. وكان ذهنه قد كلّ من التفكير فترك كل شيء للمقادير، وانطلق يعد نفسه لكل ما تفجؤه به. وكان قد صار حيال «أحد» فوقف يتأمله وهو مأخوذ برونقه وجماله، وهذه الألوان التي تمتزج فيها حمرة الرمال بزرقة الصخور وبياضها، فيكون منها صورة فاتنة لا يمل الناظر من النظر إليها. وكان فرّوخ يجد في النظر إليه لذة ويذكر فيه عالماً مبهماً من الذكريات والمتع، أنساه غايته لحظات، استدار على إثرها فترك العقيق عن يمينه (وكان خالياً في تلك الساعة من النهار)، وساق راحلته فانكشفت له المدينة ورأى مسجد رسول الله ﷺ (ولم

стр. 144

تكن قد أنشئت عليه هذه القبة لأن القوم لا يزالون إلى ذلك العهد على السنة الصحيحة، ولم تكن هذه البدع وهذه المظاهر قد عرفت طريقها إلى نفوسهم)، فذهب يؤم منزله وهو بسلاحه على راحلته، وكان يعرفه كأنه قد فارقه أمس. ولم تتغير المدينة عن عهده بها كثيراً، ولكن آثر أن يغلب هواه ويقهر رغبته، ويبدأ بمسجد الرسول. ومَنذا الذي يدخل المدينة ولا يبدأ بالسلام على رسول الله ﷺ ؟ صلى في الروضة، وسلم على الرسول، ثم تلفت فإذا هو بحلقة عظيمة تزدحم فيها العمائم، فتطاوَلَ فلم يبصر وجه صاحبها ولم يعرفه، فوقف يستمع فسمع عجباً أنساه الدار والمال والزوجة، فظل في مكانه حتى أذّن المؤذن بالعصر فانفضّت الحلقة، وذهب فرّوخ يصلي مع الجماعة فشغلته الصلاة عن كل شيء. لم ير فرّوخ المدرّس ولم يعرفه، فذهب يسأل جاره. قال له: من صاحب الحلقة التي كانت هنا آنفاً؟ فحدق فيه الرجل وقال له: ألا تعرفه؟ ألا تعرف ربيعة الرأي؟ من أين أنت أيها الرجل؟ - غريب قدم الساعة. فمَن ربيعة الرأي هذا؟ - هذا فقيه البلد وإمامه. هذا شيخ مالك وسفيان الثوري وشعبة والليث بن سعد .. ألا تعرف هؤلاء؟ هؤلاء هم علماء المسلمين وأئمة الدنيا. هذا الذي يجلس في حلقته أربعون معتمّاً من شيوخ الحديث. أعرفت من هو ربيعة الرأي؟ هذا الذي أنفق على

стр. 145

نفسه وعلى طلبة العلم ثلاثين ألف دينار، أرأيت مثل هذا؟ أسمعت به؟ إنه لم يجلس للناس حتى بلغ من العلم والعبادة مبلغ مَن يشهد له ابن عمر، أفتعرف من هو ابن عمر أم أنت لم تسمع به؟ فقال فرّوخ: بلى؛ لقد عرفت، لقد عرفت. وقام إلى فرسه وقد ارتبطها بباب المسجد، فركبها وحمل رمحه وانطلق إلى داره، وقد هاجت في نفسه ذكرياته وشكوكه وعادت إليها صورة زوجته، فإذا هو يبصرها للمرة الواحدة والسبعين بثيابها البيضاء تشير إليه ألا يذهب، وصورة الثلاثين ألفاً. ماذا جرى عليها، وأي جديد مفاجئ ستلقاه به المقادير؟ ولم تكن داره نائية عن المسجد، فبلغها بعد قليل ونزل عن فرسه ورمحه بيده، وهمّ بخفق الباب، فما راعه إلا شاب حسن الثياب، مكتمل الفتوة، يخرج منه، تشيعه امرأته. نعم؛ امرأته سهيلة. لقد عرفها من النظرة الأولى برغم ما تغيرت، ورآها بعينه تشيّع هذا الشاب ثم تدخل وتغلق الباب، فهاج دمه في عروقه وأقبل عليه مزمجراً صارخاً، فنحّاه عن الباب وهمّ بدخول المنزل، فعجب منه الشاب. «وصاح به: يا عدو الله، أتهجم على منزلي؟ قال: بل أنت عدو الله، تدخل على زوجتي؟ وتواثبا، وتلبب كل منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران، وبلغ مالك بن أنس والمشيخة فأتوا يعينون ربيعة، فجعل ربيعة يقول: والله لا أفارقك إلا عند السلطان. وجعل فرّوخ يقول: ولا أفارقك إلا بالسلطان، وأنت مع امرأتي.

стр. 146

وكثر الضجيج. فلما أبصروا بمالك سكت الناس كلهم، فقال مالك: أيها الشيخ، لك سعة في غير هذه الدار. قال الشيخ: هي داري، وأنا فرّوخ مولى بني فلان. فسمعت امرأته كلامه، فخرجت فقالت: هذا زوجي، وهذا ابني الذي خلفته وأنا حامل به. فاعتنقا وبكيا جميعاً، ودخل فروخ المنزل» (١). * * * قال فروخ لزوجته وقد خرج ربيعة وبقيا وحيدين: سامحيني يا سهيلة، لقد أسأت إليك. إني أحبك، أحبك. - أتحبني وقد صرت عجوزاً؟ - الجمال هو الإخلاص يا سهيلة. أحبك دائماً، إني أراك أجمل النساء. وانطلقا يتحدثان ساعة، فقال لها: هذه أربعة آلاف دينار، فأخرجي المال الذي عندك. لقد صرنا أغنياء يا سهيلة! مالك تترددين؟ ألا تخرجين المال؟

стр. 147

قالت: لِمَ لمْ تُصَلِّ في مسجد رسول الله يا فرّوخ؟ قال: لقد صليت فيه، ورأيت عجباً. سمعت من رجل يدعونه ربيعة الرأي كلاماً ما كنت أظن أحداً يقول مثله؛ لكأنه - والله - كلام الأنبياء. لقد ندمت على أن أنفقت حياتي ولم أطلب علماً. قالت: أيسرك أنك مثله وتخسر كل ما تملك؟ قال: نعم؛ إن ذلك ليسرني. قالت: فإن كان ابنك مثله، أيسرك أن تكون أنفقت عليه مالك كله؟ قال: نعم؛ ذلك آثر عندي. قالت: هو والله ابنك، وقد أنفقتُ عليه المال كله. ألا تشتريه بثلاثين ألف دينار؟ فوثب الرجل وهو يصيح: ابني؟ ربيعة الرأي ابني؟! وخرج يفتّش عن ابنه كالمجنون. * * *

стр. 148

هند والمغيرة في عشية (من عشايا سنة ٤١ للهجرة) ساكتة لا يُسمع فيها إلا الصمت، في برية هادئة لا يُرى فيها إلا السكون، كان يرى القادم على الحيرة - إذا هو اجتاز بدير هند، عند النخلة المتفردة التي قامت على الطريق - عجوزاً طاعنة، قد انكمشت وانطوت على نفسها وجلست صامتة وحيدة، تجيل عينيها الضعيفتين في هذه الدنيا الصامتة التي دارت من حولها، فتبدل كل شيء وهي ثابتة. كانت نبتة طرية مزهرة في ذلك الروض، فباد الروض كله وبقيت هي وحدها حطبة يابسة. وكانت كلمة في كتاب الماضي، فمُحيت سطوره كلها وبقيت هي وحدها الكتاب. هذه العجوز التي تراها فتحسبها قد فرغت من الهم واستراحت من الحزن، تطوي أضالعها على ذكريات ضخمة لعالم كامل أخنى عليه الدهر وأضاعه، ولم يدع منه إلا هذه الذكريات تحفظها وتحملها وحدها. إنها لا تعيش في دنيا الناس، ولا يعيشون في دنياها. إنها لا تعرف شيئاً مما يحيط بها، ولا تنسى شيئاً من عالمها الذي

стр. 149

افتقدته من زمان؛ عالم الحيرة، وعدي بن زيد، والنعمان ... العالَم الذي احتوى مسراتها وأحزانها وروحها، فلما مر حمل ذلك كله معه؛ فعاشت من بعده بلا حب، ولا مسرات، ولا أحزان، ولا روح، إلا هذه الذكريات التي تنقر كل يوم نقرة في قلبها. فلو كان حجراً صلداً لتفتت، فكيف وهو من لحم ودم؟ لقد بنت هذا الدير وتوارت وراء جدرانه، وعاشت منه في المنطقة الحرام بين الحياتين. فلا هي بحياة الناس الدنيا، فيها متعتها وملاهيها ومشاغلها، ولا هي بالحياة الأخرى. منطقة وراء الحياة ودون الموت هي معيشة الدير. وزادها ضيقاً وجموداً أنها في الدير وحدها، بَنَته لتأوي إليه تناجي فيه ذكريات حبيبها الذي فُجعت به وعافت لأجله الأرض برحبها وسعتها، وصبرت على هذا السجن الدهر الأطول، لا تدري مما وراء بابه إلا طرفاً مما يحمله إليها رجال القوافل الذين كانوا يمرون بها. وكان أقصى ما تصنعه إذا هي نشطت يوماً وأحبت أن تفارق منسكها أن تسلك هذا الطريق الذي طالما مر عليه فاتحون ومنهزمون، وسارت فيه الحضارة مصعدة وهابطة، ومشى فيه ملوك وسوقة، وسوقة وملوك، ذهبوا جميعاً إلى حيث لا يؤوب ذاهب، حتى تتعب من المسير فتجلس على رابية، وتشرف على البلد الحبيب: الحيرة، التي كانت يوماً موطن هواها، وكان فيها الإنسان الذي أعطته قلبها وأعطاها متعة العمر، فترى الحيرة لا تزال ترفل في حلل الخزامى والأقحوان، ولا تزال قصورها البيض تخطر تيّاهة بين البساتين، ولا يزال نسيمها معطراً بأنفاس المحبين، تطفو على وجهه همسات الغرام. ولكنها لم تكن تحيا فيها؛ كانت تفكر في

стр. 150

ماضيها. وما أصعب أن يعيش المرء في الماضي! ثم تذكر أنه لم يبق أحد من ناس بلدها الحبيب. لقد ذهبوا، ولا تدري أين ذهبوا ولِمَ بقيت هي وحدها من بعدهم؟ وجاء هؤلاء، ولا تدري من أين جاؤوا. حتى تغرب الشمس وراء الأفق البعيد وتمشي الظلمة إلى الكون، فتعود وفي قلبها ظلمة أخرى، ولكنها لا تأمل أن يكر عليها فجر يوم جديد. لقد خلّفت ضياء الفجر في طريق العمر فلا تملك أن تعود إليه. لقد كُتب عليها أن تعيش في ليل دائم، وصمت سرمدي، هو صمت هذه الصحراء التي وسع صدرها أسرار الزمان ثم أغلق عليه إلى الأبد. كم بين ترابها ورملها، كم تحت روابيها وقبورها من بقايا قلوب كانت محبة وكانت محبوبة، وأجسام كان فيها فتنة وجمال. وما أقرب ما يصير قلبها هي (أيضاً) تراباً فيها تطؤه أقدام لا تعرف أصحابها. فما الحب، وما الجمال، وما الدنيا؟ إنها زوال في زوال! وقامت العجوز تجر رجلها إلى الدير لتبدأ ليلة مملة طويلة، كآلاف الليالي التي مرت بها من قبل، ليالي لا آخر لها ولا أمل يسطع من خلالها. إن السجين يأمُل بالعفو ويرجو الحرية، ويتسلى بحديث الرفاق ويأنس بأحداث السجن. وهي لا ترجو شيئاً، ولا تأنس بأحد، ولا تتسلى بحادث. ولطالما أمضت ليالي قصيرة حلوة، تلك هي ليالي الحب والوصال، ليالي زوجها عدي فتى الفتيان وأبيها النعمان. إنها كلما فكرت فيها رأتها دانية منها قريبة كأنها لم

стр. 151

يطلع لها صبح، فأين - يا تبصر (١) - مكانها من الوجود؟ أفَنِيَتْ وعادت عدماً؟ لا، إن الفناء لا يقوى عليها. إنها موجودة في الكون كوجودها في ذاكرتها. إن الفناء لا يدرك حقيقتها كما أن النسيان لا يقوى على محو صورها. إنها لا تشبع من الإيغال في هذا الماضي لأنها كلما أوغلت فيه جَدّتْ لها طرق ظليلة لا عهد لها بها، قد أزهر فيها المجد وبدا السنا، ورُبىً على كل رابية فراش غرام مرشوش بالعطر والشعر، ووجوه أحبة كانت تعيش بهم ولهم. ولطالما اجتوَت (٢) (من محبتها هذا الماضي) حاضرَها فخامرتها فكرة الموت، فمشت تقصد النهر، حتى إذا أدنتها خطاها الواهنة من مياهه ورأتها تلمع كالمرآة أشفقت من الموت وهابته وارتدت عنه للمرة الخامسة بعد الألف. إنها لا تريد أن تموت ولا تزال متعلقة بحياة قد أقفرت من المجد والحب! * * * ولما دلفت إلى مخدعها في الدير سمعت ضجة، وقالوا لها إنه الأمير، المغيرة بن شعبة، يستأذن عليك. الأمير؟ ما لها وللأمير؟ ما شأنه بها؟ ما يبتغي لديها؟ أما

стр. 152

تركت له ولقومه ملك أبيها، فلِمَ لا يترك لها ديرها؟ وفكرت ... ثم أذنت له. فدخل عليها، فبسطت له مسحاً وسألته: ما جاء بك؟ قال: جئتك خاطباً! خاطباً؟! إنها كلمة لم تسمعها من عمر طويل، فلما طرقت سمعها هزت وتراً في قلبها كان قد صدئ ونسيت ضيفها وقفزت إلى الماضي فغابت عن حاضرها، وغرقت في ذهلة عميقة امتدت أبداً، والمغيرة يرقب جوابها، ولكنه كان أكيَسَ من أن يفسد عليها أحلامها، فانتظر صابراً. تخيلت أنها قد عادت فجأة تلك الفتاة التي كانت فتنة القلب والنظر وكانت مطمح الأنفس والفِكَر، قد جمع الله لها المجد كله والجمال كله، فهي عروس الزمان بهاء وحسناً، وهي بنت النعمان أعز عربي عزاً وأمجده مجداً. وأنها قد عادت أيام الحيرة، ورجع الفصح والشعانين، فخرجت إلى البيعة تتقرب فيها، فلما احتوتها البيعة وأمنت الأنظار ألقت عنها خمارها وأخرجت هذه اللؤلؤة من صدفتها، وأبدت ذلك الجسم الذي كانت تتقطع على الوصول إليه قلوب الرجال، ولم تدرِ أن الزمان أراد أن يؤلّف قصة حب تتلى بعد أربعة عشر قرناً، فجاء بعدي بن زيد، الشاعر الجميل، ليختلس النظر إليها ويقع في قلبه هواها. فلما رأته استترت منه وسبّت جواريها، وظنت أن القصة خُتمت قبل أن تفتح؛ لم تدرِ أنها قد سُطرت منها الأسطر الأولى لتكون سفر سعادتها العاجلة وشقائها الطويل. لقد كانت جاريتها مارية تحب عدياً ولا تجد إلى الوصول

стр. 153

إليه سبيلاً، إلا أن تأتي بهند لتُحِلّها مكان المحبوبة من قلبه، ترضي بذلك حبها ونفسها. وقد يفنى المحب في الحبيب فيبني مسرته على أساس من شقاء نفسه! ومشت بين عدي وهند تدير خيط الحب من حولهما، حتى غدا سبباً قوياً وجامعة لا تنقطع. لقد صبرت حتى مضى حَولٌ كامل على يوم الشعانين ونسيته هند، فواعدت مارية عدياً بِيعة ثوما، وأغرت هنداً بزيارتها فاستأذنت أمها فأذنت لها، وهنالك عرفت هند ما الغرام وذاقت غصصه. يا ويل مارية! لقد جعلت هنداً مهراً لها لزواج ليلة (١). لقد تعرضت لعدي غداة يوم ثوما فهش لها وبش (وقد كان لا يكلمها) وقال لها: ما غدا بك؟ قالت: حاجة! قال: اذكريها، فوالله لا تسألينني شيئاً إلا أعطيتك إياه. قالت: أريد ... وسكتت. وأدركها الخجل، ونطقت عيناها وفهم عنها، فأخذ بيدها إلى حانوت خمار في الحيرة. وكافأته بأن وعدته أن تحتال له في هند. وتتالت الصور على قلب هند، فذكرت ليالي زواجها بعدي. فكانت - لقوة الذكرى - تحس على لسانها حلاوة تلك القبل، وتجد على عنقها لذة ذلك العناق، وعاد قلبها شاباً (على أن قلب المرأة والشاعر لا يفارقهما الشباب أبداً). ومدت يدها إلى المغيرة تحسب أنه - لِما طغى عليها من الخيال - عدي الحبيب، فلما أحس بها أجفل منها وانتفض، فتهاوى الحلم وتهافت،

стр. 154

وهبطت المسكينة إلى أرض الحقيقة الصلدة، فإذا هي لم تفارق أرضها ولم تَطِرْ في سماء الأماني. وإذا هي تتحسس وجهها فتلقاه ذابلاً ذاوياً ذا غضون، ولا تلقى على لسانها من قبل الحبيب إلا مرارة الفقد، ولا تجد في قلبها إلا ذكرى الفاجعة (التي تركت لأجلها دنياها، وبنت ديرها فحبست فيه نفسها). فماذا يريد منها هذا الرجل الذي اقتحم عليها معتزلها في هذه العشية الساكتة؟ أجاء يخطب عجوزاً قد بقيت وحدها إرثاً من الدنيا التي فنيت واضمحلت (دنيا النعمان وكسرى) للدنيا التي يظهر أنها لن تضمحل أبداً (دنيا محمد ﷺ ؟ أيريد أن يتزوج ميتة تمشي؟ لا؛ بل هو يريدها لأنها ابنة النعمان. ونسيت تطوافها الأليم بمرابع ماضيها، وغاب عنها الحبيب الذي كان يتراءى لها من وراء حجب الزمان، وأدركها إرثها الماجد من حزم النعمان فقالت للمغيرة: «لو علمتُ أن فيّ خصلة من جمال أو شباب رغبتْك فيّ لأجبتك، ولكنك أردت أن تقول في المواسم: ملكت مملكة النعمان بن المنذر ونكحت ابنته. فبحق معبودك، هذا أردت؟ قال: إي والله. قالت: لا سبيل إليه» (١). * * *

стр. 155

وخرج المغيرة، وعادت العجوز إلى مكابدة الذكريات وحيدة في لياليها الطوال. وأعرض عنها التاريخ لا يلتفت إليها فيواسيها، لأنه لم يتعود الوقوف إلا على أبواب الملوك وفي ساحات الحروب! * * *

стр. 156

هجرة معلم يرى كل من يعبر البادية من شرقها إلى غربها (إذا هو قارب الساحل) سلسلة طويلة من الجبال، تلوح له من مسيرة أيام، زرقاء كأنها معلقة فوق الأفق أو غارقة في السماء. ولكن هذه الجبال تَضِحُ كلما دنا منها وتستبين، حتى إذا بلغها ألفاها بناءً عظيماً من الصخر الأصم، إذا حاول أن يتقصّى بنظره أعاليه سقط عقاله عن رأسه ولم ير شيئاً لأن أعاليه غائبة وسط السحاب المتراكم، فيقرّ في وهمه أنما هو جدار قائم يمسك السماء أن تقع على الأرض، ويقف حياله خاشعاً خاضعاً شاعراً بالمذلّة والهوان. هذه هي السلسلة الهائلة التي تخرج من الجنوب (من البحر) ثم تضطجع على الرمال بصخورها وجلاميدها، وأوديتها التي لا قرار لها، وذُراها التي ليس لها عدد، وسفوحها التي يضل فيها الهدى، وثناياها التي تموت فيها الحياة، وصمتها المهول، وجلالها الخالد ... تضطجع متمددة بهذا الجسم الأزلي الجبار، حتى تُصاقِب (١) الشام وتبلغ مشارفه، فتهبط سفوحها مترفقة سهلة متتالية حتى تفنى في تلك السهول الخضراء. * * *

стр. 157

إذا قُدّر لك أن تتوغل في هذه الأودية العميقة الموحشة، ثم تتسلق هذه الجبال ترتقي من ذروة إلى ذروة حتى تبلغ تلك القُنن (١) الشامخة التي لا يعلوها شيء، رأيت فيها طوداً باذخاً قد شهق واستطال في السماء، واستعرض حتى ضاعت جوانبه في هذه الجبال التي تتشعب من حوله صاعدة منحدرة في تسلق واتساق، كأنها الأمواج العظيمة في البحر الهائج الغَضوب، لولا أن ماءها الرمل والحصى وجَلْمَد الصخر، وأن عمر الموج ساعة وأنها من لِدات الدهر ... كما ضاعت أعاليه في الغمام المسخر بين السماء والأرض. على ضهر (٢) هذا الطود، فوق قلعة من تلك القلعات الراسيات، كانت ترقد القرية ببيوتها ودروبها وبساتينها، متوارية مختبئة ضالّة في فلوات السماء، تشرف على الأرض من فوق السحاب فلا ترى منها إلا خيال هذه الصحارى الواسعة يبدو من بعيد موشّىً بالرمال المتسعّرة الملتهبة والسراب الذي يظل أبداً لامعاً خدّاعاً كأنه الحياة الدنيا! هذه الصخور وهذه الأودية وهذه الصحراء هي - عند أهل القرية - الوجود كله! في طرف من أطراف هذه القرية كان يجثم بيت صغير منفرد قائم على شفير الوادي. إذا أنت دخلته لم تجد فيه إلا طائفة من

стр. 158

الأولاد يجلسون على حصير قد مات وفني وتقطعت أوصاله من قبل أن يولدوا، وشاباً على حشية قد طعنها الزمان فنثر أحشاءها. والشاب غض الإهاب حديث السن، ولكن نظرة واحدة إلى عينيه تريك أنه قوي الإرادة ماضي العزيمة، وأن له وقار شيخ في السبعين من عمره. وبيد الشاب عصا طويلة، يشير بها ويهزها فوق رؤوس الصبية وينال بها من أبشارهم، على حين يجيل فيهم نظرات مشتعلة يتطاير منها الشرر الأحمر تلذع أفئدتهم كلذع العصا أجسامَهم. تلك هي مدرسة القرية وهؤلاء هم تلاميذها، أما الأساتيذ فعقيل صاحب المدرسة، وزميله الشاب: كُلَيب! وكانت أمسية طلقة، أراق عليها الربيع بهاءه ورواءه، فصرف كليب التلاميذ ووقف على باب المدرسة - على عادته في كل مساء - ينظر إليهم وهم يقفزون من عتبتها، مفاريح بالنجاة من المعلم وعصاه الطويلة وسحنته المنكفئة المقلوبة أبداً، مماريح يضحكون للحرية والجمال والانطلاق، يعدون إلى القرية عدواً ... حتى إذا غيبتهم هذه الجدران في أطوائها، ولم يبقَ منهم في الرحبة أحد، وسكنت الحركة فيها، وسكتت الضوضاء التي انبعثت من أفواههم الصغيرة وحناجرهم الدقيقة الرنانة ... زفر كليب (المعلم الشاب) زفرة أليمة اقتلعها من أعماق صدره، وألقى عصاه، وولّى ووجه شطر الصحارى البعيدة يفتّش فيها عن الطريق إلى أمنيتّه التي طالما جاشت في نفسه، وعاودته، وكرت عليه، حتى أمست له فكرة لازمة، وبات لا يعرف غيرها ولا يفكر إلا فيها ولا يعيش إلا

стр. 159

لتحقيقها. وطالما حلم في نومه وفي يقظته أنه قد بلغ أمنيته فنعم بها ومرح في جناتها، ولكن الحلم يتصرّم وتعود الحقيقة الواقعة بوجهها الكالح القبيح، فيرى أنه لم يصل إلى شيء. ولّى وجهه شطر الصحارى. ولكنه لم ينظر إليها، وإنما جاز به خياله فيافيها المهلكة وقفارها الواسعة إلى تلك البلاد التي يسمع عنها، ويتسقط أحاديثها، ويحمل لها في نفسه أجمل صورة تنفرج عنها مخيّلة شاعر ملهَم أو مصور فنان (١)؛ إلى البلاد التي يعرش فيها الياسمين وينمو الآس ويُزهر التفاح والسفرجل، وتسيل الينابيع متحدّرة من أعالي الجبال الشجراء ... فوقف يحلم بالوصول إليها ويتأمل صورتها التي صنعها خياله، وأقامها أمام عينيه خاشعاً خشوع العابد في محرابه، مَشوقاً شوق المحب المتيّم إلى صاحبته، مستغرقاً استغراق الصوفي في مراقبته والحالم في أحلامه، لا يحس مما حوله شيئاً! وظل واقفاً شاخصاً إلى الأفق غارقاً في تأملاته، حتى لاح على الأفق من ناحية المشرق سواد خفيف، لم يلبث أن اشتد حتى شمل الصحارى النائية، ثم امتد حتى عم القفر كله، ثم تسلق السفوح حتى غمر القمم الواطية، ثم وصل إلى الذرى العالية فلفها هي والقرية في ثوبه القاتم وأحال الكون كله كتلة من الظلام ... عند ذلك انتبه كليب وأفاق من ذهلته، فذهب إلى منزله خائباً يجر

стр. 160

رجله جراً، وبات أَرِقاً مسهداً، ينتظر انبلاج الفجر ليحمل عصاه ويعود إلى صبيانه. * * * لم يكن كليب جاهلاً ولا محمّقاً، وإنما كان أديباً أريباً فطناً ذكياً، من أبلغ الناس لساناً وأجرئهم جناناً، وكان من أحفظهم لكتاب الله، وأبصرهم بالشعر، وكان فتى بادي الفتوة، قوياً ظاهر القوة، لا يعرف اللهو ولا يميل إلى اللعب، ولكنه يعرف الجد في أموره كلها، ويحب النظام، ويميل إلى الصدق، ويأخذ تلاميذه وأصحابه بشيء من القسوة أحياناً، واللين حيناً، وكان يجنح إلى الحزم ولو اضطره الحزم إلى كثير من الشدة والصرامة. ولم يكن يؤخذ عليه إلا هذه الأمنية التي كانت تخرج به - في كثير من أيامه - عن الوقار والحزم، وتدنو به - أحياناً - من اليأس والضعف، وتَعرضه على عيون الناس خفيفاً طياشاً، وهو الرزين الوقور، وتلقي الخلاف بينه وبين شريكه وزميله عقيل، الذي كان أعرق منه في الصناعة، وأعلى في السن، وأكثر اختباراً للحياة، وإن كان دونه في مضاء عزيمته وقوة شخصيته. حتى لقد اضطر عقيل إلى لومه مرراً، وحاول مرة أن يسخر من هذه الحماقة التي ملأت رأسه وأن يصرفه عنها، وأن ينتزع من نفسه الرغبة في الإمارة والسلطان ... ولا يجد ما يقوله فيصمت هو أيضاً ويعاودان العمل. وكثيراً ما كانت تطغى على كليب أحلامه، فتغلب عليه

стр. 161

وتستأثر به، فينسى حاضره الواقع ويعيش في مستقبله المأمول، فيحس كأنه في دست الملك لا على حشيَّة المعلم، وأن أمامه الحاشية والأعوان لا الأولاد والصبيان. فيرفع صوته آمراً ناهياً، ويستغرق في أمره ونهيه، ويعجب التلاميذ وتتحرك في نفوسهم طبائعهم العابثة، فتستبق القهقهات إلى شفاههم، ثم تجمد عليها يردها خوفهم من هذا المعلم العابس وخشيتهم إياه، ثم تغلبهم طبائعهم فينفجرون ضاحكين صائحين ... فيتنبه المعلم الشاب فيُبلسون، ويزعق فيهم فيسكتون. ويتكرر ذلك، ويقصه الأولاد على آبائهم وأهليهم فيكذّبونه باديَ الرأي، ثم يصدّقونه، ثم يشيعونه في البلاد، فيصبح ملء الأفواه والأسماع أن كليباً المعلم الشاب قد أصابه طائف من الجن، فيأسفون ويحزنون لما عرفوا فيه من البلاغة وما آنسوا فيه من الرجولة والحزم، ولكنهم لا يعجبون. وهل يعجب الناس من معلم يجن؟ إنما يعجب الناس من المعلم إذا بقي عاقلاً وهو يعاشر أبداً هؤلاء التلاميذ! * * * وفي ذات صباح غدا التلاميذ على مدرستهم فلم يجدوا معلمهم الشاب، وكان دأبه أن يسبقهم، فانتظروه فلم يحضر، فذهبوا يطلبونه في بيته، فعلموا أنه باع بيته ليلاً وقبض ثمنه. ففتشوا عنه في كل مكان يظنون أنه يأوي إليه ... فتشوا في كل زقاق من أزقة القرية، وفي كل ذِروة من هذه الذُّرى القريبة منها، وكل صخرة من هذه الصخور القائمة من حولها. فلم يجدوا له أثراً! ولما راح الرعاة في المساء سألوهم عنه، فقالوا: لقد رأيناه

стр. 162

منذ الصباح ينحدر وحده يقفز من حجر إلى حجر، فحييناه فلم يرد علينا تحيتنا لأنه كان ذاهلاً قد تعلق بصره بالأفق النائي ... ونظن أنه سار يومه كله، ولن تدركوه أبداً لأنكم لا تدرون أي سبيل سلك! فاسترجع أهل القرية، واستعبروا أسفاً على أن جُنّ هذا المعلم الشاب، وأيقنوا أنه سيموت في هذه البادية وحيداً شريداً. * * * سار كليب يومين كاملين على غير ما طريق مسلوك أو جادة واضحة، يبتغي المنازل والمنحدرات، تسلمه كل ذروة إلى التي تحتها وكل سفح إلى الذي يليه، لا يحس تعباً ولا يخشى أذى لأن آماله قد ملأته شجاعة وصبراً، ثم إنه كان في أول الطريق، فهو لا يزال نشيطاً قوياً ولا يزال زاده كاملاً، ثم إن الحر لم يكن قد غمر هذه الجبال، وهي - بعد - في أواسط الربيع. فلما بلغ الصحراء (والصحراء لاتعرف، إذا استَعَرت شمسها وحميت رمالها، ربيعاً ولا خريفاً)، ولما أوغل فيها واحتواه جوفها، ونفد ما حمل من الزاد، والتهبت شمس الضحى التهاباً، وغلى الهواء غلَياناً ... جففت هذه الشمس أحلامه الندية وأحالتها بخاراً، وطيرت أمانيه من رأسه، ووضعت عقله في جلده ومعدته، فواجه الحقيقة الواقعة؛ فإذا الصحراء الرحيبة الرهيبة تضيق به، وإذا هو يرى حيثما تلفت شبح الموت المروّع، بعظامه البادية وفكيه المرعبين وجمجمته الفارغة، يتراءى له على الأفق البعيد، يرقب أن يعانقه قبل أن يصل إليه. ويتمثل ذلك في خاطره فيشعر ببرودة هذه

стр. 163

العظام البادية تسري في جسمه، ويتصورها ملتفة حول عنقه فيحس بالقشعريرة تمشي في أعضائه، فيغض بصره عن الأفق فيتراءى له الشبح في هذه الرمال، ويخيل لنفسه أنها ليست إلا قبراً مفتوحاً فيكاد الخوف من الموت يهوي به ويقصف ركبتيه، فيرفع نظره عن الأرض، فيتراءى له الشبح في هذه الشمس التي تسكب عليه وعلى البادية وهج جهنم، فيغمض عينيه، فيتراءى له الشبح في الجوع الذي يلهب أمعاءه والعطش الذي يحرق جوفه والضلال الذي يملأ يومه وغده ... ثم يزول النهار، ويشتد أوار الشمس ويبلغ لهيبها قرارة دماغه، فينسى الجوع والعطش ولا يبتغي إلا شبراً من ظل ... فيعدو كالمجنون ههنا وهاهناك، والصحراء مبسوطة كالكف ليس فيها غار يأوي إليه ولا صخرة يستظل بها، ولا بشر يلجأ إليهم ولا شجرة يستذري بها، فينبش في الرمل بيديه وأظافره ليجد في بطن الأرض رطوبة يدس فيها أنفه ليريح رائحة الحياة، ويوالي النبش بجنون ثم يطمر رأسه في الرمل، فلا يزيد على أن يدفن نفسه حياً في رماد حار ... فيجفو الرمل وينطلق يعدو حتى ينقطع ويعلوه البُهر (١) ويحس بأنه سيختنق، فيقبل من ضيقه يلطم وجهه بكفيه وينتف شعره بيديه، ويلعن المجد والسلطان، ويلعن هذه الصحراء، ويلعن نفسه حين استجاب لهذه الحماقة فخاض الصحراء وألقى بنفسه في جوفها الملتهب. يندم أشد الندامة ويتمنى لو وجد إلى العودة سبيلاً، وهيهات

стр. 164

أن يجد إلى العودة من سبيل! لأن بينه وبين القرية هذه الجبال التي لا آخر لها، وهذه الصحراء وهذه الأودية، فإذا قطعها واستطاع أن يعرف طريقه بين آلاف التلال المتشابهة وآلاف الصخور المتشاكلة لم يعرف طريق النجاة من سخرية قومه، وهزء صبيانه. وهو ما لا يطيقه أبداً ولا يصبر عليه، ويرى الموت أخف منه حملاً وأحلى مذاقاً. وراح يذكر تلاميذه الصغار وطاعتهم إياه وحبهم له، ويذكر بغضاءهم وعصيانهم، ويذكر براءتهم وسذاجتهم، وخبثهم وشيطنتهم، ويذكر لينهم ويذكر قسوتهم ... فإذا هو يشعر بالحب لهم، ويغمره هذا الحب ويكون لقلبه برداً وسلاماً، ولمعدته رياً وشبعاً، ولروحه حياة. وينظر بعين الحب إلى قريته، ويعرضها كلها بطرقها وبيوتها وبساتينها وهذه المعابر التي سلكها مرات لا يحصيها عد، ويرى داره ويبصر كل حجر فيها وكل زاوية منها ... ثم ينظر إلى هذه الصحراء المترامية حوله، فإذا بها قد ابتلعت هذا الحب وجففته! وحياة الحب قصيرة المدى. وإذا به يحس بالألم، ويشم من حوله رائحة الموت، ويرى نفسه نبتة اجتُثت من الأرض وقُطعت جذورها، ثم ألقيت على هذه الرمال التي يُشوى عليها اللحم (١) لتجف وتعود حطبة يابسة بعد إذ هي غصن مورق فَيْنان،

стр. 165

ويخيل إليه أنه فقد حياته كلها حين فقد بلده وأهله وسعادته، فيلقي نظره على هذه الجبال التي خلفها منذ يومين فإذا هي بعيدة، بعيدة جداً، تبدو له خلال السراب اللامع كأنها صورة الأمل المنير، لا تكاد تظهر ... فيسترجع نظرته اليائسة مغسولة بدموع الندم، ويوغل في جحيم الصحراء، تائهاً، يائساً، يمشي إلى الموت. * * * حتى إذا أطفلت (١) الشمس، ثم ضعفت وشحب لونها، ثم أسلمت الروح فلبس الكون كله الحداد، ثم برد الرمل واستحال إلى فراش لين جميل ولاحت في السماء النجوم واضحة قوية ... شعر المعلم الشاب بالراحة فاستلقى على قفاه، يتنفس الصعداء من هول هذا اليوم ويتأمل النجوم، ويبصر امتداد الأرض والسماء من حوله؛ فيعجب من جمال الصحراء وبهائها وينتشي بنسيمها الرخي الناعش وسكونها الشامل وجلالها المهيب، ولا يستطيع أن يتصور كيف كان هذا العالم الجميل الفتان يموج قبل ساعات بأشباح الموت وتهاويل العذاب. ورجع (٢) الليلُ إلى الفتى المعلم حماستَه ونشاطه، وأترع

стр. 166

نفسه قوة وحياة، فرأى أمله الذي بخّرته شمس الضحى قد عاد رطباً ندياً، فجلس وحيداً بين هذه الملخوقات العظيمة: النجوم والسماء والليل والصحراء، يناجي أمانيه ويرسم طريقه إليها. وكان الليل ساكناً هذا السكون العميق الذي لا تعرفه المدن، ولا تدريه القرى، ولا يقدر عليه البحر، وإنما تعرفه الصحراء العظيمة بصمتها وضجيجها وقوتها ولينها، فراقه هذا السكون وملك عليه لبّه، فأصغى إليه إصغاء شديداً، فكان يسمع فيه نشيداً سرمدياً متصلاً، له من الروعة في القلب والأثر في النفس ما لا يكون مثله لهذه الموسيقى المتكلمة الهزيلة الصاخبة الضاوية، التي تخرج من أفواه ضيقة أو آلات حقيرة جامدة، وإن هي عظمت فإنما مخرجها أغصان الدوح الذي يرتل ترتيلة العاصفة، أو السحاب الذي يغني أغنية الرعد، أو البركان الذي يزأر زئير الموت ... أما الصمت فهو نشيد الصحراء الخالد وأغنية الوجود كله! غير أن هذا الصمت ينقطع فجاءَة، ويحمل نسيم الليل الهادئ إلى أذن المعلم الشاب صدى أصوات بعيدة وعميقة، كأنها خارجة من أجواف الغيران أو من بطون القبور. فلم يدرِ أهي من صنع الواقع أم هي من تزوير الخيال. ولم يحفلها، لولا أن النسيم حملها إليه كرّة أخرى وهي أقوى وأشد وضوحاً. ثم تبين فيها حداء حلواً، فتخيل القافلة وهي تضرب في الرمل الناعم البارد، والإبل

стр. 167

وقد راقها هذا الحداء فمدت أعناقها وأوسعت خطوها وهي طَرِبة سَكرى بخمرة الألحان، ولمس الفرَج يأتيه من حيث تأتي القافلة، وأرهف أذنيه يتسمع هذا الصوت الذي يدنو أبداً يحمل إليه الأمل والسعادة، فإذا بالصوت يتخافت ثم يضمحل وهو أشد ما يكون طرباً به وسروراً، ويسيطر على البادية هذا الصمت العميق، فيألم المعلم الشاب ويحس بالخيبة تحز في قلبه، ويضيق بهذا الصمت الذي كان ينعم به منذ لحظات. وتنعقد السحب فتحجب عن عينيه هذه النجوم المتلألئة (أو يخيل إليه أنها حجبت عنه)، فيدور ببصره، فلا يرى إلا مخلوقاً واحداً هائلاً يحف به من كل مكان فيحس بالرعب، وتثقل عليه هذه الوحدة الموحشة تحت ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة الصمت، وظلمة الخيبة ... ويهم بالتصريخ، ولكنه يقر ويسكن حين يرى هذه النجوم قد ظهرت دانية قريبة، كأنما هي قد استقرت على الأرض على قيد ذراعين منه، تتراقص على ظهر اللجة السوداء تحاول أن تخترق حجب الظلام بأشعتها الكابية الكليلة. وما ينفكُّ يحدق فيها، تختلط أفكاره في رأسه ويحس بأنه قد هوى في وادٍ مظلم سحيق ... ثم لا يحس بعد ذلك شيئاً لأن النوم قد غلب عليه وهو في مكانه. ويشعر المعلم الشاب بيد قوية تهزه هزاً فتقف كل شعرة في جسمه، ويفيق مذعوراً يظن أن الجن تداعبه وتوقظه، فيضغط جفنيه ضغطاً شديداً ويستر وجهه بكفيه، ولكن هذه اليد تقبض على كفيه فتنترهما نتراً، وتخالط أذنه أصوات عجيبة ولغط وضوضاء؛ فلا يشك في أنها أصوات الجن، ويفتح عينيه مضطراً

стр. 168

فإذا هو مسحور، قد بلغ منه السحر أن حجب عن عينيه هذه الظلمة الثقيلة التي كان يغيب في أثنائها وطمس أضواء القافلة الكليلة التي كانت تتراقص أمام عينيه، وبدّل كل شيء في لحظة واحدة ... فإذا الدنيا ممتلئة إشراقاً وضياءً، وإذا هو قد انتقل من الصحراء الجرداء إلى دنيا تَمورُ بالأحياء وتموج بالناس، فيبالغ في فتح عينيه وقد كاد يجن لفرط الدهشة ... ولا يشك أن هؤلاء الذي يرى طائفة من الجن. ثم يعود إليه وعيه ويصحو من نومه، فيتلو قول الله تعالى: ﴿يراكُم هُوَ وَقَبيلُهُ مِن حَيثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾، فيعلم أن ليس هؤلاء جناً لأن الجن لا يمكن أن يراهم بشر، ولكنه لا يزال على شكه. أين هو؟ وما هذا الذي يرى؟ فيقول لمن كان يوقظه: أسألك بالذي تحلف به إلا ما أخبرتني أين أنا؟ - أين أنت؟ أنت في هذه البادية! - في هذه البادية؟ وما هذه الـ ... - ويلك يا رجل! لقد حبست القافلة. - اسقوني شربة ماء. فيمضي الرجل ليأتي بالماء، ويحدث كليب نفسه: إذن، فأنا قد نمت إلى الصباح. - خذ واشرب. - الحمد لله. أشكركم. - لقد حبست القافلة. - وماذا تريدون مني؟

стр. 169

- نريد أن نعرف من أنت. إنا لنظنك عيناً للعدو، فمن أين أتيت؟ - أتيت من أعالي هذه الجبال أريد الشام، فضللت ونفد زادي وصهرت دماغي شمسُ الأمس، فعدت أركض على غير هدى حتى انتهيت إلى هذا المكان ... ولست عدواً لأحد. - وما اسمك؟ - اسمي كليب، من آل أبي عقيل. وأريد الشام، فهل تمنّون علي فتحملوني معكم؟ هذه هي دراهمي. ويفرغ كيسه على الرمل، فتتكوم الدارهم والدنانير تنعكس عليها أشعة الشمس فيخطف بريقها البصر. - وفر عليك دراهمك؛ إنّا لا نرزؤك شيئاً. أنت في حمى هذا السيد، فاركب جملك راشداً. ويطغى الفرح على نفس المعلم الشاب حين يقدمون إليه هذا الجمل القوي البازل، وينسيه أن يسأل عن هذا السيد الذي أصبح في حماه، وأن يشكره. ويعلو متن الجمل ببراعة الأعرابي وخفة الشاب الجبلي، ويسير به الجمل وهو يقلب بصره في هذه القافلة العظيمة، فلا يستطيع أن يدرك به آخرها أو يحيط بها، ويأخذه العجب حين يرى مِن حوله مدينة كاملة (برجالها ونسائها وبيوتها وحاجاتها وجندها وحماتها) تنتقل تحت عين الشمس. ثم يشرع الحادي بأغنيته فيصغي إليها كليب حالماً مأخوذاً. * * *

стр. 170

طوت القافلة الفلوات، تتجنب الطرق المسلوكة وتنأى عن القرى القليلة القائمة في الصحراء بين دمشق ويثرب، لئلا تجد فيها ما تخشاه في هذه الأيام المضطربة الحافلة بالثورات والحروب. وكان أصحابها دائبين ينزلون النهار إلا أقله، ويمشون أكثر الليل وجانباً من النهار، يتجنبون حر البادية ووهج الشمس، حتى رأوا «بصرى» تلوح لهم في اليوم السادس عشر، يبسم طيفها خلال أشعة الطَّفْل، فوثبت إليها قلوبهم، وطارت أمانيهم، وجدّت القافلة المسير؛ دأبَ المسافر إذا دنا من بلد أو شارف غاية. وكان المعلم الشاب أشدهم طرباً وفرحاً، فطفق يحدق في هذا الطيف ويتأمل هذه الرمال، يستمتع بأحلامه البهيجة الحبيبة، فيرى الرمال إذ تمتد في اتزان عجيب من قلب الجزيرة إلى أسوار بصرى، يحملها هذا التيار المنبثق من قلب بلاد العرب فيصبها في أرض الشام فتغمرها بروح الجزيرة وتعلمها معاني الرمل ... ومن معاني الرمل أن تكون الأمة مجتمعة كالرمل، كثيرة كالرمل، خالدة كالرمل، صابرة كالرمل. ويغيم طيف المدينة ويظلم ثم يختفي في ثنايا الليل، ولكن المعلم الشاب لا يزال ممعناً في التحديق، قد نسي القافلة وغفل عن الزمان، فلم يبصر اختفاء المدينة، وإنما كان يبصر أحلام الجزيرة التي استهوته حتى استسلم إليها ووضع في يدها قياده، فساقته إلى عالم ناء لا يدرك العقل قرارته ولا يبلغ غوره، عالم يفيض بالفتون والجمال والسحر، فظل يستمتع بفتونه وجماله أمداً طويلاً ... ثم قادته الذكرى إلى ماضي الجزيرة، فإذا هو يراها ممحلة مجدبة، قد تعرت من الخضرة كما تعرت من الحضارة،

стр. 171

وغاضت فيها ينابيع الماء كما غاضت ينابيع العلم. ثم يرى رجلين يسيران من «أُم القرى» إلى تلك «المدينة» النائمة بين الحرّتين، فينبت الزهر تحت أقدامهما، وتخضرُّ الرمال التي يطؤونها، وتكتسي البادية من حولهما أثواب الحياة. ويرى هذا الرجلَ يستقر في تلك «المدينة» فيبعث من بين حَرّتيها صيحته القوية، فيوقظ النيام ويحيي الجماد ويبعث في النفوس الفضائل والأمجاد، فإذا الجزيرة برملها وصخرها وشمسها المحرقة وجبالها الصلدة تسير وراء محمد ﷺ (أعظم إنسان وأفضل نبي) لتحمل الحياة إلى سهول الشام والعراق. يا عجباً، يا عجباً! الصحراء القاحلة تمنح الحياة للسهول والبساتين؟! رأى الجزيرة تمشي وراء محمد ﷺ لتكون موقد المعركة الحمراء التي أكلت الظلم والرذيلة والطغيان، ثم تمشي ثانية لتكون رمالُها بذورَ الأزاهير والأشجار في السهول الخضراء، ثم تمشي مرة ثالثة لتكون قرائحها وأدمغتها مادة هذه الصحف المجيدة البيضاء، ثم، ثم ... ثم بالغ رفيقه في هزه فانتبه كليب. - أفي كل يوم إغفاءة أو إغماءة؟ ما لك أيها الرجل؟ - ... - انزل؛ هذه أسوار بصرى. * * * نزلت القافلة تحت أسوار بصرى في موهن من الليل، فلم تبصر في بصرى إلا قطعة من الظلام الراكد، ولم تجد أثراً لذلك

стр. 172

الطيف البراق الزاهي الذي كان يتراءى لها راقصاً على أشعة الطَّفَل. فهجعت مكانها تنظر الصباح. نامت القافلة يحرسها الحراس، ونام كليب نوماً عميقاً لا يطفو على وجهه حلم، حتى أحس بأنفاس الفجر الباردة على خديه، ففتح عينيه، فرأى طلائع الفجر تضطرب تلقاء المشرق في خطوط ضعيفة كأنها أضواء المصابيح الكليلة، فراقته وتعلق بها بصره. وما شيء يمتلك لب الرائي ويأخذ عليه مشاعره مثل انبلاج الفجر في الصحراء، حين يكون سفير النور، ومهبط الآمال على هذه النفوس التي ملت ظلام الليل وما يعيش في الظلام من مصائب وأوهام. ولم يستطع كليب أن يحمل وحده كل هذا الجمال، وأحب أن يجد صديقاً يشاركه حمل الشعور فكان يلقي على رفيقه النائم (من غير أن يحول وجهه عن المشرق): ما أجمل هذا! وكان صوته هامساً خافتاً كأنه كان يناجي نفسه، فإذا لم يجبه أحد وطغى عليه شعوره عاد يقول: ما أجمل هذا! ألا ترى؟ وكان الفجر قد انبلج واستوى عموده، وامتدت خيوطه فإذا هي تملأ الفلاة كلها، وتَحْسِر عن هذه المشاهد التي كانت مخبوءة وراء حجاب الليل، فإذا هي بارعة فتّانة. ولم يكن صاحبنا المعلم قد رآها من قبل، فشُده حين ظهرت له بغتة كأنها لوحة فنية أُزيح عنها غطاؤها، أو كنز فُتح له بابه، أو متحف فيه كل جميل أخّاذ أُضيئت له جوانبه؛ فلم يدرِ أين كان هذا كله مخبوءاً، وحارت نفسه بين خضرة البساتين التي تحف بالبلد: أينعم النظر إليها ويذوق حلاوتها بعد هذه الأيام الطويلة التي ذاق فيها مرارة البادية،

стр. 173

ويصغي إلى تهامس أوراقها المتلاصقة ونجوى أفنانها المتعانقة، أم يتأمل هذه البنى العظيمة التي أودعها الفنانون أبدع ثمرة من جنى قرائحهم الخصبة، ونزلوا لها عن أجمل نتاج لعبقريتهم ونبوغهم، لتكون عروس البادية، تخطر بعظمتها وجمالها وتتهادى بزخرفها وزينتها على الرمال الخالدة. وكان الفجر قد امتد إلى نفس المعلم الشاب، فأضاء له عوالمها كما أضاء هذا العالم، وحسر له عن آماله التي كانت مختفية في ظلام الأسفار كما كانت هذه المشاهد غائبة في سواد الليل، فعاد إليها وتمثلها قوية ظاهرة، وأحس كأن فجر حياته الماجدة قد انبثق فختم صفحة هذا الليل الأسود الذي قضاه معلماً في أعالي الجبال، ليفتح صفحة النهار الوضاء الذي يقضيه في المدن الكبيرة أميراً عظيماً. وتلهّى بأحلامه عن هاتين اللوحتين اللتين حار بينهما أولاً: اللوحة التي وشاها الربيع واللوحة التي زينها الفن، وانطلق يفكر في دمشق: ماذا تكون إذا كان هذا كله لقرية من قراها؟ * * * بقيت القافلة في بصرى ريثما باعت واشترت وقضى تجارها وطراً من الربح والكسب، ثم توجهت تلقاء دمشق. وكان المعلم الشاب يكلف ذهنه ضروباً من الكد ليُمثّل له صورة لدمشق تشبه ما كان يسمع عنها من الأخبار التي كانت تشيع في الأرض، حتى تبلغ تلك الذرى العالية التي تهجع عليها قريته فتُنشَر فيها مكبرة منفوخة مكسوة بأنواع المبالغات: تُصوّر له دمشق جنة كالتي وُعد

стр. 174

المتقون، لها من العظمة والجلال ما تتضاءل أمامه عظمة «المدائن» التي كان يتحدث بها العجائز من قومه، وتُخيّل له من جلال الخليفة وضخامة سلطانه ما يصغر معه ملك كسرى ويهون ... ولِمَ لا؟ وملك كسرى كله عمالة من عمالات الخليفة وولاية من ولاياته! كان المعلم الشاب يكد ذهنه ليتصور دمشق ويتبين طريقه إلى النجاح فيها، وكان يحسب - لطول ما عزم على السفر وتردد فيه، ولعظم ما لاقى من الأهوال والمشاق - أنه ليس بينه وبين المجد والولاية إلا أن يهبط دمشق، فإذا هو والٍ أو أمير! وكانت القافلة قد علت نشزاً من الأرض فانكشفت أمامها دمشق العظيمة؛ أقدم بلدان الأرض وأجملها، وهي في مثل حلة العروس، يضحك في أعطافها الجمال، تميس بثوب العرس الأبيض الشفاف الذي نسجته أكف الربيع من زهر المشمش الهفهاف، تموج في خديها دماء الشباب ظاهرة في زهر الدراق الأحمر الفاتن، وعبق أزهارها يعطر الجو كله، الأرض والسماء والجبال والصحارى المجاورة ... فأُخذ كليب بها أخذاً، ورقص لها قلبه، وفتن بها فتوناً. ومن ذا الذي يرى غوطة دمشق (وهي في ثوب الربيع) ثم لا يرقص لها قلبه ولا يفتن بها فتوناً؟ ومن ذا الذي يقطع عرض الفلاة، حيث يعتدّ ظل الصخرة القائمة جنة حادرة، ويرى الحشيشة الخضراء روضة الدنيا، ويرى البئر الآسنة مورداً صافياً، ثم يطل على الغوطة، جنة الأرض حقاً وروضة الدنيا، بأشجارها المزهرة المتعانقة وأدواجها الباسقة، وعيونها الدافقة وأنهارها الرائقة، ووردها وزهرها، وطيبها وعطرها، وفتونها

стр. 175

وسحرها، ثم لا يجن بها جنوناً؟ وهل عدّ العرب الغوطة إحدى الروائع الأربع في متحف الطبيعة إلا بعد نظر وفكر؟ كان كليب سابحاً في أحلامه وهو أشد ما يكون بها استمتاعاً حينما ارتفع هذا الغبار من ناحية الشرق عالياً عريضاً، راع القافلة فوقفت تنظر إليه مذعورة. فجفا أحلامَه ووقف مع القافلة ينظر، فإذا الغبار يعلو، ثم تضربه الرياح فيتفرق، ثم يعود فيجتمع. ويفزع رجال القافلة الكبيرة ويظنون الظنون، ويصغي كليب إلى حديثهم فيفهم منهم أنهم لا يدرون ماذا يُراد بهم ولا يعلمون ما هذا الغبار، ويوغلون في الحديث ويتشقق بينهم، فيكشف لكليب عن أشياء كثيرة لم يكن يعرفها وهو في قريته العالية. يعلم كليب أن الدولة في أزمة من هذه الأزمات الخطرة التي تعرفها الدول حين تعصف بها عواصف الانقسام والحرب الداخلية، وأن عبد الملك قلق مُسهَد لا ينام الليل إلا لماماً، فإذا هجع رأى شبح ابن الزبير ينقضُّ عليه فقام مرتاعاً، يخشى أن ينتزع منه الشام ومصر كما انتزع الجزيرة كلها والعراق وخراسان وصار الحاكم المطاع في شرق البلاد وجنوبها، وطالت مدته وامتد حكمه. ثم تنقطع أحاديث القوم، وينظرون إلى الغبار الداني وسيوفهم في أيديهم، ومقاتلتهم أمامهم مستعدون للقتال، فينشقّ الغبار عن الراية الأموية التي يبعث مشهدها الطمأنينة في نفوسهم، ويخرج من تحته بضع مئات من جند الشام، يخالطون القافلة الكبيرة ويكشفون أمرهم على عجل، فيعلم رجال القافلة أنهم حيال فرقة من حرس الصحراء خرجت من دمشق منذ أسبوع لتجول في هذه

стр. 176

الفلوات القريبة، تقيم العواصم والمخافر ثم تعود لتفسح المجال لفرقة أخرى، فتجاوزت حدها وأمعنت في الضرب إلى الجنوب حتى دخلت أرض ابن الزبير، والتقت بهذه الفرقة الحجازية التي كسرتها وردتها على أعقابها ولحقتها لتقضي عليها. وهز هذا الحديث القصير رجال القافلة، فاصطفوا للقاء الفرقة الحجازية التي دنا غبارها، وتلفتوا يفتشون عن الرجل الذي يقودهم إلى المعركة ويشق لهم طريق الظفر ويُلزمهم طاعته إلزاماً، ولن يكون هذا الإلزام إلا بقوة الشخصية وبلاغة اللسان وكبر النفس، وكانت ساعة انتظار وتردد توجهت فيها الأنظار إلى كثير من السادة فخيبوا رجاء الناس فيهم، وأوشكت الفرقة الحجازية أن تصل وهم على جمودهم وانتظارهم. عند ذلك تقدم كليب الذي كان يغالب نفسه ويقسرها على السكون ويمسك بركان حماسته أن ينفجر؛ تقدم حين عجز عن ضبط نفسه، ففتح له طريقاً وسط الفرسان وقد رأى أمانيّه أدنى إليه من أنفه، ومضى فيه مضي السهم حتى صار في رأس القوم، وهم يعجبون منه، وينتظرون أن يقودهم كل رجل في القافلة إلا هذا الشاب الذي أمضى طريقه كله صامتاً حالماً، لم يتحدث بحديث ولم ينطق بكلمة، والذي يظنونه عيياً لا يبين ولا يعرب عن نفسه. ولكن عجبهم لم يطل، فإن الفتى انطلق يخطب فيهم خطبة صارخة مجلجلة تلتهب كلماتها التهاباً، وتحرك جملها الجلاميد الصُّم، وتدع الجبان المخلوع القلب وهو البطل الحُلاحِل (١). وكان صوته القوي يمشي إلى حبات القلوب

стр. 177

فتصيبها منه رجفة كما يرتجف الرجل يمسك بسلكة الكهرباء، وكانت إشارة يده وسمات وجهه تنطق بمعانيه قبل أن ينطق بها لسانه، فتحرك الناس وتقودهم حتى كأنهم معلقون بأصبعه. ولم ينته المعلم الشاب من خطابه حتى كان القوم قد خلعوا نفوسهم التي أضناها طول السفر، وأرمضها حر الصحراء، وأضعفها التردد والإحجام، ولبسوا نفوساً جديدة ماضية لا تعرف التردد، قوية لا تعرف التعب، مؤمنة بالظفر لا شك عندها فيه. ولم ينته من خطابه حتى كان الجند الحجازيون قد وصلوا؛ فأطلق من فيه صرخة الحرب، وأغار كالقضاء النازل، ينشد أنشودة الموت والجند ومسلّحة القافلة من ورائه تردد النشيد فتميد له البيد. فلم تكن إلا جولة واحدة حتى آثر الحجازيون السلامة، ففروا لا يلوون على شيء. واستراحت القافلة حيناً ثم أخذت طريقها إلى دمشق يقدمها كليب «المعلم البطل». * * * كانت دمشق في زلزال شديد، وكان أهلها في هيجان واضطراب، ينتظرون المعركة الفاصلة بينهم وبين ابن الزبير، لينجو العالم الإسلامي من هذا الانقسام الذي ينكره الإسلام ويأباه أشد الإباء، ليعود إلى الوحدة التي جعلها أساس الحياة الدنيوية للمسلمين، كما جعل التوحيد أساس الدين. ولكن أهل دمشق فزعون مشفقون على الخلافة الأموية أن تنهار وتتحطم، وهم بُناتها وحُماتها، يرقبون الأحداث ويتسقطون

стр. 178

الأخبار، ويعدون نفوسهم للتضحية الكبرى في سبيل المبدأ القويم والغاية السامية، كدأب المسلمين في كل عصر وآن. وكان «قصر الخضراء»، مثوى الخلافة وسرة الأرض، في حركة دائمة؛ فمن مجلس يُجمع للشورى، إلى ألوية تُعقد للدفاع. وكذلك كان قصر «مستشار الدولة»، رَوح بن زنباع، الذي أمّه كليب المعلم الشاب صبيحة وصوله إلى دمشق، يقوده إليه زعيم الجند الذين أنقذهم كليب وأعانهم على عدوهم، ليلقى عند روح جزاءه. وكان قصر روح قائماً في ظل المسجد دانياً من باب الفراديس، يجري من تحته بردى متوارياً في حِمى القصر ثم يظهر كرة أخرى، يتحدر ويهدر هديراً سائغاً عذباً وسط جنة دانية القطوف متشابكة الأفنان، قد اتخذ فيها مجلساً يقوم على سيقان من خشب الجوز المنقوش، منغمسة في بردى تغسلها أمواهه دائماً وتداعبها أمواجه الصغيرة، فتقرصها ثم ترتد عنها ضاحكة مقهقهة، وسماء هذا المجلس أغصان الأشجار قد تعاطفت وتعانقت يزينها الياسمين بزهره الناعم العطر، وحول هذا المجلس إطار من الورد والنسرين والنرجس والبنفسج، فهو جنة تنعم فيها العين بهذه الأزاهير المؤتلفة الألوان المختلفة الأشكال، تتمايل وتتهادى حين يسمها هذا النسيم الرخي، فيفوح من أعطافها هذا الشذا الطيب الذي ينعم الأنف برياه، كنعيم الأذن بهذه (الأوركسترا) الإلهية التي تعزف ألحان الفطرة الجميلة الساحرة على حناجر البلابل والشحارير، وبردى فوق هذا كله يغني لحنه

стр. 179

السرمدي، وتنعكس على صفحته المتموجة ألوان الزهر فيكون منها لوحة فنية تزري بألوان الغروب في لجة البحر. والقصر طبقتان من الرخام الأبيض والأسود والمجزع، له رواق على بابه قائم على أساطين من المرمر، قد استفرغ صنعُها وتزيينها عبقريةَ البنّائين والمهندسين فبدت آية معجزة في لغة البناء، تحس لدقتها وإحكامها كأنما هي حية ناطقة نشوى بخمرة هذا الأريج العطر الذي يفوح من أشجار البرتقال والليمون، المكللة بالأزاهير، التي تنافس بعطرها الورد والياسمين، وأشجار المشمش التي تظهر بزهرها الأبيض الشفاف كأنما هي في حلة من الثلج الحي المعطر، وأشجار الدراق التي تبدو بزهرها الأحمر كأنما هي محب ورّد وجنتيه الخجل، وأشجار الحور سكرى تميس بثوبها الجديد الذي خلعته عليها أيدي الربيع ... يتوّج هذا كله منارةُ المسجد الشاهقة في السماء، تنشر في الدنيا كلها العطر السماوي الخالد، وتريق عليها السمو والجلال، فتطهر الأرض من الشرك والرذائل وتطهر النفوس من المطامع والشهوات، وتهبُ على الوجود نسمة من نسمات الجنة حين يخرج منها النداء: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله». كانت دمشق (وما تزال، وستبقى دمشق) جنة الأرض، ودرّة تاجها، وواسطة عقدها؛ ليس في الأرض أجمل منها ولا أحفل بكل محبوب ساحر أخاذ مما يُشَم أو يُرى أو يُسمَع ... وكان قصر روح من أجمل ما في دمشق، وكان فوق الجمال جليلاً فخوراً بساكنيه، يملؤه الحجّاب والجُند وذوو الحاجات، فلا ينصرفون إلا وافرين غانمين شاكرين.

стр. 180

كان محط الجمال والجلال، ولكن كليباً (المعلم البطل) لم يحفل شيئاً من هذا ولم ينظر إليه، لأن من عادته ألا ينظر إلا أمامه، لا يلتفت يَمنة ولا يَسرة لئلا يشغله عن غايته شاغل أو يعوقه معوق. وكانت آماله هي غايته، فمضى إليها قدماً لا يبصر إلا ظهر الجندي الذي سبقه ليدله على الطريق في هذا العالم الصغير، حتى دخل على المستشار. * * * ندع كليباً في حضرة رَوح بن زنباع مستشار الدولة، ونقفز قفزة واحدة إلى واسط مدينة الحجاج؛ نقطع في هذه القفزة سنوات طوالاً مليئة بالأحداث الجسام، من قتل مصعب وعبد الله ابنَي الزبير، إلى عودة الوحدة الإسلامية على يد عبد الملك والحجاج ... فنرى في شوارع واسط الفسيحة شيخاً أعرابياً حافياً يلتفت تلفّت المشدوه الذي لم يُبصر في عمره مدينة كبيرة، يتوسم في وجوه الناس بفضول ظاهر فيفرون منه، حتى زال النهار وكلّت رجلاه من المسير، فجلس في ظل دار من هذه الدور الجديدة كئيباً حزيناً. - ما لك يا عم؟ - ... ... - ما لك؟ أخبرني، ما شأنك؟ فيرفع الأعرابي رأسه ويحدّق في وجه الرجل، حتى يطمئن
следующие страницы →